← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ) بفتح الواو والمُعجَمة آخره راءٌ، أي: لطخٌ (مِنْ صُفْرَةٍ) أي: صُفْرَةُ خَلُوقٍ، والخَلُوق طِيْبٌ يُصنَع من زعفران وغيره (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْيَمْ؟) كلمة استفهامٍ مبنيَّةٌ على السُّكون، وهل هي بسيطةٌ أم مُركَّبةٌ؟ قولان لأهل اللُّغة، وقال ابن مالكٍ: هي اسم فعلٍ بمعنى «أخبِرْ»، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ: فقال له: «مهيم؟» وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشَّيء، وعند المصنِّف في رواية حمَّاد بن زيدٍ [خ¦٥١٥٥] «قال: ما هذا؟» (قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) قال البيضاويُّ: يحتمل أن يكون (١): «مهيم» استفهامًا إنكاريًّا؛ لِمَا تقدَّم من النَّهي عن التَّضمُّخ بالخلوق، فأجابه بقوله: تزوَّجت، أي: فتعلَّق بي (٢) منها ولم أقصده، ويأتي مزيدٌ لهذا -إن شاء الله تعالى- في موضعه، وقد جزم الزُّبير بن بكَّارٍ في كتاب «النَّسب» أنَّ التي تزوَّجها بنت أبي الحَيسَر -بفتح المهملتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ آخره راءٌ- واسمه أنس بن رافعٍ الأوسيُّ؛ كما مرَّ قريبًا (فَقَالَ) ﵊ له: (مَا سُقْتَ فِيهَا؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «إليها» بدل «فيها» وفي رواية حُمَيد الطويل (٣) في «الوليمة» [خ¦٥١٦٧] «كم أصدقتَها؟» (قَالَ) عبد الرَّحمن: سقتُ إليها (وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَو نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي كما مرَّ، واستنكر الدَّاوديُّ رواية: «وزن نواةٍ»، ورجَّح الثَّانية، ورُدَّ عليه بأنَّ في رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهَيبٍ [خ¦٥١٤٨] «على وزن نواةٍ» وكذا لغيره بالجزم، وهم أئمَّةٌ حفَّاظٌ، فلا وهم في الرِّواية؛ لأنَّها وإن كانت نواة تمرٍ أو غيره لها قدرٌ معلومٌ يصلح أن يُقال: «وزن نواةٍ» ولعلَّ المراد: نوى التَّمر؛ كما يُوزَن بنوى الخَرُّوب، وقيل: كان القيمة عنها يومئذٍ خمسة دراهم، وقيل: ربع دينارٍ كذا قرَّره بعضهم، وعُورِض: بأنَّ نوى التَّمر يختلف في الوزن، فكيف يُجعَل معيارًا لِمَا يُوزَن به؟ وبقيَّة مبحث ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في موضعه بعون الله وقوَّته (فَقَالَ) ﵊ له: (أَوْلِمْ؛ وَلَو بِشَاةٍ) استدلَّ به: على تأكيد أمر الوليمة؛ إذ إنَّه ﷺ أمر باستدراكها بعد انقضاء الدُّخول، ويأتي إن شاء الله تعالى اختلاف الأئمَّة هل وقتها عند العقد أو عقبه (٤)، أو عند الدُّخول أو عقبه، ومُوسَّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدُّخول [خ¦٦٧/ ٦٧ - ٧٦٦٦].

стр. 7247

٣٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح المُهمَلة وسكون اللَّام آخره فوقيَّةٌ (أَبُو هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، الخاركيُّ -بالخاء المُعجَمة- وخاركٌ من ساحل البصرة (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحزاميَّ المدنيَّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ) لمَّا قدموا المدينة، وزاد في «باب إذا قال: اكفني مؤنة النَّخل» [خ¦٢٣٢٥] من «المزارعة» للنَّبيِّ ﷺ : (اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ) بسكون المعجمة، وفي «المزارعة»: «بيننا وبين إخواننا» ومرادهم: المهاجرون (قَالَ) ﵊: (لَا) أَقْسِم (قَالَ) الأنصار لهم: أيُّها المهاجرون (تكْفُونَا) ولأبي ذرٍّ: «يكفوننا» بالتَّحتيَّة وبالنُّونين (المَؤُونَةَ) في النَّخل بتعهُّده بالسَّقي والتَّربية (وَتَُشْرَِكُونَا) بفتح الفوقيَّة والرَّاء ونونٍ واحدةٍ وبضمِّ الفوقية وكسر الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «ويُشرِكوننا» بالتَّحتيَّة المضمومة وكسر الرَّاء (فِي التَّمْرِ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم، أي: يكون التَّمر بيننا وبينهم شركةً، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «في الأمر» بدل: «التَّمر» أي: الأمر الحاصل من ذلك، وهو من قولهم: أَمِر مالُه -بكسر الميم- أي: كَثُر (قَالُوا) أي: المهاجرون للأنصار: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وإنَّما أبى النَّبيُّ ﷺ أن يقسم بينهم النَّخل؛ لأنَّه علم أنَّ الفتوح ستُفتَح عليهم، فكره أن يخرج عنهم شيئًا من رقبة نخيلهم التي بها قوامهم؛ شفقةً عليهم، ولمَّا فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين؛ امتثالًا لأمره ﵊، ومواساةً للمهاجرين.

стр. 7248

(٤) (بابُ حُبِّ الأَنْصَارِ من الإيمان) سقط لفظ «الباب» لأبي ذرٍّ، فتاليه رَفْعٌ. ٣٧٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج، أبو بسطام العتكيُّ، أمير المؤمنين في الحديث (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد أيضًا (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ، ثقةٌ لكنَّه قاضي الشِّيعة وإمام مسجدهم بالكوفة (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الأَنْصَارُ) الأوس والخزرج (لَا يُحِبُّهُمْ) كلُّهم (إِلَّا مُؤْمِنٌ) كاملُ الإيمان (وَلَا يُبْغِضُهُمْ) كلُّهم من جهة نصرتهم للرَّسول ﵊ (إِلَّا مُنَافِقٌ) وفي «مُستخرَج أبي نُعيمٍ» من حديث البراء: «مَنْ أَحَبَّ الأنصار فبحبِّي أحبَّهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم»، وهو يؤيِّد ما مرّ من تقديرٍ من جهة نصرتهم … إلى آخره. والتَّقييد بـ «كلِّهم» مخرجٌ لمن أبغض بعضهم لمعنًى يسوِّغ البغض له (فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ) وإنَّما خُصُّوا بذلك؛ لِمَا فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيوائه ﷺ ومواساته بأنفسهم وأموالهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين إذ ذاك؛ من عربٍ وعجمٍ، والعداوة تجرُّ البغض، ثمَّ إنَّ ما اختصُّوا به موجبٌ للحسد، والحسد يجرُّ إلى البغض أيضًا، فمن ثمَّ حذَّر ﷺ

стр. 7249

من بغضهم، ورغَّب في حبِّهم حتَّى جعله من الإيمان والنِّفاق؛ تنويهًا بفضلهم، وهذا جارٍ باطِّرادٍ في أعيان الصَّحابة؛ لتحقُّق الاشتراك في الإكرام؛ لِمَا لهم من حسن الغَنَاء في الدِّين، وإن وقع من بعضهم لبعضٍ بغضٌ بسبب الحروب الواقعة بينهم؛ فذاك من غير هذه الجهة؛ لِمَا طرأ من المخالفة، ومن ثمَّ لم يحكم بعضهم على بعضٍ بالنِّفاق، وإنَّما حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام؛ للمصيب أجران، وللمخطئ أجرٌ واحدٌ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب»، وابن ماجه في «السُّنَّة». ٣٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ) كذا في الفرع وأصله لكنَّه ضُبِّب عليه، وقال في الهامش: «عن عبد الله» بدل «عبد الرَّحمن»، وهو الصَّحيح (١) (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة، وقيل: جابر بن عتيكٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: آيَةُ الإِيمَانِ) أي: علامته (حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ) وقد وقع في إعراب الحديث لأبي البقاء العُكْبريِّ: «إنَّه الإيمانُ» بهمزةٍ مكسورةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ وهاءٍ، و «الإيمان» مرفوعٌ، وأعربه، فقال: «إنَّ» للتَّأكيد، والهاء ضمير الشَّأن، و «الإيمان» مبتدأٌ، وما بعده خبرٌ، ويكون التَّقدير: إنَّ الشَّأنَ الإيمانُ حبُّ الأنصار، وهذا تصحيفٌ، وفيه نظرٌ من جهة المعنى؛ لأنَّه يقتضي حصر الإيمان في حبِّ الأنصار، وليس كذلك، فإن قلت: واللَّفظ المشهور أيضًا يقتضي الحصر؛ أُجيب بأنَّ العلامة كالخاصَّة تطَّرِد ولا تنعكس، وإن أُخِذ من طريق المفهوم؛ فهو مفهوم لقبٍ لا عبرةَ به سلَّمنا الحصر لكنَّه ليس حقيقيًّا بل ادِّعائيًّا للمبالغة، أو هو حقيقةٌ (٢)، لكنَّه

стр. 7250

خاصٌّ بمن أبغضهم من حيث النُّصرة كما مرَّ، أو يُقال: إنَّ اللَّفظ خرج على معنى التَّحذير، فلا يُراد ظاهره؛ ولذا لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضدُّه، بل قابله بالنِّفاق؛ إشارةً إلى التَّرغيب والتَّرهيب، والتَّرهيب إنَّما خُوطِب به من يُظهِر الإيمان، أمَّا من يُظهِر الكفر فلا؛ لأنَّه مرتكبٌ ما هو أشدُّ من ذلك. وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الإيمان» [خ¦١٧]. (٥) (باب قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلأَنْصَارِ: أَنْتُمْ) أي: مجموعكم (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) أي: من مجموعهم، فلا ينافيه أحبيَّة أحدٍ إليه غير الأنصار؛ لأنَّ الحكم للكلِّ بشيءٍ لا ينافي الحكم به لفردٍ من أفراده، فلا تعارض بينه وبين قوله: «أبو بكرٍ» في جواب من قال: من أحبُّ النَّاس إليك؟ قال: «أبو بكرٍ»، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرٍو المنقريُّ المُقعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّميميُّ مولاهم التَّنوريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيبٍ البُنانيُّ الأعمى (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مُقْبِلِينَ -قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ عُرُسٍ-) بضمِّ العين والرَّاء، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفي «باب ذهاب النِّساء والصِّبيان إلى العرس» [خ¦٥١٨٠] من «النِّكاح»: «مقبلين من عرسٍ» بالجزم من غير شكٍّ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُمْثِلًا) بضمِّ الميم الأولى وإسكان الثَّانية

стр. 7251

وكسر المُثلَّثة وفتحها في الفرع وأصله أي: منتصبًا قائمًا، قال السَّفاقسيُّ: كذا وقع رباعيًّا، والذي ذكره أهل اللُّغة: مَثُل الرَّجل -بفتح الميم وضمِّ المُثلَّثة- مثولًا؛ إذا انتصب قائمًا ثلاثيًّا. انتهى (١). قال العينيُّ: كان غرضه الإنكار على الذي وقع هنا وليس بمُوجَّهٍ؛ لأنَّ «مُمْثِلًا» معناه: مكلِّفًا نفسه ذلك؛ وطالبًا ذلك فلذلك عُدِّي فعله، وأمَّا «مَثُل» الثَّلاثيُّ؛ فهو لازمٌ غير متعدٍّ، وفي حاشية الفرع وأصله: «مُمَثَّلًا»، بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية وتشديد المُثلَّثة مفتوحةً، أي: مكلِّفًا نفسه ذلك وطالبًا ذلك منها، وفي «النِّكاح» [خ¦٥١٨٠] «فقام (٢) مُمْتَنًّا» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الميم الثَّانية السَّاكنة ثمَّ نونٍ مُشدَّدةٍ، أي: قام قيامًا طويلًا، أو هو من الامتنان؛ لأنَّ من قام له ﵊؛ فقد امتنَّ عليه بشيءٍ لا أعظم منه، فكأنَّه قال: يمتنُّ عليهم بمحبَّته، ويؤيِّده قوله بعد (فقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ -قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-) وتقديم لفظ «اللَّهمَّ» للتَّبرُّك، أو للاستشهاد بالله في صدقه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٨٠]. ٣٧٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ) الدَّورقيُّ البغداديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ) بمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ فهاءٍ ساكنةٍ فمُعجَمةٍ، الإمام الحجَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ:

стр. 7252

أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن أنس بن مالكٍ الأنصاريُّ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا) لم يُسَمَّ هو ولا أمُّه (فَكَلَّمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ابتدأها بالكلام تأنيسًا لها، أو أجابها عمَّا سألته عنه (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّكُمْ) أيُّها الأنصار (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) أي: مِنْ، فحرف التَّبعيض مُقدَّرٌ؛ كما دلَّ عليه الحديث السَّابق [خ¦٣٧٨٥] (مَرَّتَيْنِ) أي: قال ذلك القول مرَّتين. وهذا الحديث أخرجه في «النِّكاح» [خ¦٥١٨٠] و «النُّذور» [خ¦٦٦٤٥]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «المناقب». (٦) (باب أَتْبَاعِ الأَنْصَارِ) بفتح الهمزة وسكون الفوقيَّة؛ وهم حلفاؤهم ومواليهم، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٧٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ مولاهم بندارٌ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن مُرَّة، الجَمَليِّ، أحد الأعلام الثِّقات، رُمِي (١) بالإرجاء، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، طلحة بن يزيد، من الزِّيادة، مولى قرظة بن كعبٍ؛ بالقاف المفتوحة (٢) والرَّاء والظَّاء المُعجَمة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) أنَّه قال: (قَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَتْبَاعٌ) بفتح الهمزة وسكون الفوقيَّة، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «يا رسول الله» (وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ) بوصل الهمزة وتشديد الفوقيَّة

стр. 7253

(فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا) بقطع الهمزة وسكون الفوقيَّة، فيُقال لهم: الأنصار؛ ليدخلوا في الوصيَّة لنا بالإحسان وغيره (فَدَعَا) ﵊ (بِهِ) بالذي سألوا، فقال كما في الرِّواية اللَّاحقة [خ¦٣٧٨٨] «اللَّهمَّ اجعل أتباعهم منهم»، قال عمرو بن مُرَّة: (فَنَمَيْتُ) بتخفيف الميم، أي: نقلت (ذَلِكَ إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن الأنصاريِّ عالم الكوفة (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْدٌ) هو ابن أرقم. ٣٧٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو (١) ابن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الجَمَليُّ قال: (سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي (رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) بنصب «رجلًا» عطف بيانٍ أو بدلًا من «حمزة»، واسم أبي حمزة فيما قاله الغسَّانيُّ: طلحةُ بن يزيد، وكذا قال الحافظ أبو الفضل بن طاهرٍ، والحافظ عبد الغنيِّ المقدسيُّ قال: (قَالَتِ الأَنْصَارُ): يا رسول الله (إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ أَتْبَاعًا، وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا) قال الطِّيبيُّ: الفاء تستدعي محذوفًا، أي: لكلِّ نبيٍّ أتباعٌ ونحن أتباعك، فادع الله أن يكون أتباعنا، أي: حلفاؤنا وموالينا (مِنَّا) أي: متَّصلين بنا، مقتفين آثارنا بإحسانٍ؛ ليكون لهم ما جُعِل لنا من العزِّ والشَّرف (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ، قَالَ عَمْرٌو) أي: ابن مُرَّة الرَّاوي: (فَذَكَرْتُهُ لاِبْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن (قَالَ: قَدْ زَعَمَ) أي: قال: (ذَاكَ) بغير لامٍ (زَيْدٌ، قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (أَظُنُّهُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) وكأنَّه (٢) احتمل عنده أن يكون ابن أبي ليلى أراد بقوله: «قد زعم ذاك زيدٌ» أي: زيدٌ آخر؛ كزيد بن ثابتٍ، وظنُّه صحيحٌ، فقد رواه أبو نُعَيمٍ في «المُستخرَج» من طريق عليِّ بن الجعد جازمًا

стр. 7254

به، وفيه التَّنبيه على شرف صحبة الأخيار، صحَّ: «المرء مع من أحبَّ» [خ¦٦١٦٨] وتأمَّل تأثير الصُّحبة في كلِّ شيءٍ حتَّى في البواشق بالصُّحبة رُفِعت على أيدي الملوك، وحتَّى في الحطب بصحبة النَّجَّار يُعتَق من النَّار، فعليك بصحبة الأخيار. (٧) (بابُ فَضْلِ دُورِ الأَنْصَارِ) أي: منازلهم وكانت كلُّ قبيلةٍ منهم تسكن محلَّةً، فسُمِّيت تلك المحلَّة دارًا، وسقط «باب» لأبي ذرٍّ، فما بعده مرفوعٌ. ٣٧٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بضمِّ الهمزة وفتح السِّين المُهمَلة، مالكِ بن ربيعة السَّاعديِّ (¬﵁¬) أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٢) ﷺ : خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ) أي: قبائلهم، من باب إطلاق المحلِّ وإرادة الحالِّ، أو خيريَّتها بسبب خيريَّة أهلها (بَنُو النَّجَّارِ) بفتح النُّون والجيم المُشدَّدة، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج (ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ) بفتح الهمزة والهاء بينهما مُعجَمةٌ ساكنةٌ آخره

стр. 7255

لامٌ، ابن جُشَم بن الحَارِثِ بن الخزرج الأصغر ابن عمرو بن مالك ابن الأوس بن حارثة (ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ) ولأبي ذرٍّ: «الخزرج» أي: ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة (ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ) بن كعب بن الخزرج الأكبر، وهو أخو الأوس وهما ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء؛ لطول عنقه، ابن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن ماء السَّماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازنٍ، وهو جماع غسَّان بن الأزد، واسمه دِرَاء -على وزن «فِعالٍ» - ابن الغوث بن يشجب بن يعرب بن يقطن، وهو قحطان وإلى قحطان جماع اليمن، وهو أبو اليمن كلِّها، ومنهم من ينسبه إلى إسماعيل، فيقول: قحطان بن الهَمَيْسَع بن ثيمن بن نَبْت بن إسماعيل، وهذا قول الكلبيِّ، ومنهم من ينسبه إلى غيره فيقول: قحطان بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوحٍ، فعلى الأوَّل العرب كلُّها من ولد إسماعيل، وعلى الثَّاني من ولد إسماعيل وقحطان، وسُمِّي تيمُ الله النَّجَّارَ؛ لأنه اختتن بقدَّومٍ، وقيل: بل نجر وجه رجلٍ بالقدَّوم. (وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيرٌ) وإن تفاوتت مراتبه، فـ «خير» الأولى في قوله: «خير دور الأنصار» بمعنى «أفعل» التَّفضيل، وهذه اسمٌ (فَقَالَ سَعْدٌ) هو ابن عبادة: (مَا أَُرَى) بفتح الهمزة مُصحَّحًا عليها في الفرع وأصله، ويجوز الضَّمُّ بمعنى: الظَّنِّ (النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا) بالتَّشديد (قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا) أي: بعض القبائل، وإنَّما قال ذلك، لأنَّه من بني ساعدة، ولم يذكرها ﵊ إلَّا بكلمة «ثمَّ» بعد ذكره القبائل الثَّلاث (فَقِيلَ) له: (قَدْ فَضَّلَكُمْ) ﵊ (عَلَى كَثِيرٍ) من قبائل الأنصار غير المذكورين، وفي هذا تفضيل القبائل والأشخاص من غير هوًى ولا مجازفةٍ، ولا يكون هذا غيبةً. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «مناقب سعد بن عبادة» [خ¦٣٨٠٧]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب». (وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث التَّنُّوريُّ فيما وصله في «مناقب سعدٍ» [خ¦٣٨٠٧] (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) بضمِّ

стр. 7256

الهمزة، السَّاعديُّ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا … ) الحديث، (وَقَالَ) فيه (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، فصرَّح بما أبهمه في الأولى. ٣٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين (الطَّلْحِيُّ) بالطَّاء المفتوحة والحاء المكسورة المهملتين بينهما لامٌ ساكنةٌ، الكوفيُّ، وثبت «الطَّلحيُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ صالحٍ، اليماميِّ الطَّائيِّ، أنَّه قال: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو أُسَيْدٍ) بضمِّ الهمزة وفتح المُهمَلة، السَّاعديُّ ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: خَيْرُ الأَنْصَارِ -أَو قَالَ: خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ- بَنُو النَّجَّارِ) من الخزرج، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَبَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ) من الأوس (وَبَنُو الحَارِثِ) من الخزرج (وَبَنُو سَاعِدَةَ) من الخزرج أيضًا (١)، ووقع التَّعبير هنا بالواو، وفي رواية أنسٍ السَّابقة [خ¦٣٧٨٩] بـ «ثمَّ»؛ كرواية أبي حُميدٍ اللَّاحقة [خ¦٣٧٩١] وفيه إشعارٌ بأنَّ الواو قد تفيد التَّرتيب، قال ابن هشامٍ في «مغنيه»: وقول السِّيرافيِّ: -إنَّ النَّحويِّين واللُّغويِّين أجمعوا على أنَّها لا تفيد التَّرتيب- مردودٌ، بل قال بإفادتها إيَّاه قطرب والرَّبعيُّ والفرَّاء وثعلبٌ وأبو عمر (٢) الزَّاهد وهشامٌ والشَّافعيُّ. انتهى. وتعقَّبه الشَّيخ بهاء الدِّين السُّبكيُّ: بأنَّ الشَّافعيَّ ﵁ لم ينصَّ على إفادتها للتَّرتيب، وإنَّما أخذوه من قوله بالتَّرتيب في الوضوء، وليس بأخذٍ صحيحٍ، قال: ونقل جماعةٌ التَّرتيبَ عن أبي حنيفة أيضًا، وإنَّما أخذوه من قوله إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ؛ تقع واحدةً، وليس بأخذٍ (٣) صحيحٍ؛ لأنَّ الواحدة إنَّما وقعت فقط؛ لأنَّها بانت قبل نطقه بالمعطوف، فلم يُبقِ محلًّا للطَّلاق، ونقل ابن عبد البرِّ في

стр. 7257

«التَّمهيد»: أنَّ بعض أصحاب الشَّافعيِّ ﵀ حكى في كتاب «الأصول»: أنَّ الكسائيَّ والفرَّاء يقولان بأنَّها للتَّرتيب، وقال القرافيُّ: المشهور عنه أنَّها للتَّرتيب؛ حيث يستحيل الجمع، وظاهر هذا النَّقل أنَّها عنده للمعيَّة إلَّا لمانعٍ فتكون للتَّرتيب. انتهى. ويحتمل أن يُفهَم التَّرتيب هنا من التَّقديم لا من مُجرَّد الواو. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٥٣]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «المناقب». ٣٧٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم، البجليُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عمارة المازنيُّ المدنيُّ (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ) أي: ابن سعدٍ السَّاعديِّ (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) السَّاعديِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ (١) بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وبني» (٢) (عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ) دار (بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ) قال أبو حُمَيدٍ: (فَلَحِقْنَا) بسكون القاف (سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) بنصب «سعد» على المفعوليَّة (فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) بضمِّ الهمزة، و «أبو» بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «فَلَحِقَنا» بفتح القاف، بصيغة الماضي، و «نا» مفعولٌ، «سعدُ بنُ عبادة» بالرَّفع فاعلٌ (٣)، «فقال: أبا أُسيدٍ» منادًى حُذِفت منه الأداة: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أن رسول الله» (¬ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أنَّ الله» (خَيَّرَ الأَنْصَارَ) فضَّل بعضهم على بعضٍ (فَجَعَلَنَا أَخِيرًا) في الذِّكر (فَأَدْرَكَ سَعْدٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:

стр. 7258

يَا رَسُولَ اللهِ خُيِّرَ) بضمِّ الخاء المُعجَمة مبنيًّا للمفعول (دُورُ الأَنْصَارِ) برفع «دور» نائبًا عن الفاعل، أي: فُضِّل بعض قبائلها على بعضٍ (فَجُعِلْنَا) بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول مع سكون اللَّام (آخِرًا) في الذِّكر (فَقَالَ) ﵊: (أَوَ لَيْسَ) بفتح الواو (بِحَسْبِكُمْ) بمُوحَّدةٍ قبل الحاء وسكون السِّين، أي: أَوَليس بكافيكم (أَنْ تَكُونُوا مِنَ الخِيَارِ؟) جمع خيرٍ الذي هو (١) بمعنى «أفعل» التَّفضيل، وهو تفضيلهم على سائر القبائل. وهذا الحديث قد مرَّ في: «باب خَرْص التَّمر» [خ¦١٤٨١] من «كتاب الزَّكاة». (٨) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) مخاطبًا (لِلأَنْصَارِ: اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ، قَالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصمٍ المازنيُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف تامًّا في «غزوة حُنَينٍ» [خ¦٤٣٣٠]. ٣٧٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بضمِّ الهمزة وفتح السِّين المُهمَلة في الأوَّل، وضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الضَّاد المُعجَمة في الثَّاني، مُصغَّرين (¬﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) قيل: هو أُسَيدٌ الرَّاوي (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي) أي: ألا تجعلني عاملًا على الصَّدقة، أو على بلدٍ (كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟) قيل: هو عمرو بن العاص؛ كذا ذكره في المقدِّمة في السَّائل والمستعمل، وقال في الشَّرح: لا أدري الآن من أين نقلته؟ (قَالَ) ﵊: (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً) بضمِّ الهمزة وسكون المُثلَّثة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أَثَرةً» بفتحهما، أي: من يستأثر عليكم بأمور الدُّنيا ويفضل

стр. 7259

عليكم غيركم (فَاصْبِرُوا) على ذلك (حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ). وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦٤٣٣٠] [خ¦٣٧٩٣] [خ¦٣١٦٣]، والتِّرمذيُّ في «الفتن»، ومسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «القضاء» و «المناقب». ٣٧٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والمُعجَمة المُشدَّدة، بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن زيدٍ (قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ولأبي ذرٍّ: «سمعت أنسًا» (¬﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مخاطبًا (لِلأَنْصَارِ: إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) بفتح الهمزة والمُثلَّثة، ولأبي ذرٍّ: بضمٍّ فسكونٍ (فَاصْبِرُوا) على ذلك (حَتَّى تَلْقَوْنِي) يوم القيامة (وَمَوْعِدُكُمُ الحَوْضُ) أي: الذي ترد عليه أمَّته ﷺ ، آنيته عدد النُّجوم كما في «مسلمٍ». ٣٧٩٤ - وبه قال: (حدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 7260

سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (١) (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حِينَ خَرَجَ) أي: سافر يحيى (مَعَهُ) أي: مع أنسٍ ﵁ (إِلَى الوَلِيدِ) بن عبد الملك بن مروان، وكان أنسٌ ﵁ قد توجَّه من البصرة حين آذاه الحجَّاج إلى دمشق يشكوه إلى الوليد بن عبد الملك، فأنصفه منه (قَالَ) أي أنسٌ: (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ إِلَى أَنْ يُقْطِعَ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه، أي: يعطي (لَهُمُ البَحْرَيْنِ) البلد المشهور بالعراق على جهة الإقطاع، وكان ﵊ صالح أهله وضرب عليهم الجزية (فَقَالُوا) أي: الأنصار: (لَا) تُقْطِع لنا (إِلَّا أَنْ تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا، قَالَ) ﵊: (إِمَّا) بكسر الهمزة وتشديد الميم (لَا) والأصل: إن ما لا تريدوا ولا تقبلوا، فأُدغِمت النُّون في الميم، وحُذِف فعل الشَّرط فصار: «إمَّا لا» (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) أي: يوم القيامة على الحوض (فَإِنَّهُ) أي: إنَّ (٢) إقطاع المال (سَيُصِيبُكُمْ) بالتَّحتيَّة بعد السِّين، ولأبي ذرٍّ:

стр. 7261

«ستُصيبكم» بالفوقيَّة، حال كونكم (بَعْدِي أَُثَْرَةٌ) بضمِّ الهمزة وسكون المُثلَّثة وبفتحهما، ولأبي ذرٍّ: «أثرةٌ بعدي» بالتَّقديم والتَّأخير، أي: استئثارًا لغيركم عليكم. وهذ الحديث قد مرَّ في «باب ما أَقْطَعَ النَّبيُّ ﷺ » [خ¦٣١٦٣] من «الجزية». (٩) (بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بقوله: (أَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَةَ) بكسر الجيم، جماعةَ المهاجرين الذين هاجروا من مكَّة إلى المدينة، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٧٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة (مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، ابن إياسٍ المدنيُّ البصريُّ، وسقط «معاوية بن قرَّة» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) لمَّا رأى المهاجرين والأنصار يحفرون الخندق، ورأى ما بهم من النَّصب والجوع متمثِّلًا بقول ابن رواحة: (لَا عَيْشَ) مستمرٌّ (إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ، فَأَصْلِحِ) بقطع الهمزة (الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَةَ) بضمِّ الميم وكسر الجيم. وهذا أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤١٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «المناقب» و «الرِّقاق». (وَعَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة؛ بالعطف على الإسناد السَّابق، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث الأوَّل (وَ) لكنَّه (قَالَ: فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ)

стр. 7262

بدل قوله في الأوَّل: «فأصلح» و «للأنصار» باللَّام الجارَّة، ولأبي ذرٍّ: «فاغفر الأنصار»؛ بالنَّصب. ٣٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ تَقُولُ) وهم يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التُّراب: (نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا) بمُوحَّدةٍ وبعد الألف تحتيَّةٌ (عَلَى الجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا) وفي «الجهاد» [خ¦٢٨٣٥] من طريق عبد العزيز بن صُهَيبٍ عن أنسٍ: «ما بقينا أبدًا» (فَأَجَابَهُمُ) ﷺ : (اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ) مستمرٌّ أو مُعتَبرٌ (إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ) وهذا من قول ابن رواحة، قال الدَّاوديُّ: وإنَّما قال: «لاهُمَّ» بلا ألفٍ ولا لامٍ؛ ليتَّزن، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّه «اللَّهمَّ» على جهة الخزم؛ بالخاء والزَّاي المعجمتين؛ وهو الزِّيادة على أوَّل البيت حرفًا فصاعدًا إلى أربعةٍ. ٣٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) مُصغَّرًا، ابن محمَّدٍ أبو ثابتٍ مولى عثمان بن عفَّان القرشيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، واسمه سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) بفتح المُهمَلة وسكون الهاء، ابن سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الخَنْدَقَ) بكسر الفاء، حول المدينة (وَنَنْقُلُ

стр. 7263

التُّرَابَ) المتحصِّل منه (عَلَى أَكْتَادِنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، جمع كَتَدٍ؛ وهو ما بين الكاهل إلى الظَّهر، قال في «المصابيح»: جمع كَتَدٍ؛ بفتح الكاف والتَّاء معًا، وهو مغرز العنق في الصُّلب، وقيل: من أصل العنق إلى أسفل الكتفين، قال في «الفتح»: وللكُشْمِيهَنِيِّ -وكذا هو في «اليونينيَّة» معزوًّا لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «على أكبادنا» - بالمُوحَّدة، جمع كبدٍ (١)، ووجهه: أنَّا نحمل التُّراب على جنوبنا ممَّا يلي الكبد (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٩٨]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «المناقب» و «الرِّقاق». (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ (﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾) أي: الأنصار، وفي نسخةٍ وعزاها في الفرع وأصله لأبي ذرٍّ: «باب قول الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾» (﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]) أي: فاقةٌ، والمعنى: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.

стр. 7264

٣٧٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بن عامرٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ) بالغين والزَّاي المعجمتين، و «فُضَيل» بالتَّصغير، أبو الفضل الكوفيِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، سلمان الأشجعيِّ لا سلمةُ بنُ دينارٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) هو أبو هريرة (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ¬) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٨٨٩] «فقال: يا رسول الله أصابني الجهد» (فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ) أمَّهات المؤمنين يطلب منهنَّ ما يضيفه به (فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا) أي: ما عندنا (إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «فقال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : مَنْ يَضُمُّ) إليه في طعامه (أَو يُضِيْفُ) بكسر الضَّاد المُعجَمة وسكون التَّحتيَّة (هَذَا) الرَّجل؟ بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ): يا رسول الله (أَنَا) أضيفه (فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ) لها: (أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ) له: (مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي) بالياء بعد النُّون، ولأبي ذرٍّ: «صبيانٍ» بتنوين النُّون بغير ياءٍ، وفي «مسلمٍ»: «فقام رجلٌ من الأنصار، يُقال له: أبو طلحة»، وعلى هذا فالمرأة (١) أمُّ سُلَيمٍ، والأولاد أنسٌ وإخوته، لكن استبعد الخطيب أن يكون أبو طلحة هذا هو زيد بن سهلٍ عمّ أنس بن مالكٍ زوج أمِّه، فقال: هو رجلٌ من الأنصار لا يُعرَف اسمه، ووجهه أنَّ هذا الرَّجل المضيف ظهر من حاله أنَّه كان قليل ذات اليد، فإنَّه لم يجد ما يضيف به إلَّا قوت أولاده، وأبو طلحة زيد بن سهلٍ كان أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، ونقل ابن بَشْكُوال عن أبي المتوكِّل النَّاجي: أنَّه ثابت بن قيسٍ، وقيل: عبد الله بن رواحة (فَقَالَ) لها: (هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ) بهمزة قطعٍ ومُوحَّدةٍ بعد الصَّاد المُهمَلة في «اليونينيَّة» وغيرها، أي: أوقديه، وفي الفرع: «وأصلحي» باللَّام المُوحَّدة، ولم أرها كذلك في غيره (وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً) قال في «المصابيح»: ففيه نفوذ فعل الأب على (٢) الابن وإن كان منطويًا على ضررٍ؛ إذا

стр. 7265

كان ذلك من طريق النَّظر، وأنَّ القولَ فيه قولُ الأب والفعل فعله؛ لأنَّهم نوَّموا الصِّبيان جياعًا إيثارًا لقضاء حقِّ رسول الله ﷺ في إجابة دعوته، والقيام بحقِّ ضيفه (فَهَيَّأَتْ) زوجة الأنصاريِّ (طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ) بالمُوحَّدة أوقدت (سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا) بغير عَشَاءٍ (ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا، فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا) الأنصاريُّ وزوجته (يُرِيَانِهِ) بضمِّ أوَّله (أَنَّهُمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كأنَّهما» (يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ) أي: بغير عشاءٍ، وأَكَلَ الضَّيفُ (فَلَمَّا أَصْبَحَ؛ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) جواب «لمَّا» قوله: «غدا» ضُمِّن فيه معنى الإقبال، أي: لمَّا دخل الصَّباح أقبل على رسول الله ﷺ (فَقَالَ) له ﷺ : (ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ -أَوْ) قال: (عَجِبَ- مِنْ فَعَالِكُمَا) الحسنة، وفاءُ «فَعَالكما» مفتوحةٌ، ونسبة الضَّحك والتَّعجُّب (١) إلى الباري جلَّ وعلا مجازيَّةٌ، والمراد بهما: الرِّضا بصنيعهما (فأَنْزَلَ اللهُ) (﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾) قال في «النِّهاية»: الخصاصة: الجوع والضَّعف، وأصلها: الفقر والحاجة إلى الشَّيء، والجملة في موضع الحال، و «لو» بمعنى الفَرَض، أي: ويؤثرون على أنفسهم مفروضةً خصاصتُهم (﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾) أضافه إلى النَّفس؛ لأنَّه غريزةٌ فيها، والشُّحُّ اللُّؤم وهو غريزةٌ، والبخل: المنعُ نفسُه، فهو أعمُّ؛ لأنه قد يوجد البخل ولا شحَّ ثمَّة ولا ينعكس، والمعنى: ومن غلب ما أمرتْهُ به نفسه وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]) الظَّافرون بما أرادوا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿وَمَن يُوقَ … ﴾» إلى آخره. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦٤٨٨٩]، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، ومسلمٌ في «الأطعمة». (١١) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في الأنصار: (اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا) بفتح الواو (عَنْ مُسِيئِهِمْ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» فما بعده مرفوعٌ.

стр. 7266

٣٧٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ) المروزيُّ الصَّائغ؛ بالغين المُعجَمة قال: (حَدَّثَنَا شَاذَانُ) بالمُعجَمتين، عبد العزيز (أَخُو عَبْدَانَ) عبد الله العابد، وعبدان لقبه (قَالَ) أي: شاذان: (حَدَّثَنَا أَبِي) عثمان بن جبلة قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الجيم الأولى، الحافظ أبو بسطام العتكيُّ أمير المؤمنين في الحديث (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَالعَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب (¬﵄ بِمَجْلِسٍ) بالتَّنوين (مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ) والنَّبيُّ ﷺ في مرض موته (وَهُمْ) أي: والحال أنَّهم (يَبْكُونَ، فَقَالَ) العبَّاس أوالصِّدِّيق لهم: (مَا يُبْكِيكُمْ؟ قَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَّا) أي: الذي كنَّا نجلسه معه، ونخاف أن يموت ونفقد مجلسه فبكينا لذلك (فَدَخَلَ) العبَّاس أو أبو بكرٍ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ) الذي وقع من الأنصار (قَالَ) أنسٌ: (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَ) الحال أنَّه (قَدْ عَصَبَ) بتخفيف الصَّاد المُهمَلة (عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء: نوعٌ من الثِّياب معروفٌ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بُرْدَةٍ»، و «حاشيةَ» نُصِب مفعول «عَصَبَ» (قَالَ) أنسٌ ﵁: (فَصَعِدَ) ﵊ (المِنْبَرَ) بكسر العين (وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ) بفتح العين من «يصعده» (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرِشِي) بفتح الكاف وكسر الرَّاء والشِّين المُعجَمة (وَعَيْبَتِي) بعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ وتحتيَّةٍ ساكنةٍ ومُوحَّدةٍ مفتوحةٍ وتاء تأنيثٍ، قال القزَّاز: ضرب المثل بالكرش؛ لأنَّه مستقرُّ غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، والعَيْبَة: ما يُحرِز فيها

стр. 7267

الرَّجلُ نفيسَ ما عنده؛ يعني: أنَّهم موضع سرِّه وأمانته، وقال ابن دريدٍ: هذا من كلامه ﷺ المُوجَز الذي لم يُسبَق إليه (وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ) من الإيواء والنُّصرة له ﵊ كما بايعوه ليلة العقبة (وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ) وهو دخول الجنَّة كما وعدهم به ﷺ أن آوَوه ونصروه (فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ) في غير الحدود. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ. ٣٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ) أبو يعقوب المسعوديُّ الكوفيُّ قال (١): (حَدَّثَنَا ابْنُ الغَسِيلِ) هو عبد الرَّحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة قال: (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ (٢) ﷺ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ) بكسر الميم وسكون اللَّام وفتح الحاء المُهمَلة، حال كونه (مُنْعَطِفًا) بنونٍ ساكنةٍ مُصلَّحةٍ على كشطٍ في الفرع، وفي أصله وهو الذي في «النَّاصريَّة» وغيرها: «متَعطِّفًا» بالفوقيَّة المفتوحة وتشديد الطَّاء، أي: مرتديًا (بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ) بفتح الميم وكسر الكاف وفتح المُوحَّدة (وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ) بكسر العين، قد عصب بها رأسه من وجعها (دَسْمَاءُ) بالرَّفع، صفةٌ لـ «عصابة» أي: سوداء (حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ) بعد الثَّناء: (أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الأَنْصَارُ) قال التَّوربشتيُّ: يريد أنَّ (٣) أهل الإسلام يكثرون وتقلُّ الأنصار؛ لأنَّ الأنصار هم الذين آوَوه ﷺ ونصروه، وهذا أمرٌ قد انقضى زمانه،

стр. 7268

لا يلحقهم اللَّاحق ولا يدرك شأوهم السَّابق، وكلَّما مضى منهم واحدٌ مضى من غير بدلٍ، فيكثر غيرهم ويقلُّون (حَتَّى يَكُونُوا كَالمِلْحِ) بكسر الميم (فِي الطَّعَامِ) من القلَّة، ووجه التَّشبيه أنَّ الملح بالنِّسبة إلى جملة الطَّعام جزءٌ يسيرٌ منه بالنِّسبة للمهاجرين وأولادهم الذين انتشروا في البلاد وملكوا الأقاليم، فمن ثمَّ قال ﵊ للمهاجرين: (فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ) أيُّها المهاجرون (أَمْرًا) مفعولٌ به (يَضُرُّ فِيهِ) أي: في ذلك الأمر (أَحَدًا أَو يَنْفَعُهُ) صفةٌ كاشفةٌ لـ «أمرًا» (فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ) مخصوصٌ بغير الحدود، كما سبق [خ¦٣٧٩٩]. ٣٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والمُعجَمة المُشدَّدة، بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة يحدِّث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الأَنْصَارُ كَرِشِي) بفتح الكاف وكسر الرَّاء، أي: جماعتي (وَعَيْبَتِي) أي: موضع سرِّي، مأخوذٌ من عيبة الثِّياب وهي ما تُحفَظ فيها (وَالنَّاسُ) غير الأنصار (سَيَكْثُرُونَ) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ المُثلَّثة (وَ) الأنصار (يَقِلُّونَ) وقد وقع كما قال ﷺ ؛ لأنَّ الموجودين الآن ممَّن يُنسَب لعليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ ممَّن يتحقَّق نسبه إليه أضعاف من يوجد من قبيلتي الأوس والخزرج ممَّن يتحقَّق نسبه وقِسْ على ذلك، ولا التفات إلى كثرة من يدَّعي أنَّه منهم من غير برهانٍ، قاله في «الفتح» (فَاقْبَلُوا) بفتح المُوحَّدة (مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِم). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ. (١٢) (باب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) بالذَّال المُعجَمة، ابن النُّعمان بن امرئ القيس بن عبد الأشهل

стр. 7269

الأنصاريِّ الأوسيِّ الأشهليِّ، كبير الأوس، كما أنَّ سعد بن عبادة كبير الخزرج، وإيَّاهما أراد الشَّاعر بقوله: فإن يُسْلِمِ السَّعدانِ يصبحْ محمَّدٌ … بمكَّة لا يخشى خلافَ المُخَالِفِ (١) (¬﵁¬) وسقط «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا) وفي نسخةٍ: «أخبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ يَقُولُ: أُهْدِيَتْ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول (لِلنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ) أهداها له أُكيدر دومة كما في حديث أنس السَّابق في «الهبة» [خ¦٢٦١٦] (فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا) بفتح التَّحتيَّة والميم (وَيَعْجَبُونَ) بفتح التَّحتيَّة وبسكون العين (مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ) ﷺ لهم: (أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ) الحلَّة؟ (لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) زاد في «الهبة» [خ¦٢٦١٥] «في الجنَّة» (خَيْرٌ مِنْهَا) أي: من الحلَّة (أَو أَلْيَنُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وألين» وإنَّما ضرب المثل بالمناديل؛ لأنَّها ليست من عليَّة الثِّياب، بل تُبتذَل في أنواعٍ، فيُمسَح بها الأيدي ويُنفَض بها الغبار عن البدن ويُغطَّى بها ما يُهدَى وتُتَّخَذ لِفَافًا للثِّياب، فصار سبيلها سبيل الخادم، وسبيل سائر الثِّياب سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها هكذا فما ظنُّك بعليَّتها (٢)؟! وهذا الحديث رواه مسلمٌ في «الفضائل» و (رَوَاهُ) أي: حديثَ الباب (قَتَادَةُ) بن دعامة فيما

стр. 7270

وصله المؤلِّف في «الهبة» [خ¦٢٦١٥] (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، ممَّا وصله في «اللِّباس» [خ¦٧٧/ ٢٦ - ٨٦٨٥] (سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁، وفي «اليونينيَّة» و «النَّاصريَّة»: «سمعا أنسًا» فأسقطا كغيرهما ما أثبته في الفرع وهو «ابن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٣٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ) بفتح الفاء وسكون الضَّاد المُعجَمة، و «مُسَاوِرٍ» بضمِّ الميم وفتح السِّين المُهمَلة وبعد الألف واوٌ مكسورةٌ فراءٌ، البصريُّ (خَتَنُ أَبِي عَوَانَةَ) بفتح الخاء المُعجَمة والفوقيَّة آخره نونٌ، أي: صهر أبي عَوَانة -بفتح العين المُهمَلة والواو المُخفَّفة- زوج ابنته، والختن يُطلَق على كلِّ من كان من أقارب المرأة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) طلحة بن نافعٍ القرشيِّ مولاهم، قال جماعةٌ: ليس به بأسٌ، وقال شعبة: حديثه عن جابرٍ صحيفة (١)، خرَّج له البخاريُّ مقرونًا بآخر (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اهْتَزَّ العَرْشُ) أي: تحرَّك حقيقةً (لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) فرحًا بقدوم روحه، وخلق الله تعالى فيه تمييزًا؛ إذ لا مانع من ذلك، أو المراد: اهتزاز أهل العرش وهم حَمَلَتُه، فحُذِف المضاف، ويؤيِّده حديث الحاكم: «إنَّ جبريل ﵇ قال: من هذا الميت الذي فُتِحت له أبواب السَّماء واستبشرت به أهلها؟» أو المراد باهتزازه: ارتياحه لروحه واستبشاره بصعودها لكرامته، ومنه قولهم: فلانٌ يهتزُّ للمكارم، ليس مرادهم اضطراب جسمه وحركته، وإنَّما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها، وقيل:

стр. 7271

جعل الله تعالى اهتزاز العرش علامةً للملائكة على موته، أو المراد: الكناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشَّيء العظيم إلى أعظم الأشياء، فتقول: أظلمت الأرض لموت فلانٍ، وقامت له القيامة. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «المناقب» أيضًا (١)، وابن ماجه في «السُّنَّة». (وَعَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران بالإسناد السَّابق إليه أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث أبي سفيان طلحة بن نافعٍ السَّابق، وفائدة سياق هذا أنَّه لا يخرج لأبي سفيان هذا إلَّا مقرونًا بغيره واستشهادًا كما (٢) مرَّ مع ما زاده حيث قال: (فَقَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: لم أقف على تسميته (لِجَابِرٍ) المذكور ﵁: (فَإِنَّ البَرَاءَ) أي: ابن عازبٍ (يَقُولُ) في معنى قوله ﵊: «اهتزَّ العرش لموت سعد بن معاذٍ» أي: (اهْتَزَّ السَّرِيرُ) الذي حُمِل عليه، وسياق الحديث يأباه؛ إذ إنَّ المرادَ منه فضيلتُه، وأيُّ فضيلةٍ في اهتزاز سريره؛ إذ كلُّ سريرٍ يهتزُّ إذا تجاذبته أيدي الرِّجال، نعم يحتمل أن يُراد اهتزاز حَمَلَة سريره فرحًا بقدومه على ربِّه ، وفي حديث ابن عمر ﵄ عند الحاكم: «اهتزَّ العرش فرحًا بلقاء الله سعدًا حتَّى تفسَّخت أعواده على عواتقنا» قال ابن عمر: يعني: عرش سعدٍ الذي حُمِل عليه، فأوَّله كما أوّله البراء، لكنَّ هذا الحديث يعارض حديث ابن عمر هذا من رواية عطاء بن السَّائب عن مجاهدٍ عن ابن عمر، وفي حديث عطاءٍ (٣) مقالٌ؛ لأنَّه ممَّن اختلط في آخر عمره، ويعارضه أيضًا ما صحَّحه التِّرمذيُّ من حديث أنسٍ ﵁ قال: «لمَّا حُمِلت جنازة سعد بن معاذٍ قال المنافقون: ما أخفَّ جنازته، فقال النَّبيُّ ﷺ : إنَّ الملائكة كانت تحمله». (فَقَالَ) أي: جابرٌ في جواب الرَّجل: (إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ) الأوسِ والخزرجِ (ضَغَائِنُ) بالضَّاد والغين المُعجَمتين، جمع ضغينةٍ وهي الحقد (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) فالتَّصريح بعرش الرَّحمن يردُّ ما تأوَّله البراء وغيره، ولم

стр. 7272

يقل البراء ذلك على سبيل العداوة لسعدٍ، بل فهم شيئًا محتملًا، فحمل الحديث عليه، ولعلَّه لم يقف على قوله: «اهتزَّ عرش الرَّحمن» وظنَّ جابرٌ أنَّ البراء قاله غضبًا من سعدٍ فساغ له أن ينتصر له. ٣٨٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد؛ بكسر المُوحَّدة والرَّاء وسكون النُّون آخره دالٌ مهملةٌ، السَّاميُّ بالمهملة (١)، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ قاضي المدينة (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة مُصغَّرًا، الأوسيِّ الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين، سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومةٍ، وهم بنو قريظة، ولأبي ذرٍّ: «ناسًا» (نَزَلُوا) من قلعتهم بخيبر بعد أن حاصرهم النَّبيُّ ﷺ خمسًا وعشرين ليلةً، وقذف الله تعالى في قلوبهم الرُّعب (عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) النَّبيُّ ﷺ ، وكان سعدٌ رُمِي في غزوة الخندق بسهمٍ قطع منه الأكحل (فَجَاءَ) من المسجد المدنيِّ النَّبويِّ (عَلَى حِمَارٍ) قد وُطِّئ له بوسادةٍ ومعه قومه من الأنصار (فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ) الذي أعدَّه النَّبيُّ ﷺ للصَّلاة أيَّام محاصرته لبني قريظة، قيل: والأشبه أنَّ قوله: «من المسجد» تصحيفٌ وصوابه: فلمَّا دنا من النَّبيِّ ﷺ كما في «مسلمٍ» و «أبي داود» وهذا فيه تخطئةُ الرَّاوي بمُجرَّد الظَّنِّ، فالأولى -كما في «المصابيح» - حمله على ما مرَّ من كونه اختطَّ ﵊ هناك مسجدًا، ولئن سلَّمنا أنَّه لم يكن ثَمَّ مسجدٌ أصلًا؛ لكنَّا لا نسلِّم أنَّ قوله: «من المسجد» متعلِّقٌ بقوله: «قريبًا» وإنَّما هو متعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: فلمَّا بلغ قريبًا من النَّبيِّ ﷺ في حالة كونه جائيًا من المسجد (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬)

стр. 7273

للحاضرين من الأنصار أو أعمَّ: (قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ، أَو سَيِّدِكُمْ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وعلى القول بأنَّه عامٌّ يحتمل أنَّه لم يكن في المسجد من هو خيرٌ منه، أو المراد: السِّيادة الخاصَّة من جهة التَّحكيم في هذه القصَّة، ولأبي ذرٍّ: «قوموا خيرُكم أو سيِّدُكم» بإسقاط «إلى» والرَّفع بتقدير: «هو» (فَقَالَ) ﵊ له: (يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلَاءِ) اليهود من بني قريظة (نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ) فيهم (قَالَ) سعدٌ: (فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ) طائفةُ (مُقَاتِلَتُهُمْ) وهم الرِّجال (وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ) النِّساء والصِّبيان (قَالَ) ﵊ له: (حَكَمْتَ) أي: فيهم (بِحُكْمِ اللهِ) (أَو بِحُكْمِ المَلِكِ) بكسر اللَّام؛ وهو الله جلَّ وعلا، والشَّكُّ من الرَّاوي، والغرض من الحديث هنا قوله: «قوموا إلى خيركم» كما لا يخفى.

стр. 7274

وسبق الحديث في «باب إذا نزل العدوُّ على حكم رجلٍ» [خ¦٣٠٤٣] من «كتاب (١) الجهاد». (١٣) (بابُ مَنْقَبَةِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بضمِّ الهمزة والحاء المهملة مُصغَّرين، ابن سِمَاك بن عَتيك ابن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاريِّ الأوسيِّ الأشهليِّ أبي يحيى، المُتوفَّى سنة عشرين في خلافة عمر على الأصحِّ، وصلَّى عليه عمر ﵁ (وَ) باب منقبة (عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ) بفتح العين والمُوحَّدة المُشدَّدة، و «بِشْرٍ» بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ ومُعجَمةٍ ساكنةٍ، ابن وَقْشٍ -بفتح الواو وسكون القاف وبمُعجَمةٍ- الأنصاريِّ الخزرجيِّ الأشهليِّ، أسلم قبل الهجرة وشهد بدرًا، وأبلى يوم اليمامة فاستُشهِد بها (¬﵄¬) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» فالتَّالي مرفوعٌ كما لا يخفى. ٣٨٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) الطُّوسيُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبَّانُ) بفتح الحاء المُهمَلة والمُوحَّدة المُشدَّدة، ابن هلالٍ الباهليُّ، وثبت لأبي ذرٍّ «ابن هلالٍ» قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى العَوْذِيُّ -بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وكسر الذَّال المُعجَمة- أبو عبد الله البصريُّ، قال أحمد: هو ثَبْتٌ في كلِّ المشايخ، قال: (أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلَيْنِ) ذكرهما في الرِّواية المُعلَّقة بعدُ (خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) بكسر اللَّام (وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ «فإذا» (نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا) يُضيء (حَتَّى تَفَرَّقَا، فَتَفَرَّقَ النُّورُ مَعَهُمَا) يضيء مع كلِّ واحدٍ منهما حتَّى أتى أهله إكرامًا لهما. (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ، فيما وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه» والإسماعيليُّ (عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ) ﵄ (أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَرَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) وتمامه: «تحدَّثا عند رسول الله ﷺ حتَّى ذهب من اللَّيل ساعةٌ في ليلةٍ شديدة الظُّلمة، ثمَّ خرجا وبيد كلِّ واحدٍ منهما عصيَّةٌ، فأضاءت عصا أحدهما حتَّى مشيا في ضوئها، حتَّى إذا افترقت بهما الطَّريق أضاءت عصا الآخر، فمشى كلُّ واحدٍ منهما في ضوء عصاه حتَّى بلغ أهله». (وقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن سلمة فيما وصله أحمد والحاكم (أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه قال: (كَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) سقط «ابن حُضَيرٍ» لأبي ذرٍّ (وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وتمامه: «في ليلةٍ ظلماءَ حِنْدِسٍ، فلمَّا خرجا أضاءت عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، فلمَّا افترقت بهما الطَّريق أضاءت عصا الآخر» وقد وقع مثل هذا لغير المذكورَين، فروى أبو نُعَيمٍ: أنَّه ﷺ أعطى قتادة بن النُّعمان وقد صلَّى معه العشاء في ليلةٍ مظلمةٍ مَطِيرَةٍ عُرْجونًا، وقال: «انطلق به فإنَّه سيضيء لك من بين يديك عشرًا ومن خلفك عشرًا، فإذا دخلت بيتك؛

стр. 7275

فسترى سوادًا؛ فاضربه حتَّى يخرج فإنَّه الشَّيطان» فانطلق (١) فأضاء له العرجون حتَّى دخل بيته، ووجد السَّواد فضربه حتَّى خرج. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «أبواب المساجد» [خ¦٤٦٥] من «الصَّلاة». (١٤) (بابُ مَنَاقِبِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) بفتح الجيم والمُوحَّدة، ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عديِّ ابن كعب بن جشم بن الخزرج، من نجباء الصَّحابة، قال ابن مسعودٍ ﵁: كنَّا نشبِّهه بإبراهيم ﵊ ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وكان شهد العقبة وبدرًا، وتُوفِّي في طاعون عَمْواس سنة ثمان عشرة بالأردنّ (¬﵁¬)، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن مُرَّة الجَمَليِّ؛ بفتح الجيم والميم (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهَمْدانيُّ، أحد الأعلام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاصي (¬﵄¬) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اسْتَقْرِئُوا القُرْآنَ) بكسر الرَّاء، أي: خذوه (مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنَ ابْنِ

стр. 7276

مَسْعُودٍ) عبدِ الله (وَ) من (سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَ) من (أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، ابن كعبٍ (وَ) من (مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) قال النَّوويُّ: قالوا (١): إنَّ (٢) هؤلاء الأربعة تفرَّغوا لأخذ القرآن عنه ﷺ مشافهةً، وغيرهم اقتصروا على أخذ بعضهم عن بعضٍ، أو لأنَّ هؤلاء تفرَّغوا لأن يُؤخَذ عنهم، أو أنَّه (٣) ﷺ أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته ﵊ من تقدُّم هؤلاء الأربعة، وأنَّهم أقرأُ من غيرهم. (١٥) (مَنْقَبَةُ) وفي نسخةٍ «باب منقبة» (سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، ابن دُلَيم بن حارثة بن أبي حَزِيمة -بفتح الحاء المهملة وكسر الزَّاي بعدها تحتيَّةٌ ثمَّ ميمٌ- بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الأنصاريِّ السَّاعديِّ، نقيب بني ساعدة، شهد بدرًا كما في «صحيح مسلمٍ»، لكنَّ المعروف عند أهل المغازي: أنَّه تهيَّأ للخروج فنُهِشَ فأقام (٤)، نعم ذكره في البدريِّين الواقديُّ والمدائنيُّ وابنُ الكلبيِّ، وكان سيِّدًا جوادًا ذا رياسةٍ، ومات بحوران من أرض الشَّام سنة أربع عشرة أو خمس عشرة في خلافة عمر، قال ابن الأثير في «أُسْد الغابة»: ولم يختلفوا أنَّه وُجِد ميتًا على مُغتسَله، وقد اخضرَّ جسده، ولم يشعروا بموته بالمدينة حتَّى سمعوا قائلًا يقول من بئرٍ ولا يرون أحدًا: نحن قتلنا سيِّد الخز … رج سعد بن عباده فرميناه بسهمٍ … فلم يُخْطِ فؤاده

стр. 7277

فلمَّا سمع الغلمان ذلك ذُعِروا، فحُفِظ ذلك اليوم، فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعدٌ بالشَّام، قال ابن سيرين: بينا سعدٌ يبول قائمًا؛ إذ اتَّكأ فمات، قتلته الجنُّ، وقبره بالمنيحة قرية من غوطة دمشق، مشهورٌ يزار إلى اليوم (¬﵁¬). (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ في سعدٍ: (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ) الذي قاله في حديث الإفك (رَجُلًا صَالِحًا) ولكن احتملته الحميَّة، وذلك أنَّه لمَّا قال ﷺ : «يامعشر المسلمين من يَعْذُرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهل بيتي إلَّا خيرًا، فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربتُ عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيِّد الخزرج، فقال لسعدٍ: كذبت -لعمر الله- لا تقتله ولا تقدر على قتله» وليس مراد عائشة ﵂ الغضَّ منه؛ لأنَّ سعدًا لم يكن منه إلَّا (١) الرَّدُّ على سعد بن معاذٍ، ولم (٢) يلزم منه زوال تلك الصِّفة عنه في وقت صدور الإفك، وقد كان في هذه المقالة متأوِّلًا؛ فلذلك أورد المؤلِّف ذلك في مناقبه. ٣٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) يقول: (قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) بضمِّ الهمزة وفتح السِّين، مالك بن ربيعة السَّاعديُّ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ) أي: قبائلهم، فهو من باب إطلاق المحلِّ وإرادة الحالِّ (بَنِي) أي: دُورُ بَنِي، كذا في الفرع «بني» بالياء وفي «اليونينيَّة» وغيرها «بنو» (النَّجَّارِ) بالجيم، من الخزرج (ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ) -بالشِّين المُعجَمة- من الأوس (ثُمَّ

стр. 7278

بَنُو الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ) من الخزرج (وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ) وإن تفاوتت مراتبه، فـ «خيرٌ» الأولى بمعنى «أفعل» التَّفضيل، وهذه الأخيرة اسمٌ (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -وَكَانَ ذَا قِدَمٍ فِي الإِسْلَامِ-) بكسر القاف، وضبطه القابسيُّ بفتحها، ولكلٍّ وجهٌ صحيحٌ كما لا يخفى (أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا) بعض القبائل (فَقِيلَ لَهُ: قَدْ فَضَّلَكُمْ) ﵊ (عَلَى نَاسٍ كَثِيرٍ) من قبائل الأنصار غير المذكورين. وهذا الحديث سبق قريبًا [خ¦٣٧٩٠]. (١٦) (بابُ مَنَاقِبِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) بضمِّ الهمزة ثمَّ فتحٍ فتشديدٍ، ابن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النَّجَّار، واسمه تيم اللَّات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر، الأنصاريِّ الخزرجيِّ النَّجَّاريِّ، شهد العقبة وبدرًا، وكان عمر يقول: أُبَيٌّ سيِّد المسلمين، وتُوفِّي سنة ثلاثين (¬﵁¬) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فقوله: «مناقب» مرفوعٌ. ٣٨٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الجَمَليِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع أنَّه (قَالَ: ذُكِرَ) بضمِّ المعجمة، مبنيًّا للمفعول (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاصي (فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي «مناقب سالمٍ» [خ¦٣٧٥٨]

стр. 7279

«لا أزال أحبُّه بعدما سمعت رسول الله» (¬ ﷺ يَقُولُ: خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ؛ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -فَبَدَأَ بِهِ- وَ) من (سَالِمٍ مَوْلَى) امرأة (أَبِي حُذَيْفَةَ) بن عتبة الأنصاريَّة، وكان أبو حذيفة تبنَّاه لمَّا تزوَّج بها، فنُسِب إليه (وَ) من (مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَ) من (أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) وفي «التِّرمذيِّ» مرفوعًا: «وأقرؤهم أبيُّ بن كعبٍ» وقال أبو عمر: قال محمَّد بن سعدٍ عن الواقديِّ: أوَّل من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أبيُّ بن كعبٍ، وهو أوَّل من كتب في آخر الكتاب، وكتبه فلان بن فلانٍ. ٣٨٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة ثمَّ المُعجَمة المُشدَّدة، بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ (قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج يقول: (سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) يقول: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُبَيٍّ) هو ابن كعبٍ: (إِنَّ اللهَ) (أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) سورة (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) زاد أبو ذرٍّ: «﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾» قراءةَ إبلاغٍ وإنذار، لا قراءة تعلُّمٍ واستذكار (قَالَ) أبيٌّ: (وَسَمَّانِي) اللهُ لك يا رسول الله؟ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) سمَّاك لي، وعند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر عن أُبيِّ بن كعبٍ قال: «نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى» (قَالَ) أنسٌ ﵁: (فَبَكَى) أُبيٌّ فرحًا وسرورًا، أو خوفًا ألَّا يقوم بشكر تلك النِّعمة، وإنَّما استفسره بقوله: «وسمَّاني» لأنَّه جوَّز أن يكون أمره أن يقرأ على رجلٍ من أمَّته غير مُعيَّنٍ فاخترتني أنت، وقال القرطبيُّ: خصَّ هذه السُّورة بالذِّكر؛ لِمَا احتوت عليه من التَّوحيد والرِّسالة والإخلاص والصُّحف والكتب المُنزَّلة على الأنبياء،

стр. 7280

وذكر الصَّلاة والزَّكاة والمعاد، وبيان أهل الجنَّة والنَّار مع وجازتها. وهذا الحديث ذكره المؤلِّف في «الفضائل» و «التَّفسير» [خ¦٤٩٥٩] [خ¦٦٩٦٠]، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب». (١٧) (باب مَنَاقِبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) بالمُثلَّثة، ابن الضَّحَّاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النَّجَّار الأنصاريِّ الخزرجيِّ ثمَّ النَّجَّاريِّ، وكان عمره لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة إحدى عشرة سنةً، وكان أعلم الصَّحابة بالفرائض، ومن أعلم الصَّحابة والرَّاسخين في العلم، ومن أَفْكَه النَّاس إذا خلا مع أهله، وتُوفِّي سنة خمسٍ وأربعين، وصلَّى عليه مروان بن الحكم، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٨١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه قَالَ: (جَمَعَ القُرْآنَ) أي: استظهره حفظًا (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (١) ﷺ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيٌّ) هو ابن كعبٍ الخزرجيُّ (وَمُعَاذٌ) بْنُ جَبَلٍ الخزرجيُّ (وَأَبُو زَيْدٍ) أوسٌ، أو ثابتُ بن زيدٍ، أو سعد بن عبيد بن النُّعمان (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) قال قتادة: (قُلْتُ لأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟) المذكور (قَالَ) هو (أَحَدُ عُمُومَتِي) واسمه: أوسٌ قاله عليُّ بن المدائنيِّ، أو ثابت بن زيدٍ قاله ابن معينٍ، أو هو سعد ابن عبيد بن النُّعمان، جزم به الدَّارقطنيُّ (٢)، أو قيس بن السَّكن بن قيس بن زَعورا (٣) -بفتح الزَّاي وبالمُهمَلة وبالرَّاء- ابن حرامٍ -بالحاء والرَّاء

стр. 7281

المُهمَلتين- الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ قاله الواقديُّ، ويرجِّحه قول أنسٍ «أحد عمومتي» لأنَّه أنس بن مالك بن النَّضر بن ضمضم -بالضَّادين المُعجَمتين- ابن زيد بن حرامٍ، فإن قلت (١): قد جمع القرآن غيرهم أيضًا؛ أُجيب بأنَّ مفهوم العدد لا ينفي الزَّائد. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل». (١٨) (باب مَنَاقِبِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديِّ بن عمرو بن مالك بن النَّجَّار الأنصاريِّ الخزرجيِّ النَّجَّاريِّ، عَقَبِيٌّ بدريٌّ نقيبٌ، وأمُّه عبادة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عديٍّ، يجتمعان في زيد مناة، وهو مشهورٌ بكنيته، وكان زوج أمِّ سُلَيمٍ بنت ملحان أمِّ أنس بن مالكٍ، وروينا عن ثابتٍ عن أنسٍ ممَّا ذكره في «أُسْد الغابة»: أنَّه لمَّا خطب أمَّ سُليمٍ قالت له: يا أبا طلحة ما مثلك يُرَدُّ، لكنَّك امرؤٌ كافرٌ وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجك، فإن تُسْلِم فذلك مهري لا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، قال ثابتٌ: فما سمعتُ بامرأةٍ كانت أكرم النَّاس مهرًا من أمِّ سُلَيمٍ، تُوفِّي سنة اثنتين وثلاثين، أو أربعٍ وثلاثين، وقال المدائنيُّ: سنة إحدى وخمسين، وقيل: إنَّه كان لا يكاد يصوم في عهد النَّبيِّ ﷺ من أجل الغزو، فلمَّا تُوفِّي ﷺ صام أربعين سنةً لم يفطر إلَّا أيَّام العيد، وهو يؤيِّد قول من قال: إنَّه تُوفِّي سنة إحدى وخمسين (¬﵁¬) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.

стр. 7282

٣٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عَمرٍو -بفتح العين- ابن أبي الحجَّاج، ميسرة المُقعَد التَّميميُّ المنقريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيبٍ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ) وقعة (أُحُدٍ؛ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ ﷺ ¬) الواو في «وأبو طلحة» للحال، وهو مبتدأٌ، خبره (مَُجَُوِّْبٌ) بفتح الميم وضمِّ الجيم وسكون الواو، وبضمِّ (١) الميم وفتح الجيم وكسر الواو مُشدَّدةً آخره مُوحَّدةٌ فيهما، وكلاهما في الفرع وأصله أي: مترِّسٌ (بِهِ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (بِحَجَفَةٍ) بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء: بترسٍ (لَهُ) من جلد لا خشب فيه، وقوله: «بحجفةٍ» متعلِّقٌ بقوله: «مجوِّبٌ» كما لا يخفى (وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا) بالقوس (شَدِيدَ القِدِّ) بإضافة «شديد» إلى «القِدِّ» بكسر القاف وتشديد الدَّال، وهو السَّير من جلدٍ لم يُدبَغ، أي: شديد وتر القوس في النَّزع والمدِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: وبهذا جزم الخطَّابيُّ وتبعه ابن التِّين. انتهى. وعبارة الخطَّابيِّ -فيما ذكره الكِرمانيُّ-: ويحتمل أن تكون الرِّواية: «القِدِّ» -بالكسر- ويُرَاد به وتر القوس، قال الزَّركشيُّ: ولذا أَتْبَعَهُ بقوله: (يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوسَينِ) بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فكافٍ ساكنةٍ، و «قوسين»: نُصِب على المفعوليَّة (أَوْ ثَلَاثًا) بالنَّصب عطفًا عليه، من شدَّته، والذي في «اليونينيَّة» (٢) وعزاها في «الفتح» للأكثر: «شديدًا» -بالنَّصب- «لقد» بلام التَّأكيد، وكلمة «قد» للتَّحقيق، والذي في فرع «اليونينيَّة»: «شديدَ» -بنصبةٍ واحدةٍ على الدَّال وكَشَطَ الأخرى- «القَدِّ» بنصبةٍ على القاف (٣)، وكشط فوق الدَّال واللَّام ولم يضبطهما، وضبَّب على قوله: «يكسر (٤)» وفي الهامش كـ «اليونينيَّة» عن الكُشْميهَنيِّ في رواية أبي ذرٍّ عنه: «تَكَسَّر» بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فكافٍ مفتوحةٍ وتشديد المُهمَلة المفتوحة: «تَفَعَّل» ليدلَّ على كثرة الكسر «يومئذٍ قوسان» رَفْعٌ، فاعلِ «تَكَسَّر»، «أو ثلاثٌ» رُفِعَ أيضًا عطفًا على سابقه، وقال في «الفتح»: ورُوِي: «شديد المَدِّ» بالميم المفتوحة بدل القاف وتشديد الدَّال، وقال الكِرمانيُّ وتبعه

стр. 7283

البرماويُّ: وفي بعضها: «اليد» أي: بالتَّحتيَّة بدل القاف (وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ) بأبي طلحة (وَمَعَهُ الجَعْبَةُ) بفتح الجيم وسكون العين المُهمَلة: الكنانة (منَ النَّبْلِ) بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة: السِّهام (فَيَقُولُ) النَّبيُّ ﷺ : (انْشُرْهَا) بنونٍ ساكنةٍ فمُعجَمةٍ مضمومةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «انثرها» بالمُثلَّثة بدل الشِّين المُعجَمة (لأَبِي طَلْحَةَ) ليرمي بها (فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: اطَّلع مِن فوق حالَ كونه (يَنْظُرُ إِلَى القَوْمِ) وهم يرمون (فَيَقُولُ) له (أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ) أفديك (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ) بالشِّين المُعجَمة والجزم على النَّهي، أي: لا تطَّلع (يُصِيبُكَ) رُفِع، أي: لا تشرف فإنَّه يصيبك (سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ) من الأعداء، ولأبي ذرٍّ «يُصِبْكَ» بالجزم جواب النَّهي، لكن قال القاضي عياضٌ: والأوَّل هو الصَّواب، والثَّاني خطأٌ وقلبٌ للمعنى، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: بل الثَّاني صوابٌ على رأي الكسائيِّ المشهور (١) وهو أنَّه أجاز: «لا تكفر تدخلِ النَّار»، و «لا تدنُ من الأسد يأكلْك» بالجزم؛ إذ من الواضح البيِّن أنَّ معنى الأوَّل: لا تكفرْ، فإنَّك إنْ تكفر تدخلِ النَّار، وأنَّ معنى الثَّاني: لا تدنُ من الأسد، فإنَّك إن تدنُ منه يأكلْك، والجماعة إنَّما يقدِّرون فعل الشَّرط منفيًّا؛ فلذلك لا يصحُّ عندهم التَّركيب المذكور، لكن لم يصل الأمر فيه إلى حدِّ إذا وجدنا روايةً صحيحةً تتخرَّج على رأي إمامٍ من أئمَّة العربيَّة جليل المكانة نطرح الرِّواية، ونقطع بخطئها اعتمادًا على مذهب المخالفين، هذا أمرٌ لا يقتضيه الإنصاف (نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ) قال الكِرمانيُّ: النَّحر: الصَّدر، أي: صدري عند صدرك أي: أقف أنا بحيث يكون صدري كالتِّرس لصدرك. انتهى. قال أنسٌ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَ) أمِّي (أُمَّ سُلَيْمٍ) زوج أبي طلحة ﵃ (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ) -بكسر الميم مع التَّثنية- أثوابهما (أَرَى) بفتح الهمزة: أُبْصِرُ (خَدَمَ سُوقِهِمَا) بضمِّ السِّين جمع ساقٍ، مجرورٌ بإضافة «خدم» إليه، وهو بفتح الخاء المُعجَمة وبالدَّال المُهمَلة جمع الخَدَمة، وهي الخلخال، أو أصل السَّاق، وكان قبل نزول الحجاب، حال كونهما (تَنْقُزَانِ القِرَبَ) بفتح الفوقيَّة وسكون النُّون

стр. 7284

وضمِّ القاف وبعد الزَّاي ألفٌ فنونٌ، أي: تَثِبَان (١) وتقفزان من سرعة السَّير، و «القِرَب» نُصِب، واستُبعِد؛ لأنَّ «تنقز» غير متعدٍّ، وأوَّلَهُ بعضُهم على نزع الخافض، أي: تثبان بالقرب، وضبطه في الفرع وأصله: «تُنقِزان» أيضًا بضمِّ حرف المضارعة وكسر القاف من أنقز، فعدَّاه بالهمزة، فيصحُّ على هذا نصب «القِرَب»، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «تنقلان» باللَّام بدل الزَّاي، وفي «المصابيح»: أنَّ «القِرَبَ» مفعولٌ باسم فاعلٍ، منصوبٌ على الحال محذوفٌ، أي: تنقزان جاعلتين القِرَبَ (عَلَى مُتُونِهِمَا) ظهورهما (تُفْرِغَانِهِ) بضمِّ حرف المضارعة، أي: الماء (فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ) من المسلمين (ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَأَانِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا) كذا في الفرع بالتَّأنيث، وفي أصله «تفرغانه» (فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ) بتثنية «يدَي»، ولأبي ذرٍّ: «من يدِ» بالإفراد (إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا) زاد مسلمٌ في روايته: «من النُّعاس»، وعند المؤلِّف في «المغازي» في «باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾» ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ﴾ [خ¦٤٠٦٨]: عن أبي طلحة أنَّه قال: كنت فيمن (٢) تغشَّاه النُّعاس يوم أُحُدٍ حتَّى سقط سيفي من يدِي مرارًا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه. ورجال حديث الباب كلُّهم بصريُّون، وسبق في «الجهاد» [خ¦٢٩٠٢] وذكره أيضًا في «غزوة أُحُدٍ» [خ¦٤٠٦٨]. (١٩) (باب مَنَاقِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ابن الحارث الإسرائيليِّ ثمَّ الأنصاريِّ، كان حليفًا لهم من بني قينقاع، وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵍، وكان اسمه في الجاهليَّة الحُصَين، فسمَّاه النَّبيُّ ﷺ حين أسلم عبدَ الله، وكان إسلامه لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة مهاجرًا، وفي «التِّرمذيِّ»: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّه عاشرُ عشرةٍ في الجنَّة» وتُوفِّي عبدُ الله سنة ثلاثٍ وأربعين (¬﵁¬) و (٣) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.

стр. 7285

٣٨١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا) إمام دار الهجرة (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المُعجَمة، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما، التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، أنَّه (قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ) الآن بعد موت العشرة المُبشَّرة الذين منهم سعدُ بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) وقوله: «يمشي على الأرض» صفةٌ مُؤكِّدةٌ لـ «أحدٍ» كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] لمزيد التَّعميم والإحاطة (١)، لكن استُشكِل: بأنَّه ﷺ قال لجماعةٍ: إنَّهم من أهل الجنَّة غيرَ ابنِ سلامٍ، ويبعد ألَّا يطَّلع سعدٌ على ذلك، وما أُجيب به -بأنَّه كَرِهَ تزكيةَ نفسه؛ لأنَّه أحد المُبشَّرين بذلك- مُتعقَّبٌ بأنَّه لا يستلزم أن ينفي سماعه مثل ذلك في حقِّ غيره، وما سبق من التَّقدير بالآن بعد موت العشرة إلى آخره -ممَّا أجاب به في «الفتح»، وأيَّده برواية الدَّارقطنيِّ من طريق إسحاق بن الطَّبَّاع (٢) عن مالكٍ: ما سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول لحيٍّ يمشي: إنَّه من أهل الجنَّة، وبما عنده من طريق عاصم بن مُهَجِّعٍ عن مالكٍ: لرجلٍ حيٍّ- ينفي الاستشكال، لكنَّه يعكِّر عليه ما عند الدَّارقطنيِّ من طريق سعيد بن داود عن مالكٍ بلفظ: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «لا أقول لأحدٍ من الأحياء: إنَّه من أهل الجنَّة إلَّا لعبد الله ابن سلامٍ» وبلغني أنَّه قال: «وسلمانَ الفارسيَّ» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ هذا السِّياق مُنكَرٌ. انتهى. وأجاب النَّوويُّ: بأنَّ سعدًا قال: «ما سمعتُ» ونفي سماعه ذلك لا يدلُّ على نفي البشارة لغيره، وإذا اجتمع النَّفي والإثبات؛ فالإثبات مُقدَّمٌ عليه. انتهى. وقال الكِرمانيُّ: لفظ: «ما سمعتُ» لم ينفِ أصل الإخبار بالجنَّة لغيره (قَالَ) سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁: (وَفِيهِ) في
следующие страницы →