المُهمَلتين- الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ قاله الواقديُّ، ويرجِّحه قول أنسٍ «أحد عمومتي» لأنَّه أنس بن مالك بن النَّضر بن ضمضم -بالضَّادين المُعجَمتين- ابن زيد بن حرامٍ، فإن قلت (١): قد جمع القرآن غيرهم أيضًا؛ أُجيب بأنَّ مفهوم العدد لا ينفي الزَّائد.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
(١٨) (باب مَنَاقِبِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديِّ بن عمرو بن مالك بن النَّجَّار الأنصاريِّ الخزرجيِّ النَّجَّاريِّ، عَقَبِيٌّ بدريٌّ نقيبٌ، وأمُّه عبادة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عديٍّ، يجتمعان في زيد مناة، وهو مشهورٌ بكنيته، وكان زوج أمِّ سُلَيمٍ بنت ملحان أمِّ أنس بن مالكٍ، وروينا عن ثابتٍ عن أنسٍ ممَّا ذكره في «أُسْد الغابة»: أنَّه لمَّا خطب أمَّ سُليمٍ قالت له: يا أبا طلحة ما مثلك يُرَدُّ، لكنَّك امرؤٌ كافرٌ وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجك، فإن تُسْلِم فذلك مهري لا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، قال ثابتٌ: فما سمعتُ بامرأةٍ كانت أكرم النَّاس مهرًا من أمِّ سُلَيمٍ، تُوفِّي سنة اثنتين وثلاثين، أو أربعٍ وثلاثين، وقال المدائنيُّ: سنة إحدى وخمسين، وقيل: إنَّه كان لا يكاد يصوم في عهد النَّبيِّ ﷺ من أجل الغزو، فلمَّا تُوفِّي ﷺ صام أربعين سنةً لم يفطر إلَّا أيَّام العيد، وهو يؤيِّد قول من قال: إنَّه تُوفِّي سنة إحدى وخمسين (¬﵁¬) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
стр. 7282
٣٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عَمرٍو -بفتح العين- ابن أبي الحجَّاج، ميسرة المُقعَد التَّميميُّ المنقريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيبٍ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ) وقعة (أُحُدٍ؛ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ ﷺ ¬) الواو في «وأبو طلحة» للحال، وهو مبتدأٌ، خبره (مَُجَُوِّْبٌ) بفتح الميم وضمِّ الجيم وسكون الواو، وبضمِّ (١) الميم وفتح الجيم وكسر الواو مُشدَّدةً آخره مُوحَّدةٌ فيهما، وكلاهما في الفرع وأصله أي: مترِّسٌ (بِهِ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (بِحَجَفَةٍ) بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء: بترسٍ (لَهُ) من جلد لا خشب فيه، وقوله: «بحجفةٍ» متعلِّقٌ بقوله: «مجوِّبٌ» كما لا يخفى (وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا) بالقوس (شَدِيدَ القِدِّ) بإضافة «شديد» إلى «القِدِّ» بكسر القاف وتشديد الدَّال، وهو السَّير من جلدٍ لم يُدبَغ، أي: شديد وتر القوس في النَّزع والمدِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: وبهذا جزم الخطَّابيُّ وتبعه ابن التِّين. انتهى. وعبارة الخطَّابيِّ -فيما ذكره الكِرمانيُّ-: ويحتمل أن تكون الرِّواية: «القِدِّ» -بالكسر- ويُرَاد به وتر القوس، قال الزَّركشيُّ: ولذا أَتْبَعَهُ بقوله: (يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوسَينِ) بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فكافٍ ساكنةٍ، و «قوسين»: نُصِب على المفعوليَّة (أَوْ ثَلَاثًا) بالنَّصب عطفًا عليه، من شدَّته، والذي في «اليونينيَّة» (٢) وعزاها في «الفتح» للأكثر: «شديدًا» -بالنَّصب- «لقد» بلام التَّأكيد، وكلمة «قد» للتَّحقيق، والذي في فرع «اليونينيَّة»: «شديدَ» -بنصبةٍ واحدةٍ على الدَّال وكَشَطَ الأخرى- «القَدِّ» بنصبةٍ على القاف (٣)، وكشط فوق الدَّال واللَّام ولم يضبطهما، وضبَّب على قوله: «يكسر (٤)» وفي الهامش كـ «اليونينيَّة» عن الكُشْميهَنيِّ في رواية أبي ذرٍّ عنه: «تَكَسَّر» بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فكافٍ مفتوحةٍ وتشديد المُهمَلة المفتوحة: «تَفَعَّل» ليدلَّ على كثرة الكسر «يومئذٍ قوسان» رَفْعٌ، فاعلِ «تَكَسَّر»، «أو ثلاثٌ» رُفِعَ أيضًا عطفًا على سابقه، وقال في «الفتح»: ورُوِي: «شديد المَدِّ» بالميم المفتوحة بدل القاف وتشديد الدَّال، وقال الكِرمانيُّ وتبعه
стр. 7283
البرماويُّ: وفي بعضها: «اليد» أي: بالتَّحتيَّة بدل القاف (وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ) بأبي طلحة (وَمَعَهُ الجَعْبَةُ) بفتح الجيم وسكون العين المُهمَلة: الكنانة (منَ النَّبْلِ) بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة: السِّهام (فَيَقُولُ) النَّبيُّ ﷺ : (انْشُرْهَا) بنونٍ ساكنةٍ فمُعجَمةٍ مضمومةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «انثرها» بالمُثلَّثة بدل الشِّين المُعجَمة (لأَبِي طَلْحَةَ) ليرمي بها (فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: اطَّلع مِن فوق حالَ كونه (يَنْظُرُ إِلَى القَوْمِ) وهم يرمون (فَيَقُولُ) له (أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ) أفديك (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ) بالشِّين المُعجَمة والجزم على النَّهي، أي: لا تطَّلع (يُصِيبُكَ) رُفِع، أي: لا تشرف فإنَّه يصيبك (سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ) من الأعداء، ولأبي ذرٍّ «يُصِبْكَ» بالجزم جواب النَّهي، لكن قال القاضي عياضٌ: والأوَّل هو الصَّواب، والثَّاني خطأٌ وقلبٌ للمعنى، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: بل الثَّاني صوابٌ على رأي الكسائيِّ المشهور (١) وهو أنَّه أجاز: «لا تكفر تدخلِ النَّار»، و «لا تدنُ من الأسد يأكلْك» بالجزم؛ إذ من الواضح البيِّن أنَّ معنى الأوَّل: لا تكفرْ، فإنَّك إنْ تكفر تدخلِ النَّار، وأنَّ معنى الثَّاني: لا تدنُ من الأسد، فإنَّك إن تدنُ منه يأكلْك، والجماعة إنَّما يقدِّرون فعل الشَّرط منفيًّا؛ فلذلك لا يصحُّ عندهم التَّركيب المذكور، لكن لم يصل الأمر فيه إلى حدِّ إذا وجدنا روايةً صحيحةً تتخرَّج على رأي إمامٍ من أئمَّة العربيَّة جليل المكانة نطرح الرِّواية، ونقطع بخطئها اعتمادًا على مذهب المخالفين، هذا أمرٌ لا يقتضيه الإنصاف (نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ) قال الكِرمانيُّ: النَّحر: الصَّدر، أي: صدري عند صدرك أي: أقف أنا بحيث يكون صدري كالتِّرس لصدرك. انتهى. قال أنسٌ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَ) أمِّي (أُمَّ سُلَيْمٍ) زوج أبي طلحة ﵃ (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ) -بكسر الميم مع التَّثنية- أثوابهما (أَرَى) بفتح الهمزة: أُبْصِرُ (خَدَمَ سُوقِهِمَا) بضمِّ السِّين جمع ساقٍ، مجرورٌ بإضافة «خدم» إليه، وهو بفتح الخاء المُعجَمة وبالدَّال المُهمَلة جمع الخَدَمة، وهي الخلخال، أو أصل السَّاق، وكان قبل نزول الحجاب، حال كونهما (تَنْقُزَانِ القِرَبَ) بفتح الفوقيَّة وسكون النُّون
стр. 7284
وضمِّ القاف وبعد الزَّاي ألفٌ فنونٌ، أي: تَثِبَان (١) وتقفزان من سرعة السَّير، و «القِرَب» نُصِب، واستُبعِد؛ لأنَّ «تنقز» غير متعدٍّ، وأوَّلَهُ بعضُهم على نزع الخافض، أي: تثبان بالقرب، وضبطه في الفرع وأصله: «تُنقِزان» أيضًا بضمِّ حرف المضارعة وكسر القاف من أنقز، فعدَّاه بالهمزة، فيصحُّ على هذا نصب «القِرَب»، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «تنقلان» باللَّام بدل الزَّاي، وفي «المصابيح»: أنَّ «القِرَبَ» مفعولٌ باسم فاعلٍ، منصوبٌ على الحال محذوفٌ، أي: تنقزان جاعلتين القِرَبَ (عَلَى مُتُونِهِمَا) ظهورهما (تُفْرِغَانِهِ) بضمِّ حرف المضارعة، أي: الماء (فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ) من المسلمين (ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَأَانِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا) كذا في الفرع بالتَّأنيث، وفي أصله «تفرغانه» (فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ) بتثنية «يدَي»، ولأبي ذرٍّ: «من يدِ» بالإفراد (إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا) زاد مسلمٌ في روايته: «من النُّعاس»، وعند المؤلِّف في «المغازي» في «باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾» ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ﴾ [خ¦٤٠٦٨]: عن أبي طلحة أنَّه قال: كنت فيمن (٢) تغشَّاه النُّعاس يوم أُحُدٍ حتَّى سقط سيفي من يدِي مرارًا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه.
ورجال حديث الباب كلُّهم بصريُّون، وسبق في «الجهاد» [خ¦٢٩٠٢] وذكره أيضًا في «غزوة أُحُدٍ» [خ¦٤٠٦٨].
(١٩) (باب مَنَاقِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ابن الحارث الإسرائيليِّ ثمَّ الأنصاريِّ، كان حليفًا لهم من بني قينقاع، وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵍، وكان اسمه في الجاهليَّة الحُصَين، فسمَّاه النَّبيُّ ﷺ حين أسلم عبدَ الله، وكان إسلامه لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة مهاجرًا، وفي «التِّرمذيِّ»: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّه عاشرُ عشرةٍ في الجنَّة» وتُوفِّي عبدُ الله سنة ثلاثٍ وأربعين (¬﵁¬) و (٣) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
стр. 7285
٣٨١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا) إمام دار الهجرة (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المُعجَمة، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما، التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، أنَّه (قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ) الآن بعد موت العشرة المُبشَّرة الذين منهم سعدُ بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) وقوله: «يمشي على الأرض» صفةٌ مُؤكِّدةٌ لـ «أحدٍ» كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] لمزيد التَّعميم والإحاطة (١)، لكن استُشكِل: بأنَّه ﷺ قال لجماعةٍ: إنَّهم من أهل الجنَّة غيرَ ابنِ سلامٍ، ويبعد ألَّا يطَّلع سعدٌ على ذلك، وما أُجيب به -بأنَّه كَرِهَ تزكيةَ نفسه؛ لأنَّه أحد المُبشَّرين بذلك- مُتعقَّبٌ بأنَّه لا يستلزم أن ينفي سماعه مثل ذلك في حقِّ غيره، وما سبق من التَّقدير بالآن بعد موت العشرة إلى آخره -ممَّا أجاب به في «الفتح»، وأيَّده برواية الدَّارقطنيِّ من طريق إسحاق بن الطَّبَّاع (٢) عن مالكٍ: ما سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول لحيٍّ يمشي: إنَّه من أهل الجنَّة، وبما عنده من طريق عاصم بن مُهَجِّعٍ عن مالكٍ: لرجلٍ حيٍّ- ينفي الاستشكال، لكنَّه يعكِّر عليه ما عند الدَّارقطنيِّ من طريق سعيد بن داود عن مالكٍ بلفظ: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «لا أقول لأحدٍ من الأحياء: إنَّه من أهل الجنَّة إلَّا لعبد الله ابن سلامٍ» وبلغني أنَّه قال: «وسلمانَ الفارسيَّ» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ هذا السِّياق مُنكَرٌ. انتهى. وأجاب النَّوويُّ: بأنَّ سعدًا قال: «ما سمعتُ» ونفي سماعه ذلك لا يدلُّ على نفي البشارة لغيره، وإذا اجتمع النَّفي والإثبات؛ فالإثبات مُقدَّمٌ عليه. انتهى. وقال الكِرمانيُّ: لفظ: «ما سمعتُ» لم ينفِ أصل الإخبار بالجنَّة لغيره (قَالَ) سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁: (وَفِيهِ) في
стр. 7286
عبد الله بن سلامٍ (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأحقاف: ١٠]) زاد أبو ذرٍّ: «﴿عَلَى مِثْلِهِ … ﴾» (الآيَةَ) كذا قال الجمهور: إنَّ الشَّاهد هو عبد الله بن سلامٍ، وعُورِض: بأنَّ ابن سلامٍ إنَّما أسلم بالمدينة والأحقاف مكِّيَّة، وأُجيب بأنَّها مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ … ﴾ إلى آخر الآيتين، ومعنى الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به أيُّها المشركون وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل على مثله؟ والمثل صلةٌ؛ يعني: عليه، أي: على أنَّه من عند الله، فآمن الشَّاهد واستكبرتم عن الإيمان به، وقيل: الشَّاهد التَّوراة، ومثل القرآن هو التَّوراة، فشهد موسى على التَّوراة ومحمَّدٌ على الفرقان، فكلُّ واحدٍ يصدِّق الآخر؛ لأنَّ التَّوراة مشتملةٌ على البشارة بمحمَّدٍ ﷺ ، والقرآن مصدِّقٌ للتَّوراة (قَالَ) أي: عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيُّ: (لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ) الإمام: (الآيَةَ) أي: نزولها في هذه القصَّة من قِبَل نفسه (أَو فِي) إسناد هذا (الحَدِيثِ) وعند ابن منده في «الإيمان» من طريق إسحاق بن يسارٍ (١) عن عبد الله بن يوسف الحديث والزِّيادة، وفيه: قال إسحاق: فقلت لعبد الله بن يوسف: إنَّ أبا مُسْهِرٍ حدَّثنا بهذا عن مالكٍ، ولم يذكر هذه الزِّيادة، فقال عبد الله بن يوسف: إنَّ مالكًا تكلَّم به عقب الحديث، وكانت معي ألواحي فكتبت؛ فلذا قال: «لا أدري … » إلى آخره، وقد أخرج الإسماعيليُّ والدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من طريق أبي مُسْهِرٍ وعاصم بن مُهَجِّعٍ وعبد الله بن وهبٍ وغيرهم كلُّهم عن مالكٍ: بدون هذه الزِّيادة، فالظَّاهر أنَّها مُدرَجةٌ من هذا الوجه، وعند الدَّارقطنيِّ من رواية ابن وهبٍ التَّصريحُ بأنَّها من قول مالكٍ، نعم عند ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄، وعند التِّرمذيِّ من حديث ابن سلامٍ نفسه، وعند ابن حبَّان من حديث عوفٍ: أنَّها نزلت في عبد الله بن سلامٍ، قاله (٢) في «الفتح».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
стр. 7287
٣٨١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ) بفتح الهمزة وسكون الزَّاي وفتح الهاء، ابن سعدٍ الباهليُّ مولاهم (السَّمَّانُ) بتشديد الميم، البصريُّ المُتوفَّى سنة ثلاثٍ ومئتين (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبدِ الله، واسم جدِّه (١) أَرْطَبان، البصريِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، البصريِّ، قتله الحجَّاج صبرًا، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي ِمَسْجِدِ المَدِينَةِ) النَّبويَّة مع بعض الصَّحابة (فَدَخَلَ رَجُلٌ) هو ابن سلامٍ؛ كما يأتي قريبًا (عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الخُشُوعِ، فَقَالوا) لِمَا بلغهم من حديث سعدٍ السَّابق [خ¦٣٨١٢] (هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَصَلَّى) الرَّجل (رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا) بفتح الفوقيَّة والجيم والواو المُشدَّدة بعدها زايٌ؛ أي (٢): خفَّفهما (ثُمَّ خَرَجَ) من المسجد (وَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ) له: (إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ المَسْجِدَ قَالُوا) أي: الحاضرون فيه عنك: (هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ) ابن سلامٍ منكرًا عليهم قَطْعَهم بالجنَّة له: (وَاللهِ مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ) ولعلَّه لم يبلغه خبر سعدٍ، أو بلغه ذلك وكره
стр. 7288
الثَّناء عليه بذلك تواضعًا وإيثارًا للخمول وكراهةً للشُّهرة (وَسَأُحَدِّثُكَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فسأحدِّثك» (لِمَ ذَاكَ) الإنكار الصَّادر منِّي عليهم؟ وهو أنِّي (رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ وَ) هي أنِّي (رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ -ذَكَرَ) ابن سلامٍ الرَّائي (مِنْ سَعَتِهَا) بفتح السِّين (وَخُضْرَتِهَا- وَسْطَهَا) بسكون السِّين (عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ) بضمِّ العين وسكون الرَّاء المُهمَلتين وفتح الواو (فَقِيلَ لَهُ) ولأبي ذرٍّ «لي»: (ارْقَهْ) بهاء السَّكت، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ارقَ» بإسقاطها (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (لَا أَسْتَطِيعُ) أن أرقاه (فَأَتَانِي مِنْصَفٌ) بكسر الميم وسكون النُّون وفتح الصَّاد المُهمَلة وبعدها فاءٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَنصِفٌ» بفتح الميم وكسر الصَّاد، والأوَّل أشهر، أي: خادمٌ (فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، فَرَقِيتُ) بكسر القاف (حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا، فَأَخَذْتُ بِالعُرْوَةِ، فَقِيلَ لِي: اسْتَمْسِكْ) بها (فَاسْتَيْقَظْتُ) من منامي (و) الحال (إنَّهَا) أي: العروة (لَفِي (١) يَدِي) قبل أن أتركها، وليس المراد أنَّه استيقظ وهي في يده وإن كانت القدرةُ صالحةً لذلك (فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فقال»: (تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ) أي: جميع ما يتعلَّق بالدِّين (وَذَلِكَ) وللحَمُّويي: «وأمَّا» (العَمُودُ) فهو (عَمُودُ الإِسْلَامِ) أي: أركانه الخمسة، أو كلمة الشَّهادة وحدها (وَتِلْكَ العُرْوَةُ الوُثْقَى) ولغير أبي ذرٍّ: «وتلك العروة عروة الوثقى» أي: الإيمان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (فَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ، وَذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «وذلك» (الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) يحتمل أن يكون هو قوله، ولا مانع أن يخبر بذلك ويريد نفسه، ويحتمل أن يكون من كلام الرَّاوي، وليس في هذا نصٌّ بقطع النَّبيِّ ﷺ أنَّه من أهل الجنَّة كما نصَّ على غيره؛ فلذا أَنْكَر عليهم، ويحتمل أن يكون قوله: «ما ينبغي» إنكارًا منه على من سأله عن ذلك؛ لكونه فهم منه التَّعجُّب من خبرهم بأنَّ ذلك لا عجب فيه؛ لِمَا ذكره من قصَّة المنام، وأشار بذلك القول إلى أنَّه لا ينبغي لأحدٍ إنكار ما لا علم له به إذا كان الذي أخبره به من أهل الصِّدق، ويحقِّق هذا قوله: «فاستيقظت وإنَّها لفي يدي» أي: حقيقةً من غير تأويلٍ كما هو ظاهر اللَّفظ، وتكون رؤياه هذه كشفًا كشفه الله تعالى له كرامةً له.
стр. 7289
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّعبير» [خ¦٧٠١٠] ومسلمٌ في «الفضائل».
وبه قال: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) هو ابن نصرٍ العنبريُّ قاضي البصرة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة (عَنِ ابْنِ سَلَامٍ) عبدِ الله أنَّه (قَالَ) في الحديث السَّابق: (وَصِيفٌ مَكَانَ) قوله فيه: (مِنْصَفٌ) بكسر الميم وفتح الصَّاد؛ وهو الخادم الصَّغير ذكرًا أو أنثى.
٣٨١٤ - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة، عامر بن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قال: أَتَيْتُ المَدِينَةَ) طيبة (فَلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ) ﵁ (فَقَالَ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ) بالنَّصب (سَوِيقًا وَتَمْرًا، وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ؟) بالتَّنوين للتَّعظيم؛ لدخول النَّبيِّ ﷺ فيه (١) (ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرضٍ) مقيمٌ، وهي أرض العراق (الرِّبَا بِهَا فَاشٍ) ظاهرٌ كثيرٌ، والجملة الاسميَّة من المبتدأ والخبر في موضع جرٍّ صفةٌ لـ «أرضٍ» (إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم (أَو حِمْلَ شَعِيرٍ أَو حِمْلَ قَتٍّ) بفتح القاف وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة: نوعٌ من علف الدَّوابِّ (فَلَا تَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّهُ رِبًا) كأنَّه مذهبه، وإلَّا فالذي عليه الفقهاء أنَّه لا يكون ربًا إلَّا إذا اشترطه ولا يخفى الورع (وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ) بالضَّاد المُعجَمة، ابن شُمَيلٍ (وَأَبُو دَاوُدَ) الطَّيالسيُّ (وَوَهْبٌ) بسكون الهاء، ابن جريرٍ في روايتهم هذا الحديث (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (البَيْتَ) وبثبوته مع ترك قبول هديَّة المستقرض تحصل المطابقة؛ لأنَّه عَلِمَ منه ورعه ودخول النَّبيِّ ﷺ منزله.
стр. 7290
(٢٠) (بابُ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ خَدِيجَةَ) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، القرشيَّة الأسديَّة، أوَّل خلق الله إسلامًا اتِّفاقًا، وكانت له ﷺ وزيرَ صدقٍ عندما بُعِث، فكان لا يسمع شيئًا من المشركين (١) يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيبٍ له إلَّا فرَّج الله بها عنه، تثبِّته وتصدِّقه وتخفِّف عنه وتهوِّن عليه ما يلقى من قومه، واختارها الله تعالى له ﷺ لِمَا أراد بها من كرامته، وكانت تُدعَى في الجاهليَّة الطَّاهرة، تزوَّجها ﷺ وسِنُّهُ خمسٌ وعشرون سنةً في قول الجمهور، وكانت قبله عند أبي هالة بن النَّبَّاش بن زُرارة (٢) التَّميميِّ (٣) حليف بني عبد الدَّار، وتُوفِّيت على الصَّحيح بعد النُّبوَّة بعشر سنين في شهر رمضان، فأقامت معه ﷺ خمسًا وعشرين سنةً، واستُشكِل قوله: «تزويج» بصيغة التَّفعيل؛ إذ مقتضاه أن يكون التَّزويج لغيره ﷺ ، وأُجيب بأنَّ التَّفعيل قد يجيء بمعنى التَّفعُّل، أو المراد: تزويجه ﷺ خديجة من نفسه (وَ) ذكر (فَضْلِهَا ﵂¬).
٣٨١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ) عمِّي (عَلِيًّا) ﵁ يقول: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بزيادة الواو، وفي نسخةٍ: «ح (٤) وحدَّثني» (صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ
стр. 7291
هِشَامٍ) بْنِ عُرْوَةَ (عَنْ أَبِيه) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ) المذكور (عَنْ عَلِيٍّ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ» (¬﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَيْرُ نِسَائِهَا) أي: الدُّنيا، أي: خيرُ نساء أهل الدُّنيا في زمانها (مَرْيَمُ) ابنة عمران (وَخَيْرُ نِسَائِهَا) أي: هذه الأمَّة (خَدِيجَةُ) وعند مسلمٍ من رواية وكيعٍ عن هشامٍ في هذا الحديث: «وأشار وكيعٌ إلى السَّماء والأرض» قال النَّوويُّ ﵀: أراد وكيعٌ بهذه الإشارة تفسير الضَّمير في «نسائها» وأنَّ المراد: جميع نساء الأرض، أي: كلُّ مَنْ بين السَّماء والأرض من النِّساء، قال: والأظهر أنَّ معناه: أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأمَّا التَّفضيل بينهما فمسكوتٌ عنه، وفي حديث عمَّار بن ياسرٍ عند البزَّار والطَّبرانيِّ مرفوعًا: «لقد فُضِّلت خديجةُ على نساء أمَّتي كما فُضِّلت مريمُ على نساء العالمين» قال في «الفتح»: وهو حسن الإسناد، واستدلَّ به: على تفضيل خديجة على عائشة، وعند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ وأخرجه الحاكم من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «أفضل نساء أهل الجنَّة خديجة وفاطمة ومريم وآسية».
٣٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ المهملة وفتح الفاء، أبو عثمان المصريُّ، نسبه لجدِّه عُفَيرٍ، واسم أبيه كثيرٌ -بالمُثلَّثة- قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ) قال في «فتح الباري»: وقع عند الإسماعيليِّ من وجهٍ آخر عن اللَّيث: «حدَّثني هشامٌ» فلعلَّ اللَّيث لقي هشامًا بعد أن كتب إليه فحدَّثه به، أو كان مذهبه إطلاق «حدَّثنا» في الكتابة، وقد نقل ذلك (١) عنه الخطيب في «علوم الحديث» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) بكسر الغين المُعجَمة وسكون الرَّاء، من الغَيْرة؛ وهي الحميَّة والأَنَفة، يُقال: رجلٌ غيورٌ وامرأة غيورٌ بلا هاءٍ؛ لأنَّ «فعولًا»
стр. 7292
يشترك فيه الذَّكر والأنثى، و «ما» نافيةٌ، و «ما» في قوله: (مَا غِرْتُ) مصدريَّة أو موصولةٌ، أي: ما غرت مثل غيرتي، أو مثل التي غرتها (عَلَى خَدِيجَةَ) فيه ثبوت الغيرة وأنَّها غير مستنكرٍ وقوعها من فاضلات النِّساء فضلًا عمَّن دونهنَّ، وأنَّ عائشة كانت تغار من نساء النَّبيِّ ﷺ ، لكن من خديجة أكثر (هَلَكَتْ) ماتت (قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي) يعني: ولو كانت الآن موجودةً؛ لكانت غيرتي أقوى، ثمَّ بيَّنت سبب غيرتها بقولها: (لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا) وفي الرِّواية الآتية [خ¦٣٨١٧] «من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إيَّاها» (وَأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ) أي: في الجنَّة (مِنْ قَصَبٍ) بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة آخره مُوحَّدةٌ: لؤلؤٍ مُجوَّفٍ، وهذا أيضًا من جملة أسباب الغيرة؛ لأنَّ اختصاصها بهذه البشرى يُشعِر بمزيد محبَّته ﵊ لها، وعند الإسماعيليِّ من رواية الفضل بن موسى عن هشام بن عروة: «ما حسدتُ امرأةً قطُّ ما حسدت خديجة حين بشَّرها النَّبيُّ ﷺ ببيتٍ من قصبٍ» (وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ) «إن» مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة؛ ولذا أتت باللَّام في قولها: «ليذبح الشَّاة» (فَيُهْدِي) بضمِّ الياء وكسر الدَّال (فِي خَلَائِلِهَا) بالخاء المُعجَمة: أصدقائها (مِنْهَا) من الشَّاة (مَا يَسَعُهُنَّ) أي: ما يكفيهنَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما يتَّسِعُهُنَّ» بزيادة الفوقيَّة المُشدَّدة بعد التَّحتيَّة، أي: ما يتَّسع لهنَّ، قال في «الفتح»: وفي رواية النَّسفيِّ (١): «يُشْبِعُهُنَّ» من الشِّبَع؛ بكسر المُعجَمة وفتح المُوحَّدة، وليس في روايته لفظة: «ما» وهذا أيضًا من أسباب الغيرة؛ لِمَا فيه من الإشعار باستمرار حبِّه لها حتَّى كان يتعاهد أصدقاءَها.
٣٨١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (٢)) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء وفتح الميم في الأوَّل مُصغَّرًا، الرُّؤَاسيُّ؛ بضمِّ الرَّاء وفتح الهمزة وسينٍ مُهمَلةٍ مكسورةٍ، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخر في «الحدود» [خ¦٦٧٩٢] (عَنْ هِشَامِ
стр. 7293
بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ) أي: من أزواجه ﵊ (مَا غِرْتُ) أي: مثل غيرتي، أو مثل التي غرتها (عَلَى خَدِيجَةَ؛ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا) إذ كثرة ذكر الشَّيء تدلُّ على محبَّته، وأصل غيرة المرأة من تخيُّل محبَّة غيرها أكثر منها، وعند النَّسائيِّ من رواية النَّضر بن شُمَيلٍ عن هشامٍ كالمؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥٢٢٩] «من كثرة ذكره إيَّاها وثنائه عليها» (قَالَتْ: وَتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا) بعد موتها (بِثَلَاثِ سِنِينَ) قال النَّوويُّ: أرادت بذلك زمن الدُّخول عليها، وأمَّا العقد فتقدَّم على ذلك بمدَّة سنةٍ ونصفٍ ونحو ذلك، وعند الإسماعيليِّ من طريق عبد الله بن محمَّد بن يحيى عن هشامٍ عن أبيه: أنَّه كتب إلى الوليد: إنَّك سألتني متى تُوفِّيت خديجة، وإنَّها تُوفِّيت قبل مخرج النَّبيِّ ﷺ من مكَّة بثلاث سنين، أو قريبٍ من ذلك، ونكح ﷺ عائشة ﵂ بعد مُتوفَّى خديجة، وعائشة بنت ستِّ سنين، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ﷺ بنى بها بعدما قدم المدينة وهي بنت تسع سنين. انتهى. وقد تُوفِّيت خديجة قبل الهجرة اتِّفاقًا، وماتت في رمضان سنة عشرٍ من النُّبوَّة، وكان بناؤه ﵊ على عائشة ﵂ بعد منصرفه من وقعة بدرٍ في شوَّالٍ سنة اثنتين (وَأَمَرَهُ رَبُّهُ -أَو جِبْرِيلُ ﵇) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ).
٣٨١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ) بضمِّ العين في الأوَّل، وفتح الحاء في الثَّالث، المعروف بابن التَّلِّ -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام- الأسديُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى
стр. 7294
في شوَّالٍ سنة خمسين (١) ومئتين قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) محمَّد بن حسن بن الزُّبير الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَفْصٌ) هو ابن غياثٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قاضيها (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا) وقد كانت رؤيتها لها ممكنةً، لأنَّه كان لها عند موتها ستُّ سنين، فيحتمل النَّفي بقيد اجتماعهما عنده ﷺ (وَلَكِنْ) سبب الغيرة (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا) ومن أحبَّ شيئًا أَكْثَرَ مِنْ ذكرِه (وَرُبَّمَا ذَبَحَ) ﵊ (الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ) بهاءٍ بعد النُّون المُشدَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «كأنْ» (لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا إِلَّا خَدِيجَةُ) وفي غير الفرع وأصله: «لم يكن في الدُّنيا امرأةٌ إلَّا خديجة» فذكر المُستثنَى منه (فَيَقُولُ) ﵊: (إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ) كرَّر مرَّتين ولم يُرِد به التَّثنية، ولكن ليتعلَّق بالتَّكرير كلَّ مرَّةٍ من خصائلها ما يدلُّ على فضلها؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] ولم يذكر هنا متعلَّقه للشُّهرة؛ تفخيمًا، وقُدِّر (٢) بنحو: كانت فاضلةً وكانت عاقلةً (وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ) وعند أحمد من طريق مسروقٍ عن عائشة ﵂: «آمنت بي إذ كفر بي النَّاس، وصدَّقتني إذ كذَّبني النَّاس، وواستني بمالها إذ حرمني النَّاس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النِّساء … » الحديث، وقد كان جميع أولاده ﵊ منها إلَّا إبراهيم ﵇ فإنَّه من مارية القبطيَّة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ».
٣٨١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَد بن مسربلٍ الأسديُّ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا (٣) يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واوٌ ساكنةٌ، واسمه علقمة الأسلميِّ (¬﵄: بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 7295
خَدِيجَةَ؟) هو استفهامٌ محذوف الأداة، أي: أَبَشَّرَها؟ (قَالَ) ابن أبي أوفى: (نَعَمْ) بشَّرها ﵊ (بِبَيْتٍ) أي: في الجنَّة (مِنْ قَصَبٍ) لؤلؤةٍ مُجوَّفةٍ كما في «الكبير» للطَّبرانيِّ، وفي «الأوسط»: «من القصب المنظوم بالدُّرِّ واللُّؤلؤ والياقوت الأحمر» (لَا صَخَبَ) بالصَّاد المُهمَلة والخاء المُعجَمة والمُوحَّدة المفتوحات: لا صياح (فِيهِ وَلَا نَصبَ) نفى عنه ما في بيوت الدُّنيا من آفة جلبة الأصوات وتعب تهيئتها وإصلاحها، وسقط قوله «قال: نعم» في الفرع، والوجه (١) الإثبات كما هو ثابت في «اليونينيَّة» فلعلَّ السَّقط من الكاتب أو غيره، فالله أعلم.
وهذا الحديث سبق في «أبواب العمرة» في «باب متى يحلُّ المعتمر» [خ¦١٧٩٢] بأتمَّ من هذا.
٣٨٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح المُعجَمة، ابن غزوان الضَّبِّيُّ مولاهم الحافظ (عَنْ عُمَارَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، ابن القعقاع (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ، أو عبد الله بن عمرو بن جريرٍ البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ) ﵇ (النَّبِيَّ ﷺ ¬) عند الطَّبرانيِّ في رواية سعيد بن كثيرٍ: أنَّ ذلك كان وهو بحِرَاء (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ) أي: إليك (مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ) بكسر الهمزة (أَوْ) قال: (طَعَامٌ) في رواية الطَّبرانيِّ المذكورة: أنَّه كان حيسًا (أَوْ) قال: (شَرَابٌ) والشَّكُّ من الرَّاوي (فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ؛ فَاقْرَأْ) بهمزة وصلٍ وفتح الرَّاء ﵍ مِنْ رَبِّهَا) جلَّ وعلا (وَمِنِّي) وهذا -لعمر الله- خاصَّةٌ لم تكن لسواها، زاد الطَّبرانيُّ في روايته المذكورة: «فقالت: هو السَّلام ومنه السَّلام وعلى جبريل السَّلام»، وزاد النَّسائيُّ من حديث أنسٍ: «وعليك يا رسول الله السَّلام ورحمة الله وبركاته»، فجعلت مكان ردِّ السَّلام على الله الثَّناء عليه تعالى، ثمَّ غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره، وهذا يدلُّ على وفور فقهها كما لا يخفى (وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ) وقد أبدى السُّهيليُّ لنفي
стр. 7296
هاتين الصِّفتين حكمةً لطيفةً، فقال: لأنَّه ﷺ لمَّا دعا إلى الإيمان أجابت خديجة ﵂ طوعًا، فلم تحوجه إلى رفع الصَّوت من غير منازعةٍ ولا تعبٍ، بل أزالت عنه كلَّ تعبٍ وآنسته من كلِّ وحشةٍ وهوَّنت عليه كلَّ عسيرٍ، فناسب أن يكون منزلها الذي بشَّرها به ربُّها بالصِّفة المقابلة لفعلها وصورة حالها ﵂، ومن خواصِّها ﵂ أنَّها لم تَسُؤْهُ قطُّ ولم تغاضبه، وهذا الحديث من المراسيل؛ لأنَّ أبا هريرة ﵁ لم يدرك خديجة وأيَّامها.
٣٨٢١ - (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) الخزَّاز -بمُعجَماتٍ- الكوفيُّ، ممَّا وصله أبو عَوانة عن محمَّد ابن يحيى الذُّهليِّ عن إسماعيل بن خليلٍ المذكور قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) أبو الحسن الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ) زوج الرَّبيع بن عبد العزَّى بن عبد شمسٍ، والد أبي العاص بن الرَّبيع زوج زينب بنت النَّبيِّ ﷺ (أُخْتُ خَدِيجَةَ) بنت خويلدٍ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في الدُّخول عليه بالمدينة، وكانت قد هاجرت إلى المدينة، ويحتمل أن تكون دخلت عليه بمكَّة حيث كانت عائشة ﵂ معه في بعض سفراته (فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ) أي: صفة استئذان خديجة؛ لشبه صوتها بصوت أختها، فتذكَّر خديجة بذلك (فَارْتَاعَ لِذَلِكَ) بفوقيَّةٍ، أي: فزع، والمراد: لازِمُه، أي: تغيَّر، قال في «الفتح»: ووقع في بعض الرِّوايات: «فارتاح» بالحاء المُهمَلة، أي: اهتزَّ لذلك سرورًا (فَقَالَ: اللَّهُمَّ) اجعلها (هَالَةَُ) نُصِب على المفعوليَّة، ويجوز الرَّفع بتقدير: هذه هالة، وفي الفرع وأصله: «هَالَةً» بفتحٍ ثمَّ نصبٍ مُنوَّنًا (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا) أي: أيُّ شيءٍ (تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ) بجرِّ «حمراء» وجوَّز
стр. 7297
أبو البقاء الرَّفع على القطع، والنَّصب على الحال، وهو تأنيث «أحمر»، والشِّدق -بكسر الشِّين المعجمة-: جانب الفم، وَصَفَتْها بالدَّرد وهو سقوط الأسنان من الكبر، فلم يبقَ بشدقيها بياضٌ إلَّا حمرة اللِّثَات (هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا) في حديث عائشة ﵂ من طريق أبي نَجيحٍ عند أحمد والطَّبرانيِّ: «قالت عائشة ﵂: فقلت: قد أبدلك الله بكبيرة السِّنِّ حديثةَ السِّنِّ، فغضب حتَّى قلتُ: والذي بعثك بالحقِّ؛ لا أذكرها بعد هذا إلَّا بخيرٍ» وهذا يردُّ قول السَّفاقسيِّ: إنَّ في سكوته ﵊ على ذلك دليلًا على فضل عائشة على خديجة إلَّا أن يكون المراد بالخيريَّة هنا: حسن الصُّورة وصغر السِّنِّ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
(٢١) (باب ذِكْرِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن جابرٍ، وهو الشَّليل -بشينٍ مُعجَمةٍ مفتوحةٍ فلامين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ- ابن مالكٍ (البَجَلِيِّ) بفتح المُوحَّدة والجيم؛ نسبةً إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، أمِّ ولد أنمار بن إِرَاش أحد أجداد جريرٍ، وأسلم جريرٌ قبل وفاته ﷺ بأربعين يومًا قاله في «أُسْد الغابة»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه ثبت أنَّه ﷺ قال له في حجَّة الوداع: «استنصت النَّاس» وذلك قبل موته ﷺ بأكثر من ثمانين يومًا، وكان جريرٌ حسنَ الصُّورة، قال عمر بن الخطَّاب ﵁: جريرٌ يوسفُ هذه الأمَّة وهو سيِّد قومه، وفي «الطَّبرانيِّ»: إنَّه لمَّا دخل على النَّبيِّ ﷺ أكرمه وبسط له رداءه وقال: «إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه» وتُوفِّي سنة إحدى وخمسين، أو أربعٍ وخمسين (¬﵁¬) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
стр. 7298
٣٨٢٢ - ٣٨٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين أبو بِشْرٍ (الوَاسِطِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن يزيد الواسطيُّ الطَّحَّان (عَنْ بَيَانٍ) بفتح المُوحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة، ابن بِشْرٍ -بالمُوحَّدة المكسورة والمُعجَمة السَّاكنة- الأحمسيِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) البجليُّ (¬﵁: ما حجَبَنِي) ولأبي الوقت «قال: ما حجبني» (رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ) أي: ما منعني ممَّا التمستُ منه، أو من دخول منزله، ولا يلزم منه النَّظر إلى أمَّهات المؤمنين (وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ) أي: تبسَّم بشاشةً وإكرامًا ولطفًا به (١).
(وَعَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ بالإسناد السَّابق (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ) في خثعم قبيلةٍ من اليمن (يُقَالَ لَهُ: ذُو الخَلَصَةِ) بالخاء المُعجَمة واللَّام والصَّاد المُهمَلة المفتوحات (وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الكَعْبَةُ اليَمَانِيَةُ) بتخفيف الياء (أَوِ الكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ) (٢) بالشَّكِّ في الفرع، وفي رواية الأربعة: «والشَّأميَّة» بغير ألفٍ بلا شكٍّ، قال عياضٌ: ذكر الشَّاميَّة غلطٌ من الرُّواة، والصَّواب: حذفها. انتهى. يعني: أنَّ الكعبة الشَّاميَّة هي التي بمكَّة المُشرَّفة ففرَّقوا بينهما بالوصف المُميِّز، وأوَّله النَّوويُّ والتي بمكَّة الكعبة الشَّاميَّة، وقال الكِرمانيُّ: الضَّمير في قوله: «له» راجعٌ للبيت، والمراد به: بيت الصَّنم؛ يعني: كان يُقال لبيت الصَّنم: الكعبة اليمانيَّة والكعبة الشَّاميَّة، فلا غلط ولا حاجة إلى التَّأويل بالعدول عن الظَّاهر (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي) من الإراحة (مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ قَالَ) جريرٌ: (فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِئَةِ فَارِسٍ مِنْ) رجال (أَحْمَسَ) بفتح الهمزة وبالحاء المُهمَلة السَّاكنة آخره سينٌ مُهمَلةٌ بعد فتحةٍ؛ قبيلة جريرٍ (قَالَ: فَكَسَرْنَاه، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْنَاهُ) ﷺ (فَأَخْبَرْنَاهُ) بذلك (فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ). وفي «باب البشارة (٣) في الفتوح» [خ¦٣٠٧٦] من «الجهاد» فبارك على خيل أحمس ورجالها خمس مرَّاتٍ.
стр. 7299
(٢٢) (باب ذِكْرِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ العَبْسِيِّ) بسكون المُوحَّدة بعدها مُهمَلةٌ، و «حُذَيفة» بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُعجَمة وبالفاء مُصغَّرًا، و «اليَمَان» بتخفيف الميم، واسمه حُسَيلٌ، وإنَّما قيل له اليمان؛ لأنَّه أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسمَّاه قومه اليمان؛ لأنَّه حالف الأنصار وهم من اليمن، وكان صاحب سرِّ رسول الله ﷺ ، واستعمله عمر ﵁ أميرًا على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا سنة ستٍّ وثلاثين، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ (¬﵁¬).
٣٨٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) الخزَّاز بمُعجَماتٍ، قال: (حَدَّثَنَا (١) سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ) التَّميميُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ هَزِيمَةً بَيِّنَةً) ظاهرةً (فَصَاحَ إِبْلِيسُ) لعنه الله بالمسلمين (أَيْ عِبَادَ اللهِ) اقتلوا (أُخْرَاكُمْ) أو انصروا أُخراكم (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ) فاقتتلت (أُخْرَاهُمْ) قال في «التَّنقيح»: وجه الكلام فاجتلدت هي وأخراهم، قال في «المصابيح»: يريد لأنَّ الاجتلاد كالتَّجالد يستدعي تشارك أمرين فصاعدًا في أصله، لكنَّ التَّقدير الذي جعله وجه الكلام مشتملٌ على حذف المعطوف عليه وحذف العاطف وحده، والظَّاهر عدمه أو عزَّته، والأولى أن يُجعل مِنْ حذف العاطف والمعطوف مثل: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، ومثله كثيرٌ فيكون التَّقدير: فاجتلدت أُخراهم وأُولاهم، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «فاجتلدت
стр. 7300
مع أخراهم» (فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ) اليمان (فَنَادَى: أَيْ عِبَادَ اللهِ) هذا (أَبِي) هذا (أَبِي) يحذِّر المسلمين عن قتله، ولم يسمعوا فقتلوه يظنُّون أنَّه من المشركين، وتصدَّق حذيفة بديته على من قتله (فَقَالَتْ) أي: عائشة ﵂: (فَواللهِ؛ مَا احْتَجَزُوا) بحاءٍ مُهمَلةٍ وجيمٍ وزايٍ، أي: ما انفصلوا من القتال (حَتَّى قَتَلُوهُ) خطأً (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ) قال هشامٌ: (قَالَ أَبِي) عروةُ: (فَواللهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا) من هذه الكلمة (بَقِيَّةُ خَيْرٍ) أي: بقيَّة دعاءٍ واستغفارٍ لقاتل أبيه اليمان (حَتَّى لَقِيَ اللهَ أي: مات، وقال التَّيميُّ: أي (١) ما زال في حذيفة بقيَّة حزنٍ على أبيه مِنْ قَتْل المسلمين له.
(٢٣) (باب ذِكْرِ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبد شمسٍ القرشيَّة الهاشميَّة (٢)، والدة معاوية بن أبي سفيان، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وأقرَّها رسول الله ﷺ على نكاحها، وكانت امرأةً ذات أَنَفةٍ ورأيٍ وعقلٍ، وشهدت أُحدًا كافرةً، فلمَّا قُتِل حمزة مثَّلت به وشقَّت كبده فلاكتها فلم تُطِق، وتُوفِّيت في خلافة عمر بن الخطَّاب ﵁ في اليوم الذي مات فيه أبو قُحافة والد أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، وهي القائلة للنَّبيِّ ﷺ لمَّا شرط على النِّساء في المبايعة: «ولا يسرقن ولا يزنين»: وهل تزني الحرَّة؟ (¬﵂¬) وسقط «باب» لأبي ذرٍّ.
٣٨٢٥ - (وَقَالَ عَبْدَانُ) عبد الله بن عثمان المروزيُّ، ممَّا وصله البيهقيُّ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ) بالصَّرف لأبي ذرٍّ، ولغيره
стр. 7301
بعدمه (بِنْتُ عُتْبَةَ قَالَتْ) ولأبي ذرٍّ «فقالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر المُعجَمة (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ) بكسر (١) الخاء المُعجَمة وفتح المُوحَّدة مع المدِّ: خيمةٌ من وبرٍ أو صوفٍ، ثمَّ أُطلِقت على البيت كيف كان (ثُمَّ مَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ «أحبُّ» بالرَّفع (إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا) بلفظ الجمع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يعزَّ» (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، قَالَت) أي: هندٌ، قال ﵊، ولأبي ذرٍّ: «قال» بدل: «قالت» أي: النَّبيُّ ﷺ : (وَأَيْضًا) ستزيدين من ذلك ويتمكَّن الإيمان في قلبك فيزيد حبُّك لرسول الله ﷺ ، ويقوى رجوعك عن (٢) بغضه (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ) بكسر الميم والسِّين المُهمَلة المُشدَّدة: بخيلٌ شحيحٌ (فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ) أي: إثمٌ (أَنْ) أي: بأن (أُطْعِمَ) بضمِّ الهمزة وكسر العين (مِنَ) المال (الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ) ﵊: (لَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: الإطعام (إِلَّا بِالمَعْرُوفِ) بقدر الحاجة دون الزِّيادة، ولابن عساكر في نسخةٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «قال: إلَّا بالمعروف»، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال: لا، بالمعروف».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٩] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٤١].
(٢٤) (باب حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «نُفَيلٍ» -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- ابن عبد العزَّى بن رِياح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح بن عديِّ بن كعب بن لؤيِّ
стр. 7302
ابن غالب بن فهر بن مالكٍ، القرشيِّ العدويِّ، والد سعيد بن زيدٍ أحد العشرة، وابن عمِّ عمر ابن الخطَّاب ﵁، يجتمع هو وعمر في نُفَيلٍ ﵁، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
٣٨٢٦ - ٣٨٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المُقَدَّمِيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّميريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) ولأبي ذرٍّ: «ابن عقبة» قال: (حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍَ) بفتح المُوحَّدة وسكون اللَّام وفتح الدَّال وآخره حاءٌ مُهمَلتين؛ وادٍ قبل مكَّة من جهة الغرب، مكانٌ في طريق التَّنعيم، وقيل: وادٍ، وفيه الصَّرف وعدمه (قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ) بفتح أوَّله، ولأبي ذرٍّ: «يُنْزِل» بضمِّه
стр. 7303
(عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ) بضمِّ القاف (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ) بضمِّ السِّين، مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل، قال ابن الأثير: السُّفرة طعامٌ يَتَّخذه المسافر، وأكثر ما يُحمَل في جلدٍ مستديرٍ، فنُقِل اسم الطَّعام إلى الجلد، وسُمِّي به كما سُمِّيت المَزَادةُ راويةً (١)، وغير ذلك من الأسماء المنقولة، قال ابن بطَّالٍ: وكانت هذه السُّفرة لقريشٍ (فَأَبَى) زيد بن عمرو بن نُفَيلٍ (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ) مخاطبًا للذين قدَّموا السُّفرة: (إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ) جمع نُصُبٍ بالمُهمَلة وضمَّتين؛ وهي أحجارٌ كانت حول الكعبة يذبحون عليها للأصنام (وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) واستُشكِل: بأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان أَولى بذلك من زيدٍ، وأجيب بأنَّه ليس في الحديث أنَّه ﷺ أكل منها، وعلى تقدير كونه ﷺ أكل منها فزيدٌ إنَّما فعل ذلك برأيٍ رآه لا بشرعٍ بلغه، وإنَّما كان عند أهل الجاهليَّة بقايا من دين إبراهيم، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يُذكَر اسمُ الله عليه، وتحريم ما لم يُذكَر اسم الله عليه إنَّما نزل في الإسلام، والأصحُّ أنَّ الأشياء قبل الشَّرع لا تُوصَف بحلٍّ ولا حرمةٍ قاله السُّهيليُّ، وقول ابن بطَّالٍ: -وكانت السُّفرة لقريشٍ فقدَّموها للنَّبيِّ ﷺ فأبى أن يأكل منها، فقدَّمها النَّبيُّ ﷺ لزيد بن عمرٍو فأبى أن يأكل منها- تعقَّبه في «الفتح» فقال: هو محتملٌ، لكن لا أدري من أين له هذا الجزم بذلك؟ فإنِّي لم أقف عليه في رواية أحدٍ (٢)، وقال الخطَّابيُّ: كان النَّبيُّ ﷺ لا يأكل ممَّا يذبحون للأصنام ويأكل ممَّا عدا ذلك وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه، وإنَّما فعل ذلك زيدٌ برأيٍ رآه لا بشرعٍ بلغه قاله السُّهيليُّ، واستُضعِف: بأنَّ الظَّاهر أنَّه كان في شرع إبراهيم ﵊ تحريم ما ذُبِح لغير الله؛ لأنَّه كان عدوَّ الأصنام، وهذا الحديث يأتي -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الصَّيد» [خ¦٥٤٩٩] (وَأَنَّ) بفتح الهمزة، ولأبي ذرٍّ «فإنَّ» (زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو) المذكور (كَانَ يَعِيبُ) بفتح أوَّله (عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ) التي يذبحونها لغير الله (وَيَقُولُ) لهم: (الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ) لتشربه (وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ) الكلأ لتأكله (ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ؛ إِنْكَارًا لِذَلِكَ) الفعل (وَإِعْظَامًا لَهُ) ونصب «إنكارًا» على التَّعليل، و «إعظامًا» عطفٌ عليه، وقوله: و «أنَّ زيدًا» موصولٌ بالإسناد المذكور.
стр. 7304
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٩] والنَّسائيُّ في «المناقب».
(قَالَ مُوسَى) بن عقبة بالإسناد المذكور (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا تَُحَُدَِّثَ) بضمِّ الفوقيَّة والحاء وكسر الدَّال المُهمَلة مبنيًّا للمفعول، ويجوز الفتح فيهما مبنيًّا للفاعل، وفي نسخةٍ: «إلَّا يُحَدَّثُ» بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الحاء والدَّال وضمِّ المُثلَّثة (بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ) من مكَّة (إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ) أي: دين التَّوحيد (وَيَتْبَعُهُ) بسكون الفوقيَّة في الفرع وأصله وعليها علامة أبي ذرٍّ، وفي «الفتح»: «ويتَّبعه» بتشديدها، من الاتِّباع، وللكُشْمِيَهِنِيِّ: «ويَبْتَغيه» بتحتيَّةٍ وفوقيَّةٍ مفتوحتين بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ وغينٌ معجمةٌ بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: يطلبه (فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ اليَهُودِ) قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: لم أقف على اسمه (فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ) له: (إِنِّي لَعَلِّي) لعلَّ واسمها، وخبرُها قولُه: (أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فَأَخْبِرْنِي) عن شأن دينكم (فَقَالَ) له اليهوديُّ: (لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللهِ) أي: من عذابه (قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ) بالفاء (إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَا أَسْتَطِيعُهُ) أي: والحال أنَّ لي قدرةً على عدم حمل ذلك، وفي «اليونينيَّة»: «وأنَّى أستطيعه» بتشديد النُّون مفتوحةً، استفهاميَّةً (فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ) من الأديان؟ (قَالَ) له (١): (مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ) دينًا (حَنِيفًا، قَالَ زَيْدٌ: وَمَا) الدِّين (الحَنِيفُ؟ قَالَ) اليهوديُّ: هو (دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ) وحده لا شريك له (فَخَرَجَ زَيْدٌ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى) لم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسمه أيضًا (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) أي: مثل ما ذكر لعالم اليهود (فَقَالَ) له: (لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ) أي: من إبعاده من رحمته وطرده عن بابه (قَالَ) له زيدٌ: (مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَا أَسْتَطِيعُ) وفي «اليونينيَّة» وغيرها: «وأنَّى» بفتح النُّون مُشدَّدةً، استفهاميَّةً، وعند الغزاليِّ: «وإنِّي» -بكسر الهمزة والنُّون المُشدَّدة- «لا أستطيع» (فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ) من الأديان؟ (قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ) له زيدٌ: (وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ) وحده لا شريك له (فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇؛ خَرَجَ فَلَمَّا بَرَزَ) أي: ظهر خارجًا عن
стр. 7305
أرضهم (رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي) بكسر الهمزة (أَشْهَدُ (١) أَنِّي) بفتحها (عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ) وروى البزَّار والطَّبرانيُّ من حديث سعيد بن زيدٍ: خرج زيد بن عمرٍو وورقة يطلبان الدِّين حتَّى أتيا الشَّام، فتنصَّر ورقة، وامتنع زيدٌ فأتى الموصل فلقي راهبًا، فعرض عليه النَّصرانيَّة فامتنع … الحديث، وفيه: قال سعيد بن زيدٍ: فسألت أنا وعمر رسولَ الله ﷺ عن زيدٍ، فقال: «غفر الله له ورحمه، فإنَّه مات على دين إبراهيم».
٣٨٢٨ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ، ممَّا وصله أبو بكر بن أبي داود عن عيسى (٢) بن حمَّادٍ المعروف بزُغْبَة، عن اللَّيث (كَتَبَ إِلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «يا معْشَر» بسكون العين وفتح المُعجَمة (وَاللهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي) وفي حديث أبي أسامة عند أبي نُعيمٍ في «مُستخرَجه»: وكان يقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم (وَكَانَ) أي: زيدٌ (يُحْيِي المَوْؤُدَةَ) مَفْعُولة (٣)، من وأد الشَّيء إذا قتله (٤)، وأطلق عليها اسم الوأد اعتبارًا بما أُريد بها وإن لم يقع، وكانوا يدفنون البنات وهنَّ بالحياة، وأصله -فيما قيل- من الغيرة عليهنَّ لِمَا وقع لبعض العرب حيث سبى بنت آخر فاستفرشها، فأراد أبوها أن يفتديها منه فخيَّرها فاختارت الذي سباها
стр. 7306
فحلف أبوها ليقتلنَّ كلَّ بنتٍ تُولَد له، فتُوبِع على ذلك، وأكثر من كان يفعل ذلك منهم من الإملاق، وقوله: «يحيي الموؤدة» هو مجازٌ عن الإبقاء وذلك أنَّه (يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «أنا أكفيك» (مَؤُونَتَهَا فَيَأْخُذُهَا) من أبيها ويقوم بما تحتاج إليه (فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ) برائين وعينين مُهمَلاتٍ، أي: نشأت (قَالَ لأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَؤُونَتَهَا) وعند الفاكهيِّ من حديث عامر بن ربيعة حليف بني عديِّ بن كعبٍ، قال: قال لي زيدُ بن عمرٍو: إنِّي خالفت قومي واتَّبعت ملَّة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وأنا أنتظر نبيًّا من بني إسماعيل، ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدِّق وأشهد أنَّه نبيٌّ، وإن طالت بك حياةٌ فأقرئه منِّي السَّلام، قال عامرٌ: فلمَّا أسلمت أعلمتُ النَّبيَّ ﷺ خبره، قال: فردَّ عليه¬ السَّلام وترحَّم عليه، وقال: «لقد رأيتُه في الجنَّة يسحب ذيولًا» وفي روايةِ أبي أسامة المذكورة (١): «سُئِل النَّبيُّ ﷺ عن زيدٍ، فقال: يُبعَث يوم القيامة أمَّةً وحده بيني وبين عيسى ابن مريم» وروى أبو عمر: أنَّه كان يقول: يا معشر قريشٍ إيَّاكم والرِّبا؛ فإنَّه يورث الفقر، وروى الزُّبير بن بكَّارٍ من طريق هشام بن عروة قال: بلغنا أنَّ زيدًا كان بالشَّام، فبلغه مخرج النَّبيِّ ﷺ فأقبل يريده، فقُتِل بمَيْفَعة من أرض البلقاء، وقال ابن إسحاق: لمَّا توسَّط بلاد لخمٍ قتلوه، وقيل: إنَّه مات قبل المبعث بخمس سنين عند بناء قريشٍ الكعبة.
(٢٥) (باب بُنْيَانِ الكَعْبَةِ) في الجاهليَّة على يد قريشٍ في زمن النَّبيِّ ﷺ قبل بعثته، وعند ابن إسحاق وغيره: أنَّ قريشًا لمَّا بنت الكعبة كان عُمْرُ النَّبيِّ ﷺ يومئذٍ خمسًا وعشرين سنةً، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ فتاليه مرفوعٌ.
стр. 7307
٣٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان العدويُّ مولاهم المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ) بضمِّ الموحَّدة وكسر النُّون مبنيًّا للمفعول، أي: لمَّا بنتها قريشٌ (ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَ) عمُّه (عَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ) على أعناقهما لبنائها (فَقَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬): يا ابن أخي (اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ يَقِيكَ) بالتَّحتيَّة بعد القاف مرفوعٌ، ولأبي ذرٍّ «يَقِكَ» بحذفها على الجزم (مِنَ الحِجَارَةِ) ففعل ذلك ﷺ (فَخَرَّ) أي: فوقع (إِلَى الأَرْضِ وَطَمَحَتْ) بفتحاتٍ (عَيْنَاهُ) أي: شخصتا وارتفعتا (إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أَفَاقَ) وسقطت هذه من الفرع، وفي حديث أبي الطُّفيل: «فبينما رسول الله ﷺ ينقل معهم الحجارة إذ انكشفت عورته، فنُودِي: يا محمَّد؛ غطِّ عورتك، فذلك أوَّل ما نُودِي، فما رُئِيت له عورةٌ قبل ولا بعد» (فَقَالَ) لعمِّه: أعطني (إِزَارِي) أعطني (إِزَارِي) فأعطاه، فأخذه (فَشَدَّ عَلَيْهِ) -زاده الله شرفًا لديه- (إِزَارَهُ) زاد في روايةٍ في أوائل «الصَّلاة» [خ¦٣٦٤] «فما رُئِيَ بعد ذلك عريانًا» وهذا الحديث من مراسيل الصَّحابة، وسبق في «باب فضل مكَّة وبنيانها» [خ¦١٥٨٢] واختُلِف في عَدَدِ بناء الكعبة، والذي تحصَّل من مجموعه عشر مرَّاتٍ: الملائكة، وآدم، وأولاده، والخليل، والعمالقة، وجرهم، وقصيُّ بن كلابٍ، وقريشٌ، وعبد الله بن الزُّبير، والحجَّاج، ومرَّت دلائل ذلك.
стр. 7308
٣٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ) بضمِّ عين «عُبيد الله» و «يزيد» من الزِّيادة، مولى أهل مكَّة (قَالَا: لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَوْلَ البَيْتِ) الحرام (حَائِطٌ، كَانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ البَيْتِ) وهذا مُرسَلٌ، وقيل: منقطعٌ؛ لأنَّ عمرو بن دينارٍ وعُبيد الله بن أبي يزيد من صغار التَّابعين، وقوله: (حَتَّى كَانَ عُمَرُ) أي: زمان خلافته (فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا) وهذا منقطعٌ؛ لأنَّهما لم يدركا عمر (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن أبي يزيد: (جَدْرُهُ) بفتح الجيم وسكون الدَّال مرفوعٌ، أي: جدارُه، مبتدأٌ خبره قوله: (قَصِيرٌ) والجملة صفةُ «حائطًا» والذي في الفرع: «جَدْرَةٌ» بفتح الجيم وسكون الدَّال المُهمَلة ونصب الرَّاء بعدها هاء تأنيثٍ مرفوعٌ، عليها شطبةٌ بالحمرة «قصيرٌ» بالرَّفع أيضًا، وكذا هو في «اليونينيَّة» لكن (١) بغير نقطٍ على الهاء ولا ضبط لها، فيحتمل أن يكون الرَّفع على الرَّاء، وفي نسخةٍ: «جدارًا» بفتح الجيم والدَّال (٢) والنَّصب «قصيرًا» نُصِب أيضًا (فَبَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله ﵁ مرتفعًا طويلًا، وهذا المقدار هو الموصول أيضًا (٣) من الحديث كما نبَّه عليه الحافظ ابن حجرٍ.
(٢٦) (باب) بيان (أَيَّامِ الجَاهِلِيَّةِ) أيَّام الفترة، وسُمِّيت بها لكثرة جهالاتهم، أي: ممَّا كان بين المولد النَّبويِّ والمبعث، هذا هو المراد هنا وتُطلَق غالبًا على ما قبل البعثة، ومنه: ﴿يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (٤) [آل عمران: ١٥٤] ومنه أكثر أحاديث الباب، وأمَّا ما جزم به النَّوويُّ في عدَّة مواضع من «شرح مسلمٍ»: أنَّ هذا هو المراد حيث أتى، ففيه نظرٌ؛ فإنَّ هذا اللَّفظ -وهو «الجاهليَّة» - يُطلَق على ما مضى، والمراد: ما قبل إسلامه، وضابط آخره غالبًا فتح مكَّة، ومنه قول مسلمٍ في مقدِّمة «صحيحه»: إنَّ أبا عثمان وأبا رافعٍ أدركا الجاهلية، وقول أبي رجاءٍ
стр. 7309
العطارديِّ: رأيت في الجاهليَّة قردةً زنت، وقول ابن عبَّاسٍ: سمعتُ أبي يقول في الجاهليَّة: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عبَّاسٍ إنَّما وُلِد بعد البعثة، وأمَّا قول عمر: نذرت في الجاهليَّة فمحتملٌ، وقد نبَّه على ذلك شيخنا العراقيُّ في الكلام على المخضرمين من علوم الحديث إلى ههنا (١)، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب».
٣٨٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢)، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا هشامٌ: قال: حدَّثني» (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ) ولأبي ذرٍّ: «كان يومُ عاشوراء» (يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ) اقتداءً بشرعٍ سابقٍ، لكن قال في «الفتح»: إنَّ في بعض الأخبار: أنَّه كان أصابهم قحطٌ ثمَّ رُفِع عنهم، فصاموه شكرًا (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ) أي: في الجاهليَّة (فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ) في ربيع الأوَّل (صَامَه) على عادته (وَأَمَرَ) أصحابه (بِصِيَامِهِ) في أوَّل السَّنة الثَّانية (فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ) أي: صيامُه في الثَّانية في شهر شعبان (كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ) أي: عاشوراء (وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ).
وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الصِّيام» [خ¦١٨٩٣].
стр. 7310
٣٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) مُصغَّرًا، هو ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبدُ الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة (يَرَوْنَ) بفتح التَّحتيَّة، أي: يعتقدون (أَنَّ العُمْرَةَ) أي: الإحرام بها (فِي أَشْهُرِ الحَجِّ) شوَّال وذي القعدة وتسعٍ من الحجَّة وليلة النَّحر، أو عشرٍ، أو ذي الحجَّة بكماله على الخلاف فيه (مِنَ الفُجُورِ) أي: من الذُّنوب (فِي الأَرْضِ، وَكَانُوا) أي: في الجاهليَّة (يُسَمُّونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا) بالتَّنوين مصروفًا، قال النَّوويُّ: بلا خلافٍ. انتهى. وفي الفرع كأصله عن أبي ذرٍّ: «صفرَ» بغير تنوينٍ (وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ) بالمُهمَلة والمُوحَّدة المفتوحتين: الجرح الذي يحصل في ظهر الإبل من اصطكاك الأقتاب، و «برا» بغير همزةٍ في الفرع كأصله (وَعَفَا الأَثَرْ) أي: ذهب أثر الحاجِّ من الطَّريق بعد رجوعهم بوقوع الأمطار، وزاد في «الحجِّ» [خ¦١٥٦٤] «وانسلخ صفرْ» (حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ) بسكون الرَّاء كالسَّابقتين للسَّجع (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) مكَّة (رَابِعَةً) أي: صبح رابعةٍ من ذي الحجَّة، حال كونهم (مُهِلِّينَ بِالحَجِّ) ولا يلزم من إهلاله ﵊ بالحجِّ ألَّا يكون قارنًا (وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: يقلبوا الحجَّة (عُمْرَةً) ويتحلَّلوا بعملها فيصيروا متمتِّعين، وهذا الفسخ خاصٌّ بذلك الزَّمن خلافًا للإمام أحمد (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الحِلِّ؟) هل هو حِلٌّ عامٌّ لكلِّ ما حرم بالإحرام حتَّى الجماع أو حلٌّ خاصٌّ؟ (قَالَ) ﵊: (الحِلُّ كُلُّهُ) فيحلُّ فيه حتَّى الجماع؛ لأنَّ العمرة ليس لها إلَّا تحلُّلٌ واحدٌ.
وهذا الحديث قد سبق في «الحجِّ» [خ¦١٥٦٤].
٣٨٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: كَانَ عَمْرٌو) بفتح العين ابن دينارٍ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) التَّابعيُّ (عَنْ أَبِيهِ) المُسيَّب (عَنْ جَدِّهِ) جدِّ سعيدٍ واسمه حَزْنٌ؛ بفتح الحاء المُهمَلة وسكون الزَّاي بعدها نونٌ، المهاجريِّ، وكان من أشراف قريشٍ في الجاهليَّة، أنَّه (قَالَ: جَاءَ سَيْلٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل الإسلام (فَكَسَا)
стр. 7311
أي: غطَّى (مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ) المشرفين على مكَّة (قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ: (وَيَقُولُ) عمرو بن دينارٍ: (إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ (١) لَهُ شَأْنٌ) أي: قصَّةٌ طويلةٌ.
٣٨٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُوعَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ بَيَانٍ) بفتح المُوحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة (أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمة، ابن بِشْرٍ -بالمُوحَّدة والمُعجَمة- ككنيته، الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، واسمه عوفٌ، أنَّه (قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ) بحاءٍ وسينٍ مُهمَلتين وفتح الميم؛ قبيلةٍ من بجيلة، وليست من الحمس الذين هم من قريشٍ (يُقَالُ لَهَا) للمرأة: (زَيْنَبُ) بنت المهاجر كما في «طبقات (٢) ابن سعدٍ» أو بنت جابرٍ كما ذكر (٣) أبو موسى المدينيُّ في «ذيل الصَّحابة» عن ابن منده في «تاريخ النِّساء» له، أو زينب بنت عوفٍ كما ذكر الدَّارقطنيُّ في «العلل» قال: وذكر ابن عيينة عن إسماعيل أنَّها جدَّة إبراهيم بن المهاجر، قال في «الفتح»: والجمع بين هذه الأقوال ممكنٌ؛ فمن قال: بنت
стр. 7312
المهاجر نسبها إلى أبيها، أو بنت جابرٍ نسبها إلى جدِّها (١) الأدنى، أو بنت عوفٍ نسبها إلى جدِّها الأعلى (فَرَآهَا) أبو بكرٍ (لا تَكَلَّمُ) بحذف أحد المثلين (فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ؟ قَالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية وسكون الصَّاد المُهمَلة، اسم فاعلٍ من أصمت رباعيًّا، يُقال: أَصمت -بفتح أوَّله- إصماتًا، وصَمَت -بفتحتين- صُمُوتًا وصمتًا وصُمَاتًا، أي: ساكتةً (قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا) أي: تركَ الكلام (لَا يَحِلُّ، هَذَا) الصُّمات (مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ) وعند الإسماعيليِّ: أنَّ المرأة قالت له: كان بيننا وبين قومك (٢) في الجاهليَّة شرٌّ، فحلفتُ إنِ اللهُ عافاني من ذلك ألَّا أكلِّم أحدًا حتَّى أحجَّ، فقال: إنَّ الإسلام يهدم ذلك فتكلَّمي (فَقَالَتْ) له: (مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ) لها: (امْرُؤٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، قَالَتْ: أَيُّ المُهَاجِرِينَ؟ قَالَ) لها: (مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَتْ) له: (مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ؟ قَالَ) لها: (إنَّكِ) بكسر الكاف (لَسَؤُولٌ) بلام التَّأكيد، وصيغة «فعول» المُذكَّر والمُؤنَّث فيها سواءٌ، والمعنى: إنَّك لَكثيرة السُّؤال (أَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَتْ) له: (مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ) أي: دين الإسلام (الَّذِي جَاءَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ) أبو بكرٍ ﵁: (بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ) بالمُوحَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لكم» باللَّام (أَئِمَّتُكُمْ) لأنَّ باستقامتهم تُقام الحدود وتُؤخَذ الحقوق ويُوضَع كلُّ شيءٍ موضعه (قَالَتْ) له: (وَمَا الأَئِمَّةُ؟ قَالَ) لها: (أَمَا) بالتَّخفيف (كَانَ لِقَوْمِكِ رُؤُوْسٌ وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَتْ) له (٣): (بَلَى، قَالَ) لها: (فَهُمْ أُولَئِكِ عَلَى النَّاسِ) بكسر الكاف، واستُدِلَّ به: على أنَّ من نذر ألَّا يتكلَّم لم ينعقد نذره؛ لأنَّ أبا بكرٍ ﵁ أطلق أنَّ ذلك لا يحلُّ، وأنَّه من فعل الجاهليَّة وأنَّ الإسلام هدم ذلك، ولا يقول أبو بكرٍ مثل هذا إلَّا عن توقيفٍ، فيكون في حكم المرفوع، وشرط المنذور كونه قربةً لم تتعيَّن كعتقٍ وعيادة مريضٍ وسلامٍ وتشييع جنازةٍ، فلو نذر غير قربةٍ كواجبٍ عينيٍّ كصلاة الظُّهر، أو معصيةٍ كشرب خمرٍ وصلاة بحدثٍ، أو مكروهٍ كصيام الدَّهر لمن خاف به ضررًا أو فوت حقٍّ، أو مباحٍ كقيامٍ وقعودٍ وصمتٍ، سواءٌ نذر فعله أم تركه؛ لم يصحَّ نذره، أمَّا الواجب المذكور فلأنَّه لزم عينًا بإلزام الشَّرع قبل النَّذر، فلا معنى لالتزامه، وأمَّا المعصية فلحديث مسلمٍ: «لا نذر في معصية الله»
стр. 7313
وأمَّا المكروه والمباح فلأنَّهما لا يُتقرَّب بهما، وتأتي زيادةٌ لهذا في «النُّذور» إن شاء الله تعالى بقوَّة الله ومعونته [خ¦٨٣/ ٢٤ - ٩٩٢٩].
٣٨٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء و «المَغْرَاء» بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الرَّاء ممدودٌ، الكنديُّ (١) الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون المُهمَلة وكسر الهاء (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ) لم تُسَمَّ، وذكر عمر بن شبَّة: أنَّها كانت بمكَّة، وأنَّها لمَّا وقع لها ذلك هاجرت إلى المدينة (وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ) بحاءٍ مُهمَلةٍ مكسورةٍ وفاءٍ ساكنةٍ بعدها شينٌ مُعجَمةٌ: بيتٌ صغيرٌ (فِي المَسْجِدِ قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَكَانَتْ تَأْتِينَا فَتَحَدَّثُ عِنْدَنَا) بحذف أحد المثلين تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «تتحدَّث» بحذف الفاء وإثبات التَّاء الأخرى (فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ: وَيَوْمُ الوُِشَاحِ) بكسر الواو وضمِّها، وقد تُبدَل همزةً مكسورةً وبالشِّين المُعجَمة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ؛ ما يُقَدُّ من الجلد ويُرصَّع بالجواهر، وتشدُّه المرأة بين عاتقيها وكشحيها (مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا) بالتَّخفيف (إِنَّهُ) بفتح الهمزة وكسرها في «اليونينيَّة» (مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي، فَلَمَّا أَكْثَرَتْ) من ذلك (قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ) ﵂: (وَمَا يَوْمُ الوِشَاحِ؟ قَالَتْ: خَرَجَتْ جُوَيْرِيَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِي) وكانت عروسًا فدخلت مغتسلها (وَعَلَيْهَا وِشَاحٌ مِنْ أَدَمٍ) أحمر (فَسَقَطَ مِنْهَا، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِ الحُدَيَّا)
стр. 7314
بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المهملتين وتشديد التَّحتيَّة من غير همزٍ (وَهْيَ تَحْسِبُهُ لَحْمًا، فَأَخَذَتْ) بحذف ضمير النَّصب، ولأبي ذرٍّ: «فأخذته» (فَاتَّهَمُونِي بِهِ، فَعَذَّبُونِي حَتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِهم) كذا في الفرع، والذي في أصله «من أمري» (أَنَّهُمْ طَلَبُوا) ذلك الوشاح (فِي قُبُلِي) وفي «الصَّلاة» [خ¦٤٣٩] «فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتَّهموني به، قالت: فطفقوا يفتِّشون حتَّى فتَّشوا قُبُلها» (فَبَيْنَا هُمْ) بغير ميمٍ (حَوْلِي وَأَنَا فِي كَرْبِي؛ إِذْ أَقْبَلَتِ الحُدَيَّا حَتَّى وَازَتْ) بالزَّاي المُعجَمة، أي: حازت (بِرُؤُوْسِنَا) بهمزةٍ بعدها واوٌ، ولأبي ذرٍّ: «بِرُوسِنَا» بغير همزةٍ (ثُمَّ أَلْقَتْهُ، فَأَخَذُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ) أنِّي أخذته (وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ) جملةٌ حاليَّةٌ.
وسبق هذا الحديث في «باب نوم المرأة في المسجد» [خ¦٤٣٩] من «كتاب الصَّلاة».
٣٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف (مَنْ كَانَ حَالِفًا) أي: من أراد أن يحلف (فَلَا يَحْلِفْ) بالجزم (إِلَّا بِاللهِ) أي: كـ «واللهِ» وكـ «ربِّ العالمين» و «الحيِّ الذي لا يموت» و «مَنْ نفسي بيده» وبصفته الذَّاتيَّة كعظمته وعزَّته وكبريائه وكلامه لا بغيره؛ لأنَّ الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصَّةٌ به تعالى فلا يُضاهَى به غيره (فَكَانَتْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ «وكانت» (قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا) بأن يقول الواحد منهم: وأبي أفعل هذا، أو: وأبي لا أفعل هذا، أو: وحقِّ أبي، أو: وتربةِ أبي (فَقَالَ) لهم ﷺ : (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) لأنَّه من أيمان الجاهليَّة.
ويأتي إن شاء الله تعالى ما فيه من المباحث في بابه -بعون الله وقوَّته [خ¦٦٦٤٦]- وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
стр. 7315
٣٨٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ نزيل مصر وتُوفِّي بها -فيما قاله المنذريُّ- سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (عَمْرٌو) -بفتح العين- ابن الحارث المصريُّ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ) بن (٢) محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (حَدَّثَهُ: أَنَّ) أباه (القَاسِمَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَي الجَنَازَةِ) وهو أفضل عند الشَّافعيَّة، وعند الحنفيَّة وراءها أفضل لأنَّها متبوعةٌ (وَلَا يَقُومُ لَهَا) إذا مرَّت عليه (وَيُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا، يَقُولُونَ إِذَا رَأَوْهَا: كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا) أي: الذي (أَنْتِ) فيه كنت في الحياة مثله، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، وذلك فيما يدعونه من أنَّ روح الإنسان تصير طائرًا مثله، وهو المشهور عندهم بالصَّدى والهام، وحينئذٍ فـ «ما» موصولٌ، وبعض صلته محذوفٌ، يقولون ذلك (مَرَّتَيْنِ) أو المعنى: كنت في أهلك شريفًا مثلًا، فأيُّ شيءٍ أنت الآن؟ فـ «ما» حينئذٍ استفهاميَّةٌ، أو «ما» نافيةٌ، ولفظ: «مرَّتين» من تتمَّة المقول، أي: كنت مرَّةً في القوم ولست بكائنٍ فيهم مرَّةً أخرى؛ كما هو مُعتقَد الكفَّار حيث قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] وفي قول عائشة ﵂: «كان أهل الجاهليَّة» ما يدلُّ ظاهره أنَّه لم يبلغها أمره ﵊ بالقيام للجنازة، فرأت أنَّ ذلك من شأن الجاهليَّة وقد جاء الإسلام بمخالفتهم، وقد ذهب الشَّافعيُّ ﵀ إلى أنَّه غير واجبٍ، وأنَّ الأمر به منسوخٌ، وهل يبقى الاستحباب؟ قال: والقعود أحبُّ إليَّ، وبكراهة القيام صرَّح النَّووي ﵀، ومبحث ذلك مرَّ في «الجنائز» [خ¦١٣٠٧].
٣٨٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ العَبَّاسٍ) بالمُوحَّدة والمُهمَلة، وعين «عَمْرٍو» مفتوحةٌ، أبو عثمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ العنبريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الكوفيِّ أدرك الجاهليَّة، أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ) بضمِّ
стр. 7316
التَّحتيَّة، أي: لا يدفعون (مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم، أي: من المزدلفة (حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ) بفتح الفوقيَّة وضمِّ الرَّاء، أي: تطلع، ولأبي ذرٍّ «تُشرِق» بضمِّ التَّاء وكسر الرَّاء، من الإشراق (عَلَى) جبل (ثَبِيرٍ) بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ فمُوحَّدةٍ مكسورةٍ (فَخَالَفَهُمُ (١) النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وهذا مذهب الشَّافعيَّة والجمهور.
٣٨٣٩ - ٣٨٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة: (حَدَّثَكُمْ يَحْيَى بْنُ المُهَلَّبِ) بضمِّ الميم وفتح الهاء واللَّام المُشدَّدة، أبو كُدَينة -بضمِّ الكاف وفتح الدَّال وسكون التَّحتيَّة بعدها نونٌ مُصغَّرًا- الكوفيُّ البجليُّ المُوثَّق، ليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الموضع، قال: (حَدَّثَنَا حُصَينٌ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، أبو عبد الرَّحمن السُّلميُّ الكوفيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ في تفسير قوله تعالى: (﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قَالَ: مَلْأَى مُتَتَابِعَةً) من غير انقطاعٍ، قال:
أتانا عامرٌ يبغي قِرَانا … فأَتْرَعْنَا له كأسًا دهاقَا
(قَالَ) عكرمة بالسَّند السَّابق: (وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل أن يسلم: (اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا) وعند الإسماعيليِّ من وجهٍ آخر عن حُصَينٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ ﵄: «سمعت أبي يقول لغلامه: ادهق لنا، أي: املأ لنا أو تابعْ لنا» وهذا معنى السَّابق، وفي «اللُّباب» قال عكرمة: «وربَّما سمعت ابن عبَّاسٍ ﵄ يقول: اسقنا وادهق لنا، ودعا ابن عبَّاسٍ ﵄ غلامًا له، فقال: اسقنا دهاقًا (٢)، فجاء الغلام بها ملأى، فقال ابن عبَّاسٍ: هذا
стр. 7317
الدِّهاق»، وعن عكرمة أيضًا وزيد بن أسلم (١): أنَّها الصَّافية.
٣٨٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم مُصغَّرًا، الكوفيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ) من إطلاق الكلمة على الكلام، وهو مجازٌ محتملٌ عند النَّحويِّين، مُستعمَلٌ عند المستكملين (٢) المتكلِّمين، وهو من باب تسمية الشَّيء باسم جزئه على سبيل التَّوسُّع، ولـ «مسلمٍ» من طريق شعبة وزائدة عن عبد الملك: «إنَّ أصدق بيتٍ» وله من رواية شريكٍ عن عبد الملك: «أَشعر كلمةٍ تكلَّمت بها العرب» (كَلِمَةُ لَبِيدٍ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة، ابن ربيعة بن عامر بن مالك ابن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر (٣) بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن الجعفريِّ العامريِّ، من فحول الشُّعراء، مخضرمٌ وفد على رسول الله ﷺ سنة وفد قومه بنو جعفرٍ، فأسلم وحَسُنَ إسلامه: (أَلَا) -بالتَّخفيف- استفتاحيَّةٌ (كُلُّ شَيْءٍ) مبتدأٌ مضافٌ للنَّكرة، وهو يفيد استغراق أفرادها نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (مَا خَلَا اللهَ) نُصِب بـ «خلا» وخبر المبتدأ قوله: (بَاطِلٌ) كذا بالتَّنوين، أي: كلُّ شيءٍ خلا الله، وخلا صفاته الذَّاتيَّة؛ من رحمةٍ وعذابٍ وغير ذلك، أو المراد: كلُّ شيءٍ سوى الله جائزٌ عليه الفناء لذاته، والنِّصف الأخير لهذا البيت:
..................... … وكلُّ نعيمٍ لامحالة زائلُ
стр. 7318
وهو من قصيدة من البحر الطَّويل وجملتها عشرة أبياتٍ، وأنشدت له عائشة ﵂ قوله:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم … وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربِ
فقالت: يرحم الله لبيدًا، كيف لو أدرك زماننا هذا؟ (١) وقال له عمر بن الخطَّاب: أَنْشِدني شيئًا من شعرك، فقال: ما كنت لأقول شعرًا بعد أن علَّمني الله البقرة وآل عمران، وتُوفِّي بالكوفة في إمارة الوليد بن عُتبة عليها في خلافة عثمان ﵁ عن مئةٍ وأربعين سنةً، وقيل: وسبعٍ وخمسين سنةً، وهو القائل:
ولقد سئمتُ من الحياةِ وطولِهَا … وسؤالِ هذا النَّاسِ كيف لبيدُ
(وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، و «الصَّلْت» بفتح الصَّاد المُهمَلة وسكون اللَّام بعدها فوقيَّةٌ، الثَّقفيُّ، أي: قاربَ (أَنْ يُسْلِمَ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون السِّين المهملة وكسر اللَّام، أي: في شِعْره، ففي حديث مسلمٍ من طريق عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: ردفت النَّبيَّ ﷺ فقال: «هل معك من شعر أميَّة؟» قلت: نعم، فأنشدته مئة بيتٍ، فقال: «لقد كاد يُسْلِم في شعره» وكان أميَّة يتعبَّد في الجاهليَّة ويؤمن بالبعث وأدرك الإسلام ولم يُسلم، وقيل: إنَّه داخلٌ في النَّصرانيَّة، وأكثرَ في شعره من ذكر التَّوحيد، وسقط لأبي ذرٍّ «أن» من قوله: «أن يسلم» وحينئذٍ «يسلمُ» رَفْعٌ.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٤٧] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٨٩]، ومسلمٌ في «الشِّعر»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، وابن ماجه في «الأدب».
стр. 7319
٣٨٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَخِي) عبد الحميد المدنيُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) أبي أيُّوب القرشيِّ المدنيِّ، وثبت: «ابن بلالٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ قاضي المدينة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ لأَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (غُلَامٌ) لم يُسَمَّ (يُخْرِجُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون المُعجَمة وكسر الرَّاء (لَهُ الخَرَاجَ) أي: يعطيه كلَّ يومٍ ما عيَّنه وضربه عليه من كسبه (وكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ) إذا سأله عنه وعرف حِلَّه (فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ) من كسبه (فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ ولم يسأله (فَقَالَ لَهُ الغُلَامُ: تَدْرِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أتدري» (مَا هَذَا) الذي جئتك به وأكلتَ منه؟ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ) لم يُسَمَّ (وَ) الحال أنِّي (مَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ) بكسر الكاف وهي الإخبار بالغيب من غير طريقٍ شرعيٍّ، وكان كثيرًا في الجاهليَّة لا سيَّما قبل البعثة، وكان منهم من يزعم أنَّ له رِئْيًا من الجنِّ يُلقِي إليه الأخبار، ومنهم من يدَّعي أنَّه يستدرك ذلك بفهمٍ أُعْطِيه (إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ) أي: بمقابلة الذي تكهَّنت له (فَهَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فهو» (الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (يَدَهُ) في فِيْه (فَقَاءَ) استفرغ (كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ) للنَّهي عن حلوان الكاهن، ولأنَّ ما يحصل بطريق الخديعة حرامٌ.
٣٨٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب العمريِّ المدنيِّ الفقيه الثَّبت (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لُحُومَ الجَزُورِ) بفتح الجيم؛ البعير ذكرًا كان أو أنثى (إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ)
стр. 7320
بفتح الحاء المُهمَلة والمُوحَّدة فيهما (قَالَ) ابن عمر: (وَحَبَلُ الحَبَلَةِ) هو (أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ) بضمِّ الفوقيَّة الأولى وفتح الثَّانية بينهما نونٌ ساكنةٌ آخره جيمٌ، مبنيًّا للمفعول، أي: تضع (مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ تَحْمِلَ) النَّاقة (الَّتِي نُتِجَتْ) بضمِّ النُّون وكسر الفوقيَّة (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) لجهل الأجل.
ومباحثه سبقت في «باب بيع الغَرَر وحَبَل الحَبَلَة» [خ¦٢١٤٣] من «البيع».
٣٨٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر المُهمَلة وتشديد التَّحتيَّة، ابن ميمونٍ الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح المُعجَمة وسكون التَّحتيَّة، و «جَريرٍ» بفتح الجيم، البصريُّ: (كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (فَيُحَدِّثُنَا عَنِ الأَنْصَارِ، وَكَانَ) ولأبي ذرٍّ: «فكان» بالفاء بدل الواو (يَقُولُ لِي: فَعَلَ قَوْمُكَ) في الجاهليَّة (كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) وليس غيلان من الأنصار، وإنَّما قال له أنسٌ: «فعل قومك» نظرًا إلى النِّسبة الأعمِّيَّة؛ وهي الأزد.
وهذا الحديث قد سبق في «مناقب الأنصار» [خ¦٣٧٧٦].
(٢٧) (القَسَامَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ) بفتح القاف وتخفيف السِّين المُهمَلة، مأخوذةٌ من القَسَم وهي اليمين، وهي في عُرْف الشَّرع: حلفٌ مُعيَّنٌ عند التُّهمة بالقتل على الإثبات أو النَّفي، أو هي مأخوذةٌ من قِسْمة الأيمان على الحالفين، وثبتت هذه التَّرجمة عند الأكثرين عن الفَِرَبْريِّ هنا، وسقطت للنَّسفيِّ، قال ابن حجرٍ: وهو أوجه لأنَّ الجميع من ترجمة «أيَّام الجاهليَّة».