← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

(عَلَيْهِ حُلَّةُ حِبَرَةٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح المُوحَّدة، جُرَّ بإضافة «حلَّة» إليها (١)؛ بُرْدٌ مُخطَّطٌ، ولأبي ذرٍّ «حِبَرٍ» إسقاط الهاء (وَقَمِيصٌ مَكْفُوفٌ) مَخيطٌ (بِحَرِيرٍ، وَهُو) أي: العاص (مِنْ بَنِي سَهْمٍ، وَهُمْ حُلَفَاؤُنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ) بالحاء المهملة، جمع حليفٍ من الحِلْف؛ وهو المعاقدة والمعاهدة على التَّعاضد والتَّساعد (فَقَالَ لَهُ) العاص: (مَا بَالُكَ؟) بضمِّ اللام: ما شأنك؟ (قَالَ: زَعَمَ قَوْمُكَ) بنو سهمٍ (أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونَنِي) ولغير أبي (٢) ذرٍّ: «سيقتلوني» بنونٍ واحدةٍ (أَنْ أَسْلَمْتُ) أي: لأجل إسلامي؛ بفتح همزة «أن» وفي «النَّاصريَّة» بكسرها كالفرع، ولم يضبطها في «اليونينيَّة» (قَالَ) له العاص: (لَا سَبِيلَ) لهم (إِلَيْكَ) فقال عمر ﵁ (بَعْدَ أَنْ قَالَهَا) أي: كلمة «لا سبيل إليك»: (أَمِنْتُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وميمٍ مكسورةٍ ونونٍ ساكنةٍ وفوقيَّةٍ مضمومةٍ من الأمان، أي: زال خوفي لقول العاص؛ لأنَّه كان مُطاعًا في قومه (فَخَرَجَ العَاصِ، فَلَقِيَ النَّاسَ قَدْ سَالَ) بغير همزٍ، أي: امتلأ (بِهِمُ الوَادِي) وادي مكَّة (فَقَالَ) العاص: (أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: نُرِيدُ هَذَا ابْنَ الخَطَّابِ) عمر ﵁ (الَّذِي صَبَا) أي: خرج عن دين آبائه (قَالَ) العاصِ: (لَا سَبِيلَ) لكم (إِلَيْهِ، فَكَرَّ النَّاسُ) بتشديد الرَّاء، أي: رجعوا.

стр. 7352

٣٨٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ): قال سفيان: (سَمِعْتُهُ) أي: عمرو بن دينارٍ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «إليه عند داره» (وَقَالُوا: صَبَا عُمَرُ) بغير همزٍ: خرج عن دِينه إلى دينٍ آخر، قال ابنه: (وَأَنَا غُلَامٌ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ) من إبريسم، وقد تُفتَح داله (فَقَالَ: قَدْ صَبَا عُمَرُ) سقط لفظ «قد» من «اليونينيَّة» (فَمَا ذَاكَ) الاجتماع؟ فلا يعرض له أحدٌ (فَأَنَا) أي: والحال أنا (لَهُ جَارٌ) بالجيم وتخفيف الرَّاء، أي: أجرته من أن يظلمه أحدٌ (قَالَ) ابن عمر ﵁: (فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا) بالصَّاد والدَّال المُشدَّدة المفتوحتين المُهمَلتين، أي: تفرَّقوا (عَنْهُ، فَقُلْتُ) لأبي: (مَنْ هَذَا الرَّجُلُ) الذي تفرَّق الناس بسببه؟ (قَالَ) بالإفراد، وفي «اليونينيَّة» «قالوا: هو» (العَاصِ بْنُ وَائِلٍ). ٣٨٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُمَرُ) بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵁ (أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) أنَّه (قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيْءٍ قَطُّ) بفتح القاف

стр. 7353

وتشديد الطَّاء لأجل شيءٍ، أو عن شيءٍ قطُّ (١) (يَقُولُ: إِنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ) لأنَّه كان من المُحدَّثين -بفتح الدَّال- (بَيْنَمَا) بالميم (عُمَرُ) ﵁ (جَالِسٌ) وجواب «بينما» قوله: (إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ) قال البيهقيُّ: يشبه أن يكون هو سَوَاد بن قارِبٍ؛ بفتح السِّين وتخفيف الواو، و «قارِبٍ» بالقاف والرَّاء المكسورة بعدها مُوحَّدةٌ (فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي) في كونه في الجاهليَّة بأن صار مسلمًا (أَوْ) قال: (إِنَّ هَذَا) سواد بن قاربٍ مستمرٌّ (عَلَى دِينِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ) على عبادة الأوثان (أَوْ لَقَدْ) بالهمزة والواو السَّاكنة في «اليونينيَّة» وغيرها، وفي الفرع «ولقد» (كَانَ كَاهِنَهُمْ) بكسر الهاء، أي: كاهن قومه (عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: أحضروا (الرَّجُلَ) أو قرِّبوه منِّي (فَدُعِيَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (لَهُ) أي: لأجل عمر (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (لَهُ) عمر (ذَلِكَ) الذي قاله في غيبته من التَّردُّد، وقال أبو عمر: كان يتكهَّن في الجاهليَّة فأسلم، وداعبه عمر يومًا وقال: ما فعلت كهانتك يا سواد؟ فغضبَ وقال: ما كنَّا عليه نحن وأنت يا عمر من جاهليَّتنا وكفرنا شرٌّ من الكهانة، فما لك تعيِّرني بشيءٍ تبت منه وأرجو من الله العفو عنه؟ (فَقَالَ) سوادٌ: (مَا رَأَيْتُ) شيئًا (كَاليَوْمِ) أي: مثل ما رأيت اليوم، أي: حيث (اسْتُقْبِلَ) بضمِّ الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (بِهِ) أي: فيه (رَجُلٌ) نائبٌ عن الفاعل (مُسْلِمٌ) صفةٌ له، وللأربعة: «استَقبل»؛ بفتح الفوقيَّة مبنيًّا للفاعل «به» أي: بالكلام «رجلًا» مفعولٌ لـ «رأيت» و «مسلمًا» صفته كذا أعربه الكِرمانيُّ وتبعه البِرماويُّ، وقال العينيُّ: فيه شيءٌ إن كان مراده «رأيت» المُصرَّح به في الحديث، فإن قدَّر لفظ «رأيت» آخر يكون مُوجَّهًا، تقديره: ما رأيت يومًا مثل هذا اليوم رأيتُ استُقبِل به، أي: بالكلام المذكور رجلًا مسلمًا، فقوله: «استُقبِل به» جملةٌ معترضةٌ بين الفاعل والمفعول، وحاصل المعنى: ما رأيتُ كاليوم رأيت فيه رجلًا استُقبِل فيه، أي: في اليوم. انتهى. وعند البيهقيِّ في روايةٍ مُرسَلةٍ: «قد جاء الله بالإسلام، فما لنا وذكر الجاهليَّة؟!». (قَالَ) عمر ﵁ له: (فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ) أي: ألزمك (إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي) أي: ما أطلب منك إلَّا

стр. 7354

الإخبار (قَالَ) سوادٌ: (كُنْتُ كَاهِنَهُمْ) أي: أُخبرِهم بالمغيَّبات فِي الجَاهِلِيَّةِ (قَالَ) له عمر: (فَمَا أَعْجَبُ) بالضَّمِّ، و «ما» استفهاميَّةٌ (مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ) من أخبار الغيب؟ (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (١) (أَنَا يَوْمًا فِي السُّوقِ جَاءَتْنِي) الجنِّيَّة (أَعْرِفُ فِيهَا الفَزَعَ) بفتح الفاء والزَّاي والمُهمَلة، أي: الخوف (فَقَالَتْ) لي، ولأبي ذرٍّ «وقالت (٢)»: (أَلَمْ تَرَ الجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا) بكسر الهمزة وسكون المُوحَّدة والنَّصب؛ عطفًا على سابقه، أي: وخوفها (وَيَأْسَهَا) من اليأس ضدُّ الرَّجاء (مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا) بكسر الهمزة وسكون النُّون، أي: من بعد انقلابها على رأسها، قال ابن فارسٍ: معناه يئست من استراق السَّمع بعد أن كانت أَلِفَتْه، فانقلبت عن الاستراق وقد أَيِسَت من السَّمع (وَلُحُوقَِهَا) بالنَّصب عطفًا على «إبلاسها»، أو بالجرِّ عطفًا على «إنكاسها» أي: ولحوق الجنِّ (بِالقِلَاصِ) بالقاف المكسورة آخره صادٌ مُهمَلةٌ، جمع قلوصٍ: النَّاقة الشَّابَّة (وَأَحْلَاسِهَا؟) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة بعدها لامٌ فألفٌ فسينٌ مُهمَلةٌ، جمع حِلسٍ؛ -بكسر أوَّله- وهو كساءٌ يُجعَل تحت رحل الإبل على ظهورها تلازمه، ومنه قيل: فلانٌ حِلس بيته، أي: مُلازِمه، قال في «الكواكب»: والمراد: بيان ظهور النَّبيِّ العربيِّ ﷺ ومتابعة الجنِّ للعرب ولحوقهم بهم في الدِّين؛ إذ هو رسول الثَّقلين، وهذا الشِّعر من الرَّجز، لكن وقع الأخير غير موزونٍ، نعم رُوِي: ورَحْلُها العِيسُ بأحلاسِها

стр. 7355

وهذا موزونٌ، و «العِيس» -بكسر العين-: الإبل، وعند البيهقيِّ موصولًا من حديث البراء ابن عازبٍ في «دلائل النُّبوَّة» له: بعد قوله: «وأحلاسها»: تهوي إلى مكَّة تبغي الهدى … ما مؤمنوها مثل أرجاسها فانهض إلى الصَّفوة من هاشمٍ … واسْمُ بعينيك (١) إلى رأسها قال: ثمَّ نبَّهني فأفزعني، وقال: يا سواد إنَّ الله بعث نبيًّا، فانهض إليه تسعد وترشد، فلمَّا كان في اللَّيلة الثَّانية أتاني فنبَّهني، ثمَّ قال: عجبتُ للجِنِّ وتَطْلابِها وشدّها العيس بأقتابها تهوي إلى مكَّة تبغي الهدى وليس قُدَّاماها كأذنابها فانهض إلى الصَّفوة من هاشمٍ واسْمُ بعينيك إلى قابها (٢) فلمَّا كان في اللَّيلة الثَّالثة أتاني، فنبَّهني فقال: عجبت للجنِّ وتنفارها (٣) وشدِّها العيس بأكوارها تهوي إلى مكَّة تبغي الهدى ليس ذوو الشَّرِّ كأخيارها فانهض إلى الصَّفوة من هاشمٍ ما مؤمنو الجنِّ ككفَّارها

стр. 7356

قال: فوقع في قلبي الإسلام، وأتيت المدينة، فلمَّا رآني رسول الله ﷺ قال: «مرحبًا بك يا سواد بن قاربٍ، قد علمنا ما جاء بك» قال: قد قلت شعرًا فاسمعه منِّي، فقلت: أتاني نجيٌّ بعد ليلٍ وهجعةٍ … ولم أكُ فيما قد بليت بكاذب ثلاث ليالٍ قوله كلَّ ليلةٍ: … أتاك نبيٌّ من لؤيِّ بن غالب فشمَّرتُ عن ساقي الإزارَ، ووسَّطت … بيَ الذِّعْلِبُ الوَجْناءُ عند (١) السَّباسب فأشهد أنَّ الله لا ربَّ غيره … وأنَّك مأمونٌ على كلِّ غائب وأنَّك أدنى المُرسَلين شفاعةً … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فَمُرْنا بما يأتيك يا خيرَ من مشى (٢) … وإن كان فيما جاء شيبُ الذَّوائب فكن لي شفيعًا يومَ لا ذو شفاعةٍ … سواك بمغنٍ عن سواد بن قارب قال: فضحك النَّبيُّ ﷺ حتَّى بدت نواجذه. (قَالَ عُمَرُ) ﵁: (صَدَقَ) سوادٌ (بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر «بينما أنا نائمٌ عند آلهتهم» أي: أصنامهم (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) لم يَعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمه، وعند أحمد من وجهٍ آخر: أنَّه ابن عبسٍ، شيخٌ أدرك الجاهليَّة (بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ، لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيْحْ) بفتح الجيم وبعد اللَّام المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فحاءٌ مُهمَلةٌ، أي: يا وقح، ومعناه: المكافح والمكاشف بالعداوة، ويحتمل أن يكون نادى رجلًا بعينه، أو من كان متَّصفًا بذلك (أَمْرٌ نَجِيحْ) بنونٍ مفتوحةٍ فجيمٍ مكسورةٍ آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، من النَّجاح وهو الظَّفر بالبغية (رَجُلٌ فَصِيحْ) بالفاء، من الفصاحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «يصيح» بتحتيَّةٍ

стр. 7357

مفتوحةٍ بدل الفاء، من الصِّياح (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «لا إله إلا الله» (فَوَثَبَ القَوْمُ) بالثَّاء المُثلَّثة، أي: قاموا، قال عمر: فلمَّا رأيت ذلك (قُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيحْ أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «يصيح» (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقُمْتُ، فَمَا نَشِبْنَا) بفتح النُّون وكسر الشِّين المُعجَمة وسكون المُوحَّدة، أي: ما مكثنا وتعلَّقنا بشيءٍ (أَنْ قِيلَ: هَذَا نَبِيٌّ) قد ظهر، وعند أبي نُعيمٍ في «دلائله»: أنَّ أبا جهلٍ جعل لمن يقتل محمَّدًا ﷺ مئة ناقةٍ، قال عمر ﵁: فقلت له: يا أبا الحكم؛ الضَّمان صحيحٌ؟ قال: نعم، قال: فتقلَّدت سيفي أريده، فمررت على عجلٍ وهم يريدون أن يذبحوه، فقمت أنظر إليهم فإذا صائحٌ من جوف العجل: يا آل ذريح، أمرٌ نجيح، رجلٌ يصيح بلسانٍ فصيح، قال عمر ﵁: فقلت في نفسي: إنَّ هذا الأمر ما يُراد به إلَّا أنا، قال: فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيدٍ، فذكر القصَّة في سبب إسلامه بطولها. وفي حديث أسامة بن زيدٍ عن أبيه عن جدِّه أسلم قال: قال لنا عمر بن الخطَّاب ﵁: أتحبُّون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي؟ قلنا: نعم، قال: كنت من أشدِّ النَّاس على رسول الله ﷺ ، فبينا أنا في يومٍ حارٍّ بالهاجرة لقيني رجلٌ من قريشٍ اسمه نعيم بن عبد الله النَّحَّام، وكان مخفيًا إسلامه ﵁ (١)، فقال: أين تذهب يا ابن الخطَّاب، إنَّك تزعم أنَّك هكذا، وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك، أختكَ قد صَبَت فرجعت مُغضَبًا فدخلت عليها، فقلت: يا عدَّوة نفسِها بلغني أنَّك قد صبأتِ، وأرفع شيئًا في يدي فأضربها به، فسال الدَّم فبكت، ثمَّ قالت: يا بن الخطَّاب ما كنت فاعلًا فافعل، فقد أسلمتُ، فنظرت فإذا بكتابٍ في ناحية البيت، فقلت لها: أعطينه، فقالت: لا أعطيكه، لست من أهله، إنَّك لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهَّر، وهذا لا يمسُّه إلَّا المُطَهَّرون، فلم أَزَلْ بها حتَّى أعطتنيه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم فلمَّا مررت بـ «الرَّحمن الرَّحيم» ذُعِرت ورميتُ بالكتاب من يديَّ، ثمَّ رجعتُ إلى نفسي، فأخذته (٢)

стр. 7358

فإذا فيه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] فكلَّما مررت بالاسم من أسماء الله تعالى؛ ذُعِرتُ، ثمَّ رجعت إلى نفسي حتَّى بلغت: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] إلى قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، فخرج القوم يتبادرون بالتَّكبير استبشارًا بما سمعوه منِّي، فلمَّا دخلت على رسول الله ﷺ أخذ بمجامع قميصي فجذبني إليه، ثمَّ قال: أسلم يا ابن الخطَّاب، اللَّهمَّ اهدِه، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله و (١) أنَّك رسول الله، فكبَّر المسلمون تكبيرةً سُمِعت بطرفَي مكَّة، ثمَّ قال: ثمَّ خرجت فقرعت باب خالي، فقلت له: أشعرت أنِّي صبوت، فأجاف (٢) الباب دوني وتركني، فلمَّا اجتمع النَّاس جئت إلى رجلٍ لا يكتم السِّرَّ، فذكرت له فيما بيني وبينه أنِّي قد صبوت ليشيع ذلك؛ ليصيبني ما أصاب المسلمين من أذى قريشٍ، قال: فرفع الرَّجل صوته بأعلاه: ألا إنَّ ابن الخطَّاب قد صبأ، قال: فما زال النَّاس يضربوني وأضربهم، قال: فقال خالي: ما هذا؟ فقيل له: ابن الخطَّاب، فقام على الحجر، فأشار بكمِّه فقال: ألا إنِّي قد أجرت ابن أختي، قال: فانكشف النَّاس عنِّي، قال: وكنت لا أشاء أن أرى أحدًا من المسلمين يُضرَب إلَّا رأيته وأنا لا أُضرَب، فقلت: ما هذا بشيءٍ حتَّى يصيبني ما يصيبُ المسلمين، قال: فأمهلتُ حتَّى إذا جلس النَّاس في الحجر؛ وصلتُ إلى خالي، فقلت له: جوارك رُدَّ عليك، فما زلتُ أَضرِبُ وأُضرَب حتَّى أعزَّ الله الإسلام، وهذا الخبر رواه ابن إسحاق، وأنَّ الذي كان في الصَّحيفة سورة طه. ٣٨٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ (قَالَ:

стр. 7359

سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ) أي: ابن عمرو بن نُفَيلٍ ﵁ (يَقُولُ لِلْقَوْمِ) في مسجد الكوفة: (لَوْ رَأَيْتُنِي) بضمِّ التَّاء، وسقط «لو» لأبي ذرٍّ، أي: لو رأيت نفسي (مُوثِقِي عُمَرُ عَلَى الإِسْلَامِ) بضمِّ الميم وسكون الواو وكسر المُثلَّثة؛ إهانةً لي وتضييقًا عليَّ لكوني أسلمت (أَنَا وَأُخْتُهُ) زوجتي فاطمة بنت الخطَّاب (وَمَا) كان عمر (أَسْلَمَ، وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا) الجبل المعروف بالمدينة (انْقَضَّ) بالنُّون والقاف والضَّاد المُعجَمة المُشدَّدة: انكسر وانهدم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «انفضَّ» بالفاء، أي: تفرَّق (لِمَا صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ) بن عفَّان ﵁ يوم الدَّار (لَكَانَ مَحْقُوقًا) بفتح الميم وسكون المُهمَلة وقافين بينهما واوٌ ساكنةٌ، أي: واجبًا (أَنْ يَنْقَضَّ) أي: أن ينهدم، وللكُشْمِيهَنِيِّ «أن ينفضَّ» بالفاء، أي: أن يتفرَّق، والمعنى: لو تحرَّكت القبائل لطلب ثأر عثمان لفعلوا واجبًا. وهذا الحديث سبق في الباب الذي قبل هذا [خ¦٣٨٦٢] والله الموفِّق (١). (٣٦) (بابُ (٢) انْشِقَاقِ القَمَرِ) في زمنه ﷺ معجزةً له، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فالتَّالي رَفْعٌ على ما لا يخفى. ٣٨٦٨ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «حدّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المُعجَمة، و «المُفَضَّل» بضمِّ الميم وفتح الفاء والضَّاد المُعجَمة المُشدَّدة، ابن لاحقٍ الرَّقاشيُّ -بقافٍ ومُعجَمةٍ- أبو

стр. 7360

إسماعيل البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهران اليشكريُّ مولاهم أحد الأعلام (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ) كفَّار قريشٍ، وفي «دلائل النُّبوَّة» لأبي نُعيمٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّهم الوليد بن المغيرة وأبو جهلٍ والعاص بن وائلٍ والعاص بن هشامٍ والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطَّلب وابنه زمعة والنَّضر بن الحارث (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً) أي: معجزةً تشهد لِمَا ادَّعاه من نبوَّته (فَأَرَاهُمُ القَمَرَ شَِقَّتَيْنِ) بفتح الشِّين في الفرع مُصحَّحًا عليه، وضبطها في «الفتح» و «المصابيح» و «اليونينيَّة» و «النَّاصريَّة» بكسرها، أي: نصفين (حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً) بالتَّنوين: الجبل المعروف (بَيْنَهُمَا) بين الشَّقَّتين، وهذا من مراسيل الصَّحابة لأنَّ أنسًا لم يشاهد هذه القصَّة، وفي حديث مسلمٍ: «فأراهم القمر مرَّتين»، وكذا هو بلفظ «مرَّتين» في «مُصنَّف عبد الرَّزَّاق» عن مَعْمَرٍ، وكذا أخرجه أحمد وإسحاق في «مُسنَديهما» ولعلَّ المراد: «فرقتين» جمعًا بين الرِّوايات كما نبَّه عليه في «الفتح». ٣٨٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) اسمه عبدُ الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) -بالحاء المُهمَلة والزَّاي- محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرَة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى، فَقَالَ) يخاطب أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم وابن مسعودٍ: (اشْهَدُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقال النَّبيُّ ﷺ : اشهدوا» أي: اضبطوا ذلك بالمُشاهَدة (وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ) من القمر (نَحْو الجَبَلِ) المعروف بحراء، وبقيت الأخرى

стр. 7361

مكانه حتَّى صار حراء بينهما، وقوله: «ونحن مع النَّبيِّ ﷺ » يردُّ على من قال: إنَّ قوله في الآية ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] بمعنى: سينشقُّ يوم القيامة، فأوقع الماضي موقع المُستقبَل؛ لتحقُّقه، وهو خلاف الإجماع، وكذا قول الآخر: «انشقَّ» بمعنى: انفلق عنه الظَّلام عند طلوع الشَّمس، كما يُسمَّى الصبح فلقًا. (وَقَالَ أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ الكوفيُّ: (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعودٍ ﵁ (انْشَقَّ بِمَكَّةَ) وهذا وصله أبو داود الطَّيالسيُّ (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع إبراهيم النَّخعيَّ في روايته عن أبي مَعْمَرٍ (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الطَّائفيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) يسارٍ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرَة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، وهذه المُتابَعة وصلها عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه» ولا معارضة بين قوله: «بمكَّة» وقوله: «بمنًى» إذ المراد: أنَّ ذلك وقع قبل الهجرة، ومنًى من جملة مكَّة. ٣٨٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ) السَّهميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف، و «مُضَر» بضمِّ الميم وفتح الضَّاد المُعجَمة، ابن محمَّد بن حكيمٍ المصريُّ (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شرحبيل المصريُّ (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ)

стр. 7362

بكسر العين المُهمَلة وتخفيف الرَّاء، الغفاريِّ المدنيِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ القَمَرَ انْشَقَّ عَلَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «في» (زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بمكَّة قبل الهجرة، وهذا مُرسَلٌ لأنَّ ابن عبَّاسٍ ﵄ لم يدرك ذلك؛ لأنَّه كان ابن سنتين أو ثلاثٍ. ٣٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين، النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ ابن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ) كذا أورده مختصرًا، وهو ثابتٌ في رواية الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ، وقول بعضهم: -لو انشقَّ لَمَا خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقلوه متواترًا؛ لأنَّ الطِّباع مجبولةٌ على نشر العجائب- مردودٌ: بأنَّه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيمٍ، لا سيَّما وأكثر النَّاس نيامٌ، والأبواب مُغلَقةٌ، وقلَّ من يترَصَّد السَّماء، ولعلَّه كان في قدر اللَّحظة التي هي مُدْرَكُ البصر، وقد روى أبو الضُّحى عن مسروقٍ عن عبد الله: أنَّهم سألوا السُّفَّار: هل انشقَّ القمر؟ قالوا: قد رأيناه. (٣٧) (باب هِجْرَةِ) المسلمين من مكَّة إلى أرض (الحَبَشَةِ) بإشارته ﷺ لمَّا أقبل كفَّار قريشٍ على من آمن يعذِّبونهم ويُؤذونهم ليردُّوهم عن دينهم، وكانت الهجرة مرَّتين الأولى: في رجب سنة خمسٍ من المبعث، وكان عدد من هاجر اثني عشر رجلًا وأربع نسوةٍ (١)، ثمَّ رجعوا

стр. 7363

عندما بلغهم عن المشركين سجودهم معه ﷺ عند قراءة سورة النَّجم، فلقوا من المشركين أشدَّ ممَّا عهدوا، فهاجروا ثانيةً وكانوا ثلاثةً وثمانين رجلًا إن كان فيهم عمَّارٌ، وثماني عشرة امرأةً، وسقط «باب» لأبي ذرٍّ. (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله المؤلِّف مُطوَّلًا في «باب الهجرة إلى المدينة» [خ¦٣٩٠٥] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة (دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ) تثنية لابةٍ، وهي الحَرَّة ذات الحجارة السُّود، وهذه طابة (فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ) من المسلمين (قِبَلَ المَدِينَةِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة؛ أي (١): جهتها (وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ) وهذا وقع بعد الهجرة الثَّانية إلى الحبشة (فِيهِ) أي: في هذا الباب (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ممَّا يأتي آخر الباب -إن شاء الله تعالى- موصولًا [خ¦٣٨٧٦] (و) عن (أَسْمَاءَ) بنت عُمَيسٍ الخثعميَّة، وهي أخت أمِّ المؤمنين ميمونة لأمِّها كما سيأتي في «غزوة خيبر (٢)» [خ¦٤٢٣٠] إن شاء الله تعالى (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).

стр. 7364

٣٨٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ عالمُ اليمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا) وفي نسخةٍ «أخبرني» بالإفراد (١) (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضمِّ

стр. 7365

العين وفتح المُوحَّدة (بْنَ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ) بكسر الخاء المُعجَمة وتخفيف التَّحتيَّة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بن نوفلٍ الزُّهريَّ الصَّحابيَّ الصَّغير (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بالغين المعجمة المضمومة والمُثلَّثة، الزُّهريّ، من صلحاء التَّابعين وأشرافهم (قَالَا لَهُ) أي: لعبيد الله بن عديِّ بن الخيار: (مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ خَالَكَ عُثْمَانَ) بن عفَّان، ليست أمُّه أختًا له بل من رهطه (فِي أَخِيهِ) لأمِّه (الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ؟) بضمِّ العين وسكون القاف، ابن أبي مُعيطٍ، وكان عثمان ولَّاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ (وَكَانَ أَكْثَرَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «أكبر» بالمُوحَّدة بدل المُثلَّثة (النَّاسُ فِيمَا فَعَلَ) عثمان (بِهِ) بالوليد من تقويته في الأمور وإهماله حدَّ شربه المسكر (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عديٍّ: (فَانْتَصَبْتُ لِعُثْمَانَ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً وَهْيَ نَصِيحَةٌ) لك (فَقَالَ: أَيُّهَا المَرْءُ أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) قال ذلك لأنَّه فهم أنَّه يكلِّمه بما فيه إنكارٌ عليه، فيضيق صدره لذلك، قال عبيد الله: (فَانْصَرَفْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلَاةَ) نصبُ مفعولٍ (جَلَسْتُ إِلَى المِسْوَرِ وَإِلَى ابْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَحَدَّثْتُهُمَا بِالَّذِي قُلْتُ لِعُثْمَانَ وَ) الذي (قَالَ لِي) عثمان (فَقَالَا: قَدْ قَضَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْكَ، فَبَيْنَمَا) بالميم (أَنَا جَالِسٌ مَعَهُمَا؛ إِذْ جَاءَنِي رَسُولُ عُثْمَانَ) لم يُسَمَّ (فَقَالَا) المسور وابن عبد يغوث (لِي: قَدِ ابْتَلَاكَ اللهُ) يأتي تفسيره بعدُ -إن شاء الله تعالى- من قول المصنِّف (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا نَصِيحَتُكَ الَّتِي ذَكَرْتَ آنِفًا؟) بمدّ الهمزة (قَالَ: فَتَشَهَّدْتُ) وسقط لفظ «قال (١)» في الفرع وثبت في الأصل (ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، وَكُنْتَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ للهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ¬) وسقطت التَّصلية في رواية أبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «ممَّن استجابَ اللهَ ورسولَه» (وَآمَنْتَ بِهِ، وَهَاجَرْتَ الهِجْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ) بضمِّ الهمزة وسكون الواو وفتح اللَّام والتَّحتيَّة الأولى وتسكين الثَّانية، تثنية «أولى» على التَّغليب بالنِّسبة إلى هجرة الحبشة، فإنَّها كانت أولى وثانيةً، أمَّا إلى المدينة؛ فلم تكن إلَّا واحدةً، وهذا هو المراد من هذا الحديث في هذا الباب؛ كما لا يخفى.

стр. 7366

(وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ) طريقه (وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ) الكلام (فِي شَأْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ) بسبب شربه الخمر وسوء سيرته (فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقَالَ لِي) أي: على عادة العرب: (يَا ابْنَ أَخِي) ولأبي ذرٍّ: «أختي»، قال الكِرمانيُّ: هي الصَّواب؛ لأنَّه كان خاله (أَدْرَكْتَ) بتاء الخطاب (رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا) أي: لم أدركه إدراك من يعي عنه، وليس مراده نفي الإدراك بالسِّنِّ؛ لأنَّه وُلِد في حياته ﵊ (وَلَكِنْ قَدْ خَلَصَ) أي: وصل (إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا خَلَصَ) ما وصل (إِلَى العَذْرَاءِ) بالذَّال المُعجَمة والمدِّ: البِكْر (فِي سِتْرِهَا) بكسر السِّين، أي: من شرعه الشَّائع الذَّائع الذي ليس يخفى على أحدٍ (قَالَ: فَتَشَهَّدَ عُثْمَانُ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ) سقط لفظ «قد» و «التَّصلية» لأبي ذرٍّ (وَأَنْزَلَ (١) عَلَيْهِ الكِتَابَ، وَكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ للهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (وَآمَنْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ممَّن استجاب اللهَ ورسولَه وآمنَ» (بِمَا بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (وَهَاجَرْتُ الهِجْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ) الحبشة والمدينة (كَمَا قُلْتَ) بتاء الخطاب لعبيد الله (وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَبَايَعْتُهُ) من المبايعة، ولأبي ذرٍّ: «وتابعته»؛ «بالفوقيَّة» بدل: «المُوحَّدة»، من المُتابعَة (وَاللهِ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فوالله»؛ بالفاء (مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَوَاللهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ) بضمِّ الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (عُمَرُ) ﵁ (فَوَاللهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ) زاد أبو ذرٍّ (٢): «حتَّى توفَّاه الله» (ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ) بضمِّ الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ) بهمزة الاستفهام (مِثْلُ) ولأبي ذرٍّ: «من الحقِّ مثل» (الَّذِي كَانَ لَهُمْ عَلَيَّ؟) بتشديد الياء، وسقطت من الفرع، وثبتت في أصله (قَالَ) عبيد الله: (بَلَى، قَالَ) عثمان: (فَمَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ؟) بسبب تأخير الحدِّ عن الوليد (فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ) سقط «ابن عقبة» لأبي ذرٍّ (فَسَنَأْخُذُ فِيهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِالحَقِّ، قَالَ) عبيد الله: (فَجَلَدَ الوَلِيدَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً) بعد أن شهد عليه حمران والصَّعب بن جَثَّامة أنَّه قد شرب الخمر (وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَجْلِدَهُ، وَكَانَ هُوَ) أي: عليٌّ (يَجْلِدُهُ) ولا تَنافيَ بين قوله هنا: «أربعين»

стр. 7367

وقوله في «مناقب عثمان» [خ¦٣٦٩٦] «ثمانين» لأنَّ التَّخصيص بالعدد لا ينفي الزَّائد، أو كان الجلد بسوطٍ له طرفان. (وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ، ممَّا وصله في «مناقب عثمان» [خ¦٣٦٩٦] (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ، ممَّا وصله ابن عبد البرِّ في «تمهيده» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ مِنَ الحَقِّ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ؟) وهذا التَّعليق عن يونس وابن أخي الزُّهريِّ ثابتٌ في رواية المُستملي فقط (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ في قوله: «ابتلاك الله»: (﴿بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]) أي: (مَا ابْتُلِيتُمْ بِهِ مِنْ شِدَّةٍ، وَفِي مَوْضِعٍ) آخر (البَلَاءُ) هو (الاِبْتِلَاءُ وَالتَّمْحِيصُ) بالحاء والصَّاد المهملتين (مَنْ بَلَوْتُهُ) بالواو (وَمَحَّصْتُهُ، أي: اِسْتَخْرَجْتُ مَا عِنْدَهُ) ويشهد له قوله: (يَبْلُو) أي: (يَخْتَبِرُ، ومُبْتَلِيكُمْ) أي: (مُخْتَبِرُكُمْ) ثمَّ استطرد فقال: (وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَلَاءٌ) من ربِّكم (١) (عَظِيمٌ) فالمراد به: (النِّعَمُ) بكسر النُّون (وَهِيَ مِنْ أَبْلَيْتُهُ) إذا أنعمت عليه (وَتِلْكَ) أي: الأولى (مِنِ ابْتَلَيْتُهُ) وهذا كلُّه ثابتٌ في رواية المُستملي وحده. ٣٨٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن

стр. 7368

سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان (وَأُمَّ سَلَمَةَ) هند، ولأبي ذرٍّ تقديمُ «أمَّ سلمة» على «أمّ حبيبة» (ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ) بنون الجمع على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان أو معهما غيرهما من النِّسوة، وكانت أمُّ سلمة هاجرت الأولى مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد، وأمُّ حبيبة الثَّانيةَ مع زوجها عبيد الله بن جحشٍ فمات هناك (فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا (١)) ذلك (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُولَئِكِ) بكسر الكاف (إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ؛ بَنَوْا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فبنوا» (عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيكَ) بفوقيَّةٍ مكسورةٍ (٢) فتحتيَّةٍ ساكنةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تلك» (الصُّوَرَ) باللَّام بدل التَّحتيَّة (أُولَئِكِ) بكسر الكاف (شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ). وهذا الحديث سبق في «الجنائز» في «باب بناء المساجد على القبر» [خ¦١٣٤١]. ٣٨٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ السَّعِيدِيُّ (٣)) بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص (عَنْ أُمِّ خَالِدٍ) اسمها أَمَة -بفتح الهمزة والميم المُخفَّفة وبالهاء- و «خالدٌ» هو ابن الزُّبير بن العوَّام (بِنْتِ خَالِدٍ) أي: ابن سعيد بن العاص أنَّها (قَالَتْ: قَدِمْتُ مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ وَأَنَا جُوَيْرِيَةٌ، فَكَسَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمِيصَةً) بفتح الخاء المعجمة وبالصَّاد المهملة: كساءً من خزٍّ (لَهَا أَعْلَامٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ الأَعْلَامَ بِيَدِهِ) الكريمة (وَيَقُولُ: سَنَاهْ، سَنَاهْ) -مرَّتين- بفتح السِّين والنُّون وبعد الألف هاءٌ ساكنةٌ فيهما (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) عبد الله الرَّاوي: (يَعْنِي) هو أي: الثَّوب: (حَسَنٌ، حَسَنٌ).

стр. 7369

٣٨٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ مولاهم البصريُّ ختن أبي عَوانة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْو يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنَا) السَّلام (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ) ملك الحبشة من الهجرة الثَّانية إلى المدينة، والنَّبيُّ ﷺ يتجهَّز إلى بدرٍ (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ) وهو في الصَّلاة (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا) السَّلام (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ) وأنت في الصَّلاة (فَتَرُدُّ عَلَيْنَا) السَّلام (قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا) بالله ، لا يمكن معه غيره، قال سليمان الأعمش: (فَقُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ: (كَيْفَ تَصْنَعُ أَنْتَ) إذا سلَّم عليك إنسانٌ وأنت في الصَّلاة؟ (قَالَ: أَرُدُّ) عليه (فِي نَفْسِي). وهذا الحديث قد سبق في أواخر «الصَّلاة» في «باب لا يردُّ السَّلام في الصَّلاة» [خ¦١٢١٦]. ٣٨٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين المُهمَلة والمدِّ، أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء مُصغَّرًا (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، عامرٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ) مصدرٌ ميميٌّ، أي: خروج النَّبيِّ (¬ ﷺ ¬) أي: مبعثه، أو خروجه إلى المدينة (وَنَحْنُ بِاليَمَنِ، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً) لنصل إلى مكَّة (فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا) بسبب هيجان البحر والرِّيح (إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁

стр. 7370

(فَأَقَمْنَا مَعَهُ) بالحبشة (حَتَّى قَدِمْنَا) المدينة (فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ) سنة ستٍّ أو سبع (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَكُمْ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ) هجرةٌ من مكَّة إلى الحبشة، وهجرةٌ من الحبشة إلى المدينة، وفي رواية مسلمٍ: «فأَسْهَمَ لنا وما قَسَمَ لأحدٍ غاب عن خيبر منها شيئًا إلَّا أصحاب سفينتنا (١) مع جعفرٍ وأصحابه» وسقطت أداة النِّداء من قوله «يا أهل السَّفينة». وحديث الباب أخرجه المؤلِّف مُقطَّعًا في «الخمس» [خ¦٣١٣٦] و «المغازي» [خ¦٤٢٣٠]، ومسلمٌ في «الفضائل». (٣٨) (بابٌ مَوْتُ النَّجَاشِيِّ) بفتح النُّون، وحكى ابن دحية كسرَها، وهو لقب كلِّ من مَلَكَ الحبشة، ولقبه الآن الحَطِي؛ بفتح الحاء وكسر الطَّاء الخفيفة المهملتين آخره تحتيَّةٌ خفيفةٌ، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٨٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود العتكيُّ الزَّهرانيُّ المقرئ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ) سنة تسعٍ أو ثمانٍ قبل فتح مكَّة: (مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا) أي: صلاة الغيبة (عَلَى أَخِيكُمْ) في الإسلام (أَصْحَمَةَ) بهمزةٍ وصادٍ وحاءٍ مهملتين وميمٍ مفتوحاتٍ آخره هاء تأنيثٍ، قيل: هو لقبه واسمه عطيَّة.

стр. 7371

٣٨٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) الباهليُّ مولاهم البصريُّ النَّرْسيُّ -بفتح النُّون وسكون الرَّاء وبالسِّين المهملة- قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بتقديم الزَّاي على الرَّاء مُصغَّرًا، أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي عروبة قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة، السَّدوسيُّ (أَنَّ عَطَاءً حَدَّثَهُمْ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ﵄: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ) بتشديد التَّحتيَّة وتخفيفها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «صلَّى على أصحمة النَّجاشيِّ» (فَصَفَّنَا) بتشديد الفاء (وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ) ومطابقته للتَّرجمة من جهة صلاته عليه بعد إعلامه بموته. ٣٨٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السُّلميُّ مولاهم أبو خالدٍ الواسطيُّ، وسقط «ابن هارون» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ) بفتح السِّين مُصحَّحًا عليها في الفرع كأصله وكسر اللَّام، و «حَيَّان» بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المُشدَّدة، الهذليِّ البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم ممدودًا (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ) صلاة الغيبة (فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا) واستُنبِط منه: الصَّلاة على الغائب، لكنَّها لا تسقط الفرض (تَابَعَهُ) أي: تابع يزيدَ بن هارون (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث في روايته إيَّاه عن سليم بن حيَّان.

стр. 7372

٣٨٨٠ - ٣٨٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، أبو خيثمة الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ) أي: أخبر أصحابه بموته (فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وهو علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ (وَقَالَ) لهم: (اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ) في الإسلام النَّجاشيِّ. (وَعَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كيسان بالسَّند السَّابق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن المُسيَّب» وثبت له عن الكُشْميهَنيِّ: «حدَّثني» بالإفراد «أبو سلمة بن عبد الرَّحمن وسعيدٌ» (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَفَّ بِهِمْ فِي المُصَلَّى) خارج المدينة (فَصَلَّى عَلَيْهِ) على النَّجاشيِّ (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) ولأبي ذرٍّ: «وكبَّر عليه أربعًا» وهذا النَّجاشيُّ هو الذي هاجر إليه المسلمون، وكتب له ﷺ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عمرو بن أميَّة سنة ستٍّ من الهجرة، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالبٍ، وأمَّا النَّجاشيُّ الذي ولي بعده الحبشة فكان كافرًا لم يُعرَف له إسلامٌ ولا اسمٌ. (٣٩) (باب تَقَاسُمِ المُشْرِكِينَ) أي: تحالفهم (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.

стр. 7373

٣٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين القرشيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا) أي: غزوتها: (مَنْزِلُنَا غَدًا -إِنْ شَاءَ اللهُ-) اعتراضٌ بين المبتدأ وهو قوله: «منزلنا» وخبره وهو قوله: (بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) بفتح الخاء المُعجَمة: ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، وهو المُحصَّب (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ) زاد في «الحجِّ» [خ¦١٥٩٠] من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ: «وذلك أنَّ قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشمٍ وبني عبد المطَّلب -أو بني المطَّلب- ألَّا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتَّى يُسلِموا إليهم النَّبيَّ ﷺ »، وفي السِّيرة: «وكتبوا بذلك كتابًا بخطِّ بغيض بن عامر بن هاشمٍ، وعلَّقوه في جوف الكعبة، وتمادوا على العمل بما فيه من ذلك ثلاث سنين، فاشتدَّ البلاء على بني هاشمٍ في شِعْبهم، وعلى كلِّ من معهم، فلمَّا كان رأس ثلاث سنين (١) تلاوم قومٌ من قصيٍّ ممَّن ولدتهم بنو هاشمٍ ومن سواهم، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة، وبعث الله على صحيفتهم الأَرَضَة فأكلت ولَحَسَتْ ما فيها من مثياقٍ وعهدٍ، وبقي ما كان فيها من ذكر الله ، وأطلع الله تعالى نبيَّه على ذلك، فأخبر عمَّه أبا طالبٍ بذلك، فقال: أربُّكَ أخبرك بذلك؟ قال: نعم، فقال أبو طالبٍ: لا والثَّواقب ما كذبتني، ثمَّ خرج أبو طالبٍ فقال: يا معشر قريشٍ إنَّ ابن أخي أخبرني أنَّ الله قد سلَّط على صحيفتكم الأَرَضَة، فإن كان كما يقول: فوالله لا نسلِّمه حتَّى نموت (٢) من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلًا دفعنا إليكم صاحبنا قتلتم أو استحييتم، فقالوا: قد رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصَّحيفة فوجدوها كما أخبر، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيًا وعدوانًا»، ويأتي إن شاء الله تعالى ما في حديث الباب من المباحث في «الفتح» [خ¦٤٢٨٥] بعون الله وقوَّته.

стр. 7374

(٤٠) (باب قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ) عبد منافٍ عمِّ النَّبيِّ ﷺ ، شقيق عبد الله وكافله بعد موت عبد المطَّلب، وتُوفِّي أبوطالبٍ بعد خروجهم من الشِّعب سنة عشرٍ من المبعث، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب قال: (حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا أَغْنَيْتَ (١) عَنْ عَمِّكَ) أبي طالبٍ، أي: أيَّ شيءٍ دفعته عنه؟ (فَوَاللهِ) كذا في الفرع وغيره، والذي في «اليونينيَّة» و «النَّاصرية»: «فَإِنَّهُ» (كَانَ يَحُوطُكَ) يصونك ويحفظك ويذبُّ عنك (وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ) ﵊: (هُو فِي ضَحْضَاحٍ) بفتح الضَّادين المعجمتين وحاءين مُهمَلتين أولاهما ساكنةٌ، يبلغ كعبه (مِنْ نَارٍ) وأصله ما رقَّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، فاستُعير (٢) للنَّار (وَلَوْلَا أَنَا) شفعت فيه (لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أي: أقصى قعرها، وقال ابن مسعودٍ ﵁: «الدَّرك الأسفل توابيتُ من حديدٍ مُقفَلةٌ في النَّار»، وقال أبو هريرة ﵁: «بيتٌ يُقفَل عليهم تتوقَّد فيه النَّار من فوقهم ومن تحتهم». وهذ الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٢٠٨]، ومسلمٌ في «الإيمان».

стр. 7375

٣٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حدَّثني» بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان العدويُّ مولاهم المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحميريُّ مولاهم أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الأزديُّ الأسديُّ (١) مولاهم البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (عَنْ أَبِيهِ) المُسيَّب بن حَزْنٍ -بفتح المهملة وسكون الزَّاي- ابن أبي وهبٍ المخزوميِّ، له ولأبيه صحبةٌ (أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ) قبل أن يدخل في الغرغرة (دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام بن المغيرة عدوُّ الله فرعون هذه الأمَّة (فَقَالَ) ﵊ له: (أَيْ عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) نُصِب بدلًا من مقول القول وهو: «لا إله إلَّا الله» (أُحَاجُّ) بضمِّ الهمزة بعدها حاءٌ مُهمَلةٌ وبعد الألف جيمٌ مُشدَّدةٌ، وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦٠] «أشهد» (لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزومٍ، وقد أسلم عبد الله هذا يوم الفتح، واستُشهِد في غزوة حُنينٍ (يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ) ولأبي ذرٍّ: «أترغب» بهمزة الاستفهام (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ): أنا (عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر إبراهيم لأبيه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «لأستغفرنَّ (٢) له»؛ بالهاء بدل الكاف (مَا لَمْ أُنْهَ) بضمِّ الهمزة وسكون النُّون مبنيًّا للمفعول (عَنْهُ) أي: ما لم ينهني الله عن الاستغفار له (فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾) أي: ما صحَّ الاستغفارُ في حكم الله وحكمته (﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]) من بعد ما ظهر لهم أنَّهم ماتوا على الشِّرك، فهو كالعلَّة للمنع من الاستغفار لهم، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: «﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾» (وَنَزَلَتْ) في أبي طالبٍ، وفي نسخةٍ «ونزل»: (﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]) أي: أحببت هدايته، أو أحببته لقرابته، أي:

стр. 7376

ليس ذلك إليك، إنَّما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجَّة الدَّامغة، وقد كان أبو طالبٍ يحوطه ﵊ وينصره ويحبُّه حبًّا طبيعيًّا لا شرعيًّا، فسبق القدر فيه واستمرَّ على كفره، ولله الحجَّة السَّامية، ولا تنافيَ بين هذه الآية وبين قوله (١): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] لأنَّ الذي أثبته وأضافه إليه الدَّعوة، والذي نفى عنه هداية التَّوفيق وشرح الصَّدر، ويأتي مزيدٌ لِمَا ذُكِر هنا في «تفسير سورة براءة» [خ¦٤٦٧٥] بعون الله. ٣٨٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ «حدَّثني» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ «حدَّثني» (ابْنُ الهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد اللَّيثيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح المُعجَمة والمُوحَّدة المُشدَّدة الأولى، الأنصاريِّ التَّابعيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنانٍ (الخُدْرِيِّ) بالدَّال المهملة ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ -وَذُكِرَ) بضمِّ الذَّال المعجمة وكسر الكاف (عِنْدَهُ عَمُّهُ-) أبو طالبٍ (فَقَالَ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ) بضادين مُعجَمتين مفتوحتين بينهما حاءٌ مهملةٌ، وهو ما رقَّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين ثمَّ استُعير للنَّار (يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الغين المعجمة وكسر اللَّام. وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الزُّبيريُّ الأسديُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدَّال المُهمَلة الأولى والرَّاء وبعد الألف واوٌ مفتوحةٌ وسكون الرَّاء بعدها دالٌ مُهمَلةٌ فتحتيَّةٌ، عبد العزيز بن محمَّدٍ (عَنْ يَزِيدَ) بن الهاد (بِهَذَا) الحديث المذكور (وَقَالَ: تَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ) أي: أصله، وفي رواية

стр. 7377

يونس عن ابن إسحاق: فقال: «يغلي منها دماغه حتَّى يسيل على قدميه» قال السُّهيليُّ: من باب النَّظر في حكمة الله ومشاكلة الجزاء للعمل أنَّ أبا طالبٍ كان معه ﷺ بجملته متحزِّبًا له إلَّا أنَّه كان مثبتًا لقدمه على ملَّة عبد المطَّلب حتَّى قال عند الموت: أنا على ملَّة عبد المطَّلب، فسُلِّط العذاب على قدميه خاصَّةً، لتثبيته إيَّاهما على ملَّة آبائه. (٤١) (باب حَدِيثِ الإِسْرَاءِ) سقط التَّبويب لأبي ذرٍّ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ﴾) تنزيهٌ لله تعالى عن السُّوء، وهو علمٌ للتَّسبيح؛ كعثمان للرَّجل، قال الرَّاغب: السَّبْح: المَرُّ السَّريع في الماء أو في الهواء، يُقال: سبح سبحًا وسباحةً، واستُعير لِمَرِّ النُّجوم في الفلك؛ كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] ولجري (١) الفرس: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣] ولسرعة الذَّهاب في العمل: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] (٢) والتَّسبيح أصله التَّنزيه للباري جلَّ وعلا، والمرُّ (٣) السَّريع في عبادته ، وجُعِل ذلك في فعل الخير؛ كما جُعِل الإبعاد في الشَّرِّ، وقيل: أبعده الله، ثمَّ جُعِل التَّسبيح عامًّا في العبادات قولًا كانت (٤) أو فعلًا أو نيَّةً، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] وقال : ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] و «سبحان»: أصله مصدرٌ؛ كغفران، قال أبو البقاء: «سبحان» اسمٌ واقعٌ موقع المصدر، وقد اشتقَّ منه سبَّحت والتَّسبيح، ولا يكاد يُستعمَل إلَّا مضافًا؛ لأنَّ الإضافة تبيِّن مَنْ المُعظَّم، فإذا أُفرِد عن الإضافة كان اسمًا علمًا للتَّسبيح، لا ينصرف للتَّعريف، والألف والنُّون في آخره مثل: عثمان، وقال ابن الحاجب: والدَّليل على أنَّ «سبحان» علمُ التَّسبيح قول الشَّاعر:

стр. 7378

قد قلت لمَّا جاءني فخرُه: … سبحان مِنْ علقمةَ الفاخرِ ولولا أنَّه عَلَمٌ لوجب صرفه؛ لأنَّ الألف والنُّون في غير الصِّفات إنَّما تمنع مع العلميَّة، ولا يُستعمَل (١) عَلَمًا إلَّا شاذًّا، وأكثر استعماله مضافًا وليس بعَلَمٍ، لأنَّ الأعلام لا تُضاف (﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾) سيِّدنا محمَّدٍ ﷺ ، و «أسرى» و «سرى» واحدٌ، لكن قال السُّهيليُّ: تسامح اللُّغويُّون في «سرى» و «أسرى» وجعلوهما بمعنًى واحدٍ، واتَّفقت الرُّواة على تسمية الإسراء به ﵇ إسراءً، ولم يسمِّه أحدٌ منهم «سرى» فدلَّ على أنَّهم لم يحقِّقوا فيه العبارة؛ ولذلك لم يُختلَف في تلاوة «أسرى» دون «سرى» وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] فدلَّ على أنَّ «السَّريَ» من سريتَ إذا سرتَ ليلًا، وهي مُؤنَّثَةٌ، تقول: طالت سراك اللَّيلة، والإسراء متعدٍّ في المعنى، لكن حُذِف مفعوله كثيرًا حتَّى ظنَّ أهل اللُّغة (٢) أنهَّما بمعنًى لِمَا رأوهما غير متعدِّيين في اللَّفظ إلى مفعولٍ، وإنَّما ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أي: جعل البراق يسري به، وحُذِف المفعول للدَّلالة عليه؛ إذ المقصود بالخبر ذكره، لا ذكر الدَّابَّة التي سرت به. انتهى. (﴿لَيْلاً﴾) نُصِب على الظَّرفيَّة، وقيَّده باللَّيل، والإسراء لا يكون إلَّا باللَّيل؛ للتَّأكيد، أو ليدلَّ بلفظ التَّنكير على تقليل مدَّة الإسراء، أو أنَّه أسرى به في بعض اللَّيل من مكَّة إلى الشَّام مدَّة أربعين ليلةً (﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) رُوِي أنَّه من بيت أمِّ هانئٍ، فالمراد بـ ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: الحرم كلُّه؛ لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وكان الإسراء به يقظةً؛ إذ لا فضيلة للحالم ولا مزيَّة للنَّائم (﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]) هو بيت المقدس لأنَّه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجدٌ، وهو معدن الأنبياء من لدن الخليل؛ ولذا جُمِعوا له هناك كلُّهم، فأَمَّهم في محلَّتهم ودارهم؛ ليدلَّ ذلك على أنَّه الرَّئيس المُقدَّم والإمام الأعظم ﷺ

стр. 7379

وشرَّف وكرَّم، وسقط قوله «من المسجد الحرام … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. ٣٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَنِي) بتشديد الذَّال المُعجَمة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «كذبتْني» بتاء التَّأنيث بعد المُوحَّدة (قُرَيْشٌ) أي: إذ أخبرهم أنَّه جاء بيت المقدس في ليلةٍ واحدةٍ ورجع (قُمْتُ فِي الحِجْرِ) بكسر الحاء المُهمَلة وسكون الجيم (فَجَلَا اللهُ) بالجيم وتخفيف اللَّام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «فجلَّى الله» بتشديدها: كشف (لِي بَيْتَ المَقْدِسِ) بأن أزال الحجاب بيني وبينه (فَطَفِقْتُ) بكسر الفاء وسكون القاف (أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) علاماته (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتَّى وُضِع عند دار عَقيلٍ، فَنَعَتُّه وأنا أنظر إليه» رواه البزَّار، وفي «الدَّلائل» للبيهقيِّ من طريق صالح بن كيسان عن الزُّهريِّ عن أبي سلمة قال: «افتتن ناسٌ -يعني: عقب الإسراء- فجاء ناسٌ إلى أبي بكرٍ ﵁ فذكروا له فقال: أشهد أنَّه صادقٌ، فقالوا: أوَ تصدِّقه أنَّه أتى الشَّام في ليلةٍ واحدةٍ ثمَّ رجع إلى مكَّة؟ قال: نعم أصدِّقه بأبعد من ذلك، أصدِّقه بخبر السَّماء، قال: فسُمِّي بذلك الصِّدِّيق». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧١٠]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

стр. 7380

(٤٢) (باب المِعْرَاجِ) بكسر الميم، قال في «النِّهاية»: «مِفْعَالٌ» من العروج؛ وهو الصُّعود كأنَّه آلةٌ له، وقال في «الصِّحاح»: عَرَجَ في الدَّرجة والسُّلَّم يعرُج عروجًا؛ إذا ارتقى، والمِعْرَاج السُّلَّم، ومنه: ليلة المعراج، والجمع مَعارج ومَعاريج؛ مثل: مفاتح ومفاتيح، قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحد مِعْرَج ومَعْرَج؛ مثل: مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمعارج (١): المصاعد. انتهى. وسُمِّيت بليلة المعراج لصعود النَّبيِّ ﷺ فيها، وظاهر صنيع البخاريِّ هنا أنَّ ليلة الإسراء كانت غير ليلة المعراج؛ حيث أفرد كلَّ واحدةٍ منهما بترجمةٍ، لكنَّ قوله في أوَّل «الصَّلاة»: «باب كيف فُرِضت الصَّلاة ليلة الإسراء» يدلُّ على اتِّحادهما، فإنَّ الصَّلاة إنَّما فُرِضت في المعراج، وإنَّما أفرد كلًّا منهما بترجمةٍ لأنَّ كلًّا منهما يشتمل على قصَّةٍ منفردةٍ وإن كانا وقعا معًا، والجمهور: على أنَّ وقوعهما معًا في ليلةٍ واحدةٍ في اليقظة بجسده المُكرَّم ﷺ ، وقيل: وقع ذلك مرَّتين مرَّةً في المنام توطئةً وتمهيدًا ومرَّةً في اليقظة، وذهب الأكثرون إلى أنَّه كان في ربيع الأوَّل قبل الهجرة بسنةٍ، وقيل: كان في رجبٍ، وعن الزُّهريِّ: أنَّه كان بعد المبعث بخمس سنين، ورجَّحه القرطبيُّ والنَّوويُّ، وعند ابن أبي شيبة من حديث جابرٍ وابن عبَّاسٍ ﵄ قالا: «وُلِد رسول الله ﷺ يوم الإثنين، وفيه بُعِث، وفيه عُرِج به (٢) إلى السَّماء، وفيه مات».

стр. 7381

٣٨٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ الهاء وسكون الدَّال المُهمَلة بعدها مُوحَّدةٌ، القيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن دينارٍ العَوْذِيُّ؛ بفتح العين المُهمَلة وبعد الواو السَّاكنة ذالٌ مُعجَمةٌ مكسورةٌ، قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) بفتح الصَّادين المُهمَلتين وسكون العين المُهمَلة، الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ (١)» (¬ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) فيها، بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا) كائنٌ (فِي الحَطِيمِ) أي: في الحِجْر؛ بكسر الحاء وسكون الجيم، وسقط قوله «قال» في «اليونينيَّة» (وَرُبَّمَا قَالَ فِي الحِجْرِ) بدل «الحطيم» والشَّكُّ من قتادة، وفي «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٧] «بينا أنا عند البيت» وهو أعمُّ (مُضْطَجِعًا) نُصِب على الحال (إِذْ أَتَانِي آتٍ) هو جبريل ﵇ (فَقَدَّ) بالفاء والقاف والمُهمَلة المُشدَّدة المفتوحات، شقَّ طولًا (قَالَ) قتادة: (وَسَمِعْتُهُ) أي: أنسًا (يَقُولُ: فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ) بفتح الجيم وبعد الألف راءٌ مضمومةٌ فواوٌ فدالٌ مُهمَلةٌ، ابن أبي سَبْرَة البصريِّ التَّابعيِّ صاحب أنسٍ ﵁ (وَهْو إِلَى جَنْبِي) بفتح الجيم وسكون النُّون وكسر المُوحَّدة: (مَا يَعْنِي) أنسٌ (بِهِ؟) بقوله: «فشقَّ ما بين هذه إلى هذه» (قَالَ): يعني به (مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ) بمُثلَّثةٍ مضمومةٍ وسكون المعجمة بعدها راءٌ؛ الموضع (٢) المنخفض بين التَّرقوتين (إِلَى شِعْرَتِهِ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون العين المُهمَلة: عانته، أو منبت شعرها، قال قتادة: (وَسَمِعْتُهُ) أي: سمعت

стр. 7382

أنسًا ﵁ (يَقُولُ) أيضًا: شُقَّ (مِنْ قَصِّتهِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة، رأس صدره (إِلَى شِعْرَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ) بضمِّ الهمزة (بِطَسْتٍ) بفتح الطَّاء وسكون السِّين المُهمَلتين (مِنْ ذَهَبٍ) قبل تحريم استعماله (مَمْلُوءَةٍ) بالتَّأنيث على لفظ الطَّست؛ لأنَّها مُؤنَّثةٌ، وبالجرِّ على الصِّفة (إِيمَانًا) نُصِب على التَّمييز (١)، مُلِئ حقيقةً، وتجسيدُ المعاني جائزٌ كتمثيل الموت كبشًا، أو مجازًا من باب التَّمثيل؛ كما مُثِّلت له الجنَّة والنَّار في عرض الحائط [خ¦٥٤٠] وفائدتُه: كشفُ المعنويِّ بالحسِّيِّ (فَغُسِلَ) بضمِّ الغين، أي: غَسَلَ جبريلُ (قَلْبِي) وفي «مسلمٍ» كالمؤلِّف في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٤٩] «بماءِ زمزمَ» لأنَّه أفضل المياه، وفيه تقوية القلب (ثُمَّ حُشِيَ) بضمِّ المهملة وكسر المُعجَمة، إيمانًا وحكمة، وفي «الصَّلاة»: «ثمَّ جاء بطستٍ من ذهبٍ ممتلئٍ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثمَّ أطبقه». (ثُمَّ أُعِيدَ) موضعه من الصَّدر المُقدَّس، وإنَّما أُتِي بالطَّست لأنَّه أشهر آلات الغسل عُرْفًا، وبالذَّهب لكونه أعلى الأواني الحسِّيِّة وأصفاها، وحكمة الغسل ليتقوَّى على استجلاء الأسماء الحسنى والثُّبوت في المقام الأسنى، وقد أنكر القاضي عياضٌ ﵀ شقَّ الصَّدر المُقدَّس ليلة الإسراء، وقال: إنَّما كان ذلك وهو صغيرٌ في بني سعدٍ عند مرضعته حليمة، وتعقَّبوه: بأنَّ ذلك وقع مرَّتين؛ الأولى: عند حليمة (٢) لنزع العَلَقة التي قيل له عندها: هذا حظُّ الشَّيطان منك؛ ولذا نشأ على أكمل الأحوال من العصمة، والثَّانية: عند الإسراء، وقد روى الطَّيالسيُّ والحارث في «مُسنَديهما» من حديث عائشة ﵂: أنَّ الشَّقَّ وقع مرَّةً أخرى عند مجيء جبريل ﵇ له بالوحي في غار حراء لزيادة الكرامة، وليتلقَّى الوحي بقلبٍ قويٍّ على أكمل الأحوال من التَّقديس، وقد وقع في ذلك من الخوارق ما يدهش السَّامع (٣)، فسبيلنا الإيمان به والتَّسليم من غير أن نتكلَّف إلى التَّوفيق بين المنقول والمعقول؛ للتبرُّؤ ممَّا

стр. 7383

يتوهَّم أنَّه محالٌ من شقِّ البطن وإخراج القلب المؤدِّيين للموت (١) لا محالة، ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصَّادق إلَّا في الأمر المُحَال على القدرة، وسقط قوله «ثمَّ أعيد» لغير أبي ذرٍّ (ثُمَّ أُتِيتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِدَابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ) اللَّون، والتَّذكير باعتبار المركوب، وعند الثَّعلبيِّ بسندٍ ضعيفٍ من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «لها خدٌّ كخدِّ الإنسان، وعَرْفٌ كالفرس، وقوائم كالإبل، وأظلافٌ وذَنَبٌ كالبقر، وكان صدره ياقوتةً حمراء» (فَقَالَ لَهُ) أي: لأنسٍ ﵁ (الجَارُودُ) بن أبي سَبْرَة: (هُو البُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟) استفهامٌ حُذِفت منه الأداة، و «أبو حمزة» -بالحاء المُهمَلة والزَّاي- كنية أنسٍ ﵁ (قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ) هو البراق (يَضَعُ خَطْوَهُ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون الطَّاء المُهمَلة (عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ) بفتح المُهمَلة وسكون الرَّاء بعدها فاءٌ، أي: يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره، وهو يدلُّ على أنَّه كان يمشي على وجه الأرض، وروى ابن سعدٍ عن الواقديِّ بأسانيده: «له جناحان»، ولعلَّه يشعر بأنَّه يطير بين السَّماء والأرض. (فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول (فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا) فيه حذفٌ صرَّح به البيهقيُّ في «دلائله» من حديث أبي سعيدٍ، ولفظه: «فإذا أنا بدابَّةٍ كالبغل يُقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي فركبته … » الحديث، قال: «ثمَّ دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلَّيت، ثمَّ أُتيت بالمعراج» وعند ابن إسحاق: «ولم أرَ قطُّ شيئًا أحسن منه، وهو الذي يمدُّ إليه الميت عينيه إذا حُضِر (٢)» وفي رواية كعبٍ: «فُوضِعت له مرقاةٌ من فضَّةٍ ومرقاةٌ من ذهبٍ، حتَّى عرج هو وجبريل» وفي «شرف المصطفى» لأبي سعدٍ: «أنَّه مُنضَّدٌ باللُّؤلؤ، عن يمينه ملائكةٌ وعن يساره ملائكةٌ» وعند ابن أبي حاتمٍ من رواية يزيد بن أبي مالكٍ عن أنسٍ ﵁: «فلم ألبث إلَّا يسيرًا حتَّى اجتمع ناسٌ كثيرٌ، ثمَّ أذَّن مؤذِّنٌ فأُقِيمت

стр. 7384

الصَّلاة، فأخذ بيدي جبريل فقدَّمني فصلَّيت بهم» وعند أحمد من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «فلمَّا أتى النَّبيُّ ﷺ المسجد الأقصى قام يصلِّي، فإذا النَّبيُّون أجمعون يصلُّون معه» والأظهر أنَّ صلاته بهم ببيت المقدس كانت قبل العروج، ثمَّ عُرِج به إلى السَّماء الدُّنيا (فَاسْتَفْتَحَ) جبريل (فَقِيل) ولأبي ذرٍّ «قيل»: (مَنْ هَذَا) الذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» أي: خازن السَّماء: (وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ) جبريل: معي (١) (مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) للعروج به (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أُرسِل إليه (قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ) قال ابن مالكٍ في «شواهده»: في هذا الكلام شاهدٌ على الاستغناء بالصِّلة عن الموصول، أو الصِّفة عن الموصوف في «باب نِعْم» لأنَّها تحتاج إلى فاعلٍ هو المجيء، وإلى مخصوصٍ بمعناها وهو مبتدأٌ مُخبَرٌ عنه بـ «نِعْمَ» وفاعلها، فهو في هذا الكلام وشبهه موصولٌ أو موصوفٌ بـ «جاء»، والتَّقدير: ونِعْم المجيء الذي جاء أو نِعْم المجيءُ مجيءٌ جاء، وكونه موصولًا أجودُ لأنَّه مُخبَرٌ عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفةً أَولى من كونه نكرةً (فَفَتَحَ) خازنها الباب (فَلَمَّا

стр. 7385

خَلَصْتُ) بفتح اللَّام، أي: وصلت (فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ) له جبريل: (هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ) لأنَّ المارَّ يسلِّمُ على القاعد، وإن كان المارُّ أفضلَ من القاعد (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ) عليَّ (السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ) له آدم: (مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ) جبريل (١) (حَتَّى) ولأبي ذرِّ «ثمَّ صعد بي حتَّى (٢)» (أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَح) جبريل بابها (قِيلَ) ولأبي ذرٍّ «فقيل»: (مَنْ هَذَا) الذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ): معي (مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أُرسِل إليه (قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ) الذي (جَاءَ) أو نِعْمَ المجيءُ مجيءٌ جاء (فَفَتَحَ) الخازن الباب (فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى) بن زكريَّا (وَعِيسَى) ابن مريم (وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ) لأنَّ أمَّ يحيى إيشاع بنت فاقوذ أخت حنَّة -بالحاء

стр. 7386

المُهمَلة والنُّون المُشدَّدة- بنت فاقوذ أمّ مريم؛ وذلك أنَّ عمران بن ماثان تزوَّج حنَّة، وزكريَّا تزوَّج إيشاع، فولدت إيشاعُ يحيى، وولدت حنَّةُ مريمَ، فتكون إيشاع خالة مريم، وحنَّة خالة يحيى، فهما ابنا خالةٍ بهذا الاعتبار، وليس عمران هذا أبا موسى إذ بينهما -فيما قيل- ألفٌ وثمان مئة سنةٍ، ولأبي ذرٍّ «ابنا خالةٍ» (قَالَ) جبريل له (١) ﵊: (هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ عليهما، فَرَدَّا) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَا) لي: (مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ) جبريل (بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل الباب (قِيلَ) له، ولأبي ذرٍّ «فقيل (٢)»: (مَنْ هَذَا) الذي يستفتح؟ (٣) (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ) جبريل: معي (مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ (قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ) مجيءٌ (٤) (جَاءَ، فَفُتِحَ) بضمِّ الفاء الثَّانية مبنيًّا للمفعول (فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ) لي جبريل: (هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي) جبريل (حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل (قِيلَ) له: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ: قِيلَ) ولأبي ذرٍّ «قال»: (وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) أُرسِل إليه (قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ) الذي (جَاءَ، فَفُتِحَ) -بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول- لنا (فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ) وللأربعة «فإذا إدريس» (قَالَ) جبريل: (هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) ولغير الكُشْميهَنيِّ سقوط لفظ «عليه» (فَرَدَّ) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَ) لي: (مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) فيه ردٌّ على النَّسَّابة في قولهم: إنَّ إدريس جدُّ نوحٍ، وإلَّا لقال: والابن الصَّالح كما قال آدم (ثُمَّ صَعِدَ) جبريل (بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل (قِيلَ) له: (مَنْ هَذَا) الذي استفتح؟ (٥) (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ) جبريل: (مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ) قيل: المخصوص بالمدح محذوفٌ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتَّقدير: جاء فنِعْمَ المجيءُ مجيئُه (فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ) السَّلام عليَّ (ثُمَّ قَالَ:

стр. 7387

مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي) جبريل (حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل (قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ) ولأبي ذرٍّ «قال: ومن» (مَعَكَ؟ قَالَ): معي (مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) سقطت واو «وقد» لأبي ذرٍّ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى) قال في «المصابيح»: إنَّ الفاء فيه وفي «فإذا إبراهيم» زائدةٌ (قَالَ) جبريل: (هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَ) له: (مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ) بالجيم والزَّاي، أي: موسى (بَكَى، قِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «فقيل» وفي نسخةٍ: «قال» (لَهُ: مَا يُبْكِيكَ) يا موسى؟ (قَالَ: أَبْكِي؛ لأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مَنْ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «أكثر (٢) ممَّن» (يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي) ليس بكاؤه حسدًا -حاشاه الله- بل أسفًا على ما فاته من الأجر المترتِّب عليه رفع درجته بسبب ما حصل (٣) من أمَّته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزم ذلك لنقص أجره؛ لأنَّ لكلِّ نبيٍّ مثل أجر جميع من اتَّبعه، وقوله: «غلامٌ» مراده به: أنَّه صغير السِّنِّ بالنِّسبة إليه، وقد أنعم الله عليه بما لم يُنعم به عليه مع طول عمره. (ثُمَّ صَعِدَ بِي) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ) الخليل (قَالَ) جبريل: (هَذَا أَبُوكَ) إبراهيم (فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ) وفي نسخةٍ «فقال» ولأبي ذرٍّ «ثمَّ قال»: (مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) وقد استُشْكِل رؤية الأنبياء في السَّموات مع أنَّ أجسادهم مستقرَّةٌ في قبورهم بالأرض، وأُجيب بأنَّ أرواحهم تشكَّلت في صور (٤) أجسادهم، أو أُحضِرت أجسادهم لملاقاته ﷺ تلك اللَّيلة تشريفًا له وتكريمًا (ثُمَّ رُفِعَتْ لِي) أي: لأجلي، بضمِّ الرَّاء وكسر الفاء وفتح العين المُهمَلة وتسكين (٥) الفوقيَّة (سِدْرَةُ المُنْتَهَى) التي ينتهي إليها ما يعرج من

стр. 7388

الأرض فيُقبَض منها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ثمَّ (١) رُفِعْتُ» بسكون العين وضمِّ الفوقيَّة و «إلى» الجارَّة و «سدرةِ» جَرٌّ بها، وجُمِع بين الرِّاويتين: بأنَّه رُفِع إليها وظهرت له كلَّ الظُّهور حتَّى اطَّلع عليها كلَّ الاطِّلاع (٢) (فَإِذَا نَبِقُهَا) بكسر المُوحَّدة ثمر السِّدرة (مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ) بكسر القاف، و «هَجَر» بفتح الهاء والجيم: اسم بلدٍ، لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث، ومراده: أنَّ ثمرها في الكِبَر كالجِرَار التي تُصنَع بها، وكانت معروفةً عند المخاطبين؛ فلذا وقع التَّمثيل بها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «مثل قلال الهجر» بالتَّعريف (وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الفِيَلَةِ) بكسر الفاء وفتح التَّحتيَّة، جمع فيلٍ، وقول الزَّركشيِّ: -بفتح الفاء والياء- تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه سهوٌ (قَالَ) لي جبريل: (هَذِهِ سِدْرَةُ المُنْتَهَى، وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ) تخرج من أصلها: (نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا البَاطِنَانِ؛ فَنَهَرَانِ) يجريان (٣) (فِي الجَنَّةِ) ويجريان من أصل سدرة المنتهى ثمَّ يسيران حيث يشاء الله، ثمَّ ينزلان إلى الأرض ثمَّ يسيران فيها، وقال مقاتلٌ: «الباطنان»: السَّلسبيل والكوثر (وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ؛ فَالنِّيلُ) نهر مصر (وَالفُرَاتُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة خطًّا وصلًا ووقفًا، لا بالهاء، نهر بغداد. (ثُمَّ رُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ) زاد الكُشْميهَنيُّ: «يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ» وزاد في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٧] «إذا خرجوا لم يعودوا» (ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ) فشربت منه (فَقَالَ) جبريل: (هِيَ الفِطْرَةُ) الإسلاميَّة (أَنْتَ) ولأبي ذرٍّ «التي أنت» (عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ) وفي «الأشربة» [خ¦٥٥٧٦] من حديث أبي هريرة ﵁: «ولو أخذتَ

стр. 7389

الخمر لَغَوَتْ أمَّتُك» وعند البيهقيِّ عن أنسٍ: «ولو شربتَ الماء غرقتَ وغرقتْ أمَّتُك» وفي «مسلمٍ»: أنَّ إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ويحتمل أنَّ الآنية عُرِضت عليه مرَّتين؛ مرَّةً عند فراغه من الصَّلاة ببيت المقدس ومرَّةً عند وصوله إلى سدرة المنتهى (ثُمَّ فُرِضَتْ) بالبناء للمفعول (عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ «الصَّلاة» (خَمْسُونَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ) وزاد في «الصَّلاة» [خ¦٣٤٩] «ثمَّ عُرِج بي حتَّى ظهرتُ (١) لمستوًى أسمع فيه صريف الأقلام» قال ابن حزمٍ: وفي رواية (٢) أنس بن مالكٍ: قال النبيُّ ﷺ : «ففرض الله على أمَّتي خمسين صلاةً» (فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا) ولأبي ذرٍّ «بمَ» (أُمِرْتَ؟) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (قَالَ) نبيُّنا ﷺ : قلت له: (أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (قَالَ) موسى ﵇: (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ) أن تصلِّيَ (خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (وَإِنِّي -وَاللهِ- قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ) قال ﵊: (فَرَجَعْتُ) إلى ربِّي (فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا) من الخمسين (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى) فأخبرته (فَقَالَ مِثْلَهُ): إنَّ أمَّتك لا تستطيع … إلى آخره، (فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا) من الأربعين (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا) من الثَّلاثين (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ) بالإضافة، وفي «اليونينيَّة»: «بعشرٍ» بالتَّنوين (كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (فَرَجَعْتُ) (٣) إلى موسى، سقط لفظ «فرجعت» لأبي ذرٍّ و «إلى موسى» للكلِّ (فَقَالَ) موسى (مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا) بألفٍ بعد الميم، ولأبي ذرٍّ «بمَ» (أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ) ﵊: فقلت له: (سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ) فلا أرجع، فإنِّي إن رجعت صرت غير راضٍ ولا مُسَلِّمٍ (وَلَكِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «ولكنِّي» (أَرْضَى وَأُسَلِّمُ -قَالَ-) ﵊: (فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَاني مُنَادٍ) والذي في «اليونينيَّة»: «نادى منادٍ»: (أَمْضَيْتُ

стр. 7390

فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) وهذا من أقوى ما يُستدَلُّ به على أنَّه ﷺ كلَّمه ربُّه ليلة الإسراء بغير واسطةٍ، كما قاله في «الفتح». ٣٨٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ ﵄ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي) تفسير (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ) وبذلك تمسَّك من قال: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة فسَّر الرُّؤيا بالرُّؤية من قول (١): «أُريها ليلة أُسرِي به» والإسراء إنَّما كان في اليقظة لأنَّه لو كان منامًا ما كذَّبته قريشٌ فيه، وإذا كان ذلك في اليقظة وكان المعراج في تلك اللَّيلة لزم أن يكون في اليقظة أيضًا، إذ لم يقل أحدٌ إنَّه نام لمَّا وصل إلى بيت المقدس ثمَّ عُرِج به وهو نائمٌ وإنَّما كان في اليقظة، فإضافة الرُّؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب (قَالَ) ابن عبَّاسٍ ﵄: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) واختاره ابن جريرٍ قال (٢): لإجماع الحجة من أهل التَّأويل على ذلك، أي: في الرُّؤيا والشَّجرة، فإن قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزَّقُّوم؛ أُجيب بأنَّ المعنى: والشَّجرة الملعون آكلوها وهم الكفَّار؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] فُوصِفت بلعن أهلها على المجاز، ولأنَّ العرب تقول لكلِّ طعامٍ مكروهٍ وضارٍّ: ملعونٌ، ولأنَّ اللَّعن هو الإبعادُ من الرَّحمة، وهي في ﴿أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] في أبعد مكانٍ من الرَّحمة. (٤٣) (باب وُفُودِ الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، وَبَيْعَةِ العَقَبَةِ) بمنًى في الموسم، وكان ﷺ يعرض نفسه على القبائل كلَّ موسمٍ، فلقي عند العقبة ستَّة نفرٍ من
следующие страницы →