← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

المُهمَلة والنُّون المُشدَّدة- بنت فاقوذ أمّ مريم؛ وذلك أنَّ عمران بن ماثان تزوَّج حنَّة، وزكريَّا تزوَّج إيشاع، فولدت إيشاعُ يحيى، وولدت حنَّةُ مريمَ، فتكون إيشاع خالة مريم، وحنَّة خالة يحيى، فهما ابنا خالةٍ بهذا الاعتبار، وليس عمران هذا أبا موسى إذ بينهما -فيما قيل- ألفٌ وثمان مئة سنةٍ، ولأبي ذرٍّ «ابنا خالةٍ» (قَالَ) جبريل له (١) ﵊: (هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ عليهما، فَرَدَّا) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَا) لي: (مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ) جبريل (بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل الباب (قِيلَ) له، ولأبي ذرٍّ «فقيل (٢)»: (مَنْ هَذَا) الذي يستفتح؟ (٣) (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ) جبريل: معي (مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ (قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ) مجيءٌ (٤) (جَاءَ، فَفُتِحَ) بضمِّ الفاء الثَّانية مبنيًّا للمفعول (فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ) لي جبريل: (هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي) جبريل (حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل (قِيلَ) له: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ: قِيلَ) ولأبي ذرٍّ «قال»: (وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) أُرسِل إليه (قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ) الذي (جَاءَ، فَفُتِحَ) -بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول- لنا (فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ) وللأربعة «فإذا إدريس» (قَالَ) جبريل: (هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) ولغير الكُشْميهَنيِّ سقوط لفظ «عليه» (فَرَدَّ) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَ) لي: (مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) فيه ردٌّ على النَّسَّابة في قولهم: إنَّ إدريس جدُّ نوحٍ، وإلَّا لقال: والابن الصَّالح كما قال آدم (ثُمَّ صَعِدَ) جبريل (بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل (قِيلَ) له: (مَنْ هَذَا) الذي استفتح؟ (٥) (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ) جبريل: (مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ) قيل: المخصوص بالمدح محذوفٌ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتَّقدير: جاء فنِعْمَ المجيءُ مجيئُه (فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ) السَّلام عليَّ (ثُمَّ قَالَ:

стр. 7387

مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي) جبريل (حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ) جبريل (قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ) ولأبي ذرٍّ «قال: ومن» (مَعَكَ؟ قَالَ): معي (مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) سقطت واو «وقد» لأبي ذرٍّ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى) قال في «المصابيح»: إنَّ الفاء فيه وفي «فإذا إبراهيم» زائدةٌ (قَالَ) جبريل: (هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَ) له: (مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ) بالجيم والزَّاي، أي: موسى (بَكَى، قِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «فقيل» وفي نسخةٍ: «قال» (لَهُ: مَا يُبْكِيكَ) يا موسى؟ (قَالَ: أَبْكِي؛ لأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مَنْ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «أكثر (٢) ممَّن» (يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي) ليس بكاؤه حسدًا -حاشاه الله- بل أسفًا على ما فاته من الأجر المترتِّب عليه رفع درجته بسبب ما حصل (٣) من أمَّته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزم ذلك لنقص أجره؛ لأنَّ لكلِّ نبيٍّ مثل أجر جميع من اتَّبعه، وقوله: «غلامٌ» مراده به: أنَّه صغير السِّنِّ بالنِّسبة إليه، وقد أنعم الله عليه بما لم يُنعم به عليه مع طول عمره. (ثُمَّ صَعِدَ بِي) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ) الخليل (قَالَ) جبريل: (هَذَا أَبُوكَ) إبراهيم (فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ) وفي نسخةٍ «فقال» ولأبي ذرٍّ «ثمَّ قال»: (مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) وقد استُشْكِل رؤية الأنبياء في السَّموات مع أنَّ أجسادهم مستقرَّةٌ في قبورهم بالأرض، وأُجيب بأنَّ أرواحهم تشكَّلت في صور (٤) أجسادهم، أو أُحضِرت أجسادهم لملاقاته ﷺ تلك اللَّيلة تشريفًا له وتكريمًا (ثُمَّ رُفِعَتْ لِي) أي: لأجلي، بضمِّ الرَّاء وكسر الفاء وفتح العين المُهمَلة وتسكين (٥) الفوقيَّة (سِدْرَةُ المُنْتَهَى) التي ينتهي إليها ما يعرج من

стр. 7388

الأرض فيُقبَض منها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ثمَّ (١) رُفِعْتُ» بسكون العين وضمِّ الفوقيَّة و «إلى» الجارَّة و «سدرةِ» جَرٌّ بها، وجُمِع بين الرِّاويتين: بأنَّه رُفِع إليها وظهرت له كلَّ الظُّهور حتَّى اطَّلع عليها كلَّ الاطِّلاع (٢) (فَإِذَا نَبِقُهَا) بكسر المُوحَّدة ثمر السِّدرة (مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ) بكسر القاف، و «هَجَر» بفتح الهاء والجيم: اسم بلدٍ، لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث، ومراده: أنَّ ثمرها في الكِبَر كالجِرَار التي تُصنَع بها، وكانت معروفةً عند المخاطبين؛ فلذا وقع التَّمثيل بها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «مثل قلال الهجر» بالتَّعريف (وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الفِيَلَةِ) بكسر الفاء وفتح التَّحتيَّة، جمع فيلٍ، وقول الزَّركشيِّ: -بفتح الفاء والياء- تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه سهوٌ (قَالَ) لي جبريل: (هَذِهِ سِدْرَةُ المُنْتَهَى، وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ) تخرج من أصلها: (نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا البَاطِنَانِ؛ فَنَهَرَانِ) يجريان (٣) (فِي الجَنَّةِ) ويجريان من أصل سدرة المنتهى ثمَّ يسيران حيث يشاء الله، ثمَّ ينزلان إلى الأرض ثمَّ يسيران فيها، وقال مقاتلٌ: «الباطنان»: السَّلسبيل والكوثر (وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ؛ فَالنِّيلُ) نهر مصر (وَالفُرَاتُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة خطًّا وصلًا ووقفًا، لا بالهاء، نهر بغداد. (ثُمَّ رُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ) زاد الكُشْميهَنيُّ: «يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ» وزاد في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٧] «إذا خرجوا لم يعودوا» (ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ) فشربت منه (فَقَالَ) جبريل: (هِيَ الفِطْرَةُ) الإسلاميَّة (أَنْتَ) ولأبي ذرٍّ «التي أنت» (عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ) وفي «الأشربة» [خ¦٥٥٧٦] من حديث أبي هريرة ﵁: «ولو أخذتَ

стр. 7389

الخمر لَغَوَتْ أمَّتُك» وعند البيهقيِّ عن أنسٍ: «ولو شربتَ الماء غرقتَ وغرقتْ أمَّتُك» وفي «مسلمٍ»: أنَّ إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ويحتمل أنَّ الآنية عُرِضت عليه مرَّتين؛ مرَّةً عند فراغه من الصَّلاة ببيت المقدس ومرَّةً عند وصوله إلى سدرة المنتهى (ثُمَّ فُرِضَتْ) بالبناء للمفعول (عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ «الصَّلاة» (خَمْسُونَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ) وزاد في «الصَّلاة» [خ¦٣٤٩] «ثمَّ عُرِج بي حتَّى ظهرتُ (١) لمستوًى أسمع فيه صريف الأقلام» قال ابن حزمٍ: وفي رواية (٢) أنس بن مالكٍ: قال النبيُّ ﷺ : «ففرض الله على أمَّتي خمسين صلاةً» (فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا) ولأبي ذرٍّ «بمَ» (أُمِرْتَ؟) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (قَالَ) نبيُّنا ﷺ : قلت له: (أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (قَالَ) موسى ﵇: (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ) أن تصلِّيَ (خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (وَإِنِّي -وَاللهِ- قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ) قال ﵊: (فَرَجَعْتُ) إلى ربِّي (فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا) من الخمسين (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى) فأخبرته (فَقَالَ مِثْلَهُ): إنَّ أمَّتك لا تستطيع … إلى آخره، (فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا) من الأربعين (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا) من الثَّلاثين (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ) بالإضافة، وفي «اليونينيَّة»: «بعشرٍ» بالتَّنوين (كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (فَرَجَعْتُ) (٣) إلى موسى، سقط لفظ «فرجعت» لأبي ذرٍّ و «إلى موسى» للكلِّ (فَقَالَ) موسى (مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ) وليلةٍ (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا) بألفٍ بعد الميم، ولأبي ذرٍّ «بمَ» (أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ) ﵊: فقلت له: (سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ) فلا أرجع، فإنِّي إن رجعت صرت غير راضٍ ولا مُسَلِّمٍ (وَلَكِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «ولكنِّي» (أَرْضَى وَأُسَلِّمُ -قَالَ-) ﵊: (فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَاني مُنَادٍ) والذي في «اليونينيَّة»: «نادى منادٍ»: (أَمْضَيْتُ

стр. 7390

فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) وهذا من أقوى ما يُستدَلُّ به على أنَّه ﷺ كلَّمه ربُّه ليلة الإسراء بغير واسطةٍ، كما قاله في «الفتح». ٣٨٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ ﵄ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي) تفسير (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ) وبذلك تمسَّك من قال: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة فسَّر الرُّؤيا بالرُّؤية من قول (١): «أُريها ليلة أُسرِي به» والإسراء إنَّما كان في اليقظة لأنَّه لو كان منامًا ما كذَّبته قريشٌ فيه، وإذا كان ذلك في اليقظة وكان المعراج في تلك اللَّيلة لزم أن يكون في اليقظة أيضًا، إذ لم يقل أحدٌ إنَّه نام لمَّا وصل إلى بيت المقدس ثمَّ عُرِج به وهو نائمٌ وإنَّما كان في اليقظة، فإضافة الرُّؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب (قَالَ) ابن عبَّاسٍ ﵄: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) واختاره ابن جريرٍ قال (٢): لإجماع الحجة من أهل التَّأويل على ذلك، أي: في الرُّؤيا والشَّجرة، فإن قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزَّقُّوم؛ أُجيب بأنَّ المعنى: والشَّجرة الملعون آكلوها وهم الكفَّار؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] فُوصِفت بلعن أهلها على المجاز، ولأنَّ العرب تقول لكلِّ طعامٍ مكروهٍ وضارٍّ: ملعونٌ، ولأنَّ اللَّعن هو الإبعادُ من الرَّحمة، وهي في ﴿أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] في أبعد مكانٍ من الرَّحمة. (٤٣) (باب وُفُودِ الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، وَبَيْعَةِ العَقَبَةِ) بمنًى في الموسم، وكان ﷺ يعرض نفسه على القبائل كلَّ موسمٍ، فلقي عند العقبة ستَّة نفرٍ من

стр. 7391

الخزرج وهم: أبو أُمامة (١) أسعد بن زُرارة وعوف بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء، ورافع بن مالكٍ (٢) العجلانيُّ (٣) وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابي وجابر بن عبد الله بن رِئَابٍ، ومن أهل العلم بالسِّيَر من يجعل فيهم عُبادة بن الصَّامت بدل جابر بن ربابٍ، فدعاهم ﷺ إلى الإسلام فآمنوا وقالوا: إنَّا تركنا قومنا وبينهم حروبٌ، فننصرف فندعوهم إلى ما دعوتنا إليه، فلعلَّ الله أن يجمعهم بك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتَّبعوك فلا أحدٌ أعزّ منك، وانصرفوا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام حتَّى فشا فيهم، ولم تبق دارٌ من دور الأنصار إلَّا وفيها ذِكْرُ رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا كان العام المقبل قدم مكَّة من الأنصار اثنا عشر رجلًا؛ منهم خمسةٌ من السِّتَّة الذين ذكرناهم وهم: أبو أُمامة و (٤) عوف ابن عفراء ورافع بن (٥) مالكٍ وقطبة وعقبة، وبقيَّتهم: معاذ بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء، أخو عوفٍ المذكور، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة الزُّرقيُّ وعبادة بن الصَّامت بن قيس بن أصرم وأبو عبد الرَّحمن يزيد بن ثعلبة البلويُّ (٦) حليف بني عصيَّة من بليٍّ، والعبَّاس بن عبادة بن نضلة، وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس رجلان: أبو الهيثم بن التَّيِّهان من بني عبد الأشهل وعُوَيم (٧) بن ساعدة من بني عمرو بن عوفٍ حليفٌ لهم، فبايعوه عند العقبة على بيعة النِّساء، وبعث معهم ﷺ ابن أمِّ مكتومٍ ومصعب بن عُمَيرٍ يعلِّمان (٨) مَنْ أسلمَ منهم القرآن وشرائع الإسلام، ويدعوان من لم يُسلم إلى الإسلام، فأسلم على يدِ مُصعبٍ خلقٌ كثيرٌ من الأنصار، ولم يبقَ في بني عبد الأشهل أحدٌ من الرِّجال والنِّساء إلَّا أسلم حاشا الأُصَيْرم عمرو بن ثابت بن وقشٍ، فإنَّه تأخَّر إسلامه إلى يوم أُحُدٍ، فأسلم واستُشهِد، ولم يسجد لله سجدةً واحدةً،

стр. 7392

وأَخبرَ ﵊ أنَّه من أهل الجنَّة، ثمَّ خرج جماعةٌ كثيرةٌ ممَّن أسلم من الأنصار يريدون لقاءه ﷺ في جملةِ قومٍ كفَّارٍ منهم، فوافوا مكَّة، فواعدوه العقبة من أوسط أيَّام التَّشريق، فبايعوه عند العقبة على أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يرحل إليهم هو وأصحابه، وحضر العبَّاس تلك اللَّيلة موثِّقًا لرسول الله ﷺ ومؤكِّدًا على أهل يثرب، وكان يومئذٍ على دين قومه، وكان للبراء بن معرورٍ في تلك اللَّيلة المقام المحمود في التَّوثيق، وكان المبايعون تلك اللَّيلة سبعين رجلًا وامرأتين، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، اسم جدِّه، واسم أبيه عبد الله، المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ إمام المصريِّين (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، قال المؤلِّف: (ح (١): وحَدَّثَنَا) بالواو الثَّابتة في رواية أبي ذرٍّ (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بفتح العين والسِّين المهملتين بينهما نونٌ ساكنةٌ فمُوحَّدةٌ مفتوحةٌ، ابن خالد ابن يزيد الأيليُّ قال: (حَدَّثَنَا) عمِّي (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ، واللَّفظ لعُقَيلٍ لا ليونس (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ) أبيه (حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ «عن (٢) رسول الله» (¬ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) الحديث

стр. 7393

(-بِطُولِهِ- قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ) أي: حديث عُقَيلٍ: (وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ) وفي نسخةٍ «مع رسول الله» (¬ ﷺ ¬) وضُبِّب في الفرع على لفظ «النَّبيِّ» (لَيْلَةَ العَقَبَةِ) الثَّالثة (حِينَ تَوَاثَقْنَا) بالمُثلَّثة والقاف (عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا) أي: بدلها (مَشْهَدَ بَدْرٍ) فالباءُ باءُ البدليَّة (وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ) بفتح الهمزة وسكون المُعجَمة وفتح الكاف، أي: أكثر شهرةً (فِي النَّاسِ مِنْهَا) لأنَّ ليلة العقبة المذكورة كانت أوَّل الإسلام، ومنها فشا وتأكَّد أساسه. وهذا الحديث مرَّ في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٧] و «الجهاد» [خ¦٢٩٤٧] وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤١٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٧٣] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٥٥] و «الأحكام» [خ¦٧٢٢٥] مُطوَّلًا ومختصرًا. ٣٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: كَانَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرامٍ -بالمُهمَلتين- ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: شَهِدَ بِي) بالمُوحَّدة قبل التَّحتيَّة السَّاكنة (خَالَايَ) تثنية خالٍ مضافٌ لياء المتكلِّم المُخفَّفة (العَقَبَةَ) الثَّالثة. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ المؤلِّف، ولأبي ذرٍّ «قال عبد الله بن محمَّدٍ» أي: الجعفيُّ المُسنَديُّ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ: (أَحَدُهُمَا) أي: خالَي جابرٍ (البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ) بمُهمَلاتٍ، وأمُّ جابرٍ اسمها نُسيبة -بضمِّ النُّون- بنت عُقْبة (١) -بضمِّ العين وسكون القاف- ابن عديٍّ، وأخواها ثعلبةُ وعمرٌو، وهما خالا جابرٍ، وقد شهدا العقبة الأخيرة، وأمَّا البراء بن معرورٍ فليس من أخوال جابرٍ، لكنَّه -كما قال في «الفتح» كالكِرمانيِّ-: من أقارب أمِّه، وأقارب الأمِّ يُسمَّون أخوالًا مجازًا.

стр. 7394

٣٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا: هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (قَالَ جَابِرٌ) الأنصاريُّ: (أَنَا وَأَبِي) عبدُ الله (وَخَالِي) بكسر اللَّام؛ بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «وخالَاي» بالتَّثنية (مِنْ أَصْحَابِ العَقَبَةِ) الثَّالثة، وكان جابرٌ أصغر من شهدها. ٣٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن عبد الله (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ) بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمة ممدودًا (بْنُ عَبْدِ اللهِ) الخولانيُّ، أحد الأعلام، سقط «ابن عبد الله» من «اليونينيَّة»: (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) ﵁، ابن قيسٍ (مِنَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ) وهو أحد النُّقباء، وأحد السِّتَّة أهل العقبة الأولى -في قول بعضهم- وأحد الاثني عشر أهل الثَّانية، وأحد (١) السَّبعين في الثَّالثة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ -وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ) بكسر العين المُهمَلة (مِنْ أَصْحَابِهِ-: تَعَالَوْا) بفتح اللَّام (بَايِعُونِي) عاقِدوني (عَلَى) التَّوحيد (أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا) شيئًا (وَ) على أن (لَا تَزْنُوا، وَ) على أن (لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا

стр. 7395

تَأْتُونَ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر «ولا تأتوا» بحذف النُّون عطفًا على المنصوب السَّابق (بِبُهْتَانٍ) بكذبٍ يبهت سامعه (تَفْتَرُونَهُ) تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي: من قِبَل أنفسكم، فكُنِّي باليد والرِّجل عن الذَّات؛ لأنَّ مُعظَم الأفعال بها (وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ) قاله ﷺ تطييبًا لقلوبهم، وإلَّا فهو ﷺ لا يأمر إلَّا بالمعروف (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ) -بتخفيف الفاء- بالعهد (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا (وَمَنْ أَصَابَ) منكم -أيُّها المؤمنون- (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك (فَعُوقِبَ بِهِ) بسببه (فِي الدُّنْيَا) بإقامة الحدِّ عليه (فَهْوَ) أي: العقاب (لَهُ كَفَّارَةٌ) فلا يُعاقَب عليه في الآخرة (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا، فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ) مَفوَّضٌ (إِلَى اللهِ) تعالى (إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدلِه (وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضلِه (قَالَ) عبادة: (فَبَايَعْتُهُ) وفي نسخةٍ «فبايعناه» (عَلَى ذَلِكَ). وهذا الحديث سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦١٨]. ٣٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) من الزِّيادة، و «حَبِيبٍ» بالحاء المُهمَلة المفتوحة والمُوحَّدتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، الأزديِّ أبي رجاءٍ، عالمُ مصر (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد -بفتح الميم والمُثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ وآخره دالٌ مُهمَلةٌ - ابن عبد الله المصريِّ (عَنِ الصُّنَابِحِيِّ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلة وفتح النُّون المُخفَّفة وبعد الألف مُوحَّدةٌ مكسورةٌ فحاءٌ مُهمَلةٌ، عبد الرَّحمن بن عُسَيلة -بضمِّ العين وفتح السِّين المُهمَلتين مُصغَّرًا- التَّابعيِّ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) بن قيسٍ أبي الوليد الخزرجيِّ (¬﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ) الاثني عشر (الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ليلة العقبة الثَّالثة

стр. 7396

على الإيواء والنُّصرة وغيرهما (وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ) أي: في وقتٍ آخر (عَلَى أَلَّا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا) على ترك الإشراك (وَ) أن (لَا نَسْرِقَ) بحذف المفعول؛ ليدلَّ على العموم (وَ) أن (لَا نَزْنِيَ) بالنَّصب عطفًا على سابقه (وَ) أن (لَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَلَا نَنْتَهِبَ) بنونين الأولى مفتوحةٌ والثَّانية ساكنةٌ ففوقيَّةٌ مفتوحةٌ فهاءٌ مكسورةٌ فمُوحَّدةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «ولا ننهَب» بحذف الفوقيَّة وفتح الهاء، أي: لا نأخذ مال أحدٍ بغير حقٍّ (وَ) أن (لَا نَعْصِيَ) بالعين والصَّاد المُهمَلتين، أي: لا نعصي الله في معروفٍ (بِالجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ) متعلِّقٌ بقوله: «بايعناه» أي: بايعناه على أَلَّا نفعل شيئًا ممَّا ذُكِر (١) بمقابلة الجنَّة، وللكُشْمِيهَنِيِّ «ولا (٢) نقضي» بالقاف والضَّاد المُعجَمة، وهو تصحيفٌ، وتكلَّف بعضهم في تأويله، فقال: نهاهم عن ولاية القضاء، قال في «الفتح»: وهذا يبطله أنَّ عُبادةَ وَلِيَ قضاءَ فلسطين في زمن عمر ﵁، وقيل: إنَّ قوله: «بالجنَّة» متعلِّقٌ بـ «نقضي» أي: لا نقضي بالجنَّة لأحدٍ مُعيَّنٍ، بل الأمر موكولٌ إلى الله تعالى لا حكمَ لنا فيه، لكن يبقى قوله: «إن فعلنا ذلك» لا جواب له (فَإِنْ غَشِينَا) بالغين المفتوحة والشِّين المكسورة المُعجَمتين والتَّحتيَّة السَّاكنة، أي: إن أصبنا (مِنْ ذَلِكَ) المنهيِّ عنه (شَيْئًا؛ كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ) مُفوَّضًا (إِلَى اللهِ) ، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، وظاهر صنيع المؤلِّف: أنَّ هذه المبايعة وقعت ليلة العقبة، وبه جزم القاضي عياضٌ وآخرون. وقال ابن حجرٍ: إنَّما هي مبايعةٌ أخرى غير ليلة العقبة، وإنَّما الذي في العقبة: «أن تمنعوني ممَّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم … » إلى آخره، ثمَّ صدرت بعدُ مبايعاتٌ أخرى؛ منها هذه التي ذكر فيها هذه المنهيَّات، ويقوِّي ذلك نزول آية الممتحنة فإنَّها بعد فتح مكَّة، ولقوله في رواية مسلمٍ والنَّسائيِّ: «كما أَخَذَ على النِّساء» بل عند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ: «ثمَّ بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايع عليه النِّساء يوم فتح مكَّة» فظهر أنَّ هذه البيعة إنَّما صدرت بعد نزول الآية، بل بعد صدور بيعة العقبة (٣)، فصحَّ تغاير البيعتين: بيعة الأنصار قبل الهجرة وبيعةٍ أخرى بعد فتح مكَّة، وإنَّما وقع الالتباس من جهة أنَّ عبادة بن الصَّامت حضر

стр. 7397

البيعتين، ولمَّا كانت بيعة العقبة من أَجَلِّ ما يُتمدَّح (١) به، فكان يذكرها إذا حدَّث تنويهًا بسابقته، ويؤيِّده أيضًا قوله في هذا الحديث الأخير: «ولا ننتهب» لأنَّ الجهاد لم يكن فُرِض، والمراد بالانتهاب -كما قاله في «الفتح» -: ما يقع بعد القتال، لكنَّ تفسيرَ الانتهاب بذلك على الخصوص غيرُ ظاهرٍ على ما لا يخفى، لكن روى ابن إسحاق بسنده عن عبادة قال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنَّا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النِّساء» أي: على وفق بيعة النِّساء التي نزلت بعد ذلك عند فتح مكَّة، ففيه الجزم بأنَّها ليلة العقبة، وأُجيب بأنَّه اتَّفق وقوع ذلك قبل نزول الآية، وأُضِيفت للنِّساء لضبطها بالقرآن، والرَّاجح أنَّ التَّصريح بذلك وهمٌ من بعض الرُّواة، والذي دلَّ عليه الأحاديث أنَّ البيعات ثلاثةٌ: العقبة: وكانت قبل فرض الحرب، والثَّانية: بعد الحرب على عدم الفرار، والثَّالثة: على نظير بيعة النِّساء. وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الإيمان» [خ¦١٨]. (٤٤) (بابُ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ عَائِشَةَ) ﵂ (وَقُدُومِهَا المَدِينَةَ) بعد الهجرة (وَبِنَائِهِ) ﵊ (بِهَا) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ فـ «تزويج» و «بناء» رَفْعٌ على ما لا يخفى. ٣٨٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «حدَّثنا» (فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون

стр. 7398

الغين المُعجَمة ممدودًا، الكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون المُهمَلة، قاضي الموصل، القرشيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي) أي: عقدَ عليَّ (النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ) أنا وأمِّي أمُّ رومان وأختي أسماء بعد النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ ﵁ (فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ) ولأبي ذرٍّ «ابن (١) الخزرج» (فَوُعِكْتُ) بضمِّ الواو وسكون الكاف، أي: حُمِمْتُ (فَتَمَرَّقَ) بالرَّاء المهملة (٢) المُشدَّدة، وكذا للكشميهنيِّ (٣)، أي: انتتف (شَعَرِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فتمزَّق» بالزَّاي، أي: انقطع، لكن قال القاضي عياضٌ: إنَّه بالزَّاي عند الكُشْميهَنيِّ عكس ما هنا (فَوَفَى) بتخفيف الفاء، أي: كَثُر، وفيه حذفٌ تقديره: ثمَّ نصلت من الوعك، فتربَّى شعري، فكَثُر (جُمَيْمَةًٌ) بضمِّ الجيم وفتح الميمين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، مُصغَّر «جُمَّةٍ» -بضمِّ الجيم- من شعر الرَّأس ما سقط عن (٤) المنكبين، فإذا كان إلى شحمة الأذنين سُمِّي وفرة، و «جميمةًٌ» بالرفع على الفاعلية، وفي الفرع بالنصب (فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ) زينب الفراسيَّة (وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ) بضمِّ الهمزة وسكون الرَّاء وضمِّ الجيم وبعد الواو حاءٌ مُهمَلةٌ؛ حبلٍ يُشَدُّ في كلٍّ من طرفيه خشبةٌ، فيجلس واحدٌ على طرفٍ، وآخر على الآخر، ويُحرَّكان فيميل أحدهما بالآخر؛ نوعٌ من لعب الصِّغار (وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي) بغير تنوينٍ (فَصَرَخَتْ بِي، فَأَتَيْتُهَا لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «ما» (أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي) وللكشميهنيِّ «منِّي» (فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لأُ َنْهَِجُ) بالنُّون والجيم مع فتح الهمزة والهاء، وبضمِّ الهمزة وكسر الهاء، أي: أتنفَّس نفسًا عاليًا من الإعياء (حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ

стр. 7399

نَفَسِي) بفتح الفاء (ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم أعرف أسماءهنَّ (فِي البَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ) أي: على خير حظٍّ ونصيبٍ (فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وسكون العين المهملة، فلم يفجأني (إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) قد دخل عليَّ (ضُحًى) على غير علمٍ (فَأَسْلَمْنَنِي) النِّسوة الأنصاريَّات (إِلَيْهِ) وعند أحمد من وجهٍ آخر: «فوقفت بي عند الباب حتَّى سكنت نفسي … الحديث» وفيه: «فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ على سرير وعنده رجالٌ ونساءٌ من الأنصار، فأجلستني (١) في حجره، ثمَّ قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله، بارك الله لك فيهم، فوثب الرِّجال والنِّساء، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا» (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ) وكان ذلك في شوَّالٍ من السَّنة الأولى من الهجرة (٢) أو الثَّانية، وقولها في حديث أحمد ﵁ «وبنى بي» - يردُّ قول (٣) الجوهريِّ في «الصِّحاح»: العامَّة تقول: بنى بأهله، وهو خطأٌ، وإنَّما يُقال: بنى على أهله، والأصل فيه (٤): أنَّ (٥) الدَّاخل على أهله يضرب عليه قبَّة ليلة الدُّخول، ثمَّ قيل: لكلِّ داخلٍ بأهله بانٍ. انتهى. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في «النِّكاح».

стр. 7400

٣٨٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلًّى) بضمِّ الميم وفتح العين واللَّام مُشدَّدةٌ مُنوَّنةٌ، ابن أسدٍ أبو الهيثم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) مُصغَّرًا، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة ابن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: أُرِيتُكِ) بضمِّ الهمزة (فِي المَنَامِ مَرَّتَيْنِ) وفي روايةٍ: «ثلاث مرَّاتٍ» (أَرَى) بفتح الهمزة والرَّاء (أَنَّكِ) بكسر الكاف (فِي سَرَقَةٍ) بفتح السِّين المهملة والرَّاء والقاف: في قطعةٍ (مِنْ حَرِيرٍ) والمراد: أنَّه يريد (١) صورتها (وَيَقُولُ) أي: جبريل، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ويُقال»: (هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُ) عن وجهكِ؛ بهمزة قطعٍ وضمِّ الفاء في الفرع و «النَّاصريَّة»، والذي في «اليونينيَّة» بهمزة وصلٍ والجزم، فعل أمرٍ، وزاد في «اليونينيَّة» «عنها» (فَإِذَا هِيَ أَنْتِ) وفي روايةٍ: «فإذا أنتِ هي» أي: مثل الصُّورة التي رأيتها في المنام، وهو تشبيهٌ بليغٌ؛ حيث حُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه؛ كقوله: كنت أظنُّ أنَّ العقرب أشدُّ لسعةً من الزُّنبور فإذا هو هي، أي: فإذا الزُّنبور مثل

стр. 7401

العقرب، فحذف الأداة مبالغةً فحصل التَّشابه (فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ (١) اللهِ يُمْضِهِ) بضمِّ أوَّله، قال في «شرح المشكاة»: هذا الشَّرط ممَّا يقوله المتحقِّق لثبوت الأمر المدلِّ بصحَّته تقريرًا لوقوع الجزاء وتحقُّقه، ونحوه قول (٢) السُّلطان لمن تحت قهره: إن كنتُ سلطانًا انتقمتُ منك، أي: السَّلطنة مقتضيةٌ للانتقام، وقال القاضي عياضٌ: يحتمل أن يكون ذلك قبل البعثة فلا إشكال فيه، وإن كان بعدها ففيه ثلاث احتمالاتٍ؛ التَّردُّد هل هي زوجته في الدُّنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط، أو أنَّه لفظُ شكٍّ لا يُراد به ظاهره وهو نوعٌ من البديع عند أهل البلاغة يسمُّونه: تجاهل العارف، وسمَّاه بعضهم: مزج الشَّكِّ باليقين، أو وجه التَّردُّد؛ هل هي رؤيا وحيٍ على ظاهرها وحقيقتها، أو رؤيا وحيٍ لها تعبيرٌ، وكِلا الأمرين جائزٌ في حقِّ الأنبياء. انتهى. قال في «الفتح»: الأخير هو المُعتمَد، وبه جزم السُّهيليُّ عن ابن العربيِّ، ثمَّ (٣) قال: وتعبيره باحتمال غيرها لا أرضاه، والأوَّل يردُّه أنَّ السِّياق يقتضي أنَّها كانت قد وُجِدت، فإنَّ ظاهر قوله: «فإذا هي أنت» يشعر بأنَّه كان قد رآها وعرفها (٤) قبل ذلك، والواقع أنَّها وُلِدت بعد البعثة، ويردُّ أوَّل الاحتمالات الثَّلاثة رواية ابن حبَّان في آخر حديث الباب: هي زوجته (٥) في الدُّنيا والآخرة، والثَّاني بعيدٌ. ٣٨٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (٦)، ولغير أبي ذرٍّ «حدَّثني» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، من غير إضافةٍ، الهَبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُوأُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير أنَّه (قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ) أمُّ المؤمنين ﵂ (قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من

стр. 7402

مكَّة (إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ) وقيل: بأربعٍ، وقيل: بخمسٍ (فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَو قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ) لم يدخل على أحدٍ من النِّساء، ثمَّ دخل على سودة بنت زمعة قبل أن يهاجر وقبل أن يعقد على عائشة ﵂ كما قاله قتادة وغيره، ولم يذكر ابن قتيبة غيرَه، وقيل: بعد عائشة (وَنَكَحَ عَائِشَةَ) أي: عقد عليها في شوَّالٍ (وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ بَنَى بِهَا) في شوَّالٍ بعد أن هاجر (وَهْيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ) ومكثت عنده ﷺ تسعًا، وتُوفِّي وهي بنت ثمان عشرة، وثبت قوله: «سنين» بعد «ستِّ» لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ، وسقطت بعد «تسع» لأبي ذرٍّ (١). وهذا الحديث مُرسَلٌ؛ لأنَّ عروة لم يحضر القصَّة، لكنَّ الأقرب (٢) أنَّه تحمَّلَه عن عائشة ﵂ لكثرة علمه بأحوالها. (٤٥) (باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بإذن الله له في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] بعد بيعة العقبة بشهرين وبضعة عشر يومًا (وَأَصْحَابِهِ) أبي بكرٍ وعامر بن فهيرة وصاحبين له (٣) من مكَّة (إِلَى المَدِينَةِ) وكان قد هاجر بين العقبتين جماعةٌ؛ ابنُ أمِّ مكتومٍ وغيره، وسقط «باب» لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) ممَّا وصله في «غزوة حُنَينٍ» [خ¦٤٣٣٠] (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا سبق موصولًا في «مناقب الأنصار» [خ¦٣٧٧٩] (¬﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ) قاله جوابًا لقولهم: إنَّه أحبَّ الإقامة بموطنه بمكَّة، أي: لولا الهجرة لكنت أنصاريًّا صرفًا، فلم يمنعني مانعٌ من المقام بمكَّة، لكنَّني اتَّصفت بصفة الهجرة، والمهاجر لا يقيم بالبلد التي هاجر منها مستوطنًا، فلتطمئنَّ قلوبكم بعدم التَّحوُّل عنكم.

стр. 7403

(وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي) بفتح الواو والهاء، ظنِّي (إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ) مدينةٌ من اليمن على مرحلتين من الطَّائف (أَو هَجَرُ) بفتح الهاء والجيم: بلدٌ معروفٌ من البحرين، وهي مساكن عبد القيس، أو هي قريةٌ بقرب المدينة، وصوَّب في «الفتح» الأوَّلَ، ولأبي ذرٍّ «أو الهجر»؛ بأداة التَّعريف (فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ) بالمُثلَّثة، وهذا وصله في «الصَّلاة» [خ¦٣٦٢٢]. ٣٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) -بالهمز- شقيق بن سلمة، حال كونه (يَقُولُ: عُدْنَا خَبَّابًا) بفتح الخاء المُعجَمة وتشديد المُوحَّدة الأولى، ابن الأَرَتِّ -بالفوقيَّة المُشدَّدة- في مرضٍ (فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: إلى المدينة بإذنه، وإلَّا فلم يصحبه ﵊ غير أبي بكرٍ وعامر بن فهيرة، حال كوننا (نُرِيدُ وَجْهَ اللهِ) لا الدُّنيا (فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ) فضلًا منه تعالى (فَمِنَّا مَنْ مَضَى) مات (لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ) من الغنائم التي أخذها من أدرك زمن الفتوح (شَيْئًا) بل ادَّخر الله تعالى له أجره مُوفَّرًا في الآخرة (مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) -بضمِّ العين مُصغَّرًا- ابن هاشم بن عبد مَنافٍ (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) قتله ابن قَمِيئة

стр. 7404

(وَتَرَكَ نَمِرَةً) كساءً مُخطَّطًا (فَكُنَّا) لمَّا كفَّناه (إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رِجْلَيْهِ بَدَا) بغير همزةٍ (رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ) بطرفها (وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ إِذْخِرٍ) بذالٍ وخاءٍ مُعجَمتين، حشيشِ مكَّة ذي الرِّيح الطَّيِّب (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ) نضجت وطابت (فَهْو يَهْدَُِبُهَا) بكسر الدَّال المُهمَلة مُصحَّحًا عليها في الفرع وأصله، ويجوز الضَّمُّ والفتح، أي: يجتنيها. وهذا الحديث مرَّ في «باب إذا لم يجد كفنًا إلَّا ما يواري به رأسه» [خ¦١٢٧٦] من «كتاب الجنائز». ٣٨٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-) أي: ابن درهمٍ، وسقط لفظ «هو» لأبي ذرٍّ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه؛ كذا في هامش «اليونينيَّة» مُخرَّجًا له بعد قوله: «﵁» بعطفةٍ بالحمرة خفيَّة، وزاد في الفرع « ﷺ » (يَقُولُ: الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد على الأصل؛ لاتِّحاد محلِّها الذي هو القلب، وحذف «إنَّما» والجمع المُحلَّى بـ «أل» يفيد الاستغراق، وهو مستلزمٌ للحصر المثبت للحكم المذكور ونفيه عن غيره، فلا عمل إلَّا بنيَّةٍ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا) بغير تنوينٍ (يُصِيبُهَا أَوِ) إلى (امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) نيَّةً وقصدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) من الدُّنيا والمرأة حكمًا وشرعًا، أو هجرته إليهما قبيحةٌ غير صحيحةٍ أو غير مقبولةٍ، فلا نصيب له في الآخرة، والذي دعاهم لهذا التَّقدير اتِّحاد الشَّرط والجزاء، ولا بدَّ من تغايرهما، وأجاب بعضهم: بأنَّه إذا اتَّحد مثل ذلك يكون المراد به: المُبالَغة في التَّحقير كهذه، أو التَّعظيم كقوله: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى) طاعة (اللهِ وَرَسُولِهِ

стр. 7405

فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ¬) وسقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ، وأعاد المجرور ظاهرًا لا مُضمَرًا؛ إذ لم يقل: فهجرته إليهما لقصد الاستلذاذ بذكر الله ورسوله؛ بخلاف الدُّنيا والمرأة فإنَّ إبهامهما أَوْلى، وقد اشتُهِر أنَّ سبب هذا الحديث قصَّة مهاجر أمِّ قيسٍ: وأنَّه خطبها، فأبت أن تتزوَّجه حتَّى يُهاجر، فهاجر فتزوَّجها، فكان يُسمَّى مهاجر أمِّ قيسٍ، رواه الطَّبرانيُّ في «مُعجَمه الكبير» بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ، ومباحث الحديث سبقت أوَّل الكتاب، والله المستعان. ٣٨٩٩ - ٣٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ ابْنُ يَزِيدَ) -من الزِّيادة- هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الأمويُّ مولاهم الفراديسيُّ (الدِّمَشْقِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، أبو عبد الرَّحمن قاضي دمشق (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عَمْرٍو) عبد الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ) بفتح العين وسكون المُوحَّدة (بْنِ أَبِي لُبَابَةَ) بضمِّ اللَّام وفتح المُوحَّدتين بينهما ألفٌ مُخفَّفًا، الأسديِّ الكوفيِّ، سكن الشَّام (عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ المَكِّيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ كَانَ يَقُولُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ). (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «قال يحيى بن حمزة: وحدَّثني» (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة، أنَّه (قَالَ: زُرْتُ عَائِشَةَ) ﵂، وكانت مجاورةً في جبل ثبيرٍ إذ ذاك (مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ) بالمُثلَّثة (فَسَأَلْنَاهَا) ولأبي ذرٍّ «فسألها (١)» (عَنِ الهِجْرَةِ فَقَالَتْ: لَا هِجْرَةَ اليَوْمَ) أي: بعد الفتح (كَانَ المُؤْمِنُونَ) قبل الفتح (يَفِرُّ أَحَدُهُمْ) من مكَّة (بِدِينِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ¬) إلى المدينة، وسقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ) أي: على دينه، فكانت واجبةً لذلك، ولتعلُّم الشَّرائع والأحكام وقتال

стр. 7406

الكفَّار (فَأَمَّا اليَوْمَ) بعد الفتح (فَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ الإِسْلَامَ) وفَشَتِ الشَّرائع والأحكام (وَاليَوْمَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «والمؤمن» بدل قوله: «واليوم» (يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ (١)) فالحكم يدور مع علَّته، قال الماورديُّ: إذا قدر على إظهار الدِّين في بلدٍ من بلاد الكفَّار فقد صارت البلد به دار إسلامٍ، فالإقامة فيها أفضل من الرِّحلة؛ لِمَا يُترَجَّى من دخول غيره في الإسلام (وَلَكِنْ جِهَادٌ) في الكفَّار (وَنِيَّةٌ) أي: وثوابُ نيَّةٍ في الجهاد أو الهجرة، نعم ما دام في الدُّنيا دار كفرٍ فالهجرة منها واجبةٌ على من أسلم وخاف أن يُفتَن في دينه. ٣٩٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) عبدُ الله، الهَمْدانيُّ (قَالَ هِشَامٌ: فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ سَعْدًا) بسكون العين، ابن معاذٍ الأنصاريَّ (قَالَ) في قريشٍ يوم بني قريظة، وكان قد أُصيب يوم الخندق في الأكحل: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (وَأَخْرَجُوهُ) من مكَّة (اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ). (وَقَالَ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطَّار: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة أنَّه قال: (أَخْبَرَتْنِي) بالإفراد (عَائِشَةُ) ﵂ بالحديث المذكور -وقال فيه: (مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا نَبِيَّكَ وَأَخْرَجُوهُ) - كابن نُميرٍ وزاد: (مِنْ قُرَيْشٍ) فأفصح بتعيين القوم، وقريشٌ هم المخرِجون له ﵊، لا بنو قريظة، وقال الحافظ ابن حجرٍ ﵀ في المقدِّمة: رواية أبان بن يزيد عن هشامٍ لم أقف على من وصلها.

стр. 7407

٣٩٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولغير أبي ذرٍّ «حدَّثنا (١)» بالجمع (مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، وثبت «ابن عُبادة» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابن حسَّان القُرْدوسي (٢)؛ بضمِّ القاف وسكون الراء (٣) آخره سينٌ مُهمَلةٌ، قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ المُوحَّدة وكسر العين (لأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ) بضمِّ الكاف (بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ) فيها منها مدَّة فترة الوحي ومدَّة الرؤيا الصالحة (ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ) من مكَّة إلى المدينة (فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ) بها (وَهُو ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ) سنةً، وثبت قوله: «سنةً» بعد قوله (٤): «ثلاث عشرة» للحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ. ٣٩٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ) سقط «ابن الفضل» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) وسقط لأبي ذرٍّ أيضًا «ابن عبادة» قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ) المكِّيُّ، ثقةٌ لكنَّه رُمِي بالقدر، قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) سنةً من مجيء جبريل له بالوحي (وَتُوُفِّي) بالمدينة (وَهْو ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ) سنةً.

стр. 7408

٣٩٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المُعجمة، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ عُبَيْدٍ) بالتَّصغير من غير إضافةٍ (يَعْنِي: ابْنَ حُنَيْنٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح النُّون، مولى زيد بن الخطَّاب، وسقط لفظ «يعني» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) في الآخرة (فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ) يا رسول الله (بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا) قال أبو سعيدٍ: (فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ) متعجِّبين من تفديته؛ لأنَّهم لم يفهموا المناسبة بين الكلامين: (انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهْو يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُو المُخَيَّرَ) بفتح التَّحتيَّة المُشدَّدة والنَّصب، خبر «كان» ولفظُ «هو» ضميرُ فصلٍ، ولأبي ذرٍّ: «هو المخيَّرُ» بالرَّفع على أنَّه خبر المبتدأ الذي هو: «هو» (١) والجملة في موضع نصبٍ خبر «كان» (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُو أَعْلَمَنَا بِهِ). (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ) بتشديد الياء (٢) (فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النُّون، أي: من أبذلهم وأسمحهم، مِنْ مَنَّ عليه مَنًّا، لا مِنْ مَنَّ مِنَّةً؛ إذ ليس لأحدٍ أن يمتنَّ على رسول الله ﷺ ، فهو واردٌ مورد الإحماد، وإذا حُمِل

стр. 7409

على معنى (١) الامتنان عاد ذمًّا على صاحبه؛ لأنَّ المنَّة تهدم الصَّنيعة، و «أبا بكرٍ» بالنَّصب على ما لا يخفى (وَلَو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي) أرجعُ إليه في المهمَّات، وأعتمد عليه في الحاجات (لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ) خليلًا، ولكنَّ ملجئي واعتمادي في جميع الأحوال إلى الله تعالى (إِلَّا) بالتَّشديد (خُلَّةَ الإِسْلَامِ) استدراكٌ عن مضمون الجملة الشَّرطيَّة وفحواها، كأنَّه قال: ليس بيني وبينه خُلَّةٌ ولكن أخوَّة الإسلام، نفى (٢) الخلَّة المنبئة عن الحاجة، وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة (لَا يَبْقَيَنَّ) بفتح التَّحتيَّة وسكون المُوحَّدة وفتح القاف والتَّحتيَّة وتشديد النُّون (فِي المَسْجِدِ خَوْخَةٌ) بمُعجَمتين مفتوحتين بينهما واوٌ ساكنةٌ: بابٌ صغيرٌ، وكانوا قد فتحوا أبوابًا في ديارهم إلى المسجد فأمر رسول الله (٣) ﷺ بسدِّها كلِّها (إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ) تكريمًا له وتنبيهًا على أنَّه الخليفة بعده، أو المراد المجاز، فهو كنايةٌ عن الخلافة وسدِّ أبواب المقالة دون التَّطرُّق، ورجَّحه الطِّيبيُّ محتجًّا بأنَّه لم يصحَّ عنده أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كان له بيتٌ بجنب المسجد، وإنَّما كان منزله بالسُّنح من عوالي المدينة. وهذا الحديث مرَّ في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٦٦] وغيره.

стр. 7410

٣٩٠٥ - ٣٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى (١) بن عبد الله بن بُكيرٍ المخزوميُّ، ونسبه لجدِّه (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ، أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) ﵁ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّها (٢) (قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ) بكسر القاف وتشديد ياء «أبويَّ» أي:

стр. 7411

أبا بكرٍ وأمَّ رومان (قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدَّال، أي: دين الإسلام (وَلَمْ (١) يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ) بأذى الكفَّار من قريشٍ بحصرهم بني هاشمٍ والمطَّلب في شِعب أبي طالبٍ، وأذن ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ حال كونه (مُهَاجِرًا نَحْو أَرْضِ الحَبَشَةِ) ليلحق مَنْ سبقه من المسلمين ممَّن هاجر إليها (حَتَّى بَلَغَ) ولأبي ذرٍّ «حتَّى إذا بلغ» (بَرْكَ الغِمَادِ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء بعدها كافٌ، و «الغِمَاد» بكسر الغين المُعجَمة وتخفيف الميم وبعد الألف دالٌ مُهمَلةٌ، موضعٌ على خمس ليالٍ (٢) من مكَّة إلى جهة اليمن، ولأبي ذرٍّ «بِرك» بكسر المُوحَّدة (لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ) بفتح الدَّال المُهمَلة وكسر الغين المُعجَمة وتخفيف النُّون، وقال الأَصيليُّ: قرأه لنا المروزيُّ بفتح الغين، ولأبي ذرٍّ في «اليونينيَّة»: بضمِّ الدَّال، وله أيضًا فيها: «ابن الدُّغُنَّة» (٣) بضمِّ الدَّال والغين وتشديد النُّون، ونُسِبت هذه لكن (٤) بزيادة أداة التَّعريف لأهل اللُّغة، والأُولى للرُّواة وهو اسم أمِّه، واسمه الحارث بن يزيد كما عند البلاذُريِّ من طريق الواقديِّ عن مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ، وليس هو ربيعة بن رُفَيعٍ، وَوَهِم الكِرمانيُّ، قاله الحافظ ابن حجرٍ ﵀ (وَهْو سَيِّدُ القَارَةِ) بالقاف وتخفيف الرَّاء: قبيلةٌ مشهورةٌ من بني الهُون -بالضَّمِّ والتَّخفيف- ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر (فَقَالَ) له: (أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ) له (أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي) أي: تسبَّبوا في إخراجي قريشٌ (فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي) بهمزةٍ مفتوحةٍ فسينٍ مكسورةٍ وحاءٍ مُهمَلتين بينهما تحتيَّةٌ

стр. 7412

ساكنةٌ، ولم يَذكر له وجه مقصده لأنَّه كان كافرًا فـ (قَالَ) له (ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ (١) مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، من الخروج (وَلَا يُخْرَجُ) بضمٍّ ثمَّ فتحٍ، من الإخراج (إِنَّكَ) وللمُستملي والكُشْميهَنيِّ «أنت» (تَكْسِبُ المَعْدُومَ) بفتح تاء «تَكسب» أي: تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «المُعْدِم» بضمِّ الميم وكسر الدَّال من غير واوٍ (وَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: القرابة (وَتَحْمِلُ الكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام، الذي لا يستقلُّ بأمره، أو الثِّقل (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح الفوقيَّة من الثَّلاثيِّ (٢) (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ) أي: حوادثه، فوَصَفَهُ بمثل ما وصفتْ خديجة ﵂ به النَّبيَّ ﷺ ، وهو يدلُّ على اشتهار أبي بكرٍ ﵁ بالصِّفات البالغة أنواع الكمال (فَأَنَا لَكَ جَارٌ) أي: مجيرٌ أمنع من يؤذيك (ارْجِعْ) ولأبي ذرٍّ «فارجع» (وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ) مكَّة (فَرَجَعَ) أبو بكرٍ ﵁ (وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ) إلى مكَّة (فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ) من وطنه باختياره على نيَّة الإقامة مع ما فيه من النَّفع المتعدِّي لأهل بلده (وَلَا يُخْرَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، لا يُخرِجه أحدٌ بغير اختياره لما ذُكِر (أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا) استفهامٌ إنكاريٌّ (يَكْسِبُ المَعْدُومَ) وللكُشْمِيهَنِيِّ «المُعدِم» (وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟! فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ) بكسر الجيم أي: لم تردَّ عليه قوله في جوار أبي بكرٍ ﵁، فأطلق التَّكذيب وأراد لازمه؛ لأنَّ كلَّ من كذَّبك فقد ردَّ قولك (وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ) عطفٌ على محذوفٍ تقديره: مُرْ أبا بكر لا يتعرَّض إلى شيءٍ، وليُبعِد من جاء له، فليعبد (رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ) الذي يقرؤه ويتعبَّد به (وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ) بل يخفيه (فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ) -بكسر التَّاء- بذلك (نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ) القول الذي قالوه (ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ) أي: مكث على ما شرطوا عليه (يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ، وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ) قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: ولم يقع

стр. 7413

لي قدر زمان المدَّة التي أقام فيها أبو بكرٍ ﵁ على ذلك (ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ) ﵁، أي: ظهر له رأي غير الرَّأي الأوَّل (فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ) بكسر الفاء والمدِّ، أي: أمامها (وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ) كلَّه أو بعضه (فَيَنْقَذِفُ) بتحتيَّة مفتوحةٍ فنونٍ ساكنةٍ فقافٍ مفتوحةٍ فذالٍ مُعجَمةٍ مكسورةٍ بعدها فاءٌ، كذا للمروزيِّ والمُستملي، وعند غيرهما من شيوخ أبي ذرٍّ «فيتقذَّف» بالتَّاء الفوقيَّة بدل النُّون وتشديد المُعجَمة المفتوحة، بوزن «يَتَفَعَّل» أي: يتدافعون على أبي بكرٍ ﵁، فيقذف بعضهم بعضًا فيتساقطون عليه، ويُروَى: «فيتقصَّف» بالصَّاد المُهملة، أي: يزدحمون عليه حتَّى يسقط بعضهم على بعضٍ فيكاد ينكسر، قال الخطَّابيُّ: وهو المحفوظ، وللكُشْمِيهَنِيِّ -كما في «الفتح» وعزاها في «اليونينيَّة» للجرجانيِّ-: «فينْقَصِف» بنون ساكنةٍ بدل الفوقيَّة وكسر الصَّاد، أي: يسقط (عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً) بتشديد الكاف كثير البكاء رضي الله تعالى عنه (لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ) من رقَّة قلبه (إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ) «إذا» ظرفيَّةٌ والعامل فيه: «لا يملك»، أو شرطيَّةٌ والجزاء مُقدَّرٌ، أي: إذا قرأ القرآن لا يملك عينيه (فَأَفْزَعَ ذَلِكَ) أي: أخاف ما فعله (١) أبو بكرٍ من صلاته وقراءته (أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ) على نسائهم وأبنائهم أن يميلوا إلى الإسلام؛ لِمَا يعلمون من رقَّة قلوبهم (فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ) أي: على أشراف قريش من المشركين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «فقدم عليه» أي: على أبي بكرٍ ﵁ (فَقَالُوا) أي: كفَّار قريشٍ: (إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا) بهمزةٍ مقصورةٍ فجيمٍ فراءٍ مُهمَلةٍ (أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ) أي: بسبب جوارك، وللقابسيِّ «أجَزْنا» بالزَّاي، أي: أبحنا، قال في «الفتح»: والأوَّل أوجه (عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ (٢) وَالقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا) بفتح التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، ونصب التَّالي على المفعوليَّة، ولغير أبي ذرٍّ «يُفتَن» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، فالتَّالي رَفْعٌ (فَانْهَهُ) -بهمزة وصل- عن ذلك (فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى) امتنع (إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ؛ فَسَلْهُ) بفتح السِّين وسكون اللَّام من غير همزٍ

стр. 7414

(أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ) أي: أمانَك له (فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ) بضمِّ النُون وسكون الخاء المُعجَمة وكسر الفاء، رباعيٌّ من الإخفار، أي: ننقض عهدك (وَلَسْنَا مُقِرِّينَ) ولأبي ذرٍّ «بمقرِّين» (لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلَانَ) خوفًا على نسائنا وأبنائنا. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ بالسَّند السَّابق: (فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (فَقَالَ) له: (قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ) بتاء المتكلِّم (فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ) الذي عاقدت لك عليه (وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (ذِمَّتِي) عهدي (فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه (فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ أي: بحمايته (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ) تثنية لابَةٍ، بتخفيف الموحَّدة، قال الزُّهريُّ: (وَهُمَا الحَرَّتَانِ) بالحاء المُهمَلة وتشديد الرَّاء، حجارةٌ سودٌ (فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهتها (وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ) لمَّا سمعوا استيطان المسلمين بها (وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (قِبَلَ المَدِينَةِ) أي: يريد جهة المدينة (فَقَالَ لَهُ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الرَّاء وسكون السِّين المُهمَلة: على مهلك، ولابن حبَّان: «فقال: اصبر» (فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي) في الهجرة (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ) أي: الإذن (بِأَبِي أَنْتَ؟) زاد الكُشْميهَنيُّ «وأمِّي» (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) أرجوه (فَحَبَسَ) أي: منع (أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ) من الهجرة (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: لأجله (لِيَصْحَبَهُ) في الهجرة (وَعَلَفَ) أبو بكرٍ ﵁ (رَاحِلَتَيْنِ) -تثنية راحلةٍ- من الإبل القويِّ على السَّير وحملِ الأثقال (كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ)

стр. 7415

بفتح السِّين المُهمَلة وضمِّ الميم، قال الزُّهريُّ: (وَهْو الخَبَطُ) بفتح الخاء المُعجَمة والمُوحَّدة، ما يُخبَط بالعصا فيسقط من ورق الشَّجر (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ بالسَّند السَّابق: (قَالَ عُرْوَة) بن الزُّبير: (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَبَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) أوَّل الزَّوال عند شدَّة الحرِّ (قَالَ قَائِلٌ) قال في «المقدِّمة»: يحتمل أن يُفسَّر بعامر بن فُهَيرة مولى أبي بكرٍ، وفي «الطَّبرانيِّ»: أنَّ قائلَ ذلك أسماءُ بنت أبي بكرٍ ﵂ (لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (مُتَقَنِّعًا) أي: مغطِّيًا رأسه (-فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا- فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ) بكسر الفاء وبالهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فدًى» بالقصر من غير همزٍ (لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ) حدث (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ) في الدُّخول (فَأَذِنَ لَهُ) أبو بكرٍ ﵁ (فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر الرَّاء (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ) يريد: عائشة وأمَّها (بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﵊: (فَإِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «فإنَّه» (قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ) بضمِّ الهمزة وكسر الذَّال المُعجَمة، أي: إلى المدينة (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ): أريد (الصَّحَابَةَُ) وبالرَّفع: خبر مبتدأٍ محذوفٍ (بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ) الصُّحبة التي تطلبها (قَالَ أَبُوبَكْر: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِالثَّمَنِ) أي: لا آخذ إلَّا بالثَّمن، وعند الواقديِّ: أنَّ الثَّمن كان ثمان مئةٍ، وأنَّ الرَّاحلة هي القصواء، وأنَّها كانت من بني قُشَيرٍ، وعند ابن إسحاق: إنَّها الجدعاء (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجَِهَازِ) بالحاء المُهمَلة والمُثلَّثة، «أفعل» تفضيلٍ، من الحثِّ، أي: أسرعه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والحَمُّويي: «أحبَّ»؛ بالموحَّدة، والجهاز -بفتح الجيم وكسرها-:

стр. 7416

ما يُحتَاج إليه في السَّفر ونحوه (وَصَنَعْنَا (١) لَهُمَا سُفْرَةً) أي: زادًا (فِي جِرَابٍ) بكسر الجيم، وعن الواقديِّ: أنَّه كان في السُّفرة شاةٌ مطبوخةٌ (فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مَنْ نِطَاقِهَا) بكسر النُّون: ما يُشَدُّ به الوسط (فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «النِّطاقين» بالتَّثنية، والمحفوظ أنَّها شقَّت نطاقها نصفين فشدَّت بأحدهما الزَّاد، وشدَّت فم القربة بالآخر، فسُمِّيت ذات النِّطاقين (قَالَتْ) عائشة ﵂: (ثُمَّ لَحِقَ) بكسر الحاء (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ) بالتَّنوين (فِي جَبَلِ ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة المفتوحة، وكان خروجهما من مكَّة يوم الخميس (فَكَمَنَا) بفتحاتٍ (فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ) وخرجا منه يوم الإثنين (يَبِيتُ) في الغار (عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (وَهْو غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ) بفتح المُثلَّثة وكسر القاف -وتُسكَّن وتُفتَح- بعدها فاءٌ، حاذقٌ (لَقِنٌ) بلامٍ مفتوحةٍ وبقافٍ مكسورةٍ فنونٍ، سريعُ الفهم (فَيُدْلِجُ) بضمِّ الياء وسكون الدَّال، ولأبي ذرٍّ «فيدَّلج» بتشديد الدَّال، يخرج (مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ) بها؛ لشدَّة رجوعه بغلسٍ (فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ) بضمِّ التَّحتيَّة وفوقيَّةٍ بعد الكاف، «يفتعلان» من الكيد، مبنيٌّ للمفعول، أي: يُطلَب لهما ما فيه من (٢) المكروه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «يُكادان» بحذف الفوقيَّة (إِلَّا وَعَاهُ) حفظه (حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِك حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى) أي: يحفظ (عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) بضمِّ الفاء مُصغَّرًا (مَوْلَى أَبِي بَكْر) الصِّدِّيق ﵁ (مِنْحَةً) بكسر الميم وسكون النُّون وفتح المُهمَلة: شاةً تحلب إناءً بالغداة، وإناءً بالعشيِّ (مِنْ غَنَمٍ) كانت لأبي بكرٍ ﵁ (فَيُرِيحُهَا) أي: الشَّاة، أو الغنم (عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ) كلَّ ليلةٍ، فيحلبان ويشربان (فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ) بكسر الرَّاء وسكون المُهمَلة (وَهْو لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا) الطَّريِّ (وَرَضِيفُِهِمَا) بفتح الرَّاء وكسر الضَّاد المُعجَمة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ ففاءٌ مكسورةٌ، مجرورٌ عطفًا (٣) على المضاف إليه، ومرفوع عطفًا على قوله: «وهو لبن» وهو الموضوع فيه الحجارة المُحمَّاة؛

стр. 7417

لتذهب وخامته وثقله (حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا) بفتح أوَّله وكسر ثالثه المُهمَل، أي: يصيح بالغنم ويزجرها، ولأبي ذرٍّ «بهما» بالتَّثنية، أي: يسمع النَّبيُّ ﷺ والصِّدِّيق ﵁ صوته إذا زجر غنمه (عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ) وهو ظلام آخر اللَّيل، وسقط «ابن فُهيرة» لأبي ذرٍّ (يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ) التي أقاما فيها بالغار، وعند ابن عائذٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: «فيصبح في رعيان النَّاس كبائتٍ فلا يُفطَن له» (وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا) هو عبد الله بن أُرَيْقِطٍ -بالقاف والطَّاء مُصغَّرًا- (مِنْ بَنِي الدِّيلِ) بكسر الدَّال المُهمَلة وسكون التَّحتيَّة بعدها لامٌ (وَهْوَ) أي: الرَّجل الذي استُؤجِر (مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ) أي: ابن الدِّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل: من بني عديِّ بن عمرٍو (هَادِيًا) يهديهما إلى الطَّريق (خِرِّيتًا) بكسر الخاء المُعجَمة والرَّاء المُشدَّدة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ ففوقيَّةٌ، ونصبهما صفةً لـ «رجلًا»، قال الزُّهريُّ: (-وَالخِرِّيتُ) هو (المَاهِرُ (١) بِالهِدَايَةِ-) حال كونه، أي: الرَّجل الذي استُؤجِر (قَدْ غَمَسَ) بغينٍ معجمةٍ فميمٍ فسينٍ مُهمَلةٍ مفتوحاتٍ (حِلْفًا) بكسر الحاء المُهمَلة وبعد اللَّام السَّاكنة (٢) فاءٌ (فِي آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ) بفتح السِّين المهملة وسكون الهاء؛ يعني: إنَّه حليفٌ لهم وآخذٌ بنصيبٍ من عقدهم، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في دمٍ أو خلوقٍ أو شيءٍ يكون فيه تلوينٌ، فيكون ذلك تأكيدًا للحلف (وَهْوَ) أي: الرَّجل الذي استأجراه (عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ) بفتح الهمزة المقصورة وكسر الميم، أي: ائتمناه (فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) فأتاهما (بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ) عبدُ الله بن أُرَيْقِطٍ (فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ) بالسِّين والحاء المُهمَلتين بينهما واوٌ فألفٌ أسفل من عُسْفان.

стр. 7418

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ بالسَّند المذكور: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ المُدْلِجِيُّ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال وكسر اللَّام والجيم وتشديد التَّحتيَّة (وَهْو ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضمِّ الجيم والشِّين المُعجمَة بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن مالكٍ» كذا في الفرع كأصله، وقال في «فتح الباري» وتبعه العيني: قوله: «ابن أخي سراقة بن جعشمٍ» في رواية أبي ذرٍّ «ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشمٍ» (أَنَّ أَبَاهُ) مالكًا (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ ابْنَ جُعْشُمٍ) نسبه لجدِّه (يَقُولُ: جَاءَنَا رَسُولُ) بالإفراد في «رسول» في الفرع، وفي «اليونينيَّة»: «رُسُل» بضمِّ الرَّاء والسِّين، بلفظ الجمع (كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ) في (أَبِي بَكْرٍ دِيَةَ) أي: مئة ناقةٍ (كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ مَنْ قَتَلَهُ) ولأبي ذرٍّ «لمن قتله» (أَو أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا) بالميم (أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ؛ أَقْبَلَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «إذ أقبل» (رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا) بمدِّ الهمزة وكسر النُّون، الآن (أَسْوِدَةً) بكسر الواو بعد المُهمَلة السَّاكنة: أشخاصًا (بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا) بضمِّ الهمزة، أظنُّها (مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ (١): إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا) لم أعرف اسمهما (انْطَلَقُوا) بفتح اللَّام (بِأَعْيُنِنَا) أي: في نظرنا معاينةً، يبتغون ضالَّةً لهم (ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ) منزلي (فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي) لم يعرف ابن حجرٍ اسمها (أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي) وزاد موسى بن عقبة: «ثمَّ أخذت قِداحي» بكسر القاف، أي: الأزلام، فاستقسمت بها فخرج الذي أكره، لا تضرُّه، وكنت أرجو أن أردَّه وآخذ المئة ناقةٍ (وَهْيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ) رابيةٍ مرتفعةٍ (فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ) بالمُهمَلات (بِزُجِّهِ الأَرْضَ) بضمِّ الزَّاي والجيم المُشدَّدة المكسورة، الحديد الذي في أسفل الرُّمح، أي: أمكنت أسفله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «فخططت» بالخاء المُعجَمة، أي: خفضت أعلاه، وجررت بزجِّه على الأرض فخطَّها به من غير قصدٍ

стр. 7419

لخطِّها (١)؛ لكي لا يظهر الرُّمح إن أمسك زجَّه ونصبه (وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ) لئلَّا يظهر بريقه لمن بَعُدَ منه فيُنذَر به وينكشف أمره؛ لأنَّه كره أن يتْبعه أحدٌ فيشركه في الجعالة (حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا) بالرَّاء، ولأبي ذرٍّ «فرفَّعْتُها (٢)» بتشديد الفاء؛ أسرعت بها السَّير (تُقَرَِّبُ) بتشديد الرَّاء مفتوحةً أو مكسورةً (بِي) فرسي، ضربٌ من الإسراع، قال الأصمعيُّ: و (٣) التَّقريب أن (٤) ترفع يديها معًا وتضعهما معًا (حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ) بالفاء والمُثلَّثة، ولأبي ذرٍّ «وعثرت» (بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ) بالخاء المُعجَمة، سقطتُ (عَنْهَا) عن فرسي (فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يَدِي) أي: بسطتها (إِلَى كِنَانَتِي) كيس السِّهام (فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ) جمع زَلَمٍ -بفتح الزَّاي واللَّام-: أقلامٌ كانوا يكتبون على بعضها «نعم» وعلى بعضها «لا»، وكانوا إذا أرادوا أمرًا استقسموا بها، فإذا خرج السَّهم الذي عليه «نعم» خرجوا، وإذا خرج الآخر؛ لم يخرجوا، ومعنى الاستقسام: معرفة قسم الخير والشَّرِّ (فَاسْتَقْسَمْتُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ «واستقسمت» بالواو (بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا) طلبتُ معرفة النَّفع والضَّرِّ بالأزلام، أي: التَّفاؤل (فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ) لا تضرُّهم (فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلَامَ) الواو للحال، أي: فلم (٥) ألتفت إلى ما خرج من الذي أكره (تُقَرَِّبُ بِي) فرسي (حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْو لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ) ﵁ (يُكْثِرُ الاِلْتِفَاتَ؛ سَاخَتْ) بالسِّين المُهمَلة والخاء المُعجَمة، أي: غاصت (يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ) زاد الطَّبرانيُّ عن أسماء بنت أبي بكرٍ ﵂: «لمنخريها» (حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا) على القيام (فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا) بضمِّ أوَّله، من أَخْرَجَ من الأرض (فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً؛ إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ) بالعين المُهمَلة المضمومة فمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ وبعد الألف نونٌ، دخانٌ من غير نارٍ، وهو مبتدأٌ خبره قوله: «لأثر يديها» مُقدَّمًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «غبارٌ» بالمُعجَمة والمُوحَّدة آخره راءٌ (سَاطِعٌ) منتشرٌ (فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلَامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ) لا تضرُّهم (فَنَادَيْتُهُمْ

стр. 7420

بِالأَمَانِ) وعند ابن إسحاق: «فناديت القوم أنا سراقة بن مالك بن جُعْشمٍ، انظروني أكلِّمكم، فوالله لا يأتيكم منِّي شيءٌ تكرهونه» (فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ؛ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ) قريشًا (قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ) يدفعونها لمن يقتلك أو يأسرك (وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ) قريشٌ (بِهِمْ) من الحرص على الظَّفر بهم، وغير ذلك (وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الزَّادَ وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَأَانِي) لم ينقصاني -النَّبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ- شيئًا (وَلَمْ يَسْأَلَانِي) شيئًا ممَّا معي (إِلَّا أَنْ قَالَ) لي النَّبيُّ ﷺ : (أَخْفِ عَنَّا) بفتح الهمزة وسكون المُعجَمة بعدها فاءٌ، أمرٌ من الإخفاء، قال سراقة: (فَسَأَلْتُهُ) ﵊ (أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ) بسكون الميم (فَأَمَرَ) ﵊ (عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ) بكسر الدَّال المُهمَلة بعدها تحتيَّةٌ، وفي نسخةٍ «من (١) أدَمٍ» بفتح الدَّال وحذف التَّحتيَّة؛ جلدٍ مدبوغٍ، زاد ابن إسحاق: «فأخذته فجعلته في كنانتي ثمَّ رجعت» (ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ومن معه إلى جهة مقصده. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ بالسَّند السَّابق: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا تِجَارًا) بكسر التَّاء وتخفيف الجيم، حال كونهم (قَافِلِينَ) راجعين (مِنَ الشَّأْمِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ) وقول الدِّمياطيِّ -إنَّ الذي كسا النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ إنَّما هو طلحة بن عبيد الله، وكان جائيًا من الشَّام في عيرٍ؛ متمسِّكًا في ذلك بأنَّ أهل السِّير لم يذكروا أنَّ الزُّبير لقي النَّبيَّ ﷺ في طريق (٢) الهجرة، وإنَّما هو طلحة بن عبيد الله- ليس فيه دلالةٌ على ذلك، فالأَولى الجمعُ بينهما، وإلَّا فما في «الصَّحيح» أصحُّ، لا سيَّما والرِّواية التي فيها طلحة من طريق ابن لَهِيعة عن أبي الأسود عن عروة، والتي في «الصَّحيح» من (٣) طريق عُقيلٍ عن

стр. 7421

الزُّهريِّ عن عروة، وعند ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة (١) عن أبيه نحو (٢) رواية أبي الأسود، فيتعيَّن (٣) تصحيح القولين، وحينئذٍ فيكون كلٌّ من (٤) الزُّبير وطلحة كساهما (وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالمَدِينَةِ مَخْرَجَ) ولأبي ذرٍّ «بمخرج» (رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ) بسكون الغين المُعجَمة: يخرجون (كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ) بالحاء المُهمَلة المفتوحة (٥) وتشديد الرَّاء (فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا) رجعوا (يَوْمًا بَعْدَمَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُم) له ﵊ (فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ؛ أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء، أي: طلع (رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ) لم يُسَمَّ (عَلَى أُطُمٍ) بضمِّ الهمزة والطَّاء المُهمَلة، حصنٍ (مِنْ آطَامِهِمْ لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ) بفتح المُوحَّدة وضمِّ المُهمَلة (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ) حال كونهم (مُبَيَّضِينَ) بفتح المُوحَّدة والتَّحتيَّة المُشدَّدة بعدها (٦) ضادٌ مُعجَمةٌ، عليهم الثِّياب البيض، قال السَّفاقسيُّ: ويحتمل أن يريد: متعجِّلين، قال ابن فارسٍ: يُقال: بائضٌ أي: مستعجلٌ (٧)، ويدلُّ عليه قوله: (يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ) المرئيُّ في شدَّة الحرِّ كأنَّه ماءٌ حتَّى إذا جئته لم تجده شيئًا كما قال الله تعالى (فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ) نفسه (أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ العَرَبِ) بألفٍ بعد العين، ولأبي ذرٍّ «يا مَعْشر» بحذف الألف وسكون (٨) العين (هَذَا جَدُّكُمُ) بفتح الجيم وتشديد الدَّال المُهمَلة، أي: حظُّكم وصاحب دولتكم (الَّذِي تَنْتَظِرُونَ) السَّعادة (٩) بمجيئه (فَثَارَ المُسْلِمُونَ) بالمُثلَّثة (إِلَى السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِظَهْرِ الحَرَّةِ) الأرض التي عليها الحجارة السُّود (فَعَدَلَ بِهِمْ) بتخفيف الدَّال (ذَاتَ اليَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين وسكون الميم، أي: ابن مالك بن الأوس، ومنازلهم بقباءٍ (وَذَلِكَ) وفي روايةٍ «وكان» (يَوْمَ الإِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ) أوَّله، أو لليلتين خَلَتَا منه، أو لاثنتي عشرة ليلةً خَلَتْ منه، أو لثلاث عشرة خلت منه (فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ) يتلقَّاهم (وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَامِتًا) ساكتًا (١٠) (فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ) أي: يسلِّم عليه يظنُّه النَّبيَّ ﷺ (حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله تعالى عنه (حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ) ﷺ (بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) وعند موسى بن عقبة: «فطفق من جاء من الأنصار ممَّن لم يكن رآه يحسبه أبا بكرٍ ﵁ حتَّى إذا أصابته الشَّمس؛ أقبل أبو بكرٍ ﵁ بشيءٍ يظلُّه» (فَلَبِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَنِي

стр. 7422

عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى) وهو مسجد قباءٍ (وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أيَّام مقامه بقباءٍ (ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) من قباءٍ يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني (١) سالم بن عوفٍ (فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «مع النَّاس» (حَتَّى بَرَكَتْ) راحلته (عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمَدِينَةِ) وعند سعيد بن منصورٍ: «حتَّى استناخت عند موضع المنبر من المسجد» (وَهُو يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ) موضع المسجد (مِرْبَدًا) بكسر الميم وفتح المُوحَّدة بينهما راءٌ ساكنةٌ (لِلتَّمْرِ) يُجفَّف فيه (لِسُهَيْلٍ) بالتَّصغير (وَسَهْلٍ) ابني رافع بن عمرٍو (-غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ-) بفتح الحاء المُهمَلة وسكون الجيم، ولأبي ذرٍّ «سعد (٢)» (بْنِ زُرَارَةَ) وكان أسعد ﵁ من السَّابقين إلى الإسلام من الأنصار، وأمَّا أخوه سعدٌ فتأخَّر إسلامه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ المَنْزِلُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الغُلَامَيْنِ، فَسَاوَمَهُمَا بِالمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا (٣)، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا) أي (٤): اشتراه، وثبت قوله: «فأبى … » إلى آخره في رواية

стр. 7423

أبي ذرٍّ، (ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ) بكسر الفاء (رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة، الطُّوب النِّيء (فِي بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: هَذَا الحِمَالُ) بكسر الحاء المُهمَلة وفتح الميم مُخفَّفةً، ولأبي ذرٍّ «هذا الحَمَالُ» بفتح الحاء المُهمَلة، أي: هذا المحمول من اللَّبِن أبرُّ عند الله، وأطهر عند الله (لَا حِمَالَ) بكسر الحاء المُهمَلة، ولأبي ذرٍّ «لا حَمال» بفتحها (خَيْبَرْ) التي (١) يُحمل منها من التَّمر والزَّبيب ونحوهما الذي يتغبَّط (٢) به حاملوه، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وقد رواه المُستملي «جَمال» بالجيم المفتوحة، قال: وله وجهٌ، والأوَّل أظهر (هَذَا أَبَرُّ) أي: أبقى ذخرًا عند الله وأكثر ثوابًا وأدوم نفعًا يا (رَبَّنَا وَأَطْهَرْ) بالطَّاء المُهمَلة، أي: أشدُّ طهارةً من حمال خيبر (وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ، فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ) بكسر الجيم (فَتَمَثَّلَ) ﵊ (بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي) هو عبد الله بن رواحة. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: (وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرِ هَذَا البَيْتِ) ولأبي ذرٍّ «غير هذه (٣) الأبيات» أي: السَّابقة، قال في «التَّنقيح»: قد أُنكِر على الزُّهريِّ ذلك من وجهين؛ أحدهما: أنَّه رجزٌ وليس بشعرٍ ولذا يُقال لصاحبه: راجزٌ لا شاعرٌ، وثانيهما: أنَّه ليس بموزونٍ. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّ بين الوجهين تنافيًا، لأنَّ الأوَّل يقتضي تسليم كون الكلِّ موزونًا؛ ضرورة أنَّه جعله رَجَزًا، ولا بدَّ فيه من وزنٍ خاصٍّ، سواءٌ قلنا: هو شعرٌ أم لا، والثَّاني مصرِّحٌ (٤) بنفي الوزن، ولقائلٍ أن يمنع كون الرَّجز غير شعرٍ وكون قائله غير شاعرٍ، وهو الصَّحيح عند العروضيِّين، سلَّمنا أنَّ الرَّجز ليس شعرًا (٥)، لكنَّا لا نسلِّم أنَّ قوله: هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبرُّ ربَّنا وأطهر

стр. 7424

من بحر الرَّجز (١)، وإنَّما هو من مشطور السَّريع، دخله الكشف والخبن، وأمَّا قوله: «ليس بموزونٍ» فإنَّما يتمُّ في قوله: إنَّ الأجر أجر الآخره فارحم الأنصار والمهاجره انتهى. والممنوع عليه ﷺ (٢) إنشاء الشِّعر لا إنشاده. وهذا الحديث أخرجه في مواضع مختصرًا [خ¦٤٢٨] [خ¦٣٩٣٢] وبتمامه هنا فقط. ٣٩٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه لجدِّه واسم أبيه محمَّدٌ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (وَفَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبير (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ (¬﵂ (٣)) وعنه أيضًا (٤) أنَّها قالت: (صَنَعْتُ سُفْرَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ) أبيها (حِينَ أَرَادَا المَدِينَةَ) في الهجرة (فَقُلْتُ لأَبِي) أبي بكرٍ ﵁: (مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُهُ) به -بكسر المُوحَّدة- أي: الظَّرف، أو رأس السُّفرة، فهو على تقدير حذف مضافٍ (إِلَّا نِطَاقِي) بكسر القاف وتخفيف التَّحتيَّة (قَالَ) أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه: (فَشُقِّيهِ) باثنتين (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به أبي من الشَّقِّ (فَسُمِّيتُ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وكسر الميم المُشدَّدة (ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ). وقد مرَّ هذا الحديث في «باب حمل الزَّاد في الغزو» [خ¦٢٩٧٩] من «كتاب الجهاد».

стр. 7425

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَسْمَاءُ ذَاتُ النِّطَاقِ) بالإفراد، وهذا وصله في «سورة براءة» [خ¦٤٦٦٥] وهو ثابتٌ هنا لأبي ذرٍّ. ٣٩٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والمُعجَمة المُشدَّدة، أبو بكرٍ بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرٍو السَّبيعيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من الغار (إِلَى المَدِينَةِ؛ تَبِعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضمِّ الجيم والمُعجَمة بينهما مُهمَلةٌ ساكنةٌ، الكنانيُّ، أسلم بعد الطَّائف (فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَاخَتْ) بالخاء المُعجَمة، غاصت (بِهِ فَرَسُهُ، قَالَ) للنَّبيِّ ﷺ : (ادْعُ اللهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ) ولأبي ذرٍّ «ولا أضرُّ بك» بزيادة حرف الجرِّ قبل الكاف (فَدَعَا لَهُ) ﵊ (قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَمَرَّ بِرَاعٍ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ «فقال» (أَبُو بَكْرٍ) ﵁، زاد في «اللُّقطة» [خ¦٢٤٣٩] فانطلقت فإذا أنا براعي غنمٍ (٢) يسوق غنمه، فقلت: لمن أنتَ؟ قال: لرجلٍ من قريشٍ، فسمَّاه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبنٍ؟ فقال: نعم، فأمرته فاعتقل شاةً من غنمه، ثمَّ أمرته أن ينفض ضَرعها من الغبار (فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ كُثْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون المُثلَّثة، قليلًا (مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ) ﵊ (فَشَرِبَ) منه (حَتَّى رَضِيتُ).
следующие страницы →