الرَّاوي عنِ (١) البخاريِّ في بعض الأسانيد، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلمٌ عنه، وسقط من قوله «قال الفَِرَبْرِيِّ … » إلى آخره لابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ.
(٣٥) هذا (بابٌ) بالتنوين (هَلْ يَجْعَلُ) الإمام (لِلنِّسَاءِ يَوْمًا عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ؟) بكسر الحاء وتخفيف الدَّال المُهمَلَتين، أي: على انفرادٍ، وللأَصيليِّ وأبي الوقت و (٢) كريمة: «يُجعَل» على صيغة المجهول، و «يومٌ» بالرَّفع مفعولٌ ناب (٣) عن فاعله.
١٠١ - ١٠٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة على القول بعجمته، وإلَّا فالعلميَّة ووزن الفعل، وهو ابن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ) بفتح الهمزة وقد تُكْسَر، وقد تُبدَل باؤها فاءً، عبد الرَّحمن بن عبد الله الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ) بالذَّال المُعجَمَة وسكون الكاف، حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) سعد بن مالكٍ ﵁ (قَالَ) أي: قال أبو سعيدٍ: (قَالَ النِّسَاءُ) وفي رواية بإسقاط «قال» الأولى، ولغير أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر (٤): «قالتِ النِّساء» بتاء التَّأنيث، وكلاهما جائزٌ في فعل اسم الجمع (لِلنَّبِيِّ ﷺ :
стр. 772
غَلَبَنَا) بفتح المُوحَّدة (عَلَيْكَ الرِّجَالُ) بملازمتهم لك كلَّ الأيَّام يتعلَّمون الدِّين، ونحن نساءٌ ضعفةٌ لا نقدر على مُزاحَمتهم (فَاجْعَلْ) أي: انظر لنا فَعَيِّن (لَنَا يَوْمًا) من الأيَّام تعلِّمنا فيه، يكون منشؤه (مِنْ نَفْسِكَ) أي: من اختيارك لا من اختيارنا، وعبَّر عنِ التَّعيين بـ «الجعل» لأنَّه لازمه (فَوَعَدَهُنَّ) ﵊ (يَوْمًا) ليعلِّمهنَّ فيه (١) (لَقِيَهُنَّ فِيهِ) أي: في اليوم الموعود به، و «يومًا» نصب مفعول ثانٍ لـ «وعد»، قال العينيُّ (٢): فإن قلت: عطف الجملة الخبريَّة وهي «فوعدهنَّ» على الإنشائيَّة وهي «فاجعل لنا»، وقد منعه ابن عصفورٍ وابن مالكٍ وغيرهما، أُجِيب: بأنَّ العطف ليس على قوله: «فاجعل لنا يومًا»، بل العطف على جميع الجملة من قوله: غلبنا عليك الرِّجال فاجعل لنا يومًا (٣) من نفسك. انتهى. (فَوَعَظَهُنَّ) ﵊، أي: فوفَّى ﵊ بوعدهنَّ ولقيَهنَّ، فوعظهنَّ بمواعظ (وَأَمَرَهُنَّ) بأمورٍ دينيَّةٍ (فَكَانَ (٤) فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ) التَّقديمُ (لَهَا حِجَابًا) بالنَّصب (٥) خبر
стр. 773
«كان»، وللأَصيليِّ: «ما منكنَّ مِن ِامرأةٍ» بزيادة «مِن» زِيدَت تأكيدًا كما قاله البرماويُّ، وللأَصيليِّ وابن عساكر والحَمُّويي: «حجابٌ» بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةً، أي: حصل لها حجابٌ (مِنَ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَ) من قدَّم (اثْنَيْنِ؟) ولكريمة: «واثنتين» بتاء التَّأنيث، والسَّائلة هي أمُّ سُليمٍ كما (١) عند أحمد والطَّبرانيِّ، أوأمُّ أيمن كما عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط»، أو أمُّ مبشِّرٍ -بالمُعجَمَة المُشدَّدة- كما بيَّنه المؤلِّف (فَقَالَ) (٢) ﷺ : (وَ) من قدَّم (اثْنَيْنِ) ولكريمة: «واثنتين» أيضًا.
تنبيه: حكم الرجل في ذلك كالمرأة.
وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المُلقَّب ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ) أبي صالحٍ، وأفاد المؤلِّف هنا تسمية ابن الأصبهانيِّ المُبهَم في الرِّواية السَّابقة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: «الخدريِّ» كما للأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) أي: بالحديث المذكور (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ (٣) الأَصْبَهَانِيِّ) الواو في «وعن» للعطف على قوله في السَّابقة: عن عبد الرَّحمن، والحاصل: أنَّ شعبة يرويه عن عبد الرَّحمن
стр. 774
بإسنادين، فهو موصولٌ، ومن زعم أنَّه مُعلَّقٌ فقد وهم، أنَّه (١) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالمُهمَلَة والزَّاي، سلمانَ الأشجعيَّ الكوفيَّ، المُتوفَّى في خلافة عمر بن عبد العزيز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وقال» بواو العطف على محذوفٍ تقديره مثله، أي: مثل حديث أبي سعيدٍ، وقال: (ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ) بكسر المُهمَلَة وبالمُثلَّثة، أي: الإثم، فزاد هذه على الرِّواية الأولى، والمعنى: أنَّهم ماتوا قبل البلوغ فلم يكتب الحنث (٢) عليهم، ووجه اعتبار ذلك: أنَّ الأطفال أعلق بالقلوب، والمصيبة بهم عند النِّساء أشدُّ لأنَّ وقت الحضانة قائمٌ.
(٣٦) هذا (بابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا) زاد في رواية أبي ذَرٍّ مما ليس في «اليونينيَّة» (٣): «فلم يفهمه» ولابن عساكر: «فلم يفهم» (٤) (فَرَاجَعَ) أي: راجع (٥) الذي سمعه منه، وللأَصيليِّ: «فراجع فيه» وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت (٦) «فراجعه» (حَتَّى يَعْرِفَهُ).
١٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ) بكسر العَيْن (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجمحيُّ المصريُّ (٧)، المُتوفَّى
стр. 775
سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، ونسبه لجدِّ أبيه لأنَّ أباه الحكم بن محمَّد بن أبي مريم (قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ابن عمر الجمحيُّ» وهو قرشيٌّ مَكِيٌّ، تُوفِّي سنة أربعٍ وعشرين ومئة (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، عبد الله بن عبيد الله (أَنَّ عَائِشَةَ) بفتح الهمزة، أي: بأنَّ عائشة (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂ (كَانَتْ لَا تَسْمَعُ (٢)) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «لا تستمع (٣)» (شَيْئًا) مجهولًا موصوفًا بوصفٍ (٤) (لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ) النَّبيَّ ﷺ (حَتَّى) أي: إلى أن (تَعْرِفَهُ) وجمع بين «كانت» الماضي وبين «لا تسمع» المضارع؛ استحضارًا للصُّورة الماضية لقوَّة تحقُّقها (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) عطفٌ على قوله: «أنَّ عائشة» (قَالَ: مَنْ) موصولٌ مُبتدَأٌ، و (حُوسِبَ) صلته، و (عُذِّبَ) خبر المُبتدَأ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: أَ) كان كذلك (وَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) وللأَصيليِّ وكريمة: « »، فـ «يقول»: خبر «ليس»، واسمها: ضمير الشَّأن، أو: أنَّ «ليس» بمعنى لا، أي: أَوَ لا يقول الله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]) أي: سهلًا لا يُناقَش فيه (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَقَالَ) (٥) رسول الله ﷺ : (إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ) بكسر الكاف لأنَّه خطابٌ لمؤنَّثٍ (٦) (وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: من ناقشه الله الحساب، أي: مَنِ استقصى حسابه (يَهْلِكْ) بكسر اللَّام وإسكان الكاف، جواب «مَن» الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط،
стр. 776
ويجوز رفع الكاف (١) لأنَّ الشَّرط إذا كان ماضيًا جاز في الجواب الوجهان، وللأَصيليِّ: «عُذِّب» بدل «يهلك» (٢)، والمعنى: أنَّ تحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب لأنَّ حسنات العبد متوقِّفَةٌ على القبول، وإن لم تحصل الرَّحمة المقتضية للقبول لا تقع النَّجاة، وظاهر قول ابن أبي مُلَيْكَة: أنَّ عائشة كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلَّا راجعت فيه، وفيه: الإرسال لأنَّ ابن أبي مُلَيْكَةَ تابعيٌّ لم يدرك مُراجَعَتها النَّبيَّ ﷺ ، لكنَّ قول عائشة: «فقلت (٣): أَوَليس» يدلُّ على أنَّه موصولٌ، والله أعلم.
(٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لِيُبَلِّغِ العِلْمَ) بالنَّصب (الشَّاهِدُ) بالرَّفع (الغَائِبَ) بالنَّصب، أي: لِيبلِّغِ الحاضرُ الغائبَ العلمَ، فـ «الشَّاهدُ»: فاعلٌ، و «الغائبَ»: مفعولٌ أوَّل له وإن تأخَّر في الذِّكر، و «العلمَ»: مفعولٌ ثانٍ وإن قدِّم في الذِّكر، و «اللَّام» في «لِيبلِّغ»: لام الأمر، وفي «الغَيْن» الكسر على الأصل في حركة التقاء السَّاكنين، والفتح لخفَّته (قَالَهُ) أي: رواه (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصله
стр. 777
المؤلِّف في «كتاب الحجِّ» في «باب الخطبة أيَّام مِنًى» [خ¦١٧٣٩] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لكن بحذف «العلم»، ولفظه: أنَّ رسول الله ﷺ خطب النَّاس يوم النَّحر، فقال: «أيُّها النَّاس؛ أيُّ يومٍ هذا؟» قالوا: يومٌ حرامٌ، وفي آخره: «اللَّهمَّ؛ هل بلَّغت؟»، قال ابن عبَّاسٍ: «فوالذي نفسي بيده، إنَّها لَوَصِيَّتُهُ إلى أمَّته، فليبلِّغ (١) الشَّاهد الغائب»، والظَّاهر: أنَّ المصنِّف ذكره بالمعنى لأنَّ المأمور بتبليغه هو العلم، أشار لمعناه في «الفتح».
١٠٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين، المقبريُّ (٢)، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «سعيد بن أبي سعيدٍ» ولغيرهم: «هو ابن أبي سعيدٍ» (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضمِّ المُعجَمَة وفتح الرَّاء آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، خويلد بن عمرو بن صخرٍ الخزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين ﵁، وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) بفتح العَيْن في الأولى وكسرها في الثَّانية، ابن العاصِ بن
стр. 778
أميَّة القرشيِّ الأمويِّ المعروف بالأشدق، قال ابن حجرٍ: وليست له صحبةٌ، ولا كان من التَّابعين بإحسانٍ (وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ) بضمِّ المُوحَّدة، جمع البَعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، والمعنى: يرسل الجيوش (إِلَى مَكَّةَ) -زادها الله تعالى شرفًا، ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ (١) - لقتال عبد الله بن الزُّبَيْر لكونه امتنع من مُبايَعَة يزيد بن معاوية في سنة إحدى وستِّين من الهجرة، واعتصم بالحرم، بلَّغنا الله المُجاوَرَة به في عافيةٍ (٢) بلا محنة، وكان عمرٌو والي يزيدَ على المدينة الشَّريفة: (ائْذَنْ لِي) يا (أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ) بالجزم لأنَّه جواب الأمر (قَوْلًا) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ «أحدِّث» (قَامَ بِهِ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي الوقت: «رسول الله» (٣) (¬ ﷺ الغَدَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (مِنْ (٤) يَوْمِ الفَتْحِ) أي: ثاني يوم فتح مكَّة، في العشرين من رمضان السَّنة الثَّامنة من الهجرة (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) أصله: أذنان لي، فسقطت النُّون لإضافته لياء المتكلِّم، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ للقول كجملة: «قام به النبيُّ ﷺ »، وهو ينفي أن يكون سَمِعَه من غيره (وَوَعَاهُ قَلْبِي) أي: حفظه وتحقَّق فهمه، وتثبَّت في تعقُّل معناه (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ) بتاء التَّأنيث «كسمعته أذناي» لأنَّ كلَّ ما هو (٥) في الإنسان من الأعضاء اثنان، كاليد والرِّجل (٦) والعين والأذن فهو مُؤنَّثٌ؛ بخلاف الأنف والرَّأس (٧)، والمعنى: أنَّه لم يكن اعتماده على الصَّوت من وراء حجابٍ، بل بالرُّؤية والمُشاهَدَة، وأتى بالتَّثنية تأكيدًا (حِينَ تَكَلَّمَ) ﷺ (بِهِ) أي: بالقول الذي أحدّثك (حَمِدَ الله) تعالى بيانٌ لقوله: «تكلَّم به» (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عطفٌ على سابقه من باب (٨) عطف العامِّ على الخاصِّ (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله) يوم خلق
стр. 779
السَّماوات والأرض (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) من قِبَلِ أنفسهم واصطلاحهم، بل حرَّمها الله تعالى بوحيه، فتحريمها ابتدائيٌّ من غير سببٍ يُعزَا لأحدٍ، فلا مدخل فيه لنبيٍّ ولا لغيره، ولا تنافيَ بين هذا وبين ما رُوِيَ أنَّ إبراهيم ﵊ حرَّمها (١) [خ¦٢١٢٩] إذِ المراد أنَّه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطُّوفان، واندرست حرمتها، وإذا كان كذلك (فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ) بكسر الرَّاء كالهمزة إذ هي تابعةٌ لها في جميع أحوالها، أي: لا يحلُّ لرجلٍ (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) يوم (٢) القيامة، إشارةٌ إلى المَبْدَأ والمَعَاد، والنِّساء شقائق الرِّجال (٣) (أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا) بكسر الفاء، وقد تُضَمُّ، وهما لغتان، قال في «العُبَاب»: سفكت الدَّم أسفِكه وأسفُكه سفكًا، وفي رواية المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «فيها» بدل «بها»، والباء بمعنى: «في»، و «أن» مصدريَّةٌ، أي: فلا يحلُّ سفك دمٍ فيها (٤)، والسَّفك: صبُّ الدَّم، والمُرَاد به: القتل (وَ) أن (لَا يَعْضِدَ بِهَا) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وتسكين العَيْن المُهمَلَة وكسر الضَّاد المُعجَمَة آخره دالٌ مهملة مفتوحة، أي: يقطع بالمِعْضَدِ؛ وهو آلة كالفأس (شَجَرَةً) أي: ذات ساقٍ، و «لا» زيدَت لتأكيد معنى النَّفيِ، أي: لا يحلُّ له أن يَعْضِدَ (فَإِنْ) ترخَّص (أَحَدٌ تَرَخَّصَ) برفع «أحدٌ» بفعلٍ مُقدَّرٍ يفسِّره ما بعده، لا بالابتداء لأنَّ «إنْ» من عوامل الفعل، وحُذِفَ الفعل وجوبًا لئلا يجمع بين
стр. 780
المفسِّر والمفسَّر، وأبرزته لضرورة البيان، والمعنى: إن قال أحدٌ: ترك القتال عزيمةٌ، والقتال رخصةٌ تتعاطى عند الحاجة (لِقِتَالِ) أي: لأجل قتال (رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا) مستدلًّا بذلك (فَقُولُوا) له: ليس الأمر كذلك (إِنَّ اللهَ) تعالى (قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) ﷺ خصيصةً له (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي) الله في القتال فقط (فِيهَا) أي: مكَّة، وهمزة «أَذِنَ» مفتوحةٌ، ويجوز ضمُّها على البناء للمفعول، ولأبي ذَرٍّ كما في الفرع وأصله (١) إسقاط لفظة: «فيها» اختصارًا للعلم به، فقال: أذن لي (سَاعَةً) أي: في ساعةٍ (مِنْ نَهَارٍ) وهي من طلوع الشَّمس إلى العصر؛ كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أحمد، فكانت مكَّة في حقِّه ﷺ في تلك السَّاعة (٢) بمنزلة الحِلِّ (ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ) أي: تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من لفظ «الإذن» في اليوم المعهود وهو يوم الفتح، إذ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره (كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) الذي قبل يوم الفتح (وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضرُ (الغَائِبَ) بالنَّصب مفعول «الشَّاهد»، ويجوز كسر لام «لِيبلِّغ» وتسكينها، فالتَّبليغ عن الرَّسول ﵊ فرض كفايةٍ (فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) المذكور: (مَا قَالَ عَمْرٌو؟) أي: ابن سعيدٍ المذكور في جوابك، فقال: (قَالَ) عمروٌ: (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ أنَّ مكَّةَ (٣)) يعني: صحَّ سماعك وحفظك، لكن ما فهمت المعنى؛ فإنَّ مكَّة (لَا تُعِيذُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة والذَّال المُعجَمَة، أي: لا تعصم (عَاصِيًا) من إقامة الحدِّ عليه، وفي رواية غير الأربعة (٤): «إنَّ الحرم لا يُعيذ» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة «عاصيًا» (وَلَا فَارًّا) بالفاء، والرَّاء المُشدَّدة (بِدَمٍ) أي: مصاحبًا بدمٍ، ومتلبِّسًا به،
стр. 781
وملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحدِّ عليه (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) أي: بسبب خَرْبَةٍ؛ وهي بفتح المُعجَمَة وبعد الرَّاء السَّاكنة مُوحَّدةٌ، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ عنِ (١) المُستملي تفسيرها فقال: «بِخَرْبَةٍ؛ يعني: السَّرقة» وفي رواية الأَصيليِّ -كما قاله القاضي عياضٌ-: «بخُربةٍ» بضمِّ الخاء، أي: الفساد، وزاد البدر الدَّمامينيُّ الكسر مع إسكان الرَّاء كذلك، وقال: على المشهور، أي: في الرَّاء، قال: و (٢) أصلها سرقة الإبل، وتُطلَق على كلِّ خيانةٍ. انتهى. وقد حاد عمرٌو عن الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهره حقٌّ لكن أراد به الباطل، فإنَّ أبا شُرَيْحٍ الصَّحابيَّ أنكر عليه بعثة (٣) الخيل إلى مكَّة، واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها، فأجابه (٤): بأنَّه لا يمنع من إقامة القصاص، وهو الصَّحيح، إلَّا أنَّ ابن الزُّبَيْر لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءٌ، بل هو أَوْلى بالخلافة من يزيد بن معاوية؛ لأنَّه بُويِع قبله، وهو صاحب النَّبيِّ ﷺ ، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٢].
ورواة هذا الحديث الأربعة (٥) ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٢] و «المغازي» [خ¦٤٢٩٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والتِّرمذيُّ فيه وفي «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و «العلم»، والله الموفِّق.
١٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّدٍ الحَجَبِيُّ؛ بفتح الحاء المُهمَلَة
стр. 782
والجيم وبالمُوحَّدَة، البصريُّ الثِّقة الثَّبْت، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي: ابن زيدٍ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَة) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أبيِ بَكْرَةَ) نُفَيْع، كذا في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي، وهو الصَّواب، كما سبق في «كتاب العلم» [خ¦٦٧] من طريقٍ أخرى، وهو الذي رواه سائر رواة (١) الفَِرَبْرِيِّ، ووقع في نسخة أبي ذَرٍّ فيما قيَّده عن الحَمُّويي وأبي الهيثم عن الفَِرَبْرِيِّ: «عن محمَّد عن أبي بكرة» فأسقط «ابن» أبي بكرة، كذا قاله أبو عليٍّ الغسَّانيُّ، والصَّواب الأوَّل، قال أبو بكرة: حال كونه (ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ (٢)) بضمِّ الذَّال مبنيًّا للمفعول، وفي (٣) نسخةٍ: مبنيًّا للفاعل (قَالَ (٤)) وللأَصيليِّ أيضًا (٥): «فقال» أي: النَّبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع: أي (٦) يوم … الحديثَ السَّابق في «باب رُبَّ مُبلَّغٍ» من «كتاب العلم» [خ¦٦٧] واقتصر منه (٧) هنا على بيان التَّبليغ؛ إذ هو المقصود، فقال: (فَإِنَّ) بفاء العطف على المحذوف كما تقرَّر (دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين (وَأَحْسِبُهُ) أي: وأظن أنَّ ابن أبي بكرة (قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ-) بالنَّصب عطفًا على السَّابق (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) أي: فإنَّ انتهاك دمائكم، وانتهاك أموالكم، وانتهاك أعراضكم، عليكم حرامٌ؛ يعني: مال بعضكم حرامٌ على بعضٍ، لا أن مال (٨) الشَّخص عليه حرام، كما دلَّ عليه (٩) العقل، ويؤيِّده رواية: «بينكم» بدل «عليكم» (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) وهو يوم النَّحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة (أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وكسر لام «لِيبلِّغِ» الثَّانية وغَيْنِها للسَّاكنين (وَكَانَ مُحَمَّدٌ)
стр. 783
يعني: ابن سيرين (يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، كَانَ ذَلِكَ) أي: إخباره ﵊ بأنَّه سيقع التَّبليغ فيما بعد، فيكون الأمر كذلك في قوله: «لِيبلِّغ» بمعنى الخبر لأنَّ التَّصديق إنَّما يكون للخبر لا للأمر، أو يكون إشارةً إلى تتمَّة الحديث وهو (١) أنَّ الشَّاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه؛ يعني: وقع تبليغ الشَّاهد، أو إشارةً إلى ما بعده وهو التَّبليغ الذي في ضمن «ألا هل بلَّغت»؛ يعني (٢): وقع تبليغ الرَّسول إلى الأمَّة، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ وغيره، وفي روايةٍ: «قال ذلك» بدل قوله: «كان ذلك» (٣) (أَلَا) بالتَّخفيف أيضًا، أي: يا قوم (هَلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ (٤)) أي: قال: «هل بلَّغت؟» مرَّتين، لا أنَّه قال الجميع مرَّتين؛ إذ لم يثبت، فقوله: «كان (٥) محمَّد … » إلى آخره اعتراضٌ، و «أَلَا هل بلَّغت» من كلامه ﷺ .
(٣٨) هذا (بابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) أعاذنا الله من ذلك، ومن سائر المهالك.
١٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن آخره دالٌ مُهْمَلَتين، الجوهريُّ البغداديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو
стр. 784
ابن المعتمر (قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ) بكسر الرَّاء وسكون المُوحَّدة وكسر المُهْمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (بْنَ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المُهْمَلَة وتخفيف الرَّاء وبالشِّين المُعْجَمَة، ابن جَحْشٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُهْمَلَة، آخره شينٌ مَعْجَمَةٌ، الغطفانيَّ العبسيَّ -بالمُوحَّدة- الكوفيَّ الأعور؛ قِيلَ: إنَّه لم يكذب قطُّ، وحلف ألَّا يضحك حتَّى يعلم أين مصيرُه، فما ضحك إلَّا عند موته، وتُوفِّي في خلافة عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومئةٍ، أو سنة أربعٍ ومئةٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا) أي: ابن أبي طالبٍ، أحد السَّابقين إلى الإسلام، والعشرة المُبشَّرَة بالجنَّة، والخلفاء الرَّاشدين، والعلماء الرَّبانيِّين، والشُّجعان المشهورين، وَلي الخلافة خمس سنين، وتُوفِّي بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين، عن ثلاثٍ وستِّين سنةً ﵁، وكان ضربه عبد الرَّحمن بن مُلْجمٍ بسيفٍ مسمومٍ، وله في «البخاريِّ» تسعةٌ وعشرون حديثًا، أي: سمعت عليًّا حال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ) بصيغة الجمع، وهو عامٌّ في كلِّ كاذبٍ (١)، مُطلَقٌ في كلِّ نوعٍ منه في الأحكام وغيرها كالتَّرغيب والتَّرهيب، ولا مفهوم لقوله: «عليَّ» لأنَّه لا يُتصوَّر أن يُكذَب له؛ لأنَّه ﵊ نهى عن مُطلَق الكذب (فَإِنَّهُ) أي: الشَّأن (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ) أي: فليدخل فيها، هذا جزاؤه، وقد يعفو الله تعالى عنه،
стр. 785
ولا يُقطَع عليه بدخول (١) النَّار كسائر أصحاب الكبائر غير الكفر، وقد جعل الأمر بالولوج مُسبَّبًا عن الكذب لأنَّ لازم الأمر الإلزام، والإلزام بولوج (٢) النَّار بسبب الكذب (٣) عليه، أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيِّده رواية مسلمٍ: «من يكذب (٤) عليَّ يلجِ النار»، ولابن ماجه: «فإنَّ الكذب عليَّ يولج النَّار»، وقيل: دعاءٌ عليه، ثمَّ أُخرِجَ مخرج الذَّمِّ.
١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) المحاربيِّ الكوفيِّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة ثمانِ عشْرةَ ومئةٍ (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام الأسديِّ القرشيِّ، اشترى نفسه من الله ستَّ مرَّاتٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الزُّبَيْر الصَّحابيِّ، أوَّل مولودٍ وُلِدَ في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، وكان أطلسَ لا لحيةَ له، وتُوفِّيَ سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) بن العوَّام؛ بتشديد الواو، حواريِّ رسول الله ﷺ ، وأحد العشرة المُبشَّرة (٥) بالجنَّة، المُتوفَّى بوادي السِّباع بناحية البصرة سنة ستٍّ وثلاثين، بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله في «البخاريِّ» تسعة (٦) أحاديث: (إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا
стр. 786
يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) أي: كتحديث فلانٍ وفلانٍ، وسمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله ابن مسعود (قَالَ) أي: الزُّبَيْر: (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم: حرف استفتاحٍ ولذا كُسِرَت همزة «إنَّ» بعدها في قوله: (إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ) ﷺ ، زاد الإسماعيليُّ: «منذ أسلمت» والمُرَاد: المُفَارَقة العرفيَّة الصَّادقة بأغلب الأحوال (١)، وإلَّا فقد هاجر إلى الحبشة ولم يكن مع النَّبيِّ ﷺ في حال هجرته إلى المدينة، لكن أُجِيب عن هجرة الحبشة: بأنَّها كانت قبل ظهور شوكة الإسلام، أي: ما فارقته عند ظهور شوكته (وَلَكِنْ) وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي ذَرٍّ والحَمُّويي: «ولكنِّي» وفي روايةٍ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «ولكنَّني» إذ يجوز في «إنَّ» وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدمه (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلِْيَتَبَوَّأْ) بكسر اللَّام على الأصل، وبسكونها على المشهور، و «مَنْ»: موصولٌ متضمِّنٌ معنى الشَّرط، والتَّالي صلته، و «فليتبوَّأْ» جوابه، أمرٌ مِنَ التَّبوُّء، أي: فَلْيَتَّخِذْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: فيها، والأمر هنا معناه الخبر، أي: أنَّ الله تعالى يبوِّئه مقعده من النَّار، أو أمرٌ على سبيل التَّهكُّم والتَّغليظ، أو أمر تهديدٍ، أو دعاءٌ على معنى: بوَّأه الله، وإنَّما خشيَ الزُّبَيْر من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر لأنَّه وإن لم يأثم بالخطأ لكن (٢) قد يأثم بالإكثار؛ إذِ الإكثار مظنَّة الخطأ، والثِّقة إذا حدَّث بالخطأ فَحُمِلَ عنه وهو لا يشعر أنَّه خطأٌ يُعمَل به على الدَّوام للوثوق بنقله، فيكون
стр. 787
سببًا للعمل بما لم يقله الشَّارع، فمن خشيَ من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يُؤمَن عليه الإثمُ إذا تعمَّد الإكثار، فمن ثمَّ توقَّف الزُّبير وغيره من الصَّحابة عن الإكثار من التَّحديث، وأمَّا من أكثر منهم فمحمولٌ على أنَّهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتَّثبُّت، أو طالت أعمارهم فاحتِيج إلى ما عندهم، فسُئلوا فلم يُمْكِنْهُمُ الكتمانُ، قاله الحافظ ابن حجرٍ.
١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العَيْن المُهْمَلة، عبد الله بن عمرو المنقريُّ البصريُّ المعروف بالمُقعَد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّميميُّ (١) البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ الأعمى البصريِّ، أنَّه (٢) قال: (قَالَ أَنَسٌ) أي: ابن مالكٍ ﵁، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت بإسقاط: «قال» الأولى: (إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ) بكسر همزة «إنَّ» الأولى مع التَّشديد وفتح الثَّانية مع التَّخفيف، أي: ليمنعني تحديثكم (حَدِيثًا كَثِيرًا) بالنَّصب فيهما، والمُرَاد: جنس (٣) الحديث، ومن ثمَّ وصفه بالكثرة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا) عامٌّ في جميع أنواع الكذب لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كالنَّكرة في سياق النَّفيِ في إفادة العموم، والمُختَار أنَّ الكذب عدمُ مُطابقةِ الخبر للواقع، ولا يُشتَرَط في كونه كذبًا تعمُّدُه، والحديث يشهد له لدلالته على انقسام الكذب إلى مُتعمَّدٍ وغيره (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) فأفاد
стр. 788
أنسٌ أن توقِّيه من التَّحديث لم يكن للامتناع من أصل التَّحديث؛ للأمر بالتَّبليغ، وإنَّما هو؛ لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ، وقد ذهب الجوينيُّ إلى كفرِ مَنْ كَذَبَ متعمِّدًا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وردَّ (١) عليه ولده إمام الحرمين، وقال: إنَّه من هفوات والده (٢)، وتبعه من بعده فضعَّفوه، وانتصر له ابن المُنَيِّر: بأنَّ خصوصيَّة الوعيد توجب ذلك؛ إذ لو كان بمُطلَق النَّار لكان كلُّ كاذبٍ كذلك، عليه وعلى غيره، فإنَّما الوعيد بالخلود، قال (٣): ولهذا قال (٤): «فليتبوَّأ» أي: فَلْيَتَّخِذْهَا مَبَاءَةً ومَسْكَنًا، وذلك هو الخلود، وبأنَّ الكاذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا لا ينفكُّ عن استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفرٌ، والحمل على الكفر كفرٌ، وأُجِيب عن الأوَّل: بأنَّ دلالة التَّبوُّؤ على الخلود غير مُسلَّمةٍ، ولو سُلِّمَ، فلا نُسلِّم (٥) أنَّ الوعيد بالخلود مُقتَضٍ للكفر بدليل متعمِّد القتل الحرام، وأُجِيب عن الثَّاني: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ الكذب عليه ملازمٌ لاستحلاله أو (٦) لاستحلال مُتعلّقه، فقد يكذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا، مع قطعه بأنَّ الكذب عليه حرامٌ، وأنَّ ذلك الحرام ليس بِمُسْتَحَلٍّ، كما تُقْدِمُ العصاة من المؤمنين على ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم حرمتها. انتهى.
стр. 789
١٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «حدَّثني المكيُّ» بالإفراد والتَّعريف، وفي أخرى: «حدَّثني مكِّيٌّ» بالإفراد والتَّنكير (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البلخيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العَيْن الأسلميُّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستٍّ أو سبعٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام (بْنِ الأَكْوَع) واسم الأكوع: سنان بن عبد الله، الأسلميُّ المدنيّ (١)، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وسبعين، وهو ابن ثمانين سنةً، وله في «البخاريِّ» عشرون حديثًا (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ) أصله: يقول، حُذِفَت «الواو» للجزم لأجل الشَّرط (مَا لَمْ أَقُلْ) أي: الذي لم أَقُلْه، وكذا لو نقل ما قاله بلفظٍ يوجب تغيير (٢) الحكم، أو نسب إليه فعلًا لم يَرِدْ عنه (فَلْيَتَبَوَّأْ) جواب الشَّرط السَّابق (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) لِمَا فيه من الجرأة على الشَّريعة وصاحبها ﷺ ، فلو نقل العالِمُ معنى قوله بلفظٍ غير لفظه لكنَّه مُطَابِقٌ لمعنى لفظه فهو نقلٌ سائغٌ عند المحقِّقين، وفي هذا الحديث زيادةٌ على ما سبق: التَّصريح بالقول لأنَّ السَّابق أعمُّ من نسبة القول والفعل إليه (٣).
стр. 790
١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت (١): «حدَّثني» (مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهْمَلَتَين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو ثمانٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الدَّوسيِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَسَمَّوْا) بفتح التَّاء والسِّين والميم المُشدَّدة، أمرٌ بصيغة الجمع من «باب التَّفعُّل» (بِاسْمِي) محمَّدٍ وأحمدَ (وَلَا تَكْتَنُوا) بفتح التَّاءين بينهما كافٌ ساكنةٌ، وفي رواية الأربعة: «ولا تَكَنَّوا» بفتح التاء (٣) والكاف ونونٍ مُشَدَّدةٍ من غير تاءٍ ثانيةٍ من «باب التَّفَعُّل» من (٤): تَكنَّى يتكنَّى تَكَنِّيًا، وأصله: لا تتكَنَّوا فحُذِفَت إحدى التَّاءين، أو بضمِّ التَّاء وفتح الكاف، وضمِّ النُّون المُشدَّدة من «باب التَّفعيل» من كنَّى يكنِّي تَكْنِيَةً، أو بفتح التَّاء وسكون الكاف وكلُّها من الكناية (بِكُنْيَتِي) أبي القاسم، وهو من باب عطف المنفيِّ على المُثبَت (وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) حقًّا (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي) أي: لا يتمثَّل بصورتي، وَتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى، وفي كتاب (٥) «المواهب» من ذلك ما يكفي ويشفي (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) مقتضَى هذا الحديث استواء (٦)
стр. 791
تحريم الكذب عليه في كلِّ حالٍ، سواءٌ في اليقظة والنَّوم، وقد أورد المصنِّف حديث: «من كذب عليَّ» ههنا عن جماعةٍ من الصَّحابة: عليٍّ والزُّبَيْر وأنسٍ وسلمةَ وأبي هريرة، وهو حديثٌ في غاية الصِّحَّة ونهاية القوَّة، وقد أَطْلَقَ القولَ بتواتره جماعةٌ، وعُورِضَ بأنَّ المتواتر شرطه استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودةً في كلِّ طريقٍ بِمُفرَدِها، وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد من «إطلاق تواتره» رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كلِّ عصرٍ، وهذا كافٍ في إفادة العلم.
(٣٩) هذا (بابُ كِتَابَةِ العِلْمِ).
١١١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، قال في «الكمال»: وقد يُشدِّده من لا يعرف، وقال الدَّارقُطنيُّ: بالتَّشديد لا بالتَّخفيف، البيكنديُّ، ولغير أبي ذَرٍّ: «محمَّد بن سلامٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) أي: ابن الجرَّاح بن مليحٍ الكوفيُّ، المُتوفَّى يوم عاشوراء سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أوِ ابنِ عُيَيْنَةَ، وجزم في «فتح الباري» بالأوَّل لشهرة وكيعٍ بالرِّواية عنه، ولو كان ابنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ المؤلِّف لأنَّ إطلاق الرِّواية عن متَّفقي الاسم يقتضي أن يُحمَل من أُهْمِلت نِسبتُه على من يكون له به خصوصيَّةٌ من إكثارٍ ونحوه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أبا مسعودٍ الدِّمشقيَّ قال في «الأطراف»: إنَّه ابن عُيَيْنَةَ، وأُجِيب (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم
стр. 792
وفتح الطَّاء وكسر الرَّاء المُشدَّدة آخره فاءٌ، ابن طَريفٍ؛ بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، الحارثيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين وسكون العَيْن المُهمَلَة، واسمه: عامرٌ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالفاء، واسمه: وهب بن عبد الله، السُّوَائِيِّ؛ بضمِّ السِّين المُهمَلَة وتخفيف الواو وبالمدِّ، الكوفيِّ، من صغار الصَّحابة، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ»: (هَلْ عِنْدَكُمْ) أهلَ البيت النَّبويِّ. أو «الميم» للتَّعظيم (كِتَابٌ) أي: مكتوبٌ خصَّكم به رسول الله ﷺ دون غيركم من أسرار علم الوحي، كما تزعمه (١) الشِّيعة؟ (قَالَ) عليٌّ: (لَا) كتابَ عندنا (إِلَّا كِتَابُ اللهِ) بالرَّفع بدلٌ من المُستثنَى منه (أَوْ فَهْمٌ) بالرَّفع (أُعْطِيَهُ) بصيغة المجهول وفتح الياء (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) من فحوى الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظَّاهر من نصِّه، ومراتب النَّاس في ذلك متفاوتةٌ، ويُفهَم منه: جواز استخراج العالِم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عنِ المفسِّرين إذا وافق أصول الشَّريعة، ورُفِعَ «فَهْمٌ» بالعطف على سابقه، فالاستثناء متَّصلٌ قطعًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: الظَّاهر أنَّه منقطعٌ، فمدفوعٌ بأنَّه لو كان من غير الجنس لكان قوله: «أو فَهْمٌ» منصوبًا؛ لأنَّه عطفٌ على المُستثنَى، والمُستثنَى إذا كان من غير جنس المُستثنَى منه يكون منصوبًا، وما عُطِفَ عليه كذلك، ثمَّ عطف على قوله: «كتابُ الله»، قوله: (أَوْ مَا) أي:
стр. 793
الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) وهي: الورقة المكتوبة، وكانت مُعلَّقةً بقبضة سيفه إما احتياطًا أوِ استحضارًا، وإمَّا لكونه منفردًا بسماع ذلك، وللنَّسائيِّ: فأخرج كتابًا من قراب سيفه (قَالَ) أبو جُحَيفة: (قُلْتُ: ومَا) وفي روايةِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فما» وكلاهما للعطف، أي: أيُّ شيءٍ (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) عليٌّ ﵁: فيها (العَقْلُ) أي: حكمُ العَقل، وهو الدِّية؛ لأنَّهم كانوا يعطُون (١) فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحقِّ للعقل، والمُرَاد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها (وَفَِكَاكُ) بفتح الفاء (٢) ويجوز كسرها، وهو ما يحصل به خلاص (الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) بضمِّ اللَّام عطفُ جملةٍ فعليَّةٍ على جملة اسميَّةٍ، أي: وفيها العقل، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن (٣) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وأنْ لا يُقتَل» بزيادة «أن» المصدريَّة النَّاصبة، وعُطِفَتِ الجملة على المُفرَد لأنَّ التَّقدير فيها، أي: في الصَّحيفة حكمُ العقل، وحكمُ تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوفٌ، وحينئذٍ فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، وحرمة قصاص المسلم بالكافر هو مذهب إمامنا الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ والأوزاعيِّ واللَّيث، وغيرهم من العلماء، خلافًا للحنفيَّة، ويدلُّ لهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَتَلَ مسلمًا بمعاهدٍ، وقال: «أنا أَكْرَمُ من وَفَّى بذمَّته» الحديثَ، رواه الدَّارقُطنيُّ لكنَّه ضعيفٌ فلا يُحتَجُّ به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى، ووقع عند المصنِّف ومسلمٍ قال: ما عندنا شيءٌ نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصَّحيفة، فإذا فيها: «المدينة حَرَمٌ (٤)» [خ¦١٨٦٧]، ولمسلمٍ: وأخرج صحيفةً مكتوبةً فيها: «لَعَنَ اللهُ مَن ذَبَحَ لغيرِ الله»، وللنَّسائيِّ: فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ (٥) دماؤهم يسعى بذمَّتهم
стр. 794
أدناهم … » الحديثَ، ولأحمد: «فيها فرائض الصَّدقة»، والجمع بَيْن هذه: أنّ الصَّحيفة كانت واحدةً، وكان جميع ذلك مكتوبًا (١) فيها، فنقل كلٌّ من الرُّواة عنه ما حفظ.
١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بضمِّ الدَّال المُهمَلَة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المُعجَمَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن عبد الرَّحمن، النَّحويُّ المؤدِّبُ البصريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وستِّين ومئةٍ في خلافة المهديِّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ صالح بن المتوكِّل الطَّائيِّ مولاهم العطَّار، أحد الأعلام الثِّقات العُبَّاد، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وللمؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦٦٨٨٠]: حدَّثنا أبو سلمة قال: حدَّثنا أبو هريرة: (أَنَّ خُزَاعَةَ) بضمِّ الخاء المُعجَمَة وبالزَّاي، غير مصروفٍ (٢) للعلميَّة والتَّأنيث؛ وهم حيٌّ من الأزد (قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ) في السِّيرة: أنَّ خِراش بن أميَّة
стр. 795
الخُزاعيَّ قتل جندب بن الأَثْوع الهذليَّ بقتيلٍ قُتِل في الجاهليَّة يُقال له: أحمرُ، وعلى هذا فيكون قوله: «أنَّ خزاعة قتلوا» أي: واحدًا منهم، فأُطلِقَ عليه اسم «الحيِّ» مجازًا (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة وكسر المُوحَّدة (بِذَلِكَ النَّبِيُّ) بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل (¬ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ) النَّاقة التي تصلح أن يُرحَل عليها (فَخَطَبَ) رسول الله ﷺ (فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ) (حَبَسَ) أي: منع (عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ) بالقاف المفتوحة والمُثنَّاة الفوقيَّة (-أَوِ الفِيلَ) بالفاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة: الحيوان المشهور (شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ-) أي: البخاريّ، وسقط قوله «شَكَّ أبو عبد الله» عند أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ، وللأربعة: «قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نُعيمٍ» هو الفضل بن دُكَينٍ، وأراد به أنَّ الشَّكَّ فيه من شيخه (١) «واجعلوا» بصيغة الأمر، وللأَصيليِّ: «واجعلوه» بضمير النَّصب، أي: اجعلوا اللَّفظ «على الشَّكِّ: الفيل -بالفاء- أوِ القتل -بالقاف-، وغيره -أي: غير أبي نُعيمٍ ممَّن رواه عن الشَّيبانيِّ (٢) رفيقًا لأبي نُعيمٍ، وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان، وهو حرب بن شدَّادٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «الدِّيات» [خ¦٦٨٨٠]-، يقول: الفيل» -بالفاء- من غير شَكٍّ، والمُرَاد بـ «حبس الفيل»: أهل الفيل الذين غزَوا مكَّة، فمنعها الله تعالى منهم كما أشار إليه تعالى في القرآن، وهذا (٣) تصريحٌ من المصنِّف بأنَّ الجمهور على رواية «الفيل» بالفاء، وفي بعض النُّسخ ممَّا ليس في «اليونينيَّة» (٤): «إنَّ الله حبس عن مكَّة القتل أو الفيل؛ كذا قال أبو نُعيمٍ، واجعلوا على الشَّكِّ: القتل أو الفيل» وفي روايةٍ: «قال محمَّد» أي: البخاريُّ «وجعلوه» أي: الرُّواة «على الشَّكِّ، كذا قال أبو نُعيم: الفيل أو القتل» وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: «الفتك» بالفاء والكاف، أي: سفك الدَّم على غفلةٍ، أي: بدل القتل، ووجهه ظاهرٌ، لكن لا أعلمه رُوِيَ كذلك، ولا يبعد أن يكون
стр. 796
تصحيفًا، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ) بضمِّ السِّين بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللهِ) نائبٌ عنِ الفاعل (¬ ﷺ وَالمُؤْمِنونَ) رُفِعَ بالواو عطفٌ عليه، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، ولغيره: «وسَلَّط» بفتح السِّين، أي: الله «عليهم رسولَ الله» مفعوله «والمؤمنين» نُصِبَ بالياء عطفًا عليه (أَلَا) بفتح الهمزة مع (١) تخفيف اللَّام، إنَّ الله قد حبس عنها (وَإِنَّهَا) ولأبي ذَرٍّ: «فإنَّها» بالفاء (لَمْ تَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه (لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ) بضمِّ اللَّام، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولم تحلَّ» (لأَحَدٍ بَعْدِي) واستُشكِلت هذه الرِّواية فإنَّ «لم» تقلبُ المضارع ماضيًا، ولفظ «بعدي» للاستقبال، فكيف يجتمعان؟ وأُجِيب: بأنَّ المعنى: لم يحكم الله في الماضي بالحلِّ في المُستقبَل (أَلَا) بالتَّخفيف مع الفتح أيضًا (وَإِنَّهَا) بالعطف على مُقدَّرٍ كالسَّابقة (حَلَّتْ (٢) لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا) بالتخفيف أيضًا (وَإِنَّهَا) بواو العطف كذلك (سَاعَتِي) أي: في ساعتي (هَذِهِ) التي أتكلَّم فيها بعد الفتح (حَرَامٌ) بالرَّفع على الخبريَّة؛ لقوله: إنَّها، أي مكَّة، واستُشكِل بكون «مكَّةَ» مُؤنَّثَةٌ، فلا تَطابقَ بين المُبتدَأ والخبر المذكور، وأُجِيب: بأنَّه مصدرٌ في الأصل يستوي فيه التَّذكير والتَّأنيث، والإفراد والجمع (لَا يُخْتَلَى) بضمِّ أوَّله وبالمُعجَمَة؛ أي (٣) لا يُقطَع ولا يُجَزُّ (شَوْكُهَا) إلَّا المؤذي كالعوسج، واليابس كالحيوان المؤذي والصَّيد الميت (٤) (وَلَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه المُعجَم؛ أي (٥) لا يُقطَع (شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ (٦)) بالبناء للمفعول (سَاقِطَتُهَا) أي: ما سقط فيها بغفلة مالكه (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) أي: معرِّفٍ، فليس لواجدها غير التَّعريف، ولا يملكها، هذا مذهبنا، كذا في «الأصل»
стр. 797
(فَمَنْ قُتِلَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، أي: قُتِلَ له قتيلٌ، كما في «الدِّيات» عند المصنِّف [خ¦٦٨٨٠] (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أي: أفضلهما، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بخيرٍ» بالتَّنوين، وإسقاط: «النَّظرين»، وفي نسخة الصَّغَانيِّ: «فمن قُتِلَ له قتيلٌ» وصُحِّح على قوله: «له قتيلٌ» (١)، كذا قدَّر المحذوف هنا الحافظ ابن حجرٍ كالخطَّابيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه يلزم منه حذف الفاعل، وقال البرماويُّ: أي: المستحقُّ لِدِيَتِه مخيَّرٌ (٢)، وهو معنى قول البدر الدَّمامينيِّ: يمكن جعل الضَّمير من قوله: «فهو» عائدًا إلى الوليِّ المفهوم من السِّياق، وقال العينيُّ: التَّحقيق أن يُقدَّر فيه مُبتدَأٌ محذوفٌ، وحذفه سائغٌ، والتَّقدير: فمن أهله قُتِلَ فهو بخير النَّظرين، فـ «مَنْ» مبتدأٌ، و «أهلُه قُتِلَ» جملةٌ من المُبتدَأ والخبر وقعت صلةً للموصول، وقوله: «فهو» مُبتدَأٌ، وقوله: «بخير النَّظرين» خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل، والضَّمير في «قُتِلَ» يرجع إلى «الأهل» المُقدَّر، وقوله: «هو» يرجع إلى «مَنْ»، و «الباء» في «بخير النَّظرين» مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: فهو مرضيٌّ بخير النَّظرين، أو عاملٌ أو مأمورٌ (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) أي: يُمكَّن (أَهْلُ القَتِيلِ) من القتل (٣)، يُقَال: أقدت القاتل بالمقتول، أي: اقتصصته منه، فالنَّائب عن الفاعل ضميرٌ فيه يعود للمفعول، أي: يُؤخَذ له القَوَدُ أو نحو ذلك، وبهذا يزول الإشكال؛ إذ لولا التَّقدير كان المعنى: وإمَّا أن يُقتَل أهل القتيل، وهو باطلٌ، قال الدَّمامينيُّ: ولعلَّ معنى «يُقَاد»: يُمكَّن من القَوَد وهو القتل، أي: وإمَّا أن يُمكَّن أهلُ القتيل مِنَ القَوَد، فيستقيم المعنى (٤)، والفعلان مبنيَّان للمفعول، وهمزة «إمَّا» التَّفصيليَّة مكسورةٌ، و «أن» المصدريَّة مفتوحةٌ في الأربعة (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) هو أبو شَاهٍ؛ بشينٍ
стр. 798
مُعجَمَةٍ وهاءٍ منوَّنةٍ، كما في «فتح الباري» (فَقَالَ: اكْتُبْ لِي) أي: الخطبة التي سمعتها منك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ) ﷺ : (اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ) أي: لأبي شَاهٍ (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو العبَّاس بن عبد المُطَّلِب: قل يا رسول الله: «لا يُختلَى شوكُها ولا يُعضَدُ شجرُها» (إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ) بكسر الهمزة وسكون الذَّال وكسر الخاء المُعجَمَتين؛ وهو نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة، ويجوز فيه: الرَّفعُ على البدل من السَّابق، والنَّصبُ على الاستثناء لكونه واقعًا بعد النَّفي (فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا) للسّقف فوق الخشب، أو يخلط بالطِّين لئلَّا ينشقَّ (١) إذا بُنِيَ به (وَقُبُورِنَا) نسدُّ به فُرَجَ اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنَات (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بوحيٍ في الحال أو قبل ذلك، أو أنَّه إن طلب منه أحدٌ استثناءَ شيءٍ منه فاستَثْنِه (إِلَّا الإِذْخِرَ) وللأَصيليِّ (٢): «إلَّا الإِذْخِرَ -مرَّتين-»، فتكون الثَّانية للتَّأكيد، وفي فرع «اليونينيَّة» هنا زيادةٌ؛ وهي: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ» أي: البخاريّ: «يُقَالُ: يُقَادُ؛ بِالقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ (٣): كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ» وليس هذا التَّفسير عند أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر.
١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ المكيُّ الجمحيُّ، أحد الأئمَّة المجتهدين، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بضمِّ الميم وفتح النُّون وكسر المُوحَّدة المُشدَّدة، ابن كامل بن سَيجٍ؛ بفتح السِّين المُهمَلَة -وقِيلَ: بكسرها- وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة في آخره جيمٌ،
стр. 799
الصَّنعانيُّ الأبناويُّ (١) الذِّماريُّ؛ بالمُعجَمَة، المُتوفَّى سنة أربع عشْرةَ ومئةٍ (عَنْ أَخِيهِ) هَمَّام بن منبِّهٍ، المُتوفَّى سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵁ (يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ) بالرَّفع اسم «ما» النَّافية (أَكْثَرَ) بالنَّصب خبرها (حَدِيثًا) بالنَّصب على التَّمييز (عَنْهُ) ﷺ (مِنِّي) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أكثرُ (٢)» بالرَّفع صفة «أحدٌ»، كذا أعربه العينيُّ والكِرمانيُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: قوله: «اسم ما» يقتضي أنَّها عاملةٌ، وأحد الشُّروط متخلِّفٌ وهو تأخير الخبر، واغتفارهم لتقدُّم الظَّرف دائمًا إنَّما هو إذا كان معمولًا للخبر لا خبرًا، وأمَّا نصب «أكثرَ» فيحتمل أن يكون حالًا من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المتقدِّم على بحثٍ فيه، فتأمَّله، قال: والذي يظهر أنَّ «مَا» هذه مُهمَلَةٌ غير عاملةٍ عمل «ليس»، وأنَّ «أحدٌ» مَبتدَأٌ، و «أكثر» صفته، و «من أصحاب النبي ﷺ » خبره. انتهى (إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص ﵄ (فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَ) أنا (لَا أَكْتُبُ) أي: لكنَّ الذي كان من عبد الله بن عمرٍو - وهو الكتابة- لم يكن (٣) منِّي، والخبر محذوفٌ بقرينة «ما» في الكلام،
стр. 800
سواءٌ لزم منه كونه أكثرَ حديثًا لما تقتضيه عادة المُلازَمَة مع الكتابة، أم لا، ويجوز أن يكون الاستثناء متَّصلًا نظرًا إلى المعنى؛ إذ «حديثًا» وقع تمييزًا، والتَّمييز كالمحكوم عليه، فكأنَّه قال: ما أحدٌ حديثه أكثر من حديثي إلَّا أحاديث حصلت من عبد الله، ويُفهَم منه: جزم أبي هريرة ﵁ بأنَّه ليس في الصَّحابة أحدٌ أكثر حديثًا عنِ النَّبيِّ ﷺ منه إلَّا عبد الله بن عمرٍو، مع أنَّ الموجود عن عبد الله بن عمرٍو أقلُّ من الموجود المرويِّ عن أبي هريرة بأضعافٍ لأنَّه سكن مصر، وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي هريرة فإنَّه استوطن المدينة، وهي مقصد المسلمين من كلِّ جهةٍ، وروى عنه -فيما قاله المؤلِّف- نحوٌ من ثمانِ مئة رجلٍ، ورُوِيَ عنه (١) من الحديث خمسة آلافٍ وثلاث مئةِ حديثٍ، ووُجِدَ لعبد الله سبعُ مئةِ حديثٍ (تَابَعَهُ) أي: تابع وهبَ بنَ منبِّهٍ في روايته لهذا الحديث عن هَمَّامٍ (مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كما أخرجها عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ.
١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى الجعفيُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْلِيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ) أي: حين قَوِيَ (بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ) الذي تُوفِّي فيه (٢) يوم الخميس قبل موته بأربعة أيَّامٍ (قَالَ:
стр. 801
ائْتُونِي بِكِتَابٍ) أي: بأدوات الكتابة (١) كالدَّواة والقلم، أو أراد بـ «الكتاب» ما من شأنِه أن يُكتَب فيه نحو الكَاغَد وعَظْم الكتف، كما صرَّح به في رواية مسلمٍ (أَكْتُبْ لَكُمْ) بالجزم جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف، أي: آمر مَنْ يكتب لكم (كِتَابًا) فيه النَّصُّ على الأئمَّة بعدي، أو أبيِّن فيه مهمَّات الأحكام (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، و «تَضِلُّوا» بفتح أوَّله وكسر ثانيه، مجزومٌ بحذف النُّون بدلًا من جواب الأمر (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لمن حضره من الصَّحابة: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَ) الحال (عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ) هو (حَسْبُنَا) أي: كافينا، فلا نكلِّف رسول الله ﷺ ما يشقُّ عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب، ولم يكن الأمر في «ائتوني» للوجوب، وإنَّما هو من باب الإرشاد للأصلح للقرينة الصَّارفة الأمر عنِ (٢) الإيجاب إلى النَّدب (٣)، وإلَّا فما كان يسوغ لعمر ﵁ الاعتراض على أمر الرَّسول ﵊، على أنَّ في تركه ﵊ الإنكار على عمر ﵁ دليلًا على استصوابه، فكان توقُّف عمر صوابًا، لا سيَّما والقرآن فيه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال عمر: حسبنا كتاب الله (فَاخْتَلَفُوا) أي: الصَّحابة عند ذلك، فقالت طائفةٌ: بل نكتب لِمَا فيه من امتثال أمره وزيادة الإفصاح (٤) (وَكَثُرَ) بضمِّ المُثلَّثة (اللَّغَطُ) بتحريك اللَّام، والغَيْن (٥) المُعجَمَة، أي: الصَّوت والجَلَبة بسبب ذلك، فلمَّا رأى ذلك ﵊ (قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال» بفاء العطف، وفي أخرى: «وقال» بواوه: (قُومُوا عَنِّي) أي: عن جهتي (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ) بالضَّمِّ فاعل «ينبغي» (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) من المكان الذي كان به عندما تحدَّث بهذا الحديث، وهو (يَقُولُ: إِنَّ
стр. 802
الرَّزِيئَةَ (١)) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي بعدها ياءٌ ساكنةٌ ثمَّ همزةٍ، وقد تُسهَّل وتُشدَّد الياء (كُلَّ الرَّزِيئَةِ (٢)) بالنَّصب على التَّوكيد (مَا حَالَ) أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ) وقد كان (٣) عمر أفقه من ابن عبَّاسٍ حيث اكتفى بالقرآن، على أنَّه يحتمل أن يكون ﷺ كان ظهر له حين همَّ بالكتاب أنَّه مصلحةٌ، ثمَّ ظهر له، أو أُوحي إليه بعدُ أنَّ المصلحة في تركه، ولو كان واجبًا لم يتركه ﵊ لاختلافهم؛ لأنَّه لم يتركِ التَّكليف لمخالفة من خالف، وقد عاش بعد ذلك أيَّامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ويُستفَاد من هذا الحديث: جواز كتابة الحديث الذي عقد المؤلِّف الباب له، وكذا من حديث عليٍّ وقصَّة (٤) أبي شاهٍ الإذن فيها، لكن يعارض ذلك حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ المرويّ في «مسلمٍ» مرفوعًا: «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن»، وأُجِيب بأنَّ النَّهيَ خاصٌّ بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخٌ للنَّهيِ عند الأمن مِنَ الالتباس، أوِ النَّهيُ خاصٌّ بمن خُشِيَ منه الاتِّكال على الكتاب (٥) دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، وقد كره جماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يُؤخَذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لمَّا قَصُرَتِ الهممُ، وخَشِيَ الأئمَّة ضياع العلم دوَّنوه، وأوَّل من دوَّن الحديثَ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثمَّ كَثُرَ التَّدوين، ثمَّ التَّصنيف، وحصل بذلك خيرٌ كثيرٌ، ولله الحمد والمنَّة.
(٤٠) هذا (بابُ) تعليم (العِلْمِ وَالعِظَةِ) بكسر العين، أي: الوعظ، وفي بعض النُّسخ: «واليقظة» (بِاللَّيْلِ).
стр. 803
١١٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، وانفرد المؤلِّف به عن السِّتَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث الفِراسيَّة؛ بكسر الفاء وبالسِّين المُهمَلَة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنِ امرأةٍ» بدلها (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ، وقِيلَ: رملة، أمِّ المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (١) بن مخزومٍ، وورثت (٢) عنِ النَّبيِّ ﷺ علمًا كثيرًا، لها في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، وتُوفِّيت سنة تسعٍ وخمسين ﵂ (وَعَمْرٌٍو) بالرَّفع على الاستئناف، والمعنى: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ حدَّث عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، ثمَّ قال: «وعمرٌو»، وكأنَّه حدَّث بحذف صيغة الأداء، كما هي عادته، ويجوز الجرُّ في «عمرٍو» عطفًا على «معمرٍ» وهو الذي في الفرع كأصله مُصحَّحًا عليه، قال القاضي عياضٌ: والقائل: «وعمرٍو» هو ابن عُيَينة. و «عمرٌو» هذا هو ابن دينار (وَيَحْيَى بْنُِ سَعِيدٍ) هو الأنصاريُّ لا القطَّان؛ إذ هو لم يلقَ الزُّهريَّ حتَّى يكون سمع منه (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ) وفي رواية الأربعة «عط ٥ ص س ط» (٣): «عنِ امرأةٍ» بدل قوله في هذا الإسناد الثَّاني: «عن هندٍ»، وفي هامش فرع «اليونينيَّة»: «لَهي» ووقع عند الحَمُّويي والمُستملي في الطَّريق الثَّاني: «عن هندٍ عن أمِّ سلمة» كما في الحديث قبله، ولغيرهما: «عنِ امرأةٍ» قال: وفي نسخةٍ صحيحةٍ مرقوم على قوله: «عنِ امرأةٍ» علامة أبي الهيثم والأَصيليِّ وابن عساكر وابن السَّمعاني في أصل سماعه عن (٤) أبي الوقت
стр. 804
في خانقاه السُّمَيْسَاطيِّ. انتهى. والحاصل: أنَّ الزُّهريَّ ربَّما أبهمها وربُّما سمَّاها (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ) أي: تيقَّظ، والسِّين هنا ليس (١) للطَّلب، أي: انتبَهَ (النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلةٍ، ولفظ «ذاتَ» زِيدَت للتَّأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه، وكان ﵊ في بيت أُمِّ سلمة لأنَّها كانت ليلتها (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا) استفهامٌ متضمِّنٌ معنى التَّعجُّب لأنَّ «سبحان» تُستعمَل له (أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَنْزَلَ الله» (اللَّيْلَةَ) بالنَّصب ظرفًا لـ «أُنزِل» (مِنَ الفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟) عبَّر عنِ العذاب بـ «الفتن» لأنَّها أسبابه، وعن الرَّحمة بـ «الخزائن» لقوله تعالى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] واستعمل المجاز في الإنزال، والمُرَاد به: إعلام الملائكة بالأمر المقدور (٢)، وكأنَّه ﷺ رأى في المنام أنَّه سيقع بعده فتنٌ، وتُفتَح لهمُ الخزائن، أو أوحى الله تعالى (٣) إليه ذلك قبل النَّوم، فعبَّر عنه بـ «الإنزال»، وهو من المعجزات، فقد فُتِحت خزائن فارسَ والرُّوم وغيرهما، كما أخبر ﵊ (أَيْقِظُوا) بفتح الهمزة، أي: نبِّهوا (صَوَاحِب) وفي روايةٍ: «صواحبات» (الحُجَرِ) بضمِّ الحاء وفتح الجيم، جمع حُجْرَةٍ؛ وهي منازل أزواجه ﵅ (٤)، وخصَّهنَّ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) أثوابًا رقيقةً لا تمنع إدراك البشرة، أو نفيسةً (عَارِيَةٍ) بتخفيف الياء والجرِّ، والرَّفع: للأَصيليِّ، أي مُعَاقَبَةٍ (فِي الآخِرَةِ) بفضيحة
стр. 805
التَّعرِّي، أو عاريةٍ من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ بذلك إلى الصَّدقة وترك السَّرف، ويجوز في «عاريةٍ» الجرُّ على النَّعت؛ لأنَّ «رُبَّ» عند سيبويه حرف جرٍّ يلزم صدر الكلام، والرَّفع بتقدير هي، والفعل الذي يتعلَّق به «رُبَّ» محذوفٌ، واختار الكسائيُّ أن يكون (١) «رُبَّ» اسمًا مُبتدَأً، والمرفوع خبرها، وهي هنا للتَّكثير، وفعلها الذي تتعلَّق به ينبغي أن يكون محذوفًا غالبًا، والتَّقدير: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٍ عرفتها.
والحديث يأتي في «الفتن» [خ¦٧٠٦٩] إن شاء الله تعالى.
(٤١) هذا (بابُ السَّمَرِ) بفتح السِّين والميم؛ وهو الحديث في اللَّيل (فِي العِلْمِ) وللأربعة: «بالعلم» وفي «اليونينيَّة»: «في العلم» مضبَّب (٢) عليه، ومكتوبٌ على الهامش: «بالعلم» مُصحَّحٌ عليه، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «بابٌ» بالتَّنوين مقطوعًا عن الإضافة، أي: هذا بابٌ في (٣) بيان السَّمر بالعلم.
стр. 806
١١٦ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال ﵀: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الفاء (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ، عالم (١) مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢) (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «ابن مسافرٍ» أي: الفهميُّ مولى اللَّيث بن سعدٍ (٣)، أمير مصر لهشام بن عبد الملك، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: «حدَّثني اللَّيث، حدَّثه عبد الرَّحمن» أي: أنَّه حدَّثه عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون المُثلَّثة، ولم يُخْرِج له المؤلِّف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالمٍ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وفي رواية الأربعة (٤): «لنا» بـ «اللَّام» بدل «الباء» يعني: إمامًا لنا، وإلَّا فالصَّلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: «رسولُ الله» بدل قوله: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ العِشَاءَ) بكسر العَيْن والمدِّ؛ أي (٥): صلاة العشاء (فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) قبل موته ﵊ بشهرٍ (فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة (قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ) أي: أخبِروني، وهو من إطلاق السَّبب على المُسبَّب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء
стр. 807
طريقٌ إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرِّرةٌ (١)، أي: قد رأيتم ذلك، فأخبروني (لَيْلَتَكُمْ) أي: شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هَذِهِ) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة؟ وتاء «أرأيتَكم» فاعلٌ، و «الكاف» حرف خطابٍ لا محلَّ له (٢) من الإعراب، ولا تُستعمَل إلَّا في الاستخبار عن حالةٍ عجيبةٍ، و «ليلتَكم» نصب مفعول ثانٍ لـ «أخبروني» (فَإِنَّ رَأْسَ) وللأَصيليِّ (٣) وأبي ذَرٍّ وابن عساكر (٤): «فإنَّ على رأس» (مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا) أي: من تلك اللَّيلة (لَا يَبْقَى مِمَّنْ (٥) هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) ممَّن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المُرَاد: أرضه التي بها نشأ ومنها بُعِث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجدٍ، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أي: بعض الأرض التي صَدَرَتِ الجنايةُ فيها، فليست «ال» للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدلَّ بهذا الحديث على موت الخضر ﵇، كالمؤلِّف وغيره،
стр. 808
إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلَّمنا أنَّ «ال» للاستغراق فقوله: «أحدٌ» عمومٌ محتملٌ (١)؛ إذ على وجه الأرض الجنُّ والإنس، والعمومات يدخلها التَّخصيص بأدنى قرينةٍ، وإذا احتمل الكلام وجوهًا سقط به الاستدلال، قاله الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ، وقال النَّوويُّ: المُرَاد: أنَّ كلَّ من كان تلك اللَّيلة على وجه الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنةٍ، سواءٌ قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ حياة أحدٍ يُولَد بعد تلك اللَّيلة مئة سنةٍ.
١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي: ابن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبة؛ بضمِّ العين تصغير عُتْبةَ، ابن النَّهَّاس، فقيه الكوفة، المُتوفَّى سنة أربعَ عشْرةَ، وقيل: خمس عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدة مِنَ: البيتوتة (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارثِ) الهلاليَّة (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهي أخت أمِّه لبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة هذه أوَّل امرأةٍ أسلمت بعد خديجة، وتُوفِّيت ميمونة ﵂ سنة إحدى وخمسين بسرفٍ، بالمكان الذي بنى بها فيه النَّبيُّ ﷺ ، وصلَّى عليها ابن عبَّاسٍ، لها في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا) المُختَصَّة بها، بحسب قَسْم النَّبيِّ ﷺ بين أزواجه (فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ) في المسجد (ثُمَّ جَاءَ) منه (إِلَى مَنْزِلِهِ) الذي هو بيت ميمونة أمِّ المؤمنين،
стр. 809
و «الفاء» في «فَصَلَّى» هي التي تدخل بين المُجمَل والمُفصَّل لأنَّ التَّفصيل إنَّما هو عقب الإجمال؛ لأنَّ صلاته ﵊ العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها (فَصَلَّى) ﵊ عقب دخوله (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ) بعد الصَّلاة على التَّراخي (ثُمَّ قَامَ) من نومه (ثُمَّ قَالَ: نَامَ الغُلَيِّمُ؟) بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، تصغيرُ شفقةٍ، ومُرَاده ابن عبَّاسٍ، وقوله: «نام» استفهامٌ حُذِفت همزته لقرينة المقام، أو إخبارٌ منه ﵊ بنومه (أَوْ) قال (كَلِمَةً تُشْبِهُهَا) أي: تشبه كلمة: نام الغُلَيِّم، شَكٌّ مِنَ الراوي، وعبَّر بـ «كلمةً» على حدِّ كلمة الشَّهادة (ثُمَّ قَامَ) ﵊ في الصَّلاة (١) (فَقُمْتُ عَنْ يَِسَارِهِ) بفتح الياء وكسرها، شبَّهوها في الكسر بالشِّمال، وليس في كلامهم كلمةٌ مكسورةُ الياء إلَّا هذه، وحُكِيَ التَّشديد للسِّين لغةٌ فيه عن ابن عبادٍ (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى) وفي رواية ابن عساكر: «وصلَّى» (خَمْسَ رَكَعَاتٍ) وفي الفرع كأصله من غير رقمٍ: «إحدى عشرة ركعةً» (٢) (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ) ﵊ (حَتَّى) أي: إلى أنْ (سَمِعْتُ غَطِيطَهُ) بفتح الغَيْن المُعجَمَة وكسر المُهمَلَة الأولى؛ وهو صوت نَفَس النَّائم عند استثقاله، وفي «العُباب»: غطيط النَّائم والمخنوق: نخيرهما (أَوْ (٣) خَطِيطَهُ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر المُهمَلَة، شكٌّ من الرَّاوي، وهو بمعنى الأوَّل، ثمَّ استيقظ ﵊ (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) ولم يتوضَّأ؛ لأنَّ من خصائصه أنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه، لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، لا يُقَال: إنَّه
стр. 810
مُعارَضٌ بحديث نومه ﵊ في الوادي إلى أن طلعتِ الشَّمس؛ لأنَّ الفجر والشَّمس إنَّما يُدرَكَان بالعين لا بالقلب، ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر تهجُّده ﵊. فإن قلت: ما المُناسَبَة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيب باحتمال أن يطلق السَّمر على «الكلمة»، وهي هنا قوله ﵊: «نام الغُلَيِّم»، أو هو ارتقاب ابن عبَّاسٍ لأحواله ﵊؛ لأنَّه لا فرق بين التَّعلُّم من القول والتَّعلُّم من الفعل (١)، وتُعقِّب: بأنَّ المتكلِّم بالكلمة الواحدة لا يُسمَّى سامرًا (٢)، وبأنَّ صنيع ابن عبَّاسٍ يُسمَّى سهرًا لا سمرًا؛ لأنَّ الأخير (٣) لا يكون إلَّا عن (٤) تحدُّثٍ، وأُجِيب بأنَّ حقيقة السَّمر التَّحدُّث باللَّيل، ويصدق بكلمةٍ واحدةٍ، ولم يشترط أحدٌ التَّعدُّد، وكما يُطلَق السَّمر على القول يُطلَق على الفعل؛ بدليل قولهم: سَمَرَ القومُ الخمرَ، إذا شربوها ليلًا، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المُناسَبَة مُستفَادةٌ من لفظٍ آخرَ في هذا الحديث بعينه، من طريقٍ أخرى في «التَّفسير» [خ¦٤٥٦٤] عند المؤلِّف بلفظ: «بتُّ في بيت ميمونة، فتحدَّث رسول الله ﷺ مع أهله ساعةً»، قال: وهذا أَوْلى من غير تعسُّفٍ ولا رجمٍ بالظَّنِّ، لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ من يعقد بابًا بترجمةٍ ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في بابٍ آخرَ بطريقٍ أخرى وألفاظٍ متغايرةٍ؛ هل يُقَال: مناسَبَة التَّرجمة في هذا الباب تُستَفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر؟! قال: وأبعدُ من هذا أنَّه علَّل