التَّاريخ (مِنْ) وقت (مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قيل: لأنَّ وقته كان مختَلفًا فيه بحسب دعوته للحقِّ ودخول الرُّؤيا الصَّالحة فيه، فلا يخلو من نزاعٍ في تعيين سَنَتِه (وَلَا مِنْ) وقت (وَفَاتِهِ) لِما يقع في تذكُّره من الأسف والتَّألُّم على فراقه (مَا عَدُّوا) ذلك (إِلَّا مِنْ) وقت (مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ) مهاجرًا، وإنَّما جعلوه من أوَّل المُحرَّم لأنَّ ابتداء العزم على الهجرة كان في أوَّل المُحرَّم؛ إذ (١) البيعة وقعت في أثناء ذي الحجَّة؛ وهي مقدِّمة الهجرة، فكان أوَّل هلالٍ استهلَّ بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال محرَّمٍ، فناسب أن يُجعَل مبتدأً (٢)، وكان ذلك في خلافة عمر ﵁ سنة سبع عشرة، فجمع النَّاس، فقال بعضهم: «أرِّخ بالمبعث، وقال بعضهم: بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرَّقت بين الحقِّ والباطل فأرِّخوا بها، وبالمُحرَّم لأنَّه مُنصرَف النَّاس من حجِّهم (٣) فاتَّفقوا عليه»، رواه الحاكم وغيره، والذي تحصَّل من مجموع الآثار أنَّ الذي أشار بالمُحرَّم عمرُ وعثمانُ وعليٌّ، وذكر السُّهيليُّ: أنَّ الصَّحابة ﵃ أخذوا التَّاريخ بالهجرة من قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] لأنَّه من المعلوم أنَّه ليس أوَّل الأيَّام مطلقًا، فتعيَّن أنَّه أُضيف إلى شيءٍ مُضمَرٍ، وهو أوَّل الزَّمن الذي عزَّ فيه الإسلام، وعَبَدَ فيه النَّبيُّ ﷺ ربَّه آمنًا، وابتُدِئ فيه ببناء المساجد (٤)، فوافق رأي الصَّحابة ﵃ ابتداء التَّاريخ من ذلك اليوم، وفهمنا من فعلهم أنَّ قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] أنَّه أوَّل (٥) التَّاريخ الإسلاميِّ (٦).
٣٩٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، أبو
стр. 7457
معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الأزديُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) بمكَّة (رَكْعَتَيْنِ) في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٥٠] «ركعتين ركعتين»؛ بالتَّكرار لإفادة عموم التَّثنية لكلِّ صلاةٍ في الحضر والسَّفر (ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إلى المدينة (فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا) أربعًا (وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) ركعتين ركعتين (عَلَى) الفريضة (الأُولَى) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ «على الأوَّل» من عدم وجوب الزَّائد؛ بخلاف صلاة الحضر، فإنَّه زيد في ثلاثٍ منها ركعتان. (تَابَعَهُ) أي: تابع يزيدَ بن زُرَيعٍ (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ السَّابق، وهذه المتابعة وصلها الإسماعيليُّ.
(٤٩) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) أي: تمِّمها لهم ولا تُنْقِصْها عليهم (وَمَرْثِيَتِهِ) بفتح الميم وسكون الرَّاء وكسر المُثلَّثة وفتح التَّحتيَّة المُخفَّفة بعدها فوقيَّةٌ، وبالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، أي: وتوجّعه ﵊ (لِمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) من المهاجرين.
стр. 7458
٣٩٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المُهمَلة المفتوحات، وقد تُسكَّن الزَّاي، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ ﵁ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ (١) ﷺ عَامَ (٢) حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ (مِنْ مَرَضٍ) ولأبي ذرٍّ «يعني: من وجعٍ بي» بدل قوله «من مرضٍ» وزيادة «يعني» (أَشْفَيْتُ) بالفاء المفتوحة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: أشرفتُ (مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من الولد إلَّا إناثٌ (إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ) اسمها عائشة (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ) ﵊: (لَا، قَالَ): قلت: (فَأَتَصَدَّقُ) بحذف أداة الاستفهام (بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لا) سقط قوله «قال: لا» لغير أبي ذرٍّ (قَالَ: الثُّلُثُ) يكفيك يَا سَعْدُ (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) -بالمُثلَّثة- مبتدأٌ وخبرٌ (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بالمُعجَمة وفتح الهمزة، تترك (ذُرِّيَّتَكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ورثتك» (أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) بفتح اللَّام مُخفَّفةً فقراء (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس أو يسألونهم بأكفِّهم.
(قَالَ أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ المؤلِّف (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ السَّابق، ممَّا وصله في «حجَّة الوداع» [خ¦٤٤٠٩] (أَنْ) بفتح الهمزة (تَذَرَ وَرَثَتَكَ (٣)) وسقط من قوله «قال أحمد … » إلى آخره هنا لأبي ذرٍّ، (وَلَسْتَ بِنَافِقٍ) كذا وقع هنا، وصحَّح عليه في الفرع كأصله، والقياس: بمُنْفِقٍ؛ لأنَّه من «أنفق» وقال في «الفتح»: إنَّ في رواية الكُشْميهَنيِّ: «تنفق» (٤) وهو الصَّواب (نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا آجَرَكَ اللهُ بِهَا) بمدِّ همزة «آجرك» (حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ) بضمِّ الهمزة وفتح اللَّام المُشدَّدة وحذف همزة الاستفهام، أي: أَأُخَلَّف (بَعْدَ أَصْحَابِي) بمكَّة أو في الدُّنيا (٥)؟ (قَالَ) ﵊: (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وثالثه المُشدَّد، ورُوِي: «إنَّك إن تُخلَّف» وفي كلام الباجي وتفسيره ما يقتضي أنَّ
стр. 7459
«لن» بمعنى «إن» الشَّرطيَّة؛ لأنَّه فسَّرها بـ «إنَّك» إن يُنسَأ في أجلك، أو إن تُخلَّف بمكَّة، وإنَّما أراد أن يخرج الكلام على الخبر بالتَّأويل؛ لأنَّ «لن» لنفي المستقبل مُحقَّقًا، والمراد هنا: احتماله وتوقُّعه (فَتَعْمَلَ عَمَلًا) صالحًا (تَبْتَغِي) تطلب (بِهِ وَجْهَ اللهِ) (إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ) بالعمل الصَّالح، ولأبي ذرٍّ «بها» (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ) بأن يطول عمرك (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك وجنودك، وكذا كان فإنَّه شُفِي من مرضه ولم يُقِم بمكَّة، وعاش بعدُ (١) نيِّفًا وأربعين سنةً، وولي العراق وفتحها الله على يديه، فأسلم على يديه خلقٌ كثيرٌ فنفعهم الله به، وقَتل وأَسر من الكفَّار كثيرًا فاستضرُّوا به، وذلك من جملة أعلام نبوّته ﷺ (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ، أي: تمِّم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم ورجوعهم عن استقامتهم، قال الزُّهريُّ عن إبراهيم بن سعدٍ: (لَكِنِ البَائِسُ) بالمُوحَّدة والهمزة بعدها سينٌ مُهمَلةٌ، ولم يُهمَز (٢) في «اليونينيَّة» بل بخفض الياء فقط؛ الذي عليه أثر البؤس وهو شدَّة الفقر والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون الواو (يَرْثِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون الرَّاء وكسر المُثلَّثة، أي: يتحزَّن ويتوجَّع (لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُوُفِّي) أي: لأجل وفاته، ولأبي ذرٍّ «أن يتوفَّى» (بِمَكَّةَ) التي هاجر منها، وقوله: «لكن البائس … » إلى آخره ليس بمرفوعٍ، بل مُدرَجٌ من قول الزُّهريِّ كما أفادته رواية أبي داود الطَّيالسيِّ لهذا الحديث.
(وَقَالَ أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) المذكور أعلاه فيما وصله المؤلِّف في «حجِّة الوداع» [خ¦٤٤٠٩] كما بيَّناه قريبًا (وَمُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ شيخ المؤلِّف أيضًا، فيما وصله في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٧٣] (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ: (أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ) وهذا التَّعليق ثابتٌ هنا في أكثر الأصول،
стр. 7460
ولغير أبي ذرٍّ: بعد قوله: «يتكفَّفون النَّاس» لكن تعليق أحمد ابن يونس فقط كما مرَّ.
وأخرج الحديثَ المؤلِّفُ في «الجنائز» [خ¦١٢٩٥].
(٥٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ) المهاجرين والأنصار؟
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) ﵁، ممَّا وصله أوَّل «البيوع» [خ¦٢٠٤٨] (آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) الأنصاريِّ ﵁ (لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ) من مكَّة مهاجرين (وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ) -بجيمٍ مضمومةٍ فحاءٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ ففاءٍ مفتوحةٍ- وهب بن عبد الله السُّوائيُّ، من صغار الصَّحابة ﵁: (آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ) الفارسيِّ ﵁ (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) وهذا وصله في «باب من أقسم على أخيه ليفطر في التَّطوُّع» [خ¦١٩٦٨] من «كتاب الصِّيام».
٣٩٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) ﵁، زاد أبو ذرٍّ (١) «المدينة» (فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ) رضي الله تعالى عنه، زاد في «البيع» [خ¦٢٠٤٩]
стр. 7461
«وكان سعدٌ ذا غنًى» (فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) وكان له زوجتان عمرة بنت حرامٍ والأخرى لم تُسَمَّ (فَقَالَ) له (عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وتشديد اللَّام المفتوحة (عَلَى السُّوقِ) فدلَّه عليه وذهب إليه (فَرَبِحَ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة (شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ) لبنٍ جامدٍ معروفٍ (وَسَمْنٍ) فأتى به (فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ) بفتح الواو والضَّاد المُعجَمة، لطخٌ (مِنْ صُفْرَةٍ) من طيبٍ أو خلوقٍ يسيرٍ (فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : مَهْيَمْ) بفتح الميم الأولى وسكون الهاء وفتح التَّحتيَّة وسكون الميم بعدها، أي: ما شأنك (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) بنت أبي الحَيْسَر، أنس بن رافعٍ الأوسيّ (١)، ولم تُسَمَّ (قَالَ: فَمَا سُقْتَ فِيهَا؟) أي: فما أعطيت في مهرها؟ (فَقَالَ): أعطيت (٢) (وَزْنَ نَوَاةٍ) بفتح النُّون من غير همزٍ، أي: خمسة دراهم (مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْلِمْ) ندبًا (وَلَو بِشَاةٍ) أي: مع القدرة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد كانت المُؤاخَاة مرَّتين الأولى بين المهاجرين بعضهم وبعض بمكَّة قبل الهجرة على الحقِّ والمواساة، فآخى ﷺ بين أبي بكرٍ وعمر ﵄، وبين حمزة وزيد بن حارثة ﵄، وبين عثمان وعبد الرَّحمن بن عوفٍ ﵄، وبين الزُّبير وابن مسعودٍ ﵄، وبين عبيدة بن الحارث وبلالٍ ﵄، وبين مصعب بن عُمَيرٍ وسعد بن أبي وقَّاصٍ ﵄، وبين أبي عبيدة وسالمٍ مولى أبي حذيفة ﵄، وبين سعيد بن زيدٍ وطلحة بن عبيد الله ﵄، وبين عليٍّ ونفسِه ﷺ ، ولمَّا نزل المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار على المُواسَاة والحقِّ في دار أنس بن مالكٍ ﵁، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات حتَّى نزلت وقت وقعة بدرٍ: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] فنَسخت (٣) ذلك، وكانت المؤاخاة بعد بناء
стр. 7462
المسجد، وقيل: والمسجد يُبنَى، وقال ابن عبد البرِّ: بعد قدومه ﵊ المدينة بخمسة أشهرٍ، وقال ابن سعدٍ: آخى بين مئةٍ منهم؛ خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وعند ابن إسحاق: أنَّه قال لهم: تآخوا في الله أخوين أخوين، وفي مشروعيَّة التَّآخي في الله بصحبة الصُّلحاء وأُخوَّتهم -كما قال في «قوت الأحياء» (١) - عونٌ كبيرٌ، وتأمَّل تأثير الصُّحبة في كلِّ شيءٍ حتَّى الحطب بصحبة النَّجَّار يعتق من النَّار، فعليك بصحبة الأخيار بشروطها التي منها دوام صفائهم ووفائهم، وعقد الأخوَّة: واخيتُك في الله ، وأسقطنا الحقوق والكلفة، ويقول الآخر مثله، ويدعوه بأحبِّ أسمائه، ويثني عليه ويذبُّ عنه ويدعو له أبدًا في غيبته، ولا يسمع فيه ولا في مسلمٍ سوءًا، ولا يصادق عدوَّه، وتفرُّقُ (٢) كلٍّ على ودِّ صاحبه ورعايته شرطٌ؛ لحديث: «ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه» [خ¦٦٦٠] [خ¦١٤٢٣] وبسط ذلك في موضعه، ويكفي ما نقلته إذ هو جامعٌ لأصوله.
وحديث ال باب سبق في أوَّل «البيع» [خ¦٢٠٤٩].
(٥١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.
كأصله جمع بَهِيتٍ؛ كقضيبٍ وقُضُبٍ؛ الذي يبهت المقول فيه (١) فيما يفتريه عليه ويختلقه (فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي) ولأبي ذرٍّ «إسلامي» بإسقاط الجارِّ (فَجَاءَتِ اليَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) سقط لفظ «النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟) سقط «ابن سلامٍ» لأبي ذرٍّ (قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) تسلموا؟ (قَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ) تعالى (مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللهِ) من البيت (فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ) عبد الله: (هَذَا) الذي قالوه (كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ).
٣٩٣٩ - ٣٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ أَبَا المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُطْعِمٍ) بكسر العين، البُنانيَّ (قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي) لم يُسَمَّ (دَرَاهِمَ فِي السُّوقِ نَسِيئَةً) أي: متأخِّرًا عن (٢) غير تقابضٍ (فَقُلْتُ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ! أَيَصْلُحُ هَذَا؟ فَقَالَ (٣)) شريكي: (سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ لَقَدْ بِعْتُهَا فِي السُّوقِ، فَمَا عَابَهُ) وفي نسخةٍ صُحِّح عليها في الفرع كأصله: «فما عابها» وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «عليَّ» (أَحَدٌ، فَسَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) رضي الله تعالى عنه عن ذلك (٤) (فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «المدينة» (وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ هَذَا البَيْعَ) وفي
стр. 7465
«الشَّركة» [خ¦٢٤٩٧] «فجاءنا البراء بن عازبٍ فسألناه، فقال: فعلتُ أنا وشريكي زيد بن الأرقم، وسألنا النَّبيَّ ﷺ عن ذلك» (فقال: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً؛ فَلَا يَصْلُحُ، وَالقَ) بهمزة وصلٍ، أمرٌ من لقي يلقى (زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) بفتح الهمزة والقاف (فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَنَا تِجَارَةً، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَقَالَ مِثْلَهُ) أي: مثل قول البراء في أنَّه لا بدَّ في بيع الدَّراهم بالدَّراهم من التَّقابض في المجلس والحلول.
(وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة رضي الله تعالى عنه (مَرَّةً: فَقَدِمَ) كذا في الفرع، والذي رأيته في أصله وكذا «النَّاصريَّة»: «وقال سفيان مرَّةً، فقال: قدم» (عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ) وَقَالَ: (نَسِيئَةً إِلَى المَوْسِمِ، أَوِ الحَجِّ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، فزاد في هذه تعيين مدَّة النَّسيئة.
وهذا الحديث قد سبق في «الشَّركة» [خ¦٢٤٩٧] والمقصود منه هنا: قوله: «قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة ونحن نتبايع».
(٥٢) (باب إِتْيَانِ اليَهُودِ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، ﴿هِادُواْ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ﴾ [المائدة: ٤١] أي: (صَارُوا يَهُودَ) ولأبي ذرٍّ «يهودًا» بالصَّرف (وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هُدْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٦]) فمعناه: (تُبْنَا) وسقط قوله من رواية أبي ذرٍّ (هَايِدٌ) أي: (تَايبٌ) كذا في «اليونينيَّة» وفي غيرها: بالهمز فيهما.
٣٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء المفتوحة، ابن خالدٍ السَّدوسيُّ، وفي «النَّاصريَّة»: «حدَّثنا فروة» بالفاء والرَّاء والواو، وفي هامشها في النُّسخ المعتمدة: «قرَّة» يعني: بالقاف (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين ﵁ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَو آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ) معيَّنين (لآمَنَ بِي
стр. 7466
اليَهُودُ) كلُّهم، وعند الإسماعيليِّ: «لم يبق يهوديٌّ إلَّا أسلم» وزاد أبو سعدٍ في «شرف المصطفى ﷺ »: قال كعبٌ ﵁: هم الذين سمَّاهم في سورة المائدة، وقال الكِرمانيُّ: فإن قلت: ما وجه صحَّة هذه الملازمة وقد آمن به من اليهود عشرةٌ، وأكثر منها أضعافًا مضاعفةً، ولم يُؤمن الجميع؟ وأجاب: بأنَّ «لو» للمضيِّ، فمعناه: لو آمن في الزَّمان الماضي كـ: قَبْل (١) قدومه ﷺ المدينة، أو عقب قدومه مثلًا عشرةٌ لتابعهم الكلُّ، لكن لم يؤمنوا حينئذٍ، فلم يتابعهم الكلُّ، وقال في «فتح الباري»: والذي يظهر أنَّهم الذين كانوا حينئذٍ رؤساء، ومن عداهم تبعًا لهم، فلم يُسلِم منهم إلَّا القليل؛ كعبد الله بن سلامٍ ﵁، وكان من المشهورين بالرِّياسة في اليهود عند قدوم النَّبيِّ ﷺ من بني النَّضير: أبو ياسر بن أخطب، وأخوه حُيَيُّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وأبو (٢) رافع بن أبي الحقيق، ومن بني قينقاع: عبد الله بن ضيفٍ (٣)، وفنحاصٌ، ورفاعة بن زيدٍ، ومن قريظة: الزَّبير بن باطيا، وكعب بن أسدٍ، وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت إسلام واحدٍ منهم، وكان كلُّ واحدٍ (٤) منهم رئيسًا في اليهود، لو أسلم تبعه جماعةٌ منهم.
٣٩٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «قال (٥): حدَّثنا» (أَحْمَدُ -أَو مُحَمَّدُ- بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بالشَّكِّ في اسمه، وذكره في «التَّاريخ» فقال: «أحمد» من غير شكٍّ، و «عُبَيد» بضمِّ العين مُصغَّرًا، وفي «أصل ابن الحطيئة»: «عَبد الله» بفتح العين مُكبَّرًا، وقال في الهامش من «اليونينيَّة»: الصَّواب
стр. 7467
«عُبَيد الله»، مُصغَّرًا، وقال الحافظ أبو ذرٍّ: وهي رواية أبي الهيثم، وفي «باب أحمد» ذكره الحفَّاظ (١) أبو نصرٍ وابن طاهرٍ وابن عبد الواحد، وفي «باب عبيد الله» ذكره جميعهم (الغُدَانِيُّ) بضمِّ الغين المُعجَمة وتخفيف الدَّال المُهمَلة المفتوحة، واسم جدِّه سُهَيلٌ -بضمِّ السِّين مُصغَّرًا- ابن صخرٍ (٢) البصريُّ، وقيل: النَّيسابوريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ) أبو أسامة القرشيُّ مولاهم الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ) بضمِّ العين المُهمَلة وفتح الميم وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة سينٌ مُهمَلةٌ، عُتْبَة -بضمِّ العين وسكون الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة- ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ الهذليُّ المسعوديُّ الكوفيُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الجَدليِّ -بفتح الجيم- الكوفيِّ العابد (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ «قدم» (النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ) في الهجرة (وَإِذَا أُنَاسٌ مِنَ اليَهُودِ يُعَظِّمُونَ) يوم (عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ) لشرعٍ سابقٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ) من اليهود (فَأَمَرَ) النَّاس (بِصَوْمِهِ (٣)).
٣٩٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حدَّثني» بالإفراد (زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ) أبو هاشمٍ الطُّوسيُّ دَلُّوْيَه؛ بفتح الدَّال المُهمَلة وضمِّ اللَّام وتخفيف التَّحتيَّة، قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) -بضمِّ الهاء مصغَّرًا- ابن بِشْرٍ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أخبرنا» (أَبُو بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمة، جعفر بن أبي وحشيَّة إياسٍ البصريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ) وأقام بها إلى يوم عاشوراء من السَّنة الثَّانية (وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا) بضمِّ السِّين وكسر الهمزة (عَنْ ذَلِكَ) الصَّوم (فَقَالُوا: هَذَا
стр. 7468
هو اليَوْمُ) هذا ظاهر ما في الفرع فإنَّه خرَّج بعد قوله: «هذا» وكتب بالهامش «هو» مرقومًا عليه علامة أبي ذرٍّ، والذي في «اليونينيَّة» ظاهره: أنَّ «هو» بدلٌ من (١) قوله: «هذا» لأنَّه جعل التَّخريجة فوق «هذا» (الَّذِي أَظْهرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى) ﵊ بالهاء بعد الظَّاء في الفرع (٢) والذي في أصله: «أظفر الله» «بالفاء» بدل: «الهاء»، (وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ) في «كتاب الصَّوم» [خ¦٢٠٠٤] «هذا يومٌ نجَّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى ﵊» وزاد مسلمٌ: «شكرًا لله » (وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ) أي: لموسى ﵊ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، ثُمَّ أَمَرَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «وأمر» وفي «كتاب الصِّيام» [خ¦٢٠٠٤] «فصامه» وأمر (بِصَوْمِهِ).
ومباحث هذا سبقت في «كتاب الصَّوم» [خ¦٢٠٠٤].
٣٩٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد ميمونٍ المروزيُّ البصريُّ الأصل قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) مُصغَّرًا (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ) بفتح التَّحتيَّة وسكون السِّين وكسر الدَّال المُهمَلتين، أي: يترك شعر ناصيته على جبينه الشَّريف ﷺ (وَكَانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوْسَهُمْ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفاء وضمِّ الرَّاء وقد تُكسَر، أي: يلقون شعر رأسهم إلى جانبيه، ولا يتركون منه شيئًا على جبهتهم (وَكَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُؤُوْسَهُمْ) بكسر الدَّال مع فتح أوَّله (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ) لأنَّ ذلك
стр. 7469
أقرب إلى الحقِّ من المشركين عبدة الأوثان (ثُمَّ فَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ) أي: ألقى شعره إلى جانبي رأسه، ولم يترك منه شيئًا على جبهته.
وسبق هذا الحديث في «صفته ﷺ » [خ¦٣٥٥٨].
٣٩٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «حدَّثنا» (زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ) دَلُّويَه الطُّوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ «حدَّثني» (هُشَيْمٌ) هو ابن بِشْرٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: هُمْ أَهْلُ الكِتَابِ) قال العينيُّ: لمَّا ذكر في الحديث السَّابق «أهل الكتاب» قال: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: هم أهل الكتاب الذين (جَزَّؤُوْهُ) أي: القرآن (أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ، وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ «يَعْنِي قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]» أي: أجزاءً، جمع عِضَةٍ، وأصلها: عضوةٌ، فِعلةٌ، من: عضَّى الشَّاة إذا جعلها أعضاءً؛ حيث قالوا بعنادهم: بعضه حقٌّ موافقٌ للتَّوراة والإنجيل، وبعضه باطلٌ مخالفٌ لهما، فاقتسموه إلى حقٍّ وباطلٍ وعضَّوه (١).
(٥٣) (بابُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ رضي الله تعالى عنه) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، وحينئذٍ فـ «إسلام» رَفْعٌ.
٣٩٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ) بفتح الحاء وضمِّ العين، الجرميُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان التَّيميُّ (قَالَ أَبِي) سليمان بن طرخان. (ح) (٢): (وَحَدَّثَنَا) بواو العطف (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مُِلٍّ -بكسر الميم وضمِّها- النَّهديُّ -بفتح النُّون-
стр. 7470
التَّابعيُّ، وعطفه بالواو ليشعر بأنَّه حدَّثه غير ذلك أيضًا (عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ) رضي الله تعالى عنه، وسقط لفظ «الفارسيِّ» لأبي ذرٍّ (أَنَّهُ تَدَاوَلَهُ) تناوله (بِضْعَةَ عَشَرَ) من ثلاثٍ إلى عشرة (مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ) أي: أخذه سيِّدٌ من سيِّدٍ، وكان حرًّا فباعوه وظلموه (١)؛ وذلك أنَّه هرب من أبيه لطلب الحقِّ، وكان مجوسيًّا فلحق براهبٍ ثمَّ براهبٍ ثمَّ بآخر، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتَّى دلَّه الأخير على ظهور النَّبيِّ ﷺ ، فقصده مع بعض الأعراب، فغدروا به، فباعوه في وادي القرى ليهوديٍّ، ثمَّ اشتراه منه يهوديٌّ آخر من بني قريظة، فقَدِم به المدينة، فلمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة ورأى علامات النُّبوَّة أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : «كاتِبْ عن نفسك» فكاتب (٢) على أن يغرس ثلاث مئة نخلةٍ وأربعين أوقيَّةً من ذهبٍ، فغرس له ﷺ بيده المباركة الكلَّ، وقال: «أعينوا أخاكم» فأعانوه حتَّى أدَّى ذلك كلَّه، وعاش مئتين وخمسين سنةً بلا خلافٍ، وقيل: ثلاث مئةٍ وخمسين، وقيل: أدرك وصيَّ عيسى ﵊، ومات بالمدينة سنة ستٍّ وثلاثين.
٣٩٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَوْفٍ) -بالفاء- الأعرابيِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النَّهديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ) الفارسيَّ (¬﵁ يَقُولُ: أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُزَ) بفتح ميم «رامَ» من غير همزٍ قبلها، وضمِّ هاء «هُرْمُز» وسكون رائها وضمِّ ميمها وبعدها زايٌ؛ مدينةٍ مشهورةٍ بأرض فارسٍ مركبة تركيب مزجٍ كمعديكرب، فينبغي كتابة (٣) «رام» منفصلةً عن لاحقتها، وفي حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عند أحمد: إنَّه من أهل أصبهان، وكان أبوه دُِهقانًا، وذكر عنه أنَّه لمَّا سُئِل عن نسبه (٤) قال: أنا ابنُ الإسلامِ.
стр. 7471
٣٩٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النَّهديِّ (عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيِّ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: فَتْرَةٌ) بالفاء والفوقيَّة السَّاكنة والتَّنوين (بَيْنَ) بفتح النُّون، ولأبي ذرٍّ «فترةُ (٢) بينِ» بكسر النُّون لإضافة «فترة» إليه (عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ سِتُّ مِئَةِ سَنَةٍ) أي: المدَّة (٣) التي لم يُبعَث فيها رسول من الله ، قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: ولا يمتنع أن يكون فيها نبيٌّ يدعو إلى شريعة الرَّسول الأخير. انتهى. وقيل: إنَّه نُبِّئ فيها حنظلة بن صفوان -نبيُّ أصحاب الرَّسِّ- وخالد بن سنانٍ العبسيُّ، وعند الطَّبرانيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه ﷺ لمَّا ظهر بمكَّة وفدت عليه ابنة خالد بن سنان، وهي عجوزٌ كبيرةٌ فرحَّب بها، وقال: «مرحبًا بابنة أخي، كان أبوها نبيًّا، وإنَّما ضيَّعه قومه» وذكروا غير ذلك، لكنَّ هذا (٤) يعارضه حديث الصَّحيح أنَّه ﷺ قال [خ¦٣٤٤٢]: «أنا أولى النَّاس بعيسى ابن مريم؛ لأنَّه ليس بيني وبينه نبيٌّ» وقد يُجاب: باحتمال أن يكون مراده نبيٌّ مُرسَلٌ، ولا دلالة في الحديث الأوَّل على التَّرجمة إلَّا أن يُقال: إنَّ تداولَه من يدٍ إلى يدٍ إنَّما كان لطلب الإسلام، وأمَّا الثَّاني والثَّالث؛ فلم يظهر لي وجه المطابقة فيهما، فللَّه درُّ المؤلِّف ما أدقَّ نظره رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه! والله تعالى أعلم.
تمَّ بعونه تعالى الجزء الثَّامن من «كتاب إرشاد السَّاري» ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء التَّاسع، أوَّله «كتاب المغازي» (٥).
стр. 7472
((٦٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَاب المَغَازي) قال في «القاموس»: غَزَاه (١) غَزْوًا: أرادهُ وطلبهُ وقصده، كاغْتَزاه، والعَدُوَّ: سار إلى قتالِهم وانتهابِهم، غَزْوًا وغَزَوَانًا وغَزاوَةً، وهو غازٍ، الجمعُ: غُزًّى وغُزِيٌّ كدُليٍّ، والغَزِيُّ كغنيّ، اسمُ جَمْع، وأغزاهُ: حملَهُ عليه، كغزَّاهُ، ومَغْزى الكلامِ: مَقْصده، والمَغازي: مناقبُ الغُزاة، وغَزْوي كذا: قَصْدي.
وقال غيرُه: المَغَازي: جمع: مَغْزًى، والمَغْزى يصلح أن يكون مصدرًا؛ تقول: غَزَا يَغْزو غَزْوًا ومَغْزى ومَغْزَاة، ويصلح أن يكون موضع الغَزْو، لكن (٢) كونه مصدرًا مُتعيِّن هنا، والمراد هنا: ما وقعَ من قصدِ النَّبيِّ ﷺ الكفَّارَ بنفسه، أو بجيشٍ من قِبَله.
(١) (بابُ غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ): بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة (أَوِ العُسَيْرَةِ) بالشَّكِّ هل هي بالمعجمة أو بالمهملة، كذا بتقديمِ البسملةِ على لفظ «كتاب» لأبوي الوقتِ وذرٍّ والأَصيليِّ، ولغيرهم بتأخيرِها، وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «باب» وقوله: «أو العُسيرة»، ولفظه بعد البسملةِ: «كتاب المغازي غزوة العُشيرة» حسب، ولابنِ عساكرٍ «بابٌ» بالتنوين «في المغازي (٣) غزوة العُشيرة أو العُسيرة» بالشين المعجمة والمهملة (٤).
стр. 7473
(وقَالَ (١) ابْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمدُ بن إسحاق بنِ يسارٍ، أبو بكرٍ المطَّلبي مَولاهم المدنيُّ، نزيلُ العراق، إمامُ المَغازي، صدوقٌ لكنَّه يدلِّس، توفي سنة خمسين ومئة (أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ الأَبْوَاءَ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة ممدودًا منصوبٌ على المفعوليَّة، قريةٌ من عملِ الفَرْع، بينها وبين الجُحْفة من جهةِ المدينةِ ثلاثة وعشرون ميلًا، وهي وَدَّان -بفتح الواو (٢) وتشديد الدَّال- وكانت في صَفَر على رأس اثنيْ عَشَر شهرًا من مقدمهِ المدينةَ.
(ثُمَّ بَُوَاطَ) بضمِّ الموحدة وفتحها وتخفيف الواو آخرها طاء مهملة، جبلٌ من جبال جُهَينة بقربِ يَنْبُع، وكانت في ربيعٍ (٣) الأول سنة اثنين (٤).
(ثُمَّ العُشَيْرَةَ) بالشين المعجمة والتَّصغير آخرها هاء تأنيثٍ، ببطنِ يَنْبُع، وكانت في جمادى الأولى سنة اثنين أيضًا، وذكر الواقديُّ: أنَّ هذه السَّفرات الثَّلاث كان ﵊ يخرجُ فيها ليلقى تجَّار قريشٍ حين يمرُّون إلى الشَّام ذهابًا وإيابًا، وبسبب ذلك كانت وقعةُ بدرٍ، ولم يقعْ في الغَزَوات (٥) الثَّلاث المذكورةِ حربٌ، وسقط قوله: «وقالَ ابنُ إسحاق … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. نعم هو في روايتهِ عن المُستملي في آخرِ الباب، وفي روايةِ أبي ذرٍّ: «الأبواءُ» و «بواطُ» و «العشيرةُ» بالرَّفع في الثَّلاثة.
٣٩٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) بسكون الهاء (٦)، ابن جريرٍ البَصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله
стр. 7474
السَّبيعيِّ، أنَّه قال: (كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) بنِ زيدٍ الأنصاريِّ رضي الله تعالى عنه (فَقِيلَ لَهُ) القائلُ هو أبو إسحاق السَّبيعيُّ، كما بيَّنه (١) إسرائيلُ بن يونس، عن أبي إسحاق، كما في آخرِ «المغازي» [خ¦٤٤٧١] (كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ) غزوة خرج فيها بنفسه، لكن روى أبو يَعلى بإسنادٍ صحيحٍ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ ﵁: أنَّ عدد غزواتهِ ﷺ إحدى وعشرون غزاةٍ، ففاتَ زيد بن أرقم ذكر (٢) غزوتين منها، ويحتملُ أن تكونا الأبواءَ وبُوَاطَ، ولعلَّهما خفيتا عليه لصغرهِ، ويؤيِّدُه ما في مسلم بلفظ: «قلتُ: ما أولُ غزاةٍ غزاها؟ قال: ذات العشيرة أو العسيرة».
وعدَّ ابنُ سعدٍ المغازي: سبعًا وعشرين غزوة.
قيل (٣): وقاتلَ ﷺ بنفسه منها في ثمانٍ: بدرٍ، ثمَّ أحدٍ، ثمَّ الأحزابِ، ثمَّ بني المُصْطلقِ، ثمَّ خيبرَ، ثمَّ مكةَ، ثمَّ حنينٍ، ثمَّ الطائفَ كما قالهُ موسى بن عُقبة، وأهملَ عدَّ (٤) قريظة؛ لأنَّه ضمَّها إلى الأحزابِ لكونها كانتْ في إِثْرِها، وأفردَها غيرُه لكونها وقعتْ مُنفردةً بعد هزيمةِ الأحزاب.
(قِيلَ) أي: قال أبو إسحاق السَّبيعي لزيدِ بن أرقم: (كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ) غزوة (قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ؟) كان حقُّ العبارةِ أن يقول: فأيُّهنَّ، أو: فأيُّها، بتأنيث الضَّمير على الصَّواب كما لا يخفى، وأوَّله بعضُهم على حذف مضافٍ، أي: فأيُّ غَزْوَتِهِم. وفي التِّرمذيِّ
стр. 7475
عن محمودِ بن غَيْلان، عن وَهْب بن جريرٍ بالإسناد الذي ذكره المؤلِّف بلفظ: «قلتُ: فأيَّتُهُنَّ؟» قال في «الفتح»: فدلَّ على أنَّ التَّغيير من البخاريِّ أو من شيخهِ.
(قَالَ: العُسَيْرَةُ أَوِ العُشَيْرُ) بالتصغير فيهما وبالمهملةِ مع الهاء في الأولى، وبالمعجمةِ بلا هاءٍ في الثَّانية، ولأبي ذرٍّ «العُسير» بالمهملةِ بلا هاء «أو العُشيرة» بالمعجمةِ والهاء، وللأَصيليِّ: «العُشير أو (١) العُسير» بالمعجمةِ في الأولى والمهملةِ في الثَّانية مع حذف الهاء والتَّصغير في الكلِّ، وفي نسخةٍ عن الأَصيليِّ: «العَشِير» بفتح العين وكسر الشين المعجمة بغير هاءٍ، كذا رأيتُه في الفَرْع كأصلهِ.
وقال الحافظُ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: «العشير أو العسيرة» (٢): الأول بالمعجمةِ بلا هاء، والثَّاني بالمهملة والهاء.
قال شعبةُ بن الحجَّاج: (فَذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: العُشَيْرُ) يعني: بالمعجمةِ وحذف الهاء كما في الفَرْع، وفي نسخة «العشيرة» بإثباتها، ولم يختلفْ أهلُ المغازي في ذلك، وأنَّها منسوبةٌ إلى المكان الذي وصلوا إليه، واسمه: العُشَير، والعُشَيرة (٣)، يذكَّر ويؤنَّث، وكان قد خرجَ إليها ﷺ يريدُ عيرَ قريشٍ التي صدرتْ من مكة إلى الشَّام بالتِّجارة ليغنمها، فوجدها قد مضتْ، فبسببِ ذلك كانت وقعةُ بدرٍ، وزاد أبو ذرٍّ هنا عن المُستملي: «قال ابن إسحاق: أولُ ما غَزا النَّبيُّ ﷺ الأبواءَ، ثمَّ بُوَاط، ثمَّ العُشيرة» وهذا ثابتٌ في أولِ البابِ لغير أبي ذرٍّ، وسبق التَّنبيه عليه.
وهذا الحديث أخرجَه المؤلِّف أيضًا [خ¦٤٤٠٤] [خ¦٤٤٧١]، ومسلمٌ في «المغازي» و «المناسك»، والتِّرمذيُّ في «الجهادِ»، والله تعالى أعلم.
стр. 7476
(٢) (بابُ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يُقْتَلُ بِبَدْرٍ) قبلَ وقوعِ غَزْوتها، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «ذِكْرُ» رُفِعَ على ما لا يَخفى، وفي نسخة: «بابٌ ذكرُ من قتل ببدرٍ».
٣٩٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن حكيمٍ الأوديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة، و «مَسْلَمة»: بفتح الميم واللام، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ الكوفيُّ، أدرك الجاهليَّة (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ
стр. 7477
مَسْعُودٍ ﵁ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) الأنصاريِّ الأشهليِّ (أَنَّهُ قَالَ: كَانَ صَدِيقًا لأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ) أبي صفوان وكان من كبارِ المُشركين (وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالمَدِينَةِ) يثربَ عند سفرهِ إلى الشَّام للتِّجارة (نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ) أي: ابنِ مُعاذ (وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ) لأجل العمرةِ (نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ) ابنِ خلف (فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ) حال كونهِ (مُعْتَمِرًا) وكانوا يَعتمرون من المدينةِ قبل أن يعتمرَ ﵊ (فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَخَرَجَ بِهِ) أميَّة (قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ) لأنَّه وقتُ غفلةٍ وقائلةٍ (فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ) عَمرو المَخْزوميُّ عدوُّ الله (فَقَالَ) لأميَّة: (يَا أَبَا صَفْوَانَ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ «قال»: (هَذَا سَعْدٌ، فَقَالَ لَهُ) أي: لسعد (أَبُو جَهْلٍ: أَلَا) بتخفيف اللام للاستفهام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «لا» بحذف همزة (١) الاستفهام، وهي مرادةٌ (أَرَاكَ) بفتح الهمزة (تَطُوفُ بِمَكَّةَ) حال كونك (آمِنًا وَقَدْ آوَيْتُمُ الصُّبَاةَ) بمدِّ همزةِ «آويتم» وقصرها، وضمِّ صاد «الصُّبَاة» وتخفيف الموحدة، جمع: الصَّابئ، كقُضَاة جمع: قاضٍ، وكانوا يسمُّون النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه المهاجرين الَّذين هاجروا إلى المدينةِ: صُبَاة، من صَبَأ إذا مالَ عن دينهِ.
(وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ، أَمَا) بتخفيفِ الميم وألف بعدها حرفُ استفتاحٍ، وفي «اليونينية» كفَرْعها: «أمَّا» بتشديدها، وفي غيرِهما بالتَّخفيف، وكذا حكى (٢) الزَّركشي فيها تشديد الميم، قيل: وهو خطأ (٣) ولأبي ذرٍّ «أم» (وَاللهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ) أميَّة بن خلف (مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: أَمَّا) بالتشديد في «اليونينية» وفَرْعها، وفي غيرهما: بالتَّخفيف، ولأبي ذرٍّ «أم» (وَاللهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا) أي: الطَّواف بالبيت (لأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ طَرِيقَكَ) بالنَّصب بدلًا (٤) من قولهِ: «ما هو أشدُّ عليك منه»، ويجوزُ الرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو طريقُك (عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ) أي: لسعد (أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الحَكَمِ) بفتحتين، وهو عدُّو الله أبو جهلٍ (سَيِّدِ) صفةٌ لسابقهِ، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ «فإنَّه سيِّدُ» (أَهْلِ الوَادِي) أي: أهل مكَّة (فَقَالَ سَعْدٌ:
стр. 7478
دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ) أي: اتركْ محاماتِكَ لأبي جهل (فَوَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُمْ) يعني: النَّبيَّ ﷺ وأصحابَهُ (قَاتِلُوكَ) وللأَصيليِّ: «إنَّه» أي: النَّبيَّ ﷺ «قاتلُك» ووهمَ الكِرْمانيُّ حيثُ جعل الضَّمير لأبي جهلٍ، واستشكلَهُ فقال: إنَّ أبا جهلٍ لم يقتلْ أميَّة، ثمَّ تأوَّل ذلك بأنَّ أبا جهلٍ كان السَّبب في خروجه إلى القتالِ، والقتلُ كما يكون مباشرةً يكون سببًا (١).
(قَالَ) أي: أميَّةُ: قاتلي (بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَفَزِعَ) بكسر الزَّاي، أي: خاف (لِذَلِكَ) الَّذي قالهُ سعد (أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا) بفتح الزاي، وفي «علاماتِ النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٢] من طريق إسرائيل: فقال: واللهِ ما (٢) يكذبُ محمَّدٌ إذا حدَّث. فبيَّن في روايةِ إسرائيل سببَ فزعهِ، كما قالهُ في «الفتح».
(فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ) زوجته (قَالَ) لها: (يَا أُمَّ صَفْوَانَ) اسمها: صفيَّة، أو: كريمة بنت مَعمر بن حبيب بن وهب (أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا) زاد (٣) في نسخة: « ﷺ » (أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ) بتشديدِ الياء، ولأبي ذرٍّ «أنَّه قاتِلي» بإفراد الضَّمير وتخفيف الياء، وفي هذا ردٌّ لِمَا قاله الكِرْمانيُّ، وتصريحٌ بما مرَّ على ما لا يخفى (فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ «قال» (أُمَيَّةُ: وَاللهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ) زادَ إسرائيلُ: «وجاء الصَّريخ» [خ¦٣٦٣٢] وعند ابنِ إسحاق: أنَّ اسم الصَّارخ ضَمْضَم بن عَمرو الغِفَاري، وكان أبو سفيان جاء من الشَّام في قافلةٍ عظيمةٍ فيها أموال قريشٍ، فندبَ النَّبيُّ ﷺ النَّاس إليهم، فلمَّا بلغ أبا سفيان ذلك أرسلَ ضَمْضَمًا إلى قريش يُحرِّضهم على المجيء لحفظِ أموالهم، فلمَّا وصل لمكَّة جَدَع بعيرهُ وشقَّ قميصهُ وصرخَ: يا معشرَ قريشٍ، أموالُكم مع أبي سفيان قد عرضَ لها محمَّدٌ، الغوثَ الغوثَ، فلمَّا فرغ من ذلك (اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ) أي: طلبَ خروجهم (قَالَ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ «فقال» (أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ) بكسر العين، أي: القافلة التي كانت مع قريشٍ، ولأبي ذرٍّ «عيرهم» بالهاء بدل الكاف (فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ) من مكَّة إلى بدرٍ (فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ) له: (يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ
стр. 7479
النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ) كذا للكشميهني بزيادة «ما» (١) وهي الزَّائدة الكافَّة عن العملِ، وإثباتُ الألف بعد الراء من «يراكَ» ومن حقِّها أن تحذفَ؛ لأنَّ «متى» للشرطِ، وهي تجزمُ الفعلَ المضارع، وخرَّجه ابنُ مالك على أنَّه مضارعُ راءَ؛ بتقديمِ الألف على الهمزة، وهي لغةٌ في رأى، ومضارعُه يَرَاء بمدٍّ فهمزةٍ، فلمَّا جُزِمت حُذفت الألف ثمَّ أُبدلت الهمزةُ ألفًا، فصار يرا (٢)، أو على إجراءِ المعتلِّ مجرى الصَّحيح، وللأَصيليِّ «يَرَكَ» بحذف الألف، وهو الوجهُ كما لا يخفى. (وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي) وادي مكَّة (تَخَلَّفُوا مَعَكَ) وقد كان كلٌّ منهما سيِّد قومه (فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا) بالتَّشديد (إِذْ غَلَبْتَنِي) على الخروج (فَوَاللهِ لأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ) أي: ليستعدَّ عليه للهربِ إذا خاف شيئًا، وعند ابنِ إسحاق: إنَّ أبا جهلٍ سلَّط عقبةَ بنَ أبي مُعيط على أميَّة ليخرجَ، فأتى عُقبة بمجمرةٍ حتى وضعها بين يديهِ، وقال: إنَّما أنت من النِّساء! وكان عُقبة سفيهًا (ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ) بعد أن اشترى البعيرَ لزوجته: (يَا أُمَّ صَفْوَانَ، جَهِّزِينِي، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ) بالعهدِ سعدٌ (اليَثْرِبِيُّ!) بالمثلثة، نسبةً إلى يثربَ مدينة الرَّسول ﵊ مِنَ القتل (قَالَ: لَا) أي: ما نسيتُ، ولكنِّي (مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ) أي: أنفذَ أو أسلك (مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا) بنون وزاي في روايةِ الكُشمِيهنيِّ، من النُّزُول، وللحَمُّويي والمُستملي «لا يترك» بمثنَّاة فوقيَّة وراءٍ وكاف من التَّرك، والأول أولى (إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ) أي: على ذلك (حَتَّى قَتَلَهُ اللهُ بِبَدْرٍ) بيد
стр. 7480
بلالٍ المؤذِّن أو غيره، ويأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في «غزوةِ بدرٍ» [خ¦٣٩٧١] وهذا موضع الترجمة.
والحديث قد سبق في «علامات النُّبوة» [خ¦٣٦٣٢].
(٣) (بابُ قِصَّةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ «قصَّة بدر» وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «قِصَّةُ» رُفع. وقال في «الفتح»: ثبت «باب» في رواية كريمةَ. وقال العينيُّ: ما ثبتَ إلَّا في روايةِ كريمةَ. و «بدرٌ»: قريةٌ مشهورةٌ نُسبت إلى بدرِ بنِ مَخلد بن النَّضر بن كِنَانة، كان نزلها، أو بدر اسمُ بئرِ ماءٍ (١) سمِّيت بذلك لاستدارتها، أو لصفاءِ مائها، فكان البَدْر يُرى فيها.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى): بالجرِّ عطفًا على المضاف، وبالرَّفع عطفًا على (٢) المرفوعِ في روايةِ من أسقط لفظ «باب» (﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾) حال من الضمير، وإنَّما قال: ﴿أَذِلَّةٌ﴾ ولم يقل: ذَلائل؛ ليدلَّ على قلَّتهم مع ذلَّتهم لضعفِ الحالِ وقلَّة المراكب والسِّلاح؛ لأنَّهم لم يأخذوا أُهْبة الاستعدادِ للقتالِ كما ينبغي، إنَّما خرجوا لتلقِّي أبي سفيان؛ لأخذ ما معه من
стр. 7481
أموالِ قريشٍ، بخلاف المشركين (﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾) أي: فاتَّقوا الله في الثَّبات معه ولا تضعفوا، فإنَّ نعمتَه وهي نعمةُ الإسلامِ لا يقابَلُ شكرها إلَّا ببذلِ المُهَج، وبفداءِ الأنفُسِ، والنُّصرة له، والشَّهادة في سبيله، فاثبتوا معه لعلَّكم تُدْركون (١) شكرَ هذه النِّعمة، أو فاتَّقوا الله في الثَّبات معه والنُّصرة له؛ لتحصل لكم نعمة الظَّفر فتشكرونها، فوضعَ الشُّكر موضعَ (٢) النِّعمة إيذانًا بكونها حاصلة قاله الطِّيبي (﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾) متعلِّق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ﴾ أو بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ فيكون المراد: غزوة أحدٍ، وعملُ المصنِّف يدلُّ على اختيارِه الأوَّل، وهو قولُ الأكثر، وروى ابنُ أبي حَاتم بسندٍ صحيحٍ إلى الشَّعبي: أنَّ المسلمين بلغَهم يومَ بدرٍ أنَّ كُرْزَ بن جابرٍ يمدُّ المشركين فشقَّ عليهم، فأنزلَ الله تعالى: ﴿أَلَن يَكْفِيكُمْ﴾ قال الكَوَاشِيُّ: أدخلَ همزةَ الاستفهام على النَّفي توبيخًا لهم على اعتقادِهم أنَّهم لا يُنْصرون بهذا العدد، فنقلته -أي: الهمزة (٣) - إلى إثبات الفعلِ على ما كان عليه مستقبلًا، فقال: (﴿أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾) من السَّماء (﴿بَلَى﴾) إيجابٌ لِمَا بعدَ ﴿لَن﴾ أي: بلى يكفيَكم، ثمَّ وعدَهم الزِّيادة على الصَّبر والتَّقوى فقال: (﴿إِن (٤) تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾) أي: عليكم بالصَّبر مع نبيِّكم والتَّقوى، واذْكُروا (٥) ما جرى عليكم يومَ أحدٍ حين عدِمْتم الصَّبر والتَّقوى، وما مُنْحتم يومَ بدرٍ حين صَبرتم واتَّقيتُم اللهَ من الظَّفَر والنَّصر (﴿وَيَأْتُوكُم﴾) أي: المشركون (﴿مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا﴾) من ساعتِهم هذه (﴿يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ﴾) في حال إتيانهم من غيرِ تأخيرٍ (﴿مُسَوِّمِينَ﴾) أي: مُعَلَّمين بالصُّوف الأبيضِ، أو بالعِهن الأحمرِ،
стр. 7482
أو بالعمائمِ، وعند ابنِ مَرْدَويه مرفوعًا: «كانت سِيْمَاء الملائكةِ يوم بدرٍ عمائمَ سودٍ، ويومَ أحدٍ عمائمَ حُمْرٍ»، وعند ابنِ أبي حاتم: «أنَّ الزُّبير كانت عليه يوم بدرٍ عمامة صفراء مُعْتجرًا بها، فنزلت الملائكةُ عليهم عمائمُ صُفْر».
(﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ﴾) أي: وما جعل (١) إمدادكُم (﴿إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ﴾) بالنَّصر (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾) لا بكثرةِ العَدَد والعُدَد (٢) فلا حاجة في النَّصر إلى المددِ، وإنما أمدَّهم ووعدَهم به بشارةً لهم.
(﴿الْعَزِيزِ﴾) الذي لا يُغَالب (﴿الْحَكِيمِ﴾) الذي تجري أفعالُه على ما يريدُ، وهو أعلمُ بمصالحِ العبيدِ (﴿لِيَقْطَعَ﴾) أي: أرسلَ الملائكةَ؛ لكي تستأصلَ (﴿طَرَفًا﴾) جماعةً (﴿مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) بالقتلِ والأسر (﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾) أي: يَهْزمهم، أو يَصْرعهم (﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧]) أي: لم يحصلوا على ما أمَّلوا. ووقع في رواية الأَصيليِّ بعد: «﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾» ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ بعد قوله تعالى: «﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾».
(وَقَالَ وَحْشِيٌّ) بفتح الواو وسكون الحاء وكسر الشين المعجمة وتشديد التَّحتية، ابنُ حربٍ الحَبَشيُّ، ممَّا (٣) وصلهُ المؤلِّف في غزوة أحدٍ في «باب قتل حمزة» [خ¦٤٠٧٢] (قَتَلَ حَمْزَةُ) بنُ عبد المطَّلب (طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ) بضم الطاء وفتح العين المهملتين مصغَّرًا (بْنِ الخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ) بكسر الخاء المعجمة، وهو وَهْمٌ، والصَّواب: ابن نوفلٍ، ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في «غزوةِ أحدٍ» [خ¦٤٠٧٢].
стр. 7483
وزاد أبو ذرٍّ عن
стр. 7484
الكُشمِيهنيِّ هنا: «قال أبو عبد الله البخاريُّ: ﴿فَوْرِهِمْ﴾ هو: غضبُهم» وهذا تفسيرُ عكرمة ومجاهد، وقال الرَّاغب: الفَوْر: شدَّة الغليانِ، ويقال ذلك في النَّار نفسِها إذا هاجتْ في (١) القِدْر والغضب، قال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَفُورُ. تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٧ - ٨].
(وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ﴾) أي: اذكرْ إذ (﴿يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ﴾) عِير قريشٍ التي أقبلت مع أبي سفيان من الشَّام، أو النَّفير (٢) وهو من خرجَ من قريشٍ مع عُتبة بن ربيعةَ لاستنقاذِها من أيدي المسلمين (﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾) بدلُ اشتمالٍ (﴿وَتَوَدُّونَ﴾) أي: تتمنَّون (﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]) يعني: العير، فإنَّه لم يكن فيه إلَّا أربعون فارسًا.
(الشَّوْكَةُ) هي (الحَدُّ) وهذا تفسيرُ أبي عُبيدة في «المجاز»، مستعارٌ من واحدِ الشَّوك، وسقط قوله: «﴿وَتَوَدُّونَ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ، ولفظهم (٣): «﴿أَنَّهَا لَكُمْ … ﴾ الآية».
٣٩٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) وهو: يحيى بن عبد الله ابن بُكير -مصغَّرًا- المخزوميُّ مولاهُم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ) أباهُ (٤) (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ) الأنصاريَّ المدنيَّ، قيل: إنَّ له رؤية (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (٥) (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) فإنِّي تخلَّفت (غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «في» (غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتَبْ) بفتح التاء مبنيًّا للمفعول (أَحَدٌ) رُفِعَ نائبًا عن الفاعلِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «ولم يعاتِب اللهُ أحدًا» (تَخَلَّفَ عَنْهَا) أي: عن (٦) غزوةِ بدرٍ، بخلاف غزوةِ تبوكَ. و «غير» -كما قال الكِرْمانيُّ-: صفةٌ، والمعنى: أنَّه ما تخلَّف إلَّا في تبوك حالَ مُغايرة تخلُّف بدرٍ لتخلُّف تبوك؛ لأنَّ التَّوجُّهَ لبدرٍ لم يكن بقصدِ الغزو بل بقصدِ أخذ العيرِ (٧) (إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) حال كونه (يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ) ليغنَمها لا القتال (حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ) أي: بين المسلمين (وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ) قريش (عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ) ولا إرادةِ قتالٍ، وهذا كلُّه بخلافِ غزوةِ تبوكَ، ولذا لم يستثنهما بلفظٍ واحدٍ، بل غايرَ بين التَّخلُّفين (٨) كما ترى.
ويأتي هذا الحديثُ إن شاء الله تعالى بتمامهِ في «غزوةِ تبوكَ» [خ¦٤٤١٨] بعون الله تعالى وقوَّته.
(٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ «قوله» (تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾) أي: اذكرُوا إذ تستغيثون ربَّكم، أو بدل من: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ﴾ [الأنفال: ٧] أي: إذ (٩) تسألون ربَّكم وتدعونَهُ يومَ بدرٍ بالنُّصرة على عدوِّكم (﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي﴾) أي: بأنِّي (﴿مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾) مُتَتابعين بعضُهم في إِثْر بعضٍ (١٠) (﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ﴾) أي: الإمدادَ بالألفِ (﴿إِلاَّ بُشْرَى﴾) إلَّا بشارةً لكم بالنَّصر (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾) أي: لتسكنَ إليه قلوبُكُم، فيزولُ ما بها من
стр. 7485
الوجلِ (١) لقلَّتكم وذِلَّتكم (٢) (﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾) فليس بكثرة العَدد والعُدد (﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾) يُعِزُّ من يشاءُ بنصرهِ (﴿حَكِيمٌ﴾) فيما شرعَهُ من قتالِ الكفَّار مع القدرةِ على هَلاكهم ودمارِهِم بحولهِ وقوَّته (﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾) أي: اذْكروا إذ، أو بدلٌ ثانٍ لإظهار نعمةٍ ثالثةٍ من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ أي: يُغطِّيكم (﴿النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾) نُصب مفعولًا له (﴿مِّنْهُ﴾) يعني: أمنًا من عند الله ، قال ابنُ مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: والنُّعاس في القتالِ أَمَنةٌ من الله تعالى، وفي الصَّلاة من الشَّيطان لعنهُ الله تعالى. وقال قتادةُ: النُّعاس في الرَّأس والنَّوم في القلبِ. وقال ابنُ كثير: أما النُّعاس فقد أصابَهم يومَ أحدٍ، وأما يوم بدرٍ فتدلُّ له هذه الآية أيضًا (﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾) من الحدثِ والجنابةِ، وهو طهارةُ الظَّاهر (﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان﴾) وسوستَهُ وكيدَهُ، وهو تطهيرُ الباطنِ (﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ (٣)) بالصَّبر والإقدامِ على مُجَالدة (٤) العدوِّ ووسوسته (٥)، وهو شجاعةُ الباطن (﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾) أي: بالمطرِ حتى لا تَسْوخ في الرَّمل، وهو شجاعةُ الظَّاهر، أو بالرَّبط على القلوبِ حتى تثبتَ في المعركةِ.
وعن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلَ رسولُ الله ﷺ -يعني: حين سارَ إلى بدرٍ- والمشركون (٦) بينهم وبين الماء رملةٌ دِعْصَةٌ، فأصابَ المسلمين ضعفٌ شديدٌ، وألقى الشَّيطان في قلوبهم الغيظَ يوسوسُ بينهم: تزعمون أنَّكم أولياءُ اللهِ وفيكم رسولُه، وقد غلبكُم المشركون على الماءِ، وأنتم تصلُّون مُجْنبين، فأمطرَ الله عليهم مطرًا شديدًا، فشربَ المسلمونَ وتَطَّهروا، وأذهبَ الله عنهم رجزَ الشَّيطان، وانْشَفَّ الرملُ حين أصابهُ المطرُ، ومشى النَّاسُ عليه والدَّوابُّ، فساروا إلى القومِ، وأمدَّ الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين بألفٍ من الملائكةِ، فكان (٧)
стр. 7486
جبريلُ ﵇ في خمس مئة مُجنِّبة، وميكائيل في خمس مئة مُجنِّبة.
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ﴾) متعلِّق بقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ﴾ أو: بدلٌ ثالثٌ من قوله: ﴿وَإِذْ﴾ (﴿إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾) مفعول ﴿يُوحِي﴾ أي: إنِّي ناصرُكم ومعينُكم (﴿فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) بشِّروهم بالنَّصر، فكان المَلَكَ يمشي أمامَ الصَّفِّ ويقولُ: أبشِرُوا فإنَّكم كثيرٌ وعدوّكم قليلٌ، والله تعالى ناصرُكم (﴿سَأُلْقِي﴾) سأقذف (﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ﴾) يعني: الخوفَ من رسولِ الله ﷺ والمؤمنين، ثمَّ علَّمهم كيف يَضربون ويَقتلون فقال: (﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾) أي: على الأعناقِ التي هي المذَابحُ، أو الرُّؤوس (﴿وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾) أي: أصابع، أي: جزُّوا رقابهم، واقطعُوا أطرافَهم (﴿ذَلِكَ﴾) يعني: الضَّرب والقتلَ (﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾) أي: بسبب مُشَاقَقَتِهم، أي: مخالفتهم لهما إذ كانوا في شِقٍّ، وتركُوا الشَّرع والإيمانَ به واتِّباعَهُ في شقٍّ (﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾) أي: يخالفهما (﴿فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٣]) كذا ساقَ الآيات كلَّها في رواية كريمةَ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْعِقَابِ﴾» وللأَصيليِّ «إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾» وسقطَ لهم ما بعد ذلك.
٣٩٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دكين قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ مُخَارِقٍ) بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة وبعد الراء المكسورة قاف، ابنِ عبد الله بنِ جابرٍ البَجَلي الأحْمَسيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البَجَليِّ الأحمسيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ) ﵁ (مَشْهَدًا) نُسِبَ
стр. 7487
إلى الأسود؛ لأنه كان تبنَّاه في الجاهليَّة، وإلَّا فاسمُ أبيهِ عَمرو -بفتح العين- ابن ثعلبةَ الكِنْديُّ (١). وقول الزَّركشي في «التنقيح»: إنَّ «ابنَ» تكتب هنا بالألف؛ لأنَّه ليس واقعًا بين علمين. تعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه إذا وصفَ العلَم بابن متصلٍ مضافٍ إلى علَمٍ كفى ذلك في إيجابِ حذفِ الألفِ من «ابن» خطًّا، سواء كان العلمُ الذي أُضِيف إليه «ابن» عَلَمًا لأبي الأوَّل حقيقةً أو لا. وهذا ظاهرُ كلامِهم، وكونُ الأُبوَّة حقيقة لم أرهم (٢) تعرَّضوا لاشتراطهِ فما أدري مِن أين أخذَ الزَّرْكشيُّ هذا الكلام، وقد يقال: الأب حقيقة في أبي الولادةِ، فيحملُ إطلاقهم عليه؛ لأنَّه الأصلُ، ثمَّ إني لأعجبُ (٣) من ترتيبهِ نفيَ وقوعِ «ابن» هنا بين عَلَمين على كونِ الأسود كان تبنَّاه في الجاهليَّة، فإنَّ تبنِّيه لا يدفعُ صورةَ الواقعِ من كون الابنِ قد وقعَ بين عَلَمين، فتأمَّله. انتهى.
(لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ) بفتح اللام، ونصبِ «صاحبَه»، خبرُ «أكون» ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «أنا صاحبه» بزيادة «أنا» مع الرَّفع، والنَّصبُ أوجه قاله ابن مالك، أي: صاحبَ المشهدِ، أي: قائلَ تلك المقالةِ التي قالها (أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ) بضم العين وكسر الدال، أي: وزن (بِهِ) من كلِّ (٤) شيءٍ يُقَابله من الدُّنيويات، أو الثَّواب، أو أعمّ من ذلك (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يَدْعُو عَلَى المُشْرِكِينَ) الواو في «وهو»، للحالِ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (لَا نَقُولُ) بنونِ الجمعِ (كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى) له: (﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤]) قالوا ذلك استهانةً بالله ورسولهِ، وعدم مُبَالاة بهما، أو تقديره: اذهبْ أنت وربُّك يعينُك، فإنَّا لا نستطيعُ قتالَ الجبابرةِ. وقال السَّمَرْقَنْديُّ: أنت وسيِّدَك هارون؛ لأنَّ هارون كان أكبرَ منه بسنتين أو ثلاث سنين (وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ) عدوُّك (عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَقَ
стр. 7488
وَجْهُهُ) أي: استنارَ (وَسَرَّهُ) ﵊ (يَعْنِي: قَوْلَهُ) أي: قول المقداد رضي الله تعالى عنه، وعند ابنِ إسحاق: أن هذا الكلام قالهُ المقدادُ لمَّا وصلَ النَّبيُّ ﷺ إلى الصَّفراء، وبلغَهُ أنَّ قريشًا قصدتْ بدرًا، وأنَّ أبا سفيان نجا بمن معه، فاستشارَ الناس فقامَ أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه فقالَ فأحسنَ، ثمَّ عمرُ ﵁ كذلك، ثمَّ المقدادُ، فذكرَ نحو ما في حديثِ الباب، وزاد: والذي بعثَكَ بالحقِّ نبيًّا (١) لو سلكْتَ بنَا (٢) بَرْكَ الغِمَاد لجاهدنا معك من دونهِ، قال: فقال: «أشيروا عليَّ» قال: فعرفوا أنَّه يريدُ الأنصار، وكان يتخوَّف أن لا يوافقوه؛ لأنهم لم يبايعُوه إلَّا على نُصرته ممَّن يقصدهُ، لا أن يسيرَ بهم إلى العدوِّ، فقال له سعدُ بنُ معاذ ﵁: امضِ يا رسولَ الله لِمَا أُمرْتَ به، فنحن معك. قال: فسرَّه قولُه ونشَّطَهُ (٣)، وسقطَ للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي قوله: «يعني: قولَه».
٣٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة بينهما واو ساكنة آخره موحدة، الطَّائفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيدِ الثَّقفي قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ) لَمَّا نظرَ إلى أصحابهِ وهم ثلاث مئة ونيِّف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادةٌ، فاستقبل ﵊ القبلةَ فقال: (اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ) بضم الشِّين والدَّال مع فتح الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «إنِّي أنشدك» (عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ) أي: أطلبُ منك الوفاءَ بما عهدتَ ووعدتَ من الغلبةِ على الكفَّار، والنَّصر للرسولِ، وإظهارِ الدِّين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ﴾ [الأنفال: ٧].
стр. 7489
وعند سعيد بن منصور: أنَّه ﷺ ركعَ رَكعتين، وعندَ ابنِ إسحاق: أنَّه ﷺ قال: «اللَّهمَّ هذه قريشٌ أتتْ بخُيَلائها وفَخْرها تُحَادّك وتُكذِّب رسولَكَ، اللَّهمَّ نصركَ الذي وعدتني».
(اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ) أي: إن شئتَ أن لا تعبدَ بعد هذا يسلَّطون على المؤمنين، وفي حديث عمر ﵁ عند مسلم: «اللَّهمَّ إنْ تَهْلِك هذِهِ العِصَابةُ من أهلِ الإسلامِ لا تعبدُ في الأرضِ» وإنَّما قال ذلك لأنَّه علمَ أنَّه خاتم النَّبيين، فلو هلك ومن معه حينئذٍ لم يبعثِ الله أحدًا ممن يدعو إلى الإيمان.
(فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله تعالى عنه (بِيَدِهِ) ﵊ (فَقَالَ: حَسْبُكَ) أي: يكفيك، زاد في روايةِ وُهَيْب، عن خالدٍ في «التفسير» [خ¦٤٨٧٥] «قد ألحَحْتَ على رَبِّكَ» وفي مسلم: «فأتاه أبو بكرٍ فأخذَ رداءهُ فألقاهُ على منكبيهِ، ثمَّ التزمَهُ من ورائهِ فقال: يا نبيَّ الله، كفاكَ -بالفاء، والأكثر: كذاك، بالذال المعجمة- مُنَاشدتَك ربَّك، فإنَّه سينجزُ لك ما وعدَكَ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الاية [الأنفال: ٩] قال: فأمدَّه (١) اللهُ بالملائكةِ».
قال في «فتح الباري»: وعرف بهذه الزِّيادة مناسبةُ الحديثِ للترجمةِ، وقال بعضهم: لَمَّا رأى ﵊ الملائكةَ وأصحابه في الجهاد، والجهاد على ضربين: بالسَّيفِ وبالدُّعاء، ومن سنَّة الإمامِ أن يكون من وراءِ الجيشِ لا يُقاتل معهم، فلم يكن ﵊ ليريحَ نفسَهُ من أحدِ الجِهادَين.
وقال النَّووي ﵀: قال العلماء: وهذه المناشدَةُ إنَّما فعلَها ﵊ ليراه أصحابه (٢) بتلك الحال؛ لتقوى قلوبُهم بدُعَائه وتضرُّعه، مع أنَّ الدُّعاء عبادةٌ، وقد كانوا يعلمون أنَّ وسيلتَهُ مستجابةٌ.
стр. 7490
(فَخَرَجَ) ﵊ من القُبَّة (وَهْوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]) قال الزَّجَّاج: يعني: الأَدْبار؛ لأنَّ اسم الواحدِ يدلُّ على الجمعِ، أي: سيفرَّق شملُهم ويغلبون؛ يعني: يوم بدرٍ، وفي هذا عَلَم من أعلامِ النُّبوَّة؛ لأن هذه الآية نزلتْ بمكة وأخبرهم أنَّهم سيهزمون في الحربِ، فكان كما قال، وعند ابنِ أبي حَاتم عن عكرمةَ ﵁: «لَمَّا نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] قال عمرُ ﵁: أيُّ جمعٍ يُهْزم؟ أيُّ جمعٍ يغلبُ؟ قال عمرُ: فلمَّا كان يومَ بدرٍ رأيتُ رسول الله ﷺ يَثِبُ في الدِّرْع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرفتُ تأويلها يومئذٍ».
ورواه عبدُ الرَّزاق عن مَعمر عن قتادةَ: أنَّ عمرَ رضي الله تعالى عنه قال … فذكرهُ.
تنبيهٌ: لم يحضر ابنُ عبَّاس ﵄ هذه القصَّة، فحديثُه هذا (١) مرسلٌ، قال في «الفتح»: ولعلَّه أخذَهُ عن عمرَ، أو عن أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنهما، وفي مسلمٍ من طريق أبي زُمَيْل -بالزاي مصغَّرًا، واسمه: سماكُ بن الوليد- عن ابنِ عبَّاس ﵄ قال: حدَّثني عمرُ ﵁ … فذكرهُ بنحوه (٢).
وقد أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٨٧٥]، وكذا النَّسائيُّ.
(٥) هذا (بابٌ) بالتنوين من غير ترجمةٍ.
٣٩٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الكَرِيمِ) بن مالك أبو أميَّة الجَزَري (أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة، أبا القاسم (مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بنِ نوفلٍ الهاشميِّ، ويقال له: مولى
стр. 7491
ابن عبَّاس ﵄ لشدَّة ملازمتهِ له (١) (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾) عن الجهاد (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ) غزوة (بَدْرٍ وَالخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ) في الثَّواب والأجر، كذا أوردَهُ المؤلِّف مختصرًا، وانفردَ بإخراجهِ دون مسلم، وقد رواه التِّرمذيُّ من طريق حجَّاج، عن ابنِ جُرَيج عن عبدِ الكريم عن مِقْسَم عن ابن عبَّاس ﵄ قال: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ عن بدرٍ والحاضرون إلى بدرٍ، لَمَّا نزلتْ غزوةُ بدرٍ قال عبدُ الله بنُ جحش وابنُ أمِّ مكتومٍ الأعميان: يا رسولَ الله، هل (٢) لنا رُخْصة؟ فنزلتْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. قال التِّرمذيُّ: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه.
فقوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقًا، فلمَّا نزلَ الوحي: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ صار ذلك مَخْرجًا لذوي الأعذارِ المبيحةِ لتركِ الجهادِ من العَمى والعَرَج والمرَض عن مُسَاواتهم المجاهدين في سبيلِ الله بأموالهم وأنفسِهِم.
وحديث الباب أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٥] وكذا التِّرمذي كما ترى.
(٦) (بابُ عِدَّةِ أَصْحَابِ) غزوة (بَدْرٍ) الذين شهدُوا الوقعة، ومن أُلحق بهم.
٣٩٥٥ - ٣٩٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو الفَرَاهيدي الأزديُّ مولاهُم البصريُّ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «مسلم بن إبراهيم» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبدِ الله السَّبِيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازبٍ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: اسْتُصْغِرْتُ) بضم التاء مبنيًّا للمفعول (أَنَا وَابْنُ عُمَرَ).
стр. 7492
قال المؤلِّف: (وحَدَّثَنِي (١)) بالإفراد، وسقطَتْ الواو لغير أبي ذرٍّ (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غَيْلان قال: (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) بفتح الواو، ابن جرير (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازب ﵁ (قَالَ: اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ) عند حصولِ القتالِ، وعَرْضِ من يُقَاتل وردِّ من لم يبلغْ على عادتهِ ﷺ في المواطنِ (يَوْمَ) غزوةِ (بَدْرٍ) ولا تنافي بين قولِ ابنِ عمرَ ﵄: «استُصْغرت يوم أحدٌ». وبين قولِ البراءِ هنا؛ لأنَّه عُرِض فيهما واستُصْغر، وقد جاءَ عن ابنِ عمرَ نفسه ﵄ أنَّه «عُرِض يوم بدرٍ وهو ابنُ ثلاث عشرةَ سنة فاستُصْغر، وعُرِض يوم أحدٌ وهو ابنُ أربع عشرة سنة فاستُصْغر».
(وَكَانَ المُهَاجِرُونَ) الحاضرون (يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ) بفتح النون وتشديد التحتية وتخفّف والنصب خبر كان، وهو ما بين العِقْدين (وَ) كان (الأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِئَتَيْنِ) نُصِب عطفًا على «نيِّفًا» وفي روايةِ أبي ذرٍّ «نيِّفٌ وأربعون ومئتان» برفعِ «نيِّف» خبرُ المبتدأ الذي هو «الأنصارُ»، و «مئتان»: عطفٌ عليه. ولمسلمٍ: «لمَّا كان يومَ بدرٍ نظرَ رسولُ الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابُهُ ثلاثُ مئةٍ وتِسْعَة عَشَر». وعند ابنِ سعدٍ: «خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى بدرٍ في ثلاث مئةِ رجلٍ وخمسَةِ نفرٍ، كان المهاجرون منهم أربعةً وسبعين، وسائرُهم من الأنصارِ، وتخلَّف ثمانيةٌ لِعِلَّةٍ، ضربَ رسولُ الله ﷺ بسهامِهِم وأجرهِمْ، وهم: عثمان بن عفَّان ﵁ تخلَّف على امرأتهِ رقيَّة، وطلحةُ بن عبيد الله وسعيدُ بن زيد ﵄، بعثَهُما رسول الله ﷺ يتجسَّسان خبرَ العيرِ، وأبو لُبَابة خلَّفه على المدينةِ، وعاصمُ بن عديِّ خلَّفه على أهل العاليةِ، والحارثُ بن حاطبٍ ردَّه من الرَّوْحاء إلى بني عَمرو بن عَوف لشيءٍ بلغَهُ عنه، والحارثُ بن الصِّمَّة وقعَ فَكُسِرَ بالرَّوحاء فردَّه إلى المدينةِ، وخوَّاتُ بن جُبير كذلك».
стр. 7493
٣٩٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، الحرَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) مصغَّرًا، ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بنَ عازبٍ (¬﵁ يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا) أي: وقعتها (أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ) بعدمِ الصَّرف للعُجْمة والعلميَّة (الَّذِينَ جَازُوا) بزاي مضمومةٍ بعد الألف من غيرٍ واوٍ، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي «أجازوا» (مَعَهُ النَّهَرَ) وهو نهرُ فلسطين (بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِئَةٍ. قَالَ البَرَاءُ: لَا وَاللهِ مَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَرَ إِلَّا مُؤْمِنٌ) وقوله: «لا واللهِ» جوابُ كلامٍ محذوفٍ، أي: هل كان بعضُهم (١) غيرَ مؤمنٍ؟ أو «لا» زائدةٌ، وإنَّما حلفَ تأكيدًا للخبرِ، وكان طالوتُ من ذرِّيَّة بنيامينَ شقيقِ يوسفَ بنِ يعقوبَ عليهما الصلاة والسلام، وقصَّته مذكورةٌ في القرآن.
٣٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم ممدودًا، ضدُّ الخوفِ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) أنَّه (قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) بنصبِ «أصحابَ» (نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ) غزوةِ (بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا) بالواو قبل الزاي (مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ) بإسقاطِ ضمير المفعول (مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِئَةٍ).
٣٩٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبدُ الله بنُ محمد بنِ أبي شيبة، واسمه إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ ﵁¬).
стр. 7494
قال المؤلِّف: (ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) وفي «اليونينية» «أخبرنَا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ) غزوة (بَدْرٍ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا) بالواو قبل الزاي (مَعَهُ النَّهَرَ) بفتح الهاء وقد تسكَّن (وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ) وفسَّر البِضْع بثلاثةٍ.
(٧) (بابٌ دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ: شَيْبَةَ) مجرورٌ بالفتحةِ بدلًا من سابقهِ لا ينصرفُ للعلميَّةِ والتَّأنيث، ابنِ ربيعة (وَعُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية مجرورٌ بالفتحةِ كالسَّابق، ابن ربيعةَ المذكور (وَالوَلِيدِ) بنِ عُتْبة المذكور (وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ) أي: ابنِ المغيرة (وَ) بيانُ (هَلَاكِهِمْ) وسقطَ التَّبويب وما بعدَه إلى هنا لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وللأَصيليِّ عن الكُشمِيهنيِّ (١)، وثبتَ ذلك كلُّه للحَمُّويي، وهو أوجه؛ لأنَّه لا تعلُّق لحديثها المسوق فيها ببابِ عدَّة أهل بدرٍ.
٣٩٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) الخُزاعيُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو: ابنُ معاوية قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ولابنِ عساكرٍ «عن ابن مسعودٍ» (¬﵁¬): أنَّه (قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الكَعْبَةَ) لَمَّا
стр. 7495
وضعَ كفَّار قريشٍ على ظهرهِ المقدَّسِ سَلَا الجَزَور وهو ساجدٌ (فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ) كفَّار (قُرَيْشٍ عَلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبدِ شمس بنِ عبدِ مناف (١) (وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية، وفي مسلم بالقاف، ثم نبَّه على صوابهِ هو أو راويهِ؛ لأن الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط إذ ذاك كان طفلًا، أو لم يكن وُلِدَ (وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ) قال ابنُ مسعود ﵁: (فَأَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ) أي: الأربعة (صَرْعَى) بالقصرِ مَطروحين بين القَتْلى في المَصَارع التي عيَّنها ﷺ قبل القتالِ (قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ) أي: غيَّرت ألوانَهم إلى السَّواد، وأجسادَهم بالانتفاخِ، وقد بيَّن سبب ذلك بقوله: (وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا).
وهذا الحديثُ قد سبق في «الوضوء» [خ¦٢٤٠] و «الصَّلاة» [خ¦٥٢٠] و «الجهاد» [خ¦٢٩٣٤].
(٨) (بابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ) سقطَتْ هذه التَّرجمة وتبويبها لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ.
٣٩٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) محمدُ بن عبد الله قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي خالدٍ الأَحْمسيُّ البَجَليُّ قال: (أَخْبَرَنَا قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازمٍ الأَحْمَسيُّ البَجَليُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁: أَنَّهُ أَتَى أَبَا جَهْلٍ) في قتلى قريشٍ (وَبِهِ رَمَقٌ) بقيَّة روح (يَوْمَ بَدْرٍ) زاد ابنُ إسحاق: «فعرفَه فوضع رجلَه على عنقهِ ثم قال لهُ: قد أخزاكَ اللهُ يا عدوَّ الله» (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ): وبما أَخْزاني؟ (هَلْ أَعْمَدُ) بهمزةٍ مفتوحة فعين مهملة ساكنة فميم مفتوحة فدال مهملة، أي: أشرفُ (مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ) أي: ليس (٢) بعارٍ، وأعمدُ (٣) القومِ سيدُّهم، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «هل أعذر» بذال معجمة فراء، يبسطُ بذلك عُذْر نفسهِ فيما اتَّفق من قتلهِ بيد قومهِ.