← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

٤٠٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بنِ حكيمٍ الأَوْدِيُّ الكُوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة آخره مهملة (هُوَ: ابْنُ مَسْلَمَةَ) بالميم واللام المفتوحتين، الكُوفيُّ، وسقط «هو» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ) يوسفَ بنِ إسحاقَ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعِيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) زاد أبو ذرٍّ وابنُ عساكرٍ «ابنَ عَازبٍ» (¬﵁، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ) عبدِ الله بنِ أبي الحُقيق (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ) بضم العين المهملة وسكون الفوقية، ولم يُذكَر إلَّا في هذا الطَّريقِ، وفي «مبهمات» الجلال البُلقيني: أنَّ في الصَّحابة عبدَ اللهِ بن عُتبة اثنان: أحدهما: مُهَاجِرِي، وهو عبدُ الله بن عتبة بن مسعود، والآخرُ: عبدُ اللهِ بن عُتبَة أبو قَيس الذَّكْواني، والأوَّل غيرُ مرادٍ قطعًا؛ لأنَّ مَن أثبتَ صُحبتَه ذكرَ أنَّه كان خماسيَّ السِّنِّ أو سداسيَّه، فتعيَّن الثَّاني. وهذه القصَّة من مفرداتِ الخزرجِ (١)، وزادَ الذَّهبيُّ ثالثًا وهو: عبدُ اللهِ بن عُتبَة أحدُ بني نَوفَل، له ذِكرٌ في زمنِ (٢) الرِّدَّةِ، نقله وَثِيمة عن (٣) ابن إسحاق، وقال -في الذَّكوانِي- قيلَ: له صحبةٌ (فِي نَاسٍ مَعَهُمْ) هم: مسعودُ بن سنانٍ الأسلمِيُّ حليفُ بني سَلمة، وعبدُ اللهِ بن أُنَيْسٍ -بضم الهمزة مصغرًا-، الجُهَنِيُّ، وأبو قتادةَ الأنصاريُّ فارسُ رسول الله ﷺ ، وخُزَاعِيُّ -بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبالعين المهملة- ابنُ الأسود (٤) الأسْلَميُّ، حليفُ الأنصارِ، وقيل: هو: أسودُ بن خُزَاعي، وقيل: أسودُ بن حرام (فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا) قَربوا (مِنَ الحِصْنِ) الَّذي فيه أبو رافع (فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ: امْكُثُوا أَنْتُمْ) بالمثلثة (حَتَّى أَنْطَلِقَ

стр. 7597

أَنَا فَأَنْظُرَ) بالنصب عطفًا على «أنطلق» (قَالَ) ابنُ عَتِيك: فَجِئْتُ (فَتَلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الحِصْنَ، فَفَقَدُوا) بفتح القاف (حِمَارًا لَهُمْ، قَالَ: فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ) بشُعْلَةِ نارٍ (يَطْلُبُونَهُ، قَالَ: فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ) بضم الهمزة وفتح الراء (قَالَ (١): فَغَطَّيْتُ رَأْسِي) بثوبِي (ورِجْلِي) بالإفراد، كذا في الفَرْع وأصله، لكنَّهُما ضَبَّبا عليها (٢)، وللأربعة «وجلست (٣)» (كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً، ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ البَابِ) الَّذي يفتحهُ ويغلِقُه (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ) ممَّن يسمَرُ عندَ أبي رافع (فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ) بضم الهمزة، قالَ ابن عَتِيك: (فَدَخَلْتُ، ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ) كائنٍ (عِنْدَ بَابِ الحِصْنِ) وباء «مربِط» مكسورة (فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِي رَافِعٍ، وَتَحَدَّثُوا) عندَهُ (حَتَّى ذَهَبَتْ) بتاء التأنيث، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «ذهبَ» (سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ) بالحصنِ (فَلَمَّا هَدَأَتِ الأَصْوَاتُ) بالهمزة المفتوحة في «هدأَت» أي: سَكَنَت. وقال السَّفاقِسي: «هَدَت» بغير همزٍ ولا ألف، ووجَّهه في «المصابيح»: بأنَّه: خفَّفَ الهمزة المفتوحة بإبدالها ألفًا، مثلَ: منساة، فالتقتْ هي والتاء الساكنة، فحُذِفت الألف لالتقاءِ السَّاكنين قال: وهذا وإن كانَ على غيرِ قياسٍ لكنَّه يستأنسُ به؛ لئلَّا يُحملَ اللَّفظُ على الخطأِ المحضِ. انتهى. وصوَّبَ السَّفاقِسي: الهمز. ولم أرَ تركَهُ في أصلٍ من الأصولِ التي رأيتُها، فالله أعلم. (وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ) من مربطِ الحمارِ الَّذي اختبأتُ فيه (قَالَ: وَرَأَيْتُ صَاحِبَ البَابِ) الموكَّل به (حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الحِصْنِ فِي كَُوَّةٍ) بفتح الكاف -وتضم- وتشديد الواو وهاء التأنيث، والكَوَّة: الخرقُ في الحائطِ، والتأنيثُ للتَّصغيرِ، والتَّذكير للتكبيرِ (٤) (فَأَخَذْتُهُ فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الحِصْنِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنْ نَذِرَ بِي القَوْمُ) بكسر الذال المعجمة، أي: علِموا بي (انْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ) بفتح الميم والهاء (ثُمَّ عَمَدْتُ) بفتح الميم (إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ) بالحصنِ (فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ) بالغين المعجمة المفتوحة وتشديد اللام، ولأبي ذرٍّ «فَغَلَقتها» بتخفيفها،

стр. 7598

ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فَأَغْلَقتها» بالألف. قال ابن سِيْده: غلَقَ البابَ وأغلقَهُ وغلَّقَهُ، وهي لغةُ التَّنزيلِ: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣] وقال سيبويه: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ -أي: بالتَّشديد- للتَّكثير، وقد يُقال: أَغلَقت -أي: بالألفِ- يريدُ بها التَّكثير. قال: وهو عربيٌّ جيِّد. وقال ابنُ مالكٍ: غَلَّقت وأَغْلَقت بمعنًى. وقال في «القاموس»: غَلَق البابَ يَغْلِقُه لُثْغَةٌ أو لُغَيَّة (١) رَديئةٌ في أغْلَقَه. (ثُمَّ صَعِدْتُ) بكسر العين (إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّمٍ) بضم السين وتشديد اللام مفتوحة، بوزن سُكَّر، في مرقاة (فَإِذَا البَيْتُ) الَّذي هو فيه (مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ) بفتح الطاء، وفي نسخة: بضمها (فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ) أبو رافع (فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ) ابنُ عَتِيك، وسقطَ لفظ «قالَ» لأبي ذرٍّ (فَعَمَدْتُ) بفتح الميم (نَحْوَ) صاحب (الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ) بهمزةٍ مقطوعةٍ بلفظ المضارع؛ مبالغةً لاستحضارِ صورةِ الحال (وَصَاحَ) أبو رافعٍ (فَلَمْ تُغْنِ) فلم تنفَعِ الضَّربةُ (شَيْئًا. قَالَ) ابنُ عَتِيك: (ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيْثُهُ) بهمزة مضمومة فغين معجمة مكسورة ومثلثة، من الإغاثة (فَقُلْتُ: مَا لَكَ) بفتح اللام، أي: ما شأنُكَ (يَا أَبَا رَافِعٍ؟ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ: أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (أُعْجِبُكَ لأُمِّكَ الوَيْلُ) الجارُّ والمجرور خبرُ تاليهِ (دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ) ضَربةً (أُخْرَى، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ). وعندَ ابنِ إسحاق: فصاحَت امرأتُهُ فَنَوَّهت بنا، فجعَلنا نرفَعُ السَّيفَ عليها، ثمَّ نذكرُ نهيَ النَّبيِّ ﷺ عن قتلِ النِّساء فنكُفَّ عنها (قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فجئتُ» (وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ المُغِيثِ) له (فَإِذَا) بالفاء، ولابنِ عساكرٍ «وإذَا» (هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ أَنْكَفِئُ) بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أَنْقَلب (عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ العَظْمِ، ثُمَّ خَرَجْتُ) حالَ كوني (دَهِشًا) بكسر الهاء (حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ، فَأَسْقُطُ مِنْهُ، فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا) استُشْكلَ مع قولهِ في

стр. 7599

السَّابقةِ: «فانكَسَرَت» [خ¦٤٠٣٩]. وأُجِيب بأنَّها انخلَعَت منَ المفصَلِ وانكَسَرت (١) من السَّاقِ، أو المرادُ من كلٍّ منهما مجرَّد اختلالِ الرِّجل. (ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي أَحْجُلُ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وضم الجيم بعدها لام، أمشِي مشيَ (٢) المُقَيَّد، فحَجْلُ البعيرِ على ثلاثةٍ والغلامُ على واحدةٍ (فَقُلْتُ) لهم: (انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بقتلهِ (فَإِنِّي لَا أَبْرَحُ حَتَّى) إلى أن (أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ) تُخبر بموته (فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ) مُستقبَلِهِ (صَعِدَ النَّاعِيَةُ فَقَالَ: أَنْعَى) بفتح العين (أَبَا رَافِعٍ) وقال الأصمعيُّ (٣): إنَّ العرب إذا ماتَ فيهم الكبيرُ ركبَ راكبٌ فرسًا وسارَ فقال: نعيُ (٤) فلان (قَالَ) ابنُ عَتِيك: (فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ) بفتح القاف واللام، أي: تَقَلُّبٌ واضطرابٌ من جهة علَّة (٥) الرِّجل (فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ﷺ فَبَشَّرْتُهُ) بقتلِ أبي رافعٍ. واستُشْكلَ قوله: «فقُمت أَمشِي ما بي قَلَبَةٌ». مع قوله السابق: «فَمَسحها فكَأنَّها لم أَشتكها» [خ¦٤٠٣٩] (٦). وأجيبَ بأنَّه لا يلزمُ من عدمِ التَّقلُّبِ عوده إلى حالتهِ الأولى وعدم بقاءِ الأثرِ فيها، ولعلَّه اشتغلَ عن شدَّةِ الألمِ والاهتمامِ بهِ بما وقعَ له من الفرحِ، فأُعينَ (٧) على المشيِ، ثمَّ لمَّا أتى النَّبيَّ ﷺ ومسحَ عليه زالَ عنه جميع الآلامِ (٨).

стр. 7600

(١٧) (بابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ) بضم أوله وثانيه معًا، وكانت عندهُ الوقعةُ العظيمةُ في شوَّال سنةَ ثلاثٍ، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» فالتَّالي مرفوعٌ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) جرٌّ أو رفعٌ: (﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾) واذكُرْ -يا محمَّد- إذ خرجتَ غدوةً من أهلكَ بالمدينةِ، والمرادُ: غدوَّه من حُجْرةِ عائشةَ ﵂ إلى أُحُد (﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾) تُنزلهم، وهو حال (﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾) مواطِنَ ومواقفَ من الميمنةِ والميسرةِ والقلبِ والجناحَينِ، ﴿لِلْقِتَالِ﴾ يتعلَّقُ ﴿تُبَوِّئُ﴾ (﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ﴾) لأقوالكُم (﴿عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]) بنيَّاتِكم وضمائِرِكم. (وَقَوْلُِهُِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾) ولا تضعفُوا عنِ الجهادِ لِمَا أصابَكُم من الهزيمةِ (﴿وَلَا

стр. 7601

تَحْزَنُوا﴾) على ما فاتَكُم منَ الغنيمةِ، أو على مَن قُتِل منكم أو جُرِح، وهو تسليةٌ من الله تعالى لرسولهِ وللمؤمنينَ عمَّا أصابَهُم يومَ أُحُد وتقوية لقلوبِهم (﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾) وحالكم أنَّكم أعلى منهم وأغلَب؛ لأنَّكم أصبتُم منهم يومَ بدرٍ أكثرَ ممَّا أصابُوا منكم يوم أُحُد، وأنتُم الأعلونَ بالنَّصر والظَّفرِ في العاقبةِ، وهي بشارةٌ بالعلوِّ والغلبةِ، وأنَّ جندَنَا لهم الغالبونَ (﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾) جوابه محذوف، فقيل: تقديره: فلَا تهِنوا ولا تحزَنوا، وقيل: تقديرُه: إن كنتُم مؤمنين عَلمتُم أنَّ هذهِ الوقعةَ لا تَبقى على حالِها، وأنَّ الدولةَ تصيرُ للمؤمنين (﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾) بفتح القاف، والأخوان وأبو بكر بضمها، بمعنًى، فقيلَ: الجُرح نفسُه، وقيل: المصدرُ، أو المفتوح: الجرحُ، والمضموم: ألمهُ (﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾) للنَّحويِّين في مثلِ هذا تأويلٌ، وهو أن يقدِّروا شيئًا مستقبلًا؛ لأنَّه لا يكونُ التَّعليقُ إلا في المستقبلِ، وقولُه: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ ماضٍ محقَّق، وذلك التَّأويل هو التَّبيينُ، أي: فقد تبيَّن مسُّ القرحِ للقومِ، وهذا خطابٌ للمسلمينَ حين انصرفُوا من أُحُد مع الكآبةِ، يقولُ: إن يمسسكُم ما نالُوا مِنكم يومَ أُحدٍ فقَد نلتُم منهم قبلَه يوم بدرٍ، ثمَّ لم يُضعِف ذلك قلوبَهم ولم يمنعهُم عن مُعاوَدَتِكُم إلى القتالِ، فأنتُم أولى أن لا تَضعفوا (﴿وَتِلْكَ﴾) مبتدأ (﴿الأيَّامُ﴾) صفة، والخبر: (﴿نُدَاوِلُهَا﴾) نصرِّفُها، أو ﴿الأيَّامُ﴾ خبر لـ ﴿تِلْكَ﴾، و ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ جملة حالية، العاملُ فيها معنى اسمِ الإشارةِ، أي: أُشير إليها حالَ كونِها مداولةً (﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾) أي: أنَّ مسارَّ الأيامِ لا تدومُ وكذلكَ مضارّها، فيوم يكونُ السُّرور لإنسانٍ والغمُّ لعدوِّه، ويوم آخر بالعكسِ، وليس المرادُ من هذهِ المداولةِ أنَّ الله تارةً ينصرُ المؤمنينَ، وأخرى ينصرُ الكافرين؛ لأنَّ نصرَ الله تعالى منصبٌ شريفٌ لا يليقُ بالكافرين، بل المرادُ: أنَّه تارةً يشدِّد المحنةَ على الكافرِ (١)، وتارةً على المؤمنِ (٢)، فعلى المؤمنِ أدَبًا له في الدُّنيا، وعلى الكافرِ غضبًا عليه (﴿وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) أي: يداوِلها (٣) لضروبٍ من التَّدبيرِ، وليعلمَ اللهُ المؤمنين مميَّزين بالصَّبرِ والإيمانِ من غيرهِم، كما عَلِمَهُم قبلَ الوجودِ (﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾) وليُكرِمَ ناسًا منكم بالشَّهادةِ؛ يريدُ: المستشهدين يومَ أُحدٍ، وسمُّوا بهِ؛ لأنَّهم أحياء وحضرتْ أرواحُهم دارَ

стр. 7602

السَّلامِ وأرواحُ غيرِهم لا تشهدها، أو لأنَّ اللهَ وملائكتهُ شهدُوا لهُم بالجنَّة (﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾) اعتراضٌ بين بعض التعليل وبعض، معناهُ: واللهُ لا يحبُّ مَن ليس من هؤلاءِ الثَّابتين على الإيمانِ المجاهدينَ في سبيلهِ، وهم المنافقونَ والكافرونَ (﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) التَّمحيصُ: التَّخليصُ (١) من الشَّيءِ المعيبِ، وقيل: هو الابتلاءُ والاختبارُ. قال: رأيتُ فُضَيلًا كانَ شيئًا مُلَفَّفًا … فكشَفَهُ التَّمْحِيصُ حتَّى بدَا لِيَا (﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾) ويُهلِك الكافرين الَّذين حاربوهُ ﵊ يوم أُحدٍ؛ لأنَّه تعالى لم يَمحق كلَّ الكفَّار بل بقيَ منهم كثيرٌ على كفرِهِم، والمعنى: إِن كانتِ الدَّولةُ على المؤمنين (٢) فللتَّمييز والاستشهادِ والتَّمحيص، وإن كانَت على الكافرين فلمَحقِهِم ومحوِ آثارِهِم (﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾) «أم»: منقطعة والهمزة فيها للإنكار، أي: لا تحسَبُوا (﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾) أي: ولمَّا تُجاهدوا؛ لأنَّ العلمَ متعلِّقٌ بالمعلومِ، فنزلَ نفيُ العلم منزلةَ نفي متعلَّقه؛ لأنَّه منتفٍ بانتفائِهِ، تقول: ما علمَ اللهُ في فلانٍ خيرًا، أي: ما فيه خيرٌ حتَّى يعلمَهُ، و ﴿لَمَّا﴾ بمعنى: لَمْ، إلَّا أنَّ فيه ضربًا منَ التَّوقُّعِ، فدلَّ على نفي الجهادِ فيما مضى، وعلى توقُّعه فيما يستقبلُ. كذا قررَّه الزَّمخشريُّ، وتعقَّبهُ أبو حيَّان فقال: هذا الَّذي قالهُ في ﴿لَمَّا﴾ -أنَّها تدلُّ على توقُّع الفعلِ المنفيِّ بها فيما يستقبلُ- لا أعلمُ أحدًا من النَّحويِّين ذكرهُ، بل ذكرُوا أنَّك إذا قلت: لمَّا يخرُج زيدٌ، دلَّ ذلك على انتفاءِ الخروجِ فيما مَضى، مُتَّصلًا نفيهُ إلى وقتِ الإخبارِ، أمَّا أنَّها تدلُّ على توقُّعِه في المستقبلِ فلا. انتهى. قال في «الدُّرِّ»: النُّحاة إنَّما فرَّقُوا بينهما من جهةِ أنَّ المنفيَّ بـ «لم»: هو فعلٌ غير مقرونٍ بـ «قد»، و «لمَّا»: نفيٌ له مقرُونًا بها، و «قد» تدلُّ على التَّوقُّع، فيكون كلامُ الزَّمخشريِّ صحيحًا من هذهِ الجهة. (﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾) نصب بإضمارِ أن، والواوُ: بمعنى الجمعِ، نحو: لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ، مع (٣) أنَّ دخولَ الجنَّةِ وتركَ المُصابرةِ على الجهادِ ممَّا لا يجتمِعان.

стр. 7603

(﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٣]) سقطَ لأبي ذرٍّ وابن عساكرٍ من قوله «﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ … » إلى آخره، وقالا: «إلى قولِه: ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾». (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ﴾) حقَّقَ (﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾) أي: تستأصِلُونهم قتلًا (﴿بِإِذْنِهِ﴾) بأمرِهِ وعلمِهِ (﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾) ضعُفْتم وجَبُنتم (﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾) أي: اختلفْتُم حينَ انهزمَ المشركونَ، فقال بعضُهم: انهزمَ القومُ فما مقامُنا؟! فأقبلتُم على الغنيمةِ، وقال آخرون: لا تجاوزوا (١) أمرَ رسولِ الله ﷺ . (﴿وَعَصَيْتُم﴾) أمرَ نبيِّكم ﷺ بتركِكُم المركزَ واشتغالكُم بالغنيمةِ (﴿مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾) من الظَّفر وقهرِ الكُفَّار (﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾) الغنيمةَ، وهم الَّذين تركُوا المركزَ لطلبِ الغنيمةِ (﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾) وهم الَّذين ثبتُوا معَ عبدِ اللهِ بن جُبير حتَّى قُتلوا (﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾) أي: كفَّ معونَتَهُ عنكُم فغلبوكُم (﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾) ليمتحنَ صبركُم على المصائبِ وثباتَكُم (٢) عندَها (﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾) حيثُ ندمتُمْ على ما فرطَ منكُم من عصيانِ أمره ﷺ (﴿وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]) بالعفوِ عنهم وقبولِ توبَتِهم، وسقطَ لابنِ عساكرٍ من قولهِ «﴿بِإِذْنِهِ﴾ … إلى آخره» (٣)، وقال في رواية أبي ذرٍّ: «قَتْلًا: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾». (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا﴾ الاية [آل عمران: ١٦٩]) ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول أوَّل، و ﴿أَمْوَاتًا﴾: مفعول ثانٍ، والفاعلُ: إمَّا ضمير كلِّ مخاطَبٍ، أو ضمير الرَّسول ﷺ ، وسقطَ قوله «الآية» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ.

стр. 7604

٤٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاءُ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبدِ المجيدِ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: هَذَا جِبْرِيلُ) ﵇ (آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَدَاةُ الحَرْبِ) هذا الحديثُ من مراسيلِ الصَّحابة ﵃، ولعلَّ ابن عبَّاسٍ ﵄ حملهُ عن أبي بكرٍ ﵁، فقد ذكرَ ابنُ إسحاقَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ في يومِ بدرٍ خفَقَ خفْقَةً ثمَّ انتبه، فقال: «أبشرْ يا أبا بكرٍ، هذَا جبريلُ ﵇ آخذٌ بعنَان فرسِهِ يقودُه علَى ثناياهُ الغُبَارُ». وقد سبقَ الحديث في «باب شهودِ الملائكة بدرًا» [خ¦٣٩٩٥] بسنده ومتنه، لكن بلفظ: «قال رسول الله ﷺ يومَ بدرٍ»، بدلَ قوله هنا: «يوم أُحُد»، وهو الصَّوابُ المعروفُ لا يومَ أُحُد، ولذَا سقطَ من روايةِ أبي ذرٍّ وغيرهِ من المُتقنِين (١)، ولم يثبُتْ إلَّا في روايةِ أبي الوقتِ والأَصيليِّ، ولعلَّه وَهْمٌ من راوٍ أو ناسخٍ، والله أعلم. ٤٠٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صَاعِقَة قال: (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) أبو يحيى الكُوفِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ) عبدُ الله (عَنْ حَيْوَةَ) بنِ شُريحٍ الحَضْرَمِيِّ الكِنْدِيِّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) سُوَيد المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَدِ بنِ عبدِ اللهِ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجُهَنِيِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي) بالياء بعد النون، ولابنِ عساكرٍ «ثمان» (سِنِينَ) فيه تجوُّز؛ لأنَّ وقعةَ أُحُد كانَت في شوَّال سنةَ ثلاثٍ، ووفاتُهُ ﷺ في ربيعٍ الأوَّل سنةَ إحدى عشْرَةَ، وحينئذٍ فتكون بعدَ سبعِ سنينَ ودونَ النِّصفِ، فهو من بابِ جَبر

стр. 7605

الكسرِ (١). زاد في «الجنائزِ» [خ¦١٣٤٤] كـ «غزوةِ أُحُد» «صلاته على الميِّتِ» [خ¦٤٠٨٥]، والمرادُ: أنَّه ﷺ دعا لهم بدعاءِ صلاةِ الميِّت، والإجماعُ يدلُّ له؛ لأنَّه لا يُصلَّى عليه عندَ (٢) الشَّافعيَّةِ، وعندَ أبي حنيفةَ المخالفِ: لا يُصلَّى على القبرِ بعد ثلاثةِ أيَّامٍ (كَالمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ المِنْبَرَ) بفتح اللام في الفَرْع (٣) (فَقَالَ: إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ) بفتح الفاء والراء، وزاد في «الجنائز»: «لَكُم» [خ¦١٣٤٤] كـ «غزوةِ أُحُد» [خ¦٤٠٨٥] أي: أنا سابقُكُم إلى (٤) الحوضِ كالمهيِّئِ لهُ لأجلكُم، وفيه إشارةٌ إلى قربِ وفاتهِ (وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ) بأعمالِكُم (وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ) يوم القيامةِ (الحَوْضُ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ) نظرًا حقيقيًّا بطريقِ الكشفِ (مِنْ مَقَامِي هَذَا) بفتح ميم «مَقامي» الأولى (وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا) باللهِ. زاد في «الجنائزِ» [خ¦١٣٤٤] كالآتي آخر «غزوة أُحُد» [خ¦٤٠٨٥]: «بعدِي» أي: لستُ أخشَى على جميعِكُم الإشراكَ، بل على مجمُوعِكم؛ لأنَّ ذلك قد وقع من بعضِهم (وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا) بإسقاط إحدى التاءين؛ أي (٥): ترغبُوا فيها (قَالَ) عُقبَة: (فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬). وقد سبقَ هذا الحديثُ في «الجنائزِ»، في «بابِ الصَّلاةِ على الشَّهيدِ» [خ¦١٣٤٤].

стр. 7606

٤٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) بنِ باذامَ الكُوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونُس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبد اللهِ السَّبيعِيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ) أي: يومَ أُحُد، وكانوا ثلاثةَ آلافِ رجلٍ ومعهُم مئتا فارسٍ، وجعَلُوا على الميمنَةِ: خالدَ بنَ الوليدِ، وعلى الميسرَةِ: عكرمةَ بنَ أبي جَهلٍ، وعلى الخيلِ: صفوانَ بن أميَّة، أو عَمرو بنَ العاصِ، وعلى الرُّماة: عبدَ الله بن ربيعَةَ، وكان فيهم: مئةُ رامٍ، وكان المسلمون معَ رسولِ الله ﷺ سبع مئة، وفرسهُ ﵊، وفرسُ أبي بُردةَ بن نيار (وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الهمزة واللام (جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ) بضم الراء، بالنبل وكانوا خمسينَ رجلًا (وَأَمَّرَ) بتشديد الميم (عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ) بنَ جُبير بن النُّعمان أخَا بني عَمرو بنِ عَوفٍ (وَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا) من مكانِكُم، وفي روايةِ زهيرٍ في «الجهادِ» [خ¦٣٠٣٩] «حتَّى أرسلَ إليكُم» وعندَ ابنِ إسحاق: «فقالَ: انضحِ الخيلَ عنَّا (١) بالنبل لا يأتونَنَا من خلفِنا، إن كانتْ لنا أو علينا فاثْبت مكانكَ» (إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ) غلبناهُم (فَلَا تَبْرَحُوا) من مكانِكُم (وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ) يعني: المشركين (ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا). وعند ابنِ سعدٍ في «الطبقات»: وكان أوَّل من أنشبَ الحربَ بينهم: أبو عامرٍ الفاسق، طلعَ في خمسينَ من قومِهِ، فنادَى: أنا أبُو عامر، فقال المسلمون: لا مرحبًا بكَ ولا أهلًا يا فاسق، فقال: لقَد أصابَ قومِي بعدي شرٌّ، ومعهُ عَبيدُ قُريش، فترَامَوا بالحجارةِ هم والمسلمونَ حتَّى ولَّى أبو عامرٍ وأصحابُهُ، وجعلَ نساءُ المشركين يضرِبْنَ بالدُّفُوفِ والغَرَابيلِ، ويحرِّضْنَ ويُذكِّرْنَهم قتلى بدرٍ ويقُلْنَ: نحنُ بناتُ طارق

стр. 7607

نمشِي علَى النَّمارِقْ إنْ تُقْبلوا نُعَانِقْ أو تُدْبروا نُفَارقْ فِراقَ غيرِ وامِقْ (فَلَمَّا لَقِينَا) بحذف المفعول (١)، ولابنِ عساكرٍ «لقيناهُم» وجعلَ الرُّماةُ يرشقونَ خيلَهُم بالنَّبلِ فتولَّوا هوارب، فصاحَ طلحةُ بن أبي طلحةَ -صاحب اللِّواءِ-: مَن يُبارِز؟ فبرَزَ لهُ عليُّ ابن أبي طالبٍ، فالتقيَا بين الصَّفَّين، فبدرَهُ (٢) عليٌّ فضربهُ على رأسهِ حتَّى فلقَ هامَته، فوقعَ وهو كبشُ الكتيبةِ، فسُرَّ رسولُ الله ﷺ بذلك وأظهرَ التَّكبيرَ، وكبَّر المسلمون، وشدُّوا على كتائبِ المشركين يضربونَهُم حتَّى نقضتْ صفوفهُم، ثمَّ حملَ لواءَهُم عثمانُ بن أبي طلحةَ أبو شيبةَ، وهو أمامَ النِّسوةِ يرتَجِزُ ويقولُ: إنَّ على أهلِ اللِّواءِ حقًّا … أَن تُخْضَب الصَّعْدَةُ أو تَنْدَقَّا وحملَ عليه حمزةُ بن عبدِ المطَّلب فضربَهُ بالسَّيفِ على كاهلهِ، فقطعَ يدَه وكتفَه حتَّى انتهى إلى مؤتَزَرِه وبَدَا سحرَهُ، ثمَّ حملَهُ أبو سعيد بن أبي طلحةَ فرماهُ سعدُ بن أبي وقَّاصٍ، فأصابَ حنجرتَهُ، فأدلعَ لسانَهُ إدلاعَ الكلبِ فقتلَهُ (٣)، ثمَّ حملَهُ مُسَافع بنُ طلحة (٤) بنِ أبي طلحةَ، فرماهُ عاصمُ بن ثابتِ ابن أبي الأقلحِ فقتلهُ، ثمَّ حملَهُ الحارثُ بن طلحةَ بنِ أبي طلحةَ، فرماهُ عاصمُ بن ثابتٍ فقتلَهُ، ثمَّ حملهُ كِلَابُ بن أبي طلحةَ (٥) فقتلَهُ الزُّبير بن العوَّامِ، ثمَّ حملَهُ الجُلَاسُ بن طلحةَ بنِ أبي طلحةَ، [فقتلَه طلحةُ] (٦) بن عبيدِ اللهِ، ثمَّ حملهُ أرطأَةُ بنُ شُرَحبيل،

стр. 7608

فقتلَهُ عليُّ بن أبي طالبٍ، ثمَّ حملهُ شُريح بنُ قَارِظ، فلسنا ندرِي مَن قتلَهُ، ثمَّ حملَهُ صوَّابٌ غلامُهُم، فقال قائلٌ: قتلَهُ سعدُ بن أبي وقَّاص، وقال قائلٌ: قتلَهُ عليُّ بن أبي طالبٍ، وقال قائلٌ: قتلَهُ قُزْمان؛ وهو أثبتُ الأقوالِ (١). فلمَّا قُتلَ أصحابَ اللِّواءِ (هَرَبُوا) أي: المشركون منهزمينَ لا يلوُونَ (حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ) المشركاتِ (يَشْتَدِدْنَ) بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وفتح الفوقية وكسر المهملة الأولى وسكون الثانية بعدها نون، أي: يُسرِعْنَ المشيَ (فِي الجَبَلِ) ولابن عساكرٍ «يَتَشَدَّدنَ» بتحتية ففوقية فمعجمة فمهملة مشددة مفتوحات، ولابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «يُسْنِدْن» بتحتية مضمومة فسين مهملة ساكنة فنون مكسورة فدال مهملة ساكنة فنون، أي: يصعدنَ في الجبلِ (رَفَعْنَ) ولأبي ذرٍّ «يرفعْنَ» (عَنْ سُوقِهِنَّ) جمعُ ساقٍ؛ ليُعينهنَّ ذلك على سرعةِ الهربِ (قَدْ بَدَتْ) ظهرَتْ (خَلَاخِلُهُنَّ) وسمَّى ابنُ إسحاق النِّساءَ المذكورات: هندُ بنت عتبةَ خرجتْ مع أبي سفيانَ، وأمُّ حكيم بنتُ الحارث بن هشامٍ مع زوجِهَا عكرمةَ بن أبي جهلٍ، وفاطمةُ بنت الوليدِ بن المغيرةِ مع زوجها الحارثِ بن هشامٍ، وبرزةُ بنت مَسعودٍ الثَّقَفِيَّة مع صفوانَ بن أميَّةَ، وهي والدةُ ابن صفوانَ، ورَيْطَةُ بنت شَيبةَ (٢) السَّهميَّة مع زوجها عَمرو بن العاص، وهي والدةُ ابنهِ عبدِ الله، وسلافةُ بنتُ سعدٍ مع زوجها طلحةَ بنِ أبي طلحة الحَجَبِيِّ، وخِنَاسُ بنت مالكٍ والدةُ مصعبِ بن عُمير، وعمرةُ بنتُ علقمةَ بن (٣) كِنَانة. (فَأَخَذُوا) أي: المسلمون (يَقُولُونَ): خذُوا (الغَنِيمَةَ) خذوا (الغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن جُبير: (عَهِدَ إِلَيَّ) بتشديد التحتية (٤) (النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا) من مكانِكُم (فَأَبَوْا) وقالُوا: لم يُرْد رسولُ الله ﷺ هذا، قَدِ انهزَمَ المشركونَ فما مقامُنا ههنا؟ ووقَعُوا ينتَهِبُون (٥) العسكَرَ ويأخذونَ ما فيهِ من الغنائمِ، وثبتَ أميرُهم عبدُ اللهِ في نَفَرٍ يسير دونَ العشرةِ مكانَهُ، وقال: لا أجاوِزُ أمرَ رسولِ الله ﷺ (فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ) أي: تحيَّروا فلم يدرُوا أين

стр. 7609

يذهبونَ، ونظرَ خالدُ بن الوليدِ إلى خلاءِ الجبلِ وقلَّةِ أهلهِ فكَرَّ بالخيلِ (١)، وتبعَهُ عكرمةُ بن أبي جهلٍ، وحملُوا على من بقيَ من الرُّماةِ فقتلوهُم، وقُتِلَ أميرُهم عبدُ الله بن جُبير، وانتَقَضَت (٢) صفوفُ المسلمين واستدارَتْ رحاهم (٣)، وحالَتِ الرِّيحُ فصارَت دَبُورًا، وكانَتْ قبل ذلك صبًا، ونادَى إبليسُ -لعنه الله-: إنَّ محمدًا قَد قُتِل، واختلطَ المسلمونَ فصارُوا يقتلون على غيرِ شعارٍ، ويضربُ بعضُهم بعضًا، ما يشعرُون بهِ من العجلةِ والدَّهَشِ (فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا) من المسلمين، وذكرهم ابن سيِّد النَّاسِ فزادوا على المئةِ، وقيل: إنَّ السَّبعينَ منَ الأنصارِ خاصَّةً، وثبتَ رسولُ الله ﷺ ما زالَ (٤) يرمِي عن قوسِه حتَّى صارَت (٥) شظَايَا، ويرمِي بالحجَرِ، وثبتَ معهُ عصابةٌ من أصحابِهِ أربعةَ عشرَ رجلًا، سبعةٌ من المهاجِرين، منهُم أبو بكرٍ الصِّدِّيق، وسبعةٌ من الأنصارِ، وكانَ يوم بلاءٍ وتمحيصٍ، أكرمَ اللهُ فيه (٦) مَن أكرمَ من المسلمين بالشَّهادةِ، حتَّى خلصَ العدوُّ إلى رسولِ الله ﷺ فقُذِفَ بالحجارةِ حتَّى وقعَ لشقِّه (٧) وأصيبَتْ رَبَاعِيتُه، وشجَّ في (٨) وجههِ، وكُلِمَتْ شفتُهُ، وكان الَّذي أصابَهُ من ضربةٍ، وجعلَ الدَّم يسيلُ على وجههِ. (وَأَشْرَفَ) اطَّلعَ (أَبُو سُفْيَانَ) صَخرُ بن حَربٍ (فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟) بهمزةِ الاستفهامِ. زادَ ابنُ سعدٍ: «ثلاثًا» (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟) أبو بكرٍ الصِّدِّيق (قَالَ) ﵊: (لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟) عُمر، ثمَّ أقبلَ أبو سفيان على أصحابِهِ (فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا) وقَد كفيتُمُوهم (فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ) لهُ: (كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ) إنَّ الَّذي (٩) عددتَ لأحياءٌ كلُّهم، وقد

стр. 7610

(أَبْقَى اللهُ) (عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرٍ «لكَ (١)» (مَا يُحْزِنُكَ) بالتحتية المضمومة وسكون الحاء المهملة بعدها نون مضمومة (٢)، أو بالمعجمة وبعدها تحتية ساكنة ثم (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اُعْلُ) بضم الهمزة وسكون العين المهملة وضم اللام، يا (هُبَلْ) بضم الهاء وفتح الموحدة بعدها (٣) لام، اسمُ صنمٍ كانَ في الكعبةِ، أي: أظهرْ (٤) دينَكَ، أو زِد عُلوًّا، أو ليرتَفِع أمركَ ويعزَّ دينُكَ فقد غلبْتَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ) ﵊: (قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ) تأنيثُ الأعزِّ -بالزَّاي- اسمُ صنمٍ لقريش (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا) وليُّنا وناصرُنا (وَلَا مَوْلَى لَكُمْ) أي: لا ناصرَ لكم، فاللهُ تعالى مولَى العبادِ جميعًا من جهةِ الاختراعِ، ومالكُ (٥) التَّصرُّفِ، ومولى المؤمنين خاصَّةً من جهةِ النُّصرةِ (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ) أي: هذا يومٌ بمقابلةِ يوم بدرٍ، وكان النَّبيُّ ﷺ وأصحابهُ يومَ بدرٍ أصابُوا من المشركينَ أربعينَ ومئة؛ سبعينَ أسيرًا وسبعين قتيلًا، وفي أُحُد استُشهدَ من الصحابةِ: سبعونَ، كما مرَّ (وَالحَرْبُ سِجَالٌ) أي: نُوَبٌ، نوبةٌ لكَ ونوبةٌ لنا (وَتَجِدُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «وستَجِدُون» (مُثْلَةً) بضم الميم وسكون المثلثة، أي: بمن (٦) استُشهِدَ من المسلمينَ، كجدعِ الآذانِ والأنوفِ (لَمْ آمُرْ بِهَا) أن تُفعلَ بهم، وسقطَ لابنِ عساكرٍ والكُشمِيهنيِّ لفظ «بها» (وَ) الحالُ أنَّها (لَمْ تَسُؤْنِي) وإن كنتُ ما أمرتُ بها. وعند ابنِ إسحاقَ عن صالحِ بن كيسانَ، قال: خرجَت هندٌ والنِّسوةُ معها يُمثِّلنَ بالقَتلى من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، يجدَعْنَ الآذانَ والأنوفَ، حتَّى اتَّخذَت هند من ذلكَ خَدَمًا وقلائدَ، وأعطَت خدَمَها وقلائدَهَا وقرطَها اللَّاتي كُنَّ عليها لِوحشيٍّ جزاءً له على قتلهِ (٧) حمزةَ، وبَقَرَتْ عن كَبِد حمزةَ فلاكَتْها، فلَم تُسغْها فلفظَتْها، ثمَّ علَتْ على صخرةٍ مشرفةٍ

стр. 7611

فصرخَتْ بأعلى صوتِها، فقالت: نحنُ جَزَيناكُم بيومِ بدْرِ … والحرْبُ بعَدَ الحرْبِ ذاتُ سُعْرِ مَا كانَ لِي عنْ عُتْبةَ (١) مِن صبْرِ … ولَا أَخِي وعَمِّه وبِكْرِي (٢) شفيْتُ نَفْسِي وقضيْتُ نَذْري … شفيْتَ وَحشِيُّ غلِيلَ صَدْري فشُكْرُ وَحِشيٍّ عليَّ عُمْري … حتَّى ترمَّ أَعْظُمي فِي قَبْري وحديثُ الباب من أفرادِ المؤلِّف. ٤٠٤٤ - وبه قال: (أَخْبَرَنِي) (٣) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ «حَدَّثني» بالإفراد فيهما (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵄، أنَّهُ (قَالَ: اصْطَبَحَ الخَمْرَ) أي: شربَهُ صبُوحًا (يَوْمَ أُحُدٍ) قبلَ تحريمهِ (نَاسٌ) منهُمْ عبدُ الله والدُ جابرٍ (ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ) والخمرُ في بطونهِمِ، فلم يمنعهم ما كان في علمِ اللهِ من تحريمها، ولا كونُهَا في بطونهِم من حكمِ الشَّهادةِ وفضلها؛ لأنَّ التحريمَ إنما يلزمُ بالنَّهي، وما كانَ قبلَ النَّهي فغيرُ مخاطبٍ به. وهذا الحديثُ قد مرَّ في «بابِ فضلِ (٤) قولِ الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]»، من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٨١٥].

стр. 7612

٤٠٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقبُ عبد الله بنِ عثمانَ المروزيِّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أَخْبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ) أباهُ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) بالفاء (أُتِيَ بِطَعَامٍ) في «الشمائل» للتِّرمذيِّ (١): أنَّهُ كانَ خُبْزًا ولحمًا (وَكَانَ صَائِمًا) وعندَ أبي عمر: وكان في مرضِ موتهِ (فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) -مصغَّر- يومَ وقعةِ أحُد، قتَلهُ ابنُ قَمِيئَة بفتح القاف وكسر الميم وسكون الياء بعدها همزة، بوزن: سَفِيْنَة، قيل: اسمهُ عبد الله، وقيل: عَمرو، حكاهما في «النِّبراس» ظانًّا أنَّهُ رسولُ الله ﷺ بعد أن قاتَل دون رسولِ الله ﷺ ، وكان النَّبيُّ ﷺ دفَعَ إليهِ اللِّواءَ كما قيل. وقال ابنُ سعدٍ: إنَّهُ لمَّا قُتِل أخذَ اللِّواءَ ملَكٌ على صورتهِ (وَهْوَ خَيْرٌ مِنِّي) قالهُ تواضُعًا، أو قبلَ العلمِ بكونهِ من العشرةِ المبشَّرةِ بالجنة (كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ) بها (رَأْسُهُ) بضم الغين مبنيًّا للمفعول، ككُفِّن (بَدَتْ) ظَهرت (رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا) ظهرَ (رَأْسُهُ) لقصرها (وَأُرَاهُ) بضم الهمزة، أي: أظنُّهُ (قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ) بن عبد المطَّلب (وَهْوَ خَيْرٌ مِنِّي) قتلهُ وحشيٌّ، وشقَّ بطنهُ وأخذَ كبدَه، فجاء بها إلى هندٍ بنت عتبةَ بن ربيعةَ فمضَغَتْها ثمَّ لفظَتْها، ثم جاءَتْ فمثَّلتْ بحمزةَ، وجعلتْ من ذلك مَسْكتَين ومعضدتين، حتى قدمت بذلك وبكبده مكة، قاله ابن سعد. وعند الحاكمِ من حديثِ أنسٍ: أنَّ حمزةَ كُفِّنَ -أيضًا- كذلك. (ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ) بضم الموحدة مبنيًّا للمفعول فيهما؛ بسببِ الفتوحاتِ والغنائم (أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا) بضم الهمزة، بدل: «بُسِطَ فيهما» (وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ) ولابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «قد عُجِّلَتْ» (لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي) خوفًا على أن لا يلحقَ بمن تقدَّمه، وحزنًا على تأخُّرِه عنهم (حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ). ومباحثُ هذا الحديثِ تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله (٢) وقوَّتهِ في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٨] (٣).

стр. 7613

٤٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على اسمهِ (لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ قُتِلْتُ، فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ) رسول الله ﷺ : (فِي الجَنَّةِ. فَأَلْقَى) الرجلُ (تَمَرَاتٍ) كانت (فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ) وقد زعمَ ابنُ بَشْكوال أن اسمَ هذا الرَّجلِ عُميرُ بن الحُمَامِ -بضم المهملة وتخفيف الميم الأولى- ابنِ الجَموح الأنصاريُّ السلميُّ، محتجًّا بحديث أنس عند مسلم (١): أنَّ عُمَير (٢) بن الحُمَام أخرجَ تمراتٍ، فجعلَ يأكُلُ منهنَّ، ثمَّ قال: لئنْ أنا حييتُ حتَّى آكلَ تمَراتي هذهِ إنَّها لحياةٌ طويلةٌ، ثمَّ قاتلَ حتى قتلَ. وانتُقِدَ بما في «أُسد الغابة»: أنَّ عميرًا هذا قُتِلَ ببدرٍ، وهو أولُ قتيلٍ قُتلَ من الأنصارِ في الإسلامِ في حربٍ. وعندَ ابنِ إسحاق: أنَّه قاتلَ (٣) القومَ يومَ بدرٍ، وهو يقول: رَكْضًا إلى اللهِ بغيرِ زادِ إلَّا التُّقى وعَمَلِ المَعادِ والصَّبرِ في اللهِ على الجهادِ إنَّ التُّقى مِن أعظمِ السَّدادِ وأما قصَّة الباب فوقع التَّصريحُ فيها بأنَّها يومَ أحُدٍ، فالظَّاهر كما في «الفتح» أنَّهما قضيتان وقعتا لرجُلينِ.

стр. 7614

٤٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبدِ الله بن يونسَ بنِ عبد اللهِ التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ، ونسبهُ لجدِّهِ لشهرتهِ به، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاويةَ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة (عَنْ خَبَّابٍ بنِ الأَرَتِّ) بالمثناة الفوقية المشددَّة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) إلى المدينةِ حال كوننا (نَبْتَغِي) نطلُبُ (وَجْهَ اللهِ) لا الدُّنيا (فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ) فضلًا منه تعالى (وَمِنَّا) بالواو، وفي «اليونينية» وغيرها وفي الفَرْع: «فمنَّا» بالفاء (مَنْ مَضَى) مات (١) (أَوْ) قال: (ذَهَبَ) بالشكِّ من الرَّاوي (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ) من الغنائمِ (شَيْئًا) بل قصرَ نفسهُ عن شهواتها؛ لينالها موفرةً في الآخرة (كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا نَمِرَةً) بفتح النون وكسر الميم، شملةً مخطَّطةً من صوفٍ (كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا) بفتح الغين (بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غُطِّيَ) بضم الغين (٢) (بِهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ) بالإفراد (٣) (الإِذْخِرَ) بالذال المعجمة، وسقط لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «على رجلِهِ الإذخر» (أَوْ قَالَ) ﵊: (أَلْقُوا) بفتح الهمزة وضم القاف (عَلَى رِجْلِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ في نسخة (٤) «رجليهِ» (مِنَ الإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح النون بعدها عين مهملة، أدركتْ ونضجتْ، ولغير أبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «قَدْ أينعَتْ» (لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُِبُهَا) بفتح أوله وضم الدال المهملة وكسرها بعدها موحدة، يجتنيها. وهذا الحديث قد سبَقَ في «الجنَائز» [خ¦١٢٧٦].

стр. 7615

٤٠٤٨ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنا» (حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ) أبو علي بن أبي عبادٍ المصريُّ -نزيلُ مكةَ المشرَّفة- قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) بنِ مصرِّف الهَمْدَانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويلُ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ عَمَّهُ) أنسَ بن النَّضْرِ -بسكون الضادِ المعجمة- (غَابَ عَنْ) غزوة (بَدْرٍ، فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لأنَّ غزوةَ بدرٍ كانت أوَّلَ غزوةٍ غزاها رسولُ الله ﷺ (لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بحذف المفعول، وزاد في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٥] «قتالَ المشركينَ» (لَيَرَيَنَّ اللهُ) بنونِ التَّوكيدِ الثَّقيلةِ (مَا أُجِدُّ) بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال المهملة، في الفرعِ كأصلهِ، وعزاهُ في «الفتح» للأكثرينَ، قال العينيُّ: من مضاعفِ الثُّلاثيِّ المزيدِ فيه، يقال: أَجَدَّ في الشَّيء (١) يَجِدُّ؛ إذا اجتهد في الأمر و (٢) بالغَ فيه، وقال السَّفَاقِسيُّ: صوابهُ بفتح الهمزة وضم الجيم، يقال: جَدَّ يَجِدُّ (٣)؛ إذا اجتهدَ في الأمرِ وبالغَ فيه، وأمَّا أُجِدُّ (٤) فإنَّما يقالُ لمن سارَ في أرضٍ مستوية، ولا معنى له ههنا، وقال في «المصابيح»: إنَّه صواب، وله وجه ظاهر؛ تقول: أجدَّ فلان هذا الشيء؛ إذا جعله جديدًا، فالمعنى: ليرينَّ اللهُ ما أُجِدُّه في الإسلامِ من شدَّة القتلِ بالكفَّار، واقتحام الأهوالِ في قتالهم، قال: وضبطهُ بعضهم بفتح (٥) الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال، مضارع وجدَ، أي: ليرينِ اللهُ ما أجدُهُ أنا في نفسي من المشقَّةِ وارتكابِ الخطرِ.

стр. 7616

(فَلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهُزِمَ النَّاسُ) بضم الهاء مبنيًّا للمفعول (فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: المُسْلِمِينَ-) من الانهزامِ (وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ المُشْرِكُونَ) من القتالِ (فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ) نحو المشركِينَ (فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) منهزِمًا (فَقَالَ) له: (أَيْنَ يَا سَعْدُ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقالَ: أي سعدُ» (إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ) حقيقةً (دُونَ أُحُدٍ) أي: عند أحدٍ، وهو كنايةٌ عن شدَّةِ اجتهادهِ المؤدِّي إلى الجنَّة (فَمَضَى) إلى القتالِ وقاتلَ قتالًا شديدًا (فَقُتِلَ) شهيدًا (فَمَا عُرِفَ) بضم العين (حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ) الرُّبَيِّع بنتُ النَّضر (بِشَامَةٍ) وهي الخالُ (أَوْ بِبَنَانِهِ) بموحدتين ونونين (١) بينهما ألف، أي: بأصابعِهِ، وقيل: بأطرافها (وَبِهِ بِضْعٌ) بكسر الموحدة (وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ) برُمح (وَضَرْبَةٍ) بسيفٍ (وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ) زاد في «الجهاد»: «وقد مَثَّل به المشركون» [خ¦٢٨٠٥]. ٤٠٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمةَ التَّبُوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيمَ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمد بنُ مسلم قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ (أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) الأنصاريَّ (¬﵁، يَقُولُ: فَقَدْتُ) بفتح القاف (آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا المُصْحَفَ) بأمر عثمان بنِ عفَّان ﵁ (كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا (٢)، فَالتَمَسْنَاهَا) أي: طلبناها (فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ) زاد في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٧] و «التفسيرِ» [خ¦٤٧٨٤] «الذي جعلَ رسولُ الله ﷺ شهادتَهُ بشهادةِ رجلين». وهي قوله تعالى: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾) أي: فيما عاهدوه عليه، فحُذِف الجارُّ، كما في المَثَل: صدقَني سنُّ

стр. 7617

بِكْرِه. بطرحِ الجارِّ وإيصالِ الفعل، أي: في سنِّ بكره. وكان قد نذرَ رجالٌ من الصَّحابةِ أنَّهم إذا لقُوا حربًا مع رسولِ الله ﷺ ثبتُوا وقاتَلوا حتى يستشهِدُوا، وهم عثمانُ بن عفَّان وطلحة وسعيدُ بن زيد وحمزة ومصعب وغيرهم (﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾) أي: ماتَ شهيدًا، كحمزة ومصعب، وقضاءُ النَّحبِ؛ صارَ عبارةً عن الموت؛ لأنَّ كلَّ حيٍّ من المحدثاتِ لا بد له من أن يموت، فكأنَّه نذرٌ لازمٌ في كلِّ رقبةٍ (١)، فإذا ماتَ فقد قضَى نحبهُ، أي: نذرهُ (﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) الشَّهادةَ كعثمانَ وطلحة، وسقط قوله «﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾» لابن عساكرٍ (فَأَلْحَقْنَاهَا) أي: الآية (فِي سُورَتِهَا فِي المُصْحَفِ) عملًا بثبوتِ تواتُرها عندَهم، قيل: مع شهادةِ عمر وغيره. ٤٠٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبدِ الملكِ الطيالسيُّ قالَ: (٢) (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ، أنَّهُ (قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادةِ، الخطميَّ، حالَ كونه (يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى) غزوةِ (أُحُدٍ) سنةَ ثلاثٍ من الهجرة (رَجَعَ نَاسٌ) من الشَّوطِ بين المدينةِ وأُحد، وهمْ: عبد الله بن أُبَيٍّ ومَنْ تبعهُ من المنافقين، وكانوا ثلثَ الناسِ (مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ، وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تَقُولُ: نُقَاتِلُهُمْ) أي: المنافقين الرَّاجعين (وَفِرْقَةً) بالنَّصب فيهما بدلًا من «فرقتين» ولأبي ذرٍّ «فرقةٌ» بالرفعِ فيهما على القطع (تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ)

стр. 7618

لأنَّهُم مسلمون (فَنَزَلَتْ) لمَّا اختَلفوا: (﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾) أي: تفرَّقتم في أمرهم فرقتَينِ (﴿وَاللّهُ أَرْكَسَهُم﴾) ردَّهم إلى حكم الكفَّارِ (١) (﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ [النساء: ٨٨]) بسببِ عصيانهم ومخالفتهم (وَقَالَ) النُّبيُّ ﷺ : (إِنَّهَا طَيْبَةُ، تَنْفِي الذُّنُوبَ) أي: تميزُ وتظهرُ -بالظاء المعجمة- أصحابَ الذُّنوبِ (كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ) وهو ما تُلقيه النَّارُ من وسَخِها إذا أُذِيبت. وقوله: «وقال: إنها … » إلى آخره، هو حديثٌ آخرُ سبق في آخرِ «الحجِّ» [خ¦١٨٨٤] كما نبَّه عليه في «الفتح». (١٨) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِذْ﴾) أي: واذكُر إذ (﴿هَمَّت﴾) أي: عزَمَتْ (﴿طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ﴾) حَيَّانِ من الأنصار: بنو سَلِمَةَ من الخزرجِ، وبنو حارثةَ من الأوس (﴿أَن تَفْشَلَا﴾) أي: بأن تجبُنا وتضعُفَا، وكانَ ﵊ خرجَ إلى أُحُد في ألفٍ، والمشركُونَ في ثلاثةِ آلافٍ، ووعدهُم بالفتحِ إن صبَروا، فانخَزَلَ ابنُ أُبَيٍّ بثلثِ النَّاسِ وقال: عَلَامَ نَقْتُل أنفسَنَا وأولادَنَا؟ فَهمَّ الحيَّان باتِّباعهِ فعصمَهم الله تعالى، فمضوا مع رسولِ الله ﷺ ، وعن ابنِ عبَّاس ﵄: أضْمَروا أن يرجِعُوا، فعزمَ الله تعالى لهم على الرُّشْدِ فثبتُوا. والظَّاهرُ: أنَّها ما كانَتْ إلَّا هِمَّةً وحديثَ نفسٍ، وكما لا تخلو النَّفسُ عند الشِّدَّةِ من بعض الهَلَعِ، ثمَّ يردُّها صاحبُها إلى الثَّباتِ والصَّبرِ، ويوطِّنُها على احتمالِ المكروهِ، ولو كانتْ عزيمةً لَمَا ثبتَتْ معها الولايةُ، والله تعالى يقول: (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) ويجوزُ أن يُرَادَ: واللهُ ناصرُهما ومتولِّي أمرَهما، فما لهما يفشلانِ ولا يتوكلانِ على الله تعالى؟! (﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]) أمرهم بأن (٣) لا يتوكَّلُوا إلا عليه، ولا يفوِّضُوا أمرَهم إلَّا إليه، وسقط لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾» وقالا: «الآية».

стр. 7619

٤٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيْكَنْدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ، كذا في الفَرْع، والذي في «اليونينيةِ»: «عن ابنِ عُيَينة» (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابنِ عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، من الخزرج (وَبَنِي حَارِثَةَ) بالمثلثة، من الأوس (وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ) بفتح أوله وكسر ثالثه (وَاللهُ) أي: والحالُ أنَّ الله تعالى (يَقُولُ) ولابنِ عساكرٍ: «لقولِ اللهِ تَعالى»: (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) أي: لِمَا حصلَ لهم من الشَّرفِ بثناءِ الله تعالى وإنزاله فيهم آيةً ناطقةً بصحَّةِ الولايةِ، وأنَّ تلكَ غيرُ المأخوذ بها (١)؛ لأنَّها لمَّا (٢) لم تكنْ عن عزيمةٍ وتصميمٍ، كانت سببًا لنزولها. ٤٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو ابنُ دِينار، ولأبي ذرٍّ «عن عَمرو» (عَنْ جَابِرٍ) بن عبدِ الله الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ؟) أي: هل تزوجتَ (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ: مَاذَا) نكحتَ (أَبِكْرًا) نكحتَ (أَمْ ثَيِّبًا؟) بالمثلثةِ (قُلْتُ: لَا) أي: لم أنكِح بكرًا (بَلْ) نكحتُ (ثَيِّبًا، قَالَ) ﵊: (فَهَلَّا) نكحتَ (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُكَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي) عبدَ الله بن عَمرو بن حرامٍ (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) قتلهُ أسامةُ الأعور بن عُبيد، أو سفيانُ بن عبد شمسٍ ابن أبي الأعورِ (٣)

стр. 7620

السُّلميُّ (وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على أسمائهنَّ (١) (كُنَّ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ) بخاء معجمة فراء ساكنة فقاف مفتوحة ممدودًا، حمقاءَ جاهلةً، لا تُحسنُ العملَ ولا تجربةَ لها (مِثْلَهُنَّ، وَلَكِنِ امْرَأَةً تَمْشُطُهُنَّ) بضم الشين المعجمة، أي: تسرِّحُ شعرهُنَّ بالمشطِ (وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ) ﵊: (أَصَبْتَ). ٤٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ) بضم السين المهملة آخره جيم، واسمهُ: الصَّبَّاحُ النَّهشَليُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) بن باذامَ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبد الرَّحمن (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وسين مهملة، ابن يحيى (عَنِ الشَّعْبِيِّ) هو عامرُ بن شَرَاحيل، أنَّهُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (¬﵄ أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا) ثلاثينَ وسقًا لرجلٍ من اليهودِ (وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ) لا يُنافِي الرِّوايةَ السَّابقة: «تسعَ» لأنَّ التَّخصيصَ بالعددِ لا يُنافِي الزَّائدَ، أو أن ثلاثًا منهنَّ كنَّ متزوجاتٍ، أو بالعكسِ (فَلَمَّا حَضَرَ جَِذَاذُ النَّخْلِ) بفتح الجيم وكسرها وبالذالين المعجمتين بينهما ألف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ وابنِ عساكرٍ في نسخةٍ «جِدادُ» بكسر الجيم

стр. 7621

وبدالين مهملتين، أي: قَطْعُه (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ) له: يا رسولَ الله (قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي قَدِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ) عليه (دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الغُرَمَاءُ. فَقَالَ: اذْهَبْ) إلى حائطكَ (فَبَيْدِرْ) بكسر الدال المهملة وجزم (١) الراء، أي: اجمعْ (كُلَّ تَمْرٍ) أي: نوعٍ من التمرِ في موضعٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «تمرةٍ» (عَلَى نَاحِيَةٍ، فَفَعَلْتُ) ذلك (ثُمَّ دَعَوْتُهُ) ﷺ (فَلَمَّا نَظَرُوا) أي: الغُرَماء (إِلَيْهِ) ﵊ (كَأَنَّهُمْ) ولأبي ذرٍّ «كأنَّما» (أُغْرُوا بِي) بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة، أي: لحُّوا في مطالبَتِي وألحُّوا عليَّ، وكأنَّهم أُمِرُوا بذلك (تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى) ﵊ (مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا) أي: ألمَّ به وقاربهُ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ) ﵊ (عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لَكَ) بالكاف، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ادعُ لي» (أَصْحَابَكَ) يعني: الغُرَماءَ (فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ (٢)، فَسَلَّمَ اللهُ البَيَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِّي (٣) أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ) منه (تَمْرَةً وَاحِدَةً) وهذا من أعلامِ نبوَّته ﷺ . وقد سبقَ هذا الحديثُ في مواضع «كالبيعِ» [خ¦٢١٢٧] و «القرضِ» [خ¦٢٤٠٥] والمراد من سياقه (٤) هنا: أنَّ عبدَ الله والدَ جابر كان ممَّن استشْهد بأُحد. ٤٠٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بن إبراهيمَ بنِ عبد الرَّحمنِ بن عوفٍ (عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ، وَمَعَهُ رَجُلَانِ) هما جبريلُ وميكائيلُ عليهما الصلاة والسلام

стр. 7622

كما في مُسلم (يُقَاتِلَانِ) الكفَّارَ (عَنْهُ) ﵊ (عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، كَأَشَدِّ القِتَالِ) الكاف زائدة، أو للتشبيه، أي: كأشدِّ قتالِ بني آدمَ (مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ) وهذا يردُّ قولَ من قالَ: إن الملائكةَ لم تُقاتِل معهُ إلَّا يومَ بدرٍ، وكانوا يكونون فيما سِوَاه عدَدًا ومددًا. ٤٠٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) ابنُ الحارثِ أبو عبد الله الكوفيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ) بفتح الهاء بعدها ألف فمعجمة فيهما، ابنِ عُبيد بن أبي وقَّاص الزهريُّ المدنيُّ، ويقال: هاشمُ بن هاشمِ بن هاشم (السَّعْدِيُّ) بنُ أخي سعدِ بن أبي وقَّاص (١) (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: نَثَلَ) بالنون والمثلثة واللام المفتوحات، استخرجَ (لِي النَّبِيُّ ﷺ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ) بكسر الكاف وتخفيف النون، جعْبة النَّبل (فَقَالَ) ﵊ لي: (ارْمِ، فَِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) بكسر الفاء وتفتح، أي: لو كان لي إلى الفداءِ سبيل لفديتُكَ بأبويَّ اللَّذينَ هما عزيزان عندِي، والمرادُ من التَّفْديةِ لازمُها وهو الرِّضَا، أي: ارمِ مرضيًّا. ٤٠٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، أنَّهُ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ (٢) «يقولُ»: (سَمِعْتُ سَعْدًا) هو ابنُ أبي وقَّاص (يَقُولُ: جَمَعَ لِي رَسُولُ الله ِ ﷺ أَبَوَيْهِ) فقال -كما في السَّابقةِ [خ¦٤٠٥٥]-: «ارمِ، فداكَ أبِي وأمِّي» (يَوْمَ أُحُدٍ).

стр. 7623

٤٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) باللام، والَّذي في «اليونينية»: «ليثُ ابنُ سعدٍ» الإمام (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ) وقعةُ (أُحُدٍ) في التَّفديةِ (أَبَوَيْهِ، كِلَيْهِمَا) نُصِب بالياء، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «كلاهما» بالألف بدل الياء (يُرِيدُ) ابن أبي وقَّاصٍ (حِينَ قَالَ) له ﷺ : (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. وَهُوَ يُقَاتِلُ). ٤٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء، ابنُ كِدَامٍ الكوفيُّ (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيمَ بنِ عبد الرَّحمنَ بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شَدَّادٍ) هو عبدُ الله بنُ شدَّاد بنِ الهاد اللَّيثيُّ الكوفيُّ، أنَّهُ (قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا) هوَ ابن أبي طالب ﵁ (يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَجْمَعُ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدٍ) أي: ابنَ أبي وقَّاص، ولأبي الوقتِ «إلَّا لسعدٍ» وهذا لا ينافِي سماعَ غيرهِ في غيرهِ. ٤٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ) بفتح التحتية والسين المهملة والراء، اللَّخمِيُّ الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ) اللَّيثيِّ السَّابقُ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ) هو اسمُ أبي وقاصٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهَنيِّ «غير سعدِ بن مالكٍ» (فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: يَا سَعْدُ، ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي).

стр. 7624

وعند الحاكمِ في «مستدركه» من طريقِ يونسَ بنِ بُكَير، وهو في «المغازي» روايتُه من طريق عائشةَ بنتِ سعدٍ عن أبيها قالَ: لَمَّا جالَ النَّاسُ يوم أُحدٍ تلكَ الجولة، تنحَّيتُ فقلتُ: أذودُ عن نفسِي، فإمَّا أن أنجُو وإمَّا أنْ أُستَشْهَدَ، فإذا رجلٌ مخمَّرٌ وجههُ، وقد كادَ المشركونَ أن يركبوهُ، فملأَ يدهُ من الحصَى فرماهُم، وإذا (١) بيني وبينه المقدادُ، فأردتُ أن أسأله عن الرَّجلِ، فقال لي: يا سعدُ، هذا رسولُ الله يدعوكَ، فقمتُ وكأنَّهُ لم يُصبنِي شيءٌ من الأذَى، وأجلسني أمامهُ، فجعلتُ أرمي … فذكر الحديث. ٤٠٦٠ - ٤٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبُوذكيُّ (عَنْ مُعْتَمِرٍ، عَنْ أَبِيهِ) سليمانَ بنِ طَرْخانَ التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: زَعَمَ) أي قالَ: (أَبُو عُثْمَانَ) عبدُ الرَّحمنِ النَّهديُّ: (إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ) أي: أيَّامَ أُحد، وسقطَ «بعض» لأبي ذرٍّ (الَّتِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «الَّذي» (يُقَاتِلُ فِيهِنَّ) فالتأنيثُ بالنَّظرِ (٢) لقوله: «تلك الأيَّام» والتَّذكيرُ بالنَّظرِ للفظ: «بعض» من المهاجرين (غَيْرُ طَلْحَةَ) بن عبيدِ الله أحد العشرةِ، و «غيرُ» بالرَّفع (وَسَعْدٌٍ) بالجرِّ والرفع (٣)؛ وهو ابنُ أبي وقاص، كذا رواه أبو عثمان (عَنْ حَدِيثِهِمَا) أي: عن حديثِ طلحةَ وسعدٍ. ٤٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أبي الأسودِ، واسمهُ:

стр. 7625

حميدُ بن الأسودِ البصريُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الكوفيُّ سكنَ المدينة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) بنِ عبد الله الكنديِّ الأعرجِ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) من صغارِ الصَّحابةِ (قَالَ: صَحِبْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (وَالمِقْدَادَ) بن الأسودِ (وَسَعْدًا) أي: ابن أبي وقَّاص (¬﵃ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) خشيةَ أن يقعوا في قولهِ ﵊: «مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعمِّدًا فليَتَبوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار» [خ¦١٢٩٠] (إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ) بما وقعَ له من الثَّباتِ، أو نحوَ ذلك، ولم يبيِّن في هذا الحديثِ (١) ما حدَّثَ به (٢) طلحة. نعم أخرجهُ أبو يَعلى وقال فيه: إنَّه ظَاهَرَ بين درعينِ يوم أُحد. ٤٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبدُ الله بنُ محمدِ بن أبي شيبةَ، واسم أبي شيبةَ: إبراهيمُ بن عثمانَ العبسيُّ الكوفيُّ الحافظُ المشهورُ، صاحبُ «المسندِ الكبيرِ» و «المصنَّفِ». قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجراحِ الحافظُ المشهورُ العابدُ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بنِ أبي خالدٍ الأحمسيِّ البجليِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازم البجليِّ، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ) بنِ عُبيد الله (شَلَّاءَ) بفتح الشين المعجمة وتشديد اللام ممدودًا، أصابها الشَّللُ (وَقَى) بفتح الواو والقاف المخففة (بِهَا النَّبِيَّ) وفي نسخةٍ «رسولَ اللهِ» (¬ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ) فقطعتْ أصابعهُ.

стр. 7626

٤٠٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين، عبدُ الله بن عَمرو المقعدُ (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بنُ صهيب (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ، زوجُ والدةِ أنسٍ (بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ) بضم الميم وفتح الجيم وكسر الواو المشددة بعدها موحدة، مُترِّس (عَلَيْهِ) ﵊ يسترهُ (بِحَجَفَةٍ) بحاء مهملة فجيم ففاء مفتوحات، بتُرْسٍ من جلدٍ (لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ) بفتح النون وسكون الزاي بعدها عين مهملة، الجذبُ في القوسِ (كَسَرَ يَوْمَئِذٍ) يوم أُحدٍ (قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) من كثرةِ رميهِ وشدَّتهِ، ولابنِ عساكرٍ «ثلاثة» (وَكَانَ الرَّجُلُ) من المسلمين (يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ) بفتح النون وسكون الموحدة، و «الجَعْبة»: بفتح الجيم وسكون العين المهملة، الكِنَانة الَّتي فيها السِّهام (فَيَقُولُ) النَّبيُّ ﷺ له: (انْثُرْهَا) أي: الجَعْبة التي فيها النَّبْلُ (لأَبِي طَلْحَةَ. قَالَ) أنسٌ: (وَيُشْرِفُ) بضم التحتية وسكون الشين المعجمة وكسر الراء بعدها فاء، أي: ويطلعُ، ولأبي الوقتِ «وتَشرَّفُ» بفتح الفوقية والمعجمة والراء المشددة، أي: تطلَّع (النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (يَنْظُرُ إِلَى القَوْمِ) المشركينَ (فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ) له ﷺ : (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ) بضم الفوقية وسكون المعجمة، والجزم على الطلب (يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ) برفع «يصيبُك» أي: فهو يصيبُكَ. قال في «التنقيح»: وهو الصَّوابُ، ولأبي ذرٍّ في الفرعِ كأصلهِ «يصبْك (٢)» بالجزم (٣). قال العينيُّ: جوابٌ للنهي على الأصلِ. قال (٤) الزَّركشي: هو خطأ وقلب للمعنى؛ إذ لا يستقيمُ أن يقول: إن لا تشرف يصبْك. انتهى.

стр. 7627

ووجهه في «المصابيح» على رأي الكسائيِّ، والتَّقديرُ: فإن تشرف يصبكَ سهم. انتهى. قال: وهذا صوابٌ لا خطأ فيهِ ولا قلبَ للمعنى. نعم غيرُ الكسائيِّ إنَّما يقدِّر فعلَ الشَّرطِ منفيًّا، فمن ثَمَّ يجيء انقلابُ المعنى في هذا التَّركيبِ (نَحْرِي) يصيبه السَّهم (دُونَ نَحْرِكَ) أي: أفديكَ بنفسِي، قال أنسٌ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ) هي والدةُ أنسٍ (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ) ذَيلهما (أَرَى) أي: أنُظر (خَدَمَ سُوقِهِمَا) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة، أي: خلاخيلَهُما، وهو محمولٌ على نظرِ الفجأةِ، أو كانَ إذ ذاكَ صغيرًا. حالَ كونهما (تَنْقُزَانِ) بفوقية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مضمومة فزاي مفتوحة وبعد الألف نون، أي: تثبانِ وتقفزانِ (القِرَبَ) أي: بالقِرَبِ، فالنَّصب (١) بنزعِ الخافضِ، ولابنِ عساكرٍ وأبي الوقتِ «وقالَ غيرهُ» أي: غير أبي معمر، وهو جعفرُ بن مهرانَ عن (٢) عبد الوارثِ «تنقلانِ القِرب» ولأبي ذرٍّ وحدَه «تُنقِزانِ» بالزاي المعجمة (٣) (عَلَى مُتُونِهِمَا) على (٤) ظهورهما (تُفْرِغَانِهِ) أي: الماء (فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ) بفتح الدال وسكون التحتية بالتثنية، لكنه مضبَّبٌ على الياء في الفرعِ كأصله، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ «من يد» (أَبِي طَلْحَةَ) بالإفراد (إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا) زاد مسلم عن (٥) الدَّارميِّ، عن أبي مَعْمر -شيخُ المؤلِّفِ فيه بهذا الإسناد-: «من النُّعاسِ» أي: الذي ألقاهُ الله تعالى عليهم أمنةً منه.

стр. 7628

٤٠٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن يحيى أبو (١) قدامةَ اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بن أسامة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ -لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِ-) وسقطَ قوله «لعنةُ اللهِ عليهِ» لأبي ذرٍّ: (أَيْ عِبَادَ اللهِ) يعني: المسلمين (أُخْرَاكُمْ) أي (٢): احترزوا من الذين وراءكُمْ متأخِّرينَ عنكُمْ، وهي كلمةٌ تقالُ لمن يخشى أن يُؤتى عند القتالِ من ورائهِ، وغَرَضُ إبليس -اللَّعين- أن يُغَلِّطَهم؛ ليقتل المسلمونُ بعضُهم بعضًا (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ) لقتالِ أُخراهم؛ ظانِّينَ أنَّهم من المشركينَ (فَاجْتَلَدَتْ) بالجيم، فاقتتلَتْ (هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَبَصُرَ) بضم الصاد، أي: نظرَ (حُذَيْفَةُ) بنُ اليمانِ (٣) (فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ اليَمَانِ) يقتله (٤) المسلمون يظنونهُ من المشركين (فَقَالَ) حذيفةُ: (أَيْ عِبَادَ اللهِ) هذا (أَبِي) هذا (أَبِي) لا تقتلوهُ (قَالَ) عروةُ: (قَالَتْ) عائشة (٥): (فَوَاللهِ مَا احْتَجَزُوا) بالحاء المهملة الساكنة والفوقية والجيم المفتوحتين والزاي المضمومة، ما انفصلوا عنهُ (حَتَّى قَتَلُوهُ) وعند ابنِ سعدٍ: أنَّ الذي قتلهُ خطأً عتبةُ بن مسعودٍ أخو عبد الله بن مسعودٍ، والظاهرُ ممَّا تكرَّر في البخاريِّ: أنَّ الذي قتله جماعةٌ من المسلمين. وعند ابنِ إسحاق: «وأما اليمان فاختلفتْ أسيافُ المسلمين فقتلوهُ ولا يعرفونه، فقال حذيفة: قتلتُم أبي؟ قالوا: والله ما عرفنَاهُ» (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) معتذرًا عنهُمْ لكونِهم قتلوه ظنًّا منهُمْ أنَّهُ من الكافرينَ: (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (فَوَاللهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ) من دعاءٍ واستغفارٍ لقاتلِ أبيه (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ وقال في «المصابيح»

стр. 7629

-كـ «التنقيحِ» -: وقيل: بقيَّةُ حزنٍ على أبيهِ من قتلِ المسلمين إيَّاهُ. ومرَّ هذا الحديثُ في «بابِ صفةِ إبليسَ وجنوده» [خ¦٣٢٩٠]. (بَصُرْتُ) بضم الصاد وسكون الراء: (عَلِمْتُ، مِنَ البَصِيرَةِ فِي الأَمْرِ) فهو من المعانِي القلبيَّة (وَأَبْصَرْتُ) بزيادة الهمزة (مِنْ بَصَرِ العَيْنِ) المحسُوس (وَيُقَالُ: بَصُرْتُ وَأَبْصَرْتُ وَاحِدٌ) كسرعتُ وأسرعتُ، وهذا (١) ذكره تفسيرًا لقوله: «فبصرَ حذيفة» وهو ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ. (١٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقطَ ذلك كله لأبي ذرٍّ (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ﴾) انهزموا (﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾) جمعُ النَّبيِّ ﷺ ، وجمعُ أبي سفيان للقتال يومَ أُحد (﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾) دعاهُم إلى الزَّلة وحملهُم عليها (﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾) بتركهم المركز الذي أمرهُم النَّبيُّ ﷺ بالثَّباتِ (٢) فيه (﴿وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ﴾) تجاوزَ عنهم (﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ﴾) للذُّنوب (﴿حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]) لا يعاجلُ بالعقوبة.

стр. 7630

٤٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقبُ عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمدُ بن ميمون السُّكريُّ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم والهاء بينهما واو ساكنةُ، الأعرجِ الطلحيِّ التَّيميِّ القرشيِّ، أنَّهُ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال في «المقدمة»: قيل: إنَّه يزيدُ بن بشرٍ السَّكسكيُّ (حَجَّ البَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا) لم يسموا (فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ القُعُودُ؟ قَالَوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ) لم يسمَّ المجيبُ أيضًا (قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا) ولأبي ذرٍّ «قالَ»: (ابْنُ عُمَرَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ) له: (إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي (١)) عنه؟ (قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا البَيْتِ، أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) سقطَ «ابن عفَّان» لأبي ذرٍّ (فَرَّ يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ؟ قَالَ) ابنُ عمر (٢): (نَعَمْ. قَالَ) الرجلُ: (فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ) بالغين المعجمة (عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) وقول الدَّاوديِّ: إنَّ قوله: «تغيَّب» خطأٌ في اللَّفظ (٣)؛ إنَّما يقال لمن تعمَّدَ التخلُّفَ فأمَّا من تخلَّفَ لعذرٍ فلا. تعقَّبهُ في «المصابيح»: بأنَّهُ يحتاجُ إلى نقلٍ عن أئمَّةِ اللَّغةِ، ويعزُّ وجودهُ (قَالَ) الرَّجلُ: (فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ) ولابنِ عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «تغيَّب» (عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ) الواقعةِ تحتَ الشَّجرةِ في الحديبية (فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ) ابن عمر: (نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ) الرَّجلُ مستحسنًا (٤) لِمَا أجابَه بهِ ابن عمر؛ لكونِه مطابقًا لِمَا يعتقدُهُ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ «فقالَ» (ابْنُ عُمَرَ) له: (تَعَالَ لأُخْبِرَكَ وَلأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ) ليزولَ اعتقادُكَ (أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَفَا) ولابنِ عساكرٍ «قد عفَا» (عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «بنتُ النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) رقيَّة ﵂ (وَكَانَتْ مَرِيضَةً) فأمرهُ النَّبيُّ ﷺ بالتخلُّفِ هو وأسامة بن زيدٍ (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ) وفي نسخةٍ «مِن» (بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ) ﵊، أي: (مَكَانَهُ) وسقطَ «ابن عفَّان» لأبي ذرٍّ (فَبَعَثَ عُثْمَانَ) إلى أهلِ مكَّةَ لِيُعْلِمَ قريشًا أنَّه إنَّما جاءَ مُعْتمرًا لا مُحَاربًا (وَكَانَ) ولأبي ذرٍّ عن

стр. 7631

الكُشمِيهنيِّ «وكانتْ» (بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ (١) عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ) فتحدَّثَ أنَّ المشركينَ يقصدونَ حربَ المسلمينَ، فاستعدَّ المسلمونَ للقتالِ، وبايعهم ﷺ حينئذٍ أنْ لا يفرُّوا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مشيرًا (بِيَدِهِ اليُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ) أي: بدلها (فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ) اليُسرى (فَقَالَ: هَذِهِ) البيعة (لِعُثْمَانَ) أي: عنه (اذْهَبْ بِهَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «بها» أي: بالأجوبة التي أجبتكَ بها (الآنَ مَعَكَ) حتى يزولَ عنكَ ما كنتَ تعتقدهُ من عيبِ عثمانَ. وسبق هذا الحديثُ في «مناقب عثمان» [خ¦٣٦٩٨]. (٢٠) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾) أي: تبالغونَ في الذَّهابِ في صعيدِ الأرض (﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ﴾) أي: ولا تلتفتونَ، وهو عبارةٌ عن غايةِ انهزامِهِم وخوفِ عدوِّهم (﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾) يقولُ: إليَّ عبادَ الله، إليَّ عبادَ الله، من يكرُّ فلهُ الجنَّة، والجملةُ في موضعِ الحالِ (﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾) في سَاقَتِكُم وجماعَتِكُم الأخرى، هي المتأخِّرة (﴿فَأَثَابَكُمْ﴾) عطف (٢) على ﴿صَرَفَكُمْ﴾ أي: فجازاكم الله (﴿غُمَّاً﴾) حين صرفكمْ عنهم وابتلاكمْ (﴿بِغَمٍّ﴾) بسببِ غَمٍّ أدخلتموهُ على الرَّسول ﷺ بعصيانكُمْ أمرَهُ والمؤمنينَ بفشلِكُم، أو فأثابكُمْ الرَّسول، أي: أثابكُمْ غمًّا بسببِ غمٍّ اغتممتُمُوهُ لأجلهِ، والمعنى: أنَّ الصَّحابةَ لَمَّا رأوهُ ﷺ شُجَّ وجههُ، وكُسِرتْ ربَاعيتهُ، وقُتِلَ عمُّهُ اغتمُّوا لأجلهِ، والنَّبيُّ ﷺ لَمَّا رآهم عصوا ربَّهم لطلبِ (٣) الغنيمةِ، ثم حُرِموا (٤) منها، وقُتِلَ أقاربهم، اغتمَّ لأجلهم.

стр. 7632

وقال القَفَّال: وعندي أنَّ اللهَ تعالى ما أرادَ بقوله: ﴿غُمَّاً بِغَمٍّ﴾ اثنين (١)، وإنَّما أرادَ مواصلةَ الغمومِ وطولَها، أي: أنَّ الله عاقبكُمْ بغمومٍ كثيرةٍ؛ مثلَ قتلِ إخوانكم وأقاربكُم، ونزولِ المشركين عليكمْ بحيثُ لم تأمنوا أن يَهْلكَ أكثركُم (﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾) لتتمرَّنوا على تجرُّعِ الغمومِ، فلا تحزنوا فيما بعدُ على ما فاتَ (٢) من المنافعِ؛ لأنَّ العادةَ طبيعةٌ خامسةٌ (﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾) ولا على مصيبٍ من (٣) المضارِّ (﴿وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]) عالمٌ بعلمكم (٤) لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالكُمْ، وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله «﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ … » إلى آخره (٥)، وقال: «إلى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾». (﴿تُصْعِدُونَ﴾) أي: (تَذْهَبُونَ، أَصْعَدَ) بالهمزة (وَصَعِدَ) بحذفها وكسر العين (فَوْقَ البَيْتِ) وكأنَّه أرادَ التَّفرقة بين الثُّلاثي والرُّباعي، وأنَّ الثُّلاثيَّ بمعنى: ارتفعَ، والرُّباعيُّ بمعنى: ذهبَ، وسقطَ من قوله «﴿تُصْعِدُونَ﴾ … » إلى آخره للمُستمليِّ وأبي الهيثم (٦). ٤٠٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) الحرانيُّ الخزاعيُّ، سكنَ مصر قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاويةَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بنُ عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ) بتشديد الجيم، جمعُ: راجلٍ، خلاف الفارسِ، وكانوا خمسينَ رجلًا رماةً (يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ) الأنصاريَّ (وَأَقْبَلُوا) حالَ كونهم (مُنْهَزِمِينَ) أي: بعضُهم؛ إذ فرقةٌ استمرُّوا في الهزيمةِ حتى فرُغَ القتالُ وهمْ قليلٌ، وفيهم نزَلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وفرقة تحيَّرت لمَّا سمعت أنَّهُ ﵊ قُتِلَ،

стр. 7633

فكانت غايةُ أحدهم الذبَّ عن نفسهِ، أو يستمرَّ على بصيرته في القتَال حتى يُقْتلَ وهم الأكثرُ، والثالثةُ ثبتَتْ معهُ ﵊، ثمَّ تراجعَتْ الثانيةُ لمَّا عرفوا أنَّه ﵊ حيٌّ (فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ) ﷺ بقوله: «إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله» (فِي أُخْرَاهُمْ) في آخرِهم، ومن ورائهم. وتقدم هذا الحديث قريبًا [خ¦٤٠٤٣] وأخرجه أيضًا في «التفسير» [خ¦٤٥٦١]. (٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوينِ في قولهِ تعالى: (﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾) ثمَّ أنزلَ اللهُ الأمنَ على المؤمنينَ وأزالَ عنهم الخوفَ الَّذي كانَ بهم حتَّى نَعِسوا وغلبَهُمُ النَّوم. قالَ أبو البقاءِ: والأصلُ: أنزلَ عليكُم نُعاسًا ذَا أمنَةٍ؛ لأنَّ النُّعاسَ ليسَ هو الأمنُ بل هو الَّذي حصلَ بهِ (١) الأمنُ (﴿يَغْشَى﴾) النُّعاس (﴿طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾) هم أهلُ الصِّدق واليَقينِ (﴿وَطَآئِفَةٌ﴾) هم المنافقونَ لم يغشهُم النُّعاسُ (﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾) ما يهمُّهم إلَّا همُّ أنفسهم وخلاصها، لا همُّ الدِّين، ولا همُّ رسولِ الله ﷺ ، وإنَّما هُم مستغرقونَ في همِّ أنفسهِم، فلذا لم تنزِلْ عليهِم السَّكينةُ؛ لأنَّها واردٌ رُوحانيٌّ لا يتلوَّثُ بهم (﴿يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ﴾) الظَّنِّ (﴿الْحَقِّ﴾) الَّذي يجبُ أن يُظنَّ به، وهو أنَّه لا ينصُرُ محمدًا ﷺ وأصحابَهُ (﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾) أي: الظَّنَّ المختصَّ بالملَّةِ الجاهليَّةِ، أو ظنَّ أهلِ الجاهليَّةِ (﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ﴾) الَّذي يعدُنَا بهِ محمدٌ ﷺ من النَّصر والظَّفر (﴿مِن شَيْءٍ﴾) إنَّما هو للمُشركين استفهامٌ على سبيلِ الإنكارِ (﴿قُلْ﴾) يا محمد لهؤلاءِ المنافقين: (﴿إِنَّ الأَمْرَ﴾) النَّصرَ والظَّفر (﴿كُلَّهُ لِلَّهِ﴾) يصرفهُ حيثُ

стр. 7634

يشاءُ (﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم﴾) من الكفرِ والشِّركِ، أو يخفونَ النَّدمَ على خروجِهِم مع المسلمينَ (﴿مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾) خوفًا من السَّيفِ (﴿يَقُولُونَ﴾) في أنفسِهِم، أو بعضهم لبعضٍ منكرينَ لقولكَ لهم: ﴿إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾) أي: لو كان الأمرُ كما قال محمدٌ: إنَّ الأمرَ كلَّهُ للهِ ولأوليائهِ وإنَّهُم الغالبونَ؛ لَمَا غُلِبْنَا قط، ولَمَا قُتِلَ من المسلمين مَن قُتِلَ في هذه المعركةِ (﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾) أي: مَن علمَ اللهُ منه أن يُقتل في هذه المعركةِ، وكتب في اللَّوحِ المحفوظِ؛ لم يكُن بدٌّ من وجودِه، فلو قعدتُم في بيوتِكُم (﴿لَبَرَزَ﴾) من بينِكُم (١) (﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾) مصارِعِهم بأُحد؛ ليكونَ ما علمَ اللهُ تعالى أنَّه يكون، والحذرُ لا يمنعُ القدَر، والتَّدبيرُ لا يقاوِمُ التَّقديرَ، وقد كتبَ اللهُ في اللَّوحِ المحفوظِ (٢) قَتْلَ من يُقتَل من المؤمنين، وكُتبَ مع ذلك أنَّ العاقبةَ في الغلبةِ لهم، وأنَّ دينَ الإسلامِ يظهرُ على الدِّين كلِّه، وأنَّ ما ينكبونَ (٣) في بعضِ الأوقاتِ تمحيصٌ لهُم (﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾) أي: وليختبرَ ما في صدورِكُم من الإخلاصِ (﴿وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾) من وساوسِ الشَّيطانِ (﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]) وهي: الأسرارُ والضَّمائرُ؛ لأنَّها حالَّةٌ فيها مصاحبةٌ لها، وذَكَرَ ذلكَ ليدُلَّ به على أنَّ ابتلاءَهُ لم يكن لأنَّه يَخفى عليهِ ما في الصُّدورِ وغيره؛ لأنَّه عالمٌ بجميعِ المعلوماتِ، وإنَّما ابتلَاهم لمحضِ الإلهيَّةِ، أي: للاستصلاحِ، وسقطَ لفظ «باب» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ، وكذا قولُه «﴿يَغْشَى طَآئِفَةً﴾ … » إلى آخره، وقالَا (٤) بعدَ قولِهِ: «﴿نُّعَاسًا﴾ إلى قولهِ: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾». ٤٠٦٨ - وبهِ قالَ: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خَيَّاط أبو عَمرو العُصفُريُّ، البَصريُّ في المُذاكَرَةِ: (حَدَّثَنَا

стр. 7635

يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء مصغَّرًا قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ أبي عَروبةَ (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دعامَة (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيدِ بن سهل الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ) بفتح الغين والشين المشددة المعجمتين (النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ) أي: وهُم في مصافِّهم (حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا، يَسْقُطُ) من يدِي (وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ) من يدِي (فَآخُذُهُ) بالفاءِ، ولأبي ذرٍّ «وآخذُه». قال ابنُ مسعودٍ -فيما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ-: النُّعاسُ في القتالِ أمنة، والنُّعاس في الصَّلاةِ من الشَّيطانِ، وذلكَ لأنَّه في القتالِ لا يكونُ إلَّا من الوثوقِ باللهِ تعالى والفراغِ عن الدُّنيا، ولا يكونُ في الصَّلاةِ إلَّا مِن غايةِ البُعدِ عنِ اللهِ، ثمَّ ذلك النُّعاس كان فيه فوائد؛ لأنَّ السَّهرَ يوجبُ الضَّعفَ والكلالَ، والنَّومَ يفيدُ عودَ القوَّةِ والنَّشاطِ؛ ولأنَّ المشركين كانوا في غايةِ الحرصِ على قتلِهم فبقاؤُهم في النَّوم مع السَّلامةِ في تلك المعركةِ من أدلِّ (١) الدَّلائلِ على حفظِ الله تعالى لهم، وذلك ممَّا يزيلُ الخوفَ من قلوبِهم ويورثهُم الأمنَ؛ ولأنَّهم لو شاهدُوا قتلَ إخوانِهِم الَّذين أرادَ اللهُ تعالى إكرامَهُم بالشَّهادةِ لاشتدَّ خوفُهُم. (٢١ م) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾) اسم «ليس» قوله: ﴿شَيْءٌ﴾ وخبرها: ﴿لَكَ﴾ و ﴿مِنَ الأَمْرِ﴾: حال من ﴿شَيْءٌ﴾ لأنَّها صفة مقدَّمة (﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾) عطف على ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى: إن الله تعالى مالكُ أمرهم، فإمَّا أن يُهلكهم، أو يَهزمهم، أو يَتوب عليهم إنْ أسلموا (﴿أَوْ يُعَذَّبَهُمْ﴾) إن أصرُّوا على الكُفْر، ليس لك من الأمر شيءٌ إنَّما أنت عبد (٢) مبعوثٌ لإنذارِهم ومجاهدَتهم (﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) مستحقُّون للتَّعذيب، وسقطَ لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. (قَالَ حُمَيْدٌ) الطَّويل ممَّا وصلهُ أحمدُ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، ذكره المؤلِّف كلاحقهِ في بيان
следующие страницы →