(سَنِخَةٍ) بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة بعدها هاء تأنيث، متغيِّرةِ الرِّيح، فاسدةِ الطَّعم (تُوضَعُ بَيْنَ يَدَي القَوْمِ، وَالقَوْمُ) أي: والحالُ أنَّ القومَ (جِيَاعٌ، وَهْيَ) أي: الإهالةُ (بَشِعَةٌ) بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة (فِي الحَلْقِ) بالحاء المهملة، أي: كريهةُ الطَّعم (١) تأخذُ الحَلق (وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ) بضم الميم وسكون النون وكسر الفوقية.
وقولُ صاحبِ «التَّوضيح» و «التَّنقيح»: قيل: صوابُه (٢): منتنةٌ، إلَّا أنَّه يجوز في المؤنَّث غير الحقيقي أن يعبَّر عنهُ بالمذكَّر. تعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه ليسَ بمستقيمٍ من وجهيِن:
أحدهما: أنَّه جزمَ بأنَّ الصَّوابَ: منتنةٌ، ومقتضَاه أنَّ التَّعبير بمنتنٍ خطَأ، ثمَّ قطعَ بأنَّ المؤنَّث غير الحقيقيِّ يجوز التَّعبير عنهُ بالمذكَّر، فيكون التَّعبير بمنتنٍ صوابًا لا خطأ، ولا يكون صوابُ الكلمة منحصِرًا في التَّعبير عنها بالتَّأنيث، والحاصلُ: أنَّ آخرَ كلامهِ ينقضُ أولَّه.
ثانيهما (٣): إنَّ جعلَ التَّعبير عن المؤنَّثِ غيرِ الحقيقيِّ بالمذكَّر على جهةِ الجواز ضابطًا كليًّا مقطوعٌ (٤) ببطلانِه.
فإن قلت: فمَا وجهُ ما في المتنِ؟ قلتُ: حمل الرِّيح على العَرْف، فعاملَها معامَلته. انتهى.
стр. 7683
٤١٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بنِ صفوَان أبو محمَّد السُّلمي الكُوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) بفتح الهمزة والميم بينهما تحتية ساكنة (عَنْ أَبِيهِ) أيمن الحَبشي، مولى ابنِ عُمر المخزوميِّ القُرشيِّ المكِّيِّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرًا) الأنصاريَّ (¬﵁ فَقَالَ: إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ) بتشديد نون «إنَّا» (فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ) بكاف مضمومة فدال مهملة ساكنة فتحتية، قطعةٌ صلبةٌ من الأرضِ لا يعمَلُ فيها المِعول، ولابن عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «كَيْدَةٌ» بفتح الكاف وسكون التحتية وفتح الدال المهملة، القطعةُ الشَّديدة الصُّلبة من الأرضِ أيضًا (١)، ولابن عساكرٍ أيضًا «كَبِدة» بكاف مفتوحة (٢) فموحدة مكسورة، أي: قطعةٌ من الأرضِ صُلبة أيضًا، ووقع في روايةِ الأَصيليِّ عن الجُرجاني -فيما ذكره في «فتح الباري» - «كندة» بنون بعد الكاف، وعندَ ابن السَّكن «كتدة» بمثناة فوقية، لكن قال القاضي عياض: لا أعرف لها معنى (فَجَاؤُوْا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ) ولابنِ عساكرٍ «كبِدة» بكسر الموحدة كما مرَّ (عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ، فَقَالَ) ﷺ : (أَنَا نَازِلٌ) في الموضعِ الَّذي فيه الكُديَة (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ) من الجوعِ (بِحَجَرٍ) مشدودٍ عليِه بعصابةٍ، خشيةَ انحناءِ صلبهِ الكريم بواسطةِ خلاءِ الجَوف؛ إذ وضعُ الحجرِ فوق البَطن مع شدِّ العصابة عليهِ يقيمه، أو هو لتسكينِ حرارةِ الجوع ببردِ الحجرِ (وَلَبِثْنَا) بالمثلثة، مكَثنا (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا) شيئًا مِنْ مأكُولٍ ولا مَشروبٍ، والجملةُ اعتراضيَّة أُورِدت لبيانِ السَّبب في ربطهِ ﷺ الحجرَ على بطنهِ (فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ المِعْوَلَ) بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو بعدها
стр. 7684
لام، المسحاةَ (فَضَرَبَ) في الكُديَة (فَعَادَ) المضروبُ (كَثِيبًا) بالمثلثة، رمْلًا (أَهْيَلَ) بهمزة مفتوحة فهاءٌ ساكنة فتحتية مفتوحة فلام (أَوْ) قال: (أَهْيَمَ) بالميم بدل اللام، أي: سائلًا، والشَّكُّ من الرَّاوي، وعند الإسماعيلي: «أهيم» بالميم من غير شكٍّ، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي إِلَى البَيْتِ) أي: حتَّى آتِي بيتِي، زاد أبو نُعيم في «مستخرجِه»: «فأذن لي» (فَقُلْتُ) أي: لمَّا أتيتُ البيتَ (لاِمْرَأَتِي) سُهيلة بنتُ مسعودٍ الأنصاريَّة: (رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا) من الجوعِ (مَا كَانَ فِي ذَلِكِ صَبْرٌ) بكسر الكاف، وسقط لفظ «كان» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ (فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ) وعندَ يونُس بن بُكير أنَّه صاعٌ (وَعَنَاقٌ) بفتح العين، الأنثى من أولادِ المعزِ (فَذَبَحْتُ العَنَاقَ) بإسكان الحاء، أي: أنَّه ذبَح العَناق بنفسهِ (وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ) امرأته سُهيلة (حَتَّى جَعَلْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «جعلَتِ المرأةُ» (اللَّحْمَ فِي البُرْمَةِ) بضم الموحدة، القِدر (ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ) اختمَرَ (وَالبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافِيَّ) بالهمزة والمثلثة المفتوحتين وبعد الألف فاء مكسورة فتحتية مشددة، حجارةٌ ثلاثة توضَع عليها القِدرُ (قَدْ كَادَتْ) قاربَت (أَنْ تَنْضَجَ) بفتح الضاد المعجمة، تطيبُ، وسقطَ لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ لفظة «أنْ» (فَقُلْتُ) له ﵊ (١)، ولأبي ذرٍّ «فقالَ له ﵊» (٢): (طُعَيِّمٌ) بضم الطاء وتشديد التحتية، مصغَّرًا مبالغةً في تحقيرهِ، قيل: من تمامِ المعروفِ تعجيلُه وتحقيرُه (لِي) صنعته، أو (٣) مصنوعٌ (فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ وَرَجُلٌ) معكَ (أَوْ رَجُلَانِ) بالشَّكِّ (قَالَ) ﵊: (كَمْ هُوَ) طعامُك؟ (فَذَكَرْتُ لَهُ) كمِّيَّتَهُ (قَالَ) ﵊: (كَثِيرٌ
стр. 7685
طَيِّبٌ) ثمَّ (قَالَ) ﵊: (قُلْ لَهَا) أي: لسُهيلة: (لَا تَنْزِعُ البُرْمَةَ) من فوقِ الأَثَافي (وَلَا) تنزعُ (الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ) أي: أجيءَ إلى بيتكُم (فَقَالَ) ﵊ لمن حضرَ من أصحابهِ، ولأبي ذرٍّ «قالَ»: (قُومُوا) أي: إلى أكلِ جابرٍ (فَقَامَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ) وسقط قولُه «والأنصارُ» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ، وإثباتُه أوجه، وليونُس بن بكيرٍ في زيادةِ «المغازي»: «فقال للمسلمينَ جميعًا: قومُوا» (فَلَمَّا دَخَلَ) جابرٌ (عَلَى امْرَأَتِهِ) سُهيلة (قَالَ) لها: (وَيْحَكِ) كلمةُ رحمةٍ تقالُ لمن وقعَ في هلكةٍ لا يستحقُّها، نُصِبَ بإضمارِ فعلٍ (جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ. قَالَتْ) له: (هَلْ سَأَلَكَ) ﷺ عن شأنِ الطَّعام؟ قال جابرٌ: (قُلْتُ) لها: (نَعَمْ) سألني، وفي روايةِ يونس: «قال: فلقيتُ من الحياءِ ما لَا يعلمُه إلَّا الله ، وقلتُ: جاء الخلقُ على صاعٍ من شعيرٍ وعَنَاقٍ، فدخلتُ على امرأتي أقولُ: افتُضحتُ جاءكِ رسولُ الله ﷺ بالجندِ أجمعين، فقالتْ: هل كانَ سألكَ كمْ طعامك؟ فقلتُ: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلمُ، نحنُ قد أخبرنَاه بما عندنَا، فكشفتْ (١) عنِّي غمًّا شديدًا» (فَقَالَ) ﵊ لمن معه: (ادْخُلُوا) البيتَ (وَلَا تَضَاغَطُوا) بضاد وغين معجمتين وطاء مهملة مشالة، لا تزدحِموا (فَجَعَلَ) ﵊ (يَكْسِرُ الخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ البُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ) يغطيهما (إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ) بالتحتية المفتوحة والنون الساكنة والزاي المكسورة والعين المهملة، أي: يأخذُ اللَّحم من البُرْمة، ويقرِّب إلى أصحابهِ (فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الخُبْزَ وَيَغْرِفُ) من البُرْمة (حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ. قَالَ) ﵊ لامرأةِ جابرٍ: (كُلِي هَذَا) الَّذي بقِي (وَأَهْدِي) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الدال المهملة، أي: ابعثِي منهُ، ثمَّ بيَّن سبب ذلك بقولهِ: (فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ) بفتح الميم، وفي روايةِ يونس: «فلمْ نزلْ نأكلُ ونُهْدِي يومَنا أجمعَ».
وهذا الحديثُ من أفرادهِ.
стр. 7686
٤١٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابنِ بحرٍ الصَّيرفيُّ البَصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بنُ مَخْلد -شيخُ المؤلِّف أيضًا- قال: (أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ صفوانَ بنِ أميَّة الجُمحيُّ المكِّيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر العين، و «مِيْناء»: بكسر الميم وسكون التحتية وبعد النون ألف ممدود ومقصور (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄، قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ) بضم الحاء مبنيًا للمفعول، وتاليهِ نائبُ الفاعلِ (رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا) بفتح الخاء المعجمة والميم وبالصاد (١) المهملة، ضمورُ البطنِ من الجُوعِ (فَانْكَفَأْتُ) بالهمزة، وقد تُبْدَلُ ياء، لكن قال الحافظُ أبو ذرٍّ: صوابُه: «فانكفأتُ» بالهمزة، وقال في «التَّنقيح»: أصلُه الهمز (٢)، من كفأتُ الإناء، ويسهَّل. قال في «المصابيح»: لكن ليسَ القياسُ في تسهيلِ مثله إبدال الهمزة ياء. أي: انقلبْتُ (إِلَى امْرَأَتِي) سُهيلة (فَقُلْتُ) لها: (هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ) بتشديد التحتية (جِرَابًا) بكسر الجيم (فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا
стр. 7687
بُهَيْمَةٌ) بضم الموحدة وفتح الهاء، مصغَّرُ بَهمة (١)؛ وهي الصَّغير من أولادِ الغَنم (دَاجِنٌ) بكسر الجيم، من الغنم ما يربَّى في البيوتِ، ولا يخرج إلى المرعَى، من الدَّجن وهو الإقامةُ بالمكانِ، ولا تدخلُه التاء؛ لأنَّه صار اسمًا للشَّاة وخرجَ عن الوصفيَّة (فَذَبَحْتُهَا) أنا (٢) بسكون الحاء وضم التاء (وَطَحَنَتِ) امرأتِي (الشَّعِيرَ) وسقط «الشَّعير» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ (فَفَرَغَتْ) من طحنِ الشَّعير (إِلَى) أي: مع (فَرَاغِي) من ذبحِ البَهيمة (وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ) أي: رجعتُ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ) سُهيلة عقبَ رجوعِي إلى رسول الله ﷺ : (لَا تَفْضَحْنِي) بفتح الفوقية والضاد المعجمة بينهما فاء ساكنة (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِمَنْ مَعَهُ. فَجِئْتُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «ومن معه فجئتُ» بحذف الموحدة من قولِه: «وبمن» والضَّمير من: «فجئته» (فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ) لهُ سرًّا: (يَا رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «وطحنتْ» أي: امرأته (صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ) دون العشَرَة من الرِّجال (فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤرًا) بضم السين المهملة وبعد الهمزة الساكنة راء كذا في الفَرْع بالهمز، وفي «اليونينية» وغيرها بتركه، الطَّعامُ الذي يُدعى إليهِ، أو الطَّعام مطلقًا، وهي لفظةٌ فارسيَّة. قال الطِّيبي: وقد تظاهَرت أحاديث صحيحَة بأنَّ رسولَ الله ﷺ تكلَّم بالألفاظِ الفارسيَّة، أي: كقولِه للحسن رضي الله تعالى عنه: «كخ» ولعبدِ الرَّحمن: «مهيم» أي: ما هذا؟ ولأمِّ خالدٍ: «سَنا سَنا» يعني: حسنة، وهو يدلُّ على جوازهِ، وأمَّا «سُؤر» بالهمزة فهو البقيَّة (فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ) بالحاء المهملة وتشديد التحتية، و «هَلًا»: بفتح الهاء واللام المنونة مخفَّفة، كلمةُ استدعاءٍ فيها حثٌّ، أي: هلمُّوا مسرعينَ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لجابرٍ: (لَا تُنْزِلُنَّ) بضم الفوقية وكسر الزاي وضم اللام (بُرْمَتَكُمْ) نصب على المفعولية، ولأبي ذرٍّ «لا تُنْزَلَنَّ» بفتح الزاي واللام مبنيًا للمفعول «برمتُكُمْ» رفع مفعول (٣) ناب عن فاعله (وَلَا تَخْبِزُنَّ) بفتح الفوقية وكسر الموحدة وضم
стр. 7688
الزاي وتشديد النون (عَجِينَكُمْ) نصب، ولأبي ذرٍّ «ولا يُخبَزنَّ» بضم التحتية وفتح الموحدة والزاي «عجينُكُمْ» رفع (حَتَّى أَجِيءَ) إلى منزلكم.
قال جابرٌ: (فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ) بضم الدال (حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ) لمَّا رأتْ كثرةَ النَّاس وقلَّةَ الطَّعام: (بِكَ وَبِكَ) أي: فعلَ الله بكَ كذا وفعلَ بكَ كذا، فالباءُ تتعلَّق بمحذوفٍ (فَقُلْتُ) لها: (قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ) من إخبارهِ ﷺ بقلَّة الطَّعام، وقولك: لا تفضَحني (فَأَخْرَجَتْ) أي: المرأة (لَهُ) ﷺ (عَجِينًا، فَبَصَقَ فِيهِ) بالصاد: ولأبوي ذرٍّ والوقتِ (١) وابنِ عساكرٍ «فبسَقَ» بالسين (٢)، ويقالُ: بالزاي أيضًا، لكن قالَ النَّووي: بالصاد في أكثرِ الأصول، وفي بعضها: بالسين المهملة، وهي لغةٌ قليلةٌ، وفي «القاموس»: البُصَاق -كغُرَاب- والبُسَاق والبُزَاق: ماءُ الفم إذا خرجَ منه، وما دامَ فيه فَرِيْقٌ (وَبَارَكَ) في العجين، أي: دعا فيهِ بالبركةِ (ثُمَّ عَمَدَ) بفتح الميم، قَصَد (إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ) بالصاد لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فيه» أي: في الطَّعام (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فيها» أي: في البُرمة (وَبَارَكَ) في الطَّعام (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (ادْعُ خَابِزَةً) كذا في «اليونينية» وغيرها، وفي الفَرْع: «ادعُ لي خابِزةً» (فَلْتَخْبِزْ مَعِي) بسكون اللام (وَاقْدَحِي) بسكون القاف وفتح الدال وكسر الحاء المهملتين، أي: اغرِفي (مِنْ بُرْمَتِكُمْ) والمِغْرَفَة تسمَّى المِقْدَحَة، وقدح من المَرق: غرف منهُ (٤) (وَلَا تُنْزِلُوهَا) بضم الفوقية وكسر الزاي، أي: البُرمة من فوقِ الأثَافي (وَهُمْ) أي: والحالُ أنَّ القوم الذين أكلوا (٥) (أَلْفٌ) والحكمُ للزَّائد لمزيدِ علمِه، فلا يقدحُ ما رُوِي أنَّهم كانوا تسع مئة أو ثلاث مئة.
قالَ جابرٌ: (فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا) أي: مالُوا عن الطَّعام (وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ) بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، أي: ممتلئَة تفُور بحيث يسمعُ لهَا غطيطٌ (كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ) أي: لم ينقُص من ذلكَ شيءٌ، و «ما»: في «كما» كافَّة، وهي
стр. 7689
مصححةٌ لدخولِ الكاف على الجملَة، وهي مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كما هي قبلَ ذلك.
وهذا علمٌ من أعلامِ نبوَّته ﷺ .
والحديثُ قد (١) سبقَ مختصَرًا في «الجهادِ» [خ¦٣٠٧٠].
٤١٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بنُ محمَّد بنِ أبي شيبَة، واسمُ أبي شيبةَ إبراهيمُ بنُ عثمان العَبْسيُّ الكُوفيُّ، أخو أبي بكرٍ والهيثم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) ابنُ سُليمان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) في قولهِ تعالى: (﴿إِذْ جَاؤُوكُم﴾) بنو غَطَفان (﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾) من أعلى الوادي من قِبَلِ المشرق (﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾) من أسفلِ الوادي من قِبَلِ المغرب، قريش، وفي حديثِ ابنِ عبَّاس عند ابن مَردويه: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: عُيينة بنُ حصنٍ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أبو سفيان بن حرب (﴿وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ﴾) مالت عن سَنَنها ومستَوى نظرها حَيرةً، أو عدلَت (٢) عن كلِّ شيءٍ فلم تلتفتْ إلى عدوِّها لشدَّة الرَّوع (﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]) الحنجرةُ: رأس الغَلْصَمة، وهي منتهَى الحُلقوم، والحلقوم: مدخل الطَّعام والشَّراب. قالوا: إذا انتفخَت الرِّئة من شدَّة الفزَع أو الغضبِ ربَت، وارتفع القلبُ بارتفاعِها إلى رأسِ الحَنجرة، وقيل: هو مَثَلٌ في اضطِّراب القُلوب، وإن لم تبلُغ الحناجِرَ حقيقةً.
(قَالَتْ) عائشة رضي الله تعالى عنها: (كَانَ ذَاكَ) إشارةً إلى ما ذُكر من مَجيء الكفَّار من فوق وأسفل وغيرِ ذلك، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «ذلكَ» باللام (يَوْمَ الخَنْدَقِ).
стр. 7690
٤١٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفَراهِيديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ) حفرِ (الخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وفتح الميم، أي: وارَى التُّراب (بَطْنَهُ، أَوِ) قال: (اغْبَرَّ) بالغين المعجمة أيضًا، والموحدة بدل الميم، وتشديد الراء، من الغُبار وهو واضحٌ (بَطْنُهُ) مرفوع على الفاعلية، وفي الأولى منصوب على المفعولية (يَقُولُ) رجزًا من كلام عبدِ الله بن رَوَاحة:
(وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأُولَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا)
стр. 7691
كذا بإثبات «قَدْ» في الفَرْع كأصله وغيرهما، وقال الحافظُ ابن حجرٍ: ليس بموزون، وتحريرُه: إنَّ الذين قد بَغوا علينا، فذكر الرَّاوي الأولى بمعنى: الذين، وحذف «قد». انتهى.
والظَّاهر: أنَّ «قد» محذوفة من نسختهِ (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) بالموحدة، الفِرار (وَرَفَعَ بِهَا) أي: بالكلمةِ الأخيرةِ (صَوْتَهُ) وهي (أَبَيْنَا أَبَيْنَا) مرَّتين.
وهذا الحديثُ سبقَ في «بابِ حفرِ الخَندق»، من «كتابِ الجهاد» [خ¦٢٨٣٦] [خ¦٢٨٣٧].
٤١٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرهَد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) ابنِ الحجَّاج، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتَيبة -بضم العَين وفتح الفوقية- مصغَّر عَتبة الباب (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبرٍ المفسِّر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: نُصِرْتُ) بالنون المضمومة وكسر الصاد، يومَ الأحزابِ (بِالصَّبَا) بفتح الصاد المهملة وتخفيف الموحدة والقصر، الرِّيح الشَّرقيَّة (وَأُهْلِكَتْ) بضم الهمزة وكسر اللام (عَادٌ بِالدَّبُورِ) بفتح الدال المهملة، الرِّيح الغربيَّة، وعن ابن عبَّاس فيما رواهُ ابن مَردويه قال: «قالت الصَّبا للدَّبور: اذهبي بنا ننصُر رسولَ الله ﷺ ، فقالت: إنَّ الحرائرَ لا تهبّ (١) باللَّيل، فغضبَ الله عليهَا فجعلهَا عقِيمًا».
وقال مجاهدٌ: سلَّط الله على الأحزابِ الرِّيح، فكفَأَت قدورَهُم ونزعَتْ خيامَهم حتَّى أضعفتْهُم.
стр. 7692
٤١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) أبو عبدِ الله الأزديُّ الكُوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بالشين المعجمة المضمومة آخره حاء مهملة مصغَّر، و «مَسْلَمة»: بميم فلام مفتوحتين (١) بينهما مهملة ساكنة، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبِي) يوسُف بن إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) زادَ أبو ذرٍّ وابنُ عساكرٍ «ابنَ عازبٍ» حالَ كونِه (يُحَدِّثُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى) ستَر (عَنِّي التُّرَابُ) كذا في الفَرْع، والذي في «اليونينية»: «الغبارُ» (جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ) أي: شعرَ صدرِه، وهو معارضٌ بما (٢) رُوِي في صفتهِ ﷺ : «أنَّه كان دقيقَ المَسْرَبة» أي: الشَّعر الذي في الصَّدر إلى البطنِ، وجُمِعَ بينهما بأنَّه كان مع دقَّته كثيرًا، أي: لم يكن منتشرًا بل كانَ مستطيلًا (فَسَمِعْتُهُ) ﵊ (يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ) عبدِ الله الأنصاريِّ (وَهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ:
стр. 7693
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأُولَى قَدْ بَغَوْا) ولابن عساكرٍ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «رَغَّبُوا» (عَلَيْنَا. وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا. قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ) ﵊ (صَوْتَهُ بِآخِرِهَا) وهي: أبينا.
٤١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحدة (بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو سهلٍ الصَّفَّار الخُزاعيُّ البَصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بنُ عبدِ الوارثِ بنِ سعيد (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -هُو ابنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ) أي: باشرتُ فيهِ القتَال (يَوْمُ) غزوةِ (الخَنْدَقِ).
وقد سبقَ [خ¦٢٦٦٤] أنَّه عرض في يوم أُحُد، وهو ابن أربع عشرة سنة (١) ولم يجزْهُ ﷺ ، و «يومُ»: بالرفع، ولأبي ذرٍّ بالفتح.
стр. 7694
٤١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو (١) ابنُ يوسُف الصَّنعاني (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ) معمر بنُ راشدٍ: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ طَاوُسٍ (٢)) عبد الله (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) أختي (وَنَسْوَاتُهَا) بفتح النون وسكون السين المهملة وبعد الواو المفتوحة ألف ففوقية فهاء، كذا في الفَرْع وأصله بسكون السين (٣)، وضبطَه غير واحدٍ من الشُّراح بفتحها، أي: ضفائر شعرهَا، وعند ابن السَّكن: «نَوْسَاتهَا» بتقديم الواو على السين. قال القاضِي عياض: وهو أشبهُ بالصِّحَّة. وقال أبو الوَليد الوَقَّشِيُّ: إنَّه الصَّواب. من نَاسَ ينوسُ، إذا تحرَّك، وتسمَّى الذَّوائب نوساتٌ؛ لأنَّها تتحرَّك كثيرًا. وفي «القاموس»: النَّوْس والنَّوَسان: التَّذَبْذُب، وذو نُواس -بالضم- زُرْعَةُ بنُ حسَّان من أذواء اليَمن؛ لذُؤابةٍ كانت تَنُوسُ على ظهرهِ. وقال الماورديُّ: نوَساتها -بفتح الواو وسكونها-، أي: ضفائر شعرها.
(تَنْطُِفُ) بكسر الطاء المهملة، وتضم لغير أبي ذرٍّ، أي: تقطر، ولعلَّها اغتسلت (قُلْتُ) لها: (قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ) أي: ممَّا وقع بينَ عليٍّ ومعاوية من القتالِ في صِفِّينَ يوم اجتماعِهم على الحكومةِ فيما اختلفوا فيهِ، فراسلوا بقايَا الصَّحابة من الحرمَين وغيرهما، وتواعدوا على الاجتماعِ لينظروا في ذلك (فَلَمْ يُجْعَلْ لِي) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول (مِنَ الأَمْرِ) أي: من الإمارَة والمُلك (شَيْءٌ. فَقَالَتِ) له حفصَة: (إِلْحَقْ) بهم بكسر الهمزة وفتح الحاء (فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ) بينهم ومخالفة (فَلَمْ تَدَعْهُ) أي: لم تدعْ حفصَة أخاهَا عبدَ الله (حَتَّى ذَهَبَ) إلى القومِ في المكانِ الذي كان فيهِ الحَكَمان، وحضر ما وقعَ بينهُم (فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ) بعد قضيَّة التَّحكيم، وحاصلُها: أنَّهم اتَّفقوا على تحكيمِ أبي
стр. 7695
موسَى الأشعَريِّ من جهةِ عليٍّ، وعَمرو بن العَاص من جهةِ معاوية، فقال عَمرو لأبي موسَى: قُم فأعلِم النَّاس بما اتَّفقنا عليه، فخطبَ أبو موسَى فقال في خطبتهِ: أيُّها النَّاس، إنَّا قد نظرنا في هذهِ فلم نرَ أمرًا أصلح لها ولا ألمَّ لشعثِها من رأي اتَّفقتُ أنا وعَمرو عليهِ، وهو أنَّا نخلع عليًّا ومعاويةَ ونتركُ الأمر شُورى، ونستقبلُ للأمَّة هذا الأمر فيولُّوا عليهم من أحبُّوه، وإنِّي قد خلعتُ عليًّا ومعاوية، ثمَّ تنحَّى وجاء عَمرو فقام مقامَه، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: إنَّ هذا قد قال ما سمعتُم، وأنَّه قد خلَع صاحبه، وإنِّي قد خلعته كما خلعَه، وأثبتُّ صاحبي معاوية فإنَّه وليُّ عُثمان والمطَالِبُ بدمهِ، وهو أحقُّ النَّاس، فلمَّا انفصلَ الأمرُ على هذا (خَطَبَ مُعَاوِيَةُ قَالَ) معرِّضًا بابن عُمر وأبيه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الأَمْرِ) أمرِ الخلافة (فَلْيُطْلِعْ) بسكون اللام الأولى وكسر الثانية وضم التحتية (لَنَا قَرْنَهُ) بفتح القاف وسكون الراء وفتح النون، أي: فليُبْد لنا رأسَهُ، أو صفحةَ وجههِ، والقرنَان في الوجهِ، أي: فليُظهر لنا نفسَه ولا يُخفها (١) (فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ) بأمرِ الخلافة (مِنْهُ) من عبدِ الله بن عُمر (وَمِنْ أَبِيهِ) عُمر، ولعلَّ معاوية كان رأيهُ في الخِلافة تقديم الفاضِل في القوَّة والمعرفَة والرَّأي على الفاضِل في السَّبق إلى (٢) الإسلامِ والدِّين، فلذا أطلقَ أنَّه أحقُّ، ورأى ابنُ عمر خلافَ ذلك، وأنَّه لا يبايَعُ المفضول إلَّا إذا خَشِي الفِتْنةَ، ولذا بايعَ بعد ذلك معاويَة، ثمَّ ابنه يزيد، ونهى بَنِيْهِ عن نقضِ بيعتِه، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفتنِ» [خ¦٧٢٠٣] بعون الله تعالى وفضله؛ ولذا (قَالَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بميمين مفتوحتين وسكون السين المهملة، ابنِ مالكِ بنِ وهبٍ الفِهريُّ، الصَّحابيُّ الصَّغير لابن عمر: (فَهَلَّا أَجَبْتَهُ؟) أي: معاويةَ عمَّا قاله (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمر: (فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي) بضم الحاء المهملة (٣) وسكون الموحدة، ثوبٌ يُلقى على الظَّهر ويربَط طرفَاه على السَّاقين بعد ضمِّهما (وَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ) له: (أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ) أمرِ الخلافَة (مِنْكَ مَنْ قَاتَلَكَ وَأَبَاكَ) أبا سُفيان يوم أُحُد ويوم الخَندق (عَلَى الإِسْلَامِ) وأنتما حينئذٍ كافرانِ، وهو عليُّ بنُ أبي طالبٍ (فَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ) بسكون الميم،
стр. 7696
ولأبي ذرٍّ «بين الجميعِ» بكسرها وزيادة تحتية (وَتَسْفِكُ الدَّمَ) بفتح الفوقية وكسر الفاء (وَيُحْمَلُ) بضم التحتية وفتح الميم (عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ) ما لم أُرِدْهُ (فَذَكَرْتُ مَا أَعَدَّ اللهُ) لمن صبر (فِي الجِنَانِ) من الخيراتِ والحُور الحِسان (قَالَ حَبِيبٌ) هو ابنُ مسلمة لابنِ عُمر مصوِّبًا رأيَه: (حُفِظْتَ وَعُصِمْتَ) بضم أولهما وفتح الفوقيتين.
(قَالَ مَحْمُودٌ) هو ابنُ غَيْلان المِرْوزيُّ -شيخُ المؤلِّف- ممَّا وصلَه محمَّد بنُ قدامَة الجوهَريُّ في «كتابِ أخبار الخوارج» له: (عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) أي: عن معمَر شيخِ هشامِ بن يوسُف بسندهِ إلى ابنِ عُمر، وقال: (وَنَوَْسَاتُهَا) بتقديم الواو على السين، كما سبق معزوًّا لروايةِ ابنِ السَّكن، وفي «المُحكم» لابن سِيْدَه: بسكون الواو وفتحها. وقال العَيْنيُّ: لا وجهَ لذكرِ هذا الحديث هنا، إلَّا أن يُقال: ذكرهُ استطرادًا لِمَا قبلَه؛ لأنَّ كلًّا منهما يتعلَّق بابنِ عُمر. انتهى.
ويحتمَل أن يكون في قولهِ: «من قاتلك وأباك على الإسلامِ»، المفسَّر بيوم أُحُد والأحزاب؛ إذ إنَّ أبا سُفيان كان قائِدًا للأحزابِ يومئذٍ.
وهذا الحديثُ من أفرادهِ.
٤١٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفَضل بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) بضم الصاد وفتح الراء بعدها دال مهملات، ابن الجَون -بفتح الجيم- الخُزاعيِّ الصَّحابيِّ المشهُور، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ) غزوةِ (الأَحْزَابِ) لَمَّا انصرفَت قريش: (نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا) ولابن عساكرٍ «ولا يغزوْنَا» بإسقاط نون الجمع من غيرِ ناصبٍ ولا جازمٍ، وهي لغةٌ فاشيةٌ.
стр. 7697
٤١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بنِ سليمَان صاحبُ الثَّوريِّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونُس قال: (سَمِعْتُ) جدِّي (أَبَا إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبدِ الله السَّبيعيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ حِينَ أَجْلَى) بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح اللام (الأَحْزَابُ عَنْهُ) كذا في فَرْع «اليونينية» كأصلها. وقال الحافظُ ابن حجر: «أُجْلِي» ضبط بضم الهمزة وسكون الجيم وكسر اللام، أي: رجعوا (١) عنه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم رجعوا بغير اختيارهم بل بصنعِ الله تعالى لرسولهِ.
(الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا) بنونين، ولابن عساكرٍ «ولا يغزوْنَا» (نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ) وقد وقعَ ذلك كما قال ﵊، فإنَّه اعتمَر في السَّنة المقبلةِ فصدَّتْه قريشٌ، ووقعتِ الهُدنة بينهُم إلى أن نقضوهَا، فكان ذلكَ سبب فتحِ مكَّة.
٤١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «حَدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصورٍ المرْوزيُّ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هو ابنُ عُبادة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قال في «الفتح»: هو ابنُ حسَّان القُرْدُوسيُّ قال: وكنتُ ذكرتُ في «الجهاد» أنَّه الدَّستوائيُّ، ثمَّ رأيتُ المزيَّ جزم (٢) في «الأطرافِ» بأنَّه ابن حسَّان، ثمَّ وجدَّته مصرَّحًا بهِ في عدَّةِ طرقٍ فهو المعتمدُ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرينَ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، ابنِ عَمرو السَّلمانيِّ الكُوفيِّ (عَنْ عَلِيٍّ) بنِ أبي طالبٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ) وقعةِ (الخَنْدَقِ: مَلأَ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي: على (٣) الكفَّار (بُيُوتَهُمْ) أحياءً (وَقُبُورَهُمْ) أمواتًا (نَارًا كَمَا شَغَلُونَا) بقتالِهم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «كلَّما» بزيادة اللام. قال ابنُ حجرٍ: وهو خَطأ (عَنْ صَلَاةِ الوُسْطَى) زاد مسلمٌ: «صلاةِ العَصر» (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ) وأكثرُ علماءِ الصَّحابة وغيرهم أنَّها العصرُ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «تفسيرِ سورةِ البقَرة» [خ¦٤٥٣٣].
стр. 7698
٤١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بنِ بشيرِ بن فَرْقد أبو السَّكن الحَنْظليُّ التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) بنُ حسَّان القُرْدُوسيُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصَاريِّ ﵄: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «غابَت الشَّمسُ» (جَعَلَ) بإسقاطِ الفاء من «فجعل» الثَّابتة عندهُ في آخرِ «المواقيت» [خ¦٥٩٦] (يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ؛ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ) بكسر الكاف (أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ) وسقط لابنِ عساكر لفظة «أنْ» من قولِهِ: «أنْ تَغْرُب» أي: ما صلَّيت حتَّى غربت؛ لأنَّ كاد إذا تجرَّدت من النَّفي كان معناهَا الإثبات، فإن دخلَ عليها النَّفي كان نفيًا؛ لأنَّ قولك: ما (١) كاد زيد يقومُ، معناه: نفي قربِ الفعل، وههنا نفيُ قربِ الصَّلاة، فانتفتِ الصَّلاة بطريق الأولى (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَنَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بُطْحَانَ) بضم الموحدة وسكون الطاء المهملة، وادٍ بالمدينَة (فَتَوَضَّأَ) النَّبيُّ ﷺ (لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى (٢) العَصْرَ) بنَا جماعةً (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى) بنا (بَعْدَهَا المَغْرِبَ).
стр. 7699
٤١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العَبْديُّ البَصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوري (عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ) محمَّد، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) هو ابن عبدِ الله الأنصاريُّ ﵄ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ) يعنِي بني قُرَيظة -كما قال الوَاقديُّ- هل نقضُوا العَهْد بينهم وبينَ المسلمين ووافقوا قريشًا على محاربةِ المسلمين؟ (فَقَالَ الزُّبَيْرُ) بنُ العوَّام: (أَنَا) آتيكَ بخبرهم يا رسولَ الله (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا) آتيكَ بالتِّكرار (١) ثلاثَ مرَّات (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا) كذا بفتح الحاء المهملة والواو آخره تحتية مشدَّدة، خاصَّةً من أصحابهِ أو ناصِرًا أو وزيرًا (وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) بتشديد التحتية كالسابقة.
والحديثُ سبَق في «بابِ فضلِ الطَّليعة» من «كتابِ الجهاد» [خ¦٢٨٤٦].
٤١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ (٢) كيسَان المَقْبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ) النَّبيَّ ﷺ (وَغَلَبَ الأَحْزَابَ) الَّذينَ جاؤوا من مكَّة وغيرهَا (٣) يومَ الخَنْدق (وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ) أي (٤): جميعُ الأشياء بالنسبةِ
стр. 7700
إلى وجودهِ تعالى كالعَدَم؛ إذ كلُّ شيءٍ يفنَى وهو الباقِي، فهو بعدَ كلِّ شيءٍ فلا شيءَ بعدَه.
٤١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) غيرُ منسوبٍ وهو: ابنُ سَلام البِيْكَنْديُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزاي، مروانُ بنُ معاويَة بن الحارِث الكُوفيُّ سكنَ مكَّة (وَعَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحدة، ابنُ سُليمان كلاهما (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) سَعْد البَجْلي، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) علقمةَ الأسلَميَّ (¬﵄ يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الأَحْزَابِ) يومَ الخَنْدق (فَقَالَ: اللَّهُمَّ) أي: يا الله يا (مُنْزِلَ الكِتَابِ) القُرآن، قال الطِّيبي: لعلَّ تخصيصَ هذا الوَصف بهذا المقام تلويحٌ إلى معنى الاستنصَار (١) في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] وأمثالِ ذلك، يا (سَرِيعَ الحِسَابِ) أي: فيه (اهْزِمِ الأَحْزَابَ) بالزاي المعجمة، اكسرهُم (٢) وبدِّد شملهُم (اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ) فلا يثبتُوا عند اللِّقاء بل تطيشُ عقولُهم، وقد فعلَ الله تعالى ذلكَ لرسولِ الله ﷺ ، فأرسلَ عليهم ريحًا وجُنودًا فهزمَهم (٣).
وقدْ (٤) سبَق هذا الحديث في «بابِ الدُّعاء على المشركينَ بالهزيمةِ» من «الجهاد» [خ¦٢٩٣٣].
стр. 7701
٤١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المُجَاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المُبَارك قال: (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمامُ في «المغازي» (١) (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عبدِ الله بن عُمر (وَنَافِعٍ) مولى ابنِ عُمر كلاهُما (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ عُمر بنِ الخطَّاب (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ) بفتح القاف والفاء، أي: رجَع (مِنَ الغَزْوِ، أَوِ الحَجِّ، أَوِ العُمْرَةِ) كَلمة: «أو» للتَّنويع لا للشَّكِّ (يَبْدَأُ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثَ مِرَارٍ) ولأبي ذرٍّ «مرَّات» (ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، أي: نحنُ راجِعون إلى اللهِ تعالى. نحنُ (تَائِبُونَ) إليه تعالى، قاله ﵊ تعليمًا لأمَّته أو تواضُعًا. نحنُ (عَابِدُونُ) نحنُ (سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا) نحنُ (حَامِدُونَ) له تعالى.
قال في «شرحِ المُشكاة»: «لربِّنا» يجوزُ أن يتعلَّق بقولِه: «عابِدُون» لأنَّ عمل اسم الفاعل ضعيفٌ فيتقوَّى (٢) بهِ، أو بـ «حامدُون» ليُفيد التَّخصيص، أي: نحمَدُ ربَّنا لا نحمدُ غيرَه، وهذا أولى؛ لأنَّه كالخَاتمة للدُّعاء، ومثلُه في التَّعليق قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] يجوز أن يقف على ﴿لَا رَيْبَ﴾ فيكُون ﴿فِيهِ هُدًى﴾ مبتدأ وخبر، فيقدَّر خبر: ﴿لَا رَيْبَ﴾ مثله، ويَجوز أن يتعلَّق بـ ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويقدَّر مبتدأ لـ ﴿هُدًى﴾. انتهى.
وفي مَجْموعي في «فنونِ القراءات» (٣) مزيدٌ على ما ذُكر في الآية.
(صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيمَا وعدَ بهِ من إظهارِ دينه (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا القائم بحقوقِ العبوديَّةِ ﷺ وشرَّف وكرَّم (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) الذين تجمَّعوا يومَ الخَنْدق (وَحْدَهُ) نفيُ السَّبب فناءً في
стр. 7702
المسبِّب (١) ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
(٣٠) (بابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح الميم وسكون الراء وكسر الجيم في الفَرْع، وقال الكِرْمانيُّ وتبعهُ البَرْمَاويُّ: بفتحها هو المُناسب للمحاصَرَة، والفَتح هو الَّذي في «اليونينية» (مِنَ) المكان الذي وقعَ فيه قتالُ (الأَحْزَابِ) إلى منزلهِ بالمدينةِ (وَمَخْرَجِهِ) منها (إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) بضم القاف وفتح الظاء المعجمة المشالة بوزن جُهَينة، قبيلةٌ من يهودِ خَيبر، لسبعٍ بقينَ من ذي القَعدة سنة خمس، في ثلاثةِ آلافِ رَجُل وستَّة وثلاثين فرسًا (وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ) بضعًا وعشرين ليلة.
٤١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) إبراهيمَ بنِ عُثمان العَبْسيُّ الكُوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا) كذا في «اليونينية» وغيرها، وفي الفَرْع بدلها «قال»: (ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون، مصغَّرًا، عبدُ الله (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عُروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الخَنْدَقِ) إلى المدينةِ (وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ) مخاطِبًا لهُ ﷺ (قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟! وَاللهِ) نحنُ معاشِر الملائكَة (مَا وَضَعْنَاهُ، فَاخْرُجْ) بالفاء وبالجزم على الطَّلب، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «اخرجْ» (إِلَيْهِمْ. قَالَ) لهُ النَّبيُّ ﷺ (فَإِلَى أَيْنَ) أذهبُ؟ (قَالَ) جبريلُ: (هَهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «وأشارَ بيدهِ إلى» (بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) وذلك لأنَّهم كانوا نقضُوا العَهْد، وتمالَؤوا مع قريشٍ وغَطَفان على حربهِ ﷺ .
وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الغُسل بَعد الحربِ» من «الجهاد» [خ¦٢٨١٣].
стр. 7703
٤١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيلَ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ البَصريُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العَدَويِّ البَصْريِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الغُبَارِ سَاطِعًا) أي: مُرْتفعًا (فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ) بضم الزاي وتخفيف القاف وبعد الألف قاف أخرى، و «غَنْم» بفتح الغين المعجمة وسكون النون؛ بطنٌ من الخَزْرج من ولد غَنْم بنِ مالكٍ بنِ النَّجَّار، وأشارَ بهذا إلى أنَّه يستحضِر القصَّة، حتَّى كأنَّه ينظُر إليهَا مشخصة له بعدَ تلكَ المدَّة الطَّويلة (مَوْكِبَ جِبْرِيلَ) بنصب «موكِبَ» بتقدير: أنظُر موكِبَ، ولأبي ذرٍّ «موكبِ» بالجرِّ بدلًا من الغُبار، وضبطَه ابنُ إسحاق: موكبُ (١) بالضم، كما ذكَره في هامشِ «اليُونينية»، خبر مبتدأ محذوفٍ تقديرهُ: هذا (٢) موكبُ جبريل، والموكبُ: نوعٌ من السَّير وجماعةُ الفُرْسان، أو جماعةُ ركَّاب يسيرونَ برفقٍ، وزادَ أبو ذرٍّ «صلواتُ اللهِ عليه» (حِينَ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ).
وهذا الحديثُ سبقَ في «بابِ ذكرِ الملائكَة» من «بدءِ الخَلْق» [خ¦٣٢١٤].
٤١١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بنِ عُبيد بن مُخَارق أبو عبدِ الرَّحمن الضُّبعيُّ، ويقال: الهِلاليُّ البَصْريُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) بنِ عبيد الضُّبعيُّ (٣) البَصريُّ، وهو عمُّ السَّابق (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ) بنون التَّأكيد الثَّقيلة (أَحَدٌ) منكُم (العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ) نصب على المفعولية، ولأبي ذرٍّ «بعضَهُم» نَصب مفعول مقدَّم، «العَصرُ» رفع
стр. 7704
على الفاعليَّة (فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ): الضَّمير لنفسِ بعض الأوَّل (لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا) أي: بني قُرَيظة؛ عملًا بظاهرِ قولِه «لا يصلينَّ أحدٌ» لأنَّ في النُّزول مخالفةً للأمرِ الخاصِّ، فخصُّوا عمومَ الأمر بالصَّلاة أوَّل وقتها بما إذا لم يكُن عذرٌ، بدليلِ أمرهم بذلك (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي) نظرًا إلى المعنى لا إلى ظاهِرِ اللَّفظ (لَمْ (١) يُرَدْ) بضم الأول وفتح الثاني، وفي «اليونينية»: بكسر الرَّاء (مِنَّا ذَلِكَ) الظَّاهر بل المراد لازمه، وهو الاستعجالُ في الذَّهاب لبني قُريظة، فَصَلَّوا (٢) رُكبانًا؛ لأنَّهم لو لم يصلُّوا ركبانًا لكان فيه مضادَّة (٣) للأمرِ بالإسراعِ (فَذُكِرَ) بضم الذال المعجمة (ذَلِكَ) المذكُور من فعلِ الطَّائفتين (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ) لا التَّاركين ولا الذين فهمُوا أنَّه كناية عن العجلةِ.
وقد سبقَ هذا الحديث في «بابِ صلاةِ الطَّالب والمطلُوب» من «صلاةِ الخوفِ» [خ¦٩٤٦].
تنبيه: وقع في البُخاريِّ: «لا يصلينَّ أحدٌ العَصْر» وفي مسلمٍ «الظُّهر» مع اتِّفاقهما على روايتهما عن شيخٍ واحدٍ بإسنادٍ واحدٍ، ووافقَ البخاريَّ أبو نُعيم وأصحابُ المغازي، والطَّبرانيُّ والبَيْهقي في «الدَّلائل» (٤)، ووافقَ مسلِمًا أبو يَعلى وابنُ سعدٍ وابنُ حبَّان، فَجُمِعَ بينهُما باحتمالِ أن يكونَ بعضهم قبلَ الأمرِ كان صلَّى الظُّهر، وبعضهم لم يُصلِّها، فقيل لمن لم يصلِّها: لا يصلينَّ أحد الظُّهر، ولمن صلَّاها: لا يصلينَّ أحدٌ العَصر، أو أنَّ طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطَّائفة الأولى: الظُّهر، وللَّتي بعدها: العَصر.
قال ابنُ حجرٍ: وكلاهما جمعٌ لا بأسَ بهِ، لكن يبعده اتِّحاد المَخرج؛ لأنَّه عند الشَّيخين بإسنادٍ واحدٍ من مبدئهِ إلى منتهَاه، فيبعدُ أن يكون كلٌّ من رجالِ إسنادهِ قد حدَّث بهِ على الوَجهين؛ إذ لو كانَ كذلك لحملهُ واحدٌ منهم عن بعضِ رواتِه على الوَجهين، ولم يوجَد ذلك. انتهى.
стр. 7705
وقيل في وجهِ الجمع أيضًا: أن يكون ﵊ قالَ لأهل القوَّة، أو (١) لمن كان منزله قريبًا: لا يصلينَّ أحدٌ الظُّهر، وقال لغيرهِم: لا يصلينَّ أحدٌ العَصر.
٤١٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرٍ «حَدَّثني» بالإفراد (ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبدُ اللهِ بنُ محمَّد بن أبي الأسود، واسمُ أبي الأسودِ حُمَيد بنُ الأسود البَصريُّ الحافِظُ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمانَ بن طرخَان التَّيميُّ.
قال البُخاري: (ح وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد (خَلِيفَةُ) بنُ خيَّاط قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سُليمان (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ) من الأنصارِ (يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) ثَمر (النَّخَلَاتِ) من عقارهِ هديَّةً أو هبَةً؛ ليَصرفَها في نوائبهِ (حَتَّى) أي: إلى أن (افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ) ردَّها إليهم لاستغنائِه عن ذلك؛ ولأنَّهم لم يملكُوا أصلَ الرَّقبة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «حين» بدل: «حتَّى»، والأُولَى أوجَه (وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ) بهمزة قطع (٢) مفتوحة، منصوب عطفًا على المنصوب السَّابق أن يردَّ إليهم