١١٦ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال ﵀: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الفاء (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ، عالم (١) مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢) (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «ابن مسافرٍ» أي: الفهميُّ مولى اللَّيث بن سعدٍ (٣)، أمير مصر لهشام بن عبد الملك، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: «حدَّثني اللَّيث، حدَّثه عبد الرَّحمن» أي: أنَّه حدَّثه عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون المُثلَّثة، ولم يُخْرِج له المؤلِّف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالمٍ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وفي رواية الأربعة (٤): «لنا» بـ «اللَّام» بدل «الباء» يعني: إمامًا لنا، وإلَّا فالصَّلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: «رسولُ الله» بدل قوله: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ العِشَاءَ) بكسر العَيْن والمدِّ؛ أي (٥): صلاة العشاء (فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) قبل موته ﵊ بشهرٍ (فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة (قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ) أي: أخبِروني، وهو من إطلاق السَّبب على المُسبَّب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء
стр. 807
طريقٌ إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرِّرةٌ (١)، أي: قد رأيتم ذلك، فأخبروني (لَيْلَتَكُمْ) أي: شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هَذِهِ) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة؟ وتاء «أرأيتَكم» فاعلٌ، و «الكاف» حرف خطابٍ لا محلَّ له (٢) من الإعراب، ولا تُستعمَل إلَّا في الاستخبار عن حالةٍ عجيبةٍ، و «ليلتَكم» نصب مفعول ثانٍ لـ «أخبروني» (فَإِنَّ رَأْسَ) وللأَصيليِّ (٣) وأبي ذَرٍّ وابن عساكر (٤): «فإنَّ على رأس» (مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا) أي: من تلك اللَّيلة (لَا يَبْقَى مِمَّنْ (٥) هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) ممَّن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المُرَاد: أرضه التي بها نشأ ومنها بُعِث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجدٍ، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أي: بعض الأرض التي صَدَرَتِ الجنايةُ فيها، فليست «ال» للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدلَّ بهذا الحديث على موت الخضر ﵇، كالمؤلِّف وغيره،
стр. 808
إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلَّمنا أنَّ «ال» للاستغراق فقوله: «أحدٌ» عمومٌ محتملٌ (١)؛ إذ على وجه الأرض الجنُّ والإنس، والعمومات يدخلها التَّخصيص بأدنى قرينةٍ، وإذا احتمل الكلام وجوهًا سقط به الاستدلال، قاله الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ، وقال النَّوويُّ: المُرَاد: أنَّ كلَّ من كان تلك اللَّيلة على وجه الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنةٍ، سواءٌ قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ حياة أحدٍ يُولَد بعد تلك اللَّيلة مئة سنةٍ.
١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي: ابن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبة؛ بضمِّ العين تصغير عُتْبةَ، ابن النَّهَّاس، فقيه الكوفة، المُتوفَّى سنة أربعَ عشْرةَ، وقيل: خمس عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدة مِنَ: البيتوتة (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارثِ) الهلاليَّة (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهي أخت أمِّه لبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة هذه أوَّل امرأةٍ أسلمت بعد خديجة، وتُوفِّيت ميمونة ﵂ سنة إحدى وخمسين بسرفٍ، بالمكان الذي بنى بها فيه النَّبيُّ ﷺ ، وصلَّى عليها ابن عبَّاسٍ، لها في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا) المُختَصَّة بها، بحسب قَسْم النَّبيِّ ﷺ بين أزواجه (فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ) في المسجد (ثُمَّ جَاءَ) منه (إِلَى مَنْزِلِهِ) الذي هو بيت ميمونة أمِّ المؤمنين،
стр. 809
و «الفاء» في «فَصَلَّى» هي التي تدخل بين المُجمَل والمُفصَّل لأنَّ التَّفصيل إنَّما هو عقب الإجمال؛ لأنَّ صلاته ﵊ العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها (فَصَلَّى) ﵊ عقب دخوله (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ) بعد الصَّلاة على التَّراخي (ثُمَّ قَامَ) من نومه (ثُمَّ قَالَ: نَامَ الغُلَيِّمُ؟) بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، تصغيرُ شفقةٍ، ومُرَاده ابن عبَّاسٍ، وقوله: «نام» استفهامٌ حُذِفت همزته لقرينة المقام، أو إخبارٌ منه ﵊ بنومه (أَوْ) قال (كَلِمَةً تُشْبِهُهَا) أي: تشبه كلمة: نام الغُلَيِّم، شَكٌّ مِنَ الراوي، وعبَّر بـ «كلمةً» على حدِّ كلمة الشَّهادة (ثُمَّ قَامَ) ﵊ في الصَّلاة (١) (فَقُمْتُ عَنْ يَِسَارِهِ) بفتح الياء وكسرها، شبَّهوها في الكسر بالشِّمال، وليس في كلامهم كلمةٌ مكسورةُ الياء إلَّا هذه، وحُكِيَ التَّشديد للسِّين لغةٌ فيه عن ابن عبادٍ (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى) وفي رواية ابن عساكر: «وصلَّى» (خَمْسَ رَكَعَاتٍ) وفي الفرع كأصله من غير رقمٍ: «إحدى عشرة ركعةً» (٢) (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ) ﵊ (حَتَّى) أي: إلى أنْ (سَمِعْتُ غَطِيطَهُ) بفتح الغَيْن المُعجَمَة وكسر المُهمَلَة الأولى؛ وهو صوت نَفَس النَّائم عند استثقاله، وفي «العُباب»: غطيط النَّائم والمخنوق: نخيرهما (أَوْ (٣) خَطِيطَهُ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر المُهمَلَة، شكٌّ من الرَّاوي، وهو بمعنى الأوَّل، ثمَّ استيقظ ﵊ (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) ولم يتوضَّأ؛ لأنَّ من خصائصه أنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه، لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، لا يُقَال: إنَّه
стр. 810
مُعارَضٌ بحديث نومه ﵊ في الوادي إلى أن طلعتِ الشَّمس؛ لأنَّ الفجر والشَّمس إنَّما يُدرَكَان بالعين لا بالقلب، ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر تهجُّده ﵊. فإن قلت: ما المُناسَبَة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيب باحتمال أن يطلق السَّمر على «الكلمة»، وهي هنا قوله ﵊: «نام الغُلَيِّم»، أو هو ارتقاب ابن عبَّاسٍ لأحواله ﵊؛ لأنَّه لا فرق بين التَّعلُّم من القول والتَّعلُّم من الفعل (١)، وتُعقِّب: بأنَّ المتكلِّم بالكلمة الواحدة لا يُسمَّى سامرًا (٢)، وبأنَّ صنيع ابن عبَّاسٍ يُسمَّى سهرًا لا سمرًا؛ لأنَّ الأخير (٣) لا يكون إلَّا عن (٤) تحدُّثٍ، وأُجِيب بأنَّ حقيقة السَّمر التَّحدُّث باللَّيل، ويصدق بكلمةٍ واحدةٍ، ولم يشترط أحدٌ التَّعدُّد، وكما يُطلَق السَّمر على القول يُطلَق على الفعل؛ بدليل قولهم: سَمَرَ القومُ الخمرَ، إذا شربوها ليلًا، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المُناسَبَة مُستفَادةٌ من لفظٍ آخرَ في هذا الحديث بعينه، من طريقٍ أخرى في «التَّفسير» [خ¦٤٥٦٤] عند المؤلِّف بلفظ: «بتُّ في بيت ميمونة، فتحدَّث رسول الله ﷺ مع أهله ساعةً»، قال: وهذا أَوْلى من غير تعسُّفٍ ولا رجمٍ بالظَّنِّ، لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ من يعقد بابًا بترجمةٍ ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في بابٍ آخرَ بطريقٍ أخرى وألفاظٍ متغايرةٍ؛ هل يُقَال: مناسَبَة التَّرجمة في هذا الباب تُستَفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر؟! قال: وأبعدُ من هذا أنَّه علَّل
стр. 811
ما قاله (١) بقوله: لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ؛ لأنَّ هؤلاء ما فسَّروا الحديث هنا، بل ذكروا مُطابَقَةً للتَّرجمة بالتَّقارب (٢).
(٤٢) هذا (بابُ حِفْظِ العِلْمِ) وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.
١١٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أي: الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيدِ (٣) (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) أي: الحديثَ، كما في «البيوع» [خ¦٢٠٤٧] وهو حكاية كلام النَّاس، وإِلَّا لقال: «أكثرت»، زاد المصنِّف في روايةٍ في «المُزَارعة» [خ¦٢٣٥٠]: ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدِّثون مثل أحاديثه؟ (وَلَوْلَا آيَتَانِ) موجودتان (فِي كِتَابِ اللهِ) تعالى (مَا) أي: لَمَا (حَدَّثْتُ حَدِيثًا) قال الأعرج: (ثُمَّ يَتْلُو) أبو هريرة: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]) وعبَّر بالمضارع في قوله: «ويتلو» استحضارًا لصورة التِّلاوة،
стр. 812
والمعنى: لولا أنَّ الله تعالى ذمَّ الكاتمين للعلم لما حدَّثتكم أصلًا، لكن لمَّا كان الكِتمان حرامًا وجب الإظهار؛ فلذا (١) حَصلتِ الكثرة عنده، ثمَّ ذكر سبب الكثرة بقوله: (إِنَّ إِخْوَانَنَا) جمع أخٍ، ولم يقل: إخوانه (٢) ليعود الضَّمير على أبي هريرة لغرض الالتفات، وعدل عن الإفراد إلى الجمع لقصد نفسه وأمثاله من أهل الصُّفَّة، وحذفُ العاطفِ على جعلِهِ جملةً استئنافيَّةً، كالتَّعليل للإكثار جوابًا للسُّؤال عنه، والمُرَاد: أخوَّة الإسلام (مِنَ المُهَاجِرِينَ) الذين هاجروا من مكَّة إلى المدينة (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح أوَّله وثالثه مِنَ الثُّلاثيِّ، وحُكِيَ: ضمُّ أوَّله مِنَ الرُّباعيِّ، وهو شاذٌّ (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) بفتح الصَّاد وإسكان الفاء، كنايةٌ عن التَّبايع لأنَّهم كانوا يضربون فيه يدًا بيدٍ عند المُعاقَدَة، وسُمِّيتِ السُّوق لقيام النَّاس فيها على سوقهم (وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج (كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ) أي: القيام على مصالح زرعهم (وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) عدل عن قوله: «وإنِّي» لقصد الالتفات (كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ) كذا للأَصيليِّ: بمُوحَّدةٍ في أوَّله، وفي رواية الأربعة: «لشبع (٣)» باللَّام، وكلاهما للتَّعليل، أي: لأجل شبع بطنه، وهو بكسر الشِّين المُعجَمَة وفتح المُوحَّدة، وعن ابن دُرَيدٍ إسكانها، وعن غيره الإسكان؛ اسمٌ لِمَا أشبعك من الشَّيء، وفي رواية ابن عساكر في نسخةٍ: «ليشبع (٤) بطنه» بلام «كي»، و «يشبعَ» بصورة المضارع المنصوب، والمعنى أنَّه كان
стр. 813
يلازم قانعًا بالقوت، لا يتَّجِر ولا يزرع (وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ) من أحوال النَّبيِّ ﷺ لأنَّه كان يشاهد ما لا يشاهدونه (١) (وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ) من أقواله لأنَّه يسمع ما لا يسمعون.
١١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) زاد في رواية غير (٢) أبي ذرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «أَبُو مُصْعَبٍ» وهي كنية أحمد، وهو أشهر بها، وسقطت في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ، واسم أبي بكرٍ: القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ العوفيُّ، قاضي المدينة وعالمها (٣)، صاحب مالكٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وأربعين ومئتين، عن اثنتين وتسعين سنةً (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ) مفتي المدينة مع إمامها مالك بن أنسٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثمانين ومئةٍ (٤) (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمَة، وهو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ القرشيِّ المدنيِّ العامريِّ، قال الإمام أحمد: كان ابن أبي ذئبٍ أفضل من مالكٍ إلَّا أنَّ مالكًا أشدُّ تنقيةً للرِّجال منه، المُتوفَّى بالكوفة سنة تسعٍ وخمسين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي سعيدٍ (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ المُوحَّدة، المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: «قلت لرسول الله ﷺ » (إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا) صفةٌ لقوله: «حديثًا» لأنَّه اسم جنسٍ يتناول القليل والكثير (أَنْسَاهُ) صفةٌ ثانيةٌ لـ «حديثًا»، و «النِّسيان» زوال علمٍ سابقٍ عن الحافظة والمدركة، والسَّهو زواله عن الحافظة فقط، ويُفرَّق بينه وبين الخطأ بأنَّ السَّهو ما يتنبَّه (٥) صاحبه بأدنى تنبيهٍ بخلاف
стр. 814
الخطأ (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ لأبي هريرة، وفي روايةٍ: «فقال»: (ابْسُطْ رِدَاءَكَ، فَبَسَطْتُهُ) أي: لمَّا قال: ابسط، امتثلت أمره فبسطته، وإلَّا فيلزم منه عطف الخبر على الإنشاء، وهو مُختلَفٌ فيه (قَالَ: فَغَرَفَ) ﵊ (بِيَدَيْهِ) من فيض فضل الله، فجعل الحفظ كالشَّيء الذي يُغرَف منه، ورمى به في ردائه، ومثَّل بذلك في عالم الحسِّ (ثُمَّ قَالَ) ﵊ لأبي هريرة: (ضُمَُّهُ) بالهاء، مع ضمِّ الميم تبعًا للضَّاد، وفتحها وهي رواية أبي ذرٍّ (١) لأنَّ الفتح (٢) أخفُّ الحركات، وكسرها لأنَّ السَّاكن إذا حُرِّك حُرِّك بالكسر، أو فكُّ الإدغام فيصير: اضممه، و «الهاء» فيه ترجع إلى «الحديث»، كما يدلُّ عليه قوله في غير «الصَّحيح»: فغرف بيده ثمَّ قال: «ضُمَّ … » الحديث، وعند المؤلِّف في بعض طرقه: «لن يبسط أحدكم ثوبه حتَّى أقضي مقالتي هذه ثمَّ يجمعها إلى صدره» [خ¦٢٣٥٠] [خ¦٧٣٥٤] وقد وقع في «جامع التِّرمذيِّ» و «حلية أبي نعيمٍ» التَّصريح بهذه المقالة المُبهَمَة في حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجلٍ يسمع كلمةً أو كلمتين أو ثلاثًا أو أربعاً أو خمساً (٣) ممَّا فرض الله تعالى عليه فيتعلَّمهن ويعلِّمهن إلَّا دخل الجنَّة»، ووقع في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ وعَزَاها في الفرع كأصله لأبي ذَرٍّ عنِ
стр. 815
الحَمُّويي (١) والمُستملي: «ضُمَّ» بغير هاءٍ، قال أبو هريرة: (فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ) أي: بعد الضَّمِّ، وفي رواية الأكثر: «بعدُ» مقطوعٌ عن الإضافة، مبنيٌّ على الضَّمِّ، وتنكير «شيئًا» بعد النَّفيِ ظاهرُ العموم في عدم النِّسيان منه لكلِّ شيءٍ في الحديث وغيره؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تدلُّ عليه، لكن وقع في رواية ابن عُيَيْنَةَ وغيره عن الزُّهريِّ في الحديث السَّابق: «ما نسيتُ شيئًا سمعته منه» [خ¦٧٣٥٤]، وعند مسلمٍ من رواية يونسَ: «فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به» وهو يقتضي تخصيص عدم النِّسيان بالحديث، وأخصُّ منه ما جاء في رواية شعيبٍ حيث قال: «فما نسيت من مقالته (٢) تلك شيئًا»، فإنَّه يُفهَم تخصيص عدم النِّسيان بهذه المقالة فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومَنْ وافقه لأنَّ أبا هريرة نبَّه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصحُّ حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن يكون وقعت له قضيَّتان، فالتي رواها الزُّهريُّ مختصَّةٌ بتلك المقالة، والتي رواها سعيدٌ المَقبُريُّ عامَّةٌ، هكذا قرَّره في «فتح الباري»، وهذا من المعجزات الظَّاهرات حيث رفع ﷺ من أبي هريرة النِّسيان الذي هو من لوازم الإنسان حتَّى قِيلَ: إنَّه مُشتَقٌّ منه، وحصول هذا في بسط الرِّداء الذي ليس للعقل فيه مجالٌ.
وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بالذَّال المُعجَمَة، وسبق في أوَّل «كتاب العلم» [خ¦١١٩] (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) بضمِّ الفاء وفتح الدَّال المُهمَلَة، وهو أبو إسماعيل محمَّد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْكٍ، واسم «أبي فديكٍ»: دينار، المدنيُّ اللَّيثيُّ، المُتوفَّى سنة مئتين، وابن أبي فديكٍ يرويه عن ابن أبي ذئبٍ، كما عند المؤلِّف في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٨] (بِهَذَا) أي: بهذا الحديث (أَوْ قَالَ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقال»: (غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ) بالإفراد مع زيادة «فيه» والضَّمير لـ «الثَّوب»، وللمُستملي وحده: «يحذف (٤) بيده (٥) فيه» بالحاء المُهمَلة
стр. 816
والذَّال المُعجَمَة والفاء مِنَ الحذف؛ وهو الرَّميُ، لكن حديث «علامات النُّبوَّة» المُنبَّه عليه فيما سبق ليس فيه إلَّا «الغَرْفُ»، وبه استوضح الحافظ ابن حجرٍ على أنَّ «يَحذف» تصحيفٌ، مع ما استشهد به ممَّا في «طبقات ابن سعدٍ» عن ابن أبي فديكٍ حيث قال: «فغرف»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ ما قاله لا يكون دليلًا لِمَا ادَّعاه من التَّصحيف، ولو كان كذلك لنبَّه عليه صاحب «المطالع»، وأُجيِب: بأنَّه لا يلزم من كون صاحب «المطالع» لم ينبِّه عليه ألَّا يكون تصحيفًا. انتهى. لكن يبقى طلب الدَّليل على كونه تصحيفًا، فافهم، وهذا المذكور من قوله: «حدَّثنا إبراهيم بن المنذر … » إلى آخر قوله: «فغرف، أو يحذف بيده فيه» ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ والمُستملي وابن عساكر.
١٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويسٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن السَّابق قريبًا (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدَة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: حَفِظْتُ عِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من» بدل «عن»، وهي أصرح في تلقِّيه مِنَ (١) النَّبيِّ ﷺ بلا واسطةٍ (وِعَاءَيْنِ) بكسر الواو والمدِّ، تثنية وعاءٍ، وهو من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ، أي: نوعين من العلم (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) أي: أحد ما في الوعاءين من نوعيِ العلم (فَبَثَثْتُهُ) بمُوحَّدَةٍ مفتوحة ومُثلَّثتين بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، ودخلته «الفاء» لتضمُّنه معنى الشَّرط، أي: نشرته، زاد الإسماعيليُّ (٢): «فبثثته في النَّاس» (وَأَمَّا) الوعاء (الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ) أي: نشرته في النَّاس (قُطِعَ) وفي روايةٍ: «لَقُطِعَ» (هَذَا البُلْعُومُ) بضمِّ المُوحَّدَة، مرفوعٌ لكونه ناب عن الفاعل، وكنَّى به عن القتل، وزاد في رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن (٣) المُستملي: «قال أبو
стр. 817
عبد الله» أي: البخاريُّ: «البلعوم: مجرى الطعام»، أي: في الحلق، وهو المريء، قاله القاضي والجوهريُّ وابن الأثير، وعند الفقهاء: الحلقوم: مجرى النَّفَس خروجًا ودخولًا، والمريء: مجرى الطَّعام والشَّراب، وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وأراد بالوعاء الأوَّل: ما حفظه من الأحاديث، وبالثَّاني: ما كتمه من أخبار الفتن وأشراط السَّاعة، وما أخبر به الرَّسول ﵊ من فساد الدِّين على يدي أغيلمةٍ من سفهاء قريشٍ، وقد كان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسمِّيَهم لَسمَّيتهم، أوِ المُرَاد: الأحاديث التي فيها تبيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكنِّي عن بعض ذلك ولا يصرِّح خوفًا على نفسه منهم؛ كقوله: أعوذ بالله من رأس السِّتِّين وإمارة الصِّبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنَّها كانت سنة ستِّين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنةٍ، وسيأتي ذلك مع مزيدٍ له في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٥٨] إن شاء الله تعالى، أوِ المُرَاد به: علم الأسرار المَصُون عن الأغيار، المختصُّ بالعلماء بالله تعالى من أهل العرفان والمُشاهَدَات والإتقان (١)، الذي هو نتيجة علم الشَّرائع، والعمل بما جاء به الرَّسول ﷺ ، والوقوف عند ما حدَّهُ، وهذا لا يظفر به إلَّا الغوَّاصُّون في بحر المُجاهَدَات، ولا يسعد به إلَّا المصطَفَون (٢) بأنوار المُشاهَدَات، لكن في كون هذا هو المُرَاد نظرٌ؛ من حيث إنَّه لو كان كذلك لَمَا وسع أبا هريرةَ كتمانه، مع ما ذكره من الآية الدَّالَّة على ذمِّ كتمان العلم لا سيَّما هذا الشَّأن الذي هو لبُّ ثمرة العلم (٣)، وأيضًا فإنَّه نفى بثَّه على العموم من غير تخصيصٍ، فكيف يُستدَلُّ به لذلك؟ وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم، فمن أين علم أنَّ الذي كتمه هو هذا؟ فمن ادَّعى ذلك فعليه البيان، فقد ظهر أنَّ الاستدلال بذلك لطريق القوم فيه ما فيه، على أنَّهم في
стр. 818
غنيةٍ عنِ الاستدلال؛ إذِ الشَّريعة ناطقةٌ بأدلَّتهم، ومن تصفَّح (١) الأخبار وتتبَّع الآثار مع التَّأمُّل والاستنارة بنور الله ظهر له ما قلته، والله يهدينا إلى سواء السَّبيل.
(٤٣) هذا (بابُ الإِنْصَاتِ) بكسر الهمزة، أي: السكوت (٢) والاستماع (لِلْعُلَمَاءِ) أي: لأجل ما يقولونه.
١٢١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء، النَّخعيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ؛ بفتح الهاء وكسر الرَّاء، زاد في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (٣): «ابن عمرٍو» (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابن عبد الله البجليُّ، وهو جدُّ أبي زرعة الرَّاوي عنه هنا لأبيه، وكان بديع الجمال، طويل القامة بحيث يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعًا، وسبق في «باب الدِّين النَّصيحة» [خ¦٥٧]: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ) وعند المؤلِّف في «حجَّة الوداع» [خ¦٤٤٠٥]: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لجريرٍ (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بفتح الحاء والواو، عند جمرة العقبة و (٤) اجتماع النَّاس للرَّميِ وغيره: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) «استفعالٌ» مِنَ الإنصات؛ ومعناه: طلب السُّكوت، وقد أنكر بعضهم لفظة: «له» -من قوله: «قال له في حَجَّة الوداع» - معلِّلًا بأنَّ جريرًا أسلم قبل وفاته ﵊ بأربعين يومًا، وتوقَّف المنذريُّ لثبوتها في (٥) الطُّرق الصَّحيحة، وقد ذكر (٦) غير واحدٍ أنَّه أسلم في رمضان سنة عشرٍ، فأمكن حضوره مسلمًا لحجَّة الوداع، وحينئذٍ فلا خلل في
стр. 819
الحديث (فَقَالَ) ﵊ بعد أن أَنصَتوا: (لَا تَرْجِعُوا) أي: لا تصيروا (بَعْدِي) أي: بعد موقفي هذا، أو بعد موتي (كُفَّارًا) نصب خبر «لا ترجعوا» المُفسَّر بـ «لا تصيروا» (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) مستحلِّين لذلك، و «يضربُ» بالرَّفع على الاستئناف كأنَّه قيل: كيف يكون الرُّجوع كفَّارًا؟ فقال: يضرب بعضكم (١) بيانًا لقوله: «لا ترجعوا»، أو حالًا من ضمير «ترجعوا» أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا حال ضرب بعضكم رقاب (٢) بعضٍ، أو صفةً (٣)، أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا متَّصفين بهذه الصِّفة القبيحة، أي: ضرب بعضكم، وجوَّز ابن مالكٍ وأبو البقاء جزم الباء بتقدير شرطٍ، أي: فإن ترجعوا يضربْ بعضكم بعضًا (٤)، والمعنى: لا تتشبَّهوا بالكفَّار في قتل بعضهم بعضًا، ويأتي تمام البحث إن شاء الله تعالى في «الفتن» [خ¦٧٠٨٠] أعاذنا الله تعالى منها.
(٤٤) هذا (باب مَا يُسْتَحَبُّ) أي: الذي يُستحَبُّ (لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ) أي: أيُّ شخصٍ من أشخاص النَّاس (أَعْلَمُ) من غيره؟ (فَيَكِلُ) أي: فهو يَكِلُ (العِلْمَ إِلَى اللهِ) وحينئذٍ فـ «إذا»
стр. 820
شرطيَّةٌ، و «الفاء» في جوابها، والجملة بيانٌ لما يُستحَبُّ، أو «إذا» ظرفٌ لـ «يُستحَبُّ»، والفاء تفسيريَّةٌ، على أنَّ «يَكِلُ» في تقدير المصدر بتقدير «أنْ» أي: ما يُستحَبُّ وقت السُّؤال هو الوكولُ إلى الله تعالى.
стр. 821
١٢٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجعفيُّ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكر: «أخبرنا» (عَمْرٌو) بفتح العَيْن، وهو ابن دينارٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدَة (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (إِنَّ نَوْفًا) بفتح النُّون وسكون الواوِ آخره فاءٌ، منصوبًا اسم «إنَّ»، منصرفًا في الفصحى، بطنٌ من العرب، ولئن سلَّمنا عُجمته (١) فمنصرفٌ أيضًا، وإنَّما صُرِف لكونه ثلاثيًّا لسكون وسطه؛ كنوحٍ ولوطٍ، واسم أبي نوفٍ فَضَالة -بفتحتين- القاصّ (البَِكَالِيَّ) بكسر المُوحَّدَة وفتحها وتخفيف الكاف، وحُكِيَ: تشديدها مع فتح المُوحَّدَة، وعَزَاه في «المطالع» لأكثر المحدِّثين، والصَّواب: التَّخفيف نسبةً إلى بني بَِكَالٍ؛ بطن من حِمْيَر، وهو نصبٌ نعتًا لـ «نوفٍ»، وكان تابعيًّا عالمًا، إمامًا لأهل دمشق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور (يَزْعُمُ أَنَّ) بفتح الهمزة مفعول يزعم، أي: يقول: إنَّ (مُوسَى) صاحب الخضر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المُرسَل إليهم، والباء زائدةٌ للتَّوكيد حُذِفَت في
стр. 822
رواية الأربعة، وأُضِيف لـ «بني إسرائيل» مع العلميَّة لأنَّه نُكِّر بأَنْ أُوِّلَ بواحدٍ من الأمَّة المُسمَّاة به، ثمَّ أُضِيف إليه (إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ) بتنوين «موسى» لكونه نكرةً، فانصرف لزوال علميَّته، وفي روايةٍ بترك التَّنوين، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَمٌ على شخصٍ مُعيَّنٍ، قالوا: إنَّه موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالشِّين المُعجَمَة (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرج الزَّجر والتَّحذير لا القدح في نوفٍ لأنَّ ابن عبَّاسٍ قال ذلك في حال غضبه، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع، ولا يلزم منه تعمُّده (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الصَّحابيُّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم، على حدِّ: الله أكبر، أي: من كلِّ شيءٍ (فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ) النَّاس، أي: بحسب اعتقاده، وهذا أبلغ من السَّابق في «باب الخروج في طلب العلم» [خ¦٧٨]: «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا»، فإنَّه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البتِّ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل (لَمْ يَرُدَُِّ العِلْمَ إِلَيْهِ) فكأن يقول نحو: الله أعلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ (١) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلى الله»، و «يردُّ»: بضمِّ الدَّال إتباعًا لسابقتها، وبفتحها لخفَّته، وبكسرها على الأصل في السَّاكن إذا حُرِّك، وجُوِّز الفكُّ أيضًا، والعتب من الله محمولٌ على ما يليق به، فيُحمَل على أنَّه لم يرضَ قوله شرعًا، فإنَّ العتب -الذي هو بمعنى: تغيير النَّفس- مستحيلٌ على الله تعالى
стр. 823
(فَأَوْحَى اللَّهُ) تعالى (إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا) بفتح الهمزة، أي: بأنَّ، وفي فرع «اليونينيَّة»: بكسرها، على تقدير: فقال: إنَّ عبدًا، والمُرَاد الخضر (مِنْ عِبَادِي) كائنًا (بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ) أي: ملتقى بَحْرَي فارسٍ والرُّوم من جهة الشَّرق، أو بإفريقية، أو طنجة (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي: بشيءٍ مخصوصٍ، كما يدلُّ عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى: «إنِّي على علمٍ من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ علَّمك (١) لا أعلمه»، ولا ريبَ أنَّ موسى أفضل من الخضر بما اختُصَّ به من الرِّسالة، ومن سماع الكلام والتَّوراة، وأنَّ أنبياء بني إسرائيل كلَّهم داخلون تحت شريعته، ومُخاطَبُون بحكم نبوَّته، حتَّى عيسى ﵇، وغاية الخضر أن يكون كواحدٍ من أنبياء (٢) بني إسرائيل، وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إنَّ الخضر ليس بنبيٍّ بل وليٌّ فالنَّبيُّ أفضل من الوليِّ، وهو أمرٌ مقطوع به، والقائل بخلافه كافرٌ لأنَّه معلومٌ من الشَّرع بالضَّرورة، وإنَّما كانت قصَّة موسى مع الخضر امتحانًا لموسى ليعتبر، ووقع عند النَّسائيِّ: أنَّه عرض في نفس (٣) موسى ﵇ أنَّ أحدًا لم يُؤتَ من العلم ما أُوتي، وعلم الله بما حدَّث به نفسه، فقال: يا موسى، إنَّ مِنْ عبادي مَنْ آتيته من العلم ما لم أُوتِكَ (قَالَ: رَبِّ) بحذف أداة النِّداء وياء المتكلِّم تخفيفًا اجتزاءً بالكسرة، وفي بعض الأصول: «يا ربِّ» (وَكَيْفَ) لي (٤) (بِهِ) أي: كيف السَّبيل إلى لقائه؟ (فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ) بالجزم على الأمر (حُوتًا) أي: سمكةً كائنةً (فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، شبه الزَّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، كذا في «العُبَاب» (فَإِذَا فَقَدْتَهُ) بفتح القاف، أي: الحوت (فَهْوَ ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة، ظرفٌ بمعنى: هناك، أي: العبد الأعلم منك هناك (فَانْطَلَقَ) موسى (وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ) مجرورٌ بالفتحة عطف
стр. 824
بيان لـ «فتاه» غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة (بْنِ نُونٍ) مجرورٌ بالإضافة منصرفٌ كنوحٍ ولوطٍ على الفصحى، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وانطلق معه بفتاه (١)» فصرَّح بالمعيَّة للتَّأكيد، وإلَّا فالمُصاحَبَة مُستفادَةٌ من قوله: «بفتاه» (وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به، وقد قِيلَ: كانت سمكةً مملوحةً، وقِيلَ: شِقُّ سمكةٍ (حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ) التي عند ساحل البحر الموعود بلقيِّ الخضر عنده (وَضَعَا رُؤُوْسَهُمَا وَنَامَا) وفي رواية الأربعة: «فناما» بالفاء، وكلاهما للعطف على «وضعا» (فَانْسَلَّ الحُوتُ) الميت المملوح (مِنَ المِكْتَلِ) لأنَّه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصَّخرة شيءٌ، إذ إصابتُها مقتضيةٌ للحياة، كما عند المؤلِّف في رواية [خ¦٤٧٢٧]: (﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ [الكهف: ٦١]) أي: طريقه (﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾) أي: مسلكًا، زاد في سورة «الكهف»: «وأمسك الله عن الحوت جِرْيَةَ الماء، فصار عليه مثل الطَّاق» [خ¦٤٧٢٥] (وَكَانَ) إحياء الحوت المملوح وإمساك جِرْيَ الماء حتَّى صار مسلكًا (لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ) بالنَّصب على الظَّرف (لَيْلَتِهِمَا) بالجرِّ على الإضافة (وَيَوْمَِهُِمَا) بالنَّصب على إرادة سير جميعه، وبالجرِّ عطفًا على «ليلتهما»، والوجه الأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي (٢)، وفي «مسلمٍ» -كالمؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]-: «بقيَّة يومهما وليلتهما» وهو الصَّواب لقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ) إذ لا يُقَال: أصبح إلَّا عن ليلٍ (﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا﴾) بفتح الغَيْن مع المدِّ؛ وهو الطَّعام يُؤكَل أوَّل النَّهار (﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) أي: تعبًا، والإشارة لسير البقيَّة والذي يليها، ويدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى) ﵇ (مَسًّا) وفي نسخةٍ: «شيئًا» (مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) فأُلقيَ عليه الجوع والنَّصَب (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «﴿قَالَ﴾» (لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ﴾) أي: أخَبِرْتَ (٣)
стр. 825
ما دهاني؟ (﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد في رواية ابن عساكر: «﴿وَمَا أَنسَانِيهُ﴾» أي: وما أنساني ذكره «﴿إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]» وإنَّما نسبه للشَّيطان هضمًا لنفسه (١) (﴿قَالَ﴾ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ﴾) أي: أمرُ الحوتِ (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) هو الذي كنَّا نطلبه (٢) لأنَّه علامة وجدان المطلوب، وحُذِفَ العائد (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) أي: فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]) أي: يتَّبعان آثارهما اتِّباعًا (فَلَمَّا انْتَهَيَا (٣) إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ) مُبتدَأٌ، وسُوِّغَ لتخصيصه بالصِّفة، وهي قوله: (مُسَجًّى) أي: مُغطًّى كلُّه (بِثَوْبٍ) والخبر محذوفٌ، أي: نائمٌ (أَوْ قَالَ: تَسَجَّى (٤) بِثَوْبِهِ) شكٌّ من الرَّاوي (فَسَلَّمَ مُوسَى) ﵇ (٥) (فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى) بهمزةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ مفتوحتين، أي: كيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وهو غير معروفٍ بها، وكأنَّها كانت دار كفرٍ، وكانت (٦) تحيَّتهم غيره، وعنده في «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]: «وهل بأرضي من سلامٍ؟» (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «قال»: (أَنَا مُوسَى، فَقَالَ) له الخضر:
стр. 826
أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟) فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ (قَالَ: نَعَمْ) أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدلُّ على أنَّ الأنبياء ومَنْ دونَهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كلَّ غيبٍ لَعَرَفَ موسى قبل أن يسأله، (قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾) أي: من الذي علَّمك الله علمًا (﴿رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]) ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره، ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين، فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِل إليه فيما بُعِثَ به (١) من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد راعى في ذلك غاية التَّواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له (٢)، وسأل منه أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه (٣) به (٤)، قاله البيضاويُّ، لكن لم يكن موسى مُرسَلًا إلى الخضر، فقد يوهم ما قاله دخوله فيهم من السِّياق، فليُتأمَّل. (﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]) فإنِّي أفعل أمورًا ظاهرُها مناكيرُ، وباطنُها لم تُحِطْ به (يَا مُوسَى؛ إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ) جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعولين: أحدهما ياء المفعول، والثَّاني الضَّمير الرَّاجع إلى «العلم»، صفةٌ لـ «علمٍ» (لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ) مبتدأٌ وخبره، معطوفٌ على السَّابق (٥) (عَلَّمَكَ الله) جملةٌ كالسَّابقة، لكن الثَّاني محذوفٌ تقديره: علمَّك الله إيَّاه، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (٦): «علَّمكه الله» بهاء الضَّمير الرَّاجع إلى العلم (لَا أَعْلَمُهُ) صفةٌ أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم (٧) الشَّرع ما لا
стр. 827
غنى للمُكلَّف (١) عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى (﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ صَابِرًا﴾) معك غير منكرٍ عليك، وانتصاب ﴿صَابِرًا﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿سَتَجِدُنِي﴾ و ﴿إِن شَاء اللهُ﴾ اعتراضٌ بين المفعولين (﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]) عطفٌ على ﴿صَابِرًا﴾ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، قال القاضي: وتعليق الوعد بالمشيئة إمَّا للتَّيمُّن، وإمَّا لعلمه بصعوبة الأمر، فإنَّ مشاهدة الفساد و (٢) الصَّبر على خلاف المُعتَاد شديدٌ (فَانْطَلَقَا) على السَّاحل حال كونهما (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ) أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السَّفينة (أَنْ) أي: لأن (يَحْمِلُوهُمَا) أي: لأجل حملهم إيَّاهما (٣) (فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا) أي: الخضر وموسى (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النُّون، أي: بغير أجرةٍ، ولم يُذكَر يوشع معهما، كما في قوله: «فانطلقا يمشيان» لأنَّه تابعٌ غير مقصودٍ بالأصالة، ويحتمل أن يكون (٤) يوشع لم يركب معهما لأنَّه لم يقع له ذكرٌ بعد ذلك، وضمَّه معهما في كلام أهل السَّفينة لأنَّ المقام يقتضي كلام التَّابع، لكن في روايةٍ بفرع «اليونينيَّة» كهي (٥): «فعُرِفَ الخضر فحملوهم» بالجمع، وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السَّفينة (فَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمِّ أوَّله، وحكى ابن رشيقٍ في «كتاب الغرائب» فتحه، قِيلَ: وسُمِّي به لأنَّه عصى وفرَّ، قاله الدَّميريُّ، وقِيلَ: إنَّه (٦) الصُّرد (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً) بالنَّصب على المصدر (أَوْ نَقْرَتَيْنِ) عطفٌ عليه (فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى (٧)؛ مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ) أي: من معلومه (إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ) وعند المؤلِّف [خ¦٤٧٢٦] أيضًا: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلَّا كما أخذ
стр. 828
هذا العصفور بمنقاره من هذا (١) البحر» أي: في جنب معلوم الله تعالى، وهو أحسن سياقًا من المسوق هنا، وأبعد عن الإشكال، ومُفسِّرٌ للواقع هنا، والعلم يُطلَق ويُرَاد به المعلوم بدليل دخول حرف التَّبعيض، وهو «من» في قوله: «مِن علم الله» لأنَّ العلم القائم بذات الله تعالى صفةٌ قديمةٌ لا تتبعَّض، فليس العلم هنا على ظاهره لأنَّ علم الله تعالى لا يدخله نقصٌ، وقِيلَ: «نقص» بمعنى أخذ لأنَّ النَّقص أخذٌ خاصٌّ، فيكون التَّشبيه واقعًا على الأخذ لا على المأخوذ منه، إذ (٢) نقص العصفور لا تأثير له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهمْ … بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ
أي: ليس فيهم عيبٌ، وقيل: كان (٣) هذا الطَّائر من الطُّيور (٤) التي تعلو مناقرهم دُهَينة، فلا (٥) يعلق بها ماء البتَّة (٦) (فَعَمَدَ الخَضِرُ (٧)) بفتح الميم كضَرَب (إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ) بفأسٍ، فانخرقت ودخل الماء (فَقَالَ) له (مُوسَى) ﵇: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح أوَّله، أي: بغير (٨) أجرٍ (عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ﴾) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء على الخطاب، مضارع «أغرق» أي: لأن تُغْرِقَ (﴿أَهْلَهَا﴾! [الكهف: ٧١]) نُصِبَ على المفعوليَّة، ولا ريبَ أنَّ خرقها سببٌ لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها، وفي روايةٍ: «﴿لِتَغْرَقَ﴾» بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء، على الغيب، مضارع «غرق» «﴿أَهْلُهَا﴾»
стр. 829
بالرَّفع على الفاعليَّة (﴿قَالَ﴾) الخضر: (﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾؟ [الكهف: ٧٢]) ذكَّره بما قال له قَبْلُ (﴿قَالَ﴾) موسى: (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾) أي: بالذي نسيته، أو بنسياني، أو بشيءٍ نسيته؛ يعني: وصيَّته بألَّا يعترض عليه، وهو اعتذارٌ بالنِّسيان أخرجه في مَعْرِض النَّهيِ عن المُؤاخَذَة مع قيام المانع لها، زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]» أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمُضايَقَة والمُؤاخَذَة على المَنْسِيِّ، فإنَّ ذلك يعسِّر عليَّ مُتابَعَتَك (فَكَانَتِ) المسألة (الأُولَى مِنْ مُوسَى) ﵇ (نِسْيَانًا) بالنَّصب: خبر «كان» (فَانْطَلَقَا) بعد (١) خروجهما من السَّفينة (فَإِذَا غُلَامٌ) بالرَّفع: مبتدأٌ لكونه تخصَّص بالصِّفة؛ وهي قوله: (يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ) والخبر محذوفٌ، و «الغلام» اسمٌ للمولود إلى أن يبلغ، وكان الغلمان عشرةً، وكان الغلامُ أظرفَهم وأوضأَهم، واسمه (٢) جيسون أو جيسور، وعنِ الضَّحَّاك: يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وعنِ الكلبيِّ: يسرق المتاع باللَّيل، فإذا أصبح لجأ إلى أبويه، فيقولان: لقد بات عندنا (فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ) أي: جرَّ الغلام برأسه (فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ) وعنده في «بدء الخلق» [خ¦٣٤٠١]: «فأخذ الخضر برأسه فقطعه هكذا»، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنَّه يقطف (٣) شيئًا، وعنِ الكلبيِّ: صرعه، ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله (٤)، و «الفاء» في «فاقتلع» للدَّلالة على أنَّه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حالٍ (فَقَالَ مُوسَى) للخضر ﵉: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بتشديد الياء، أي: طاهرةً من الذُّنوب، وهي أبلغ من ﴿زَاكِيَةَ﴾ بالتَّخفيف،
стр. 830
وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكية: التي لم تذنب قطُّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت ثمَّ غُفرت ولذا اختار قراءة التَّخفيف، فإنَّها كانت صغيرةً لم تبلغِ الحُلْم، وزعم قومٌ: أنَّه كان بالغًا يعمل الفساد، واحتجُّوا بقوله: (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾! [الكهف: ٧٤]) والقصاص إنَّما يكون في حقِّ البالغ، ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتُقَاد به، نبَّه به على أنَّ القتل إنَّما يُبَاح حدًّا أو قصاصًا، وكلا الأمرين منتفيان (١)، والهمزة في ﴿أَقَتَلْتَ﴾ ليست للاستفهام الحقيقيِّ، فهي كهي في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] وكان قتل الغلام في أُبُلَّة؛ بضمِّ الهمزة والمُوحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحة بعدها هاءٌ، مدينةٌ قرب بصرة وعبادان (٢) (﴿قَالَ﴾) الخضر لموسى ﵉: (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]) بزيادة ﴿لَّكَ﴾ في هذه المَّرة زيادةً في المُكافَحَة بالعتاب على رفض الوصيَّة، والوسم بقلَّة الثَّبات والصَّبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعوِ بالتَّذكير أوَّل مرَّةٍ حتَّى زاد في الاستنكار (٣) ثاني مرَّةٍ (٤) (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (وَهَذَا أَوْكَدُ) واستدلَّ عليه بزيادة ﴿لَّكَ﴾ في هذه المرَّة (فَانْطَلَقَا حَتَّى ﴿أَتَيَا﴾) وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: «﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا﴾» مُوافقة للتَّنزيل (﴿أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾) هي: أنطاكية أو أُبلَّة أو ناصرة أو برقة أو غيرهنَّ، فلمَّا وافياها بعد غروب الشمس (﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) واستضافوهم (﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾) ولم يجدوا في تلك القرية قِرًى ولا مأوًى، وكانت ليلةً باردةً (﴿فَوَجَدَا فِيهَا﴾) أي: في القرية (﴿جِدَارًا﴾) على شاطئ الطَّريق، وكان سُمْكُه مئتي ذراعٍ بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمسَ مئةِ
стр. 831
ذراعٍ، وعرضه خمسين (١) ذراعًا (﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) أي: يسقط، فاستُعِيرت الإرادة للمُشارَفَة، وإلَّا فالجدار لا إرادة له حقيقةً، وكان أهل القرية يمرُّون تحته على خوفٍ (قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ) أي: أشار بها، وفي روايةٍ: «قال: فمسحه (٢) بيده» [خ¦٢٢٦٧] (﴿فَأَقَامَهُ﴾) وقِيلَ: نقضه وبناه، وقِيلَ: بعمودٍ عمده به، وفيه (٣) إطلاق القول على الفعل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (٤) المُستملي: «﴿يُرِيدُ (٥) أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾» (﴿قَالَ﴾ (٦) مُوسَى) وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: «فقال له موسى» أي: للخضر (﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾) بهمزة وصلٍ وتشديد التَّاء وفتح الخاء، على وزن «افتعلت» من «تَخِذ»، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريِّين، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «﴿لَتَخِذْتَ﴾» أي: لأخذت (﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾) فيكون لنا قوتًا وبُلغةً على سفرنا، قال القاضي: كأنَّه لمَّا رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه (﴿قَالَ﴾) الخضر لموسى ﵉: (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧ - ٧٨]) بإضافة «الفراق» إلى «البين» إضافة المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، والإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ إلى الفراق الموعود بقوله: ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ أو تكون الإشارة إلى السُّؤال الثَّالث، أي: هذا الاعتراض سببٌ (٧) للفراق، أو إلى الوقت، أي: هذا الوقت وقت الفراق.
(قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى) إنشاءٌ بلفظ الخبر (لَوَدِدْنَا) بكسر الدَّال الأولى وسكون الثَّانية، أي: والله لَوَدِدْنا (لَوْ صَبَرَ) أي: صَبْرَهُ؛ لأنَّه لو صبر لأبصر أعجب الأعاجيب (حَتَّى يُقَصَّ) على صيغة المجهول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) مفعولٌ لم يُسمّ فاعله، وفي هذه القصَّة حجَّةٌ
стр. 832
على صحَّة الاعتراض بالشَّرع على ما لا يُسوَّغ فيه ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر، على أنَّه ليس في شيءٍ ممَّا فعله الخضر مُناقَضَةٌ للشَّرع، فإذا نقض لوح السَّفينة لدفع الظَّالم عن غصبها، ثمَّ إذا تركها أُعِيد اللَّوح جائزٌ شرعًا وعقلًا، ولكن مُبادَرَة (١) موسى بالإنكار بحسب الظَّاهر، وقع ذلك صريحًا عند مسلمٍ، ولفظه: «فإذا جاء الذي يسخِّرها (٢) وجدها منخرقةً»، وأمَّا قتله الغلام فلعلَّه كان في تلك الشَّريعة، وقد حكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى لمَّا قال للخضر: أقتلت نفسًا زاكية؟ اقتلع الخضر كتف الصَّبيِّ الأيسر وقشر عنه اللَّحم، فإذا في عظم كتفه كافرٌ لا يؤمن بالله (٣) أبدًا، وفي «مسلمٍ»: «وأمَّا الغلام فطُبِع يوم طُبِع كافرًا لا يؤمن بالله»، وأمَّا إقامة الجدار فَمِنْ باب مُقابَلَة الإساءة بالإحسان، (قَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف: حَدَّثَنَا بهِ عَليُّ بن خَشْرَمٍ) بفتح الخاء وسكون الشِّين المُعجَمَتين وفتح الرَّاء آخره ميمٌ، مصروفٌ، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ بِطُولِهِ (٤))، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في أكثر من عشرة مواضع [خ¦٣٢٧٨] [خ¦٣٤٠١] [خ¦٤٧٢٥] [خ¦٤٧٢٧] وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسُّؤال.
(٤٥) هذا (بابُ مَنْ سَأَلَ وَهْوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا) بالنَّصب، صفةٌ لـ «عالمًا» المنصوب على المفعوليَّة بـ «سأل»، و «مَنْ» موصولٌ، و «الواو» للحال، والمُرَاد: جواز فعل ذلك إذا سلمت (٥) النَّفس فيه من الإعجاب، وليس هو من باب من يتمثَّل له النَّاس قيامًا.
стр. 833
١٢٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة (قَالَ: أَخْبَرَني (١)) بالإفراد، وفي رواية (٥ س ص ط) (٢): «حدَّثنا» (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) هو شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟) مبتدأٌ، وخبره وقع مقول القول (فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا) نصبُ مفعولٍ له، والغضب: حالةٌ تحصل عند غليان الدَّم في القلب لإرادة الانتقام (وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً) نَصْبُ (٣) مفعولٍ له أيضًا؛ وهو بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة؛ وهي: الأَنَفة من الشَّيء أو (٤) المحافظة على الحُرَم (فَرَفَعَ) رسول الله ﷺ (إِلَيْهِ) أي: إلى (٥) السَّائل (رَأْسَهُ) الشَّريف (٦) (قَالَ) أبو موسى أو مَن دونه: (وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ) أي: السَّائل (كَانَ قَائِمًا) أي: ما رفع لأمرٍ من الأمور إلَّا لقيام الرَّجل، فإنَّ واسمها وخبرها في تقدير المصدر، وفيه: جوازُ وقوف
стр. 834
المستفتي لعذرٍ أو لحاجةٍ (فَقَالَ) ﷺ : (مَنْ قَاتَلَ) بمُقتضَى القوَّة العقليَّة (لِتَكُونَ) أي: لأن تكون (كَلِمَةُ اللهِ) أي: دعوته إلى الإسلام، أو كلمة الإخلاص (هِيَ العُلْيَا) لا من قاتل عن مُقتضَى القوَّة الغضبيَّة أوِ (١) الشَّهوانيَّة (فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ويدخل فيه: من قاتل لطلب الثَّواب ورضا الله، فإنَّه من إعلاء كلمة الله، وقد جمع هذا الجواب معنى السُّؤال لا بلفظه لأنَّ الغضب والحَمِيَّة قد يكونان لله تعالى أو لغرض الدُّنيا، فأجاب ﵊ بالمعنى مُختَصَرًا؛ إذ لو ذهب يقسِّم وجوه الغضب لطال ذلك، ولَخُشِيَ أن يُلبَس عليه، فإن قلت: السُّؤال على ماهيَّة القتال، والجواب ليس عنها بل عن المقاتل، أُجِيب: بأنَّ فيه الجواب وزيادةً، أو أنَّ القتال بمعنى اسم الفاعل، أي: المقاتل، بقرينة لفظ: «فإنَّ أحدنا»، ويكون عبَّر بـ «ما» عنِ العاقل (٢)، والله أعلم.
(٤٦) هذا (بابُ السُّؤَالِ) من جهة المستفتي (وَالفُتْيَا) بضمِّ الفاء من جهة المفتي (عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ) الكائنة بمنى.
стр. 835
١٢٤ - وبالسَّند إلى المصنِّف (١) ﵀ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون وفتح العين، الفضل بن دُكَينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) نسبه لجدِّه (٢) لشهرته به، وإلَّا فأبوه عبد الله، واسم أبي سلمة: الماجَِشون؛ بفتح الجيم وكسرها (عَنِ الزُّهْرِيِّ) نسبةً لجدِّه لشهرته به، محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله (٣) القرشيِّ التَّيميِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص ﵄ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الجَمْرَةِ) أي: جمرة العقبة؛ لأنَّها المقصودة عند الإطلاق، فـ «ال» للعهد (وَهُوَ يُسْأَلُ) بضمِّ أوَّله على صيغة المجهول (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْتُ) الإبل (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ) ﷺ ، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «فقال»: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ) عليك (قَالَ آخَرُ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» وفي أخرى «عط» «وقال» وكلاهما للعطف على السَّابق (يَا رَسُولَ اللهِ، حَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ) ﵊: (انْحَرْ وَلَا حَرَجَ) عليك (فَمَا سُئِلَ) ﷺ (عَنْ شَيْءٍ) من المناسك (قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) واعتُرِض على التَّرجمة: بأنَّه ليس في الخبر أنَّ المسألة وقعت في خلال الرَّمي، بل فيه أنَّه كان واقفًا عندها فقط، وأُجِيب بأنَّ المصنِّف كثيرًا ما يتمسَّك بالعموم، فوقوع السُّؤال عند الجمرة أعمُّ من أن يكون في حال اشتغاله بالرَّميِ أو (٤) بعد الفراغ منه، أو يُقَال: إنَّ كونه عند
стр. 836
الجمرة قرينة أنَّه كان يرمي، أو في الذِّكر المقول عندها، والله أعلم (١).
(٤٧) هذا (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.
١٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) هو ابن القعقاع الدَّارميُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ) زاد في رواية ابن عساكر: «بن مهران» (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: بكسرٍ ثمَّ فتحٍ، جمع خربةٍ، وكلاهما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٢)، بل الأوَّل في أصله، والثَّاني في هامشه، مرقومٌ عليه علامة أبي ذَرٍّ والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعزا العينيُّ الأوَّل لضبط بعضهم أخذًا عن بعض
стр. 837
الشَّارحين، وردَّه بأنَّه ليس بجمع خربةٍ -كما زعموا-، وإنَّما جمع خَرِبَةٍ خَرِبٌ كَكَلِمَةٍ وكَلِمٍ، كما ذكره الصَّغانيُّ، وعند المؤلِّف في موضع آخر [خ¦٤٧٢١] بالحاء المُهمَلَة المفتوحة وإسكان الرَّاء وبالمُثلَّثة آخره (وَهُوَ) ﷺ (يَتَوَكَّأُ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، أي: يعتمد (عَلَى عَسِيبٍ) بفتح الأوَّل وكسر الثَّاني المُهمَلَتين وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدةٌ، أي: عصًا من جريد النَّخل (مَعَهُ) صفةٌ لـ «عسيبٍ» (فَمَرَّ بِنَفَرٍ) بفتح الفاء: عدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ (مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ (عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ) وفي رواية أبي الوقت: «فقال» (بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ (١) تَكْرَهُونَهُ) برفع «يجيءُ» على الاستئناف، وهو الذي في الفرع كأصله (٢) فقط، والمعنى: لا يجيء فيه بشيءٍ تكرهونه، وبجزمه على جواب النَّهي، قال ابن حجرٍ: وهو الذي في روايتنا، والمعنى لا تسألوه لا يجيء بمكروهٍ، وبنصبه على معنى: لا تسألوه خشية أن يجيء (٣) فيه بشيءٍ، و «لا»: زائدةٌ، وهو ماشٍ على مذهب الكوفيِّين (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: والله (لَنَسْأَلَنَّهُ) عنها (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟) وسؤالهم بقولهم: ما الرُّوح؟ مشكلٌ إذ لا يعلم مُرَادهم؛ لأنَّ الرُّوح جاء في التَّنزيل على معانٍ، منها: القرآن، وجبريل، أو مَلَكٌ غيره، وعيسى، لكنِ الأكثرون على أنَّهم سألوه عن حقيقة الرُّوح الذي في الحيوان، ورُوِي: «أنَّ اليهود قالوا لقريشٍ:
стр. 838
إن فسَّر الرُّوح فليس بنبيٍّ» ولذا قال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء بشيءٍ تكرهونه، أي: إن لم يفسِّره؛ لأنَّه يدلُّ على نبوَّته وهم يكرهونها (فَسَكَتَ) رسول الله ﷺ لمَّا سألوه، قال ابن مسعودٍ: (فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ) حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم (فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ) أي: انكشف عنه ﵊ الكرب الذي كان يتغشَّاه حال الوحي (فقَالَ) وفي رواية الأربعة: «قال»: ((وَيَسْأَلُونَكَ) بإثبات الواو كالتنزيل، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «يسألونك» (عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من الإبداعيَّات الكائنة بـ «كُنْ» من غير مادَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ، واقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى ﵇ في جواب: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] بذكر بعض صفاته، إذِ الرُّوح لدقَّته لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارض تميِّزه عمَّا يلتبس، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبيِّن الماهيَّة لكونها ممَّا استأثر الله بعلمها، ولأنَّ في عدم بيانها تصديقًا لنبوَّة نبيِّنا ﷺ ، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا وحديثًا في الرُّوح، وأطلقوا أعنَّة النَّظر في شرحه، وخاضوا في غمرات ماهيَّته، والذي اعتمد عليه عامَّة المتكلِّمين من أهل السُّنَّة: أنَّه جسمٌ لطيفٌ في البدن، سارٍ فيه سريان ماء الورد فيه، وعن الأشعريِّ: النَّفس الدَّاخل الخارج (وَمَا أُوتُوا) بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصَّحيحين» (مِنَ العِلْمِ إِلَّا) علمًا، أو إيتاءً ((قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥]) أو إلَّا قليلًا منكم، أي: بالنِّسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران: (هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «هكذا هي في قِرَاءَتِنَا» أي: أُوتوا بصيغة الغائب، قال ابن حجرٍ: وقد أغفلها أبو عبيدٍ في «كتاب القراءات» له من قراءة الأعمش. انتهى. وليست في طرق مجموعي:
стр. 839
المفرد في فنون القراءات عن الأعمش، وهي مخالفة لخطِّ المصحف، وفي روايةٍ: «﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾» بالخطاب موافقةً للمرسوم، وهو خطابٌ عامٌّ، أو خاصٌّ باليهود، ويأتي البحث إن شاء الله تعالى في «الرُّوح» في (١) «كتاب التَّفسير» [خ¦٤٧٢١] والله الموفِّق والمعين، والحمد لله وحده (٢).
(٤٨) هذا (بابُ مَنْ) أي: الذي (تَرَكَ بَعْضَ الاِخْتِيَارِ) أي: فعل الشَّيء المُختَار، أوِ الإعلام به (مَخَافَةَ) بغير تنوينٍ، أي: لأجل خوف (أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا) نُصِبَ بإسقاط النُّون عطفًا على المضارع المنصوب بـ «أن» (فِي أَشَدَّ مِنْهُ) أي: من ترك الاختيار، وفي رواية الأَصيليِّ: «في أشرَّ منه (٣)» بالرَّاء، وفي أخرى لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٤): «في شرٍّ منه» بالرَّاء مع إسقاط الهمزة.
١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ مُوسَى) العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ؛ بفتح المُهمَلَة وكسر المُوحَّدة؛ نسبةً إلى سَبيع بن سبعٍ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النَّخعيِّ، أدرك
стр. 840
الزَّمن النَّبويَّ وليست له رؤيةٌ، وتُوفِّي بالكوفة سنة خمسٍ وسبعين أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله الصَّحابيُّ المشهور: (كَانَتْ عَائِشَةُ) رضي الله تعالى عنها (تُسِرُّ إِلَيْكَ) إسرارًا (كَثِيرًا) مِنَ الإسرار ضدَّ الإعلان، وفي رواية ابن عساكر: «تسرُّ إليك حديثًا كثيرًا» فإن قلت: قوله: «كانت» للماضي و «تسرُّ» للمضارع، فكيف اجتمعا؟ أُجِيب بأنَّ «تسرُّ» تفيد (١) الاستمرار، وذكره بلفظ المضارع استحضارًا لصورة الإسرار (فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي) شأن (الكَعْبَةِ؟) قال الأسود: (قُلْتُ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقلت»: (قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا عَائِشَةُ (٢) لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بتنوين «حديثٌ»، ورفع «عهدُهم» على إعمال الصِّفة (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» (ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ) كأنَّ الأسود نسيَ قولها: «بكفرٍ» فذكره ابن الزُّبير، وأمَّا
стр. 841
التَّالي (١) … وإلى آخره، فيحتمل أن يكون ممَّا نسي أيضًا، أو ممَّا ذكر، ورواه الإسماعيليُّ من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاقَ بلفظ: قلت: حدِّثني حديثًا حفظت أوَّله ونسيت آخره (٢)، وللتِّرمذيِّ كالمؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٥٨٤]: «بجاهليَّةٍ» بدل قوله: «بكفرٍ» (لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ) جواب «لولا» (فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ) منه (النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ) منه، ولأبي ذَرٍّ: «بابًا» في الموضعين؛ بالنَّصب على أنَّه بدلٌ أو بيانٌ لـ «بابين»، وضمير المفعول محذوفٌ من «يدخل» و «يخرجون»، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي (٣)، كما في فرع «اليونينيَّة»: إثبات ضمير الثَّاني وهي: «يخرجون منه» وهي منازعة الفعلين (٤) (فَفَعَلَهُ) أي: النقض المذكور والبابين (ابْنُ الزُّبَيْرِ) وهذه المرَّة الرَّابعة من بناء البيت، ثمَّ بناه الخامسةَ الحجَّاجُ
стр. 842
واستمرَّ، وقد تضمَّن الحديث معنى ما تُرجِم له لأنَّ قريشًا كانت تعظِّم أمر (١) الكعبة جدًّا، فخشي ﷺ أن يظنُّوا -لأجل قرب عهدهم بالإسلام- أنَّه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك. انتهى.
(٤٩) هذا (بابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ) أي: سِوَى قومٍ، لا بمعنى الأدْوَن (كَرَاهِيَةَ) بتخفيف الياء والنَّصب على التَّعليل، مضافٌ لقوله: (أَنْ لَا يَفْهَمُوا) و «أنْ» مصدريَّةٌ، والتَّقدير: لأجل كراهية عدم فَهْم القوم الذين هم سوى القوم الذين خصَّهم بالعلم، ولفظ: «أَنْ» ساقطٌ للأَصيليِّ، وهذه التَّرجمة قريبةٌ من السَّابقة، لكنَّها في الأفعال، وهذه في الأقوال.
١٢٧ - (وَقَالَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالبٍ ﵁: (حَدِّثُوا) بصيغة الأمر، أي: كلِّموا (النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ (٢)) ويدركون بعقولهم، ودَعُوا ما يشتبه عليهم فَهْمه (أَتُحِبُّونَ) بالخطاب (أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟!) لأنَّ الإنسان إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصوَّر إمكانه اعتقد استحالته جهلًا، فلا يصدِّق وجوده، فإذا أُسنِد إلى الله تعالى ورسوله ﷺ لزم ذلك المحذور، و «يُكذَّبَ» بفتح الذَّال على صيغة المجهول.
وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ مُوسَى) العبسيُّ مولاهم، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثنا به» (عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ) بفتح الخاء المُعجَمَة وتشديد الرَّاء المفتوحة وضمِّ المُوحَّدة آخره ذالٌ مُعجَمَةٌ مصروفٌ بـ «اليونينيَّة»، المكيُّ مولى قريشٍ، ضعَّفه ابن معينٍ، وليس له عند المؤلِّف سوى هذا
стр. 843
الحديث (١) وسقط في رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ لفظ «ابن خَرَّبُوذٍ» (عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) بضمِّ الطَّاء وفتح الفاء، عامر بن واثلة، وهو آخر الصَّحابة موتًا (عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ» (٢) أي: بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي المؤلِّف لأنَّه يلتحق بالثُّلاثيَّات؛ من جهة: أن الراويَ الثَّالث -وهو أبو الطُّفيل- صحابيٌّ، وأخَّر المؤلِّف السَّند هنا (٣) عن (٤) المتن ليميِّز بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر، أو (٥) لضعف الإسناد بسبب ابن خَرَّبُوذٍ، أو للتَّفنُّن وبيان الجواز، ومن ثمَّ وقع في بعض النُّسخ مُقدَّمًا، وقد سقط هذا الأثر كلُّه من رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ.
١٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أخبرنا» (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) أي: ابن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة مئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامٌ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا (٦) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ) أي: ابن جبلٍ (رَدِيفُهُ) أي: راكبٌ خلفَه (عَلَى الرَّحْلِ) بفتح الرَّاء وسكون الحاء المُهمَلَتين، وهو للبعير أصغر من القِتْب (٧)، وعند المؤلِّف في «الجهاد»: «أنَّه كان على حمار» [خ¦٢٨٥٦] (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ)
стр. 844
بضمِّ «معاذُ» منادى مفردٌ عَلَمٌ، واختاره ابن مالكٍ لعدم احتياجه إلى تقديرٍ، ونصبه على أنَّه مع ما بعده كاسمٍ واحدٍ مُركَّبٍ، كأنَّه أُضِيف، وهذا اختاره ابن الحاجب، والمُنادَى المُضَاف منصوبٌ فقط (قَالَ) أي: معاذ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) ﵊: (يَا مُعَاذُ، قَالَ) أي: معاذٌ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا) يعني: أنَّ نداءه ﵊ لمعاذٍ وإجابة معاذٍ قِيلَ ثلاثًا (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) شهادةً (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) والجارُّ والمجرور الأوَّل -وهو «من قَلْبِهِ» - يتعلَّق (١) بقوله: «صدقًا»،
стр. 845
أو بقوله: «يشهد»، فعلى الأوَّل الشَّهادة لفظيَّةٌ، أي: يشهد بلفظه ويصدِّق بِقَلْبِه، وعلى الثَّاني قلبيَّةٌ، أي: يشهد بقلبه ويصدِّق بلسانه (١)، واحتُرِز به عن شهادة المنافقين، فإن قلت: إنَّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشَّهادتين النَّار لِمَا فيه من التَّعميم والتَّأكيد، وهو مُصادِمٌ للأدلَّة القطعيَّة الدَّالَّة على دخول طائفةٍ من عُصَاة الموحِّدين النَّارَ، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة، أُجِيب: بأنَّ هذا مُقيَّدٌ بمن يأتي بالشَّهادتين تائبًا، ثمَّ يموت على ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم هنا: تحريم الخلود، لا أصل الدُّخول، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، إذِ الغالب أنَّ الموحِّدَ يعمل بالطَّاعات ويجتنب المعاصي، أو من قال ذلك مؤدِّيًا حقَّه وفرضه، أوِ المُرَاد: تحريم النَّار على اللِّسان النَّاطق بالشَّهادتين (٢) كتحريم مواضع السُّجود.
(قَالَ) معاذٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا) بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتَّقدير: أقلت ذلك فلا (٣) (أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟) نُصِبَ بحذف النُّون، والتَّقدير: فأن