(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارثِ بنِ رِبْعِيٍّ، وقيل: اسمه النُّعمان، فارسُ رسولِ الله ﷺ ، أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ «معَ رسولِ الله» (¬ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا التَقَيْنَا) مع المشركين (كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ) أي: لبعضهم غيرَ رسولِ الله ﷺ ومن معه (جَوْلَةٌ) بالجيم، أي: تقدُّمٌ وتأخُّرٌ، وعبَّر بذلك احترازًا عن لفظِ الهزيمة (فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ) أي: أشرف على قتلهِ، ولم يسمّ الرَّجلان (فَضَرَبْتُهُ) أي: المشرك (مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) أي: عصبَ عاتقهِ، عند موضع الرِّداء من العنق (بِالسَّيْفِ) ولأبي ذرٍّ «بسيفٍ» (فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ) الَّذي هو لابسهُ (وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ) أي: شدَّة كشدَّة الموت (ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ فَأَرْسَلَنِي) أي: أطلقني (فَلَحِقْتُ عُمَرَ) زاد أبو ذرٍّ «ابن الخطَّاب» (فَقُلْتُ) له: (مَا بَالُ النَّاسِ) منهزمين؟ (قَالَ: أَمْرُ اللهِ أي: هذا الَّذي أصابهم حكمُ اللهِ وقضاؤه (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: المسلمين بعد الانهزام (وَجَلَسَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فجلسَ» (النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا) أوقعَ القتلَ على المقتولِ باعتبار مآلِهِ، كقوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) قال أبو قتادةَ: (فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي) بقتلِ ذلك الرَّجل؟ (ثُمَّ جَلَسْتُ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: من قتل قتيلًا له عليه بيِّنة فله سلبه، وقوله: «فقال … » إلى آخره، ثابتٌ لأبي ذرٍّ (قَالَ) أبو قتادة (١): (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ) (٢) وسقط لأبي ذرٍّ «قال، ثمَّ قال النَّبيُّ ﷺ … » إلى آخر «فقمت» (فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي (٣)؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ) ﵊: (مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟) فَأَخْبَرْتُهُ بذلك (فَقَالَ رَجُلٌ) هو أسودُ بنُ خُزَاعِيٍّ (٤) الأسلميُّ كما قاله الواقديُّ (صَدَقَ) يا رسول الله (وَسَلَبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ) بقطع الهمزة (مِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «منه».
стр. 7912
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (لَاهَا اللهِ) بقطع الهمزة ووصلها وكلاهما مع إثبات ألف «ها» وحذفها، فهي أربعة: النُّطق بلام بعد «ها» التَّنبيه من غيرِ ألفٍ ولا همزٍ، وبألفٍ من غير همزٍ، وبالألف وقطع الجلالةِ، وبحذف الألف وثبوت همزةِ القطعِ، والمشهور في الرِّواية: الأوَّل والثَّالث، أي: لا والله (إِذًا) بالتنوين وكسر الهمزة، ومباحث هذا بتمامها سبقت في «باب من لم يخمِّسِ الأسلاب» [خ¦٣١٤٢]. وقال في «شرح المشكاة»: هو كقولك لمن قال لك: افعلْ كذا، فقلت: لا والله، إذًا لا أفعل، فالتَّقدير: إذًا (لَا يَعْمِدُ) بكسر الميم، أي: لا يقصدُ ﷺ (إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ) بضم الهمزة وسكون السين في الثَّاني، أي: إلى رجُل كأنَّه أسدٌ في الشَّجاعة (يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ¬) أي: بسببها (فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ) أي: سلبَ الَّذي قتله بغير طيبِ نفسه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ) أبو بكرٍ (فَأَعْطِهِ) بهمزة قطع.
قال الحافظُ أبو عبدِ الله الحميديُّ الأندلسيُّ: سمعتُ بعضَ أهل العلمِ يقولُ عند ذكر هذا الحديث: لو لم يكنْ من فضيلةِ الصِّدِّيق ﵁ إلَّا هذا، فإنَّه بثاقبِ علمه، وشدَّة صرامتهِ، وقوَّة إنصافهِ، وصحَّة توفيقهِ، وصدقِ تحقيقهِ بادرَ إلى القولِ الحقِّ، فزجرَ وأفتى، وحكمَ وأمضى، وأخبرَ في الشَّريعة عنه ﷺ بحضرتهِ وبين يديهِ بما صدَّقه فيه، وأجراهُ على قوله، وهذا من خصائصهِ الكبرى، إلى ما لا يُحصى من فضائلهِ الأخرى.
قال أبو قتادةَ: (فَأَعْطَانِيهِ) أي: السَّلب (فَابْتَعْتُ) أي: اشتريتُ (بِهِ مَخْرَفًا) بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة وبعد الراء فاء، أي: بستانًا (فِي بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، بطنٌ من الأنصار (فَإِنَّهُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ «وإنَّه» (لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) اقتنيتُهُ (فِي الإِسْلَامِ).
وعند أحمدَ عن أنسٍ: أنَّ هوازنَ جاءت يومَ حُنين … فذكر القصَّة. قال: فهزمَ الله المشركين، فلم يُضربْ بسيفٍ، ولم يُطعنْ برُمْحٍ، وقال رسول الله ﷺ يومئذٍ: «من قتلَ كافرًا فله سلبه» فقتل أبو طلحةَ يومئذ عشرين راجلًا وأخذ أسلابَهُم، وقال أبو قتادةَ: إنِّي قتلتُ (١) رجلًا على حبلِ العاتقِ وعليه درعٌ فأعجلتُ عنه. فقام رجلٌ فقال: أخذتها، فأرضه منها. وكان رسول الله ﷺ لا يُسأل شيئًا إلَّا أعطاه أو سكتَ، فسكتَ فقال عمر: لا يفيئها اللهُ على أسدٍ من أُسْده ويعطيكَها.
стр. 7913
فقال النَّبيُّ ﷺ : «صدقَ عُمر». وإسنادُ هذا الحديث أخرج به مسلم بعض هذا الحديث، وكذلك أبو داود، ولكن الرَّاجح: أنَّ الذي قال ذلك أبو بكرٍ -كما رواه أبو قتادة- وهو صاحب القصَّة، فهو أتقنُ لما وقع فيها من غيره، ويمكن أن يجمعَ بأنْ يكون عمر أيضًا قال ذلك، تقويةً لقول أبي بكرٍ، قاله في «فتح الباري».
وحديث الباب مرَّ في «باب من لم يخمِّس الأسلاب» من «الخمس» [خ¦٣١٤٢].
٤٣٢٢ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ، فيما وصلهُ المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦٧١٧٠] عن قتيبةَ عن اللَّيث: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ) بضم العين، مولى أبي أيُّوبَ (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافع (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَآخَرُ مِنَ المُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ) بخاء معجمة ساكنة وفوقية مكسورة، أي: يخدعهُ (مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي، وَأَضْرِبُ) بواو فهمزة (١) قطع، ولأبي ذرٍّ «فأضرب» (يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا، ثُمَّ أَخَذَنِي فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ) الموتَ، فحذف المفعول (ثُمَّ
стр. 7914
تَرَكـ) نِي من التَّركِ، كذا في الفَرْع كأصلهِ مصحَّحًا عليه مع حذف المفعول. وقال في «فتح الباري» وغيرِه «بركَ» كذا بالموحدة للأكثر، ولبعضهم بالمثناة (فَتَحَلَّلَ، وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ، وَانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ) أي: غير النَّبيِّ ﷺ ومن معه (فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي النَّاسِ) الَّذين لم ينهزموا (فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللهِ) أي: هذا حكمه (ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ) الَّذين انهزموا (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ) قال أبو قتادةَ: (فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا) أي: ظهرَ (لِي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: سِلَاحُ هَذَا القَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ) أبو قتادةَ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «الَّذي ذكره» (عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (كَلَّا) بكاف ولام مشددة، حرفُ ردعٍ (لَا يُعْطِهِ) أي: السَّلب (أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ) بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة وسكون التحتية وكسر الموحدة بعدها غين معجمة، وصفه بالعجزِ والهوانِ تشبيهًا بالأُصَيْبِغ (١)؛ وهو نوع من الطُّيورِ، وقيل: شبَّههُ بالصَّبغاءِ؛ وهو نبتٌ ضعيفٌ كالثُّمَام، ولأبي ذرٍّ -كما ذكره في «الفتح» -: «أُضيبع» كذا في «اليونينية» (٢) بمعجمة ثم مهملة (٣) وفوق العين نصبتين، تصغير «ضبع» شبَّهَهُ به لضعفِ افتراسهِ، وما يوصفُ به من العجزِ، قيل: وهو مناسبٌ للسياقِ حيثُ قال: (وَيَدَعَ (٤)) أي: يترك (أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ) (٥) واعترضَ بأنَّ تصغير ضبع: ضُبيع، لا أُضيبع. وقال ابن مالك: أُضيبِعُ تصغير أَضبع؛ وهو القصيرُ الضَّبع، أي: العضد، ويكنَّى به عن الضَّعيفِ. وقال الحافظ أبو ذرٍّ الهرويُّ: يقال: «أُصيبع» -بالصاد والعين المهملتين- «وأُصَيبغ» -بالصاد المهملة والغين المعجمة- (يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَدَّاهُ) أي: السِّلاح (إِلَيَّ) بتشديد التحتية (فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ) بثمنهِ (خِرَافًا) بكسر الخاء المعجمة. قال السَّفاقسيُّ: هو اسم
стр. 7915
ما يُخْترفُ، أقامَ الثَّمرةَ مقامَ الأصلِ، وقيل: الخرافُ المَخْرف (١)، والمخرفُ لا يكونُ جنَى النَّخلِ وإنَّما هو النَّخلُ نفسها (٢)، والثَّمرُ يسمَّى مَخْرُوفًا، والمرادُ هنا: البستانُ (فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) اقتنيته (فِي الإِسْلَامِ) وعند ابنِ إسحاق: أوَّل مالٍ اعتقدتهُ، أي: جعلتُهُ عقدَةً، والأصلُ فيه من العقدِة؛ لأنَّ من ملكَ شيئًا عقدَ عليهِ، وذكرَ الواقديُّ أنَّ البستانَ المذكور كان يقالُ له: الوَدِّيَّيْنِ.
(٥٥) (بابُ غَزَاةِ أَوْطَاسٍ) ولأبي ذرٍّ «غزوة» بالواو بدل الألف، و «أَوْطاس»: بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها طاء وسين مهملتان بينهما ألف، وادٍ في ديارِ هوازن، وفيه عسكروا هم وثقيف، ثمَّ التَقوا بحنين، وسقطَ لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
стр. 7916
٤٣٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بنِ كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة وفتح الراء (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بنِ قيس (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ) وقعةِ (حُنَيْنٍ، بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ) عبيدَ بنَ سُليم بنِ حضَّارٍ الأشعريَّ -وهو عمُّ أبي موسى الأشعريِّ على المشهور- أميرًا (عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ) في طلب الفارِّين من هوازن يوم حنين إلى أوطاسٍ، فانتهى إليهم (فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ) بضم الدال مصغَّر الدَّرْد -بالمهملتين والراء- و «الصِّمَّة»: بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم، الجُشَميَّ -بالجيم المضمومة والشين المعجمة المفتوحة- (فَقُتِلَ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (دُرَيْدٌ) قتله ربيعَةُ بن رُفَيع بنِ وهبانَ بنِ ثعلبةَ السُّلميُّ، فيما جزمَ به ابنُ إسحاق، أو هو الزُّبير بنُ العوَّام، كما يشعر به حديث عند البزَّار عن أنس بإسنادٍ حسنٍ (وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ) أي: أصحاب دريدٍ.
(قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ: (وَبَعَثَنِي) رسولُ الله ﷺ (مَعَ أَبِي عَامِرٍ) عبيدٌ، أي: عمَّه، إلى من التجأ إلى أوطاس (فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ) أي: رماهُ رجل جُشَمِيٌّ -بجيم مضمومة فشين معجمة مفتوحة وميم مكسورة فياء-، نسبة لبني جُشم، وهم أَوفى والعلاء ابنا الحارث، كما عند ابن هشامٍ (بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ) بقطع الهمزة، أي: السَّهم (فِي رُكْبَتِهِ) قال أبو موسى: (فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ) له: (يَا عَمِّ، مَنْ رَمَاكَ) بهذا السَّهم؟ (فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى) هو التفاتٌ، وكان الأصل أن يقول: فأشار إليَّ (فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي) قال أبو موسى: (فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى) بفتح الواو واللام المشددة، أي: أدبرَ (فَاتَّبَعْتُهُ) بتشديد الفوقية وهمزة الوصل، سرتُ (١) في أثرهِ (وَجَعَلْتُ
стр. 7917
أَقُولُ لَهُ: أَلَا) بالتخفيف (تَسْتَحِي) بكسر الحاء المهملة، ولأبي ذرٍّ «تستحيِي» بسكونها وزيادة تحتية مكسورة، أي: من فراركَ (أَلَا تَثْبُتُ) عند اللِّقاءِ (فَكَفَّ) عن التَّولِّي (فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ: قَتَلَ اللهُ صَاحِبَكَ. قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ) بوصل الهمزة وكسر الزاي (فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا) بالنون والزاي من غير همزٍ، أي: انصبّ (مِنْهُ) من موضع السَّهم (المَاءُ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أَقْرِئِ النَّبِيَّ ﷺ السَّلَامَ) عنِّي (وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي) كذا بالياء مصحَّحًا عليه بالفَرْع كأصله، و «استغفرْ» بلفظ الطَّلب، والمعنى: أنَّ أبا عامرٍ سألَ أبا موسى أن يسألَ له النَّبيَّ ﷺ أن يستغفرَ له. قال أبو موسى: (وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ) أميرًا (فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ) ﵁، ثمَّ قاتلهم أبو موسى حتَّى فتح الله عليه. قال: (فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ) حال كونه (عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ) بضم الميم الأولى وفتح الثانية بينهما راء ساكنة، ولأبي ذرٍّ «مرَمَّل» بفتح الراء والميم الثانية مشددة، منسوجٍ بحبل ونحوه (وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ) نقل السَّفاقسيُّ عن الشَّيخ أبي الحسن أنَّه قال: الذي أحفظهُ في هذا: ما عليهِ فراشٌ. قال: وأرى أنَّ «ما» سقطتْ هنا (قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ) بفتح الموحدة على التثنية (١) (فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَ) أنَّه (قَالَ: قُلْ لَهُ) ﷺ (اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا) ﵊ (بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ، وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) فيه: رفعُ اليدين في الدُّعاء، خلافًا لمن خصَّه بالاستسقاءِ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ) في المرتبة (يَوْمَ القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ) بيانٌ لسابقهِ؛ لأنَّ الخلق أعمُّ، ولأبي ذرٍّ «ومن النَّاس» قال أبو موسى: (فَقُلْتُ: وَلِي فَاسْتَغْفِرْ) يا رسول الله (فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَُدْخَلًا كَرِيمًا) ويجوز فتح ميم «مدخلًا»، وكلاهما بمعنى المكان والمصدر. و «كريمًا»: حسنًا.
(قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) عامرٌ بالسَّند السَّابق: (إِحْدَاهُمَا) أي: الدَّعوتان (لأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِي مُوسَى).
стр. 7918
(٥٦) (بابٌ غَزْوَةُ الطَّائِفِ) قال في «القاموس»: هي بلادُ ثقيفٍ في وادٍ أوَّل قراها لُقَيمٌ، وآخرها الوَهْط، سمِّيت بذلك لأنَّها طافَت على الماءِ في الطُّوفان، أو لأنَّ جبريل طاف بها على البيتِ، أو لأنَّها كانت بالشَّام فنقلَها الله تعالى إلى الحجازِ بدعوة إبراهيمَ الخليل ﵊، أو لأنَّ رجلًا من الصَّدَف أصابَ دمًا بحضرموتَ ففرَّ إلى وَجٍّ، وحالفَ مسعودَ بنَ مُعَتِّبٍ، وكان له مالٌ عظيمٌ، فقال: هل لكم أنْ أبنيَ لكم طوفًا عليكم رِدءًا من العربِ؟ فقالوا: نعم، فبناهُ وهو الحائطُ المطيف به، وسقطَ لفظ «باب» لأبي ذرٍّ (فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ) من الهجرةِ (قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقَبْةَ) في «مغازيه» كجمهورِ أهل المغازي.
٤٣٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بنُ الزُّبير، أنَّه (سَمِعَ سُفْيَانَ) بنَ عُيينة يقول: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) عبدِ الله بنِ عبدِ الأسدِ المخزوميِّ (عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ) هندِ بنت أميَّة المخزوميَّةَ أمِّ المؤمنين ﵂، أنَّها قالت: (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي مُخَنَّثٌ) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والنون بعدها مثلثة وبكسر النون أفصح، والفتح أشهر، وهو من فيه انخناثٌ، أي: تكسُّرٌ وتثنٍّ كالنِّساء (فَسَمِعْتُهُ) وللأَصيليِّ «فسمعهُ (١)» (يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُمَيَّةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «ابنِ أَبِي أُميَّة»: (يَا عَبْدَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَعَلَيْكَ
стр. 7919
بِابْنَةِ غَيْلَانَ) ابنِ سلمةَ (١)، باديَة -بتحتية مفتوحة بعد الدال المهملة- وقيل: بالنون بدل التحتية، أسلمتْ وسألت رسولَ الله ﷺ عن الاستحاضة، وتزوَّجها عبدُ الرَّحمن بن عوف، وأسلمَ أبوها أيضًا بعد فتح الطَّائف (فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ) من العُكن (وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ) منها، والعُكنة -بضم العين-: ما انطوى وتثنَّى من لحم البطنِ سمنًا، والمرادُ: أنَّ أطراف العُكنِ الأربع التي في بطنها تظهرُ ثمانيةٌ في جنبيها.
قال الزَّركشيُّ وغيرُه: وقال: «بثمانٍ» (٢) ولم يقل: بثمانية، والأطرافُ مذكَّرةٌ؛ لأنَّه لم يذكرها، كما يقال: هذا الثَّوبُ سبعٌ في ثمانٍ، أي: سبعةُ أذرعٍ في ثمانيةِ أشبارٍ، فلمَّا لم يذكرِ الأشبارَ أنَّث لتأنيثِ الأذرعِ الَّتي قبلها. انتهى.
قال في «المصابيح»: أحسنُ من هذا أنَّه جعلَ كلًّا من الأطراف عكنةً، تسميةً للجزءِ باسم الكلِّ، فأنَّث بهذا الاعتبار.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَدْخُلَنَّ) بسكون اللام وفتحها (٣) (هَؤُلَاءِ) المخنَّثونَ (عَلَيْكُنَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «عليكم» «بالميم» بدل: «النون»، ثمَّ أجلاهُ من المدينةِ إلى الحِمَى (٤)، فلمَّا ولي عمرُ بن الخطَّاب الخلافةَ، قيل له: إنَّه قد ضعُفَ وكبُرَ فاحتاجَ، فأذنَ له أن يدخلَ (٥) كلَّ جمعةٍ، فيسألُ النَّاس ويردُّ إلى مكانهِ.
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ «وقال»: (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ: (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملكِ بنُ عبد العزيز: (المُخَنَّثُ) اسمه: (هِيْتٌ) بكسر الهاء وسكون التحتية بعدها فوقية، وهذا وصله ابنُ حبَّان في «صحيحه» من حديث عائشة، وضبطهُ ابن دَرَسْتويه: بهاء مكسورة فنون ساكنة فموحدة. وزعم أنَّ ما سواهُ تصحيفٌ، وقيل: هيتٌ لقبٌ له، واسمه: ماتعٌ -بفوقية وعين مهملة- وهو مولى عبد الله بن أبي أميَّة المذكور.
стр. 7920
وهذا الحديثُ أخرجه في «النِّكاح» أيضًا [خ¦٥٢٣٥] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٨٧]، ومسلم في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «عشرةِ النِّساء»، وابن ماجه في «النِّكاح».
وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابنُ غَيلان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ) بالسَّند المذكور (بِهَذَا) الحديث السَّابق (وَزَادَ: وَهْوَ مُحَاصِرٌ الطَّائِفَ يَوْمَئِذٍ).
٤٣٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ دينار (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) السَّائبِ بنِ فرُّوخ (الشَّاعِرِ الأَعْمَى) المكيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو) بفتح العين وسكون الميم، ابنِ العاص، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ابن عُمَر» بضم العين وفتح الميم «ابن الخطَّاب» وصوَّبهُ الدَّارقطنيُّ وغيرُه، والاختلافُ في ذلك غيرُ قادحٍ في الحديث، كما لا يخفى (قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّائِفَ) و (١) كانت ثقيفٌ قد رمَّوا حِصنهم، وأدخلوا فيه ما يُصلحهم لسنةٍ، فلمَّا انهزموا من أَوْطاس
стр. 7921
دخلوا حصنَهم وأغلقوهُ عليهم. قال ابنُ سعدٍ: وكانت مدةُ حصارِهِم ثمانيةَ عشرَ يومًا، وقيل: خمسةَ عشرَ يومًا. وقال ابنُ هشام: سبعةَ عشرَ، وقيل: أربعينَ يومًا، وقيل غير ذلك (فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا) وذكر أهلُ المغازي: أنَّهُم رموا على المسلمينَ سككَ الحديدِ المحمَّاةِ، ورموهُم بالنَّبلِ، فأصابوا قومًا، فاستشار ﷺ نوفلَ بن معاويةَ الدِّيليَّ، فقال: هم ثعلبٌ في جُحْرٍ، إنْ أقمتَ عليهِ أخذتهُ، وإن تركتهُ لم يضرَّكَ (قَالَ) ﵊: (إِنَّا قَافِلُونَ) أي: راجعونَ إلى المدينةِ (إِنْ شَاءَ اللهُ، فَثَقُلَ) ذلك (عَلَيْهِمْ) أي: على الصَّحابةِ (وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ، وَقَالَ مَرَّةً: نَقْفُلُ) بضم الفاء، أي: نرجعُ (فَقَالَ) ﷺ : (اغْدُوا عَلَى القِتَالِ) أي: سيروا أوَّل النَّهارِ لأجلِ القتالِ (فَغَدَوْا) فلم يفتح عليهم (فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ) لأنَّهم رموا عليهم من أعلى السُّورِ، فكانوا ينالونَ منهم بسهامِهِم، ولا تصلُ السِّهام إليهم (١)؛ لكونهم أعلى السُّور، فلمَّا رأوا ذلك تبيَّنَ لهم تصويبُ الرُّجوع (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ) (فَأَعْجَبَهُمْ) ذلك حينئذٍ (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ سُفْيَانُ) ابنُ عُيينة (مَرَّةً: فَتَبَسَّمَ) ﵊، وهذا ترديدٌ من الرَّاوي.
(قَالَ) أي: المؤلِّف: (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بنُ الزُّبير شيخُ البخاريِّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (الخَبَرَ كُلَّهُ) بالنصب، أي: بجميعِ الحديث بالخبرِ من غير عنعنةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٢) «بالخبرِ كلِّه». وقد أخرج الحديث أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٨٦]، ومسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
стр. 7922
٤٣٢٦ - ٤٣٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالشين المعجمة المشددة، بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمدُ بنُ جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ) عبدَ الرَّحمن النَّهديَّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا) هو ابنُ أبي وقَّاصٍ أحدُ العشرةِ (وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَبَا بَكْرَةَ) نُفَيعًا (وَكَانَ تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ) أي: صعدَ إلى أعلاهُ، ثمَّ تدلَّى منه (فِي أُنَاسٍ) من عَبيدِ أهل الطَّائفِ أسلموا (فَجَاءَ) أي: أبو بكرةَ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَا: سَمِعْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنِ ادَّعَى) أي: من انتسب (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُ) أنَّه غيرُ أبيه (فَالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) إذا استحلَّ ذلك، أو خرجَ مخرجَ التَّغليظ.
(وَقَالَ هِشَامٌ) هو ابنُ يوسفَ الصَّنعانيُّ (وَأَخْبَرَنَا) وسقطَتْ الواو لأبي ذرٍّ (مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ الأزديُّ مولاهم (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيع -بضم الراء وفتح الفاء- ابنِ مهرانَ الرِّياحيِّ (أَوْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء، بالشَّكِّ من الرَّاوي، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا) هو ابنُ أبي وقَّاص (وَأَبَا بَكْرَةَ) نُفَيعًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ عَاصِمٌ: قُلْتُ) لأبي العاليةِ، أو لأبي عثمانَ: (لَقَدْ شَهِدَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ) سعد وأبو بكرة (حَسْبُكَ بِهِمَا. قَالَ: أَجَلْ) أي: نعم (أَمَّا أَحَدُهُمَا) وهو سعدٌ (فَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الآخَرُ) وهو أبو بكرةَ (فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الطَّائِفِ) أي: من أهلهِ.
وعند الطَّبرانيِّ: أنَّ أبا بكرةَ تدلَّى ببكرةٍ، فَكُنِّيَ أبا بكرةَ لذلك (١)، وسمِّي في السِّير ممن نزلَ من حصنِ الطَّائفِ من عبيدِهم، فأسلمَ مع أبي بكرةَ المنبعثُ عبدُ عثمانَ بن عامرِ بن معتِّبِ، ومرزوقٌ والأزرقُ زوجُ سميَّةَ والدة زياد بن عُبيد، والأزرقُ أبو عقبةَ (٢) وكان لكِلْدةَ الثَّقفيِّ، ووردانُ وكان لعبدِ الله بن ربيعةَ، ويُحَنَّسُ النَّبَّال وكان لابن مالكٍ الثَّقفيِّ، وإبراهيمُ
стр. 7923
بنُ جابرٍ وكان لخَرَشَةَ الثَّقفيِّ، وبشَّارٌ وكان لعثمانِ بنِ عبدِ الله، ونافعٌ مولى الحارثِ بن كِلْدةَ، ونافعٌ مولى غيلانَ بنِ سلمةَ الثَّقفيِّ. قال في «الفتح»: ولم أعرفْ اسم الباقين. قال: ولم يقعْ لي هذا التَّعليقُ موصولًا إلى هشامِ بنِ يوسفَ، ومرادُ المؤلِّف منه ما فيه مِن بيانِ عدد مَن أُبْهمَ في الرِّواية السَّابقة.
٤٣٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بنِ كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامةَ (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة، عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بنِ قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ نَازِلٌ بِالجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين، وقد تكسر العين وتشدد الراء (بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ) كذا وقع هنا، قال الدَّاودِيُّ: وهو وهمٌ، والصَّوابُ: بين مكَّة والطَّائف، وبه جزمَ النَّوويُّ وغيره (وَمَعَهُ بِلَالٌ) المؤذِّن (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ) قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ) أي: ألا توفِّي (لِي مَا وَعَدْتَنِي؟) من غنيمةِ حنينٍ، أو كان ذلك وعدًا خاصًا به (فَقَالَ) ﷺ (لَهُ: أَبْشِرْ) بقطع الهمزة، بقرب القسمة، أو بالثَّوابِ الجزيلِ على الصَّبر (فَقَالَ) الأعرابيُّ: (قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ) ﵊ (عَلَى أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (وَبِلَالٍ) المؤذِّن (كَهَيْئَةِ الغَضْبَانِ، فَقَالَ) لهما: (رَدَّ) الأعرابيُّ (البُشْرَى فَاقْبَلَا) بفتح الموحدة (أَنْتُمَا) البُشرى (قَالَا: قَبِلْنَا) ها يا رسول الله (ثُمَّ دَعَا) ﵊ (بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ) بالتَّثنية (وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا) بقطع الهمزة
تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ) ليرى النَّبيَّ ﷺ حال نزولِ الوحي؛ لتقويةِ الإيمانِ بمشاهدتهِ (فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِطُّ) بكسر المعجمة وتشديد المهملة، يتردَّدُ صوتُ نَفَسهِ كالنَّائم من شدَّة ثقلِ الوحي (كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) أي: كشفَ عنه ما يتغشَّاه (١) من ثقلِ الوحي (فَقَالَ) ﵊: (أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ العُمْرَةِ آنَفًا؟ فَالتُمِسَ) بضم التاء وكسر الميم، طُلِب (الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ) بضم الهمزة وكسر التاء (فَقَالَ) ﵊: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) نصٌّ في تكرارِ الغسلِ ثلاثًا، فالعاملُ في قولهِ: «ثلاثَ مرَّاتٍ» أقربُ الفعلين إليهِ؛ وهو «فاغسلهُ» أو العاملُ فيه: «فقال» أي: قال لهُ ثلاثَ مراتٍ: اغسلْ الثَّوب، فلا يكون تنصيصًا على تثليثِ الغسل، وكانت القصَّة بالجِعْرَانة سنة ثمانٍ، وقد قالت عائشةُ ﵂: طيبْتُه في حجَّةِ الوداعِ، أي: سنة عشر، فهو ناسخٌ للأوَّل (وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا) عنك (ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) فيه دَلالةٌ على أنَّه يعرفُ أعمال الحجِّ.
وقد سبقَ هذا الحديث في «كتاب الحج» في: «باب غسل الخلوق» [خ¦١٥٣٦].
٤٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابنُ خالدٍ البصريُّ (قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين، ابنِ عمارةَ الأنصاريُّ
стр. 7926
المازنيُّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابنِ كعبٍ الأنصاريِّ المازنيِّ، صحابيٌّ (١) مشهور. قيل: إنَّه هو الَّذي قتل مسيلمةَ الكذَّاب، واستشهدَ بالحرَّة سنة ثلاثٍ (٢) وستين، أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ¬) أي: لمَّا أعطاهُ الله غنائمَ الَّذين قاتلهم (يَوْمَ حُنَيْنٍ) وسقطَت التَّصلية لأبي ذرٍّ (قَسَمَ) ﵊ الغنائمَ (فِي النَّاسِ فِي المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) بدل بعضٍ من كلٍّ، و «المؤلَّفة» هم أناسٌ أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا.
وقد سردَ ابنُ طاهر في «المبهمات» له أسماؤهم وهم: أبو سفيان بن حربٍ، وسُهَيلُ بنُ عمرو، وحويطبُ بنُ عبدِ العزَّى، وحكيمُ بنُ حزامَ، وأبو السَّنابلِ بن بَعْكَكٍ، وصفوانُ بنُ أميَّة، وعبد الرَّحمن بنُ يَربوعٍ، وهؤلاءِ من قريش. وعيينةُ بنُ حصنٍ الفزاريُّ، والأقرعُ بنُ حابسٍ التَّميميُّ، وعَمرو بن الأيهمِ التَّميميُّ، والعبَّاسُ بن مرداسٍ السُّلميُّ، ومالكُ بنُ عوفٍ النَّضريُّ، والعلاءُ بنُ حارثةَ الثَّقفيُّ. قال ابن حجرٍ: وفي ذكر الأخيرينِ نظرٌ، فقيل: إنَّما جاءا طائعينَ من الطَّائفِ إلى الجِعْرانة.
وذكر الواقديُّ في «المؤلَّفة»: معاويةَ ويزيدَ ابني أبي سفيانَ، وأسيدَ بنَ حارثةَ، ومخرمةَ بنَ نوفلٍ، وسعيدَ بنَ يربوع، وقيسَ بن عديٍّ، وعَمرو بن وهبٍ، وهشامَ بن عمرو. وزاد ابنُ إسحاق: النَّضرَ بن الحارث، والحارثَ بنَ هشام، وجبيرَ بنَ مطعمٍ. وممَّن ذكرهُ فيهم أبو عمرو (٣): سفيانُ بنُ عبد الأسدِ، والسَّائبُ بن أبي السَّائب، ومطيعُ بن الأسودِ، وأبو جهم بن حذيفةَ. وذكر ابنُ الجوزيِّ فيهم: زيدَ الخيل، وعلقمةَ بن علاثةَ، وحكيمَ بنَ طلق بنِ سفيانَ بنِ
стр. 7927
أميَّةَ، وخالدَ بن قيسٍ السَّهميَّ، وعميرَ بن مرْداس. وذكرَ غيرهم فيهم: قيسَ بنَ مخرمةَ، وأُحيحةَ بن أميَّة بنِ خلفٍ، وابنَ أبي شريقٍ، وحرملةَ بنَ هوذةَ، وخالدَ بنَ هوذةَ، وعكرمةَ بن عامرٍ العبديَّ، وشيبةَ بن عمارةَ، وعَمرو بنَ ورقةَ، ولبيدَ بنَ ربيعةَ، والمغيرةَ بنَ الحارثِ، وهشامَ بن الوليدِ المخزوميَّ. فهؤلاءِ زيادةٌ على الأربعينَ نفسًا. قاله في «الفتح».
(وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا) من جميعِ الغنيمةِ، فهو مخصوصٌ بهذه الواقعة ليتألَّفَ مسلمةَ الفتح، وفي «المفهم»: أنَّ العطاءَ كان من الخُمُسِ، ومنه كان أكثر عطاياه، وقيل: إنَّما كان تصرَّفَ في الغنيمةِ لأنَّ الأنصارَ كانوا انهزموا، فلم يرجعوا حتَّى وقعتِ الهزيمةُ على الكفَّار، فردَّ الله أمرَ الغنيمة لنبيِّه ﵊ (فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا) بفتح الواو والجيم، حزِنُوا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «وُجُدٌ» بضمتين جمع: وَاجِدٍ (إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ) من القسمةِ. وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي «أو كأنَّهم وجدوا إذ لم يُصبهم ما أصابَ النَّاس» بالشَّكِّ هل قال: «وُجُدٌ» -بضمتين- أو: «وَجَدُوا» فعل ماض؟ وأمَّا على روايةِ الكُشمِيهنيِّ: «وَجَدُوا» في الموضعين؛ فتكرارٌ بغير فائدةٍ كما لا يخفَى، وجوَّزَ الكِرْمانيُّ -وتبعهُ بعضهم- أن يكون الأوَّلُ من الغضبِ، والثَّاني من الحزنِ (فَخَطَبَهُمْ) ﵊، زاد مسلمٌ: «فحمد الله وأثنى عليه» (فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى، بالشِّركِ (فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي) إلى الإيمانِ؟! (وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ) بسببِ حربِ بُعاث وغيره الواقع بينهم (فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي؟! وَعَالَةً) ولأبي ذرٍّ «وكنتُم عَالَةً» بالعين المهملة وتخفيف اللام، أي: فقراءَ لا مال لكم (فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟! كُلَّمَا قَالَ) ﷺ (شَيْئًا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) بفتح الهمزة وتشديد النون، أفعل تفضيل، من المنِّ (قَالَ) ﵊: (مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟! قَالَ) وسقطَتْ التَّصلية ولفظُ «قال» لأبي ذرٍّ (كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا). وفي حديثِ أبي سعيد: فقال: «أَمَا واللهِ لو شئتُم لقلتُم فصدَقْتُم وصُدِّقْتُم: أتيتَنَا مكذَّبًا فصدَّقناكَ، ومخذولًا فنصرناكَ، وطريدًا فآويناكَ، وعائلًا فواسيناكَ» زاد أحمدُ من حديثِ أنسٍ: قالوا: بل المنَّة لله ولرسولهِ،
стр. 7928
وإنَّما قال ﷺ ذلك تواضعًا منه، وإلَّا ففي الحقيقة الحجَّةُ البالغةُ (١) والمنَّةُ له عليهم كما قالوا. (أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ) اسما جنسٍ يقعُ كلٌّ منهما على الذَّكر والأنثى (وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟!) ذكَّرهم ما غفلوا عنه من عظيمِ ما اختصُّوا بهِ منه بالنِّسبة إلى ما اختصَّ به غيرهم من عرضِ الدُّنيا الفانيةِ، وسقطَتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ) قالهُ استطابةً لنفوسهم وثناءً عليهم، وليس المرادُ منه الانتقال عن النَّسبِ الولاديِّ؛ لأنَّه حرامٌ، مع أنَّ نسبه ﵊ أفضلُ الأنسابِ وأكرمها، وهو تواضعٌ منه ﵊، وحثٌّ على إكرامِهم واحترامِهم، لكن لا يبلغُونَ درجةَ المهاجرينَ السَّابقينَ الَّذين خرجوا من ديارِهم، وقطعوا عن أقارِبِهم وأحيائِهِم، وحُرِموا أوطانَهُم وأموالهم، والأنصارُ وإن اتَّصفُوا بصفةِ النُّصرة والإيثارِ والمحبةِ والإيواءِ، لكنَّهم مقيمون في مواطنِهم، وحسبُكَ شاهدًا في فضل المهاجرين قوله هذا؛ لأنَّ فيه إشارةً إلى جلالةِ رتبة الهجرةِ فلا يتركها، فهو نبيٌّ مهاجريٌّ لا أنصاريٌّ، وقد سبقَ مزيدٌ لذلك في «فضلِ الأنصار» [خ¦٦٣/ ٢ - ٥٦٥٨].
(وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا) بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة، طريقًا في الجبلِ (لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا) والمراد: بلدهم (الأَنْصَارُ شِعَارٌ) الثوبُ الَّذي يلي الجلدَ (وَالنَّاسُ دِثَارٌ) بكسر الدال وبالمثلثة المفتوحة، ما يجعلُ فوق الشِّعار، أي: أنَّهم بطانتُهُ وخاصتُهُ، وأنَّهم ألصقُ به وأقربُ إليهِ من غيرهم؛ وهو تشبيهٌ بليغٌ (إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) بفتح الهمزة والمثلثة، وبضم الهمزة وسكون المثلثة، أي: يستأثرُ عليكُم بما لكم فيهِ اشتراكٌ من الاستحقاقِ (فَاصْبِرُوا) على ذلك (حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ) يوم القيامةِ، فيحصلُ لكم الانتصافُ ممَّن ظلمكم مع الثَّوابِ الجزيلِ على الصَّبر.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلم في «الزَّكاة».
شَيْئًا، وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) سقطَتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لهم: (فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَمَا) بتخفيف الميم (تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟!) بيوتِكُم (فَوَاللهِ لَمَا) بفتح اللام للتأكيد، أي: الذي (تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ) وفي «مناقب الأنصار» [خ¦٣٧٧٨] من طريق أبي التَّياحِ عن أنسٍ: «أولا ترضونَ أن يرجعَ النَّاسُ بالغنائمِ إلى بيوتهم وترجعونَ برسولِ الله ﷺ إلى بيوتِكُم» (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : سَتَجِدُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فَتَجِدونَ» بالفاء بدل السين (أَُثَْرَةً شَدِيدَةً) بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما، ويقالُ أيضًا: إِثْرةً -بكسر الهمزة وسكون المثلثة- من تفرَّد عليكم بما لكم فيه اشتراكٌ في الاستحقاقِ، أو يفضِّلُ نفسه عليكم في الفيءِ، وقيل: المرادُ بـ «الأثرةِ» نفسُ الشدَّة. قال في «الفتح»: ويردُّه سياقُ الحديث وسببه (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ) يوم القيامةِ (¬ ﷺ ¬) وسقطَتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (فَإِنِّي عَلَى الحَوْضِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ يَصْبِرُوا) وفي قوله: «ستلقونَ»، عَلَمٌ من أعلام النبوَّة؛ لأنَّه كانَ كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
٤٣٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بالمثناة الفوقية ثم التحتية المشددة وبعد الألف حاء مهملة، يزيدَ بنِ حميدٍ
стр. 7931
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (١) (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) أي: زمان فتحها الشَّامل لجميع السَّنة (قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَ) هوازن (بَيْنَ قُرَيْشٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «في قريشٍ» (فَغَضِبَتِ الأَنْصَارُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لهم لمَّا بلغهُ ذلك: (أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟!) سقطَتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (قَالُوا: بَلَى) قد رضينا، وذكرَ الواقديُّ: أنَّه حينئذٍ دعاهم ليكتبَ لهم بالبحرينِ، وتكون لهم خاصَّةً بعده دون النَّاس، وهي يومئذٍ أفضلُ ما فتح عليه من الأرضِ، فأبوا وقالوا: لا حاجةَ لنا بالدُّنيا (قَالَ) ﵊: (لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ) وأشار ﵊ بذلك إلى ترجيحهم بحسنِ الجوارِ والوفاءِ بالعهدِ، لا وجوب متابعتهِ إياهُم، إذ هو ﷺ المتبوعُ المطاعُ لا التَّابعُ المطيعُ، فما أكثر تواضعه صلوات الله وسلامه عليه.
٤٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ) بنُ سعدٍ السَّمانُّ (٢)، أبو بكرٍ الباهليُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبدِ الله، أنَّه قال: (أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّهِ (أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ التَقَى) النَّبيُّ ﷺ و (هَوَازِنُ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ) من المهاجرين (وَالطُّلَقَاءُ) بضم (٣) الطاء وفتح اللام والقاف ممدودًا، جمعُ: طليق، فعيل بمعنى: مفعول، وهم الَّذين مَنَّ عليهم ﷺ يوم فتحِ مكَّةَ فلم يأسرهم ولم
стр. 7932
يقتلهُم، منهم: أبو سفيانَ بن حربٍ وابنُه معاوية وحكيمُ بنُ حزامٍ (فَأَدْبَرُوا. قَالَ) ﵊: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) هو من الألفاظِ المقرونةِ بـ «لبيكَ»، ومعناهُ: إسعادًا بعد إسعادٍ، أي: ساعدتُكَ على طاعتكَ مساعدةً (١)، وهما منصوبان على المصدر (لَبَّيْكَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ) وسقطَتْ «لبيكَ» هذه لأبي ذرٍّ (فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) عن بغلتهِ (فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) وزاد أحمدُ في غير هذا الحديث في قصَّة حنينٍ: «فأخذَ كفًّا من ترابٍ وقال: شاهتِ الوجوهُ» (فَانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ) وأعطى الله تعالى رسولَه غنائمَهم، وأمرَ ﵊ بحبسها بالجِعْرانة، فلمَّا رجعَ من الطَّائفِ وصلَ إلى الجِعْرانةِ في خامسِ ذي القعدة، وإنما أخَّر القسمةَ رجاءَ أن تسلمَ هوازن، وكانوا ستَّة آلاف نفسٍ من النِّساءِ والأطفالِ، وكانت (٢) الإبلُ أربعةً وعشرين ألفًا، والغنم أربعينَ ألفَ شاة (فَأَعْطَى الطُّلَقَاءَ) الَّذين منَّ عليهم رسول الله ﵇ بإعتاقهم لِمَا بقيَ فيهم من الطَّمعِ البشريِّ في محبَّةِ المالِ، فأعطاهُم لتطمئنَّ قلوبهم وتجتمعَ على محبَّته؛ لأنَّ القلوبَ جُبِلت على حبِّ من أحسنَ إليها (وَالمُهَاجِرِينَ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا) منهُ. قيل: لأنَّهم كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتَّى وقعت الهزيمةُ على الكفَّارِ، فردَّ اللهُ أمر الغنيمة لنبيِّه ﷺ (فَقَالُوا) أي: الأنصار ولم يذكُر مقولهم اختصارًا، أي: تكلَّموا في منعِ العطاءِ عنهم، وفي روايةِ الزُّهريِّ السَّابقة عن أنسٍ [خ¦٤٣٣١] «فقالوا: يغفرُ الله لرسولهِ ﷺ ، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا (٣) تقطرُ من دمائهم» (فَدَعَاهُمْ) ﷺ (فَأَدْخَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ) إلى المدينةِ (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟!) فقالوا: رضينا يا رسول الله (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَاخْتَرْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ) لحسنِ جوارهِم ووفائِهم بالعهدِ.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة».
стр. 7933
٤٣٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) سقطَ «ابن مالكٍ» لأبي ذرٍّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ) لمَّا قسَّمَ غنائمَ حُنين على قريشٍ، ولم يقسم للأنصارِ شيئًا منها، وقالوا ما قالوا (فَقَالَ) لهم: (إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) بإفرادِ «حديثٍ»، والمعروف: حديثو، بالواو (وَمُصِيبَةٍ) من نحو قتل أقاربهم وفتح بلادهم (وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الجيم وضم الموحدة، من الجبرِ ضدَّ الكسر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن أُجِيزَهُم» بضم الهمزة وكسر الجيم بعدها تحتية فزاي، من الجائزة (وَأَتَأَلَّفَهُمْ) للإسلامِ (أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟) سقطَتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (قَالُوا: بَلَى) رضينا (قَالَ) ﵊: (لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي.
وهذا الحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
٤٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بنُ عقبةَ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان ابنِ مهرانَ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةَ) غنيمة (حُنَيْنٍ) فآثرَ ناسًا في القسمةِ (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الواقديُّ: هو معتِّبُ بنُ قُشَيرٍ المنافق: (مَا أَرَادَ بِهَا) أي: بهذه القسمةِ (وَجْهَ اللهِ) قال ابنُ مسعود: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بقوله (فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) المقدَّس من الغضبِ (ثُمَّ قَالَ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَى مُوسَى) الكليم (لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أوذيتُ به (فَصَبَرَ) وذلك أنَّ
стр. 7934
موسى صلوات الله عليه وسلامه كان حيِيًّا ستِّيرًا، لا يُرى من جلدهِ (١) شيءٌ (٢) استحياء، فآذاهُ من آذاهُ من بني إسرائيلَ، فقالوا: ما يستتر (٣) هذا التَّستر إلَّا من عيبٍ بجلده، إمَّا برصٌ وإمَّا أُدْرةٌ وإمَّا آفةٌ، فبرَّأهُ الله ممَّا قالوا، كما في الحديثِ السَّابق في «أحاديثِ الأنبياء» [خ¦٣٤٠٤].
وحديث البابُ أخرجهُ مسلم (٤) في «الزَّكاة».
٤٣٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ) بالمد، أي: خصَّ (النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا) بالزِّيادة في القسمةِ (أَعْطَى الأَقْرَعَ) بنَ حابسٍ المجاشعيَّ أحد المؤلَّفة قلوبهم (مِئَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ) بن حصنٍ الفَزاريَّ (مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا) آخرين من أشرافِ العربِ، فآثرهم يومئذٍ في القسمةِ على غيرهم (فَقَالَ رَجُلٌ) هو معتِّب: (مَا أُرِيدَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِهَذِهِ القِسْمَةِ وَجْهُ اللهِ) قال ابنُ مسعود (فَقُلْتُ: لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بقوله، فأتيتهُ فأخبرتهُ (قَالَ: رَحِمَ اللهُ مُوسَى) ﵊ (قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ) لم ينقلْ أنَّه عاقبهُ (٥) على ذلك، فيحتملُ أنَّه لم يثبتْ عليه ذلك، وإنَّما نقل عنه واحدٌ، وبشهادة (٦) واحدٍ لا يراقُ (٧) الدَّم، أو أنَّه لم يفهمْ منهُ الطَّعن في النُّبوَّةِ، وإنَّما نسبهُ لتركِ العدلِ في القسمةِ.
стр. 7935
وهذا الحديثُ سبق في «الخُمُس» [خ¦٣١٥٠].
٤٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) التَّميميُّ (١) قاضِي البصرةِ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقطَ «ابن مالكٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ) جدِّهِ (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّهُ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ) بالغين المعجمة المفتوحة (وَغَيْرُهُمْ (٢) بِنَعَمِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ) بالذال المعجمة وتشديد التحتية، وكانت عادتُهم إذا أرادوا التَّثبُّتَ في القتالِ استصحابَ الأهالي ونقلَهم معهم إلى موضعِ القتالِ (٣) (وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمِنَ الطُّلَقَاءِ) وسقطَت الواو لأبي ذرٍّ، وعن الكُشمِيهنيِّ: «والطُّلقاءِ» بحرف العطف وإسقاط حرف الجرِّ، وهي الصَّواب؛ لأنَّ الطُّلقاء لم يبلغوا ذلكَ ولا عُشْرَ عُشْرِه. وقال الحافظُ ابن حجرٍ -كالكِرْمانيِّ والبَرْماويِّ-: وقيل: إنَّ الواو مقدَّرة عند من جوَّز تقدير حرف العطفِ. قال العينيُّ: وفيه نظرٌ لا يخفى (فَأَدْبَرُوا عَنْهُ
стр. 7936
حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ) أي: متقدِّمًا مقبلًا على العدوِّ، وبهذا التَّقديرِ يجمعُ بين قوله هنا: «حتَّى بقيَ وحدهُ»، وبين قوله في الرِّواياتِ الدَّالَّة على أنَّه بقيَ معه جماعةٌ، فالوحدة بالنِّسبةِ لمباشرةِ القتالِ، والَّذين ثبتوا معه كانوا وراءهُ، وأبو سفيانَ بن الحارث وغيرُه كانوا يخدمونهُ في إمساكِ (١) البغلةِ ونحو ذلك (فَنَادَى) ﵊ (يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ) بكسر النون الأولى تثنية نداءٍ بالمد (لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا، التَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، ثُمَّ التَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، وَهْوَ) ﵊ (عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ) وفي روايةٍ لمسلم من حديثِ العبَّاسِ: «أنَّهُ ﷺ قال: أي عبَّاسَ، نادِ أصحابَ الشَّجرةِ، وكانَ العبَّاسُ صيِّتًا قال: فناديتُ بأعلى صوتي: أينَ أصحابُ الشَّجرةِ؟ قال: فواللهِ لكأنَّ عطفتَهُم حين سمعوا صَوتي عطفةَ البقرِ على أولادِها، فقالوا (٢): يا لبيكَ، يا لبيكَ. قال: فاقتتلوا والكفَّارَ، فنظرَ رسولُ الله ﷺ وهو على بغلتهِ كالمتطاولِ إلى قتالهم، فقال: هذا حينَ حميَ الوطيسُ» (فَنَزَلَ) عن بغلتهِ، ثمَّ قبضَ من ترابٍ، ولأحمد والحاكم من حديثِ ابنِ مسعودٍ: «ورسولُ الله ﷺ على بغلتهِ قُدُمًا (٣)، فحادَت بهِ بغلتهُ، فمالَ عن السَّرج، فقلتُ: ارتفِع رفعكَ الله. فقال (٤): ناولني كَفًّا من ترابٍ، فضربهُ في وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابًا، وجاءَ المهاجرون والأنصار سيوفُهم بأيمانهم كأنَّها الشُّهب». ويجمعُ بين الرِّوايتينِ بأنَّه أولًا قالَ لصاحبهِ: ناولنِي، فناولهُ فرماهُم، ثمَّ نزلَ عن بغلتهِ فأخذَ بيدهِ فرماهُم أيضًا.
(فَقَالَ) ﵊: (أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ فَانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، فَأَصَابَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «وأصابَ» (يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي المُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا) من ذلك (فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتْ) قضية (شَدِيدَةٌ) كالحربِ، برفعِ «شديدة» ولأبي ذرٍّ: بنصبها (فَنَحْنُ نُدْعَى) بضم النون مبنيًّا للمفعول، نُطْلَبُ (وَيُعْطَى الغَنِيمَةَ غَيْرُنَا؟! فَبَلَغَهُ) ﵊
стр. 7937
(ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟! فَسَكَتُوا) وسقطَ لأبي ذرٍّ «عنكُم» وفي طريقِ الزُّهريِّ عن أنسٍ -السَّابقة قريبًا-[خ¦٤٣٣١] «فقال فقهاءُ الأنصارِ: أمَّا رؤساؤُنَا -يا رسول الله- فلم يقولوا شيئًا». ويجمعُ بينهما بأنَّ بعضهم سكتَ وبعضهم أجابَ (فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) سقطَت التَّصلية لأبي ذرٍّ (تَحُوزُونَهُ) بالحاء المهملة (إِلَى بُيُوتِكُمْ؟! قَالُوا: بَلَى) رضينا يا رسول (١) الله (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ هِشَامٌ) بالسَّند السَّابق: (يَا أَبَا حَمْزَةَ) وهي كنيةُ أنسٍ، ولأبي ذرٍّ: وقال هشامٌ: قلت: يا أبا حمزة (وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ذلكَ» باللَّام (قَالَ) أنس: (وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟!) استفهامٌ إنكاريٌّ.
تنبيه (٢): كان الوجهُ أن يقدِّم حديثَ أنسٍ هذا على حديثِ ابنِ مسعود الَّذي سبق؛ لتتوالى طرقِ حديثِ أنس. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وأظنُّه من تغيير (٣) الرُّواةِ عن الفَِرَبْريِّ، فإنَّ طريقَ أنسٍ الأخيرةَ سقطَتْ من روايةِ النَّسفيِّ، فلعلَّ البخاريَّ ألحقها، فكُتبت مؤخَّرةً (٤) عن مكانها (٥).
(٥٧) (باب السَّرِيَّةِ الَّتِي قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: في جهةِ نجدٍ.
стр. 7938
٤٣٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّهُ (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً) طائفةً من الجيشِ. قال ابن حجرٍ: وهي من مئة إلى خمس مئة. وقال في «القاموس»: من خمسة أنفسٍ إلى ثلاث مئة أو أربع مئة، وكان أبو قتادة أميرَها، وعندَ أهلِ المغازي: أنَّها كانت قبلَ التوجُّهِ للفتحِ، وقال ابنُ سعد: في شعبان سنةَ ثمانٍ (قِبَلَ نَجْدٍ) جهتها (فَكُنْتُ فِيهَا) زاد في «الخُمُسِ» في «باب ومن الدَّليلِ على أنَّ الخُمُسَ لنوائبِ المسلمين» [خ¦٣١٣٤] «فغنِمُوا إبلًا كثيرةً» (فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا) ولأبي ذرٍّ «سُهْماننا» بضم السين وسكون الهاء (اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا) وفي «باب الخمسِ»: «أو أحدَ عشرَ بعيرًا»، بالشَّكِّ (وَنُفِّلْنَا) بضم النون مبنيًّا للمفعول، أي: أُعطِي كلُّ واحدٍ منَّا زيادةً على المستحقِّ له (بَعِيرًا بَعِيرًا) بالتِّكرار مرَّتين (فَرَجَعْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فرجعتُ» (بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا).
وهذا الحديثُ قد سبق في «الخُمُسِ» [خ¦٣١٣٤]، كما مرَّ.
(٥٨) (بابُ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) عقبَ فتحِ مكَّة في شوَّال، قَبْلَ الخروجِ إلى حنين عند جميعِ أهل المغازي، في ثلاث مئة وخمسين من المهاجرينَ والأنصار (إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ) بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة بعدها تحتية ساكنة، قال ابن حجرٍ: أي: ابن عامرِ ابنِ عبدِ مناةَ (١) بنِ كنانةَ.
стр. 7939
٤٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغيرِ أبي ذرٍّ «حَدَّثني» (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلانَ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (نُعَيْمٌ) بضم النون، ابنُ حمَّاد قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي: ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبدِ الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب، أنَّهُ (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ) داعيًا إلى الإسلامِ لا مُقاتلًا (فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا) بالهمز الساكن فيهما، أي: خرجنا من الشِّركِ إلى دينِ الإسلامِ، فلم يكتفِ خالدٌ إلَّا بالتَّصريحِ بذكرِ الإسلامِ، أو فهمَ أنَّهم عدلوا عن التَّصريح أنفةً منهم ولم ينقادوا (فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ) بكسر السين، وسقطَ في بعضِ النُّسخِ لفظ «منهم» (وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا) أي: من الصَّحابةِ الَّذين كانوا معهُ في السَّريَّة (أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ) بالتنوين، أي: من الأيَّام. قاله ابن حجرٍ. وقال العينيُّ: ليس بصحيحٍ، بل (١) «يوم» اسم «كان» التَّامة مضافًا إلى قولهِ: (أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ) أي: بأن يقتلَ (كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ) كما في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]. انتهى. والَّذي في الفَرْع كأصلهِ: التنوين، وعندَ ابن سعدٍ: «فلمَّا كان السَّحر نادى خالدٌ: من كان معهُ أسيرٌ فليضرِبْ عنقَهُ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «كلُّ إنسانٍ» بدل قولهِ: «رجلٍ».
قال ابنُ عمر: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي) المهاجرينَ والأنصار (أَسِيرَهُ) وعند ابنِ سعدٍ: أنَّ بني سُلَيم قتلوا مَن في أيديهم (حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَاهُ لَهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ) ولأبي ذرٍّ «يديهِ» بالتَّثنية، وسقطَت التَّصلية لأبي ذرٍّ (فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) قال ذلك (مَرَّتَيْنِ) وإنَّما نقمَ ﵊ على
стр. 7940
خالدٍ استعجالهُ في شأنهم، وتركَ التثبُّت في أمرهم إلى أن يرى المرادَ من قولهم: «صَبَأنا» ولم يَرَ عليه قودًا؛ لأنَّه تأوَّل أنَّه كان مأمورًا بقتالهم إلى أن يسلموا.
(٥٩) (بابٌ سَرِيَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة بعدها ألف ففاء، ابنِ قيسِ بنِ عديِّ بنِ سعدٍ (السَّهْمِيِّ) وسقطَ لفظ «باب» من الفَرْع كأصله (وَعَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ) بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشددة، وصحَّحَ عليهِ في الفَرْع كأصلهِ، أو بفتحِ الزايِ. وقال عبدُ الغنيِّ: الكسرُ الصَّواب؛ لأنَّهُ جزَّ نواصِي أسَارى من العربِ، وكذا ضبطَهُ ابنُ مَاكولا وابنُ السَّكَن والحَمُّويي والمُستمليُّ والأَصيليُّ والنَّسفيُّ، ولأبي ذرٍّ «ابنُ محْرِز» بالحاء المهملة الساكنة والراء المكسورة بعدها زاي، ابن الأعورِ (المُدْلِجِيِّ) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام والجيم (وَيُقَالُ: إِنَّهَا) أي: هذهِ السَّريَّة (سَرِيَّةُ الأَنْصَارِ) ولأبي ذرٍّ «الأنصاريُّ». قال في «الفتح»: أشارَ إلى احتمالِ تعدُّدِ القصَّة (١)، أو يكون على المعنَى الأعمِّ، أي: أنَّ عبد الله بن حذافة نصرهُ ﷺ في الجملة.
٤٣٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زياد قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهرانَ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأول
стр. 7941
وضمها في الثاني مصغَّرًا، الكوفيُّ (١) (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبدِ الله بنِ حبيبٍ السُّلميِّ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّهُ (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ) ولأبي ذرٍّ «واستعملَ» «بالواو» بدل: «الفاء»، (عليها رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو عبدُ الله بنُ حذافةَ (٢) السَّهميُّ، فيما قاله ابنُ سعدٍ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ) أي: عليهم، ولمسلمٍ: «فأغضبوهُ في شيءٍ» (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ «قالَ»: (أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا) أي: الحطبَ (فَقَالَ: أَوْقِدُوا) بفتح الهمزة وكسر القاف (نَارًا فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا) وفي رواية حفصِ بن غياثٍ في «الأحكامِ» [خ¦٧١٤٥] «فقال: عزمتُ عليكُم لَمَا جمعتم حطبًا، وأوقدتُم نارًا، ثمَّ دخلتُم فيها» (فَهَمُّوا) بفتح الهاء وضم الميم المشددة، فسَّره البَرْماويُّ كالكِرْمانيِّ بقولهِ: حزِنُوا. قال العينيُّ: وليس كذلكَ، بل المعنى: فقصدوا، ويؤيدهُ رواية حفصٍ: «فلما همُّوا بالدُّخول فيها، فقاموا ينظرُ بعضهم إلى بعضٍ» (وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَِدَتِ النَّارُ) بفتح الميم وتكسر، انطفأَ لهبها (فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ) ذلك (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا) أي: دخلوا (٣) النَّار الَّتي أوقدَها، ظانِّينَ أنَّهم بسببِ طاعتهم أميرهم لا تضرُّهم (مَا خَرَجُوا مِنْهَا) لأنَّهم كانُوا يموتون فلم يخرجُوا منها (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) أو الضَّمير في قولهِ: «دخلوها»، للنَّار الَّتي أوقدَهَا. وفي قولهِ: «ما خرجوا منها» لنارِ الآخرةِ؛ لأنَّهم ارتكبوا ما نُهوا عنه من قتلِ أنفسِهم مستحلِّينَ له، على هذا ففيه نوعٌ من أنواعِ البديعِ، وهو الاستخدامُ. قاله ابن حجرٍ، وقال الكِرْمانيُّ وغيرهُ: والمرادُ بقولهِ: «إلى يوم القيامةِ»، التَّأبيد، يعني: لو دخلوهَا مستحلِّين. وقال الدَّاوديُّ: فيه أنَّ التَّأويلَ الفاسدَ لا يعذرُ به صاحبهُ (الطَّاعَةُ) للمخلوقِ (فِي) الأمرِ بـ (المَعْرُوفِ) شرعًا.
стр. 7942
وفي الحديث: أنَّ الأمرَ المطلق لا يعمُّ جميع الأحوالِ؛ لأنَّه ﷺ أمرهُم أن يطيعُوا الأميرَ، فحملوا ذلكَ على عمومِ الأحوالِ، حتَّى في حال الغضبِ، وفي حالِ الأمرِ بالمعصيةِ، فبيَّن لهم ﵊ أنَّ الأمرَ بطاعتهِ مقصورٌ على ما كان منه في غير معصيةٍ. وقد ذكر ابنُ سعدٍ في «طبقاته»: أنَّ سببَ هذه السَّرية أنَّه بلغه ﷺ أنَّ ناسًا من الحبشةِ تراءاهُم أهلُ جدَّةَ، فبعثَ إليهم علقمةُ بن مجزِّز في ربيعٍ الآخر سنة تسعٍ، في ثلاث مئة، فانتهى بهم إلى جزيرةٍ في البحرِ، فلمَّا خاضَ البحرَ إليهم هربوا، فلمَّا رجعَ تعجَّل بعضُ القومِ إلى أهلِيهم، فأمَّرَ عبد الله بن حذافةَ على من تعجَّلَ. قال البَرْماويُّ: ولعلَّ هذا عذر البخاريِّ حيثُ جمعَ بينهما، مع أنَّه في الحديث لم يسمِّ واحدًا منهما، وترجمةُ البخاريِّ لعلَّها تفسير للمبهمِ الذي في الحديث.
والحديثُ أخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٤٥] وفي «خبر الواحدِ» [خ¦٧٢٥٧]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «البيعة» و «السِّير».
(٦٠) بابٌ (بَعْثُ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (وَمُعَاذٍ) ولأبي ذرٍّ «ومعاذِ بنِ جبلٍ ﵄» (إِلَى اليَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ).
стр. 7943
٤٣٤١ - ٤٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيلَ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بنُ عمير (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عامرِ بنِ أبي موسى (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا مُوسَى) عبدَ الله بنَ قيس، وهذا مرسلٌ، لكنَّهُ سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا من طريقِ سعيدِ بنِ أبي بردةَ، عن أبيهِ، عن أبي موسى متَّصلًا [خ¦٤٣٤٤] (وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى اليَمَنِ. قَالَ: وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة آخره فاء، الكورة والإقليمُ والرُّسْتَاقُ -بضم الراء وسكون السين المهملة وفتح الفوقية آخره قاف- بلغةِ أهلِ اليمنِ (قَالَ: وَاليَمَنُ مِخْلَافَانِ) وكانت جهةُ معاذٍ العليا إلى صوبِ عدنٍ، وجهةُ أبي موسى السُّفلى (ثُمَّ قَالَ) ﵊ لهما: (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا) الأصلُ أن يقال: بشِّرَا ولا تنذِرَا، وآنِسَا ولا تنفِّرَا، فجمعَ بينهما ليعُمَّ البشارةَ والنِّذارةَ والتَّأنيسَ والتَّنفيرَ، فهو من بابِ المقابلةِ المعنويَّة. قالهُ الطِّيبي، وقال الحافظُ ابن حجرٍ: ويظهرُ لي أن النُّكتة في الإتيانِ بلفظِ البشارةِ وهو الأصلُ، وبلفظِ التَّنفير وهو اللَّازمُ، وأتى بالَّذي بعدهُ على العكسِ؛ للإشارةِ إلى أنَّ الإنذارَ لا يُنفى مطلقًا بخلاف التَّنفير، فاكتفى بما يلزمُ عنه الإنذارُ وهو التَّنفير، فكأنَّه قال: إن أنذرتم فليكن بغير تنفيرٍ، كقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
(فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) من أبي موسى ومعاذ (إِلَى عَمَلِهِ، قَالَ: وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ، أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا) في الزِّيارةِ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَسَارَ مُعَاذٌ فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَبِي مُوسَى، فَجَاءَ) معاذٌ (يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ) إلى أبي موسى (وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ «فإذا» (هُوَ جَالِسٌ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ) قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه، لكن في روايةِ سعيدِ بن أبي بردةَ -الآتية قريبًا- أنَّه يهوديٌّ [خ¦٤٣٤٤]
стр. 7944
(قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ) جملة حالية صفة لرجل (فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ) لأبي موسى: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، أَيَّمَ هَذَا؟) بفتح الياء والميم بغيرِ إشباعٍ، أي: أيُّ شيءٍ هذا، وأصلهُ: أي ما، و «أي» استفهامية و «ما» بمعنى: شيء، فحذفت الألف تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ «أيُّ» بضم الياء (قَالَ) أبو موسى: (هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. قَالَ) معاذٌ: (لَا أَنْزِلُ) أي: عن بغلتي (حَتَّى يُقْتَلَ. قَالَ) أبو موسى: (إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ فَانْزِلْ) بهمزة وصل، مجزوم على الأمر (قَالَ: مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَأَمَرَ بِهِ) أبو موسى (فَقُتِلَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالَ) لأبي موسى: (يَا عَبْدَ اللهِ (١) كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قَالَ) أبو موسى: (أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا) بالفاء ثمَّ القاف، أي: أقرؤهُ شيئًا بعد شيءٍ في آناءِ اللَّيلِ والنَّهارِ؛ يعني: لا أقرؤهُ مرَّةً واحدةً بل أفرِّق قراءته على أوقاتٍ، مأخوذٌ من فواقِ النَّاقةِ، وهو أن تحلبَ ثمَّ تترَك ساعةً حتَّى تدرَّ ثمَّ تحلب (قَالَ) أبو موسى: (فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَأَقُومُ) بالفاء (وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ) بضم الجيم وسكون الزاي بعدها همزة مكسورة فياء، أي: أنَّه جزَّأَ اللَّيل أجزاءً جُزءًا للنَّومِ وجزءًا للقراءةِ والقيامِ، وقال الزركشيُّ تبعًا للدِّمياطيِّ: قيل: الوجه قضيتُ أربي. قال في «المصابيح»: وهذا من التحكُّماتِ العاريةِ من الدَّليلِ. انتهى. فالذي جاء في الرِّوايةِ صحيحٌ، فلا يلتفتُ لتخطئتهِ بمجرَّدِ التَّخيُّل.
(فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللهُ لِي، فَأَحْتَسِبُ (٢) نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي) بهمزة قطع وكسر السين من غير فوقية في «أحتسب» (٣) في الموضعين بصيغة الفعل المضارع، أي: أطلب الثَّواب في الرَّاحةِ كما أطلبهُ (٤) في التَّعبِ؛ لأنَّ الرَّاحة إذا قصدَ بها الإعانةَ على العبادةِ حصل (٥) الثَّواب،
стр. 7945
ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فاحتسَبْتُ نومتي كما احتسَبْتُ قومَتِي» بهمزة وصل وفتح السين وسكون الموحدة بعدها فوقية بصيغة الماضي فيها (١).
٤٣٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ) قال الحافظ ابنُ حجرٍ: هو ابنُ منصور، أي: أبو يعقوبَ الكَوْسج، وقال العينيُّ: قال المزيُّ (٢): هو ابنُ شاهين، أي: أبو بشرٍ الواسطيُّ. قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبدِ الله بنِ عبد الرَّحمن بنِ يزيدَ (٣) الواسطيُّ الطَّحَّان (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) بالشين المعجمة والموحدة، سليمانِ بنِ فيروزَ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ فَسَأَلَهُ) أي: سألَ أبو موسى النَّبيَّ ﷺ (عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا) أي: باليمنِ (فَقَالَ) ﵊ له: (وَمَا هِيَ؟ قَالَ: البِتْعُ) بكسر الموحدة وسكون الفوقية بعدها عين مهملة (وَالمِزْرُ) بكسر الميم وسكون الزاي بعدها راء. قال سعيد: (فَقُلْتُ لأَبِي بُرْدَةَ: مَا البِتْعُ؟ قَالَ): هو (نَبِيذُ العَسَلِ) بالذال المعجمة (وَالمِزْرُ: نَبِيذُ الشَّعيرِ. فَقَالَ) ﵊: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) اتِّفاقًا. (رَوَاهُ) أي: الحديثُ (جَرِيرٌ) هو ابنُ عبدِ الحميدِ، فيما وصله الإسماعيليُّ (وَعَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زيادٍ كلاهما (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمانِ بنِ فيروز (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) قال في «المقدِّمة»: وروايةُ عبد الواحد لم أرها موصولةً.
стр. 7946
٤٣٤٤ - ٤٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيمَ الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بنِ أبي موسى (عَنْ أَبِيهِ) أنَّهُ (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَدَّهُ) أي: جدَّ أبي (١) سعيدٍ (أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريَّ (وَمُعَاذًا) هو ابنُ جبلٍ (إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ) ﵊ لهما: (يَسِّرَا) بالتحتية والسين المهملة من اليُسر (٢) (وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا) بالموحدة والمعجمة (وَلَا تُنَفِّرَا) بالفاء (وَتَطَاوَعَا) أي: كونَا متَّفقين في الحكمِ ولا تختلفا، فإنَّ اختلافكما يؤدِّي إلى اختلافِ أتباعِكما، وحينئذٍ تقعُ العداوةُ والمحاربةُ بينهم، وفيه إشارةٌ إلى عدم الحرجِ والتَّضييق في أمورِ (٣) الملَّة الحنيفيَّة (٤) السَّمحة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] أي: قد (٥) وُسِّعَ عليكم يا أمَّة نبيِّ الرَّحمة خاصةً ورفعَ عنكم الحرج أيًّا كانَ (فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا بِهَا شَرَابٌ) يتَّخذ (مِنَ الشَّعِيرِ المِزْرُ، وَشَرَابٌ) يتَّخذ (مِنَ العَسَلِ البِتْعُ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَانْطَلَقَا) أي: كلّ واحدٍ إلى عملهِ (فَقَالَ مُعَاذٌ لأَبِي مُوسَى: كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قَالَ): أقرؤهُ حالَ كوني (قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِهِ) ولأبي ذرٍّ «راحِلَتي» مصحَّحًا عليها في «اليونينية» (وَأَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا) أي: لا أقرؤهُ دفعةً واحدةً بل كما يحلبُ اللَّبن ساعةً بعد ساعةٍ، والفواقُ: ما بينَ الحلبتينِ (قَالَ) معاذٌ: (أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ (٦)) ولأبي ذرٍّ عن