(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ على عادتهِ في تفسير ألفاظٍ غريبةٍ تقعُ له من القرآنِ إذا وافقت لفظَ الحديثِ (١): (﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: ٣٠]) معناها: (طَاعَتْ) له نفسه (وَأَطَاعَتْ) بالهمزة (لُغَةٌ) في طاعَت بغير همز، ويقال إذا أخبر عن نفسهِ (طِعْتُ) (٢) بكسر الطاء (وَطُعْتُ) بضمها (وَأَطَعْتُ) بزيادة الهمزة. قال في «القاموس»: طاعَ لهُ يَطُوع ويَطاعُ: انقادَ كانْطاعَ. وقال الأزهريُّ (٣): الطَّوع نقيضُ الكرهِ، وطاعَ لهُ انقادَ، فإذا مضَى لأمرهِ فقد أطاعهُ. وقوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره ساقط في رواية أبي ذرٍّ.
٤٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) الأسديِّ الفقيهِ المجتهدِ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديِّ (٤) المخضرم (أَنَّ مُعَاذًا ﵁ لَمَّا قَدِمَ اليَمَنَ صَلَّى بِهِمِ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ) فيها بقوله تعالى: (﴿وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) المصلِّين جاهِلًا ببطلانِ الصَّلاةِ بالكلام الأجنبيِّ، أو كان خلفهم لم يدخلْ في الصَّلاةِ، ولم يقف الحافظُ ابن حجرٍ على اسمهِ، كما قاله في «المقدمة» (لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ) لِمَا حصلَ لها (٥) من السُّرور.
(زَادَ مُعَاذٌ) هو ابنُ معاذٍ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ حَبِيبٍ) بنِ أبي ثابتٍ (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابنِ جبيرٍ (عَنْ عَمْرٍو) أي: ابنِ ميمون الأوديِّ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى
стр. 7951
اليَمَنِ، فَقَرَأَ مُعَاذٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ النِّسَاءِ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ قَالَ رَجُلٌ خَلْفَهُ) مصلٍّ، أو غير مصلٍّ: (قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ) أي: بردَتْ دمعتها؛ لأنَّ دمعة السُّرورِ باردة، ودمعةَ الحزنِ حارَّةٌ، ومرادهُ من إعادتهِ: بيانُ بعثهِ ﷺ لمعاذٍ، وفهمَ من حديثِ ابن عبَّاسٍ السَّابق [خ¦٤٣٤٧] وهذا الحديث أنَّهُ بعثهُ أميرًا على المالِ، وعلى الصَّلاة أيضًا.
(٦١) (بابٌ بَعْثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (١) وَخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ﵄ إِلَى اليَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ).
٤٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بنِ حكيمٍ أبو عبد الله الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة، و «مَسْلمَة»: بفتح الميمين واللام، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرٌو قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) يوسف (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ، أنَّهُ قال: (سَمِعْتُ البَرَاءَ) بنَ عازبٍ (¬﵁¬) يقول: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إِلَى اليَمَنِ) أي: بعدَ رجوعهم من الطَّائفِ وقسمة الغنائم بالجِعْرانة (قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانَهُ) أي: مكانَ خالد (فَقَالَ) له ﵊: (مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ) بضم الياء وتشديد القاف المكسورة، أي: يرجعُ (مَعَكَ) إلى اليمنِ بعد أن رجعَ منه (فَلْيُعَقِّبْ) فليرجع (وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ) بضم التحتية وكسر الموحدة (فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ) بتشديد القاف (مَعَهُ، قَالَ) البراءُ: (فَغَنِمْتُ
стр. 7952
أَوَاقٍ) مثل: جَوَارٍ، حذفت الياء استثقالًا، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ «أواقيَّ» بياء مشددة، ويجوز تخفيفها (ذَوَاتِ عَدَدٍ) أي: كثيرة. قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تحريرها.
وهذا الحديثُ من أفرادهِ.
٤٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بضم العين وتخفيف الموحدة، القيسيُّ (١) أبو محمَّد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ) بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء، السَّدوسيُّ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدةَ بنِ الحُصَيْب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (٢) آخرهُ موحدة- مصغَّرًا، الأسلميِّ (¬﵁¬) أنَّهُ (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الخُمُسَ) أي: خمس الغنيمة. قال بُريدةُ: (وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا) ﵁؛ لأنَّه رآهُ أخذَ من المغنمِ جاريةً (وَقَدِ اغْتَسَلَ) فظنَّ أنَّه غلَّها ووطئها، وللإسماعيليِّ من طرق إلى روحِ بنِ عبادةَ: «بعثَ عليًّا إلى خالدٍ ليقسمَ الخمسَ». وفي روايةٍ له: «ليقسمَ الفيءَ، فاصطفى عليٌّ منه لنفسهِ سبيَّة (٣)، أي: جارية، ثمَّ أصبحَ ورأسه يقطرُ» (فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا؟) يعني: عليًّا (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ) الَّذي رأيتُ من عليٍّ ﵁ (لَهُ) ﵊ (فَقَالَ: يَا بُرَيْدَةُ، أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَا تُبْغِضْهُ) زاد أحمدُ من طريقِ عبد الجليل، عن
стр. 7953
عبدِ اللهِ بنِ بُريدة عن أبيهِ: «وإن كنتَ تحبَّه فازدَد لهُ حُبًّا». وله أيضًا من طريق أَجْلحَ الكنديِّ، عن عبدِ الله بنِ بُريدةَ (١): «لا تقع في عليٍّ، فإنَّهُ منِّي وأنا منه، وهو وليُّكُم بعدِي» (فَإِنَّ لَهُ فِي الخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) قال الحافظ أبو ذرٍّ: إنَّما أبغض عليًّا؛ لأنَّه رآه أخذ من المغنمِ، فظنَّ أنَّه غلَّ، فلمَّا أعلمهُ رسولُ الله ﷺ أنَّه أخذ أقلَّ من حقِّه أحبَّه (٢). انتهى. وفي طريق عبد الجليل قال: فما كان في النَّاس أحدٌ أحبَّ إليَّ من عليٍّ.
ولعلَّ الجارية كانت بِكرًا غير بالغٍ، فأدَّى اجتهادُهُ ﵁ إلى عدمِ الاستبراء (٣). وفيه جوازُ التَّسرِّي على بنتِ النَّبيِّ ﷺ بخلاف التَّزويجِ عليها.
٤٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زيادٍ (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ بنِ شَبْرُمَةَ) الكوفيِّ قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ) بضم النون وسكون العين المهملة
стр. 7954
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁¬) وسقطَ لأبي ذرٍّ «ابن أبي طالبٍ» (١) (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ اليَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ) بضم الذال المعجمة، مصغَّر ذهبة (٢)، وهي القطعةُ منَ الذَّهب. قالهُ الخطَّابيُّ، وتعقِّب: بأنَّها كانت تِبْرًا، فالتأنيث باعتبار معنى الطَّائفة، أو أنَّه قد يؤنَّث الذَّهب في بعضِ اللُّغاتِ (فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ) بالقاف والظاء المعجمة، أي: مدبوغٍ بالقرظِ (لَمْ تُحَصَّلْ) أي: لم تخلَّص الذهبيَّة (مِنْ تُرَابِهَا) المعدنيِّ بالسَّبك (قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) يتألَّفُهُم بذلكَ (بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ) نسبهُ إلى جدِّهِ الأَعلى؛ لأنَّه عُيينة بنُ حصنِ بنِ حذيفةَ بنِ بدرٍ الفزاريُّ (وَأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ) الحنظليِّ ثمَّ المجاشعيِّ، فيه شاهدٌ على أنَّ ذا الألف واللام من الأعلام الغالبة قد ينزعان عنه في غير نداءٍ ولا إضافةٍ ولا ضرورةٍ، وقد حكى سيبويه عن العربِ: هذا يوم إثنين مبارك (٣). قاله ابن مالك (وَزَيْدِ الخَيْلِ) باللَّام، ابن مهلهلٍ الطَّائيِّ ثمَّ أحدُ بني نبهانَ، وقيل له: زيدُ الخيلِ لكرائمِ الخيلِ الَّتي كانت عنده، وسمَّاهُ النَّبيُّ ﷺ زيدَ الخيرِ -بالراء بدل اللام- وأثنَى عليه وأسلمَ وحسنَ إسلامُه، وماتَ في حياةِ (٤) النَّبيِّ ﷺ (وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ) بنُ عُلَاثةَ -بضم العين المهملة وتخفيف اللام والمثلثة- العامريُّ (وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ) العامريُّ، والشَّكُّ في عامرٍ وهمٌ من عبدِ الواحدِ، فقد جزمَ (٥) في روايةِ سعيدِ بنِ مسروقٍ بأنَّه علقمةُ بنُ علاثةَ، وقد ماتَ عامرُ بنُ الطُّفيل قبل ذلك -بخُراج طلع له في أصلِ أذنه- كافرًا (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) لم يسمَّ، وكأنَّه أبهمهُ (٦) سترًا عليهِ: (كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا) القَسْمِ (مِنْ هَؤُلَاءِ) الأربعةِ (قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ) القول (النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً. قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَايرُ العَيْنَيْنِ) بغين معجمة وتحتية بوزن فاعل، أي: عيناهُ داخلتانِ في محاجرِهِما لاصقتانِ بقعرِ الحدقةِ (مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعد الراء فاء، أي: بارزُهُما (نَاشِزُ الجَبْهَةِ) بشين وزاي معجمتين،
стр. 7955
مرتفعها (كَثُّ اللِّحْيَةِ) كثيرُ شعرِها (مَحْلُوقُ الرَّأْسِ) موافقٌ لسيماءِ الخوارج في التَّحليق، مخالفٌ للعربِ في توفيرِهِم شعورَهُم (مُشَمَّرُ الإِزَارِ) بفتح الميم (١)، واسمُه فيما قيل: ذو الخويصرةِ التَّيميُّ، ورجَّح السُّهيليُّ أنَّ اسمه: نافع كما في أبي داود، وقيل: حرقوصُ بنُ زهير، كما جزمَ بهِ ابن سعد (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ. قَالَ) ﵊: (وَيْلَكَ، أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ؟! قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ. قَالَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟) وفي «علاماتِ النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٠] «فقال عمرُ: يا رسولَ الله، ائذنْ لي فيه فأضربَ عنقَهُ». ولا منافاةَ بينهما لاحتمالِ أن يكون كلٌّ منهما قال ذلك (قَالَ) ﵊: (لَا) تفعل (لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي، فَقَالَ خَالِدٌ (٢): وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ) بفتح الهمزة وسكون النون وضم القاف بعدها موحدة، كذا ضبطهُ (٣) ابنُ ماهان، ولغيرهِ: بضم الهمزة وفتح النون وتشديد القاف مع كسرها، أي: أبحثَ وأفتِّشَ، ولأبي ذرٍّ «عن قلوبِ النَّاس» (وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ. قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ) ﵊ (إِلَيْهِ) أي: إلى الرَّجل (وَهْوَ مُقَفٍّ) أي: مولٍّ قفاهُ، ولأبي ذرٍّ «مقفِّي» بإثبات الياء بعد الفاء المشددة، بناءً على الوقفِ في مثله بالياء، وهو وجهٌ صحيحٌ، قرأَ به ابنُ كثيرٍ: ﴿وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] و ﴿وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] لكن الوقف بحذفها أقيسُ وأكثرُ، ولا يجوزُ في الوصلِ إلَّا الحذفُ، ومن أثبتها وقفًا أثبتها خطًّا رعايةً للوقفِ، وعليه تتخرَّجُ روايةُ أبي ذرٍّ، والجملة حالية (فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ «وقال» بالواو: (إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ) بضادين معجمتين مكسورتين الثانية مكتنفة بهمزتين أولاهما ساكنة، وللكُشمِيهنيِّ «من (٤) صئصئ» بصادين مهملتين، وهما بمعنى، أي: من نسلِ (هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا) لمواظبتهم على تلاوتِه، فلا يزالُ لسانهم رطبًا بها، أو هو من تحسينِ الصَّوتِ بها (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) أي: لا يرفع في الأعمالِ
стр. 7956
الصَّالحة فليس لهم فيه حظٌّ إلَّا مرورهُ على لسانِهم، فلا يصلُ إلى حلوقِهِم فضلًا عن (١) أن يصلَ قلوبهم حتى يتدبَّرُوه بها (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) الإسلام (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ) أي: خروجهُ إذا نفذَ من الجهةِ الأخرى (مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية، الصَّيد المرميُّ (وَأَظُنُّهُ) ﵊ (قَالَ: لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ) أي: لأستأصلنَّهُم كاستئصالِ ثمودَ.
وهذا الحديثُ سبق في «باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ﴾ [الحاقة: ٦]»، من «كتاب أحاديثِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٣٣٤٤].
٤٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بنِ بشيرِ بنِ فرقدٍ الحنظليُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبد العزيز، أنَّهُ قال: (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح: (قَالَ جَابِرٌ) بنُ عبدِ الله (٢) ﵁: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا (٣)) حينَ قدم مكَّة من اليمنِ ومعهُ هديٌ (أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ) الَّذي كان أحرمَ به كإحرامهِ ﵊، ولا يحلَّ لأنَّ معه الهدِي.
(زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بفتح الموحدة وسكون الكاف، البرسانيُّ في روايته (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁¬) من اليمنِ (بِسِعَايَتِهِ (٤)) بكسر السين المهملة،
٤٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبدِ الله الطَّحان قال: (حَدَّثَنَا بَيَانٌ) بفتح الموحدة والتحتية المخففة، ابنُ بشر (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازم (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبدِ الله البجليِّ، أنَّه (قَالَ: كَانَ بَيْتٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ذُو الخَلَصَةِ) الَّذي كان فيه الصَّنم، وقيل: اسمُ البيتِ الخلصة، واسمُ الصَّنم: ذو الخَلصة. وحكى المبرِّدُ -كما في «الفتح» -: أنَّ موضعَ ذي الخَلَصة صار مسجدًا جامعًا لبلدةٍ يقالُ لها: العَبْلات من أرضِ خَثْعم (وَ) يقال له: (الكَعْبَةُ اليَمَانِيَةُ) بتخفيف الياء؛ لكونها باليمن (١) (وَالكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ) هي الَّتي بمكَّة، وحذف خبر المبتدأ الَّذي هو الكعبة، كذا (٢) قرَّره غيرُ واحدٍ منهم النَّوويُّ. قالوا: وبه يزولُ الإشكالُ، ويحصل التَّمييز بين كعبةِ البيتِ الحرامِ وبين التي اتَّخذُوها مُضَاهاةً لها باليمنِ.
وقال في «الفتح»: الَّذي يظهرُ لي أنَّ الذي (٣) في الرِّوايةِ صواب، وأنَّها كان يقال لها: اليمانيَة باعتبار كونها باليمنِ، والشاميَّةُ باعتبارِ أنَّهم جعلوا بابها مقابلَ (٤) الشَّام. ويؤيِّده ما ذكرهُ عياض: أنَّ في بعض الرِّوايات: «اليمانيَة الكعبةُ الشَّاميَّة». بغيرِ واو. قال: والمعنى: كان يقال لها تارةً كذا وتارةً كذا. وقال السُّهيليُّ: اللَّام من قولهِ: «يقال له» لامُ العلَّة، يعني: أنَّ وجود هذا البيت كان يقالُ لأجلهِ: الكعبةُ الشَّاميَّة، يريد: أنَّ السَّبب الحاملَ على وصفِ الكعبة الحرام بالشَّاميَّة قصد تمييزها من هذا البيتِ الحادثِ الذي سمَّوهُ بالكعبةِ اليمانيَة، وأمَّا قبلَ وجودهِ فكانت الكعبةُ لا تحتاجُ إلى وصفٍ، وإذا أطلقت فلا يرادُ بها إلَّا البيت الحرام؛ لعدمِ المُزاحِم. فزال (٥) الإشكالُ.
стр. 7959
قال جريرٌ (١): (فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا) بتخفيف اللام (تُرِيحُنِي) أي: تريح قلبي (مِنْ ذِي الخَلَصَةِ) طلبٌ يتضمَّنُ الأمر، وخصَّ جريرًا بذلك؛ لأنَّها كانت في بلاد قومه (فَنَفَرْتُ) بالفاء المخففة بعد النون، أي: خرجَتُ له مسرعًا (فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا، فَكَسَرْنَاهُ) أي: البيت (وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بذلك (فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ) بالحاء والسين المهملتين، بوزن أحمر، وهم إخوةُ بَجِيلةَ رهط جريرٍ، ينسبون (٢) إلى أحمسِ بنِ الغوثِ بنِ أنمار، وبَجِيلة: اسمُ امرأةٍ نُسبت إليها القبيلة المشهورةُ.
٤٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي خالدٍ البجليُّ الكوفيُّ، ولأبي ذرٍّ «عن إسماعيل» أنَّهُ قال: (حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازمٍ (قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرٌ ﵁: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ) والمرادُ بالرَّاحةِ راحة القلبِ؛ لأنَّهُ ما كان شيء أتعب له (٣) ﵊ من بقاءِ ما يشركُ به من دون الله (وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة، بوزن جعفر، قبيلةٌ من اليمنِ، ينسبونَ إلى خَثْعم بن أَنْمار -بفتح الهمزة وسكون النون- ابنِ إِرَاشٍ -بكسر الهمزة وتخفيف الراء وبعد الألف شين معجمة- ابنِ عَنْزٍ
стр. 7960
-بفتح العين المهملة وسكون النون بعدها زاي- (يُسَمَّى الكَعْبَةَ) ولأبي ذرٍّ: «كعبة» (اليَمَانِيَةَ، فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِئَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ) سقطَ «من أحمَسَ» لأبي ذرٍّ (وَكَانُوا) أي: أحمس (أَصْحَابَ خَيْلٍ) أي: لهم ثبات عليها (وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ) ﷺ (فِي) ولأبي ذرِّ «عَلَى» (صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي) وعند الحاكمِ من حديث البراءِ: فشكَا جريرٌ إلى رسولِ الله ﷺ القَلَع -أي: بالقاف ثمَّ اللَّام المفتوحتين، عدمُ الثَّباتِ على السَّرج- فقال: «ادْنُ مِنِّي» فدَنَا منهُ، فوضعَ يدهُ على رأسهِ، ثمَّ أرسلها على وجههِ وصدرهِ حتَّى بلغَ عانته، ثمَّ وضع يدهُ على رأسهِ وأرسلها على ظهرهِ حتَّى انتهتْ إلى أليتيهِ (١) (وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا) قيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ؛ لأنَّه لا يكونُ هاديًا حتَّى يكونُ مهديًّا، وقيل: معناهُ (٢) كاملًا مكملًا (فَانْطَلَقَ) جريرٌ ومن معه (إِلَيْهَا) إلى ذي الخَلصةِ (فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا) بتشديد الراء، أي: هدمَ بناءَهَا، ورمى النَّارَ في أخشابِهَا (ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) يخبرُه بذلك، وفي السَّابقةِ [خ¦٤٣٥٥] أنَّ جريرًا هو الَّذي أخبرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ، وهو محمولٌ على المجازِ (فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا) أي: ذا الخَلَصةِ (كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) بالجيم والراء والموحدة، أي: سوداءُ من التَّحريقِ، كالجملِ الأجربِ إذا طُليَ بالقَطِرانِ، أو هو كنايةٌ عن إذهابِ بهجتها (قَالَ: فَبَارَكَ) ﵊ (فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ).
وهذا الحديثُ سبق في «باب البشارة بالفتوح» من «الجهاد» [خ¦٣٠٧٦].
стр. 7961
٤٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بنِ راشدٍ القطَّانُ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنا» (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامةَ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) البجليِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازمٍ (عَنْ جَرِيرٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ. فَقُلْتُ: بَلَى) يا رسول الله (فَانْطَلَقْتُ) إليها (فِي خَمْسِينَ وَمِئَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ) على الخيلِ (وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) لغيرهِ حال كونه (مَهْدِيًّا) بفتح الميم، في نفسهِ، وحينئذٍ فلا يقالُ فيه تقديمٌ وتأخيرٌ (١) كما مرَّ (قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ) وفي نسخةٍ «فرسي» (بَعْدُ. قَالَ: وَكَانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيْتًا بِاليَمَنِ لِخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ، فِيهِ) أي: في البيتِ (نُصُبٌ) بضمتين، حجر يُنْصب يذبحون عليهِ (يُعْبَدُ، يُقَالُ لَهُ: الكَعْبَةُ. قَالَ: فَأَتَاهَا) جريرٌ (فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا) أي: هدمَ بناءها (قَالَ: وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ اليَمَنَ كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلَامِ) أي: يطلبُ قسمهُ من الشرِّ والخيرِ بالقدحِ (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَهُنَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ. قَالَ: فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ يَضْرِبُ بِهَا) بالأزلامِ (إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ، فَقَالَ) له جريرٌ: (لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدًا) بتنوين الدال، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ (٢) «ولْتشهدَنَّ» بسكون اللام وبعد الدال نون توكيد ثقيلة (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. قَالَ: فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ) أي: أنْ لا إله إلَّا الله (ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى) بضم الياء وسكون الكاف (أَبَا أَرْطَاةَ) بهمزة مفتوحة وراء ساكنة وطاء مهملة مفتوحة (٣) وبعد الألف تاء، واسمهُ: حَصِين
стр. 7962
-بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- ابن ربيعةَ، كما في مسلم (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) من سوادِ الإحراقِ (قَالَ: فَبَرَّكَ) بتشديد الراء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فباركَ» (النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا) أي: دعَا لهُ بالبركةِ (خَمْسَ مَرَّاتٍ) مبالغة، واقتصرَ على الوترِ لأنَّه مطلوبٌ.
(٦٣) (غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) قال ابنُ سعد في «طبقاتِه» فيما قرأتُه فيها: هي وراء ذاتِ (١) القُرَى، وبينها وبين المدينة عشرة أيامٍ، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمانٍ من مهاجره (٢) ﷺ . انتهى.
وجزم ابنُ أبي خالدٍ في «كتاب صحيح التاريخ»: أنَّها كانت سنة سبعٍ، وسمِّيت بذلكَ لأنَّ المشركينَ -فيما قيل- ارتبطَ بعضهم إلى بعضٍ مخافة أن يفرُّوا، أو لأنَّ بها ماءً يقال له: السَّلْسلُ.
(وَهْيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة، قبيلةٌ كبيرةٌ، ينسبونَ إلى لخمٍ، واسمهُ: مالكُ بنُ عديِّ بنِ الحارثِ بنِ مرَّةَ بنِ أددَ (وَجُذَامَ) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة الخفيفة، قبيلةٌ كبيرةٌ، ينسبونَ إلى عَمرو بنِ عديٍّ، إخوةُ لخمٍ على المشهورِ (قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ).
(وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمدٌ صاحبُ المغازِي (عَنْ يَزِيدَ) بنِ رومانَ (٣) (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبيرِ ابنِ العوَّامِ: (هِيَ) أي: ذاتُ السَّلاسلِ (بِلَادُ بَلِيٍّ) بفتح الموحدة وكسر اللام المخففة بعدها تحتية مشددة (٤) للنسبة، قبيلةٌ كبيرةٌ، ينسبونَ إلى بليِّ بنِ عَمرو بنِ الحافِّ بنِ قُضاعةَ (وَعُذْرَةَ)
стр. 7963
بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة، ينسبونَ إلى عُذْرةَ بنِ سعدِ هذيمِ بنِ زيدِ ابنِ ليثِ بنِ سويدِ بنِ أسلُم -بضم اللام- ابنِ الحَافِّ بنِ قُضاعةَ (وَبَنِي القَيْنِ) بفتح القاف وسكون التحتية، ابنِ شِيْع الله -بكسر الشين المعجمة وسكون التحتية آخره عين مهملة- ابنِ أسدِ بنِ وَبَرَةَ بنِ ثعلبِ بنِ حلْوانِ بنِ عمرانِ بنِ الحافِّ بنِ قُضَاعة.
٤٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بنُ شاهِين، أبو بشرٍ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنا» (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحانُ، وسقطَ لأبي ذرٍّ «ابنُ عبدِ اللهِ» (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بالحاء المهملة والذال المعجمة، ابنِ مهرانَ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبدِ الرَّحمنِ النَّهديِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) -كذا (١) بغيرِ ياءٍ في الفَرْع كأصلهِ (٢) - بعدَ أن عقدَ له لواءً أبيض (عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) وكانوا ثلاث مئة من سَراةِ المهاجرينَ والأنصارِ ومعهم ثلاثونَ فرسًا، لِمَا ذُكِرَ (٣) أنَّ جمعًا من قضاعةَ تجمَّعُوا وأرادُوا أن يدنُوا من أطرافِ المدينةِ، وأمرهُ أن يستعينَ بمن يمرُّ به من بَلِيٍّ وعُذْرة وبَلْقَيْن، فسارَ اللَّيل وكمَنَ النَّهار، فلمَّا قرُبَ من القومِ بلغهُ أنَّ لهم جمعًا كثيرًا، فبعثَ رافعَ بنَ مَكِيثٍ الجهنيَّ إلى رسولِ الله ﷺ يستمدُّهُ، فبعثَ إليه أبا عُبيدة بن الجرَّاح في مئتين وعقد له لواء، وبعثَ معه سراةَ المهاجرينَ والأنصارِ، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمرهُ أن يلحقَ بعمرو (٤) وأن يكونا جميعًا ولا يختلفَا، فلحق بعمرو بن العاص (٥)
стр. 7964
فأرادَ أبو عُبيدة أن يؤمَّ النَّاس، فقال عَمرو: إنَّما قدمتَ عليَّ مددًا وأنا الأميرُ، فأطاعَ (١) له بذلك أبو عُبيدة، فكان عمرو يصلِّي بالنَّاس، وسار حتى وطئ بلادَ بَلِيٍّ ودوَّخها (٢) حتى (٣) أتى إلى أقصى بلادِهم وبلادِ عُذْرةَ وبَلْقَيْن، ولقيَ في آخر ذلك جمعًا فحملَ عليهم المسلمون، فهربوا في البلادِ وتفرَّقُوا. كذا ذكره ابنُ سعد.
وعند الحاكمِ من حديثِ بُريدةَ: أنَّ عَمرو بن العاص أمرهم في تلكَ الغزوةِ أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عُمر، فقال أبو بكرٍ ﵄: دعهُ، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يبعثهُ علينا إلَّا لعلمهِ بالحربِ، فسكتَ عنهُ.
وعند ابن حبَّان: أنَّه منعهم أن يوقدوا نارًا، وأنَّهم لما هزَمُوا العدوَّ أرادوا أن يتبعوهُم فمنعهم، فلمَّا انصرفُوا ذكروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: كرهتُ أن آذنَ لهُم أن يوقدوا نارًا فيرى العدوُّ قلَّتهم، وكرهتُ أن يتبعوهُم فيكون لهم مددٌ، فحمدَ أمرهُ.
(قَالَ) عَمرو: (فَأَتَيْتُهُ) لمَّا قدمتُ (٤) من جيشِ ذاتِ السَّلاسلِ فقعدتُ بين يديهِ (فَقُلْتُ): يا رسول الله (أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ) بنُ الخطَّابِ. (فَعَدَّ رِجَالًا) قال عَمرو بن العاص: (فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ) أي: في الفضلِ. وعند البيهقيِّ: قال عَمرو: «فحدَّثت نفسي أنَّه لم يبعثْني على قومٍ فيهم أبو بكر وعمرُ إلَّا لمنزلةٍ لي عندهُ، فأتيتهُ حتَّى قعدتُ بينَ يديهِ فقلت: يا رسولَ الله، من أحبُّ النَّاسِ إليك؟ … » الحديث.
(٦٤) (ذَهَابُ جَرِيرٍ) أي: ابنِ عبدِ اللهِ البجليِّ (إِلَى) أهلِ (اليَمَنِ) ليقاتلهُم ويدعوهُم (٥) أن يقولوا: لا إلهَ إلَّا الله، والظَّاهر -كما في «الفتح» - أنَّ هذا البعث غير بعثهِ إلى هدمِ ذي الخَلَصة.
стр. 7965
٤٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبدُ اللهِ بنُ محمَّد بنِ أبي شيبةَ، إبراهيمَ بنِ عثمانَ أبو بكرٍ الكوفيُّ الحافظُ (العَبْسِيُّ) بفتح العين وكسر السين المهملتين بينهما موحدة ساكنة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ) عبدُ اللهِ الأوْديُّ -بسكون الواو- أبو محمَّد الكوفيُّ الثِّقةُ العابدُ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الأحمسيِّ مولاهُم البجليِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازم (عَنْ جَرِيرٍ) البجليِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ بِالبَحْرِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ «باليمنِ» (فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ ذَا الكَلَاع) بفتح الكاف واللام المخففة وبعد الألف عين مهملة، اسمه: أسْمَيْفَع -بسكون السين المهملة وفتح الميم وسكون التحتية وفتح الفاء بعدها عين مهملة- ويقال: أيفعُ بن باكوراءَ، ويقال: ابنُ حوشب بنِ عمرو (وَذَا عَمْرٍو) بفتح العين، وكانا من ملوكِ اليمنِ، وكان جرير قضَى حاجتهُ وأقبلَ راجعًا يريد المدينةَ، وكانا أيضًا قد عزمَا على التوجُّهِ إلى المدينةِ.
قال جريرٌ: (فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ) أي: ذا كَلاع وذا عَمرو ومن معهما (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ) لجريرٍ (ذُو عَمْرٍو: لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ) يعني: النَّبيَّ ﷺ (لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ مُنْذُ ثَلَاثٍ) جواب الشَّرط مقدَّر (١)، أي: إن أخبرتني بهذا أخبرتُكَ بهذا، فالإخبارُ سببٌ للإخبارِ، ومعرفةُ ذي عَمرو بوفاته ﵊ إمَّا بطريقِ الكهانةِ أو أنَّه كانَ من المُحدَّثين،
стр. 7966
أو بسماعٍ من بعض القادمين سرًّا. قاله الكِرْمانيُّ، وتعقَّبه في «الفتح»: بأنَّهُ لو كانَ مستفادًا من غيرهِ لَمَا احتاجَ إلى بناءِ ذلك على ما ذكره جرير، فالظَّاهر أنَّه قاله (١) عن اطِّلاعٍ من الكتبِ القديمةِ (وَأَقْبَلَا مَعِي) متوجهينَ إلى المدينةِ (حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ المَدِينَةِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جهتها (فَسَأَلْنَاهُمْ، فَقَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ صَالِحُونَ، فَقَالَا) ذو الكَلاعِ وذو عَمرو: (أَخْبِرْ صَاحِبَكَ) أبا بكرٍ ﵁ (أَنَّا قَدْ جِئْنَا، وَلَعَلَّنَا سَنَعُودُ) إليه (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى (وَرَجَعَا (٢) إِلَى اليَمَنِ) قال جريرٌ: (فَأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ بِحَدِيثِهِمْ) جَمَعَ باعتبارِ من معهم، أو أنَّ أقلَّ الجمعِ اثنان (قَالَ: أَفَلَا جِئْتَ بِهِمْ) وروى سيف في «الفتوح» أنَّ أبا بكرٍ بعثَ أنسَ بنَ مالكٍ يستنفرُ أهلَ اليمنِ إلى الجهادِ، فرحلَ (٣) ذو الكلاعِ ومن معهُ (فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ) بالبناءِ على الضم، أي: بعد هذا الأمرِ في خلافةِ عمر بنِ الخطَّاب وهاجر ذو عَمرو (قَالَ لِي ذُو عَمْرٍو: يَا جَرِيرُ، إِنَّ بِكَ (٤) عَلَيَّ كَرَامَةً، وَإِنِّي مُخْبِرُكَ خَبَرًا؛ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ) بقصر الهمزة وتشديد الميم في الفَرْع وفي غيرهِ: بمد الهمزة وتخفيف الميم، أي: تشاورتم (فِي) أميرٍ (آخَرَ) ومعنى المشدَّدِ (٥): أقمتُم أميرًا منكُم عن رضا منكُم، أو عهد من الأوَّل (فَإِذَا كَانَتْ) أي: الإمارةُ (بِالسَّيْفِ) أي: بالقهرِ والغلبةِ (كَانُوا) أي: الخلفاء (مُلُوكًا، يَغْضَبُونَ غَضَبَ المُلُوكِ وَيَرْضَوْنَ رِضَا المُلُوكِ).
(٦٥) ((٦) غَزْوَةُ سِيْفِ البَحْرِ) بكسر السين المهملة وسكون التحتية بعدها فاء، أي: ساحلهُ
٤٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (قَالَ: الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِئَةِ رَاكِبٍ، أَمِيرُنَا) جملة حالية بدون الواو، ولأبي ذرٍّ «وأميرُنا» (أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ. نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ) ففنيْت أزوادُنَا (فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الخَبَطَ) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها طاء مهملة، ورق السَّلَمِ (فَسُمِّيَ ذَلِكَ الجَيْشُ جَيْشَ الخَبَطِ، فَأَلْقَى لَنَا البَحْرُ دَابَّةً) من السَّمكِ (يُقَالُ لَهَا: العَنْبَرُ) يتَّخذُ من جلدِها الأتراس (فَأَكَلْنَا مِنْهُ) من الحوتِ (نِصْفَ شَهْرٍ) في الرِّواية السَّابقةِ [خ¦٤٣٦٠] «ثمان عشرة ليلةً». قيل: القائلُ بالزِّيادة ضبطَ ما لم يضبطْه الآخرُ القائلُ بهذا الثَّاني، ولعلَّه ألغَى الزَّائد، وهو الثَّلاثة (وَادَّهَنَّا) بهمزة وصل وتشديد الدال المهملة (مِنْ وَدَكِهِ) بفتح الواو والدال المهملة، من شحمهِ (حَتَّى ثَابَتْ) بالمثلثة وبعد الألف موحدة ففوقية، أي: رجعَتْ (إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا) إلى ما كانت عليه من القوَّةِ والسِّمنِ بعدما هزلَت من الجُّوعِ (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي «من أعضائِهِ» (فَنَصَبَهُ (١)، فَعَمَدَ) بفتح الميم (إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ) هو قيسُ بنُ سعد بنِ عبادة (قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (مَرَّةً: ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ) وللمُستمليِّ «من أعضائِه» (فَنَصَبَهُ) سقطَ «فنصبَهُ» لأبي ذرٍّ (وَأَخَذَ رَجُلًا وَبَعِيرًا فَمَرَّ تَحْتَهُ) راكبًا عليهِ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ «فقالَ» (جَابِرٌ: وكَانَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ) عندما جاعُوا (ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ) بالتِّكرار ثلاثَ مرَّات، «الجزائرُ» جمع: جزور، وهو البعيرُ ذكرًا كان أو أنثى (ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ) عن ذلك؛ لأجلِ قلَّة الظَّهر.
(وَكَانَ عَمْرٌو) بنُ دينار (يَقُولُ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوانُ السَّمَّان: (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ) الصَّحابي (قَالَ لأَبِيهِ) سعد بن عبادَة لمَّا رجعُوا: (كُنْتُ فِي الجَيْشِ فَجَاعُوا. قَالَ: انْحَرْ. قَالَ):
стр. 7970
قلتُ له: (نَحَرْتُ. قَالَ: ثُمَّ جَاعُوا. قَالَ) لي: (انْحَرْ. قَالَ): قلتُ له: (نَحَرْتُ. قَالَ: ثُمَّ جَاعُوا. قَالَ: انْحَرْ. قَالَ): قلتُ له: (نَحَرْتُ. ثُمَّ جَاعُوا. قَالَ: انْحَرْ. قَالَ): قلتُ له: قَدْ (نُهِيتُ) بضم النون وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول، أي: نهاني أبو عبيدةَ، وتكرَّرَ قوله: «انحرْ» أربع مرَّاتٍ، وهذا صورتهُ صورةُ المرسلِ؛ لأنَّ عَمرو بن دينارٍ لم يدرِكْ زمانَ تحديثِ قيسٍ لأبيهِ بذلكَ. نعم رواه الحميديُّ في «مسنده» فيما أخرجَه أبو نُعيم في «مستخرجه» من طريقهِ بلفظ: عن أبي صالحٍ، عن قيسِ بنِ سعدِ بنِ عبادةَ. قال: قلتُ لأبي، وكنت في ذلك الجيشِ جيشَ الخَبَطِ، فأصابَ النَّاسَ جوعٌ. قال لي: انحرْ … فذكره.
٤٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبد العزيز، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينار: (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ) ابنُ الجرَّاحِ، بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أمرَّهُ النَّبيُّ ﷺ علينا (فَجُعْنَا جُوْعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى البَحْرُ) ولأبي ذرٍّ «لنَا البحرُ» (حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ) في العِظَم (يُقَالُ لَهُ: العَنْبَرُ) ويقال: إنَّ العنبرَ الَّذي يشمُّ رجيع هذه الدَّابة، وقيل: إنَّه يخرجُ من قعرِ البحرِ يأكلُهُ بعض دوابِّه لدسومتهِ فيقذفهُ رجيعًا، فيوجدُ (١) كالحجارةِ الكبارِ يطفو على الماءِ، فتلقيه الرِّيحُ إلى السَّاحلِ، وهو يقوِّي القلبَ والدِّماغَ نافعٌ من الفالجِ واللَّوقةِ والبلغمِ الغليظ. وقال الشَّافعيُّ ﵀: سمعتُ من قال: رأيتُ العنبر نابتًا (٢) في البحرِ ملتويًا مثل عُنق الشَّاةِ وله رائحةٌ ذكيَّةٌ، وفي البحرِ دويبةٌ تقْصده لذكاءِ ريحهِ، وهو سمُّها فتأكلهُ فيقتلها، ويلفظهَا البحرُ فيخرُجُ العنبرُ من بطنِها (فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو
стр. 7971
عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ) قال ابن جريج: (فَأَخْبَرَنِي) بالفاء والإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «وأَخْبرني» (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمَّد بنُ مسلمٍ المكيُّ، بالسَّند السَّابق: (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ) ولأبي الوقتِ «فقالَ» (أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا) أي: من الحوتِ فأكلنَا (فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللهُ) لكم (أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ) منه شيءٌ (فَآتَاهُ) بالمد، أي: أعطاهُ (بَعْضُهُمْ) وللأَصيليِّ -ونسبها في «الفتح» لابن السَّكن-: «فأتاهُ بعضُهُم (١) بعضُوٍ منهُ» (فَأَكَلَهُ) وفيه: حِلُّ ميتة السَّمكِ، وغير ذلك ممَّا لا يخفَى.
وفي هذه السَّريَّة كان عمرُ بن الخطَّاب، وقد روِّينا حديثها في «الغيلانياتِ»، وفيه: أنَّهُ لمَّا أصابهُم الجوعُ قال قيسُ بنُ سعد: من يشتري منِّي تمرًا بجُزُر، يُوْفيني الجُزُر ههنا وأوفِّيه التَّمر بالمدينةِ، فجعلَ عمرُ يقول: واعجباهُ لهذا الغلام، لا مالَ له يدينُ فيما لغيرهِ، وأنَّه ابتاعَ خمسَ جزائرَ كل جزورٍ بوسقٍ من تمرٍ، فنحرها لهم في مواطن ثلاثةٍ كلَّ يومٍ جزورًا، فلمَّا كان اليوم الرَّابعُ نهاهُ أميره أبو عُبيدة ﵁ (٢) فقال: أتريدُ أن تخفرَ ذمَّتكَ ولا مالَ لكَ؟ فلمَّا قدمَ قيسٌ لقيه سعدٌ، فقال: ما صنعتَ في مجاعةِ القومِ؟ قال: نحرتُ، قال: أصبتَ، قال: ثمَّ ماذا؟ قال: نحرتُ، قال: أصبتَ (٣)، قال: ثم ماذا؟ قال: نُهيت، قال: ومن نهاكَ؟ قال: أبو عُبيدة أميري، قال: ولم؟ قال: زعمَ أن لا مالَ لي وإنَّما المالُ لأبيكَ، قال: فلكَ أربعُ حوائط أدناها حائطٌ تجدُ منهُ خمسينَ وسقًا … الحديث بطوله، اقتصرتُ منه على المراد.
(٦٦) (حَجُّ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ ﵁ (بِالنَّاسِ (٤) سَنَةِ تِسْعٍ) من الهجرةِ.
стр. 7972
٤٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة، العتكيُّ البصريُّ قالَ: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء وفتح اللام وبعد التحتية الساكنة حاء (١) مهملة، ابنُ سليمانَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمِّد بنِ مسلم ابنِ شهابٍ (٢) (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁¬) سقطَ «الصِّديق» لأبي ذرٍّ (بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم، أي: جعلهُ (عَلَيْهَا) أميرًا (النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ) زاد في «الحجِّ» [خ¦١٦٢٢] بمنَى (فِي) جملة (رَهْطٍ) وهو ما دونَ العشرةِ من الرِّجالِ (يُؤَذِّنُ) بفتح الهمزة وتشديد المعجمة المكسورة، يعلمُ الرَّهط، أو أبو هريرة على الالتفاتِ (فِي النَّاسِ: لَا يَحُجُّ) ولأبي ذرٍّ «أن لا يحجَّ» (بَعْدَ) هذا (العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) برفع «يطوفُ» أو نصبِه عطفًا على «لا يحج»، أو «أن لا يحج» (٣)، ولأبوي الوقتِ وذرٍّ «ولا يطوفنَّ» بنون التَّوكيد الثقيلة.
٤٣٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بالراء والجيم، الغدَّانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ) حال كونها (كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]).
استُشكل قوله هنا: «كاملةً»، السَّاقط من روايتهِ في «تفسيرِ براءة» [خ¦٤٦٥٤] من حيثُ إنَّها نزلت شيئًا فشيئًا، المرادُ: بعضُها أو معظمها؟ وإلَّا ففيها آياتٌ كثيرةٌ نزلَت قبل (٤) سنةِ الوفاةِ
стр. 7973
النَّبويَّة، فلعلَّ المراد بقوله: «سورة»، في الموضعينِ القطعةُ من القرآنِ، أو الإضافةُ بمعنى «من» البيانيَّة، أي: من آخرِ سورةٍ، وإزالةُ الإشكالِ بالتَّعبيرِ بآخرِ آيةٍ نزلت، ويأتي إن شاء الله في «التَّفسير» [خ¦٤٦٥٤] مزيدٌ لذلك، والله الموفِّق والمعينُ لا إلهَ غيرهُ.
(٦٧) (وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ) أي: ابنِ مُرِّ -بضم الميم وتشديد الراء- ابنِ أُدِّ -بضم الهمزة وتشديد الدال المهملة- ابنِ طَابِخَة -بموحدة مكسورة وخاء معجمة مفتوحة- ابنِ إلياسِ بنِ مضر، وقد كانت الوفود بعد رجوعهِ ﵊ من الجِعْرانة في أواخر سنة ثمان وما بعدها، وعند ابنِ هشامٍ: أنَّ سنة تسع كانت تسمَّى: سنة الوفود.
٤٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي صَخْرَةَ) بالصاد المهملة المفتوحة والخاء المعجمة الساكنة، جامعِ بنِ شدَّادٍ المحاربيِّ الكوفيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضم الميم وسكون الحاء وكسر الراء (١) بعدها زاي (المَازِنِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (٢) (¬﵄¬) أنَّهُ (قَالَ: أَتَى نَفَرٌ) عدَّة رجالٍ من ثلاثة إلى عشرة في سنة تسع (مِنْ بَنِي تَمِيمٍ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ) لهم ﵊: (اقْبَلُوا البُشْرَى) بدخولِ الجنَّة (يَا بَنِي تَمِيمٍ) وذلك أنَّه ﵊ عرَّفهم أصولَ العقائِد الَّتي هي المبدأُ والمعادُ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ بَشَّرْتَنَا) وإنَّما جئنا للاستعطاءِ (فَأَعْطِنَا) بهمزة قطع من المال (فَرِيءَ) بكسر الراء وسكون التحتية بعدها همزة، ولأبي ذرٍّ «فرُئِي» بضم الراء بعدها همزة فتحتية (ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ) وفي «بدءِ الخلق» [خ¦٣١٩٠] «فتغيَّرَ وجههُ» أي: أسفًا عليهم لإيثارهم الدُّنيا
стр. 7974
(فَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ اليَمَنِ) من الأشعريِّين (فَقَالَ) ﵊ لهم: (اقْبَلُوا البُشْرَى) بالجنَّة (إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا) ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ).
وقد مرَّ هذا الحديث في أوائلِ «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٠].
(٦٨) هذا (بابٌ) بالتنوين (قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّد صاحب المغازي: (غَزْوَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ) «غزوة» مصدر مضاف لفاعله ومفعوله (بَنِي العَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) لِمَا قيل -فيمَا ذكرهُ الواقديُّ-: أنَّهم أغارُوا على ناسٍ من خزاعة (فَأَغَارَ) عليهم عُيينة ومن معهُ، وكانوا خمسينَ ليس فيهم أنصاريٌّ ولا مهاجريٌّ (وَأَصَابَ مِنْهُمْ نَاسًا، وَسَبَى مِنْهُمْ نِسَاءً) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «سِباء» بسين مكسورة بعدها موحدة، وعند الواقديِّ: أنَّه أسرَ منهم أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأةً وثلاثين صبيًّا، فقدمَ رؤساؤهم بسببِ ذلك.
٤٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمةَ النَّسائيُّ -والدُ أبي بكرِ بنِ أبي خيثمةَ- قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميدِ الرازيُّ (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه قال: (لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ) من الخصالِ (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُهَا) أنَّث ضمير «يقولها» باعتبارِ الثَّلاثِ، وذكَّره في «سمعتُه» باعتبار اللَّفظِ، وللأَصيليِّ «سمعتهنَّ» باعتبارِ المعنى (فِيهِمْ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ) أي: إذا خرجَ (وَكَانَتْ فِيهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «منهُم» (سَبِيَّةٌ) بفتح
стр. 7975
السين المهملة وكسر الموحدة وتشديد التحتية، أي: جاريةٌ مسبيَّةٌ (عِنْدَ عَائِشَةَ) وكان على عائشةَ نذرُ عتقٍ من ولدِ إسماعيلَ (فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وتعيينُ اسمِ المعتوقةِ (١) هذه سبقَ في «بابِ من ملكَ من العربِ» في «العتقِ» [خ¦٢٥٤٣] (وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ) أي: صدقاتِ بني تميم (فَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمٍ أَوْ قَوْمِي) بياءِ النَّسبِ؛ لاجتماعِ نسبهِ الشَّريفِ بنسبهم في إلياسِ بن مضر.
٤٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاءُ الرَّازيُّ الصَّغيرُ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملكِ بنَ عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ: أنَّه قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسألوا النَّبيَّ ﷺ أن يؤمِّرَ عليهم أحدًا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: يا رسول الله (أَمِّرِ القَعْقَاعَ) بفتح القافين (بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ) عليهم (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّابِ: (بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) عليهم يا رسول الله (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) لعمر ﵄: (مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي) أي: ليس مقصودُكَ إلَّا مخالفةَ قولي (قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا) أي: تجادَلا وتخاصَما (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) بحضرته ﵊ (فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا (٢)﴾ [الحجرات: ١] حَتَّى انْقَضَتْ) أي: الآية، ويأتي إن شاء الله تعالى في «تفسيرِ سورة الحجرات» مزيدٌ لذلك [خ¦٦٥ - ٧١١٢].
стр. 7976
(٦٩) (بابُ وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ) بنِ أَفْصَى -بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصاد المهملة- ابنِ دُعْمِيِّ بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم (١)، ابنِ جَدِيْلة -بالجيم بوزن كَبِيرة- ابنِ أسدِ بنِ ربيعةَ بن نزارٍ، وهي قبيلةٌ كبيرةٌ يسكنونُ البحرين، وهي أوَّلُ قريةٍ أقيمَتْ فيها الجمعةُ بعد المدينةِ، وسقطَ الباب لأبي ذرٍّ، فـ «وفدُ» رفع.
٤٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) بنُ إبراهيمَ بنِ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبدُ الملكِ بنُ عمرو (العَقَدِيُّ) بفتح العين والقاف، قال: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ) بضم القاف وتشديد الراء، ابنُ خالدٍ السَّدوسيُّ (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصرِ بنِ عمرانَ الضُّبعيِّ، أنَّه قال: (قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (إِنَّ لِي جَرَّةً يُنْتَبَذُ) بضم التحتية وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول (لِي) فيها (نَبِيذٌ) كذا في الفَرْع كأصله (٢)، وفي غيرهِ «تنتبذُ» بفوقية بدل التحتية «لي نبيذًا» بالنصب، ولم يضبطْ ذلك الحافظ ابن حجرٍ، وقال: إسنادُ الفعلِ إلى الجرَّةِ مجازٌ. انتهى. وقال بعضُهم: لعلَّه: جاريةٌ تنتبذُ (فَأَشْرَبُهُ حُلْوًا) كائنة تلك الجرَّةِ التي ينتبذُ لي فيها (فِي) جملة (جَرٍّ) بفتح الجيم وتشديد الراء، جمع جرَّة كجرارٍ (إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ) شربًا (فَجَالَسْتُ القَوْمَ
стр. 7977
فَأَطَلْتُ الجُلُوسَ) معهم (خَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ) لأنِّي أصيرُ في حالٍ مثلَ حال السُّكارى (فَقَالَ) ابنُ عبَّاس: (قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ) القدمة الثَّانية (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وكانوا ثلاثةَ عشرَ راكبًا كبيرُهم الأشجُّ.
وسُمِّي منهم في «التَّحرير»: منقذُ بنُ حَبَّان، ومزيدةُ (١) بنُ مالكٍ، وعَمرو بن مرحُوم، والحارثُ بن شُعيبٍ، وعُبيدة بن همَّام، والحارثُ بن جندُب، وصُحَارُ بنُ العبَّاسِ -بصاد مضمومة وحاء مهملتين- وعندَ ابنِ سعد منهم: عقبة (٢) بن جروة (٣). وفي «سنن أبي داود»: قيسُ بنُ النُّعمانِ العبديُّ، وفي «مسند البزار»: الجهمُ بنُ قُثَْم، وعند أحمدَ (٤): الرَّسيمُ العبديُّ، وفي «المعرفة» لأبي نُعيم: جويرية العبديُّ، وفي «الأدب» للبخاريِّ: الزَّارعُ بنُ عامرٍ العبديُّ، وأمَّا ما عند الدُّولابيِّ من أنَّهم كانوا أربعينَ؛ فيحتملُ أن يكون الثَّلاثة عشر رؤوسهم، ولذا كانوا ركبانًا والباقونَ أتباعًا.
(فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالقَوْمِ) حال كونهم (غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى) بالألف واللام (٥) (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ المُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ) فيه: الدلالةُ على تقدُّمِ إسلامِهم على مضرٍ (وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحُرُمِ) لحرمةِ القتالِ فيها عندهُم (حَدِّثْنَا) بكسر الدال المشددة، بصيغة الطَّلب (بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ) أي: بالأمرِ (دَخَلْنَا الجَنَّةَ) برحمة الله (وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) من قومنا الَّذين خلَّفناهُم في بلادِنا (قَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ) أي: بأربعِ جملٍ (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ) بالجرِّ بدلًا من «أربع» الأولى (هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟)
стр. 7978
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هو (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) زاد في «الإيمان» [خ¦٥٣] «وأنَّ محمدًا رسول الله» (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ) إنَّما ذكرَ الشَّهادة تبرُّكًا بها؛ لأنَّهم كانُوا مسلمين مقرِّين بكلمتي الشَّهادة، لكن ربَّما كانُوا يظنُّونَ أنَّ الإيمانَ مقصورٌ عليهما، كما كان ذلك في ابتداءِ الإسلامِ، فالمرادُ: إقامُ الصَّلاةِ وما يليها؛ وهو قوله: (وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغَانِمِ الخُمُسَ) ولم يذكر الحجَّ؛ لكونهِ (١) على التَّراخِي، أو لعدمِ استطاعتهم له من أجلِ كفَّارِ مضرٍ، أو لم يكن فرضٌ، أو لم يقصدْ إعلامَهُم بجميعِ الأحكامِ التي تجبُ عليهم فعلًا أو تركًا، ولذلكَ (٢) اقتصر في المنهيِّ على الانتباذِ، وأمَّا في الصِّيام من «سنن البيهقي الكبرى» من زيادةِ ذكرِ الحجِّ فهي روايةٌ شاذَّةٌ، وأبو قِلابةَ الرَّقاشيُّ المذكور في سنده تغيَّر حفظهُ في آخر أمره، فلعلَّ هذا ممَّا حدَّث به في التَّغيُّر، والله أعلم.
(وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: مَا انْتُبِذَ) وفي «الإيمانِ»: من الانتباذِ [خ¦٥٣] وهي من إطلاقِ المحلِّ وإرادة الحالِّ (٣)، كما صرَّحَ به في روايةِ هذا الباب، كرواية النَّسائيِّ: مما ينتبذُ (فِي الدُّبَّاءِ) اليقطين (وَالنَّقِيرِ) وهو أصلُ النَّخلةِ، ينقرُ فيتَّخذ منه وعاء (وَالحَنْتَمِ) بالحاء المهملة والنون والفوقية، الجرَّة الخضراء (وَالمُزَفَّتِ) المطليِّ بالزِّفتِ، واقتصرَ من المناهِي على هذه الأربعة؛ لكثرةِ تعاطِيهم لها.
٤٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ)
стр. 7979
بالجيم الضُّبعيِّ، أنَّه (١) قال: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ) والحيُّ: اسمٌ لمنزلةِ القبيلةِ، ثمَّ سُمِّيت القبيلة به؛ لأنَّ بعضهم يحيا ببعضٍ (وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَسْنَا نَخْلُصُ) بضم اللام (إِلَيْكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا) بضم الميم أصله: أؤمِرنَا -بهمزتين- فحذفت الهمزة الأصلية للاستثقال، فصارَ أمرُنا، فاستغنى عن همزة الوصل فحذفت، فبقي مُرْ على وزن عُلْ؛ لأنَّ المحذوف فاء الفعل (بِأَشْيَاءَ نَأْخُذُ بِهَا وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا) أي: خلفنا من قومنا (قَالَ) ﵊: (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: وأنَّ محمدًا رسول الله، كما صرَّح به في روايةٍ أخرى [خ¦٥٣] والاقتصارُ على الأولى؛ لكونها صارت علمًا عليهما. وفي «الزَّكاة»: «وشهادة» [خ¦١٣٩٨] بزيادة واو، وهي زيادةٌ شاذَّةٌ لم يتابعْ عليها حجَّاجَ بن مِنْهال أحدٌ (وَعَقَدَ) بيدهِ (وَاحِدَةً) وهذا يدلُّ على أنَّ الشَّهادة إحدى الأربع (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا لِلَّهِ خُمْسَ مَا غَنِمْتُمْ) ولم يذكر الصَّوم، وسقطَ لفظ «لله» في الفَرْع وثبتَ في الأصل، وفي نسخةٍ «إلى الله» (وَأَنْهَاكُمْ عَنِ) الانتباذِ أو المنبوذ في (الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ).
وفي «مسند أبي داود الطَّيالسي» بإسناد حسنٍ عن أبي بَكْرة قال: أمَّا الدُّباء: فإنَّ أهلَ الطَّائف كانوا يأخذونَ القَرْع فيخرطون فيه العنبَ، ثمَّ يدفنونهُ حتَّى يُهْدرَ ثمَّ يموت. وأمَّا النَّقيرُ: فإنَّ أهلَ اليمامةِ كانوا ينقرونَ أصل النَّخلةِ، ثمَّ ينبذون الرُّطبَ والبُسرَ، ثمَّ يَدْعونه حتَّى يُهْدر ثمَّ يموت. وأمَّا الحنتَمُ: فجرارٌ يحملُ إلينا فيها الخمرُ. وأمَّا المزفَّتُ: فهذه الأوعيةُ الَّتي فيها الزِّفتُ. وتفسير الصَّحابيِّ أولى أن يُعْتمدَ عليه من غيرهِ؛ لأنَّه أعلمُ بالمراد، ومعنى النَّهي عن الانتباذِ في هذه الأوعيةِ بخصوصِها؛ لأنَّه (٢) يسرعُ إليها الإسكار، فربَّما شربَ منها من لا (٣) يشعرُ بذلك، ثمَّ ثبتتِ الرُّخصةُ في الانتباذِ في كلِّ وعاءٍ مع النَّهي عن شربِ كلِّ مسكرٍ، كما سيأتي البحثُ فيه في «كتاب الأشربة» [خ¦٥٥٨٥] إن شاء الله تعالى.