← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

والإفراد، ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» بالإفراد أيضًا (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بضم العين (أَنَّ أَبَاهُ) محمَّدَ بنَ زيدِ بنِ عبدِ الله بنِ عمر (حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الوَدَاعِ وَالنَّبِيُّ ﷺ ¬) الواو للحال (بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلَا) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «فَلا» (نَدْرِي مَا حَجَّةُ الوَدَاعِ) أي: هل وداعُ النَّبيِّ ﷺ أم غيره؟ حتَّى تُوفِّي ﷺ ، فعلمُوا أنَّه ودَّعَ (١) النَّاس بالوصايا قرب موتهِ (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى (٢) (وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ المَسِيحَ الدَّجَّالَ فَأَطْنَبَ) أي: أتَى بالبلاغةِ (فِي ذِكْرِهِ) بالذَّمِّ (وَقَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ) وللأَصيليِّ «أنذرهُ أمَّتهُ» (أَنْذَرَهُ نُوحٌ) قومهُ (وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ) أي: أنذروهُ أممهم، وعيَّن نوحًا لأنَّه آدم الثَّاني (وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ) أيُّها (٣) الأمَّة المحمَّديَّة عند قربِ السَّاعةِ ويدَّعِي الرُّبوبيَّة فـ (مَا) شرطيَّةٌ، أي: إن (خَفِي عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ) أي: بعضُ شأنِه (فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ) بفتح همزة «أن» (عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا) و «ما»: بدل من «ما» السَّابقة (٤)، أي: لا يخفَى أنَّه ليس ممَّا يخفى عليكُم (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ) بالواو، أي: الدَّجَّال، وللأَصيليِّ وأبي الوقتِ «أنَّه» (أَعْوَرُ عَيْنِ اليُمْنَى) بإضافة أعورِ لِمَا (٥) بعدهُ، من إضافةِ الموصوفِ إلى صفتهِ، وهذا ظاهرٌ عندَ الكوفيِّين، وقدَّرهُ البصريُّون: عين صفحة وجهه اليمنَى، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «العَينُ اليُمنَى» (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بالتحتية، أي: بارزةٌ. (أَلَا) بالتخفيف (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ) أي: أنفسكُم (وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا) بالتخفيف (هَلْ بَلَّغْتُ) ما أُرسلتُ به؟ (قَالُوا: نَعَمْ.

стр. 8017

قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ) قال ذلك القولَ (ثَلَاثًا. وَيْلَكُمْ -أَوْ: وَيْحَكُمُ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، والأولى كلمةُ توجُّع (انْظُرُوا، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) أي: لا تكُن أفعالُكُم تشبهُ أفعالَ الكفَّارِ في ضربِ رقابِ المسلمين. وقال في «شرح المشكاة»: وقوله: «يضربُ بعضكُم رقابَ بعضٍ» جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لقولهِ: «فلا ترجِعُوا بعدِي كفَّارًا» فينبغي أن يحملَ على العمومِ، وأن يقالَ: فلا يظلم بعضُكُم بعضًا، فلا تسفكُوا دماءكُم، ولا تهتِكُوا أعراضكُم، ولا تستبيحُوا أموالكُم، ونحوه في الإطلاقِ وإرادةِ العمومِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]. وهذا الحديثُ أخرجه في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٨] و «الأدب» [خ¦٦١٦٦] و «الحدود» [خ¦٦٧٨٥]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «السُّنة»، والنَّسائيُّ في «المحاربة»، وابن ماجه في «الفتن». ٤٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، الحرَّانيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي، ابن معاويةَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبدِ الله السَّبيعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ) إلى المدينةِ (حَجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا) لأنَّه توفِّي في أوائلِ (١) العامِ التَّالي (حَجَّةَ الوَدَاعِ) بنصبِ «حجَّةَ» بدلًا من الأُولى، ويجوزُ الرَّفعُ بتقديرِ: هي. (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيُّ -بالسندِ المذكورِ-: (وَ) حجَّ (بِمَكَّةَ) حجَّةً (أُخْرَى) قبل أن يهاجرَ، وهذا يُوهم أنَّه لم يحجَّ قبل الهجرةِ إلَّا واحدةً، وليس كذلك، فالمرويُّ: أنَّه لم يترُك وهو بمكَّةَ الحجَّ قطُّ (٢).

стр. 8018

وهذا الحديث مرَّ في أوَّل «المغازي» [خ¦٣٩٤٩]. ٤٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بنِ الحارثِ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) بضم الميم وكسر الراء، النَّخعيِّ الكوفيِّ من ثقاتِ التَّابعين (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرمٍ (بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجليِّ (عَنْ) جدِّه (جَرِيرٍ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِجَرِيرٍ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) أي: أسكتهُم (فَقَالَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ). قال المظهريُّ: يعني: إذا فارقتُ الدُّنيا فاثبتُوا بعدِي على ما أنتم عليهِ من الإيمانِ والتَّقوى، ولا تظلمُوا أحدًا، ولا تحاربُوا المسلمينَ، ولا تأخذُوا أموالَهم بالباطلِ. ٤٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبدِ المجيدِ

стр. 8019

الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ سيرينَ (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) هو عبدُ الرحمن (عَنْ) أبيهِ (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيعِ بنِ الحارثِ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) يومَ النَّحرِ في حجَّةِ الوداعِ: (الزَّمَانُ) هو اسمٌ لقليلِ الوقتِ وكثيرهِ، وأرادَ ههنا السَّنة (قَدِ اسْتَدَارَ) استدارةً (كَهَيْئَةِ) كذا في «اليونينية» وغيرها، وفي الفَرْع: «كهيئته» بهاء بعد فوقية، أي: مثلَ حالتِه (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) وسقطَتِ الجلالةُ من «اليونينية» وثبتت في فرعها فالكاف صفة مصدر محذوف، ودارَ: استدارَ، بمعنَى طافَ حولَ الشَّيءِ، وإذا عادَ إلى الموضعِ الَّذي ابتدأَ منهُ، والمعنى: أنَّ العربَ كانُوا يؤخِّرونَ المحرَّم إلى صفر، وهو النَّسيءُ المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ليقاتِلُوا فيه، ويفعلون ذلك كلَّ سنةٍ بعد سنةٍ، فينتقلُ المحرَّم من شهرٍ إلى شهرٍ حتَّى جعلوهُ في جميعِ شهورِ السَّنةِ، فلمَّا كانت تلك السَّنةُ قد (١) عادَ إلى زمنهِ المخصوصِ به قيل: دارتِ السَّنةُ كهيئتِها الأولى. (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) جملةٌ مبينةٌ للجملةِ الأولى، والمعنى: أنَّ الزَّمانَ في انقسامهِ إلى الأعوامِ، والأعوام إلى الأشهرِ، عادَ إلى أصلِ الحسابِ والوضع الَّذي اختارهُ الله، ووضعهُ يومَ خلقَ السَّمواتِ والأرض (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ثلاث» (مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ) للقعودِ عن القتالِ (وَذُو الحِجَّةِ) للحجِّ (وَالمُحَرَّمُ) لتحريمِ القتالِ فيه (وَ) واحدٌ فردٌ، وهو (رَجَبُ مُضَرَ) عطفٌ على قولهِ «ثلاثةٌ»، وأضافه إلى (٢) مُضر؛ لأنَّها كانَتْ تحافظُ على تحريمهِ أشدَّ من محافظةِ سائرِ العربِ، ولم يكن يستحلُّه أحدٌ من العربِ (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) بضم الجيم وفتح الدال (وَشَعْبَانَ) قالهُ تأكيدًا وإزاحةً للرَّيبِ الحادث فيهِ من النَّسيءِ (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟!) قال القاضِي البيضاويُّ: يريد به تذكارهُم حرمةَ الشَّهرِ وتقريرها في نفوسِهم؛ ليبني عليه ما أرادَ تقريرهُ (قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) مراعاةً للأدبِ وتحرُّزًا عن التَّقدُّم

стр. 8020

بين يدَي الله ورسوله، وتوقُّفًا فيما لا يعلم الغرض من السُّؤال عنه (فَسَكَتَ) ﷺ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ) ﵊: (أَلَيْسَ ذُو الحِجَّةِ؟) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «ذا الحجَّة» بالنصب خبرُ «ليس» (قُلْنَا: بَلَى) يا رسولَ الله (قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: أَلَيْسَ) هو (البَلْدَةَ؟) نصب خبر «ليس» وبالتأنيث يريد مكَّة، والألف واللام للعهد (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) قال التُّورِبِشتيُّ: أرادَ أموالَ بعضكُم على بعضٍ. (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين: (وَأَحْسِبُهُ) أي: أبا بكرةَ (قَالَ) في روايته: (وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) أي: أنفسكُم وأحسابكُم، فإنَّ العِرضَ يُقالُ للنَّفسِ والحسب. قاله التُّورِبِشتيُّ، وتُعقِّبَ: بأنَّه لو كان المرادُ من الأعراض النُّفوس لكان تكرارًا؛ لأنَّ ذكر الدِّماءِ كاف؛ إذ المرادُ بها النُّفوسُ. وقال الطِّيبيُّ: الظَّاهر أن يرادَ بالأعراضِ: الأخلاق النَّفسانيَّة، والكلامُ فيها يحتاجُ إلى فضلِ تأمُّلٍ، فالمراد بالعِرضِ هنا الخلق، والتَّحقيقُ ما ذكره ابنُ الأثير: إنَّ العِرْضَ موضعُ المدحِ والذَّمِّ من الإنسانِ، سواءٌ كان في نفسهِ أو في سلفهِ، ولمَّا كان موضع العِرضِ النَّفس (١) قال من قال: العِرضُ النَّفسُ (٢) إطلاقًا للمحلِّ على الحالِّ، وحينَ كان المدحُ (٣) نسبة الشَّخصِ إلى الأخلاقِ الحميدةِ، والذَّمُّ نسبتهُ إلى الذَّميمةِ، سواءٌ كانت فيه أو لا، قال من قال: العِرضُ الخلقُ؛ إطلاقًا لاسمِ اللَّازم على الملزومِ. وشبَّه ذلك في التَّحريم بيوم النَّحر وبمكَّة وبذِي الحجَّة فقال: (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) لأنَّهم كانُوا يعتقدون أنَّها محرَّمةٌ أشدَّ التَّحريمِ لا يُستباحُ منها شيءٌ، وفي تشبيهِ هذا مع بيانِ حرمةِ الدِّماءِ والأموالِ تأكيد (٤) حرمة تلكَ الأشياء الَّتي شبَّه بتحريمها الدِّماءَ والأموالَ.

стр. 8021

وقال الطِّيبي: وهذا من تشبيهِ ما لم تجرِ به العادةُ بما جَرَت به العادةُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] إذ (١) كانوا يستبيحونَ دماءَهُم وأموالَهُم في الجاهليَّة في غيرِ الأشهرِ الحرمِ ويحرِّمونها فيها، كأنَّه قال (٢): إنَّ دماءكُم وأموالكُم محرَّمةٌ عليكم أبدًا كحُرمَةِ يومِكُم (٣) وشهركُم وبلدكُم. (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) يومَ القيامةِ (فَسَيَسْأَلُكُمْ) ولأبي ذرٍّ «فيسألُكم» (عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا) بالتخفيف (فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا) بالتخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ) القول المذكور، أو جميع الأحكامِ (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ) بفتح الموحدة واللام المشددة (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، فَكَانَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرينَ (إِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟) قالها (مَرَّتَيْنِ). وسبق هذا الحديث في غير ما موضع [خ¦٣١٩٧] [خ¦٤٦٦٢] [خ¦٥٥٥٠]. ٤٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ سعيدٍ الثَّوريُّ، أحدُ الأعلامِ علمًا وزهدًا (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الجدليِّ، أبي عمرٍو الكوفيِّ العابد (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليِّ الأحمسيِّ الكوفيِّ. قال أبو داود: رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يسمَعْ منه. أنَّه حدَّثَ: (أَنَّ أُنَاسًا مِنَ اليَهُودِ) وفي «باب زيادة الإيمان ونقصانه»: أنَّ رجُلًا من اليهودِ [خ¦٤٥] ووقع في «تفسير الطَّبري» و «مسند مسدَّد» و «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ: أنَّ الرَّجل هو كعبُ

стр. 8022

الأحبار. واستُشكل من جهةِ كونِ كعبٍ كان أسلمَ في حياةِ النَّبيِّ ﷺ على يدِ عليٍّ (١)، فيحتملُ إن ثبتَ أن يكون الَّذين سألوا جماعةً من اليهودِ اجتمعُوا مع كعبٍ على السُّؤال، وتولَّى هو السُّؤال عنهم عن ذلك، ويجوزُ أن يكون السُّؤال صدرَ قبلَ إسلامه، وقد قال الذَّهبيُّ في «الكاشف»: إنَّه أسلمَ زمنَ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁. (قَالُوا) لعمر بنِ الخطَّاب (٢): يا أميرَ المؤمنين، آيةٌ في كتابكُم تقرؤونَها (لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا) معشرَ اليهودِ (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا) لنا في كل سنةٍ نعظِّمُهُ؛ لِمَا حصلَ فيهِ من إكمالِ الدِّين (فَقَالَ عُمَرُ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ فَقَالُوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) أي: بأن كفيتكُم عدوَّكُم وأظهرتكُم عليهِ، كما تقولُ الملوكُ: اليومَ كمُلَ لنا الملكُ، أي: كفينَا من كُنَّا نخافُهُ، أو أكملتُ لكم ما تحتاجونَ إليهِ في تكليفِكُم من تعليمِ الحلالِ والحرامِ، والتَّوقيف (٣) على شرائعِ الإسلامِ وقوانينِ القياسِ (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) بفتحِ مكَّة ودخولها آمنينَ ظاهرينَ، وهدم منار الجاهليَّة (﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]) حال اخترتُهُ لكم من بين الأديانِ، وآذنتكُم بأنَّه الدِّينُ المرضيُّ وحدَهُ، وثبت قولهُ «﴿وَرَضِيتُ … ﴾» إلى آخره لأبي ذرٍّ. (فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ مَكَانٍ أُنْزِلَتْ) فيه (أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) أي: في أُخرياتِ النَّهارِ، وفي التِّرمذيِّ من حديثِ ابنِ عبَّاس: أنَّ يهوديًّا سأله عن ذلك فقال: إنَّها نزَلَت في يومي عيدٍ (٤)؛ يوم جمعةٍ ويوم عرفةٍ. وحديثُ الباب قد سبق في «الإيمان» في «باب زيادة الإيمان» [خ¦٤٥].

стр. 8023

٤٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بنِ قعنبٍ الحارثيُّ أحدُ الأعلامِ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) يتيمُ عروةَ الأسديِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) من المدينةِ في حجَّةِ الوداعِ (فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ) أحرم (بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) قرن بينهما (وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ) مفردًا، ثمَّ أدخلَ عليه العمرةَ؛ لحديثِ عمرَ (١)، وقالَ: «عمرةً في حجَّة» [خ¦١٥٣٤] وحديثُ أنس: «ثمِّ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ» [خ¦١٥٥١]. ولمسلم من حديثِ عمران بنِ حصينٍ: «جمعَ بين حجَّةٍ وعمرةٍ». والمشهورُ عن المالكيَّةِ والشَّافعيَّة: أنَّه ﷺ كان مفرِدًا، وقد بسطَ إمامنا الشَّافعيُّ القول فيه في «اختلاف الحديث» ورجَّح أنَّه كان أحرمَ إحرامًا مطلقًا ينتظر ما يؤمرُ به، فنزلَ عليهِ الحكم بذلك وهو على الصَّفا، وصوَّبَ النَّوويُّ أنَّه كان قارنًا، ويؤيِّدُه أنَّه لم يعتمِر تلكَ السَّنة بعد الحجِّ، ولا شكَّ أنَّ القِرانَ أفضلُ من الإفرادِ للذي لا يعتمرُ في سنتهِ عندنا، وقد سبق في «الحجِّ» مزيدٌ لذلك. (فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ) وحده (أَوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) ابتداء، أو أدخلَ العمرةَ على الحجِّ كما فعلَ ﷺ (فَلَمْ يَحِلُّوا) من إحرامِهم (حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ) فنحرَ هديهُ. وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنس، إمامُ الأئمَّة، عن عبدِ الرَّحمن بنِ نوفلٍ عن عروةَ بنِ الزُّبير عن عائشةَ … الحديثُ كما سبق (وَقَالَ: مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ). وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس (٢) قال: (حَدَّثَنَا) وفي نسخة «حَدَّثني» (٣) (مَالِكٌ مِثْلَهُ) أي: مثلَ الحديثِ المذكورِ.

стр. 8024

٤٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يونس اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ-) بسكون العين، ابن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بنُ مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بنِ أبي وقَّاص مالك ﵁، أنَّه (قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ) بالشين المعجمة والفاء، أشرفتُ (مِنْهُ عَلَى المَوْتِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ) هي أمُّ الحكمِ، ووهمَ من قال: إنَّها عائشة؛ لأنَّ عائشةَ أصغرُ أولادهِ، وعاشت إلى أن أدركَهَا مالكُ بن أنسٍ. قاله ابن حجرٍ في «المقدمة» (فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) استفهامٌ استخباريٌّ محذوفُ الأداةِ (قَالَ) ﵊: (لَا، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟) بإثبات همزة الاستفهام (قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ) ﵊: (وَالثُّلُثُ (١) كَثِيرٌ) بالمثلثة، أي: بالنِّسبةِ إلى ما دونهُ، أو التَّصدُّقُ به كثير أجره (إِنَّكَ) بكسر الهمزة (أَنْ تَذَرَ) بفتح الهمزة (٢) على التعليل وبالذال المعجمة، أي: أن تتركَ (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) بتخفيف اللام، فقراء (يَتَكَفَّفُونَ) يسألونَ (النَّاسَ) بأكُفِّهم بأن يبسطوهَا للسُّؤال (وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ) فمها (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آأُخَلَّفُ) بهمزة مفتوحة ممدودة ملحقة في «اليونينية» ساقطة من فرعها، أي: أأتركُ بمكَّة (بَعْدَ أَصْحَابِي؟) المسافرينَ معك إلى المدينةِ (قَالَ) ﷺ :

стр. 8025

(إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بأن يطولَ عمرك (فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى تَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمينَ بما يفتحه الله على يديكَ من بلادِ الكفرِ ويأخذه المسلمون (١) من الغنائمِ (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركينَ (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطع، أي: أتمِم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) التي هاجروهَا من مكَّة إلى المدينةِ (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بتركِ هجرتِهم ورجُوعِهم عن مستقيمِ حالِهم فيخيب قصدهم. قال الزُّهريُّ: (لَكِنِ البَائِسُ) الذي عليه أثرُ البؤسِ من شدَّةِ الفقرِ والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) العامري المهاجريُّ البدريُّ (رَثَى لَهُ) بصيغة الماضي، أي: حزنَ لأجلِه (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُوُفِي بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، أي: لموتهِ (٢) بالأرضِ التي هاجَرَ منها، ولا يصحُّ كسرُهَا لأنَّها تكون شرطيَّة، والشَّرط لِمَا يُستقبلُ، وهو كانَ قد ماتَ. وسبق الحديث في «الجنائزِ» [خ¦١٢٩٥] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٢]. ٤٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ المدنيُّ أحدُ الأعلامِ. قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، أنسُ بنُ عياض قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بسكون القاف، الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ (٣) ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) والحلَّاقُ معمرُ بنُ عبدِ الله بنِ نضلةَ بنِ عوفٍ. وعند أحمدَ: أنَّه استدعى الحلَّاقَ، فقال لهُ -وهو قائمٌ على رأسهِ بالموسَى ونظر في (٤) وجههِ-:

стр. 8026

يا معمرُ، أمكنكَ رسولُ الله ﷺ من شحمةِ أذنهِ وفي يدك الموسَى (١). قال: فقلتُ: أما (٢) واللهِ يا رسول الله، إن ذلكَ لمن نعمِ الله عليَّ ومنِّه. قال: أجل. وفي «الصحيحين»: «أنَّه حلقَ الشقَّ الأيمنَ فقسمهُ بينَ من يليهِ، ثمَّ قال: احلق الشقَّ الآخرَ، فقال: أين (٣) أبو طلحةَ؟ فأعطاهُ إياهُ» [خ¦١٧١]. ولأحمدَ: وقلم ﷺ أظفارهُ وقسمها بين النَّاسِ. ٤٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ سَعِيدٍ) السَّرخسيُّ نزيلُ نيسابورَ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بفتح الموحدة وسكون الكاف، البرسانيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملكِ بنُ عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ) أنَّه (أَخْبَرَهُ) مولاهُ (ابْنُ عُمَرَ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بعد الفرَاغِ من النُّسكِ (وَ) حلقَ (أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) أيضًا (وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ). ٤٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي، المكيُّ المؤذِّنُ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام: (حَدَّثَنِي يُونُسُ) بنُ يزيدَ، ممَّا وصله في «الزُّهريَّات» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد

стр. 8027

(عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ عتبةَ: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄¬) سقطَ لأبي ذرٍّ لفظ (١) «عبد الله» (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) سقطَ قولهُ «بمنى» لأبي ذرٍّ (يُصَلِّي بِالنَّاسِ) زاد في «الصَّلاةِ» [خ¦٤٩٣] إلى غيرِ جدارٍ. قال الشَّافعيُّ: أي: إلى غير سترةٍ (فَسَارَ الحِمَارُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ) أي: عن الحمارِ (فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ) زاد في «باب (٢) سترة الإمامِ» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٩٣] فلم ينكِر ذلكَ عليَّ أحدٌ. ٤٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ البصريُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بنُ الزُّبير (قَالَ: سُئِلَ) بضم السين، مبنيًّا للمفعول (أُسَامَةُ) بنُ زيدٍ (وَأَنَا شَاهِدٌ عَنْ سَيْرِ النَّبِيِّ) بسكون ياء «سيْر» ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «رسولِ الله» (¬ ﷺ فِي حَجَّتِهِ) أي: في (٣) حجَّةِ الوداعِ (فَقَالَ: العَنَقَ) بفتح العين والنون والقاف، ضربٌ من السَّير متوسطٌ (فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً) بفتح الفاء والواو بينهما جيم ساكنة، فرجةً (نَصَّ) بنون وصاد مهملة مشددة مفتوحتين، سارَ سيرًا شديدًا. ٤٤١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنَبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمامُ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصَاريِّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصَاريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة: (أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ) خالدَ بنَ زيدٍ الأنصاريَّ ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا) في وقتٍ واحدٍ.

стр. 8028

(٧٨) (بابُ غَزْوَةِ تَبُوكَ) بفتح الفوقية وتخفيف الموحدة المضمومة، موضعٌ بينهُ وبين الشَّامِ إحدى عشرةَ مرحلة، لا ينصرفُ للتَّأنيث والعلمية، أو بالصَّرفِ على إرادةِ الموضع (وَهْيَ غَزْوَةُ العُسْرَةِ) بضم العين وسكون السين المهملة؛ لِمَا وقعَ فيها من العسرةِ في الماءِ والظَّهر والنَّفقةِ، وكانتْ آخرَ غزواتِه ﷺ ، وكانَتْ في شهرِ رجب من (١) سنة تسعٍ قبل حجَّةِ الوداعِ اتِّفاقًا، فذكْرُها قبلَها خطأٌ من النُّسَّاخ، وسقطَ لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فما بعده رفعٌ. ٤٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بنِ كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامةَ (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة وفتح الراء (بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامرِ بنِ أبي موسى (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ

стр. 8029

أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ لَهُمْ) بضم الحاء المهملة وسكون الميم، أي: ما يركبونَ عليهِ ويحملهم (إِذْ هُمْ مَعَهُ (١) فِي جَيْشِ العُسْرَةِ؛ وَهْيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَوَافَقْتُهُ) أي: صادفتهُ (وَهْوَ غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ) أي: والحالُ أنِّي لم أكُن أعلمُ غضبه (وَرَجَعْتُ) إلى أصحابِي حال كوني (حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أن يحملنا (وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ) أي: غضبَ (عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ) بفتح الهمزة والموحدة بينهما لام ساكنة آخره مثلثة (إِلَّا سُوَيْعَةً) بضم السين المهملة وفتح الواو (٢) مصغَّرًا، ساعةً وهي جزءٌ من الزَّمانِ أو من أربعة وعشرين جزءًا من اليومِ واللَّيلةِ (إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ) يعني: يا عبد الله، ولأبي ذرٍّ «أين (٣) عبدُ الله بنُ قيس» (فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: خُذْ هَذَيْنِ القَرِينَيْنِ) تثنيةُ قرينٍ؛ وهو البعيرُ المقرون بآخر (وَهَذَيْنِ القَرِينَيْنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هاتينِ القرينتينِ وهاتينِ القرينتينِ» أي: النَّاقتينِ (لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ) لعلَّهُ قال: هذينِ القرينينِ، ثلاثًا. فذكر الرَّاوي مرتين اختصارًا، لكن قوله في الرِّوايةِ الأخرى: «فأمرَ لنا بخمسِ ذودٍ» [خ¦٣١٣٣] مخالِفٌ لِمَا هنا، فيحملُ على التَّعدُّدِ، أو يكون زادُهُم واحِدًا على الخمسِ، والعددُ لا ينفِي الزائدَ (ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ) قيل: هو ابنُ عبادةَ (فَانْطَلِقْ) بكسر اللام والجزم على الأمر (بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ) لهم (٤): (إِنَّ اللهَ -أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ) الأبعرةِ (فَارْكَبُوهُنَّ، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ) أي: إلى أصحَابِي بالأبعرةِ (فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي -وَاللهِ- لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ (٥) ﷺ ؛ لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا) ولأبي ذرٍّ «والله إنَّك عندنَا» (لَمُصَدَّقٌ) بفتح الدال المشددة (وَلَنَفْعَلَنَّ

стр. 8030

مَا أَحْبَبْتَ) أي: الَّذي أحببتهُ من إرسالِ أحدنَا إلى من سمعَ (فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى). وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «النُّذور» [خ¦٦٦٤٩]، وكذا مسلم. ٤٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسين المهملة، ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتح الحاء المهملة والكاف، ابنِ عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- مصغَّرًا (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بنِ أبي وقَّاص ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ) وكان السَّبب في ذلك ما ذكرهُ ابنُ سعد في «طبقاته» وغيره: أنَّ المسلمينَ بلغهم -من الأنباطِ الذين يقدمون بالزَّيت من الشَّام إلى المدينة-: أنَّ الرُّوم جمَّعت جموعًا، وأجلَبَت معهم لخم وجُذام وغيرهم من متنصِّرة العرب، فندب النَّبيُّ ﷺ النَّاس إلى الخروجِ وأعلمهم بجهةِ غزوهم. وعند الطَّبرانيِّ: أنَّ عثمان ﵁ كان قد جهَّز عيرًا إلى الشَّام فقال: يا رسول الله، هذه مئتا بعير بأقتابِها وأحلاسِها ومئتا أوقيَّة، فقال ﵊: «لا يضرُّ عثمانُ ما عملَ بعدها» (وَاسْتَخْلَفَ) على المدينةِ (عَلِيًّا) ابنَ عمِّه ﵁ (فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ) ﷺ له: (أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ) أخيهِ (مُوسَى) حين خلفهُ في قومهِ بني إسرائيلَ لمَّا خرَجَ إلى الطُّورِ، وقد تمسَّكت الرَّوافض وسائرُ فرقِ الشِّيعة في أنَّ الخلافةَ كانَت لعليٍّ، وأنَّه وصَّى لهُ بها، وكفَّرت الرَّوافض سائرَ الصَّحابة بتقديمهم (١) غيره، وزاد بعضُهُم فكفَّرَ عليًّا؛ لأنَّه لم يقُمْ في طلَبِ حقِّهِ، ولا حجَّةَ لهم في الحديثِ ولا متمسَّك لهُم به؛ لأنَّه ﷺ إنَّما قال هذا حينَ استخلفَ على المدينةِ في غزوةِ تبوكٍ، ويؤيدُهُ أنَّ هارونَ المشبَّهُ به لم يكُن خليفةً بعد موسى؛ لأنَّه توفِّي قبل وفاةِ موسَى

стр. 8031

بنحو أربعينَ سنة، وبين قوله: (إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ) وفي نسخة «لا نبيَّ» (بَعْدِي) إذ اتصالهُ به ليس من جهةِ النبوَّةِ، فبقيَ الاتِّصالُ من جهةِ الخلافةِ؛ لأنَّها تليَ النبوَّةَ في المرتبةِ (١)، ثمَّ إنها إمَّا أن تكونَ في حياتِه أو بعد مماتهِ، فخرجَ بعد مماتِه؛ لأنَّ هارونَ مات قبل موسَى، فتعيَّنَ أن تكون في حياتِهِ عند مسيرهِ إلى غزوةِ تبوكِ، كمسيرِ موسَى إلى مناجاةِ ربِّهِ، ولمَّا سارَ ﵊ إلى تبوكَ تخلَّفَ ابن أُبيٍّ ومن كان معهُ، وقدمَ النَّبيُّ ﷺ ولحقهُ بها أبو ذرٍّ وأبو خيثمةَ، ولحقهُ بها وفد أَذْرُحَ ووفدُ أَيْلةَ، فصالحَهُم ﷺ على الجزيةِ، ثمَّ قفلَ ﷺ من تبوكَ ولم يلقَ كَيدًا، وقدمَ المدينةَ في شهرِ رمضانَ. وحديث الباب أخرجه مسلم في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «المناقب». (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ) سليمانُ بنُ داود الطَّيالسيُّ، فيما وصلهُ البيهقي في «دلائله»، وأبو نُعيم في «مستخرجه»: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنِ الحَكَمِ) بنِ عُتَيبةَ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ مُصْعَبًا) فصرَّحَ بالسَّماعِ، بخلافِ الأولى فبالعنعنةِ، ولذا (٢) أوردَها. ٤٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بسكون الكاف بعد فتح الموحدةِ (٣)، البرسانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ)

стр. 8032

عبدُ الملكِ بنُ عبد العزيز (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي: ابن أبي رباح (يُخْبِرُ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ) يَعلى بن أميَّة، أنَّه (قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العُسْرَةَ) بسكون السين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي «العسَيْرة» بفتحها بعدها تحتية ساكنة (قَالَ: كَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الغَزْوَةُ) العسرةُ (١) (أَوْثَقُ أَعْمَالِي) بالعين المهملة (عِنْدِي. قَالَ عَطَاءٌ) المذكورُ: (فَقَالَ صَفْوَانُ: قَالَ) أبي (يَعْلَى) بن أميَّة: (فَكَانَ لِي أَجِيرٌ) يخدمُني بالأجرةِ لم يسمَّ (فَقَاتَلَ) الأجيرُ (إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ. قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضَّ الآخَرَ فَنَسِيتُهُ) في مسلم: أن العاضَّ هو يعلَى (قَالَ (٢): فَانْتَزَعَ المَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِيِّ العَاضِّ) من فمِه (فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَتَيَا (٣) النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَ) ﵊ (ثَنِيَّتَهُ) بالإفراد فقط، لم يوجبْ له ديةً ولا قصَاصًا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ «فقالَ» (عَطَاءٌ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: صفوان (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬): (أَفَيَدَعُ) أفيتركُ (يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا) بفتح الضاد المعجمة على اللغة الفصيحة، أي: تأكلها بأطرافِ أسنانِكَ، والاستفهام للإنكار (كَأَنَّهَا فِي فِيّ فَحْلٍ) في فمِ ذكر إبلٍ (يَقْضَمُهَا؟!) بفتح الضاد، كما سبق. وهذا الحديث سبقَ في «الإجارةِ» (٤) [خ¦٢٢٦٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدِّيات» [خ¦٦٨٩٣] بمباحثه بعون الله.

стр. 8033

(٧٩) (بابٌ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) سقطَ لفظ «باب» في بعض النسخ (وَقَوْلُ اللهِ : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾) كعبُ بن مالك، ومرارةُ بن الرَّبيعِ، وهلالُ بن أميَّةَ (﴿الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]) عن غزوة تبوك.

стр. 8034

٤٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف (قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابنِ خالدٍ الأَيْليِّ -بفتح الهمزة بعدها تحتية ساكنة ثم لام- (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريَّ الشاعرَ (وَكَانَ) أي: عبد الله (قَائِدَ كَعْبٍ) أبيه (مِنْ) بين (بَنِيْهِ) بفتح الموحدة وكسر النون وسكون التحتية (حِينَ عَمِيَ) وكان بنوهُ: عبد الله وعبد الرَّحمن ومحمَّد وعبيد الله، ولابن السَّكن «من بيتِهِ» بالموحدة والتحتية الساكنة والفوقية. قال ابن حجرٍ: والصَّواب الأوَّل (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ) عن

стр. 8035

حديثهِ (حِينَ تَخَلَّفَ) مفعول به لا مفعول فيه (عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ) متعلِّق بقوله: «يحدِّث» (قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ) بكسر التاء مصححًا عليها في «اليونينية» (١) مرقومًا عليها علامة أبي ذرٍّ في الفَرْع وأصلِهِ أي: لم يعاتِب اللهُ (أَحَدًا) ولأبي الوقتِ وأبي ذرٍّ «ولم يعاتَب» بفتح التاء مبنيًّا للمفعولِ «أحدٌ» بالرفع (تَخَلَّفَ عَنْهَا) عن غزوة بدر (إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إلى بدرٍ (يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ) بكسر العين، الإبلَ التي تحملُ الميرَةَ (حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ) أي: بين المسلمين (وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ) كفَّار قريش (عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ) مع الأنصارِ (حِينَ تَوَاثَقْنَا) بالمثناة ثم المثلثة، تعاهدنَا وتعاقدنَا (عَلَى الإِسْلَامِ) والإيواءِ والنُّصرةِ قبلَ الهجرةِ (وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا) أي: بدلها (مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ) أي: أعظم ذكرًا (فِي النَّاسِ مِنْهَا. كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ) أي: منِّي، كما في مسلم (حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ) ﷺ (فِي تِلْكَ الغَزْاةِ (٢)) أي: غزاةِ (٣) تبوكَ (وَاللهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا) بفتح الواو والراء المشددة، أي: أوهمَ غيرها، والتَّورية: أن تذكُرَ لفظًا يحتملُ معنيينِ أحدُهما أقربُ من الآخرِ، فيوهمُ إرادةَ القريبِ، وهو يريدُ البعيدَ (حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ) غزوة تبوكٍ (غَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا) بفتح الميم والفاء آخره زاي، فلاةً لا ماءَ فيها (وَعَدُوًّا كَثِيرًا) وذلك أنَّ الرُّومَ قد جمعَتْ جُمُوعًا كَثِيرةً، وهرقلُ رزقَ أصحابهُ لسنة، وأجلبَتْ معهُ لخمٌ وجذامٌ وغسَّان، وقدَّموا مقدِّماتهم إلى البلقاءِ (فَجَلَّى) بالجيم واللام المشددة، ويجوز تخفيفها، أوضَح (لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ) بضم الهمزة وسكون الهاء، أي: ما يحتاجُونَ إليه في السَّفرِ والحربِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «أهبة عدوِّهِم» بدل: غزوِهِم (فَأَخْبَرَهُمْ) صلوات الله وسلامه عليه (بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ) بالتنوين (حَافِظٌ) كذلك بالتنوين، وفي مسلم: بالإضافة. قال

стр. 8036

الزُّهريُّ: (يُرِيدُ الدِّيوَانَ) وزاد في رواية معقل: يزيدونَ على عشرةِ آلاف ولا يجمعهم ديوانٌ حافظٌ. وفي «الإكليل» للحاكم من حديث معاذ: أنَّهم كانوا زيادةً على ثلاثينَ ألفًا، وبهذه العدةِ جزمَ ابن إسحاقَ، وأوردهُ الواقديُّ بإسنادٍ آخرَ موصول، وزاد: أنَّه كانت معهم عشرةُ آلافِ فرسٍ، فتُحمل رواية معاذٍ على إرادةِ عددِ الفرسانِ. ولابنِ مردويه: «لا يجمعهم ديوانٌ حافظٌ»، وقد نقلَ عن أبي زرعةَ الرَّازيِّ: أنَّهم كانُوا في غزوة تبوكَ أربعينَ ألفًا، ولا تخالف الرِّواية الَّتي في «الإكليل»: أكثر من ثلاثينَ ألفًا؛ لاحتمالِ أن يكونَ من قال: أربعينَ ألفًا، جبر الكسرَ. قاله في «الفتح»، وتعقَّبهُ شيخُنَا فقال: بل المرويُّ عن أبي زرعةَ أنَّهم كانُوا سبعينَ ألفًا (١). نعم، الحصرُ بالأربعين في حجَّةِ الوداعِ، فكأنَّه سبقُ قلمٍ أو انتقالُ نظرٍ. (قَالَ كَعْبٌ) بنُ مالكٍ -بالإسناد السَّابق-: (فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «أنَّه» (سَيَخْفَى لَهُ) لكثرةِ الجيشِ (مَا لَمْ يَنْزِلْ) بفتح أوله وكسر ثالثه (فِيهِ وَحْيُ اللهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ) وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهابٍ: «في قيظٍ شديدٍ في ليالِي الخريفِ، والنَّاسُ خارفونَ في نخيلِهِم» (وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ) فأخذتُ (أَغْدُو) بالغين المعجمة (لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا) من جهازِي (فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ) متى شئتُ (فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي) الحال (حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ) بكسر الجيم والرفع فاعلًا؛ وهو الجهدُ في الشَّيءِ والمبالغةُ فيه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «حتى اشتدَّ النَّاسُ» بالرفع على الفاعلية «الجدَّ» بالنصب على نزعِ الخافض، أو نعت لمصدر محذوف، أي: اشتدَّ النَّاسُ الاشتدادَ الجدَّ (فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ

стр. 8037

أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا) بفتح الجيم (فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ) ﷺ (بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ) بالغين المعجمة (بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا) بالصاد المهملة (لأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «شَرعُوا» بالشين المعجمة. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ (وَتَفَارَطَ الغَزْوُ) بالفاء والراء والطاء المهملتين، أي: فات وسبق (وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ (١) فَأُدْرِكَهُمْ) بالنَّصب عطفًا على «أرتحلَ» (وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ) ذلك (فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ) فيه: أنَّ المرءَ إذا لاحَت له فرصةٌ في الطَّاعةِ فحقُّهُ أن يبادِرَ إليها ولا يُسوِّف بها لئلَّا يُحرمها. قال كعب: (فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها ميم أخرى مضمومة فواو فصاد مهملة (عَلَيْهِ النِّفَاقُ) أي: يظنُّ به النِّفاق ويُتَّهمُ به، و «أنِّي» بفتح الهمزة. قال الزَّركشيُّ: على التَّعليل. قال في «المصابيح»: ليس بصحيحٍ، إنَّما هي وصِلَتُها فاعلُ «أحزنَنِي» (أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ -وَهْوَ جَالِسٌ فِي القَوْمِ بِتَبُوكَ-: مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، وهو عبدُ الله بنُ أُنيسٍ السَّلَميُّ؛ بفتح السين واللام، كما قال الواقديُّ. قال في «الفتح»: وهو غير الجهنيِّ الصَّحابيِّ المشهور (يَا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ) تثنية برد (وَنَظَرُهُ فِي عِطْفَيْهِ) بكسر العين المهملة والتثنية، أي: جانبيه، كنايةً عن كونه معجَبًا (٢) بنفسهِ ذا زهوٍ وتكبُّرٍ، أو لباسِه، أو كنَّى به عن حسنِهِ وبهجتهِ، والعربُ تصفُ الرِّداءَ بصفةِ الحسنِ، وتسمِّيه عطفًا لوقوعهِ في عطفَي الرَّجلِ، وفي نسخة «باليونينية» «في عطفِهِ» بالإفراد (فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ﵁ له: (بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ -يَا رَسُولَ اللهِ- مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فبينما هو كذلك رأَى رجُلًا منتصبًا يزولُ به السَّرابُ، فقال رسولُ الله ﷺ : «كُن أبا خيثمةَ» فإذا هو أبو خيثمةَ سعدُ بن (٣) خيثمةَ

стр. 8038

الأنصاريُّ، وعند الطَّبرانيِّ أنَّه قال: «تخلَّفتُ عن رسولِ الله ﷺ فدخلتُ حائطًا، فرأيتُ عريشًا قد رُشَّ بالماءِ، ورأيتُ زوجتي فقلتُ: ما هذا بإنصافٍ، رسولُ الله ﷺ في السَّمومِ والحرِّ، وأنا في الظلِّ والنَّعيمِ، فقمتُ إلى ناضحٍ (١) لي وتمراتٍ وخرجتُ، فلمَّا طلعتُ على العسكرِ فرآني النَّاسُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : كن أبا خيثمةَ، فجئتُ فدعَا لي». (قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ) ﷺ (تَوَجَّهَ قَافِلًا) أي: راجعًا إلى المدينةِ (حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ) أي: أخذتُ (أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ) وعند ابن أبي شيبة: «وطفقتُ أعدُّ العُذرَ لرسول الله ﷺ إذا جاءَ وأهيِّئُ الكلامَ» (وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا) أي: دَنَا قدومُه (زَاحَ) بالزاي المعجمة وبالحاء المهملة، أي: زالَ (عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ) أي: جزمتُ به وعقدتُ عليهِ قصدِي، ولابن أبي شيبةَ: «وعرفتُ أنَّه لا ينجيني منهُ إلَّا الصِّدقُ» (وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَادِمًا) في رمضانَ، كما قاله ابن سعد (وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) فركعَهُما (ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ) الذين خلَّفهُم كسلُهُم ونفاقُهُم عن غزوةِ تبوكَ (فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ) أي: يظهرونَ العُذرَ (إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا) من منافِقِي الأنصارِ. قاله الواقديُّ، وأنَّ المعذَّرينَ من الأعرابِ كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجُلًا من غِفَار وغيرهم، وأنَّ عبد الله بن أُبيٍّ ومن أطاعَه من قومِهِ من غير هؤلاء وكانوا عددًا كثيرًا، والبِضْعُ: بكسر الموحدة وسكون الضاد المعجمة، ما بين ثلاث إلى تسع على المشهورِ، وقيل: إلى الخمس، أو (٢) ما بين الواحدِ إلى الأربعةِ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ أو سبعٍ، وإذا جاوزتَ لفظَ العشرِ ذهبَ البضعُ، لا يقال: بضعٌ وعشرونَ، أو يقال ذلك، وهو مع المذكَّر بهاء؛ ومع المؤنث بغير هاء؛ بضعة وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امرأة، ولا يُعكس (٣)، قاله في «القاموس».

стр. 8039

(فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ) أي: ظواهرهم (وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ) بفتحات مع التخفيف (سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ) قال كعب: (فَجِئْتُهُ) ﷺ (فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ) بفتح الضاد المعجمة (ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ. فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ) وعند ابنِ عائذٍ في «مغازيه»: «فأعرضَ عنهُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، لِمَ تُعرِضُ عنِّي؟! فوالله ما نافقتُ ولا ارتبتُ ولا بدَّلتُ» (فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ) عن الغزوِ؟! (أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ) أي: اشتريتَ (ظَهْرَكَ؟) قال: (فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللهِ لَوْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «واللهِ يا رسولَ الله لو» (جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا) بفتح الجيم والدال المهملة، فصاحة وقوة كلامٍ بحيثُ أخرج من عهدةِ ما ينسب إليَّ ممَّا يقبلُ ولا يردُّ (وَلَكِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ (١) حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ) اليومَ (حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ) بكسر الجيم، أي: تغضبُ (عَلَيَّ فِيهِ؛ إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ) عنِّي (لَا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا) بتشديد الميم (هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ) ما يشاءُ (فَقُمْتُ) فمضيتُ (وَثَارَ رِجَالٌ) بالمثلثة، أي: وثَبُوا (مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام (فَاتَّبَعُونِي) بوصل الهمزة وتشديد الفوقية (فَقَالُوا لِي: وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ المُتَخَلِّفُونَ) بالفوقية وكسر اللام المشددة، ولأبي ذرٍّ «المخلَّفُون» بإسقاط الفوقية وفتح اللام (قَدْ كَانَ كَافِيَكَ) بفتح التحتية (ذَنْبَكَ) أي: من ذنبك (اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ) برفع «استغفارُ» بقوله: «كافيكَ» لأنَّ اسم الفاعل يعملُ عمل فعله (فَوَاللهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي) بالهمزة المفتوحة فنون مشددة فموحدة مضمومة ونونين، أي: يلومُونَنِي لومًا عنيفًا، ولغير أبي (٢) ذرٍّ «يؤنِّبُونِي» (حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ) بضم الميم وتخفيف الراءين (العَمْرِيُّ) بفتح العين المهملة

стр. 8040

وسكون الميم، نسبة إلى بني عمرو بن عوفِ بن مالكِ بن الأوس (وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِي) بتقديم القاف على الفاء، نسبةً إلى بنِي واقف بن امرئ القيسِ بنِ مالكِ بنِ الأوس. وعند ابنِ أبي حاتم من مرسلِ الحسن: أنَّ سببَ تخلُّف الأوَّل أنَّه كانَ له حائطٌ حينَ زَهَا، فقال في نفسهِ: قد غزوتُ قبلَها فلو أقمتُ عامِي هذا، فلمَّا تذكَّر ذنبهُ، قال: اللَّهُمَّ إنِّي أشهدكَ قد تصدَّقت به في سبيلكَ. وأنَّ الثاني كان له أهل تفرَّقُوا، ثمَّ اجتمعوا، فقال: لو أقمتُ هذا العامَ عندَهم، فلمَّا تذكَّر ذنبَهُ قال: اللَّهُمَّ لكَ عليَّ أن لا أرجعَ إلى أهلِي ولا مالِي (فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُإِسْوَةٌ) بضم الهمزة وكسرها. وقد استُشكل: بأنَّ أهل السِّيرِ لم يذكُروا واحدًا منهما فيمَن شهدَ بدرًا، ولا يُعرفُ ذلك في غير هذا الحديثِ، وممَّن جزمَ بأنَّهما شهدَا بدرًا الأثرمُ وهو ظاهرُ صنيعِ (١) البخاريِّ، وتعقَّبَ الأثرَمَ ابنُ الجوزيِّ ونسبهُ إلى الغلطِ، لكن قال الحافظُ ابن حجرٍ: إنَّه لم يصبْ. قال: واستدلَّ بعض المتأخِّرينَ لكونهما لم يشهدَا بدرًا بما وقعَ في قصَّةِ حاطبٍ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يهجُرهُ ولا عاقَبَهُ مع كونهِ جسَّ عليه، بل قال لعمرَ لمَّا همَّ بقتلهِ: «وما يدريكَ، لعلَّ الله اطَّلعَ على أهلِ بدرٍ فقال: اعملُوا ما شئتُم فقَد غفرتُ لكُم». قال (٢): وأين ذنبُ الجسِّ؟ قال في «الفتح»: وليسَ ما استدلَّ به بواضحٍ؛ لأنَّه يقتضِي أنَّ البدريَّ عندَهُ إذا جنَى جنايةً ولو كبرتَ لا يعاقَبُ عليها، وليس كذلك، فهذا عمر -مع كونه المخاطَب بقصَّةِ حاطِبٍ- قد جلدَ قُدامةَ ابن مظعونٍ الحدَّ لمَّا شرِبَ الخمرَ وهو بدريٌّ، وإنَّما لم يعاقبْ ﷺ حاطِبًا ولا هجرَهُ؛ لأنَّه قبِلَ عذرَهُ في أنَّه إنما كاتبَ قريشًا خشيةً على أهلهِ وولدهِ، بخلافِ تخلُّفِ كعبٍ وصاحبيهِ، فإنَّهم لم يكُن لهم عُذرٌ أصلًا. قال كعب: (فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي) أي: الرَّجلينِ (وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ) بالرفع، أي: خصوصًا الثلاثةُ،

стр. 8041

كقولهم: اللَّهُمَّ اغفِر لنَا أيَّتُها العِصابةُ. قال أبو سعيدٍ السِّيرافيُّ: إنَّه مفعول فعل محذوف، أي: أريد الثَّلاثةَ، أي: أخصُّ الثَّلاثة، وخالفه الجمهور وقالوا: «أي»: منادَى، و «الثَّلاثةُ»: صفةٌ لهُ، وإنَّما أوجبُوا ذلكَ لأنَّه في الأصلِ كان كذلك، فنقلَ إلى الاختصاصِ، وكل ما نقلَ من بابٍ إلى بابٍ فإعرابُهُ بحسبِ أصلِهِ، كأفعالِ التَّعجُّبِ (فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ) بفتح الموحدة (وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ) أي: تَغَيَّرَت (فِي نَفْسِي الأَرْضُ، فَمَا هِيَ) الأرضُ (الَّتِي أَعْرِفُ) لتوحُّشِها عليَّ، وهذا يجدهُ الحزينُ والمهمومُ في كلِّ شيءٍ، حتى يجدهُ في نفسهِ. قال السُّهيلي: وإنما اشتدَّ الغضبُ على من تخلَّفَ، وإن كان الجهادُ فرض كفايةٍ، لكنَّهُ في حقِّ الأنصارِ خاصَّةً فرضُ عينٍ؛ لأنَّهم بايعُوا على ذلك، ومصداقُ ذلك قولهم وهم يحفرُونَ الخندقَ: نحنُ الذينَ بايَعُوا محمَّدا … على الجهادِ ما بقيْنَا أبدا فكان تخلُّفُهم في هذهِ الغزوةِ كبيرة؛ لأنَّه كالنّكثِ لبيعتهِم. انتهى. وعند الشَّافعيَّة وجهٌ: أنَّ الجهادَ كان فرضَ عينٍ في زمنه ﷺ (فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً) استنبطَ منه جواز

стр. 8042

الهجرانِ أكثرَ من ثلاثٍ، وأمَّا النَّهي عن الهجرِ فوقَ ثلاثٍ فمحمولٌ على من لم يكن هجرانه شرعيًّا (فَأَمَّا صَاحِبَايَ) مرارة وهلال (فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ) أي: أقواهم (وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ) أي: أدورُ (فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟) إنَّما لم يجزمْ بتحرُّكِ شفتيهِ ﵊ بالسَّلامِ (١) لأنَّه لم يكُن يديمُ النَّظر إليهِ من الخجلِ (ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ) بالسين المهملة والقاف، أي: أنظرُ إليه في خفيةٍ (فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ) ﵊ (إِلَيَّ، وَإِذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ) بفتح الجيم وسكون الفاء، أي: من إعراضِهِم (مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ) أي: علوتُ (جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ) الحارثِ بنِ رِبْعِيٍّ الأنصاريِّ ﵁، أي: بستانه (وَهْوَ ابْنُ عَمِّي) لأنَّه من بني سَلِمةَ، وليس هو ابن عمِّه أخي أبيه الأقرب (وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ) لعموم النَّهي عن كلامِهم (فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة، أسألُك (بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ) بفتح المعجمة، فسألتُهُ باللهِ كذلك (فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) وليس ذلكَ تكليمًا لكعبٍ؛ لأنَّه لم ينوِ به ذلك؛ لأنَّه منهيٌّ عنه، بل أظهر اعتقادَهُ، فلو حلفَ: لا يكلِّمُ زيدًا، فسألهُ عن شيءٍ فقال: الله أعلمُ، ولم يُرِدْ جوابه ولا إسماعَهُ؛ لا (٢) يحنث (فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ) للخروجِ من الحائِطِ. (قَالَ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ) بفتح النون والموحدة وكسر الطاء

стр. 8043

المهملة (مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة، فلَّاح، وكان نصرانيًّا، ولم يسمَّ (مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ) إليَّ، يعني: ولا يتكلَّمُونَ بقولِهم مثلًا: هذا كعبٌ؛ مبالغة في هجرِهِ والإعراضِ عنهِ (حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، جبلةُ بنُ الأَيْهم، أو هو الحارثُ بن أبي شمرٍ، وعندَ ابن مَرْدَوَيه: «فكتب إليَّ كِتَابًا في سَرَقةٍ من حريرٍ» (فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ) بسكون الضاد المعجمة، أي: حيثُ يضيعُ حقُّك (فَالحَقْ بِنَا (١)) بفتح الحاء المهملة (نُوَاسِكَ) بضم النون وكسر السين المهملة، من المواساةِ (فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا) أي: الصَّحيفة المكتوب فيها: (وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلَاءِ) وعندَ ابن أبي شيبةَ: «قد طمعَ فيَّ أهلُ الكفرِ» (فَتَيَمَّمْتُ) أي: قصدتُ (بِهَا التَّنُّورَ) بفتح الفوقية، الذي يُخبَزُ فيه (فَسَجَرْتُهُ) بالسين المهملة المفتوحة والجيم، أي: أوقدتُهُ (بِهَا) وهذا يدلُّ على قوَّةِ إيمانِهِ وشدَّة محبتهِ لله ورسولهِ على ما لا يخفَى. وعندَ ابنِ عائذ: أنَّه شكَا حالهُ إلى رسولِ الله ﷺ وقال: «ما زالَ إعراضُكَ (٢) حتَّى رغب فيَّ أهلُ الشِّركِ» (حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قال الواقديُّ: هو خزيمةُ بنُ ثابتٍ. قال: وهو الرَّسولُ إلى مرارةَ وهلال بذلك، ولأبي ذرٍّ «إذَا رسولٌ لرسولِ الله ﷺ » (يَأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ) عُمَيرةَ بنتَ جبيرِ بنِ صخرِ بنِ أميَّةَ الأنصاريَّةَ، أمَّ أولادِهِ الثَّلاثةَ، أو (٣) هي زوجتُهُ الأخرى خَيْرة -بفتح الخاء المعجمة بعدها تحتية ساكنة- (فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا) بكسر الزاي، مجزومٌ بالأمر (وَلَا تَقْرَبْهَا) معطوفٌ عليه (وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ) بتشديد الياء (مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الحَقِي) بفتح الحاء (بِأَهْلِكِ، فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الأَمْرِ) فلحِقَتْ بهم

стр. 8044

(قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ) خولة بنت عاصم (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ) بالجزمِ على النَّهي (قَالَتْ: إِنَّهُ -وَاللهِ- مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا) قال كعبٌ: (فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمه. واستُشكلَ هذا مع نهيهِ ﷺ النَّاسَ عن كلامِ الثَّلاثةِ. وأُجيب بأنَّه عبَّر عن الإشارة بالقولِ، يعني: فلم يقعْ الكلام اللِّسانيُّ وهو المنهيُّ (١) عنهُ. قاله ابنُ الملقِّن. قال في «المصابيح»: وهذا بناء منه على الوقوفِ عند اللَّفظِ واطِّرَاح جانبِ المعنَى، وإلَّا فليسَ المقصود بعدمِ المكالمةِ عدم النُّطقِ باللِّسانِ فقط، بل المرادُ هو وما كان بمثابتِهِ من الإشارةِ المفهمةِ لِمَا يُفهِمه القول باللِّسانِ، وقد يُجابُ: بأنَّ النَّهيَ كان خاصًّا بمَن عدَا زوجة هلال ومن جرت عادته بخدمته إيَّاه من أهله، ألا ترى أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما حظر على زوجة هلال (٢) غشيانه إيَّاها، وقد أذِنَ لها في خدمتهِ، ومعلومٌ أنَّه لا بدَّ في ذلك من مخالطةٍ وكلامٍ، فلم يكُن النَّهيُ شاملًا لكلِّ أحدٍ، وإنَّما هو شاملٌ لمن لا تدعو حاجة هؤلاء إلى مخالطتهِ وكلامِهِ؛ من زوجةٍ وخادمةٍ ونحو ذلك، فلعلَّ الذي قال لكعبٍ من أهلهِ (لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ) لتخدمك (كَمَا أَذِنَ لاِمْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ) كان ممَّن لم يشملهُ النهيُّ. قال كعب: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ) قويٌّ على خدمةِ نفسِي (فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ) بفتح الميم (لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا) أيُّها الثَّلاثة (فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي) قد (٣) (ذَكَرَ اللهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي) أي: قلبِي لا يسعُهُ أنسٌ ولا سرورٌ من فرطِ الوحشةِ والغمِّ (وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) برحبِها، أي: مع سعتِها، وهو مَثَلٌ للحيرةِ في أمرِهِ، كأنَّه لا يجدُ فيها مكانًا يقرُّ فيه قلقًا وجَزَعًا، وإذا كان هؤلاءِ لم يأكُلُوا

стр. 8045

مالًا حرامًا ولا سَفَكُوا دَمًا ولا أفسَدُوا في الأرضِ وأصابَهُم ما أصابَهُم فكيف بمن واقعَ الفواحشَ والكبائرَ؟! وجواب «بينا» قوله: (سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى) بالفاء مقصورًا، أي: أشرفَ (عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ) بفتح السين المهملة وسكون اللام (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ) بهمزة قطع. وعند الواقديِّ: وكان الَّذِي أوفَى على سَلْع أبا بكر الصِّدِّيق، فصاحَ: قد تابَ اللهُ على كعبٍ (قَالَ) كعب: (فَخَرَرْتُ سَاجِدًا) شكرًا لله (وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ وَآذَنَ) بالمد، أي: أعلم (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا) أيُّها الثلاثةُ بتوبةِ الله علينا (وَذَهَبَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة (صَاحِبَيَّ) مرارةَ وهلالٍ (مُبَشِّرُونَ) يبشِّرونهما (وَرَكَضَ إِلَيَّ) بتشديد الياء، أي: استحثَّ (رَجُلٌ فَرَسًا) للعدو، وعند الواقديِّ: أنَّه الزُّبير بن العوَّام (وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ) هو حمزةُ بن عمرو الأسلميُّ. رواه الواقدي، وعند ابنِ عائذ: أنَّ اللَّذين سعيا أبو بكرٍ وعمر ﵄، لكنَّه صدَّره بقوله: زعموا (وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ) هو حمزةُ الأسلميُّ (يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ) بتشديد الياء بالتَّثنية (فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ) لي بتوبةِ الله عليَّ (وَاللهِ مَا أَمْلِكُ) من الثيابِ (غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ) وقد كان له مال غيرهما، كما صرَّح به فيما يأتي (وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ) أي: من أبي قتادة، كما عند الواقديِّ (فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا) جماعةً جماعةً (يُهَنُّونِي) ولأبي ذرٍّ «يهنونَنِي» (بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ) بكسر النون (تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ. قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، أحدُ العشرة المبشَّرة بالجنَّة (يُهَرْوِلُ) أي: يسيرُ بين المشي والعدو (حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ) وكانا أخوين آخَى النَّبيُّ ﷺ بينهما، كذا قاله البَرْماويُّ كغيره، وتعقِّب: بأنَّ الذي ذكره أهلُ المغازي: أنَّه كانَ أخَا الزُّبيرِ، لكن كان الزُّبير أخًا في أخوةِ المهاجرينَ، فهو أخو أخيهِ (وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ) أي: هذه الخصلة؛ وهي بشارتُهُ إيَّايَ بالتَّوبةِ؛ أي لا أزالُ أذكرُ إحسانهُ إليَّ بذلك، وكنتُ رهينَ مسرَّتهِ (قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ) أي: سِوى يومِ إسلامِهِ، وهو مستثنى تقديرًا وإن لم ينطقْ به، أو أنَّ يوم توبتِهِ مكمِّلٌ ليومِ إسلامِهِ، فيومُ

стр. 8046

إسلامِهِ بدايةُ سعادتِهِ، ويوم توبتِهِ مكمِّلٌ لها، فهو خيرٌ من جميع أيامهِ، وإن كان يومُ إسلامِهِ خيرَها فيومُ توبتِهِ المضاف إلى إسلامهِ خيرٌ من يومِ إسلامه المجرَّد عنها (قَالَ) كعب: (قُلتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ) زاد ابنُ أبي شيبة: «أنتم صدَقتُم اللهَ فصدَقَكُم». (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سُرَّ) بضم السين وتشديد الراء مبنيًّا للمفعول (اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ) قيل: قال: «قطعةُ قمرٍ» احترازًا من السَّوادِ الَّذي في القمرِ، أو إشارةً إلى موضعِ الاستنارةِ؛ وهو الجبينُ الذي فيه يظهرُ السُّرورُ. قالت عائشةُ [خ¦٣٥٥٥] «مسرورًا تبرقُ أساريرُ وجههِ» فكأنَّ (١) التَّشبيهَ وقعَ على بعضِ الوجهِ، فناسبَ أن يشبَّه ببعضِ القمرِ (وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ) أي: الذي يحصلُ لهُ من استنارةِ وجههِ عند السُّرورِ (فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ) ﷺ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ) أخرج (مِنْ) جميعِ (مَالِي صَدَقَةً) قال الزَّركشيُّ -وتبعه البَرْماويُّ وابن حجرٍ وغيرهما-: هي مصدر، فيجوزُ انتصابهُ بـ «أنخلع»؛ لأنَّ معنى أنخلع: أتصدَّق، ويجوزُ أن يكون مصدرًا في موضعِ الحالِ، أي: متصدِّقًا، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا نسلِّمُ أنَّ الصَّدقةَ مصدرٌ، وإنَّما هي اسمٌ لما يُتصدَّقُ به، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وفي «الصّحاح»: الصَّدقةُ ما تُصدِّقَ به على الفُقراءِ، فعلى هذا يكونُ نصبها على الحالِ من: «مالِي» (إِلَى اللهِ وإِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: صدقة خالصةً لله ولرسولِ الله، فـ «إلى» بمعنى «اللَّام»، ولأبي ذرٍّ «إلى رسولِهِ» (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لهُ خوفًا عليه من تضرُّره بالفقرِ وعدمِ صبرهِ على القافة: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ) بكسر القاف (فَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللهُ) بالموحدة الساكنة، أي: أنعَمَ عليهِ (فِي صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي) أي: ممَّا أنعم عليَّ، وفيه الأفضليَّةُ لا نفي المسَاواةِ؛ لأنَّه شاركهُ في ذلك هلالٌ ومرارة (مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فِيمَا بَقِيتُ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ﴾) أي: تجاوز الله (٢) عنه إذنهُ

стр. 8047

للمنافقينَ في التخلُّفِ كقوله: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] (﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾) ثبت لأبي ذرٍّ «﴿وَالأَنصَارِ﴾» وفيه حثٌّ للمؤمنين على التوبةِ، وأنَّه ما من مؤمنٍ إلَّا وهو محتاجٌ إلى التَّوبةِ والاستغفارِ، حتَّى النَّبيّ ﷺ والمهاجرين والأنصار (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]) في إيمانِهم دونَ المنافقينَ، أو مع الذينَ لم يتخلَّفُوا (فَوَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «بعدَ إذ» (هَدَانِي لِلإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ) أي: أن أكونَ (كَذَبْتُهُ) «فلا»: زائدة، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] (فَأَهْلِكَ) بكسر اللام والنصب، أي: فإن أهلِكَ (كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ) أي: قال قولًا شرَّ ما قالَ؛ بالإضافة أي: شرَّ القولِ الكائنِ لأحدٍ من النَّاسِ (فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ﴾) إذا رجعتُم إليهِم من الغزوِ (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]) أي: فإنَّ رضاكُم وحدكُم لا ينفعُهُم إذا كان الله ساخطًا عليهم وكانُوا عُرضةً لعاجلِ عقوبتهِ وآجلِها. (قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ) أن تخلُّفهم كان لعذرٍ (فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ) بالجيم والهمزة آخره، أي: أخَّرَ (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرَنَا) أيُّها الثَّلاثةُ (حَتَّى قَضَى اللهُ فِيهِ) بالتَّوبةِ (فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ مِمَّا خُلِّفْنَا) بضم الخاء وكسر اللام المشددة وسكون الفاء (عَنِ الغَزْوِ، وإِنَّمَا) بالواو، ولأبي الوقتِ ولغيره «إنَّما» (هُوَ تَخْلِيفُهُ) بالخاء المعجمة (١) (إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ) أي: تأخيرهُ (أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ) ﷺ (وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ) ﵊ اعتذارهُ، والمراد على قوله: أنَّهم خلفُوا عن التَّوبةِ لا عن الغزوِ. وقد أخرج المؤلِّف - رحمه الله تعالى - حديث غزوةِ تبوك وتوبةِ الله على كعبٍ في عشرةِ مواضعَ مطولًا ومختصرًا، وسبق بعضُها [خ¦٢٩٤٨] [خ¦٢٩٨٠] [خ¦٣٥٥٦] [خ¦٣٨٨٩] [خ¦٣٩٥١] ويأتي منها إن شاء الله تعالى في «الاستئذان» [خ¦٦٢٢٥] و «الأحكام» [خ¦٧٢٢٥]، وأخرجه مسلم في «التوبة»، وأبو داود في «الطَّلاق»، وكذا النَّسائيُّ.

стр. 8048

(٨٠) (نُزُولُ النَّبِيِّ ﷺ الحِجْرَ) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم، وهي منازلُ ثمودَ قوم صالحٍ ﵇ بين المدينة والشَّام. ٤٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) بضم الجيم وسكون المهملة، المسنَديُّ بفتح النون قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام الحافظ أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عبدِ الله بنِ عمر، أحد فقهاءِ التَّابعين (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالحِجْرِ) ديار ثمود بين المدينةِ والشَّامِ في غزوةِ تبوكٍ (قَالَ) لأصحابه الَّذين معهُ: (لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكُفرِ (أَنْ يُصِيبَكُمْ) بفتح الهمزة مفعولًا له، أي: مخافةَ الإصابةِ، أو لئلَّا يصيبكُم (مَا أَصَابَهُمْ) من العذابِ (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، ثُمَّ قَنَّعَ) بفتح القاف والنون المشددة، أي: سترَ ﷺ (رَأْسَهُ) بردائِهِ (وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ) بالجيم والزاي، أي: قطعَهُ. وهذا الحديثُ سبقَ في «باب قولِ الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]» من «أحاديثِ الأنبياءِ» [خ¦٣٣٨٠]. ٤٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِ الحِجْرِ) أي:

стр. 8049

عن أصحابِ الحجرِ، فاللَّام بمعنى «عن»، أو قال عند أصحابِ الحجرِ المعذَّبينَ هناك: (لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ) بفتح الذال المعجمة، ثمود (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) مخافةَ (أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ) من العقابِ، و «مثلُ» بالرفع، وسقطَ لأبي ذرٍّ. (٨١) هذا (بابٌ) بالتنوين بغير ترجمةٍ. ٤٤٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ) بنِ سعدٍ، الإمام (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) هو عبدُ العزيز بنُ عبد الله بنِ أبي سلَمة -بفتح اللام- الماجشُون التَّيميُّ، مولاهم المدنيُّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابنِ عبد الرَّحمنِ بنِ عوفٍ الزُّهريِّ قاضِي المدينةِ (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي: ابنِ مطعمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ المُغِيرَةِ) ولأبي ذرٍّ «مغيرة» (بْنِ شُعْبَةَ) أنَّه (قَالَ: ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ المَاءَ) حين فرغَ من حاجتهِ (لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذَهَبَ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ عَلَيْهِ كُمُّ الجُبَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «كمَّا الجبَّة» بالتَّثنية (فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ جُبَّتِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ). وسبق الحديثُ في «بابِ المسحِ على الخفَّين» من «كتاب الوضوء» [خ¦٢٠٣].

стр. 8050

٤٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء (١) المعجمة، القَطَوانيُّ -بفتح القاف والطاء- البجليُّ مولاهم الكوفيُّ قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلالٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين، المازنيُّ، ولأبي ذرٍّ «عن عَمرو بن يحيى» (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بالموحدة والمهملة في «عبَّاس» السَّاعديِّ (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء وفتح الميم، عبدِ الرَّحمن أو المنذرِ أو غيرهما، السَّاعديِّ الصَّحابيِّ المشهور ﵁، أنَّه (قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ قَالَ) ﵊: (هَذِهِ طَابَةُ) بألف بعد الطاء وفتح الموحدة، من أسماءِ المدينة (وَهَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقة (وَنُحِبُّهُ). وسبق الحديث في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٢] و «فضلِ الأنصار» [خ¦١٤٨١] و «المغازي» [خ¦٦٤/ ٢٧ - ٦٠٢٢] وغيرهما. ٤٤٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السِّمسار (٢) المروزِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ المروزِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا) أي: قَرُبَ (مِنَ المَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ بِالمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ) بالقلُوبِ والنِّيَّات (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ) عن الغزوِ معكم، فالمعيَّةُ والصُّحبة الحقيقيةُ (٣) إنما هي بالسَّيرِ بالرُّوحِ لا بمجرَّدِ البدنِ، ونيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من عملِهِ، فتأمَّل هؤلاءِ كيفَ بلغَتْ بهم نيَّتُهم مبلغَ أولئكَ (٤) العاملينَ بأبدانِهم، وهم على فرشِهِم في بيوتِهِم، فالمسابقةُ إلى الله تعالى وإلى الدَّرجاتِ العوالي بالنِّيَّاتِ والهِمَمِ لا بمجرَّدِ الأعمالِ.

стр. 8051

وهذا الحديث سبق في «باب من حبسه العذر عن الغزو» من «الجهاد» [خ¦٢٨٣٩]. (٨٢) (كِتَابُ النَّبِيِّ) وفي نسخة بـ «اليونينية» «بابُ كتابِ النَّبيِّ» (¬ ﷺ إِلَى كِسْرَى) أَبْرَوِيْزبن هُرْمز بن أَنُوشِرْوَان؛ وهو كسرى الكبير المشهور (١) لا أَنُوشِرْوان؛ لأنَّه ﷺ أخبرَ بأنَّ ابنَهُ يقتلهُ، والذي قتلهُ ابنهُ هو أَبْرَويز، وكِسرى الكبيرُ -بكسر الكاف- لقبُ كلِّ من يملك الفرس (وَ) إلى (قَيْصَرَ) وهو هرقلُ. ٤٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بنُ رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسانَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى) أَبْرَوِيْز (مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ) القرشيِّ، أسلمَ قديمًا، وكان من المهاجرينَ الأوَّلينَ، وكانَ مكتوبًا فيه -على ما ذكر الواقديُّ فيما نقله صاحبُ «عيون الأثر» -: «بسم الله الرحمن الرحيم من رسولِ الله محمَّد إلى كسرى عظيمِ فارس، سلامٌ على من اتَّبع الهُدى، وآمن باللهِ ورسوله، وشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، أدعوكَ بدعاية الله، فإنِّي أنا رسول الله إلى النَّاس كافَّة ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] أسلم تسلم، فإن أبيتَ فعليك إثم المجوس».

стр. 8052

(فَأَمَرَهُ) أي: أمرَ رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بنَ حذافَةَ (أَنْ يَدْفَعَهُ) أي: الكتابَ (إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ) المنذر بن ساوى نائبِ كسرَى على البحرينِ، فتوجَّه عبدُ اللهِ بنُ حذافةَ إليه فأعطاهُ إيَّاه (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ) بنفسهِ أو قرأَهُ غيرُهُ عليهِ (مَزَّقَهُ) بالزاي والقاف، أي: قطَّعهُ. قال ابنُ شهاب الزُّهريُّ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيَّبِ) سعيدًا (قَالَ) بالسَّند السَّابق: (فَدَعَا عَلَيْهِمْ) على كسرى وجنودِهِ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي «فَدَعَا عَليهِ» أي: على كسرى (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) بفتح الزاي فيهما، أي: يتفرَّقُوا ويتقطَّعُوا، فاستجابَ الله دعاءَهُ ﷺ ، فسلَّطَ الله تعالى على كسرى ابنَه شيرويه، فمزَّقَ بطنَهُ فقتلَهُ، ولم يقُم لهم بعد ذلك أمرٌ نافِذٌ، وأدبرَ عنهم الإقبالُ حتى انقرضُوا بالكلِّيَّةِ في خلافةِ عمر ﵁. وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» في «باب ما يذكر في المناولة» [خ¦٦٤]. ٤٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بالمثلثة، المؤذِّنُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بفتح العين المهملة بعدها واو ساكنة ففاء، الأعرابيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيعِ بنِ الحارثِ، أنَّه (قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ) (بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَيَّامَ الجَمَلِ) أي: نَفَعني الله أيَّامَ وقعةِ الجملِ بكلمةٍ سمعتُها، فـ «أيَّامٌ»: متعلِّقٌ بـ «نفعنِي» لا بسمعتها؛ لأنَّه سمعها قبلَ ذلك، ففيه تقديمٌ وتأخيرٌ (بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ) ولأبي ذرٍّ «كدتُ ألحق» (بِأَصْحَابِ) وقعةِ (الجَمَلِ) عائشةَ ﵂ ومن معها (فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ) وكان سببها: أنَّ عُثمَان ﵁

стр. 8053

لمَّا قُتِل وبويعَ عليٌّ بالخلافةِ (١) خرجَ طلحةُ والزُّبيرُ إلى مكَّةَ، فوجدا عائشةَ وكانت قد حجَّت، فأجمعَ رأيهم على التوجُّهِ إلى البصرةِ يستنفِرونَ النَّاسَ للطَّلبِ بدمِ عثمانَ، فبلغَ (٢) عليًّا فخرجَ إليهم، فكانت الوقعةُ، ونسبت إلى الجملِ التي كانَتْ عائشةُ قد ركبتهُ، وهي في هودجِهَا تدعُو النَّاسَ إلى الإصلاح. (قَالَ) أبو بكرة مفسرًا لقوله: «نفعنِي الله بكلمةٍ» (لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا) بتشديد اللام (عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى) بُوران -بضم الموحدة- بنت شيرويه بن كِسرى أَبْرويز، وذلك أنَّ شيرويه لمَّا قتلَ أباهُ كان أبوهُ لمّا (٣) علمَ أنَّ ابنه عملَ على قتلِهِ؛ احتالَ على قتلِ ابنه بعد موتهِ، فعملَ في بعضِ خزائنِهِ المختصَّة به حُقًّا مسمومًا كتب عليه: حُقُّ الجماعِ، من تناولَ منه كذا جامع كذا، فقرأهُ شيرويه فتناولَ منه، فكان فيهِ هلاكهُ، فلم يَعِش بعد أبيه سوى ستة أشهرٍ، فلمَّا ماتَ لم يخلِّف أخًا لأنَّه كان قتل إخوتهُ حِرصًا على المُلْكِ، ولم يخلف ذكرًا، وكرِهُوا إخراجَ المُلْكِ عن ذلكَ البيتِ فملَّكُوا أختهُ. (قَالَ) ﵊: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) ومذهب (٤) الجمهورِ: أنَّ المرأةَ لا تلِي الإمارةَ ولا القضاء، وأجازهُ الطَّبريُّ في روايةٍ عن مالك، وعن أبي حنيفة: تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادةُ النِّساءِ.

стр. 8054

والغرضُ من ذكر هذا الحديثِ هنا: بيانُ أنَّ كسرَى لمَّا مزَّقَ كتابهُ ﷺ ودعا عليه سلَّطَ الله عليه ابنهُ فمزَّقهُ وقتلَهُ، ثمَّ قتلَ إخوتَهُ؛ أفضَى الأمرُ بهم إلى تأميرِ المرأةِ، فجرَّ ذلكَ إلى ذهابِ ملكِهم ومُزِّقوا، واستجابَ اللهُ دعاءهُ ﷺ . ٤٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بنَ مسلمَ ابنِ شهابٍ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) ولأبي ذرٍّ «سمعت الزُّهريَّ يقولُ: سمعت السَّائبَ بنَ يزيد ﵁» (يَقُولُ: أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الغِلْمَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ نَتَلَقَّى) بفتح القاف المشددة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وثنيَّة الوَداع -بفتح الواو- (١): وهي ما ارتفع من الأرضِ، أو هي الطَّريقُ في (٢) الجبلِ، وسُمِّيت بذلك لأنَّه ﷺ ودَّعهُ بها بعض المقيمين بالمدينةِ في بعضِ أسفارهِ، وقيل: لأنَّه ﷺ شيَّعَ إليها بعضَ سراياهُ فودَّعه عندَها، وقيل: لأنَّ المسافرَ من المدينةِ كان يشيَّعُ إليها ويودَّع عندَها قديمًا، وما قيل من أنَّهم كانوا يُشيِّعونَ الحاجَّ ويودِّعونهم عندَها ردَّهُ الحافظُ أبو الفضلِ العراقيُّ وابنُ القيِّم: بأنَّ ثنيَّةَ الوداعِ إنَّما هي من ناحيةِ الشَّامِ، لا يراها القادمُ من مكَّةَ ولا يمرُّ بها إلَّا إذا توجَّه من الشَّامِ، وإنَّما وقعَ ذلك عند قدومهِ من تبوك، ويحتملُ أن تكونَ في جهةِ الحجازِ ثنيَّة أخرى. (وَقَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة -بالسَّند السَّابق-: (مَرَّةً) أخرى: (مَعَ الصِّبْيَانِ) بدل قوله الأوَّل: «مع الغلمانِ»، وهما بمعنى. ٤٤٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ)

стр. 8055

محمَّد بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ (عَنِ السَّائِبِ) بنِ يزيدَ بنِ سعيدِ بنِ ثمامةَ ﵁، أنَّه قال: (أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّى النَّبِيَّ ﷺ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ مَقْدَمَهُ) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الدال، أي: وقتَ قدومِه (مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ). قال في «الفتح»: وفي إيرادِ هذا الحديثِ هنا إشارةٌ إلى أنَّ إرسالَ الكتبِ إلى الملوكِ كان في سنة غزوة تبوك؛ وهي سنةُ تسع. وتقدَّم هذا الحديثُ في «بابِ استقبالِ الغزاة» من «الجهادِ» [خ¦٣٠٨٣]. (٨٣) (باب) ذكر (مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَ) وقتِ (وَفَاتِهِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) يخاطبُ نبيَّه ﷺ : (﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾) أي: ستموتُ (﴿وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]) أي: سيموتون (١) وبالتَّخفيف: مَن حلَّ به الموتُ. قال الخليلُ: أنشدَ أبو عمرو: أيا سَائلِي (٢) تفسيرَ مَيْتٍ ومَيِّتٍ … فَدُونكَ قد فسَّرتُ إن كنتَ تعقلُ (٣) فَمَنْ كان ذَا رُوحٍ فذلك ميِّتٌ … ومَا المَيْتُ إلَّا مَنْ إِلى القَبْر يُحمَلُ وكانوا يتربَّصونَ برسولِ الله ﷺ موته، فأخبرَ أنَّ الموتَ يعمُّهُم، فلا معنَى للتربُّصِ وشماتةِ البَاقي بالفَاني. وعن قتادة: نَعى إلى نبيِّهِ نفسه ونَعَى إليكُم أنفُسَكُم، أي: إنَّك وإيَّاهم في عدادِ الموتَى؛ فكأنَّ ما هو كائنٌ قد كانَ (٤) (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾) أي: إنَّكَ (٥) وإيَّاهُم، فغلَّب ضمير المخاطبِ على ضميرِ الغائبِ (﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]) فتحتجَّ أنت عليهم بأنَّك بلَّغْتَ فكذَّبُوا، واجتهدْتَ في الدَّعوةِ فلجُّوا في العِنادِ، ويعتذرونَ بما لا طائلَ تحتهُ. قالت الصَّحابةُ ﵃: ما خصومتُنا ونحنُ إخوانٌ؟! فلمَّا قتلَ عثمان، قالوا: هذهِ
следующие страницы →