← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

وهذا الحديث سبق في «باب من حبسه العذر عن الغزو» من «الجهاد» [خ¦٢٨٣٩]. (٨٢) (كِتَابُ النَّبِيِّ) وفي نسخة بـ «اليونينية» «بابُ كتابِ النَّبيِّ» (¬ ﷺ إِلَى كِسْرَى) أَبْرَوِيْزبن هُرْمز بن أَنُوشِرْوَان؛ وهو كسرى الكبير المشهور (١) لا أَنُوشِرْوان؛ لأنَّه ﷺ أخبرَ بأنَّ ابنَهُ يقتلهُ، والذي قتلهُ ابنهُ هو أَبْرَويز، وكِسرى الكبيرُ -بكسر الكاف- لقبُ كلِّ من يملك الفرس (وَ) إلى (قَيْصَرَ) وهو هرقلُ. ٤٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بنُ رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسانَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى) أَبْرَوِيْز (مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ) القرشيِّ، أسلمَ قديمًا، وكان من المهاجرينَ الأوَّلينَ، وكانَ مكتوبًا فيه -على ما ذكر الواقديُّ فيما نقله صاحبُ «عيون الأثر» -: «بسم الله الرحمن الرحيم من رسولِ الله محمَّد إلى كسرى عظيمِ فارس، سلامٌ على من اتَّبع الهُدى، وآمن باللهِ ورسوله، وشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، أدعوكَ بدعاية الله، فإنِّي أنا رسول الله إلى النَّاس كافَّة ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] أسلم تسلم، فإن أبيتَ فعليك إثم المجوس».

стр. 8052

(فَأَمَرَهُ) أي: أمرَ رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بنَ حذافَةَ (أَنْ يَدْفَعَهُ) أي: الكتابَ (إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ) المنذر بن ساوى نائبِ كسرَى على البحرينِ، فتوجَّه عبدُ اللهِ بنُ حذافةَ إليه فأعطاهُ إيَّاه (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ) بنفسهِ أو قرأَهُ غيرُهُ عليهِ (مَزَّقَهُ) بالزاي والقاف، أي: قطَّعهُ. قال ابنُ شهاب الزُّهريُّ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيَّبِ) سعيدًا (قَالَ) بالسَّند السَّابق: (فَدَعَا عَلَيْهِمْ) على كسرى وجنودِهِ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي «فَدَعَا عَليهِ» أي: على كسرى (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) بفتح الزاي فيهما، أي: يتفرَّقُوا ويتقطَّعُوا، فاستجابَ الله دعاءَهُ ﷺ ، فسلَّطَ الله تعالى على كسرى ابنَه شيرويه، فمزَّقَ بطنَهُ فقتلَهُ، ولم يقُم لهم بعد ذلك أمرٌ نافِذٌ، وأدبرَ عنهم الإقبالُ حتى انقرضُوا بالكلِّيَّةِ في خلافةِ عمر ﵁. وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» في «باب ما يذكر في المناولة» [خ¦٦٤]. ٤٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بالمثلثة، المؤذِّنُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بفتح العين المهملة بعدها واو ساكنة ففاء، الأعرابيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيعِ بنِ الحارثِ، أنَّه (قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ) (بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَيَّامَ الجَمَلِ) أي: نَفَعني الله أيَّامَ وقعةِ الجملِ بكلمةٍ سمعتُها، فـ «أيَّامٌ»: متعلِّقٌ بـ «نفعنِي» لا بسمعتها؛ لأنَّه سمعها قبلَ ذلك، ففيه تقديمٌ وتأخيرٌ (بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ) ولأبي ذرٍّ «كدتُ ألحق» (بِأَصْحَابِ) وقعةِ (الجَمَلِ) عائشةَ ﵂ ومن معها (فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ) وكان سببها: أنَّ عُثمَان ﵁

стр. 8053

لمَّا قُتِل وبويعَ عليٌّ بالخلافةِ (١) خرجَ طلحةُ والزُّبيرُ إلى مكَّةَ، فوجدا عائشةَ وكانت قد حجَّت، فأجمعَ رأيهم على التوجُّهِ إلى البصرةِ يستنفِرونَ النَّاسَ للطَّلبِ بدمِ عثمانَ، فبلغَ (٢) عليًّا فخرجَ إليهم، فكانت الوقعةُ، ونسبت إلى الجملِ التي كانَتْ عائشةُ قد ركبتهُ، وهي في هودجِهَا تدعُو النَّاسَ إلى الإصلاح. (قَالَ) أبو بكرة مفسرًا لقوله: «نفعنِي الله بكلمةٍ» (لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا) بتشديد اللام (عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى) بُوران -بضم الموحدة- بنت شيرويه بن كِسرى أَبْرويز، وذلك أنَّ شيرويه لمَّا قتلَ أباهُ كان أبوهُ لمّا (٣) علمَ أنَّ ابنه عملَ على قتلِهِ؛ احتالَ على قتلِ ابنه بعد موتهِ، فعملَ في بعضِ خزائنِهِ المختصَّة به حُقًّا مسمومًا كتب عليه: حُقُّ الجماعِ، من تناولَ منه كذا جامع كذا، فقرأهُ شيرويه فتناولَ منه، فكان فيهِ هلاكهُ، فلم يَعِش بعد أبيه سوى ستة أشهرٍ، فلمَّا ماتَ لم يخلِّف أخًا لأنَّه كان قتل إخوتهُ حِرصًا على المُلْكِ، ولم يخلف ذكرًا، وكرِهُوا إخراجَ المُلْكِ عن ذلكَ البيتِ فملَّكُوا أختهُ. (قَالَ) ﵊: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) ومذهب (٤) الجمهورِ: أنَّ المرأةَ لا تلِي الإمارةَ ولا القضاء، وأجازهُ الطَّبريُّ في روايةٍ عن مالك، وعن أبي حنيفة: تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادةُ النِّساءِ.

стр. 8054

والغرضُ من ذكر هذا الحديثِ هنا: بيانُ أنَّ كسرَى لمَّا مزَّقَ كتابهُ ﷺ ودعا عليه سلَّطَ الله عليه ابنهُ فمزَّقهُ وقتلَهُ، ثمَّ قتلَ إخوتَهُ؛ أفضَى الأمرُ بهم إلى تأميرِ المرأةِ، فجرَّ ذلكَ إلى ذهابِ ملكِهم ومُزِّقوا، واستجابَ اللهُ دعاءهُ ﷺ . ٤٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بنَ مسلمَ ابنِ شهابٍ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) ولأبي ذرٍّ «سمعت الزُّهريَّ يقولُ: سمعت السَّائبَ بنَ يزيد ﵁» (يَقُولُ: أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الغِلْمَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ نَتَلَقَّى) بفتح القاف المشددة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وثنيَّة الوَداع -بفتح الواو- (١): وهي ما ارتفع من الأرضِ، أو هي الطَّريقُ في (٢) الجبلِ، وسُمِّيت بذلك لأنَّه ﷺ ودَّعهُ بها بعض المقيمين بالمدينةِ في بعضِ أسفارهِ، وقيل: لأنَّه ﷺ شيَّعَ إليها بعضَ سراياهُ فودَّعه عندَها، وقيل: لأنَّ المسافرَ من المدينةِ كان يشيَّعُ إليها ويودَّع عندَها قديمًا، وما قيل من أنَّهم كانوا يُشيِّعونَ الحاجَّ ويودِّعونهم عندَها ردَّهُ الحافظُ أبو الفضلِ العراقيُّ وابنُ القيِّم: بأنَّ ثنيَّةَ الوداعِ إنَّما هي من ناحيةِ الشَّامِ، لا يراها القادمُ من مكَّةَ ولا يمرُّ بها إلَّا إذا توجَّه من الشَّامِ، وإنَّما وقعَ ذلك عند قدومهِ من تبوك، ويحتملُ أن تكونَ في جهةِ الحجازِ ثنيَّة أخرى. (وَقَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة -بالسَّند السَّابق-: (مَرَّةً) أخرى: (مَعَ الصِّبْيَانِ) بدل قوله الأوَّل: «مع الغلمانِ»، وهما بمعنى. ٤٤٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ)

стр. 8055

محمَّد بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ (عَنِ السَّائِبِ) بنِ يزيدَ بنِ سعيدِ بنِ ثمامةَ ﵁، أنَّه قال: (أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّى النَّبِيَّ ﷺ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ مَقْدَمَهُ) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الدال، أي: وقتَ قدومِه (مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ). قال في «الفتح»: وفي إيرادِ هذا الحديثِ هنا إشارةٌ إلى أنَّ إرسالَ الكتبِ إلى الملوكِ كان في سنة غزوة تبوك؛ وهي سنةُ تسع. وتقدَّم هذا الحديثُ في «بابِ استقبالِ الغزاة» من «الجهادِ» [خ¦٣٠٨٣]. (٨٣) (باب) ذكر (مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَ) وقتِ (وَفَاتِهِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) يخاطبُ نبيَّه ﷺ : (﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾) أي: ستموتُ (﴿وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]) أي: سيموتون (١) وبالتَّخفيف: مَن حلَّ به الموتُ. قال الخليلُ: أنشدَ أبو عمرو: أيا سَائلِي (٢) تفسيرَ مَيْتٍ ومَيِّتٍ … فَدُونكَ قد فسَّرتُ إن كنتَ تعقلُ (٣) فَمَنْ كان ذَا رُوحٍ فذلك ميِّتٌ … ومَا المَيْتُ إلَّا مَنْ إِلى القَبْر يُحمَلُ وكانوا يتربَّصونَ برسولِ الله ﷺ موته، فأخبرَ أنَّ الموتَ يعمُّهُم، فلا معنَى للتربُّصِ وشماتةِ البَاقي بالفَاني. وعن قتادة: نَعى إلى نبيِّهِ نفسه ونَعَى إليكُم أنفُسَكُم، أي: إنَّك وإيَّاهم في عدادِ الموتَى؛ فكأنَّ ما هو كائنٌ قد كانَ (٤) (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾) أي: إنَّكَ (٥) وإيَّاهُم، فغلَّب ضمير المخاطبِ على ضميرِ الغائبِ (﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]) فتحتجَّ أنت عليهم بأنَّك بلَّغْتَ فكذَّبُوا، واجتهدْتَ في الدَّعوةِ فلجُّوا في العِنادِ، ويعتذرونَ بما لا طائلَ تحتهُ. قالت الصَّحابةُ ﵃: ما خصومتُنا ونحنُ إخوانٌ؟! فلمَّا قتلَ عثمان، قالوا: هذهِ

стр. 8056

خصومتُنَا. وعن أبي العاليةَ: نزلَتْ في أهلِ القبلةِ، وذلك في الدِّماءِ والمظالِم الَّتي بينهُم، والوجهُ هو الأوَّلُ، وسقطَ قوله «﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. ٤٤٢٨ - (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ «فقالَ» (١) (يُونُسُ) بنُ يزيدَ الأيليُّ، فيما وصلهُ البزَّار والحاكم: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ، أنَّه قال: (قَالَ عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ) أي: أُحِسُّ الألَمَ في جوفِي بسببِ الطَّعامِ المسمومِ (الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ) وعند الواقديِّ -ممَّا رواهُ ابنُ سعدٍ عنه-: أنَّه ﷺ عاشَ بعد أكلهِ ثلاث سنين (فَهَذَا أَوَانَُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي) بفتح الهاء، عرقٌ مستبطِنٌ بالصُّلب متَّصلٌ بالقلبِ، ثمَّ تتشعَّبُ منه سائر الشَّرايين، إذا انقطَعَ ماتَ صاحبُهُ (مِنْ ذَلِكَ السَُّمِّ) بفتح السين المهملة (٢) وضمها، وأوانُ: رفع على الخبريَّةِ، وهو الذي في الفَرْع، وبالفتح لإضافتهِ إلى مبنيٍّ وهو الماضِي؛ لأنَّ المضافَ والمضافَ إليهِ كالشَّيءِ الواحدِ، وهو في موضعِ رفع خبرِ المبتدأ. ٤٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، الحافظُ المخزوميُّ مولاهُم المصريُّ، ونسبه (٣)

стр. 8057

لجدِّهِ لشهرتِهِ به، واسمُ أبيهِ: عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم العين في الأوَّل، ابنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) وسقطَ «عبد الله» لأبي ذرٍّ (عَنْ) أمِّه (أُمِّ الفَضْلِ) لبابةَ (بِنْتِ الحَارِثِ) الهلاليَّة، أنَّها (قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَقْرَأُ فِي) صلاةِ (المَغْرِبِ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ) ، وفي روايةِ عبدِ الله بنِ يوسف التِّنِّيسيِّ عن مالكِ عن ابنِ شهابٍ، في «الصَّلاةِ» [خ¦٧٦٣] إنَّها لآخرِ ما سمعتُ من رسول الله ﷺ يقرأُ بها في المغربِ. ٤٤٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وبعد العين الثانية راء أخرى، ابنِ البِرِنْد -بكسر الموحدة والراء وسكون النون- السَّاميُّ -بالسين المهملة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، حفصِ بنِ أبي وحشيَّةَ، إياس الواسطيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي) أي: يقرِّب (ابْنَ عَبَّاسٍ) من نفسهِ، وكان الأصل أن يقول: كان (١) يدنيهِ، لكنَّه أقامَ الظَّاهرَ مقامَ المضمرِ (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ) في السِّنِّ فَلَمْ تدنهم (فَقَالَ) عمر: (إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ) من جهةِ قرابتهِ من رسولِ الله ﷺ ، أو من جهةِ زيادةِ معرفتهِ (فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]) بعد أن سألهم، فمنهم من قال: فتحُ المدائِن، ومنهم من سكتَ (فَقَالَ) ابن عبَّاس مجيبًا: هو (أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ) له عمرُ: (مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ) وعند الطَّبرانيِّ عن ابن عبَّاس من وجهٍ آخر: لمَّا نزلت أخذ رسول الله ﷺ أشدَّ ما كان اجتهادًا في أمرِ الآخرة (٢).

стр. 8058

وقولهُ: «وقال يونسُ» المعلَّقُ السَّابق بعد قوله: ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ مؤخَّرٌ هنا في رواية أبي ذرٍّ. ٤٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ولأبي ذرٍّ «ابن عُيينة» بدل «سفيان» (١) (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟!) برفع «يومُ» خبرُ مبتدأ محذوف، ومرادهُ التَّعجُّب من شدَّةِ الأمرِ وتفخيمهِ، ولمسلمٍ: «ثمَّ جعلَ تسيلُ دموعهُ حتَّى رأيتُها على خدِّيهِ كأنَّها نِظامُ اللؤلؤِ» (اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي) زاد في «العلم» [خ¦١١٤] بكتابٍ، أي: بأدواتِ الكتابِ كالدَّواةِ والقلمِ، أو ما يكتبُ فيه كالكاغدِ (أَكْتُبْ لَكُمْ) بالجزمْ جواب الأمر، والرفع على الاستئنافِ، أي: آمر من يكتبُ لكم (كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا) منصوبٌ بحذف النون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «لا تضلُّون» (بَعْدَهُ أَبَدًا، فَتَنَازَعُوا) فقال بعضهم: نكتبُ لِمَا فيهِ من امتثالِ الأمرِ وزيادةِ الإيضاحِ. وقال عمر ﵁: حسبُنَا كتابُ اللهِ، فالأمرُ ليس للوجوبِ بل للإرشادِ إلى الأصلَحِ (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ) قيل: هذا مدرجٌ من قولِ ابنِ عبَّاس، ويردُّه قوله ﵊ في «كتاب العلم» في: «باب كتابة العلم» [خ¦١١٤] «ولا ينبغي عندي التَّنازع» (فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟) بإثبات همزة الاستفهام وفتح الهاء والجيم والراء، ولبعضِهِم «أهُجْرًا» بضم الهاء وسكون الجيم والتنوين، مفعولًا بفعل مضمرٍ، أي: قال هُجْرًا -بضم الهاء وسكون الجيم- وهو الهذيانُ الذي يقعُ من كلامِ المريضِ الَّذي لا ينتظِمُ، وهذا مستحيلٌ وقوعه من المعصُومِ صحَّةً ومرضًا، وإنَّما قال ذلك من قاله منكرًا على من توقَّفَ في امتثالِ أمرهِ بإحضارِ الكتفِ والدَّواة، فكأنَّه قال: كيف تتوقَّف أتظنُّ أنَّه كغيره يقول الهذيان في مرضه؟! امتثلْ أمرَهُ وأحضرْ ما طلبَ، فإنَّه لا يقولُ إلَّا الحقَّ، أو المرادُ: أهجر؟

стр. 8059

بلفظ الماضي من الهَجْرِ -بفتح الهاء وسكون الجيم- والمفعول محذوف، أي: أهجر الحياةَ؟ وعبَّرَ بالماضِي مبالغةً لما رأى من علاماتِ الموتِ (اسْتَفْهِمُوهُ) بكسر الهاء (١) بصيغة الأمر، أي: عن هذا الأمرِ الذي أرادَهُ، هل هو الأولى أم لا؟ (فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ) أي: يعيدون عليه مقالتهُ ويستثبتونهُ فيها، وقد كانوا يراجعونَهُ في بعضِ الأمورِ قبل تحتُّمِ الإيجابِ، كما راجعوهُ يومَ الحديبيَة في الحلاقِ وكتابة الصُّلحِ بينهُ وبينَ قريشٍ، فأمَّا إذا أمرَ بالشيءِ أمرَ عزيمة فلا يراجعهُ أحدٌ منهم، ولأبي ذرٍّ «يردُّون (٢) عنهُ» أي: يردُّون عنه (٣) القول المذكور على من قاله. (فَقَالَ) ﵊: (دَعُونِي) اتركُوني (فَالَّذِي أَنَا فِيهِ) من المشاهدة والتأهُّب للقاءِ الله (خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي) ولأبي ذرٍّ «ممَّا (٤) تدعونَنِي» (إِلَيْهِ) من شأنِ كتابةِ الكتابِ (وَأَوْصَاهُمْ) ﷺ في تلكَ الحالةِ (بِثَلَاثٍ) من الخصالِ (قَالَ) لهم: (أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ) بفتح الهمزة وكسر الراء (مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ) هي من عدن إلى العراقِ طُولًا، ومن جدَّةَ إلى الشَّامِ عرضًا. و «من» بيانيَّة (٥) (وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ) أي: أعطوهُم، وكانت جائزةُ الواحدِ على عهدِهِ ﷺ وقيَّة من فضَّةٍ، وهي أربعونَ درهمًا، فأمرَ بإكرامهِم تطييبًا لقلوبهِم وترغيبًا لغيرِهم من المؤلَّفة (وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَ (٦): فَنَسِيتُهَا) قيل: السَّاكت هو ابن عبَّاس، والنَّاسِي سعيدُ ابنُ جبير، لكن في «مستخرج أبي نُعيم»: قال سفيان: قال سليمان -أي: ابن أبي مسلم-: لا أدرِي أذكر سعيدُ بن جبير الثَّالثةَ فنسيتُها، أو سكتَ عنها، فهو الرَّاجِح (٧)، وقد قيل: إن الثَّالثة هي الوصيَّةُ بالقرآنِ، أو هي تجهيزُ جيشِ أسامةَ؛ لقول أبي بكرٍ لمَّا اختلفُوا عليه في تنفيذِ جيشِ

стр. 8060

أسامةَ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ عهدَ إليَّ (١) بذلك عند موتهِ، أو قولهِ: «لا تتَّخِذُوا قَبرِي وثَنًا» فإنَّها ثبتت في «الموطأ» مقرونةً بالأمرِ بإخراجِ اليهود، أو هي ما وقعَ في حديثِ أنسٍ من قوله: «الصَّلاةَ وما مَلكَتْ أيمانُكُم». وهذا الحديث قد سبق في «العلم» [خ¦١١٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠٥٣]. ٤٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بنِ مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا حُضِرَ) بضم المهملة وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: دنَا موتُه (وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ) من الصَّحابةِ (فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ «فقالَ رسولُ الله» (¬ ﷺ : هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ) بحذف النون على أنَّ «لا» ناهيةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «لا تضلُّونَ» بإثبات النون على أنَّها (٢) نافيةٌ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عمرُ بنُ الخطَّاب: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا) أي: يكفينَا (كِتَابُ اللهِ) قال أبو سليمان: خشيَ عمرُ ﵁ أن يجدَ المنافقونَ سبيلًا إلى الطَّعنِ فيما يكتبُه، وإلى حملهِ على تلكَ الحالةِ الَّتي جرتِ العادةُ فيها بوقوعِ بعضِ ما يخالِفُ الإتقانَ (٣)، فكان ذلك سبب توقُّفِ عمر، لا أنَّه تعمَّد مخالفةَ النَّبيِّ ﷺ ، ولا جوَّزَ وقوعَ الغلطِ عليه حاشا وكلَّا.

стр. 8061

(فَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ) الَّذي كان فيه الصَّحابة (١)، لا أهل بيتهِ ﷺ (وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «لا تَضِلُّونَ» (بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاِخْتِلَافَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُومُوا) عنِّي، استُنبطَ منه أنَّ الكتابةَ ليست بواجبةٍ، وإلَّا لم يترُكها ﷺ لأجلِ اختلافهم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] كما لم يترك التَّبليغ لمخالفةِ من خالفَهُ ومعاداةِ من عاداهُ، وكما أمر في تلكَ الحالةِ بإخراجِ اليهود من جزيرةِ العربِ وغير ذلك، ولا يعارضُ هذا قوله: (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابنُ عبد الله: (فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ) بالراء ثم الزاي فالتحتية المشددة، أي: المصيبة كلَّ المصيبة (مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ؛ لاِخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) لأنَّ عمرَ كانَ أفقهَ من ابن عبَّاس قطعًا، وذلك أنَّه إن كانَ من الكتابِ بيانُ أحكامِ الدِّينِ ورفعُ الخلافِ فيها عَلِمَ عمر حصول ذلك من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وعلمَ أنَّه لا تقعُ واقعةٌ إلى يومِ القيامةِ إلَّا وفي الكتابِ والسُّنَّة بيانُها نصًّا أو دَلالةً، وفي تكلُّفِ النَّبيِّ ﷺ في مرضهِ -مع شدَّةِ وجعهِ- كتابة ذلك مشقَّةٌ، فرأى الاقتصادَ على ما سبقَ بيانهُ تخفيفًا عليه، ولئلَّا ينسدَّ بابُ الاجتهادِ على أهلِ العلمِ والاستنباطِ، وإلحاق الأصولِ بالفروعِ، فرأى عمرُ ﵁ أنَّ الصَّوابَ تركُ الكتابةِ تخفيفًا عليه ﷺ وفضيلة للمجتهدينَ، وفي تركهِ ﷺ الإنكار عليه دليلٌ على استصوابِ رأيهِ. ٤٤٣٣ - ٤٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ) بفتح التحتية والمهملة والراء (بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ) بفتح الجيم

стр. 8062

وكسر الميم (اللَّخْمِيُّ) بالخاء المعجمة الساكنة، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدِ ابنِ إبراهيمَ بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ، قاضي المدينةِ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ) بنته ﵍ فِي شَكْوَاهُ) في مرضه (الَّذِي قُبِضَ فِيهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «الَّتي قُبِضَ فِيها» بالتَّأنيث على لفظِ «شَكواه» (فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا، فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ، فَضَحِكَتْ) سقطَ لأبي ذرٍّ «بشيءٍ» الثَّانية (فَسَأَلْنَا عَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فسألنَاها عن سببِ» (ذَلِكَ) البكاءِ والضَّحك. (فَقَالَتْ) بعد وفاته: (سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِي فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «أوَّل أهلِ بيتهِ» (يَتْبَعُهُ) بسكون الفوقية (فَضَحِكْتُ) وفي روايةِ مسروقٍ في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٢٤] أنَّ الذي سارَّها به فضحكَتْ هو إخبارهُ إيَّاها بأنَّها سيدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ. وروى النَّسائيُّ من طريقِ أبي سلمة عن عائشةَ في سببِ البكاءِ: أنَّه ميِّتٌ، وفي سببِ الضَّحكِ: الأمرينِ الآخرينَ، وقد اتُّفق على أنَّ فاطمةَ ﵂ كانت أوَّل من ماتَ من أهلِ بيتهِ ﷺ بعدهُ حتَّى من أزواجهِ. وهذا الحديث مرَّ في «علاماتِ النُّبوَّة» [خ¦٣٦٢٤]. ٤٤٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، العبديُّ المشهور ببُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بنُ جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ سَعْدٍ) (١) هو: ابنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ) أي: من النَّبيِّ ﷺ ، كما في الحديثِ الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦٤٤٣٧] (أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ) من الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام (حَتَّى يُخَيَّرَ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (بَيْنَ) المقامِ في (الدُّنْيَا وَ) الارتحالِ منها إلى (الآخِرَةِ، فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي

стр. 8063

مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ) بضم الموحدة وتشديد الحاء المهملة، غلظٌ وخشونةٌ تعرضُ في مجاري النَّفسِ فيغلظُ الصَّوت (يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ الاية [النساء: ٦٩] فَظَنَنْتُ أَنَّهُ) ﵊ (خُيِّرَ). وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٦]. ٤٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيمَ القصَّاب البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ سَعْدٍ) هو ابنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ «رسولُ الله» (¬ ﷺ المَرَضَ) ولأبي ذرٍّ «مرضَهُ» (الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى) أي: الجماعَة من الأنبياءِ الَّذينَ يسكنونَ أعلى عليِّين، وهو اسمٌ جاءَ على فعيلٍ ومعناهُ: الجماعَة، كالصَّديق والخليلِ، وقيل: المعنى: ألحِقنِي بالرَّفيقِ الأعلَى، أي: باللهِ تعالى، يقالُ: الله رفيقٌ بعبادِهِ، من الرِّفقِ والرَّأفةِ، فهو فعيل بمعنى: فاعل، وفي حديث عائشة رفعته: «إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ» رواه مسلم، وأبو داود من حديثِ عبدِ الله بنِ مغفَّل، ويحتملُ أن يُراد بهِ حظيرةُ القدسِ. ٤٤٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ، أنَّه قال: (قَالَ (١)) ولأبي ذرٍّ «أَخْبَرني» بالإفراد (٢) (عُرْوَةُ

стр. 8064

بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام: (إِنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا) بضم التحتية الأولى وتشديد الثانية مفتوحة بينهما حاء مفتوحة (١)، أي: يسلَّمُ إليهِ الأمر، أو يملَّكُ في أمرهِ، أو يسلَّمُ عليهِ تسليمَ الوداعِ (٢) (أَوْ يُخَيَّرَ) بين الدُّنيا والآخرَة، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَلَمَّا اشْتَكَى) أي: مرضَ (وَحَضَرَهُ القَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ) بفتح الشين والخاء المعجمتين، أي: ارتفع (بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى) وفي روايةِ أبي بردة بنِ أبي موسى، عن أبيه (٣) -عند النَّسائيِّ وصحَّحَهُ ابن حبَّان- فقال: «أسأَلُ الله الرَّفيق الأسعدَ، مع جبريلَ وميكائيلَ وإسرافِيلَ» وظاهرهُ: أنَّ الرَّفيق المكان الَّذي تحصلُ فيه المرافقةُ مع المذكورِين. قالت عائشة: (فَقُلْتُ: إِذًا لَا يُجَاوِرُنَا) في الدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «لا يختارُنَا» (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا) به (وَهْوَ صَحِيحٌ) وفي «مغازي أبي الأسود» عن عروة: أنَّ جبريلَ نزلَ إليهِ (٤) في تلكَ الحالةِ فخيَّرهُ. ٤٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنِي» (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ يحيَى الذُّهليُّ قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) بالفاء المشددة، ابنُ مسلمٍ الصَّفَّار (عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ) بالصاد المهملة المفتوحة والخاء

стр. 8065

المعجمة الساكنة، و «جويريةُ»: بضم الجيم مصغَّرًا، النُّميريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسمِ بنِ محمَّد بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالَتْ: (دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ) ﵊ (إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ) من جريدٍ (رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ) بتشديد النون، يستَاكُ به (فَأَبَدَّهُ) بالموحدة المخففة والدال المهملة المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فأمَدَّهُ» «بالميم» بدل: «الموحدة»، وهما بمعنًى، أي: مدَّ (رَسُولُ اللهِ ﷺ بَصَرَهُ) الشَّريف إليهِ (فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ) من عبدِ الرَّحمن (فَقَصَمْتُهُ) بالصاد المهملة المفتوحة، أي: كسرتُهُ أو قطعتُهُ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فقَضِمْتُه» بكسر الضاد المعجمة، أي: مضغتُهُ. وحكى السَّفاقسيُّ «ففَصَمتُه» بالفاء والصاد المهملة بدل القاف والمعجمة (وَنَفَضْتُهُ) بالفاء والضاد المعجمة الساكنة (وَطَيَّبْتُهُ) بالواو في «اليونينية» وغيرها، وفي الفَرْع: بالفاء، أي: طيبتُهُ (١) بالماءِ أو باليدِ، أي: ليَّنتهُ. وقال المحبُّ الطَّبريُّ -فيما قاله في «الفتح» -: إن كان «فقضِمتُه» -بالضاد المعجمة- فيكونُ قولُهَا: فطيَّبتهُ تكرَارًا، وإن كان بالمهملةِ فلا؛ لأنَّه يصيرُ المعنى: كسرتهُ لطولهِ، أو لإزالَةِ المكانِ الذي (٢) تسوَّكَ به عبدُ الرَّحمنِ (ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ) أي: استاكَ (بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا) بالعين والدال المهملتين (أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من السِّواكِ (رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى) قالهَا (ثَلَاثًا، ثُمَّ قَضَى) ﵊ نحبهُ (وَكَانَتْ) عائشة (تَقُولُ: مَاتَ) ﷺ ورأسه (بَيْنَ حَاقِنَتِي) بالحاء المهملة والقاف المكسورة والنون المفتوحة، النُّقرة بين التَّرقوةِ وحبلِ العاتقِ (وَذَاقِنَتِي) بالذال المعجمة والقاف المكسورة، طرفِ الحلقُومِ، وهذا لا يُعارض حديثها السَّابق [خ¦٤٤٣٧] «إنَّ رأسَهُ كان على فخذهَا». لاحتمالِ أنَّها رفَعَته من

стр. 8066

فخذِهَا إلى صدرِهَا، وأمَّا ما رواه الحاكمُ وابنُ سعدٍ من طرقٍ: أنَّه ﷺ ماتَ ورأسهُ في حجرِ عليٍّ. ففي كلِّ طريقٍ من طرقه شيعيٌّ، فلا يحتجُّ به. ٤٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة، ابنُ موسى (١) المروزِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٢) عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ المروزِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى) أي: مرضَ (نَفَثَ) بالمثلثة، أي: أخرجَ الرِّيح من فمِه مع شيءٍ من ريقِهِ (عَلَى نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو المشددة، الإخلاصُ واللَّتين بعدها، فهو من باب التغليب، أو المراد: الفلقُ والنَّاسُ، وجمع باعتبار أنَّ أقلَّ الجمعِ اثنان، أو المراد: الكلماتُ المعوِّذاتُ بالله من الشَّيطانِ (٣) والأمراضِ (وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ) لتصلَ (٤) بركةُ القرآنِ واسمُ الله تعالى إلى بشرته المقدَّسةِ (فَلَمَّا اشْتَكَى) ﷺ (وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِي فِيهِ طَفِقْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فطفقتُ» أي: أخذتُ (٥) حالَ كوني (أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ) ولأبي ذرٍّ «أنفث عنه» (٦) (بِالمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ) بكسر الفاء فيهما (وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ) لبركتِها. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطب» (٧) [خ¦٥٧٣٥]، وكذا مسلم.

стр. 8067

٤٤٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ أبو الهيثمِ -أخو بهزِ بنِ أسدٍ البصريِّ- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) البصريُّ الدَّبَّاغُ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبيرِ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتشديد الباء (بْنِ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ «رسولَ الله» (¬ ﷺ وَأَصْغَتْ) بالصاد المهملة الساكنة والغين المعجمة المفتوحة، أي: أمَالَت سمعها (إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهْوَ مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ) فسمعته (يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ) أي: الأعلى، وهي ملحقةٌ في هامش الفَرْع وأصله بالحمرةِ من غيرِ تصحيحٍ ولا رقمٍ، وهمزة و «أَلْحِقْنِي» قطعٌ. ٤٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بالصاد المهملة المفتوحة، ابنِ همَّام الخاركيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاحُ اليشكريُّ (عَنْ هِلَالٍ الوَزَّانِ) هو: ابنُ أبي حميدٍ على المشهورِ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) بالجمع (قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْلَا ذَلِكَ) باللام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ذاك» (لأُبْرِزَ) بضم الهمزة وسكون الموحدة وكسر الراء بعدها زاي، أي: لكشف (قَبْرُهُ) ﷺ ولم يتَّخذْ عليه الحائل، غيرَ أنَّه (خَشِيَ) بفتح الخاء المعجمة (أَنْ يُتَّخَذَ) بضم الياء مبنيًّا للمفعول (مَسْجِدًا). وهذا الحديث سبق في (١) «الجنائز» [خ¦١٣٣٠].

стр. 8068

٤٤٤٢ - ٤٤٤٣ - ٤٤٤٤ - ٤٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء، هو سعيدُ بنُ كثيرِ بنِ عفيرٍ الأنصاريُّ مولاهُم البَصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقطَ قوله «زوج النَّبيِّ ﷺ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ) وكان في بيت ميمونة (اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ) أي: يُتَعَهَّد ويُخْدَم (٢) (فِي بَيْتِي) وكانت فاطمة ﵂ هي الَّتي

стр. 8069

خاطبَتْ أمَّهات المؤمنينَ بذلك (١)، فقالتْ لهنَّ: إنَّه يشقُّ عليه الاختلاف. ذكره ابنُ سعدٍ بإسناد صحيح عن الزُّهريِّ (فَأَذِنَّ لَهُ) بتشديد النون (فَخَرَجَ) ﵊ (وَهْوَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بنُ عبدِ الله بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ: (فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ) بنَ عبَّاس (بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قَالَ) عبيد الله: (قُلْتُ) له: (لَا) أدري (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) وثبتَ قوله: «ابنُ أَبي طَالبٍ» لأبي ذرٍّ (وَكَانَتْ) ولأبي ذرٍّ «فكانَتْ» «بالفاء» بدل: «الواو»، (عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقطَ قوله (٢) «زوجُ النَّبي … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (تُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ بَيْتِي) وكان يوم الإثنين السَّابق ليومِ الإثنين الذي توفِّي فيه (وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ قَالَ: هَرِيقُوا) أي: صبُّوا (عَلَيَّ) الماءَ (مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ) بضم الفوقية وسكون الحاء المهملة (٣) وفتح اللام الأولى مخفَّفة (أَوْكِيَتُهُنَّ) جمع وكاءٍ؛ وهو رِباطُ القربَةِ (لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ) أي: أوصِي (فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين، في إجَّانةٍ (لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ طَفِقْنَا (٤)) بكسر الفاء، جعلنا (نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ القِرَبِ) السَّبعُ (حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ) والحكمةُ في عددِ السَّبعِ -كما قيل-: أنَّ له خاصيَّة في دفعِ ضرَرِ السُّمِّ والسِّحرِ (قَالَتْ) عائشة: (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «بهم» بالموحدة بدل اللام (وَخَطَبَهُمْ). روى الدَّارميُّ من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْري ﵁، قال: خرجَ علينا رسولُ الله ﷺ في مرضِهِ الَّذي ماتَ فيه ونحن في المسجِدِ، عاصِبًا رأسَهُ بخرقَةٍ، حتَّى أهوَى نحو المنبرِ فاستَوى عليه فاتَّبعناه. قال: «والَّذي نَفسِي بيدِهِ، إنِّي لأنظرُ إلى الحوضِ من مقامِي هذَا» ثمَّ قال: «إنَّ عبدًا عُرِضَت عليه الدُّنيا وزينتها فاختارَ الآخرةَ» قال: فلم يفطنْ لها غير أبي بكرٍ، فذرفَتْ عيناهُ فبكى، ثمَّ قال: بل نفديكَ بآبائِنَا وأمَّهاتنَا وأموالِنَا وأنفُسِنا يا رسولَ الله، ثمَّ هبطَ فما

стр. 8070

قامَ عليه حتَّى السَّاعة. والمرادُ بالسَّاعة: القيامة، أي: فما قامَ عليه بعد في حياتِهِ، ولمسلم من حديثِ جُندَُبٍ: أنَّ ذلك كان قبلَ موتِهِ بخمسٍ، ولعلَّهُ كان بعد حصولِ اختلافِهِم ولغطِهِم وقوله (١) لهم: «قوموا عنِّي» فوجد بعد ذلك خفَّةً فخرجَ. قال الزُّهريُّ -بالإسناد السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «وأَخْبَرنَا» (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵃¬) سقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «عبد اللهِ» الأخير (قَالَا: لَمَّا نَزَلَ) بفتح النون والزاي (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) المرضُ (طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً) بفتح الخاء المعجمة، ثوبَ خزٍّ أو ثوبَ صوفٍ (لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ) بالغين المعجمة الساكنة، أخذَهُ نَفَسُهُ من شدَّةِ الحرِّ (كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فقال وَهْوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ «عن وجههِ (٢) وهو (٣) يقولُ: لعنةُ اللهِ» (عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) حال كونه ﵊ (يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا) من اتِّخاذِ المساجِدِ على القبورِ. قال البيضاويُّ: لمَّا كانت اليهودُ والنَّصارَى يسجدون لقبورِ الأنبياءِ تعظيمًا لشأنِهم، ويجعلونَهُم قبلةً يتوجَّهُون في الصَّلاةِ نحوها، واتَّخذوهَا أوثانًا؛ لعنهم ومنَعهُم عن مثلِ ذلك، فأمَّا (٤) من اتَّخذَ مسجدًا في جوارِ صالحٍ وقصدَ التَّبرُّك بالقربِ منه لا التَّعظيمَ له ولا التَّوجُّه نحوهُ؛ فلا يدخل في ذلكَ الوعيدُ. وقال الزُّهريُّ -بالسَّند السَّابق-: (أَخْبَرَنِي) (٥) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ «وأخبرنَا» (٦) (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابنُ عبدِ الله بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ) أي: في أمرهِ ﷺ أبا بكرٍ بإمامَةِ الصَّلاة (وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ) ﷺ (رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ) ﵇ في الصَّلاةِ بهم (أَبَدًا، وَلَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «وأنْ لا» (كُنْتُ أُرَى) أظنُّ (أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا تَشَاءَمَ

стр. 8071

النَّاسُ بِهِ) بالشين المعجمة، أي: وما حمَلنِي عليهِ إلَّا ظنِّي بعدَم محبَّة النَّاس للقائمِ مقامَهُ، وظنِّي لتشاؤُمهِم به (فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَبِي بَكْرٍ). قال في «المصابيح»: وهذا ظاهرٌ في كونهِ باعثًا لها على إرادةِ العدولِ بذلك عن أبي بكرٍ ﵁؛ لمكان أبوَّتِه منها وشرف منزلتهِ عندهَا، وفي بعضِ الطُّرق السَّابقة: أنَّها أرادَتْ أن يكون عمرُ هو الذي يُصلِّي، فانظر هذا مع علمها بما يلحقُهُ من تشاؤُم النَّاسِ، والله أعلم بحقيقةِ الحالِ. (رَوَاهُ) أي: الأمر بصلاةِ أبي بكرٍ بالنَّاسِ (ابْنُ عُمَرَ) فيما وصلهُ المؤلِّف في «باب أهل العلمِ والفضلِ أحقُّ بالإمامةِ» [خ¦٦٨٢] (وَأَبُو مُوسَى) عبدُ الله بنُ قيسٍ الأشعريُّ، فيما وصله في هذا الباب [خ¦٦٧٩] (وَابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله في «باب إنَّما جعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به» [خ¦٦٨٧] (¬﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٤٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) هو يزيدُ بنُ عبدِ الله بن الهادِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسمِ بنِ محمَّد بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّهُ) أي: الحالُ أنَّه ﵊ (لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ المَوْتِ لأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) والحاقنَةُ: الوَهْدةُ المنخفضَةُ بين التَّرْقُوَتينِ من الحلقِ.

стр. 8072

٤٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) بنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، و «حمزة» بالحاء المهملة والزاي، الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) شعيب (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ) قال الحافظ الشَّرفُ الدِّمياطيُّ: انفردَ البخاريُّ عن الأئمَّةِ بهذا الإسناد، وعندي في سماعِ الزُّهريِّ من عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ نظر. انتهى. وقد سبقَ في «غزوةِ تبوك» [خ¦٤٤١٨] أنَّ الزُّهريَّ سمعَ من عبدِ الله وأخويهِ: عبد الرَّحمن وعبيد الله، ومن عبدِ الرَّحمن بنِ عبد الله (١). قال في «الفتح»: فلا معنى لتوقُّفِ الدِّمياطيِّ فيه، فإنَّ الإسنادَ صحيحٌ، وسماعُ الزُّهريِّ من عبد الله بنِ كعبٍ ثابتٌ، ولم ينفردْ به شعيبٌ (وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ) لمَّا تخلَّفوا عن غزوةِ تبوك: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) سقطَ لفظ «عبدِ الله» لأبي ذرٍّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِي فِيهِ) ولأبي ذرٍّ «منه» (فَقَالَ النَّاسُ) له: (يَا أَبَا الحَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِيًا) بغير همزٍ في الفَرْع. وقال في «المصابيح» -كـ «التَّنقيح» -: بالهمز، اسم فاعلٍ من برأَ المريضُ إذا أفاقَ من المرضِ (فَأَخَذَ بِيَدِهِ) بيد عليٍّ (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي: بعد ثلاثةِ أيامٍ (عَبْدُ العَصَا) أي: تصيرُ مأمورًا بموتِهِ ﷺ وولاية غيره (وَإِنِّي وَاللهِ لأُرَى) بضم الهمزة، أي: لأظنُّ (رَسُولَ اللهِ ﷺ سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ) وذكرَ ابنُ إسحاق عن الزُّهريِّ: أنَّ هذا كان يومَ قبضَ النَّبيُّ ﷺ ، ثمَّ قال العبَّاس لعليٍّ: (اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْنَسْأَلْهُ) بسكون اللامين (فِيمَنْ هَذَا الأَمْرُ؟) أي: الخلافة (إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا) الخليفةَ بعده، وعندَ ابنِ سعدٍ (٢) من مرسل الشَّعبي: «فقال عليٌّ: وهل يطمعُ في هذا الأمر غيرنا؟» (فَقَالَ

стр. 8073

عَلِيٌّ: إِنَّا (١) وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا) أي: الخلافة (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَمَنَعَنَاهَا) بفتح العين (لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ) أي: وإن لم يمنعناها بأنْ سكتَ (٢)، فيحتملُ أن تصلَ إلينا في الجملةِ (وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: لا أطلُبُها منه، وفي مرسل الشَّعبي: «فلمَّا قُبِضَ النَّبيُّ ﷺ قال العبَّاس لعليٍّ: ابسُط يدَكَ أبايعُكَ يبايعُكَ النَّاسُ، فلم يفعل». وفي «فوائد أبي الطَّاهر الذُّهليِّ» بإسناد جيِّد: قال عليٌّ: يا ليتَنِي أطعتُ عبَّاسًا، يا ليتَنِي أطعتُ عبَّاسًا. وفي حديث الباب روايةُ تابعيٍّ عن تابعيٍّ: الزُّهريِّ وعبدِ الله بن كعب، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ: كعبٍ وابنِ عبَّاس، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٦]. ٤٤٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين، ونسبه لجدِّهِ واسم أبيه: كثيرٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الفهميُّ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ المُسْلِمِينَ بَيْنَا) بغير ميم، ولأبي ذرٍّ «بينما» (هُمْ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ مِنْ (٣) يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ) وجواب «بينا» قوله: (لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «إلَّا ورسول الله» (¬ ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ) ولأبي ذرٍّ «وهم صفوفٌ في الصَّلاةِ» (ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ) حالٌ مؤكِّدة؛ لأنَّ

стр. 8074

«تبسَّمَ» بمعنى: يضحكُ، وأكثرُ ضحكِ الأنبياءِ التَّبسُّمُ، وكان ضحكهُ ﵊ فرحًا باجتماعهم على الصَّلاة وإقامة الشَّريعة (فَنَكَصَ) بالصاد المهملة، أي: تأخَّرَ (أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ) بفتح الموحدة، بالتثنية وراءه (لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ أَنَسٌ: وَهَمَّ المُسْلِمُونَ) بفتح الهاء والميم المشددة، أي: قصدُوا (أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ) بأن يخرجوا منها (فَرَحًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: بإظهارِ السُّرورِ قولًا وفعلًا (فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ) زاد في «باب أهل العلم والفضل أحقُّ بالإمامةِ»: «فتوفِّي من يومهِ» [خ¦٦٨٠]. ٤٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم العين مصغَّرًا من غير إضافةٍ لشيءٍ، واسم جدِّه: ميمون القرشيُّ التَّيميُّ مولاهُم المدنيُّ، وقيل: الكوفيُّ. قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بنِ أبي إسحاق الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) بضم العين، ابنِ أبي حسين النوفليِّ القرشيِّ المكيِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبدُ الله: (أَنَّ أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين (ذَكْوَانَ) بالذال المعجمة المفتوحة (مَوْلَى عَائِشَةَ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّي فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَ) رأسهُ (بَيْنَ سَحْرِي) بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، وتضم السين -كما في «القاموس» وغيره- الرِّئةُ (وَنَحْرِي) بالحاء المهملة موضعُ القلادَةِ من (١) الصَّدرِ (وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ

стр. 8075

دَخَلَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ودَخَل» (عَلَيَّ) بتشديد الياء (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بنُ أبي بكرٍ (وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ) أي: السِّواك (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ) الوجع (وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ زيادة «بأمْرهِ» بالموحدة والميم الساكنة، ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الحَمُّويي والمُستملي «فأمَرَّه» بالفاء بعدها همزة فميم وتشديد الراء، أي: على أسنانِهِ فاستاكَ به. قال عياضٌ: والأوَّلُ أولَى (وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ) بفتح الراء، من أدم (-أَوْ: عُلْبَةٌ) بضم العين وسكون اللام بعدها موحدة مفتوحة، قدحٌ ضخمٌ من خشبٍ (يَشُكُّ عُمَرُ-) بنُ سعيدٍ الرَّاوي (فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ) ﷺ (يُدْخِلُ يَدَيْهِ (١) فِي المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ) حال كونهِ (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ) جمع: سكرةٍ؛ وهي الشِّدَّةُ (٢) (ثُمَّ نَصَبَ) بفتح النون والصاد المهملة والموحدة (يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى، حَتَّى قُبِضَ) بضم القاف وكسر الموحدة (وَمَالَتْ يَدُهُ). ٤٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميُّ مولاهُم المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ ابنُ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولَ: أَيْنَ

стр. 8076

أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟) مرَّتين (يُرِيدُ: يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ) بتخفيف النون في الفَرْع كأصله، وفي نسخة «فأَذِنَّ» (لَهُ أَزْوَاجُهُ) بتشديد النون، على لغة: أكلونِي البراغيثُ (يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ) وفي مرسل أبي جعفر عندَ ابنِ أبي شيبة: أنَّه ﷺ قال: «أينَ أكونُ غدًا؟» كرَّرها، فعرف أزواجَهُ إنَّما يريدُ عائشةَ، فقلن: يا رسول الله، قد وهبنَا أيَّامنا لأُختنا عائشةَ (فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي «فيها» أي: في حُجرَتِها، أو في نَوبَتِها (١). (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي) وزاد أحمدُ في رواية همَّام، عن هشام: «فلمَّا خَرجَتْ نفسُهُ لم أجدْ ريحًا قطُّ أطيَبَ منها» (وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي) بسبب السِّواكِ (ثُمَّ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ) يدلِّكُ به أسنانَهُ يستاكُ، وسقطَ لفظ «ثمَّ» لأبي ذرٍّ (٢) (فَنَظَرَ إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «إليَّ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي) بهمزة قطع (هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ فَقَضِمْتُهُ) بكسر الضاد المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فقصَمتُهُ» بالصاد المهملة المفتوحة (ثُمَّ مَضَغْتُهُ) بفتح الضاد المعجمة (فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَنِدٌ) ولأبي ذرٍّ «مُسْتَسْنِدٌ (٣)» (إِلَى صَدْرِي) وأمَّا ما رُويَ أنَّه ﷺ توفِّيَ وهو إلى (٤) صدرِ عليِّ بن أبي طالبٍ؛ فضعيفٌ لا يحتجُّ به.

стр. 8077

٤٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بمعجمة ثمَّ مهملة- قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الجهضميُّ البَصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: تُوُفِي النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ «رسولُ الله» (¬ ﷺ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي) أي: يوم نوبَتي بحسبِ الدَّورِ المعهودِ (وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَكَانَتْ) بتاء التأنيث، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «وكانَ» (إِحْدَانَا تُعَوِّذُهُ) بضم الفوقية وفتح العين المهملة وتشديد الواو المكسورة بعدها ذال معجمة (بِدُعَاءٍ إِذَا مَرِضَ، فَذَهَبْتُ) بسكون الموحدة (أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى، فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى) مرَّتين. (وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «إليَّ» (النَّبِيُّ ﷺ ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا) أي: بالجريدةِ (حَاجَةً، فَأَخَذْتُهَا فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا وَنَفَضْتُهَا، فَدَفَعْتُهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فَدَفعتُ» (إِلَيْهِ) ﷺ (فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا، ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا) أي: الجريدةَ (فَسَقَطَتْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «وسقطَتْ» (يَدُهُ، أَوْ: سَقَطَتْ) أي: الجريدةُ (مِنْ يَدِهِ، فَجَمَعَ اللهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ) بسببِ السِّواكِ (فِي آخِرِ يَوْمٍ) من أيَّامِه ﷺ (مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ) أيام (الآخِرَةِ) (١). وفي حديثٍ خرَّجه العُقيليُّ: أنَّه ﷺ قال لها في مرضِ موتِهِ: «ائتينِي بسواكٍ رطبٍ فامضغيهِ، ثمَّ ائتينِي به أمضَغهُ؛ لكي يختلِطَ ريقِي بريقك؛ لكي يَهُون عليَّ عندَ الموتِ».

стр. 8078

٤٤٥٢ - ٤٤٥٣ - ٤٤٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد (١) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁¬) لمَّا توفِّي رسول الله ﷺ (أَقْبَلَ) حال كونه راكبًا (عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ) أي: مسكنِ زوجتهِ بنت خارجة، وكان ﵊ أذنَ له في الذَّهاب إليها (بِالسُّنُْحِ) بضم السين المهملة بعدها نون ساكنة وبضمها فحاء مهملة، من عوالي المدينةِ من منازلِ بني الحارثِ بنِ الخزرج (حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَتَيَمَّمَ) أي: قصد (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ مُغَشًّى) بضم الميم وفتح الغين والشين المشددة المعجمتين، أي: مغطَّى (بِثَوْبِ حِبَرَةٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة، وإضافة «ثوب» إليه، وبتنوين «ثوب» فـ: «حبرة» صفة، وهو من ثيابِ اليمن (فَكَشَفَ) الثَّوب (عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى). (ثُمَّ قَالَ): أفديك (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللهِ لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ) قيل: هو على حقيقتهِ، وأشارَ بذلك إلى الردِّ على من زعمَ أنَّه سيَجيء (٢) فيقطع أيدِي رجالٍ؛ لأنَّه لو صحَّ ذلك للزِمَ أن (٣) يموتَ موتةً أُخرى، فأخبرَ أنَّه أكرمُ على اللهِ من أن يجمعَ عليه موتتينِ، كما جمعَهُما على غيرِه كـ ﴿الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] و ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى

стр. 8079

قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] وهذا أوضحُ الأجوبَةِ وأسلمُهَا. وقيل: أرادَ لا (١) يموتُ موتةً أُخرى في القبر كغيرِهِ؛ إذ يحيَا ليُسْأل ثمَّ يموتُ، وهذا جوابُ الدَّاودِيِّ. وقيل: كَنَّى بالموتِ الثَّاني عن الكربِ؛ إذ لا يلقى بعد كربِ هذا الموتِ (٢) كربًا آخرَ، وأغربَ من قال: المرادُ بالموتةِ الأخرى موتُ الشَّريعةِ، أي: لا يجمعُ اللهَ عليكَ موتكَ وموتَ شريعتِكَ، ويؤيِّدُ هذا القول قولُ أبي بكرٍ بعد ذلك في خطبتهِ: «من كان يعبدُ محمَّدًا فإن محمَّدًا قد ماتَ، ومن كان يعبدُ الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت» (أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا). (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بنُ مسلمِ ابنِ شهابٍ، بالسَّند المذكور: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمن (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) سقطَ قوله «قالَ الزُّهريُّ» وقولهُ «عبدُ الله» لأبي ذرٍّ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيقَ (خَرَجَ) أي: من عندِ النَّبيِّ ﷺ (وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يُكَلِّمُ النَّاسَ) يقول لهم: ما ماتَ رسولُ الله ﷺ . وعندَ ابنِ أبي شيبةَ، أنَّ أبا بكرٍ مرَّ بعمر وهو يقولُ: ما ماتَ رسولُ الله ﷺ ، ولا يموتُ حتَّى يقتُلَ الله المنافقينَ. قال: وكانُوا أظهَرُوا الاستبشَارَ ورفعُوا رؤوسَهُم (فَقَالَ) أبو بكرٍ له: (اجْلِسْ يَا عُمَرُ، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «عليهِ» (وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، مَنْ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ «فَمَن» (كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ ¬) سقطَتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ. قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾) مضت (﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وَقَالَ) ابنُ عبَّاس: (وَاللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا). وعندَ أحمد من روايةِ يزيد بن بابنُوْس -بالموحدتين بينهما ألف ثم نون مضمومة فواو ساكنة فمهملة (٣) - عن عائشةَ: أنَّ أبا بكرٍ حمدَ الله وأثنى عليهِ، ثمَّ قال: إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] حتَّى فرغَ من الآيةِ، ثمَّ تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ الاية [آل عمران: ١٤٤].

стр. 8080

وقال فيه: قال عمر: أو إنَّها في كتابِ الله؟! ما شعرتُ أنَّها في كتابِ الله. وزادَ ابنُ عمر -عندَ ابنِ أبي شيبةَ-: فاستبشَرَ المسلمونَ، وأخذتِ المنافقينَ الكآبةُ. قال ابنُ عمر: فكأنَّما كانت على وجوهِنَا أغطيةٌ فكشفَتْ. قال الزُّهريُّ -بالسَّند السَّابق-: (فَأَخْبَرَنِي (١)) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ) ﵁ (قَالَ: وَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا) أي: آية آل عمران (فَعَقِرْتُ) بفتح العين وكسر القاف وسكون الراء، أي: دُهِشْت وتحيَّرت، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «فعُقرت» بضم العين، أي: هلكْتُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «فقُعرتُ» بتقديم القاف المضمومة على العين. قال ابنُ حجرٍ: وهي خطأ (حَتَّى مَا تُقِلُّنِي) بضم الفوقية وكسر القاف وتشديد اللام المضمومة، أي: ما تحمِلُني (رِجْلَايَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ) سقطْتُ (إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ «علمتُ أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ قَدْ مَاتَ) وفيه دلالةٌ على شجاعةِ الصِّدِّيق، فإنَّ الشَّجاعةَ حدُّهَا ثبوتُ القلبِ عندَ حُلولِ المصائبِ، ولا مصيبة أعظَم من موتِ النَّبيِّ ﷺ ، فظهرَتْ عندهُ شجاعتُهُ وعلمُهُ. ٤٤٥٥ - ٤٤٥٦ - ٤٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بنِ مسعودٍ (عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ) ﵃: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ «بعدما ماتَ» وعندَ أحمد في روايةِ يزيد بن بابنُوْسَ عنها: «أتاهُ من قِبَلِ رأسهِ، فحدَرَ فاهُ فقبَّلَ جبهتَهُ، ثمَّ قال: وانبيَّاهُ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ فحدَرَ فاهُ وقبَّلَ جبهتَهُ، ثمَّ قال: واصفيَّاهُ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ وحدَرَ فاهُ وقبَّلَ جبهتَهُ وقال: واخلِيلاهُ».

стр. 8081

٤٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان بحديثِ عبد الله بن أبي شيبة … إلى آخره، (وَزَادَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ) بدالين مهملتين، أي: جعلنا الدَّواءَ في أحدِ جانبي فمهِ بغير اختيارِهِ، وكان الَّذي لدُّوه بهِ العود الهندي والزَّيت (فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ) ﵊ (يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا): هذا الامتناعُ (كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) برفع «كراهية» خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب لأبي ذرٍّ مفعولًا له، أي: نهانا لكراهيةِ الدَّواء (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي) ولأبي ذرٍّ «أن تَلُدُّنِّي» (١) (قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ) ﵊: (لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي البَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: لا يبقى أحدٌ إلَّا لُدَّ في حضورِي وحالَ نظرِي إليهم، قصاصًا لفعلهم وعقوبةً لهم بتركِهِم امتثالَ نهيهِ عن ذلك، أمَّا من باشرَ فظاهرٌ، وأمَّا من لم يباشرْ فلكونهم تركُوا نهيهُ عمَّا نهاهُم هو عنه (إِلَّا العَبَّاسَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) أي: لم يحضرْكم حال اللَّدُود. (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبدُ الرَّحمن، ممَّا وصله محمَّد بن سعد (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظُ ابن سعد: كانت تأخذُ رسولَ الله ﷺ الخاصرةُ، فاشتدَّت به فأُغميَ عليهِ، فلدَدْناهُ، فلمَّا أفاقَ قال: «كنتُم ترونَ أنَّ الله يسلِّط عليَّ ذاتَ الجنبِ، ما كان الله ليجعلَ لها عليَّ سلطانًا، والله لا يبقَى أحدٌ في البيتِ إلَّا لُدَّ، فما بقَي أحدٌ في البيتِ إلَّا لدَّ» ولدَدْنا ميمونة وهي صائمةٌ، وإنَّما أنكر

стр. 8082

التَّداوي؛ لأنَّه كان غير ملائم لدائهِ؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّ به ذاتَ الجنبِ، فداووهُ بما يُلائمها، ولم يكن به ذلك. ٤٤٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنَديُّ (قال: أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ) بنُ سعدٍ السَّمان أبو بكرٍ البصريُّ (قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله الهلاليُّ الخرَّاز -بمعجمة ثم مهملة وآخره زاي- البغداديُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) هو ابنُ يزيدَ النَّخعيِّ، أنَّه (قَالَ: ذُكِرَ) بضم المعجمة (١) (عِنْدَ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ) أي: بالخلافة، كما زَعمتِ الشِّيعة (فَقَالَتْ: مَنْ قَالَهُ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ) ليبزُقَ فيه (فَانْخَنَثَ) بالخاء المعجمة والمثلثة آخره، أي: استرخَى ومالَ إلى (٢) أحدِ شقَّيهِ (فَمَاتَ، فَمَا شَعَرْتُ، فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ) ﵁؟! وهذا الحديث سبق في أوَّل «الوصايا» [خ¦٢٧٤١]. ٤٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو آخره لام (عَنْ طَلْحَةَ) بنِ مصرِّف، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا) لم يوصِ بثلث ماله ولا غيره، ولا أوصى إلى عليٍّ ولا إلى غيرِه، خلافَ ما تزعمُه الشِّيعة (فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ) بضم الكاف وكسر التاء (عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟) بضم الهمزة (قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ) أي: بما فيهِ من

стр. 8083

كتابِ الله (١) ومنه الأمرُ بالوصيَّةِ، والحديث مرَّ في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٠]. ٤٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بتشديد اللام- ابنُ سُلَيمٍ الحنفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبد الله السَّبيعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين، أخي جويريةَ أمِّ المؤمنين، أنَّه (قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً) في الرقِّ، وفيه دَلالةٌ على أنَّ من ذكر من رقيقِ النَّبيِّ ﷺ في جميعِ الأخبارِ كان (٢) إمَّا ماتَ وإمَّا (٣) أعتقَهُ (إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلَاحَهُ) وقد أخبرَ ﷺ أنَّه لا يورَثُ، وأنَّ ما يخلفُهُ صدقة (وَأَرْضًا) بخيبر وفدكَ (جَعَلَهَا) في حياته (لاِبْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً). ٤٤٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: اشتدَّ به المرضُ (جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ) الكربُ (فَقَالَتْ فَاطِمَةُ) ابنته ﵍: وَاكَرْبَ أَبَاهْ) بألف الندبة والهاء الساكنة للوقف، والمراد بالكَربِ: ما كان ﵊ يجدُهُ من شدَّةِ الموتِ، فقد كان ﷺ فيما يصيبُ جسدهُ الشَّريف من الآلامِ كالبشرِ؛ ليتضاعَفَ أجرُهُ، وقول الزَّركشي: إنَّ في قولِها هذا نظرًا، وقد رواه مباركُ بنُ فضالةَ: «واكرباهُ». تعقِّبَ بأنَّه لا تدفعُ رواية البخاريِّ مع صحَّتِها بمثلِ هذا، لا سيَّما مع قوله:

стр. 8084

(فَقَالَ) ﵊ (لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ) هذا (اليَوْمِ) إذ هو ذاهبٌ إلى حضرةِ الكرامَةِ، وهو يدلُّ على أنَّها قالتْ: «واكربَ أبَاهْ» كما لا يخفَى (فَلَمَّا مَاتَ) صلوات الله وسلامه عليه (قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ) أصله: يا أبِي، والفوقية بدل من التحتية، والألف للنُّدْبَة، والهاءُ للسكتِ (أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ) إلى حضرتِهِ القدسيَّةِ (يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ) بفتح ميم «مَن» (١) مبتدأ، والخبرُ قوله: (مَأْوَاهُ) منزلُهُ (يَا أَبَتَاهْ، إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ) بـ «إلى» الجارَّة، و «ننعاهُ»: بنونين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، وزاد الطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير» والدَّارمي في

стр. 8085

«مسنده»: «يا أبتاهُ، مِن ربِّهِ ما أدنَاهُ» (فَلَمَّا دُفِنَ) ﷺ (قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا) بالمثناة (١) الفوقية المفتوحة والحاء المهملة الساكنة والمثلثة المضمومة (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ التُّرَابَ) سكتَ أنسٌ عن جوابها رعايةً لها (٢)، ولسانُ حالهِ يقول: لم تطبْ أنفسُنُا بذلك، إلَّا أنَّا قهرنَا على فعلِ ذلك امتثالًا لأمرهِ ﷺ ، وليس قولها: واكربَ أباهُ، من النِّياحةِ؛ لأنَّه ﵊ أقرَّها عليه. وهذا الحديث أخرجه ابنُ ماجه في «الجنائز»، وقد عاشَتْ فاطمةُ بعده ﵊ ستَّة أشهرٍ، فما ضحكَتْ تلكَ المدَّة وحقَّ لها ذلك، ورُوِيَ أنَّها قالت: اِغْبرَّ آفاقُ السَّماءِ وكُوِّرتْ … شمسُ النَّهارِ وأظْلَمَ العَصْرانِ والأرْضُ مِن بَعدِ النَّبيِّ كَئِيبةٌ … أَسَفًا عَلَيه كَثِيرةُ الرَّجَفَانِ فَلْتَبْكِهِ شرقُ البِلادِ وغَرْبُها … ولْتَبْكِهِ مُضَرٌ وكُلُّ يَمَان قال السُّهيليُّ: وقد كان موتُهُ ﷺ خَطبًا كالِحًا، ورزءًا لأهلِ الإسلامِ فَادِحًا، كادَت تُهَدُّ لهُ الجبالُ، وترجُفُ الأرضُ، وتَكسِفُ النَّيِّرات (٣)؛ لانقطَاعِ خبرِ السَّماءِ، مع مَا آذَنَ به موتُهُ ﵊ من إقبالِ الفِتنِ السُّحمِ، والحوادِثِ الدُّهمِ، والكُرَبِ المُدْلَهِمَّة، فلولا ما أنزلَ اللهُ من السَّكينةِ على المؤمنينَ، وأسرَجَ في قلوبِهِم من نورِ اليقينِ، وشرَحَ صدورَهُم من فَهْمِ كتابِهِ المبينِ؛ لانقصَمَت الظُّهورُ، وضاقَتْ من (٤) الكُرَبِ الصُّدُور، ولعاقَهُم الجَزَعُ عن تدبيرِ الأموْرِ، ولقد كان من قَدِمَ المدينةَ يومئذٍ من النَّاسِ إذا أشرَفُوا عليها سمِعُوا (٥) لأهلِهَا ضَجِيجًا، وللبُكاءِ في أرجَائِها عَجِيجًا، وحقَّ ذلكَ لهم ولمن بعدَهُم، كما رُوِي عن (٦) أبي ذؤيبٍ الهذليِّ قال: بلغنا أنَّ رسولَ الله ﷺ عليلٌ، فاستَشعَرتُ (٧) حُزنًا، وبتُّ بأطولِ ليلةٍ، لا ينجَابُ

стр. 8086

دَيْجُورُها ولا يطلُعُ نورُهَا، فظَلِلْتُ أقَاسِي طُولها، حتَّى إذا كان قُرْبَ السَّحرِ أغفيْتُ، فهتفَ بي هاتفٌ يقول: خَطْبٌ أَجَلُّ أناخَ بالإسْلَامِ … بينَ النَّخيلِ ومَعْقِدِ الآطَامِ قُبِضَ النَّبيُّ محمَّدٌ فعُيُونُنا … تَهْمِي الدُّمُوعَ عَليهِ بالتَّسْجامِ قال: فوثبتُ من نَومِي فزعًا، فنظرْتُ إلى السَّماءِ فلم أرَ إلَّا سعْدَ الذَّابِحِ (١)، فتفاءَلتُ به (٢) ذَبحًا يقعُ في العربِ، وعلمتُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد قبضَ، فركبْتُ ناقتِي وسرْتُ، فقدمتُ المدينةَ ولأهلِهَا ضجيجٌ بالبُكَاءِ كضجيجِ الحجيْجِ، فقلتُ: مهْ؟ فقالوا: قبضَ رسولُ الله ﷺ ، فجئتُ المسجدَ فوجدتُهُ خاليًا، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ (٣) فوجدتُ بابَهُ مُرْتَجًا، وقيل: هو مسجًّى، قد خلا به أهلُهُ، فقلت: أين النَّاسُ؟ فقيل: في سقيفةِ بني ساعدةَ، فجئتُهم فتكلَّمَ أبو بكرٍ ﵁، فللَّهِ درُّهُ من رجلٌ لا يطيلُ الكلامَ، ومدَّ يدَهُ فبايعوهُ، ورجعَ فرجعْتُ معه، فشهدْتُ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ودفنهِ. (٨٤) (بابُ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬).

стр. 8087

٤٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون الشين (١) المعجمة المروزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أَخْبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزِيُّ: (قَالَ يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمدُ بنُ مسلم ابنِ شهابٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) منهم عروةُ بن الزُّبير كما في «كتاب الرقاق» [خ¦٦٥٠٩] (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ) جملةٌ حاليَّةٌ: (إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ) بين الدُّنيا والآخرَة (فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ) المرضُ (وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «في فخذِي» (غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ) رفع (بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ) أسألُكَ (الرَّفِيقَ الأَعْلَى، فَقُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهْوَ صَحِيحٌ) وما فهمَتْهُ عائشةُ ﵂ من قولهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ الرَّفيقَ الأَعْلَى» أنَّه خُيِّرَ، نظيرُ فَهْم أبيها ﵄ من قولهِ ﷺ : «إنَّ عَبدًا خيَّرَهُ اللهُ» أنَّ العبدَ المراد به هو النَّبيُّ ﷺ حتى بَكَى (قَالَتْ: فَكَانَ) ولغير أبي ذرٍّ (٢) «فكانَتْ» (آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا (٣): اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى). وعند الحاكم من حديثِ أنسٍ أنَّ آخرَ كلمةٍ تكلَّم بها: «جلالُ ربِّي الرَّفيع». (٨٥) (بابُ) وقت (وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٤٤٦٤ - ٤٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة المفتوحة بعدها تحتية ساكنة فموحدة مفتوحة، ابنُ عبد الرَّحمن النحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي

стр. 8088

كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِثَ) بالموحدة المكسورة والمثلثة، أي: مكثَ (بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ) بعد أن فترَ الوحي ثلاث سنين، كما قاله الشَّعبيُّ (يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ وَبِالمَدِينَةِ عَشْرًا) وبهذا يزول الإشكالُ، فإنَّ ظاهرهُ يقتضي أنَّه ﵊ عاش ستِّين سنةً، وهو يغايرُ المرويَّ عن عائشةَ: أنَّه عاشَ ثلاثًا وستِّين، فإذا فرضَ ما بعدَ فترةِ الوَحي ومجيءِ الملكِ بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ صحَّ وزالَ الإشكالُ، وهو مبنيٌّ على ما وقعَ في «تاريخِ» الإمام أحمد ابن حنبل ﵁ عن الشَّعبيِّ: أنَّ مدَّة فترةِ الوحي كانت ثلاثَ سنين، وبه جزمَ ابنُ إسحاق. وقال السُّهيليُّ: جاءَ في بعضِ الرِّوايات المسندَةِ: أنَّ مدَّةَ الفترةِ سنتان ونصفٌ، وفي رواية أخرى: أنَّ مدَّةَ الرُّؤيا ستَّةُ أشهرٍ، فمن قال: مكثَ عشرَ سنين حذف مدَّةَ الرُّؤيا والفترَة، ومن قال: ثلاث عشرة سنة أضافَهَا (١). انتهى. وهذا معارضٌ بما رُويَ عن ابن عبَّاس أنَّ مدةَ الفترةِ المذكورةِ كانت أيَّامًا، وحينئذٍ فلا يحتجُّ بمرسلِ الشَّعبيِّ، لاسيَّما مع ما عارضَهُ. قال في «الفتح»: وقد راجعتُ المنقولَ عن الشعبيِّ من «تاريخ» الإمام أحمد، ولفظه من طريق داود بن أبي هندٍ عن الشَّعبيِّ: أُنزِلَت عليه النُّبوَّةُ وهو ابنُ أربعين سنة، فقُرِنَ بنبوَّتِه إسرافيلُ ثلاث سنين، فكان يعلِّمُه الكلمةَ والشَّيءَ، ولم ينزلْ عليه القرآنُ على لسانِهِ، فلمَّا مضتْ ثلاثُ سنين قُرِن بنبوَّتِه جبريلُ، فنزلَ عليه القرآنُ على لسانهِ عشرينَ سنةً. وأخرجه ابنُ أبي خيثمةَ من وجه آخر مختصرًا عن داود بلفظ: بُعثَ لأربعينَ (٢)، ووكِّلَ به إسرافيلُ ثلاث سنين، ثم وُكِّلَ به جبريلُ. فعلى هذا فيحسُنُ (٣) بهذا المرسل إنْ ثبتَ الجمعُ بين القولين في قدرِ إقامتهِ بمكَّةَ بعد البعثةِ، فقد قيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشرة، ولا يتعلَّقُ ذلك بقدرِ مدَّةِ الفترةِ، وأمَّا ما رواه عمرُ بنُ شبَّة (٤) أنَّه ﷺ عاشَ إحدى -أو اثنين- وستِّين ولم يبلُغْ ثلاثًا وستِّين؛ فشاذٌّ.

стр. 8089

٤٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) سقطَ «ابن الزبير» لأبي ذرٍّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِي وَهْوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ) سنة. وهذا موافق لقول الجمهورِ، وجزم به سعيدُ بن المسيَّب ومجاهدٌ والشَّعبي. وقال أحمدُ: هو الثَّبتُ عندنَا، وأكثرُ ما قيل في عمرِهِ أنَّه خمسٌ وستونَ، أخرجه مسلمٌ من طريق عمَّار بن أبي عمَّار عن ابنِ عبَّاس. ومثلُه لأحمد عن يوسفَ بن مهران، عن ابن عبَّاس. وجمع بعضُهم بين الرِّوايات المشهورةِ (١) بأنَّ من قال: خمسٌ وستونَ جبرًا لكسرٍ، ولا يخفى ما فيه. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ -بالإسنادِ السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ) أي: مثل المتنِ فقط: أنَّه ثلاثٌ وستونَ سنة. (٨٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ. ٤٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، ابن عقبةَ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهرانَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: تُوُفِي النَّبِيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ) بكسر الدال وسكون الراء (مَرْهُونَةٌ) بالتأنيث؛ لأنَّ الدِّرع يذكَّر ويُؤنَّث (عِنْدَ يَهُودِيٍّ) يسمَّى: أبا الشَّحْم كما عند البيهقيِّ، وهو بفتح الشين

стр. 8090

المعجمة وسكون الحاء (١) المهملة (بِثَلَاثِينَ، يَعْنِي: صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) وعند النَّسائيِّ والبيهقيِّ: أنَّه عشرون. قال في «الفتح»: ولعلَّهُ كان دونَ الثَّلاثينِ، فجبر الكسر تارةً وألغاهُ أخرى. قال: ووقعَ لابن حبَّان من طريق شيبان عن قتادةَ عن أنسٍ: أنَّ قيمةَ الطَّعامِ كانت دينارًا، وزادَ المؤلِّف في «البيع» [خ¦٢٠٦٨] «إلى أجلٍ»، وفي «صحيح ابن حبان»: أنَّه سنةٌ. وفي حديث أنسٍ عند أحمد: فما وجدَ ما يَفْتَكُّها به. وذكر ابنُ الطَّلَّاع في «الأقضية النَّبوية»: أن أبا بكر افْتَكَّ الدِّرعَ بعد النَّبيِّ ﷺ . واستدلَّ به على أنَّ المراد بقولهِ ﷺ في (٢) حديثِ أبي هريرة ممَّا صحَّحه ابنُ حبَّان وغيره: «نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدينهِ حينَ يُقضَى عنه» من لم يترُك عند صاحبِ الدَّينِ ما يحصُلُ له به الوفاءُ، وإليه جنحَ الماورديُّ، وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله: «يعني: صَاعًا من شَعيرٍ». قال في «الفتح»: وجه إيراد هذا الحديث هنا الإشارة إلى أنَّ ذلك من آخِر أحوالِه ﷺ . (٨٧) (بابٌ بَعْثُ النَّبِيِّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ). ٤٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بنِ عمر بن الخطَّاب ﵃، أنَّه قال: (اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ) بن زيدٍ أميرًا (فَقَالُوا فِيهِ) أي: طعَنُوا في إمارَتِه، وقالوا: يستعملُ هذا الغُلام أَمِيرًا على
следующие страницы →