← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

دَيْجُورُها ولا يطلُعُ نورُهَا، فظَلِلْتُ أقَاسِي طُولها، حتَّى إذا كان قُرْبَ السَّحرِ أغفيْتُ، فهتفَ بي هاتفٌ يقول: خَطْبٌ أَجَلُّ أناخَ بالإسْلَامِ … بينَ النَّخيلِ ومَعْقِدِ الآطَامِ قُبِضَ النَّبيُّ محمَّدٌ فعُيُونُنا … تَهْمِي الدُّمُوعَ عَليهِ بالتَّسْجامِ قال: فوثبتُ من نَومِي فزعًا، فنظرْتُ إلى السَّماءِ فلم أرَ إلَّا سعْدَ الذَّابِحِ (١)، فتفاءَلتُ به (٢) ذَبحًا يقعُ في العربِ، وعلمتُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد قبضَ، فركبْتُ ناقتِي وسرْتُ، فقدمتُ المدينةَ ولأهلِهَا ضجيجٌ بالبُكَاءِ كضجيجِ الحجيْجِ، فقلتُ: مهْ؟ فقالوا: قبضَ رسولُ الله ﷺ ، فجئتُ المسجدَ فوجدتُهُ خاليًا، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ (٣) فوجدتُ بابَهُ مُرْتَجًا، وقيل: هو مسجًّى، قد خلا به أهلُهُ، فقلت: أين النَّاسُ؟ فقيل: في سقيفةِ بني ساعدةَ، فجئتُهم فتكلَّمَ أبو بكرٍ ﵁، فللَّهِ درُّهُ من رجلٌ لا يطيلُ الكلامَ، ومدَّ يدَهُ فبايعوهُ، ورجعَ فرجعْتُ معه، فشهدْتُ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ودفنهِ. (٨٤) (بابُ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬).

стр. 8087

٤٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون الشين (١) المعجمة المروزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أَخْبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزِيُّ: (قَالَ يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمدُ بنُ مسلم ابنِ شهابٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) منهم عروةُ بن الزُّبير كما في «كتاب الرقاق» [خ¦٦٥٠٩] (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ) جملةٌ حاليَّةٌ: (إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ) بين الدُّنيا والآخرَة (فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ) المرضُ (وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «في فخذِي» (غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ) رفع (بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ) أسألُكَ (الرَّفِيقَ الأَعْلَى، فَقُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهْوَ صَحِيحٌ) وما فهمَتْهُ عائشةُ ﵂ من قولهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ الرَّفيقَ الأَعْلَى» أنَّه خُيِّرَ، نظيرُ فَهْم أبيها ﵄ من قولهِ ﷺ : «إنَّ عَبدًا خيَّرَهُ اللهُ» أنَّ العبدَ المراد به هو النَّبيُّ ﷺ حتى بَكَى (قَالَتْ: فَكَانَ) ولغير أبي ذرٍّ (٢) «فكانَتْ» (آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا (٣): اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى). وعند الحاكم من حديثِ أنسٍ أنَّ آخرَ كلمةٍ تكلَّم بها: «جلالُ ربِّي الرَّفيع». (٨٥) (بابُ) وقت (وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٤٤٦٤ - ٤٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة المفتوحة بعدها تحتية ساكنة فموحدة مفتوحة، ابنُ عبد الرَّحمن النحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي

стр. 8088

كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِثَ) بالموحدة المكسورة والمثلثة، أي: مكثَ (بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ) بعد أن فترَ الوحي ثلاث سنين، كما قاله الشَّعبيُّ (يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ وَبِالمَدِينَةِ عَشْرًا) وبهذا يزول الإشكالُ، فإنَّ ظاهرهُ يقتضي أنَّه ﵊ عاش ستِّين سنةً، وهو يغايرُ المرويَّ عن عائشةَ: أنَّه عاشَ ثلاثًا وستِّين، فإذا فرضَ ما بعدَ فترةِ الوَحي ومجيءِ الملكِ بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ صحَّ وزالَ الإشكالُ، وهو مبنيٌّ على ما وقعَ في «تاريخِ» الإمام أحمد ابن حنبل ﵁ عن الشَّعبيِّ: أنَّ مدَّة فترةِ الوحي كانت ثلاثَ سنين، وبه جزمَ ابنُ إسحاق. وقال السُّهيليُّ: جاءَ في بعضِ الرِّوايات المسندَةِ: أنَّ مدَّةَ الفترةِ سنتان ونصفٌ، وفي رواية أخرى: أنَّ مدَّةَ الرُّؤيا ستَّةُ أشهرٍ، فمن قال: مكثَ عشرَ سنين حذف مدَّةَ الرُّؤيا والفترَة، ومن قال: ثلاث عشرة سنة أضافَهَا (١). انتهى. وهذا معارضٌ بما رُويَ عن ابن عبَّاس أنَّ مدةَ الفترةِ المذكورةِ كانت أيَّامًا، وحينئذٍ فلا يحتجُّ بمرسلِ الشَّعبيِّ، لاسيَّما مع ما عارضَهُ. قال في «الفتح»: وقد راجعتُ المنقولَ عن الشعبيِّ من «تاريخ» الإمام أحمد، ولفظه من طريق داود بن أبي هندٍ عن الشَّعبيِّ: أُنزِلَت عليه النُّبوَّةُ وهو ابنُ أربعين سنة، فقُرِنَ بنبوَّتِه إسرافيلُ ثلاث سنين، فكان يعلِّمُه الكلمةَ والشَّيءَ، ولم ينزلْ عليه القرآنُ على لسانِهِ، فلمَّا مضتْ ثلاثُ سنين قُرِن بنبوَّتِه جبريلُ، فنزلَ عليه القرآنُ على لسانهِ عشرينَ سنةً. وأخرجه ابنُ أبي خيثمةَ من وجه آخر مختصرًا عن داود بلفظ: بُعثَ لأربعينَ (٢)، ووكِّلَ به إسرافيلُ ثلاث سنين، ثم وُكِّلَ به جبريلُ. فعلى هذا فيحسُنُ (٣) بهذا المرسل إنْ ثبتَ الجمعُ بين القولين في قدرِ إقامتهِ بمكَّةَ بعد البعثةِ، فقد قيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشرة، ولا يتعلَّقُ ذلك بقدرِ مدَّةِ الفترةِ، وأمَّا ما رواه عمرُ بنُ شبَّة (٤) أنَّه ﷺ عاشَ إحدى -أو اثنين- وستِّين ولم يبلُغْ ثلاثًا وستِّين؛ فشاذٌّ.

стр. 8089

٤٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) سقطَ «ابن الزبير» لأبي ذرٍّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِي وَهْوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ) سنة. وهذا موافق لقول الجمهورِ، وجزم به سعيدُ بن المسيَّب ومجاهدٌ والشَّعبي. وقال أحمدُ: هو الثَّبتُ عندنَا، وأكثرُ ما قيل في عمرِهِ أنَّه خمسٌ وستونَ، أخرجه مسلمٌ من طريق عمَّار بن أبي عمَّار عن ابنِ عبَّاس. ومثلُه لأحمد عن يوسفَ بن مهران، عن ابن عبَّاس. وجمع بعضُهم بين الرِّوايات المشهورةِ (١) بأنَّ من قال: خمسٌ وستونَ جبرًا لكسرٍ، ولا يخفى ما فيه. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ -بالإسنادِ السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ) أي: مثل المتنِ فقط: أنَّه ثلاثٌ وستونَ سنة. (٨٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ. ٤٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، ابن عقبةَ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهرانَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: تُوُفِي النَّبِيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ) بكسر الدال وسكون الراء (مَرْهُونَةٌ) بالتأنيث؛ لأنَّ الدِّرع يذكَّر ويُؤنَّث (عِنْدَ يَهُودِيٍّ) يسمَّى: أبا الشَّحْم كما عند البيهقيِّ، وهو بفتح الشين

стр. 8090

المعجمة وسكون الحاء (١) المهملة (بِثَلَاثِينَ، يَعْنِي: صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) وعند النَّسائيِّ والبيهقيِّ: أنَّه عشرون. قال في «الفتح»: ولعلَّهُ كان دونَ الثَّلاثينِ، فجبر الكسر تارةً وألغاهُ أخرى. قال: ووقعَ لابن حبَّان من طريق شيبان عن قتادةَ عن أنسٍ: أنَّ قيمةَ الطَّعامِ كانت دينارًا، وزادَ المؤلِّف في «البيع» [خ¦٢٠٦٨] «إلى أجلٍ»، وفي «صحيح ابن حبان»: أنَّه سنةٌ. وفي حديث أنسٍ عند أحمد: فما وجدَ ما يَفْتَكُّها به. وذكر ابنُ الطَّلَّاع في «الأقضية النَّبوية»: أن أبا بكر افْتَكَّ الدِّرعَ بعد النَّبيِّ ﷺ . واستدلَّ به على أنَّ المراد بقولهِ ﷺ في (٢) حديثِ أبي هريرة ممَّا صحَّحه ابنُ حبَّان وغيره: «نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدينهِ حينَ يُقضَى عنه» من لم يترُك عند صاحبِ الدَّينِ ما يحصُلُ له به الوفاءُ، وإليه جنحَ الماورديُّ، وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله: «يعني: صَاعًا من شَعيرٍ». قال في «الفتح»: وجه إيراد هذا الحديث هنا الإشارة إلى أنَّ ذلك من آخِر أحوالِه ﷺ . (٨٧) (بابٌ بَعْثُ النَّبِيِّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ). ٤٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بنِ عمر بن الخطَّاب ﵃، أنَّه قال: (اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ) بن زيدٍ أميرًا (فَقَالُوا فِيهِ) أي: طعَنُوا في إمارَتِه، وقالوا: يستعملُ هذا الغُلام أَمِيرًا على

стр. 8091

المهاجرين (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد أن صعدَ المنبرَ خطيبًا: (قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي أُسَامَةَ) ما تطعنُونَ به فيه (وَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ) الذين طعنوا فيه (إِلَيَّ). ٤٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثنِي» بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا) إلى أُبْنى لغزو الرُّوم، مكانَ قتلِ زيدِ بن حارثةَ، فيه وجوهُ المهاجرينَ والأنصارِ، منهم أبو بكر وعمر (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) فلما كان يوم الأربعاء بدأَ برسول الله ﷺ وجعُهُ فحُمَّ وصُدعَ، فلمَّا أصبحَ يوم الخميسِ عقدَ له لواء بيدِهِ الشَّريفةِ فخرَجَ، فدفعَهُ إلى بُريدةَ الأسلميِّ، وعسكرَ بالجُرْف (فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا بلغهُ ذلك، وخرجَ وقد عصَّبَ رأسَهُ وعليه قطيفَةٌ على المنبرِ خطيبًا (فَقَالَ) بعد أن حمدَ الله وأثنى عليه: (إِنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ) زيد (مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللهِ) بهمزة وصل (إِنْ كَانَ) زيدٌ (لَخَلِيقًا) بالخاء المعجمة والقافِ، أي: لجدِيرًا (لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ) ابنه (هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ). زاد أهلُ السِّير ممَّا ذكرهُ في «عيون الأثر» وغيرهِ: «فاستوصُوا بهِ خَيرًا؛ فإنَّهُ من خِيارِكُم» ثمَّ نزلَ عن المنبَرِ فدخلَ بيتهَ يومَ السَّبتِ لعشرٍ خلونَ من ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة، وجاءَ المسلمونَ الذين يخرجونَ مع أسامةَ يودِّعونَ رسول الله ﷺ ، ويخرجونَ إلى العسكرِ بالجُرْفِ، فاشتدَّ برسولِ الله ﷺ وجعُهُ يوم الأحَدِ، ودخلَ عليه أسامَةُ وهو مغمورٌ، فجعل يرفعُ يديهِ إلى السَّماءِ ثمَّ يضعُها على أسامةَ. قال أسامةُ: فعرفتُ أنَّه يدعُو لي،

стр. 8092

ثمَّ أصبح (١) ﵊ مفيقًا يومَ الإثنينِ، فودَّعهُ أسامةُ وخرجَ إلى عسكرِهِ (٢)، وأمرَ النَّاسَ بالرَّحيلِ، فبينَا (٣) هو يريدُ الرُّكوبَ إذا رسولُ أمِّ أيمنَ قد جاءَهُ يقولُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ يموتُ، فلمَّا توفِّي رسولُ الله (٤) ﷺ دخلَ المسلمونَ الذين عسكَرُوا بالجُرْفِ إلى المدينةِ، ودخلَ بريدةُ بلواءِ أسامةَ حتى أتى به بابَ رسولِ الله ﷺ ، فغرزهُ عند بابهِ، وكان رسولُ الله ﷺ لمَّا اشتدَّ وجعُهُ قال: «أنفِذُوا بعثَ أسامَةَ» فلمَّا بويعَ أبو بكرٍ ﵁ أمرَ بُريدة أن يذهبَ باللِّواءِ إلى بيتِ أسامةَ ليمضِي لوجههِ، فمضَى به إلى معسكرِهِم الأوَّل، وخرجَ أسامةُ هلال ربيعٍ الآخر سنة إحدى عشرةَ إلى أهلِ أُبْنى، فشنَّ عليهم الغارَةَ، فقتلَ من أشرفَ له، وسبى من قدرَ عليهِ، وحرَّقَ منازلَهُم ونَخْلَهُم (٥)، وقتلَ قاتلَ أبيهِ في الغارةِ، ثمَّ رجعَ إلى المدينةِ ولم يصَبْ أحدٌ من المسلمين، وخرجَ أبو بكرٍ في المهاجرينَ وأهلِ المدينةِ يتلقَّونَهُ سُرورًا، وكانت هذهِ السَّريَّة آخر سريَّةٍ جهَّزَها النَّبيُّ ﷺ ، وأوَّلُ شيءٍ جهَّزهُ أبو بكرٍ ﵁، وعندَ الواقديِّ أنَّ عدَّةَ ذلك الجَيشِ كانَت (٦) ثلاثَةَ آلافٍ، منهم سبع مئةٍ من قريشٍ، وعندَ ابن إسحاق: أنَّ أبا بكر لمَّا جهَّزَ أسامةَ سألهُ أن يأذنَ لعمرَ في الإقامةِ فأذنَ له. (٨٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.

стр. 8093

٤٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرجِ، أبو عبد اللهِ المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عَمْرٌو) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ زيادة «ابن الحارثِ» (عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ) يزيد أبي رجاءٍ المصريِّ، واسمُ أبي حبيبٍ سويد (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد -بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة- ابن عبد لله اليزنيِّ المصريِّ (عَنِ الصُّنَابِحِيِّ) بالصاد المهملة المفتوحة والنون الخفيفة وبعد الألف موحدة مكسورة بعدها حاء مهملة، عبد الرَّحمن بن عُسَيلةَ -بضم العين وفتح السين المهملتين- (أَنَّهُ) أي: أبا الخيرِ (قَالَ لَهُ) للصنابحيِّ: (مَتَى هَاجَرْتَ) إلى المدينةِ؟ (قَالَ: خَرَجْنَا مِنَ اليَمَنِ مُهَاجِرِينَ) إلى النَّبيِّ ﷺ (فَقَدِمْنَا الجُحْفَةَ) أحدَ مواقيتِ الإحرامِ (فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ) لم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسمه (فَقُلْتُ لَهُ: الخَبَرَ؟) بالنصب بفعلٍ مقدَّر، أي: هاتِ الخبرَ (فَقَالَ: دَفَنَّا النَّبِيَّ ﷺ مُنْذُ خَمْسٍ) قال أبو الخير: (قُلْتُ) للصُّنابحيِّ: (هَلْ سَمِعْتَ فِي) تعيينِ (لَيْلَةِ القَدْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي) بالإفراد (بِلَالٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ) أي: تعيينها (فِي السَّبْعِ) الكائنِ (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) أي: من رمضانَ، ومبحثُ ليلةِ القدرِ مرَّ في «الصِّيامِ» فليُراجع. (٨٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ ؟) وسقطَ لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٤٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ -بالغين المعجمة المضمومة وتخفيف الدال- قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونسَ بن أبي إسحاقَ السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيُّ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵁: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) غزوةً؟ (قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ) غزوة، بالموحدة بعد السين (قُلْتُ: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ) غزوة، بالفوقية

стр. 8094

قبل السين، ومرادهُ: الغزواتُ التي خرجَ فيها رسولُ الله (١) ﷺ بنفسِهِ، سواءٌ قاتلَ أو لم يقاتِل، لكن في رواية أبي يَعلى بإسنادٍ صحيح: أنَّها إحدَى وعشرونَ، ففاتَ زيد بن أرقم اثنتانِ، ولعلَّهُما الأَبْواء وبُوَاط، وكانت أوَّل مغازيهِ العُسيرة. وفي «طبقات ابن سعد» بإسناده عن جماعةٍ دخلَ حديثُ بعضِهم في بعضٍ، قالوا: كان عددُ مغازِي رسول الله ﷺ التي غزاها بنفسِهِ سبعًا وعشرين غزوةً، وكانت سراياهُ التي بعثَ فيها سبعًا وأربعينَ سريَّةً، وكان ما قاتلَ فيه من المغازِي تسع غَزواتٍ: بدرٌ وأُحُد والمريسيعُ والخندَقُ وقريظَةُ وخيبَرُ وفتحُ مكَّةَ وحنينٌ والطَّائفُ. قال: فهذا ما اجتمعَ لنا عليهِ، وفي بعضِ رواياتِهِم: أنَّه قاتلَ في بني النَّضير، ولكنَّ الله جعلها لهُ نفلًا خاصَّةً، وقاتلَ في غزاةِ وادي القُرى منصرفهُ من خيبرَ، وقُتِلَ بعضُ أصحابِهِ، وقاتلَ في الغابةِ. وقال الحافظُ ابن حجرٍ: وقرأتُ بخطِّ مغلطَاي أنَّ مجموعَ الغزواتِ والسَّرايا مئة. قال (٢): وهو كما قال. ٤٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا البَرَاءُ) بن عازبٍ (¬﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ) غزوةً. ٤٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ) بفتح الحاء والسين، التِّرمذيُّ أحد حفَّاظِ خراسانَ قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالٍ) المروزِيُّ الشَّيبانيُّ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 8095

مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ) بفتح الكاف وسكون الهاء وفتح الميم بعدها سين مهملة، ابنِ الحسنِ النَّمريِّ البصريِّ (عَنِ ابْنِ (١) بُرَيْدَةَ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) بُريدةَ بنِ حُصَيبٍ -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- أنَّه (قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً).

стр. 8096

((٦٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ) كذا لأبي ذرٍّ (١)، ولأبي الوقت: «كتاب تفسير القرآن بسم الله الرحمن الرحيم» ولغيرهما: «كتاب التفسير بسم الله الرحمن الرحيم»، فأخَّر البسملة، وعرَّف «التَّفسير» وحذف المضاف إليه، والتَّفسير: هو البيان، وهل التَّفسير والتَّأويل بمعنًى؟ فقيل: التَّفسيرُ: بيانُ المراد باللفظ، والتَّأويل: بيانُ المراد بالمعنى، وقال قومٌ منهم أبو عُبيدة (٢): هما بمعنًى، وقال أبو العبَّاس الأزديُّ: النَّظر في القرآن من وجهين؛ الأوَّل: من حيث هو منقولٌ، وهي جملة التَّفسير، وطريقه الرِّواية والنَّقل، والثَّاني: من حيث هو معقولٌ، وهي جملة التَّأويل، وطريقه الدِّرايةُ والعقلُ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] فلا بدَّ من معرفةِ اللِّسانِ العربيِّ في فهم القرآن العربيِّ، فيعرف الطَّالب الكلمة وشرحها (٣)، وشرح لغتها وإعرابها، ثم يتغلغل في معرفة المعاني ظاهرًا وباطنًا، فيوفِّي لكلٍّ منها حقَّه، وقال غيره: التَّفسير: عِلْمٌ يُعرَف به فَهْمُ كتابِ الله تعالى المنزَّلِ وبيانُ معانيه واستخراجُ أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم النَّحو واللُّغة والتَّصريف وعلم البيان، وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة

стр. 8097

أسباب النُّزول والنَّاسخ والمنسوخ، وذكر القاضي أبو بكر بن العربيِّ في «كتاب قانون التَّأويل»: أنَّ علوم القرآن خمسون علمًا، وأربع مئةٍ وسبعة آلاف علمٍ وسبعون ألف علمٍ، على عدد كلم القرآن مضروبةً في أربعةٍ، قال بعض السَّلف: إنَّ لكلِّ كلمةٍ باطنًا وظاهرًا وحدًّا ومقطعًا، وهذا مطلقٌ دون اعتبار تراكيبه (١) وما بينها من روابط، وهذا ممَّا لا يُحصى ولا يَعلمه إلا الله . انتهى. وحُذِفت الألف من «بسم الله» بعد الباء؛ تنبيهًا على شدَّة المصاحبة والاتِّصال بذكر الله. (((١))) (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ: اسْمَانِ) مشتقَّانِ (مِنَ الرَّحْمَةِ) وزعم بعضهم أنَّه غير مشتقٍّ لقولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]؟ وأجيب بأنَّهم جَهِلُوا الصِّفة لا الموصوف؛ ولذا (٢) لم يقولوا: ومن الرَّحمن؟ وقول المبرِّد -فيما حكاه ابن الأنباريِّ في «الزَّاهر» -: «الرحمنُ: اسمٌ عبرانيٌّ ليس بعربيٍّ» قولٌ مرغوبٌ عنه، والدَّليل على اشتقاقه ما صحَّحه التِّرمذيُّ من حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «قال الله تعالى: أنا الرَّحمن، خلقتُ الرَّحِمَ وشققتُ لها اسمًا من اسمي … » الحديث، قال القرطبيُّ: وهذا نصٌّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشِّقاق. انتهى. و «الرَّحمن»: «فَعْلان» من «رَحِمَ»، كـ «غضبان» من «غَضِبَ»، و «الرَّحيم»: «فعيلٌ» منه، كـ «مريضٍ» من «مَرِضَ»، والرَّحمة في اللُّغة: رِقَّةٌ في القلب، وانعطافٌ يقتضي التفضُّل والإحسان، ومنه: الرَّحِم لانعطافها على ما فيها، وهو تجوُّزٌ باسم السَّبب عن المسبَّب، ويُستَعمل في حقِّه تعالى تجوُّزًا عن إنعامه، أو عن (٣) إرادة الخير لخلقه؛ إذ المعنى الحقيقي يستحيل في حقِّه تعالى،

стр. 8098

واختُلِف في اللَّفظين، فقيل: هما مترادِفانِ، كندمان ونديمٍ، ورُدَّ بأنَّ إمكان المخالفة يمنع التَّرادف، ثمَّ على الاختلاف قيل: «الرَّحمن» أبلغ؛ لأنَّ زيادة البناء -هو الزِّيادة على الحروف الأصول- تُفيد الزِّيادة في المعنى؛ كما في قَطَع وقَطَّع، وكُبَار وكُبَّار، وبالاستعمال حيث يقال: رحمن الدُّنيا والآخرة، ورحيم الآخرة، وأسند ابن جريرٍ عن العرزميِّ (١) أنَّه قال: الرَّحمن: لجميع الخلق، والرَّحيم: بالمؤمنين، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] فخصَّهم باسمه الرَّحيم، فدلَّ على أنَّ «الرَّحمن» أشدُّ مبالغةً في الرَّحمة؛ لعمومها في الدَّارين لجميع خلقه، و «الرَّحيم» خاصٌّ بالمؤمنين، وأجيب بأنَّه ورد في الدُّعاء المأثور (٢): «رحمن الدُّنيا والآخرة ورحيمهما» وأورد على ما ذُكِر من زيادة البناء «حَذِر وحَاذِر»، ذكره ابن أبي الرَّبيع وغيره، لكن قال البدر بن (٣) الدَّماميني: والنقض بـ «حَذِر وحَاذِر» يندفع بأنَّ هذا الحكم أكثريٌّ لا كلِّيٌّ، وبأنَّ ما ذكر لا ينافي أن يقع في البناء الأنقص زيادة معنًى بسببٍ آخر، كالإلحاق بالأمور الجبلِّيَّة؛ مثل: شَرِه ونَهِم، وبأنَّ ذلك فيما إذا كان اللفظان المتلاقيان في الاشتقاق متَّحِدَي النَّوع في المعنى، كـ «غَرِث وغَرْثَانَ» (٤)، لا كـ «حَذِر وحَاذِر» للاختلاف في المعنى، قال: وهنا فائدةٌ حسنةٌ، وهي أنَّ بعض المتأخِّرين كان يقول: إنَّ صفات الله تعالى التي هي على صيغة (٥) المبالغة: كغفَّارٍ ورحيمٍ وغفورٍ كلُّها مجازٌ؛ إذ هي موضوعةٌ للمبالغة، ولا مبالغة فيها؛ لأنَّ المبالغة هي أن يُنسَب للشيء أكثر ممَّا له، وصفات الله تعالى متناهيةٌ في الكمال لا يمكن المبالغة فيها، وأيضًا: فالمبالغة إنَّما تكون في صفاتٍ تقبل الزِّيادة والنَّقص، وصفات الله تعالى منزَّهةٌ عن ذلك. انتهى. وقول بعضهم: إنَّ «الرَّحيم» أشدُّ مبالغةً؛ لأنَّه أُكِّد به، والمؤكِّد يكون أقوى من المؤكَّد، أجيب عنه بأنَّه ليس من باب التَّأكيد، بل من باب النَّعت بعد النَّعت، وقول (٦): إنَّ «الرَّحمن» عَلَمٌ بالغلبة؛ لأنَّه جاء غير تابعٍ لموصوفٍ؛ كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] وشِبْهه، تُعقِّب بأنَّه لا يلزم من مجيئه غير تابعٍ ألَّا يكون نعتًا؛ لأنَّ

стр. 8099

المنعوت إذا عُلِم جاز حذفه وإبقاء نعته، وقال بعضهم: إن أراد القائل أنَّه عُلِم اختصاصُه تعالى به فصحيحٌ، ولا يمنع هذا وقوعه نعتًا، وإن (١) أراد أنَّه جارٍ كالعَلَم لا يُنظر فيه إلى معنى المشتقِّ فممنوعٌ؛ لظهور معنى الوصفيَّة، وعلميَّةُ الغلبة يردُّها أنَّ لفظ «الرَّحمن» لم يستعمل إلَّا له تعالى، فلا تتحقَّق فيه الغلبة، وأمَّا قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمن اليمامة؛ فمِن تعنُّتهم في كفرهم، ولمَّا تسمَّى بذلك كساه الله جلباب الكذب، وشُهِر به، فلا يقال إلا: مسيلمة الكذَّاب، والأظهر: أنَّ «رحمن» غير مصروفٍ كـ «عطشان» وقال البيضاويُّ: وتخصيص التَّسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أنَّ المستحقَّ لأَنْ يُستعانَ به في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقيُّ الذي هو مَوْلَى النِّعم كلِّها، عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها، فيتوجَّه بشراشره إلى جناب القدس، ويتمسَّك بحبل التَّوفيق، ويشغل سرَّه بذكره والاستلذاذ (٢) به عن غيره. (الرَّحِيمُ (٣) وَالرَّاحِمُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَالعَلِيمِ وَالعَالِمِ) وهذا بالنَّظر إلى أصل المعنى، وإلَّا فصيغة «فَعِيل» من صِيَغ المبالغة، فمعناها زائدٌ على معنى الفاعل، وقد ترد صيغة «فعيل» بمعنى الصِّفة المشبَّهة، وفيها أيضًا زيادةٌ لدلالتها على الثُّبوت، بخلاف مجرَّد الفاعل فإنَّه يدلُّ على الحدوث، ويحتمل أن يكون المراد أنَّ «فعيلًا» بمعنى: «فاعل» لا بمعنى «مفعول»؛ لأنَّه قد يَرِدُ بمعنى «مفعول» فاحتُرِز عنه. (١) (باب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الكِتَابِ) أي: من الفضل، أو من التَّفسير، أو أعمَّ من ذلك، و «الفاتحة» في الأصل إمَّا مصدرٌ كالعافية (٤)، سُمِّي بها أوَّل ما يفتتح به الشَّيء؛ من باب إطلاق المصدر على المفعول، والتَّاء للنَّقل إلى الاسميَّة، وإضافتها إلى «الكتاب» بمعنى: «مِنْ» لأنَّ أوَّل الشَّيء

стр. 8100

بعضه، ثمَّ جُعِلت عَلمًا للسُّورة المعيَّنة؛ لأنَّها أوَّلُ الكتابِ المُعْجِز، قاله بعضُهم، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ (وَسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتَابِ أَنَّهُ) بفتح الهمزة، أي: لأنَّه (يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي المَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ) هذا كلام أبي عبيدة في «المجاز»، وكره أنسٌ والحسن وابن سيرين تسميتها بذلك، قال الأوَّلان: إنَّما ذلك اللوح المحفوظ، وأجيب بأنَّ في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : «الحمد لله أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب» صحَّحه التِّرمذيُّ، لكن قال السَّفاقسيُّ: هذا التَّعليل (١) مناسبٌ لتسميتها بـ «فاتحة الكتاب» لا بـ «أمِّ الكتاب» وقد ذكر بعض المحقِّقين أنَّ السَّبب في تسميتها «أمَّ الكتاب» اشتمالها على كلِّيَّات المعاني التي في القرآن؛ من الثَّناء على الله تعالى، وهو ظاهرٌ، ومن التَّعبُّد بالأمر والنَّهي، وهو في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] لأنَّ معنى العبادة: قيام العبد بما تُعبِّد به وكُلِّفَه من امتثال الأوامر والنَّواهي، وفي: ﴿الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أيضًا (٢)، ومن الوعد والوعيد وهو في: ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ وفي: ﴿المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وفي: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أي: الجزاء أيضًا، وإنَّما كانت الثَّلاثةُ أصول مقاصد القرآن؛ لأنَّ الغرض الأصليَّ الإرشاد إلى المعارف الإلهيَّة وما به نظام المعاش ونجاة المعاد، والاعتراض بأنَّ كثيرًا من السُّور كذلك يندفع بعدم المساواة؛ لأنَّها فاتحة الكتاب وسابقة السُّور، وقد اقتصر مضمونها على كليَّات المعاني الثَّلاثة بالتَّرتيب على وجهٍ إجماليٍّ؛ لأنَّ أوَّلها ثناءٌ وأوسطها تعبُّدٌ وآخرها وعدٌ ووعيدٌ، ثمَّ يصير ذلك مفصَّلًا في سائر السُّور، فكانت منها بمنزلة مكَّة من سائر القرى، على ما رُوي من أنَّها مُهِّدت أرضها، ثمَّ دُحِيت الأرض من تحتها، فتتأهَّل (٣) أن تُسمَّى أمَّ القرآن؛ كما سُمِّيت مكَّة أمَّ القرى. انتهى. وما قاله المؤلِّف هو معنى قول (٤) البيضاويِّ: وتُسمَّى أمَّ القرآن؛ لأنَّها مُفتَتَحه ومبدؤه، أي: يُفتتح بها كتابة المصاحف (٥)، ويُبدأ بقراءتها في الصَّلاة، وقيل: لأنَّها تفتح أبواب الجنة، ولها أسماءٌ أُخَر لا نُطيل بها.

стр. 8101

(وَالدِّينُ: الجَزَاءُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ) وسقطت «الواو» لأبي ذرٍّ، وهذا (١) رواه عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن أيوب عن أبي قِلابة، عن النَّبيِّ ﷺ ، وهو مرسلٌ، رجاله ثقاتٌ، ورواه عبد الرَّزَّاق بهذا الإسناد أيضًا عن أبي قِلابة عن أبي الدَّرداء موقوفًا، وأبو قِلابة لم يدرك أبا الدَّرداء، لكن له شاهدٌ موصولٌ من حديث ابن عمر، أخرجه ابن عديٍّ وضعَّفه، وفي المثل: (كَمَا تَدِينُ تُدَانُ) الكاف في موضع نصبٍ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، أي: تدين دينًا مثل دينك، وهذا من كلام أبي عبيدة أيضًا كسابقه، وهو حديثٌ مرفوعٌ أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» بسندٍ ضعيفٍ من حديث ابن عمر مرفوعًا (٢) -وله شاهدٌ من مرسل أبي قِلابة- قال: قال رسول الله ﷺ : «البرُّ لا يبلى، والإثم لا يُنسى، والدَّيَّان لا يموت، فكُنْ كما شئت، كما تدين تُدان» رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» وأخرجه البيهقيُّ (٣) في «كتاب الأسماء والصِّفات» من طريقه، ومعناه: كما تَعمل تُجازَى، وفي «الزُّهد» للإمام أحمد عن مالك بن دينارٍ موقوفًا: مكتوبٌ في التَّوراة: «كما تدين تُدَان، وكما تزرع تحصد». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله عبد بن حميدٍ من طريق منصورٍ عنه في قوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ (﴿بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٩]) أي: (بِالحِسَابِ) ومن طريق ورقاء عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ﴾ (﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]) بفتح الميم، أي: (مُحَاسَبِينَ). ٤٤٧٤ - به قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) ابن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ)

стр. 8102

ابن الحجَّاج أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالخاء المعجمة مصَّغرًا، الأنصاريُّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى) واسمه رافع، وقيل: الحارث، وقوَّاه ابن عبد البرِّ ووهَّى الذي قبله (١)، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ أُجِبْهُ) زاد في «تفسير الأنفال» [خ¦٤٦٤٧] من وجهٍ آخر عن شعبة: «فلم آتِهِ حتَّى صلَّيت ثم أتيته» (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾ [الأنفال: ٢٤]؟) زاد أبو ذرٍّ: «﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾»، واستدلَّ به على أنَّ إجابته واجبةٌ يَعْصِي المرءُ بتركها (٢)، وهل تبطل الصَّلاة أم لا؟ صرَّح جماعةٌ من أصحابنا الشَّافعيَّة وغيرهم بعدم البطلان، وأنَّه حكمٌ مختصٌّ به ﷺ ، فهو مثل خِطَابِ المصلِّي له بقوله: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ، ومثله لا يُبطِل الصَّلاة، وفيه بحثٌ لاحتمال أن تكون إجابته واجبةً سواءٌ كان المخاطب (٣) في الصَّلاة أم لا، أمَّا كونه يخرج بالإجابة من الصَّلاة (٤) أو لا يخرج؛ فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصَّلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشَّافعيَّة (ثُمَّ قَالَ لِي) ﵊: (لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ) وفي نسخةٍ: «هي أعظم سورةٍ» (فِي القُرْآنِ) لعظم قدرها بالخاصِّيَّة التي لم يشاركها فيها غيرها من السُّور؛ لاشتمالها على فوائد ومعانٍ كثيرةٍ مع وجازة ألفاظها، واستدلَّ به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعضٍ، وهو محكيٌّ عن أكثر العلماء؛ كابن رَاهُوْيَه وابن العربيِّ، ومَنَع من ذلك الأشعريُّ والباقلَّانيُّ وجماعةٌ؛ لأنَّ المفضول ناقصٌ عن درجة الأفضل، وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا نقص فيها، وأُجيب بأنَّ التَّفضيل إنَّما هو بمعنى أنَّ ثواب بعضه أعظم من بعضٍ، فالتَّفضيل إنَّما هو من حيث المعاني، لا من حيث الصِّفة، وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الحاكم: «أتحبُّ أن أعلِّمك سورةً لم ينزل في التَّوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلها؟» (قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ) بالفوقيَّة في «اليونينيَّة» (مِنَ المَسْجِدِ، ثُمَّ

стр. 8103

أَخَذَ بِيَدِي) بالإفراد (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) من المسجد (قُلْتُ لَهُ) زاد أبو هريرة: يا رسول الله (أَلَمْ تَقُلْ: لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي، كما صرَّح بها في رواية معاذ في «تفسير الأنفال» [خ¦٤٦٤٧] (هِيَ السَّبْعُ) لأنَّها سبع آياتٍ كسورة الماعون، لا ثالث لهما، وقيل للفاتحة: (المَثَانِي) لأنَّها تُثنَّى على مرور الأوقات، أي: تُكرَّر فلا تنقطع، وتُدرَس فلا تَنْدرس، وقيل: لأنَّها تُثنَّى في كلِّ ركعةٍ، أي: تُعاد، أو أنَّها يُثْنَى بها على الله، أو استُثْنيت لهذه الأمَّة لم تُنزل على من قبلها، فإن قيل: في الحديث: «السَّبع المثاني» وفي القرآن: ﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] أجيب بأنَّه لا اختلاف بين الصِّيغتين إذا جعلنا ﴿مِّنَ﴾ للبيان (وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) قال التُّوربشتيُّ: إن قيل: كيف صحَّ عطف «القرآن» على «السَّبع المثاني» وعطف الشَّيء على نفسه ممَّا لا يجوز؟ قلنا: ليس كذلك، وإنَّما هو من باب ذكر الشَّيء بوصفين أحدهما معطوفٌ على الآخر، والتَّقدير: آتيناك ما يقال له: السَّبع المثاني والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النَّعتين، وقال الطِّيبيُّ: عطف «القرآن» على «السَّبع المثاني» المراد منه: الفاتحة، وهو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ تنزيلًا للتَّغاير في الوصف منزلة التَّغاير في الذَّات، وإليه أومأ ﷺ بقوله: «ألا أعلِّمك (١) أعظم سورةٍ في القرآن» حيث نكَّر السُّورة وأفردها ليدلَّ على أنَّك إذا تقصَّيت سورةً سورةً في القرآن وجدتها أعظم منها، ونظيره في النَّسق لكن من عطف الخاصِّ على العامِّ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. انتهى. وهو معنى قول الخطَّابيِّ، قال في «الفتح»: وفيه بحثٌ؛ لاحتمال أن يكون قوله: «والقرآن العظيم» محذوف الخبر، والتَّقدير: ما بعد الفاتحة مثلًا، فيكون وَصْفُ الفاتحة انتهى (٢) بقوله: «هي السَّبع المثاني» ثمَّ عطف قوله: «والقرآن العظيم» أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعايةً لنظم (٣) الآية، ويكون التَّقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادةً على الفاتحة، وفيه دليلٌ على أنَّ الفاتحة سبع آياتٍ، لكنَّ منهم من عدَّ البسملة دون ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ومنهم من عكس، قال

стр. 8104

الطِّيبيُّ: وعدُّ التسمية (١) أولى؛ لأنَّ ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ (٢)﴾ لا يناسب وزانه وزان فواصل السُّور، ولحديث ابن عبَّاسٍ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السَّابعة، ونُقل عن حسين بن علي الجعفيِّ أنَّها ستُّ آياتٍ؛ لأنَّه لم يعدَّ البسملة، وعن عمرو بن عبيدٍ أنَّها ثمانٍ؛ لأنَّه عدَّها وعدَّ ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٠٦] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٤٧] وأبو داود في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ، وفي «التَّفسير» أيضًا و «فضائل القرآن»، وابن ماجه في «ثواب التَّسبيح». (٢) (باب: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]): الجمهور على جرِّ ﴿غَيرِ﴾ بدلًا من ﴿الَّذِينَ﴾ على المعنى، أو من ضمير ﴿عَلَيهِمْ﴾ ورُدَّ بأنَّ أصل «غير» الوصفيَّة، والإبدال بالأوصاف ضعيفٌ، وقد يقال: استعمل «غير» استعمال الأسماء؛ نحو: غيرك يفعل كذا، فجاز وقوعه بدلًا لذلك، وعن سيبويه: هو صفة لـ «الَّذِيْن»، ورُدَّ بأنَّ «غيرًا» لا تتعرَّف، وأجيب بأنَّ سيبويه نقل أنَّ ما إضافته غير محضةٍ قد يتمحَّض فيتعرَّف إلَّا الصِّفة المشبَّهة، و «غير» داخلٌ في هذا العموم، وقُرئ شاذًّا بالنَّصب، فقيل: حالٌ من ضمير ﴿عَلَيهِمْ﴾ وناصبها: ﴿أَنعَمتَ﴾ وقيل: من ﴿الَّذِينَ﴾ وعاملها معنى الإضافة، قال ابن كثيرٍ: والمعنى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] ممَّن تقدَّم وصفهم بالهداية والاستقامة غير صراط المغضوب عليهم؛ وهم الذين فسدت إرادتهم (٣) فعلموا الحقَّ وعدلوا عنه، و ﴿لَا﴾ صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾ وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضَّلالة لا يهتدون إلى الحقِّ، وأكَّد الكلام بـ ﴿لَا﴾ ليدلَّ على أنَّ ثَمَّ مَسْلَكين فاسدين؛ وهما طريقتا اليهود والنَّصارى. ومن أهل العربيَّة من زعم أنَّ ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدةٌ، والصَّحيح: ما سبق من أنَّها لتأكيد النَّفي؛ لئلَّا يُتوهَّم عطف ﴿الضَّالِّينَ﴾ على ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ وللفرق بين الطريقين ليُتَجنَّب (٤) كلٌّ منهما، فإنَّ طريقة أهل الإيمان

стр. 8105

مشتملةٌ على العلم بالحقِّ والعمل، واليهود فقدوا العمل، والنَّصارى فقدوا العلم؛ ولذا كان الغضب لليهود والضَّلال للنصارى؛ لأنَّ من عَلِم وتَرَك استحقَّ (١) الغضب؛ بخلاف من لم يعلم، والنَّصارى لمَّا كانوا قاصدين شيئًا لكنَّهم لم يهتدوا (٢) إلى طريقه؛ لأنَّهم لم يأتوا الأمر من بابه؛ وهو (٣) اتباع الرَّسول الحقِّ ضلُّوا، وكلٌّ من اليهود والنَّصارى ضالٌّ مغضوبٌ عليه، لكنَّ أخصَّ أوصاف اليهود الغضب، وأخصَّ أوصاف النَّصارى الضَّلال، وقد روى أحمد وابن حبَّان من حديث عديٍّ بن حاتمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «﴿المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ اليهود، و ﴿الضَّالِّينَ﴾ النَّصارى»، والمراد بالغضب هنا: الانتقام، وليس المراد به تغيُّرًا يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام؛ إذ هو محالٌ على الله تعالى، فالمراد: الغاية لا الابتداء (٤). ٤٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة (٥) وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة مصغَّرًا، مولى أبي (٦) بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ) في الصَّلاة: (﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ) بالمدِّ والقصر لغتان، ومعناها: استجب، فهي اسم فعلٍ بُني على الفتح، وقيل: اسمٌ من أسماء الله تعالى،

стр. 8106

التَّقدير: يا أمين، وضُعِّف بأنَّه لو كان كذلك لكان مبنيًّا على الضَّمِّ؛ لأنَّه منادًى مفردٌ معرفةٌ، ولأنَّ أسماء الله تعالى توقيفيَّة، ووجَّه الفارسيُّ قول من جعله اسمًا له تعالى (١) على (٢) معنى أنَّ فيه ضميرًا يعود عليه تعالى؛ لأنَّه اسم فعلٍ (فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ) بآمين (قَوْلَ المَلَائِكَةِ) بها (غُفِرَ لَهُ) أي: للقائل منكم (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) المتقدِّم كلِّه، فـ «من» بيانيَّةٌ لا تبعيضيَّةٌ، وظاهره يشمل الصَّغائر والكبائر، والحقُّ أنَّه عامٌّ خُصَّ منه ما يتعلَّق بحقوق النَّاس، فلا يُغفَر له (٣) بالتَّأمين للأدلَّة فيه، لكنَّه شاملٌ للكبائر، إلَّا أن يُدَّعى خروجها بدليلٍ آخر، وزاد الجرجانيُّ في «أماليه» في آخر هذا الحديث: «وما تأخر» (٤) وعن عكرمة ممَّا رواه عبد الرَّزَّاق قال: «صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإن وافق آمين في الأرض آمين في السَّماء غُفِر للعبد» وقد سبق مزيدٌ لهذا في: «باب جهر الإمام بالتَّأمين» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٨٠]. (((٢))) (بسم الله الرحمن الرحيم. سُورَةُ البَقَرَةِ) كذا لأبي ذرٍّ، وسقطت البسملة لغيره (﴿وَعَلَّمَ﴾) وفي نسخةٍ: «باب تفسير سورة البقرة، ﴿وَعَلَّمَ﴾» ولأبي ذرٍّ ممَّا وُجِد مكتوبًا بين أسطر «اليونينيَّة»: «باب قول الله

стр. 8107

تعالى: ﴿وَعَلَّمَ﴾» (﴿آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]) إمَّا بخلق علمٍ ضروريٍّ بها فيه أو إلقاءٍ في روعه، ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاحٍ للتَّسلسل (١)، والتَّعليمُ: فعلٌ يترتَّب عليه العلم غالبًا؛ ولذلك يقال: علَّمته فلم يتعلَّم، قاله البيضاويُّ، وظاهر الآية يقتضي أنَّ التَّعليم للأسماء، ويؤيِّده: ﴿بِأَسْمَاء هَؤُلاء﴾ [البقرة: ٣١] وقال الزَّمخشريُّ أي: أسماء المسمَّيات، فحذف المضاف إليه لكونه معلومًا مدلولًا عليه بذكر الأسماء؛ لأنَّ الاسم لا بدَّ له من مسمًّى، وعوَّض عنه اللام؛ كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] واعتُرِض بأنَّ كون اللام عوضًا عن الإضافة ليس مذهب البصريِّين، إنَّما قال به الكوفيُّون وبعض البصريِّين، والبصريُّون إنَّما قالوا ذلك في المُظهَر لا في المُضمَر، وبأنَّه لم يجعل المحذوف مضافًا إلى الأسماء، أي: مسمَّيات الأسماء؛ لينتظم تعليق الإنباء بالأسماء فيما ذَكَر بعد التَّعليم، وهو وإن قدَّر المضاف إليه وجعل الأسماء غير المسمَّيات لا يقول: إنَّ ما عَلَّمه آدم وعَلِمه وعجز عنه الملائكة هو مجرَّد الألفاظ واللُّغات من غير علمٍ بحقائق المسمَّيات وأحوالها ومنافعها؛ لظهور أنَّ الفضيلة والكمال إنَّما هي في ذلك، وإلى هذا ذهب من جعل الاسم نفس المسمَّى، أو حمل (٢) الكلام على حذف المضاف؛ أي (٣): مسمَّيات الأسماء، لكن يَرِدُ عليه أنَّه لا دلالة في الكلام على هذا التَّقدير، وجوابه: أنَّ الأحوال والمنافع أيضًا من جملة (٤) المسمَّيات التي عُلِّم أسماءها، ولا يتمُّ ذلك بدون معرفتها على وجهٍ تمتاز به عمَّا عداها، وهذا كافٍ، قاله في «المصابيح»، واختُلِف في المراد بـ ﴿الأَسْمَاء﴾ فقيل: أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل: أسماء كلِّ شيءٍ حتَّى القصعة.

стр. 8108

٤٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ، وسقط لأبي ذرٍّ «بن إبراهيم» قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). قال البخاريُّ: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ العُصْفُريُّ -بضمِّ العين وسكون الصَّاد المهملتين وضمِّ الفاء- البصريُّ، على سبيل المذاكرة أو (١) التَّحديث: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بتقديم الزَّاي مصغَّرًا، أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) ولأبي ذرٍّ: «ويجتمع» بواو العطف على محذوفٍ بيَّنه في روايةٍ له (فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا) «لو» هي المتضمِّنة للتَّمنِّي (٢) والطَّلب، أي: لو استشفعْنَا أحدًا إلى ربِّنا فيشفع لنا، فيخلِّصنا ممَّا نحن فيه من الكرب (فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو (٣) النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) وضع «شيئًا» موضع «أشياء» أي: المسمَّيات؛ إرادةً

стр. 8109

للتَّقصِّي واحدًا فواحدًا، حتَّى يستغرق المسمِّيات كلَّها (فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا) بالرَّاء من الإراحة (مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) أي: لست في المكانة والمنزلة التي تحسبونني؛ يريد: مقام الشَّفاعة (وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ) وهو قربان الشَّجرة والأكل منها (فَيَسْتَحِي) بكسر الحاء، ولأبي ذرٍّ: «فيستحْيي» بسكونها وزيادة تحتيَّةٍ (ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) بالإنذار وإهلاك قومه؛ لِأنَّ (١) آدم كانت رسالته بمنزلة التَّربية والإرشاد للأولاد، وليس المراد بقوله: «بعثه الله إلى أهل الأرض» عموم بعثته، فإنَّ ذا من خصوصيَّات نبيِّنا ﷺ ، فإنَّ هذا إنَّما حصل له بالحادث الذي وقع؛ وهو انحصار الخلق في الموجودين (٢) بعد هلاك سائر النَّاس بالطُّوفان، فلم يكن ذلك في أصل بعثته، وأمَّا الاستدلال على عموم رسالته بدعائه على جميع من في الأرض، فأُهلكوا بالغرق إلَّا أهل السَّفينة؛ لأنَّه لو لم يكن مبعوثًا إليهم لَمَا أُهلكوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقد ثبت أنَّه أوَّل الرُّسل؛ فأُجيب بجواز أن يكون غيره أُرسِل إليهم في أثناء مدَّة نوحٍ، وبأنَّهم (٣) لم يؤمنوا، فدعا على مَن لم يُؤمن مِن قومه وغيرهم (٤) فأُجيبَ، لكن لم يُنقل أنَّه نُبِّئ في زمن نوحٍ ﵊ غيره فالله أعلم (فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) قال عياضٌ: كنايةٌ عن أنَّ منزلته دون هذه المنزلة تواضعًا، أو أنَّ كلًّا منهم يشير إلى أنَّها ليست له بل لغيره (وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ) المحكيَّ (٥) عنه في القرآن بقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أي: وعدتني أن تنجِّي أهلي من الغرق، وسأل أن ينجِّيه من الغرق، وفي نسخةٍ: «لربِّه» (مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ) حالٌ من الضَّمير المضاف إليه في سؤاله (٦)، أي: صادرًا عنه بغير علمٍ، أو من المضاف، أي: متلبِّسًا بغير علمٍ، و «ربَّه» مفعول «سؤالَه» وكان يجب عليه ألَّا يسأل، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] أي: ما شعرتَ مَنِ المرادُ بالأهل -وهو من آمن وعمل صالحًا- وأنَّ ابنك عمل غير صالح (فَيَسْتَحْيِي) ولغير أبي ذرٍّ بياءٍ

стр. 8110

واحدةٍ وكسر الحاء (فَيَقُولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ) إبراهيم ﵊ (فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحْيِي مِنْ رَبِّهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «فيستحِي» بياءٍ واحدةٍ وكسر الحاء، ولا يقدح ذلك في عصمته؛ لكونه خطأً، وإنَّما عدَّه من عمل الشَّيطان، وسمَّاه (١) ظلمًا، واستغفر عنه (٢) -كما في الآية- على عادتهم في استعظام محقَّراتٍ فرطت منهم (فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَةَ اللهِ) لأنَّه وُجِد بأمره تعالى دون أبٍ (وَرُوحَهُ) أي: ذا روحٍ صَدَر منه، لا بتوسُّط ما يجري مجرى الأصل والمَّادة له، وقيل: لأنَّه كان يحيي الأموات والقلوب (فَيَقُولُ) أي: بعدما يأتونه (٣): (لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لغير أبي (٤) ذرٍّ (عَبْدًا) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «عبدٌ» (٥) (غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) عن سهوٍ وتأويلٍ (وَمَا تَأَخَّرَ) بالعصمة، أو أنَّه مغفورٌ له غير مؤاخذٍ بذنبٍ لو وقع (فَيَأْتُونِي) ولأبي ذرٍّ: «فيأتونني» بنونين، وفيه إظهار شرف نبيِّنا ﵊ كما لا يخفى (فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ) بالرَّفع عطفًا على «أنطلقُ» ولأبي ذرٍّ: «فيؤذنَ» بالنصب عطفًا على المنصوب في قوله: «حتى أستأذنَ» (فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ) ولغير أبي ذرٍّ: «ما شاء الله» (ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ) وسقط (٦) لأبي ذرٍّ لفظة «رأسك» (وَسَلْ) بفتح السِّين من غير ألف وصلٍ (تُعْطَهْ) بهاءٍ بعد الطَّاء (وَقُلْ يُسْمَعْ) أي: قولك (٧) (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) أي: تُقبَل شفاعتك (فَأَرْفَعُ رَأْسِي) من السُّجود (فَأَحْمَدُهُ) تعالى (بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ) بضمِّ الميم (ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِيَ) -بفتح الياء- تعالى (حَدًّا) أي: يبيِّن لي قومًا أشفع فيهم، كأن يقول: شفَّعتك فيمن أخلَّ بالصَّلوات (٨) (فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ)

стр. 8111

تعالى (فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي … مِثْلَهُ) أي: أفعل مثل ما سبق من السُّجود، ورفع الرَّأس، وغيره (ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا) كأن يقول: شفَّعتك فيمن زنى، أو فيمن شرب الخمر مثلًا (فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ (١)، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ) أي: حكم بحبسه أبدًا (وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ) وهم الكفَّار (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ؛ يَعْنِي: قَوْلَ اللهِ تَعَالَى) أي: في الكفَّار: (﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢]) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «إلَّا من» واستُشكل سياق هذا الحديث من جهة كون المطلوب الشَّفاعة؛ للإراحة من موقف العرصات؛ لِمَا يحصل لهم من ذلك الكرب الشَّديد، لا للإخراج (٢) من النَّار، وأجيب بأنَّه قد انتهت حكاية الإراحة عند لفظ «فيؤذن لي» وما بعده هو زيادةٌ على ذلك، قاله الكِرمانيُّ، وقال الطِّيبيُّ: لعلَّ المؤمنين صاروا فرقتين؛ فرقةً سيق بهم إلى النَّار من غير توقُّفٍ، وفرقةً حُبِسوا في المحشر واستَشْفعوا به ﷺ ، فخلَّصهم ممَّا هم فيه وأدخلهم الجنَّة، ثمَّ شرع في شفاعة الدَّاخلين النَّار زُمَرًا بعد زُمَرٍ، كما دلَّ عليه قوله: «فيَحدُّ لي حدًّا … » إلى آخره، فاختَصَر الكلام، وقال في «فتوح الغيب»: إيراد قصَّةٍ واحدةٍ في مقاماتٍ متعدِّدةٍ بعباراتٍ مختلفةٍ وأنحاءٍ شتًّى بحيث لا تغيير ولا تناقض ألبتَّة من فصيح الكلام وبليغه، وهو بابٌ من (٣) الإيجاز المختصِّ بالإعجاز، ويحتاج في التَّوفيق إلى قانونٍ يُرجَع إليه، وهو أن يُعمَد (٤) إلى الاقتصاصات المتفرِّقة ويُجعل لها أصلٌ بأن يؤخذ من المباني ما هو أجمع للمعاني، فما نقص فيه من تلك المعاني شيءٌ يُلحق به. انتهى. وقال في «شرح المشكاة»: أو يُراد بالنَّار: الحبس والكربة (٥)، وما يكونون فيه من الشِّدَّة، ودنوِّ الشَّمس إلى رؤوسهم وحرِّها وإلجامهم بالعرق، وبالخروج: (٦) الخلاص منها. وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٠]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الزُّهد».

стр. 8112

(٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ. (قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله عبد بن حميدٍ عن ورقاء عن ابن أبي نَجيحٍ عنه في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ﴾ (﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]) أي: (أَصْحَابِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِينَ) وسُمُّوا شياطين؛ لأنَّهم ماثَلُوا الشَّياطين في تمرُّدهم، وهم المظهرون كفرهم، وإضافتهم إليهم (٢) للمشاركة في الكفر، قال القطب: وهو استعارةٌ، وإضافة الشَّياطين إليهم قرينة الاستعارة. وقال مجاهدٌ أيضًا -فيما وصله عبد بن حميدٍ بالإسناد المذكور- في قوله (٣) تعالى: ﴿واللّهُ﴾ (﴿مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩]) أي: (اللهُ جَامِعُهُمْ) زاد الطَّبريُّ: في جهنَّم، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ أي: لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، وجملة ﴿واللّهُ مُحِيطٌ﴾ اعتراضٌ لا محلَّ لها، وقال القطب: فهو استعارةٌ تمثيليَّةٌ؛ شبَّه حال تقريع الكفَّار في أنَّهم لا يفوتونه ولا محيص لهم عن عذابه بحال المحيط بالشَّيء في أنَّه لا يفوته المحاط به، واستُعير لجانب المشبَّه الإحاطة، وقوله: «والجملة اعتراضٌ لا محلَّ لها» قال أبو حيَّان: لأنَّها دخلت بين هاتين الجملتين؛ وهما: ﴿يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ ة﴾ و ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: ١٩ - ٢٠] وهما من قِصَّةٍ واحدةٍ.

стр. 8113

(﴿صِبْغَةَ﴾) أي: (دِيْنَ) يريد قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] وهذا وصله أيضًا عبد بن حميدٍ عن مجاهدٍ أيضًا، وقال البيضاويُّ أي: صبغنا الله صبغته؛ وهي فطرة الله التي فطر النَّاس عليها، فإنَّها حلية الإنسان، كما أنَّ الصِّبغة تحلية المصبوغ. وقال مجاهدٌ أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ﴾ (﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]) أي: (عَلَى المُؤْمِنِينَ حَقًّا (١)) وصله عنه (٢) عبد بن حميدٍ. (قَالَ مُجَاهِدٌ) أيضًا: (﴿بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]) أي: (يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ) وصله عنه عبد بن حميدٍ أيضًا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله (٣): «قال مجاهدٌ». (وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) -فيما وصله ابن أبي حاتمٍ عنه- في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم﴾ (﴿مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]) أي: (شَكٌّ). وقال (٤) أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتمٍ عنه في قوله تعالى: ﴿نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ (﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]) أي: (عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ) أي: من بعدهم من النَّاس، وقوله تعالى: (﴿لاَّ شِيَةَ﴾) ﴿فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] بالياء من غير همزٍ، أي: (لَا بَيَاضَ) فيها. (وَقَالَ غَيْرُهُ) هو أبو عبيدٍ القاسم بن سلَّام في قوله تعالى: (﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]) أي: (يُوْلُونَكُمْ): بضمِّ أوَّله وسكون الواو، وقال في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ (﴿الْوَلَايَةُ﴾ [الكهف: ٤٤]): (مَفْتُوحَةٌ) واوها: (مَصْدَرُ الوَلَاءِ) بفتح الواو والمدِّ (وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، وإِذَا (٥) كُسِرَتِ الوَاوُ؛ فَهِيَ الإِمَارَةُ) بكسر الهمزة، وإنَّما ذكر هذه ليؤيِّد بها تفسير ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: يُوْلُونكم. (وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ) ذكره الفرَّاء في «معاني القرآن» عن عطاءٍ وقتادة. (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله عبد بن حميدٍ في قوله تعالى: (﴿فَبَآؤُواْ﴾ [البقرة: ٩٠]) أي: (فَانْقَلَبُوا).

стр. 8114

(وَقَالَ غَيْرُهُ) في قوله تعالى: (﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]) أي: (يَسْتَنْصِرُونَ) كذا قاله أبو عبيدة (١)، أي: على المشركين، ويقولون: اللهمَّ انصرنا بنبيِّ آخر الزَّمان المنعوت في التَّوراة. وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا﴾ (﴿شَرَوْاْ﴾) ﴿بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: (بَاعُوا). وقوله تعالى: (﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]: مِنَ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا؛ قَالُوا: رَاعِنًا) بالتَّنوين صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولًا ذا رَعَن، نسبةً إلى الرَّعَن (٢)، والرُّعونة: الحمق، والجملة في محلِّ نصبٍ بالقول. وفي قوله تعالى: (﴿لاَّ تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨]) أي: (لَا تُغْنِي). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ﴾ (﴿خُطُوَاتِ﴾) ﴿الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]: (مِنَ الخَطْوِ، وَالمَعْنَى: آثَارَهُ) أي: آثار الشَّيطان، وجميع ما ذكر (٣) من قوله: «قال مجاهدٌ» التَّالي الباب إلى هنا ثابتٌ للمستملي والكُشْميهَنيِّ، ساقطٌ للحَمُّويي. (٣) (قَوْلُهُ (٤) تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾) جمع نِدٍّ؛ وهو المِثْل والنَّظير (﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]) حالٌ من ضمير ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ﴾ ومفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ متروكٌ، أي: وحالكم أنَّكم من ذوي العلم والنَّظر وإصابة الرَّأي، فلو تأمَّلتم أدنى تأمُّلٍ؛ اضطرَّ عقلكم إلى إثبات موجدٍ للممكنات (٥)، منفردٍ بوجود الذَّات، متعالٍ عن مشابهة المخلوقات، أو له مفعولٌ، أي: وأنتم تعلمون أنَّه (٦) الذي خلق ما ذكر، أو وأنتم (٧) تعلمون أن (٨) لا ندَّ له، وعلى كلا التَّقديرين

стр. 8115

متعلَّق العلم محذوفٌ، إمَّا حوالةً على العقل (١) أو للعلم به، وسقط لأبي ذرٍّ «قوله (٢) تعالى» فقط. ٤٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الحافظ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الرَّازيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز؛ شقيق ابن سلمة (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ) بالصَّرف وعدمه، الهَمْدانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) أي: مثلًا ونظيرًا (وَهْوَ خَلَقَكَ) وغيره لا يستطيع خَلْقَ شيءٍ، فوجود الخَلْق يدلُّ على الخالق، واستقامة الخَلْق تدلُّ على توحيده، ولو كان المدبِّر اثنين؛ لم يكن على الاستقامة؛ ولذا قال موحِّد الجاهليَّة زيد بن عمرو بن نُفَيلٍ: أربًّا واحدًا أم ألفَ ربٍّ … أدينُ إذا تقسَّمتِ الأمورُ تركتُ اللاتَ والعزَّى جميعًا … كذلك يفعلُ الرَّجلُ البصيرُ (قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) بالتَّشديد من غير تنوينٍ، قال الفاكهانيُّ: لأنَّه موقوفٌ عليه في كلام السَّائل، ينتظر الجواب منه ﵊، والتنوين لا يوقف عليه إجماعًا، وتنوينه مع وصله بما بعده خطأٌ، بل ينبغي أن يوقف عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يؤتى بما بعده. انتهى. قال في «المصابيح»: هذا عجيبٌ؛ فإنَّ (٣) الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعي حال المحكيِّ عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته التي هو فيها، وقد قيَّده ابنُ الجوزيِّ في «مشكل الصَّحيحين» بالتَّشديد والتَّنوين -كما في الفرع- وقال:

стр. 8116

هكذا سمعته من ابن الخشَّاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه؛ لأنَّه اسمٌ معربٌ غير مضافٍ (١) (قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ) في الفرع بإسقاط الواو، وثبتت في أصله (وَلَدَكَ) حال كونك (تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ (٢): ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام الأولى، أي: زوجته (٣)؛ فإنَّه زِنًى وإبطالٌ لِمَا أوصى الله تعالى به من حفظ حقوق الجيران. وهذا الحديث أورده (٤) هنا أيضًا، وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢٠] و «الأدب» [خ¦٦٠٠١] و «المحاربين» [خ¦٦٨١١]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ فيه و «الرَّجم» و «المحاربة». (٤) (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾) سخَّر الله تعالى لهم السَّحاب يظلُّهم (٥) من الشَّمس حين كانوا في التِّيه، وسقط لأبي ذرٍّ «قوله تعالى» (﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]) بالكفر، وسقط لأبي ذرٍّ قوله تعالى «﴿مِن طَيِّبَاتِ﴾ إلى آخر ﴿أَنفُسَهُمْ﴾»، وقال بعد ﴿كُلُواْ﴾: «إلى ﴿يَظْلِمُونَ﴾» (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ عنه: (المَنُّ: صَمْغَةٌ، وَالسَّلْوَى: الطَّيْرُ) وعن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ قال: «كان المنُّ ينزل على الشَّجر فيأكلون منه ما شاؤوا». ٤٤٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ)

стр. 8117

ابن عُمَيرٍ القرشيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بضمِّ الحاء مصغَّرًا، و «عمرٌو»: بفتح العين وسكون الميم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أحد العشرة (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : الكَمْأَةُ) بفتح الكاف وسكون الميم والهمزة المفتوحة، شيءٌ ينبت بنفسه من غير استنبات وتكلُّف مؤنة أجرٍ (١) (مِنَ المَنِّ) لأنَّها تسقط بلا كلفةٍ (٢) (وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) إذا رُبِيَ بها الكحلُ والتَّوتياءُ وغيرهما ممَّا يُكتَحل به (٣)، أمَّا إذا اكتُحِل بها مفردةً (٤) فلا؛ لأنَّه يؤذي العين، وقال النَّوويُّ: الصَّواب أنَّ مجرَّد مائها شفاءٌ مطلقًا، وإنَّما وُصفَت الكمأة بذلك؛ لأنَّها من الحلال الذي ليس في اكتسابه شبهةٌ، واعترض الخطَّابيُّ وغيره بإدخال هذا هنا؛ فإنَّه ليس المراد أنَّها نوعٌ من المنِّ المنزَّل على بني إسرائيل؛ فإنَّ ذلك شيءٌ كالتَّرنجبين (٥)، وإنَّما معناه أنَّها تنبت بنفسها من غير استنباتٍ ولا مؤنةٍ، وأجيب بأنَّه وقع في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عميرٍ في حديث الباب: «من المنِّ الذي أُنزِل على بني إسرائيل» فظهرت المناسبة على ما لا يخفى. (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾) أي: بيت المقدس (﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾) نُصِب على المصدر أو الحال من الواو، أي: واسعًا (﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ﴾) أي: باب القرية (﴿سُجَّداً﴾) حالٌ من فاعل ﴿ادْخُلُواْ﴾ وهو جمع «ساجدٍ» أي: متطامِنين مُخبِتين، أو ساجدين لله شكرًا على إخراجكم (٦) من التِّيه (﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾) بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: مسألتنا حطَّةٌ، قال الزَّمخشريُّ: والأصل النَّصب بمعنى: حُطَّ عنَّا ذنوبنا حِطَّةً، ورُفعَت لتعطي معنى

стр. 8118

الثَّبات، وتكون الجملة في محلِّ نصبٍ بالقول (﴿َّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾) مجزومٌ في جواب الأمر، أي: بسجودكم ودعائكم (﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]) ثوابًا، ولأبي ذرٍّ: «﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ الآية» وسقط ما بعده (١). (﴿رَغَداً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً﴾ [البقرة: ٣٥] قال أبو عبيدة: (وَاسِعٌ كَثِيرٌ) وفي نسخةٍ: «واسعًا كثيرًا» بالنَّصب، وهذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ، ساقطٌ لغيرهما. ٤٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ونسبه ابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ -كما في «الفتح» - فقال: «محمَّد بن سَلَام» قال الحافظ ابن حجرٍ: ويحتمل عندي أن يكون محمَّدَ بن يحيى الذُّهليَّ؛ فإنَّه يروي عن عبد الرَّحمن بن مهديٍّ أيضًا، وقال الجيَّانيُّ: الأشبه أنَّه محمَّد ابن بشَّار؛ بتشديد المعجمة، وزاد الكِرمانيُّ: أو ابن المثنَّى، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) أبو سعيدٍ البصريُّ، قال ابن المدينيِّ: ما رأيت أعلم منه (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، هو ابن راشدٍ الأزديُّ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد الميم الأولى، و «منبِّه» بتشديد الموحَّدة المكسورة، ابن كاملٍ الصَّنعانيِّ، أخي وهبٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) لمَّا خرجوا من التِّيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نونٍ ﵊، وفتح الله تعالى عليهم بيت المقدس عشيَّة جمعةٍ، وقد حُبِسَت لهم الشَّمس قليلًا حتى أمكن الفتح: (﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ﴾) باب البلد (﴿سُجَّداً﴾) شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنَّصر، وردِّ بلدهم إليهم، وإنقاذهم من التِّيه، وعن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ: ﴿سُجَّداً﴾ قال: ركَّعًا، وعن بعضهم: المراد به الخضوع؛ لتعذُّر حمله على حقيقته (﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]) قيل: أُمروا أن يقولوها على هذه الكيفيَّة بالرَّفع على الحكاية، وهي في محلِّ نصبٍ بالقول، وإنَّما مَنَع النَّصبَ حركةُ الحكاية، وتقدَّم قريبًا أنَّها أُعرِبَت خبر مبتدأ محذوفٍ، ومعناها: اسمٌ للهيئة من الحطِّ؛ كالجِلْسَة، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما

стр. 8119

رواه ابن أبي حاتمٍ- قال: «قيل لهم: قولوا: مغفرةً» (فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ) بفتح الحاء المهملة (عَلَى أَسْتَاهِهِمْ) بفتح الهمزة وسكون المهملة، أي: أوراكهم (فَبَدَّلُوا) أي: غيَّروا السُّجود بالزَّحف (وَقَالُوا: حِطَّةٌ) كما قيل، وزادوا على ذلك مستهزئين: (حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ) بفتح العين والرَّاء، وفي روايةٍ: «حنطةٌ» بالنُّون بدل: «حطَّةٌ»، وللكُشْميهَنيِّ في «الأعراف» [خ¦٤٦٤١]: «في شَعِيرةٍ» بزيادة تحتيَّةٍ بعد كسر العين المهملة، وحاصل الأمر: أنَّهم أُمِروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم، فخالفوا غاية المخالفة، ولذا قال الله تعالى في حقِّهم: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] والمراد بالرِّجز: الطَّاعون، قيل: إنَّه مات به في ساعةٍ أربعةٌ وعشرون ألفًا. (٦) (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿مَن كَانَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿مَن كَانَ﴾» (﴿عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]) قال ابن جريرٍ (١): أجمع أهلُ العلم بالتَّأويل أنَّ هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أنَّ جبريل عدوٌّ لهم، وأن ميكائيل وليٌّ لهم (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ: (جَبْرَ) بفتح الجيم وسكون الموحَّدة (وَمِيكَ) بكسر الميم (وَسَرَافِ) بفتح السِّين المهملة وتخفيف الرَّاء وبالفاء المكسورة؛ الأوَّل من جبريل، والثَّاني من ميكائيل، والثَّالث من إسرافيل؛ معنى الثَّلاثة: (عَبْدٌ، إِيْل) بكسر الهمزة وسكون التَّحتيَّة، معناها في الثَّلاثة: (اللهُ) أي: جبريل عبدُ الله، وميكائيل عبدُ الله، وإسرافيل عبدُ الله، وقال بعضُهم: جبريل: اسم ملكٍ أعجميٍّ؛ فلذلك لم ينصرف للعجمة والعلميَّة، ومن قال: هو مشتقٌّ أو مركَّب تركيبَ إضافةٍ؛ رُدَّ قوله؛ لأنَّ الأعجميَّ لا يدخله الاشتقاق العربيُّ، ولأنَّه لو كان مركَّبًا تركيب الإضافة؛ لكان مصروفًا (٢).

стр. 8120

٤٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة آخره راءٌ، أبو عبد الرَّحمن المروزيُّ الزَّاهد أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، ابن حبيب السَّهميَّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام (بِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «بمَقْدَم» مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القُدوم، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَقْدَم رسول الله» بحذف الجارِّ، زاد في «بابِ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]» من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٣٢٩]: «المدينة» (وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ) بالخاء المعجمة السَّاكنة والفاء، أي: يجتني من ثمارها (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ) أي: عن ثلاث مسائل (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة، أي: علاماتها (وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ) بالزَّاي المكسورة وآخره عينٌ مهملةٌ، أي: يُشْبه أباه ويذهب إليه (أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ) ﵊: (أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا) بمدِّ الهمزة وكسر النُّون (قَالَ) ابن سلَام: (جِبْرِيلُ؟! قَالَ) ﵊: (نَعَمْ، قَالَ) ابن سلَام: (ذَاكَ) كذا في «اليونينيَّة» وفي الفرع: «ذلك» باللام (عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ

стр. 8121

عند أحمد أنَّهم قالوا: إنَّه (١) ليس من نبيٍّ إلَّا له ملَكٌ يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: «جبريل»، قالوا: جبريل؟! (٢) ذاك ينزل بالحرب والقتال عدوُّنا، لو قلتَ: ميكائيل الذي ينزل بالرَّحمة والنَّبات والقطر لكان (فَقَرَأَ) ﵊ (هَذِهِ الآيَةَ) ردًّا على قولهم، أو قرأها الرَّاوي استشهادًا بها: (﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ﴾) أي: جبريل (﴿نَزَّلَهُ﴾) أي: القرآن (﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]) لأنَّه القابل للوحي ومحلُّ الفهم والحفظ، وكان حقَّه أن يقول: على قلبي، لكنَّه جاء على حكاية كلام الله تعالى، كأنَّه قال: قل ما تكلمت به، وزاد في رواية أبي ذرٍّ: «﴿بِإِذْنِ اللّهِ﴾» أي: بأمره تعالى (أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؛ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ) ولأبي الوقت: «أوَّل طعامٍ يأكله أهل الجنَّة» (فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الحوت» وهي القطعة المنفردة المتعلِّقة بالكبد، وهي أطيبها وأهنأ الأطعمة (وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ؛ نَزَعَ الوَلَدَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: جذبه إليه (وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرْأَةِ) أي: ماء الرَّجل (نَزَعَتْ) أي: جذبته إليها (قَالَ) ابن سلَام: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ) بضمِّ الموحَّدة والهاء في «اليونينيَّة» وفرعها، وفي نسخةٍ: بسكون الهاء، قال الكِرمانيُّ: جمع بَهُوت؛ وهو الكثير البهتان، وقيل: «بُهُتٌ» أي: كذَّابون ممارون (٣) لا يرجعون إلى الحقِّ (وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ؛ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ اليَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ) (٤) بن سلامٍ (فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا) «أفعل» تفضيل (وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ) ﵊: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟) سقط «بن سَلَامٍ» لأبي ذرٍّ (فَقَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ (٥) مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَانْتَقَصُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «فانتقصوه» بالفاء بدل الواو (قَالَ) ابن سَلَام: (فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ).

стр. 8122

وهذا الحديث ذكره المؤلِّف قبيل «المغازي» [خ¦٣٩٣٨] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٢٩]. (٧) (بابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]) بفتح نون ﴿نَنسَخْ﴾ الأولى وسينها، مضارع «نَسَخَ»، وضمَّ ابن عامرٍ النُّون وكسرَ السِّين، مضارع «أنسخ» ولأبي ذرٍّ: «﴿نُنسِهَا﴾» بضمِّ النُّون الأولى وسكون الثَّانية (١) من غير همزٍ، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ والكوفيِّين؛ من التَّرك، والأُولَى من التَّأخير، وزاد أبو ذرٍّ: «﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾» و ﴿مَا﴾: مفعولٌ مقدَّمٌ لـ ﴿نَنسَخْ﴾ وهي شرطيَّةٌ جازمةٌ له، والتَّقدير: أيَّ شيءٍ ننسخ، وقيل: شرطيَّةٌ جازمةٌ لـ ﴿نَنسَخْ﴾ واقعةٌ موقع المصدر، و ﴿مِنْ آيَةٍ﴾: هو المفعول به، والتَّقدير: أيَّ نسخٍ ننسخ آيةً، ورُدَّ بأنَّه يلزم من هذا خلوُّ جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشَّرط؛ وهو لا يجوز، و ﴿مِنْ آيَةٍ﴾: للتَّبعيض؛ فهي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّها صفةٌ لاسم الشَّرط، والنَّسخ لغةً: الإزالة أو النَّقل من غير إزالةٍ، ونسخ الآية: بيان انتهاء التَّعبُّد بقراءتها (٢)، أو الحكم المستفاد منها، أو بهما جميعًا، فمثال نسخ قراءتها وإبقاء حكمها نحو: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا؛ فارجموهما» والحكم فقط نحو: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] والحكم والتِّلاوة نحو: «عشر رضعاتٍ يحرِّمن» روى مسلمٌ عن عائشة: «كان فيما أُنزِل: عشر رضعاتٍ معلوماتٍ، فنُسخَت بخمسٍ» ويكون بلا بدلٍ كالصَّدقة أمام نجواه ﵊، وببدلٍ مماثلٍ كالقِبْلة، وأخفَّ كعدَّة الوفاة، وأثقل كنسخ التَّخيير بين صوم شهر (٣) رمضان والفدية، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ٤٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) (٤) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون

стр. 8123

الميم، البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ حَبِيبٍ) هو ابن أبي ثابتٍ، واسمه: قيس بن دينارٍ الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَقْرَؤُنَا) أي: لكتاب الله تعالى (أُبَيٌّ) هو ابن كعبٍ (وَأَقْضَانَا) أي: أعلمنا بالقضاء (عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (وَإِنَّا لَنَدَعُ) أي: نترك (مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ؛ وَذَاكَ) بألفٍ من غير لامٍ (أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «سمعت» (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) كان لا يقول بنسخ تلاوة شيءٍ من القرآن؛ لكونه لم يبلغه النَّسخ، فردَّ عليه عمر بقوله: (وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]) فإنَّه يدلُّ على ثبوت النَّسخ في البعض، ولأبي ذرٍّ: «﴿َوْ نُنسِهَا﴾» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه. وهذا الحديث موقوفٌ، وأخرجه التِّرمذيُّ عن أنسٍ مرفوعًا، وعند البغويِّ مرفوعًا أيضًا: «أقضى أمَّتي عليُّ بن أبي طالبٍ». (٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]) نزلت ردًّا على النَّصارى لمَّا قالوا: المسيح ابن الله، واليهود لمَّا قالوا: عزيرٌ ابن الله، ومشركو العربِ: الملائكةُ بناتُ اللهِ. ٤٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين، القرشيِّ النَّوفليِّ الكوفيِّ أنَّه (٢) قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة، ابن مطعمٍ القرشيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)

стр. 8124

أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ) تعالى: (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) بتشديد الذَّال المعجمة، من التَّكذيب؛ وهو نسبة المتكلِّم إلى أنَّ خبره خلاف الواقع، والمراد: البعض من بني آدم (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «ولم يكن ذلك له» بالتَّقديم والتَّأخير (وَشَتَمَنِي) من الشَّتم؛ وهو توصيف الشَّخص بما هو (١) إزراءٌ ونقصٌ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب والشَّتم (فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ) ووقع في رواية الأعرج في «سورة الإخلاص» [خ¦٤٩٧٤]: «وليس أوَّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ) وإنَّما كان شتمًا لِمَا فيه من التَّنقيص؛ لأنَّ الولد إنَّما يكون عن والدة (٢) تحمله ثمَّ تضعه، ويستلزم ذلك سبق النِّكاح، والنَّاكح (٣) يستدعي باعثًا له على ذلك، والله تعالى منزَّه عن ذلك (فَسُبْحَانِي) أي: تنزَّهت (أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا!) «أن»: مصدريَّةٌ، أي: من اتِّخاذي الزَّوجة والولد، لمَّا كان البارئ واجب الوجود لذاته، قديمًا موجودًا قبل وجود الأشياء، وكان كلُّ مولودٍ (٤) مُحْدثًا؛ انتفت عنه الوالديَّة، ولمَّا كان لا يشبهه أحدٌ من خلقه، ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبةٌ فيتوالد؛ انتفت عنه الولديَّة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]؟ (٩) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَاتَّخِذُواْ﴾) وسقط لغير (٦) أبي ذرٍّ «باب» وقال بدله: «قوله: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾» (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) بكسر خاء ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ بلفظ الأمر، فقيل: عطفٌ على ﴿اذْكُرُواْ﴾ [البقرة: ١٢٢] إذا قيل: إنَّ الخطاب هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتَّخِذوا

стр. 8125

من مقام إبراهيم (١)، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ ماضيًا بلفظ الخبر، قيل: عطفًا على ﴿جَعَلْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥] أي: واتَّخذ النَّاس من (٢) مقامه الموسوم به -يعني: الكعبة- قبلةً يصلُّون إليها (﴿مَثَابَةً﴾ [البقرة: ١٢٥]) قال أبو عبيدة في تفسيره: (يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ) وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه الطَّبريُّ قال: «يأتونه، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم، ثمَّ يعودون إليه لا يقضون منه وطرًا». ٤٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات، ابن مسرهَدٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) ابن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه: (وَافَقْتُ اللهَ) ولأبي الوقت (٣): «وافقت ربِّي» (فِي ثَلَاثٍ) أي: قضايا (أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ) بالشَّكِّ، وذكر الثَّلاث لا يقتضي نفي غيرها، فقد رُوِي عنه موافقاتٌ بلغت خمسة عشر؛ كقصَّة الأسارى (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، وسقط «من» في الفرع كأصله، وزاد في «باب ما جاء في القبلة» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٠٢]: فنزلت: «﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]» (وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ يَدْخُلُ عَلَيْكَ) أي: في حجر (٤) أمَّهات المؤمنين (البَرُّ وَالفَاجِرُ) أي: الفاسق، وهو مقابل البَرِّ (فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ) وجواب «لو» محذوفٌ في الموضعين، أو هي للتَّمنِّي فلا تفتقر لجوابٍ، وعند ابن مالكٍ: هي «لو» المصدريَّة أغنت عن فعل التَّمنِّي (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الحِجَابِ) وثبت قوله: «فأنزل الله آية الحجاب» في «اليونينيَّة»
следующие страницы →