عند أحمد أنَّهم قالوا: إنَّه (١) ليس من نبيٍّ إلَّا له ملَكٌ يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: «جبريل»، قالوا: جبريل؟! (٢) ذاك ينزل بالحرب والقتال عدوُّنا، لو قلتَ: ميكائيل الذي ينزل بالرَّحمة والنَّبات والقطر لكان (فَقَرَأَ) ﵊ (هَذِهِ الآيَةَ) ردًّا على قولهم، أو قرأها الرَّاوي استشهادًا بها: (﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ﴾) أي: جبريل (﴿نَزَّلَهُ﴾) أي: القرآن (﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]) لأنَّه القابل للوحي ومحلُّ الفهم والحفظ، وكان حقَّه أن يقول: على قلبي، لكنَّه جاء على حكاية كلام الله تعالى، كأنَّه قال: قل ما تكلمت به، وزاد في رواية أبي ذرٍّ: «﴿بِإِذْنِ اللّهِ﴾» أي: بأمره تعالى (أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؛ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ) ولأبي الوقت: «أوَّل طعامٍ يأكله أهل الجنَّة» (فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الحوت» وهي القطعة المنفردة المتعلِّقة بالكبد، وهي أطيبها وأهنأ الأطعمة (وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ؛ نَزَعَ الوَلَدَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: جذبه إليه (وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرْأَةِ) أي: ماء الرَّجل (نَزَعَتْ) أي: جذبته إليها (قَالَ) ابن سلَام: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ) بضمِّ الموحَّدة والهاء في «اليونينيَّة» وفرعها، وفي نسخةٍ: بسكون الهاء، قال الكِرمانيُّ: جمع بَهُوت؛ وهو الكثير البهتان، وقيل: «بُهُتٌ» أي: كذَّابون ممارون (٣) لا يرجعون إلى الحقِّ (وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ؛ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ اليَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ) (٤) بن سلامٍ (فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا) «أفعل» تفضيل (وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ) ﵊: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟) سقط «بن سَلَامٍ» لأبي ذرٍّ (فَقَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ (٥) مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَانْتَقَصُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «فانتقصوه» بالفاء بدل الواو (قَالَ) ابن سَلَام: (فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ).
стр. 8122
وهذا الحديث ذكره المؤلِّف قبيل «المغازي» [خ¦٣٩٣٨] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٢٩].
(٧) (بابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]) بفتح نون ﴿نَنسَخْ﴾ الأولى وسينها، مضارع «نَسَخَ»، وضمَّ ابن عامرٍ النُّون وكسرَ السِّين، مضارع «أنسخ» ولأبي ذرٍّ: «﴿نُنسِهَا﴾» بضمِّ النُّون الأولى وسكون الثَّانية (١) من غير همزٍ، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ والكوفيِّين؛ من التَّرك، والأُولَى من التَّأخير، وزاد أبو ذرٍّ: «﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾» و ﴿مَا﴾: مفعولٌ مقدَّمٌ لـ ﴿نَنسَخْ﴾ وهي شرطيَّةٌ جازمةٌ له، والتَّقدير: أيَّ شيءٍ ننسخ، وقيل: شرطيَّةٌ جازمةٌ لـ ﴿نَنسَخْ﴾ واقعةٌ موقع المصدر، و ﴿مِنْ آيَةٍ﴾: هو المفعول به، والتَّقدير: أيَّ نسخٍ ننسخ آيةً، ورُدَّ بأنَّه يلزم من هذا خلوُّ جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشَّرط؛ وهو لا يجوز، و ﴿مِنْ آيَةٍ﴾: للتَّبعيض؛ فهي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّها صفةٌ لاسم الشَّرط، والنَّسخ لغةً: الإزالة أو النَّقل من غير إزالةٍ، ونسخ الآية: بيان انتهاء التَّعبُّد بقراءتها (٢)، أو الحكم المستفاد منها، أو بهما جميعًا، فمثال نسخ قراءتها وإبقاء حكمها نحو: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا؛ فارجموهما» والحكم فقط نحو: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] والحكم والتِّلاوة نحو: «عشر رضعاتٍ يحرِّمن» روى مسلمٌ عن عائشة: «كان فيما أُنزِل: عشر رضعاتٍ معلوماتٍ، فنُسخَت بخمسٍ» ويكون بلا بدلٍ كالصَّدقة أمام نجواه ﵊، وببدلٍ مماثلٍ كالقِبْلة، وأخفَّ كعدَّة الوفاة، وأثقل كنسخ التَّخيير بين صوم شهر (٣) رمضان والفدية، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤].
٤٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) (٤) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون
стр. 8123
الميم، البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ حَبِيبٍ) هو ابن أبي ثابتٍ، واسمه: قيس بن دينارٍ الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَقْرَؤُنَا) أي: لكتاب الله تعالى (أُبَيٌّ) هو ابن كعبٍ (وَأَقْضَانَا) أي: أعلمنا بالقضاء (عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (وَإِنَّا لَنَدَعُ) أي: نترك (مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ؛ وَذَاكَ) بألفٍ من غير لامٍ (أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «سمعت» (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) كان لا يقول بنسخ تلاوة شيءٍ من القرآن؛ لكونه لم يبلغه النَّسخ، فردَّ عليه عمر بقوله: (وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]) فإنَّه يدلُّ على ثبوت النَّسخ في البعض، ولأبي ذرٍّ: «﴿َوْ نُنسِهَا﴾» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه.
وهذا الحديث موقوفٌ، وأخرجه التِّرمذيُّ عن أنسٍ مرفوعًا، وعند البغويِّ مرفوعًا أيضًا: «أقضى أمَّتي عليُّ بن أبي طالبٍ».
(٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]) نزلت ردًّا على النَّصارى لمَّا قالوا: المسيح ابن الله، واليهود لمَّا قالوا: عزيرٌ ابن الله، ومشركو العربِ: الملائكةُ بناتُ اللهِ.
٤٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين، القرشيِّ النَّوفليِّ الكوفيِّ أنَّه (٢) قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة، ابن مطعمٍ القرشيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)
стр. 8124
أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ) تعالى: (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) بتشديد الذَّال المعجمة، من التَّكذيب؛ وهو نسبة المتكلِّم إلى أنَّ خبره خلاف الواقع، والمراد: البعض من بني آدم (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «ولم يكن ذلك له» بالتَّقديم والتَّأخير (وَشَتَمَنِي) من الشَّتم؛ وهو توصيف الشَّخص بما هو (١) إزراءٌ ونقصٌ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب والشَّتم (فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ) ووقع في رواية الأعرج في «سورة الإخلاص» [خ¦٤٩٧٤]: «وليس أوَّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ) وإنَّما كان شتمًا لِمَا فيه من التَّنقيص؛ لأنَّ الولد إنَّما يكون عن والدة (٢) تحمله ثمَّ تضعه، ويستلزم ذلك سبق النِّكاح، والنَّاكح (٣) يستدعي باعثًا له على ذلك، والله تعالى منزَّه عن ذلك (فَسُبْحَانِي) أي: تنزَّهت (أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا!) «أن»: مصدريَّةٌ، أي: من اتِّخاذي الزَّوجة والولد، لمَّا كان البارئ واجب الوجود لذاته، قديمًا موجودًا قبل وجود الأشياء، وكان كلُّ مولودٍ (٤) مُحْدثًا؛ انتفت عنه الوالديَّة، ولمَّا كان لا يشبهه أحدٌ من خلقه، ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبةٌ فيتوالد؛ انتفت عنه الولديَّة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]؟
(٩) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَاتَّخِذُواْ﴾) وسقط لغير (٦) أبي ذرٍّ «باب» وقال بدله: «قوله: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾» (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) بكسر خاء ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ بلفظ الأمر، فقيل: عطفٌ على ﴿اذْكُرُواْ﴾ [البقرة: ١٢٢] إذا قيل: إنَّ الخطاب هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتَّخِذوا
стр. 8125
من مقام إبراهيم (١)، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ ماضيًا بلفظ الخبر، قيل: عطفًا على ﴿جَعَلْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥] أي: واتَّخذ النَّاس من (٢) مقامه الموسوم به -يعني: الكعبة- قبلةً يصلُّون إليها (﴿مَثَابَةً﴾ [البقرة: ١٢٥]) قال أبو عبيدة في تفسيره: (يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ) وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه الطَّبريُّ قال: «يأتونه، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم، ثمَّ يعودون إليه لا يقضون منه وطرًا».
٤٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات، ابن مسرهَدٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) ابن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه: (وَافَقْتُ اللهَ) ولأبي الوقت (٣): «وافقت ربِّي» (فِي ثَلَاثٍ) أي: قضايا (أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ) بالشَّكِّ، وذكر الثَّلاث لا يقتضي نفي غيرها، فقد رُوِي عنه موافقاتٌ بلغت خمسة عشر؛ كقصَّة الأسارى (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، وسقط «من» في الفرع كأصله، وزاد في «باب ما جاء في القبلة» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٠٢]: فنزلت: «﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]» (وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ يَدْخُلُ عَلَيْكَ) أي: في حجر (٤) أمَّهات المؤمنين (البَرُّ وَالفَاجِرُ) أي: الفاسق، وهو مقابل البَرِّ (فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ) وجواب «لو» محذوفٌ في الموضعين، أو هي للتَّمنِّي فلا تفتقر لجوابٍ، وعند ابن مالكٍ: هي «لو» المصدريَّة أغنت عن فعل التَّمنِّي (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الحِجَابِ) وثبت قوله: «فأنزل الله آية الحجاب» في «اليونينيَّة»
стр. 8126
وسقط من فرعها (قَالَ) أي: عمر (١): (وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ (٢) نِسَائِهِ) حفصة وعائشة (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت» بزيادة الفاء: (إِنِ انْتَهَيْتُنَّ؛ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لغير أبي ذرٍّ (خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ (٣) إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ أَمَا) بالتَّخفيف (فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية أيضًا لغير أبي ذرٍّ (مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟!) والقائلة هذا هي أمُّ سلمة، كما في «سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣] بلفظ: «فقالت أمُّ سلمة: عجبًا لك يا بن الخطَّاب! دخلتَ في كلِّ شيءٍ حتَّى تبتغي أن تدخل بين (٤) رسول الله ﷺ وأزواجه» وقال الخطيب: هي زينب بنت جحشٍ، وتبعه النَّوويُّ (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ الاية [التحريم: ٥]).
وهذا الحديث سبق في «باب ما جاء في القبلة» من «الصَّلاة» [خ¦٤٠٢].
(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ): هو سعيد (٥) ابن الحكم ابن أبي مريم المصريُّ، ممَّا رواه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٤٠٢] مذاكرةً: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل قال: (سَمِعْتُ أَنَسًا عَنْ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما.
(١٠) (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿وَإِذْ﴾» (﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾) كان يناوله الحجارة، وإنَّما عطفه عليه؛ لأنَّه كان له مدخلٌ في البناء (﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾) أي: يقولان: ربَّنا، والجملة حالٌ منهما (﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ﴾) لدعائنا (﴿الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]) بنيَّاتنا (٦)، قال المؤلِّف: (القَوَاعِدُ: أَسَاسُهُ، وَاحِدَتُهَا: قَاعِدَةٌ، ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء﴾ [النور: ٦٠]: وَاحِدُهَا)
стр. 8127
ولأبي ذرٍّ: «واحدتها» بزيادة تاء التَّأنيث، وفي نسخةٍ: «واحدتهنَّ» بنون النِّسوة: (قَاعِدٌ) بغير تاء تأنيثٍ، ففيه إشارةٌ إلى الفرق بينهما في مفرديهما.
٤٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبيَّ (١) ﷺ قَالَ) لها: (أَلَمْ تَرَيْ) بحذف النُّون للجزم، أي: ألم تعرفي (أَنَّ قَوْمَكِ) قريشًا (بَنَوُا الكَعْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟) قالت عائشة: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَرُدُّهَا) بضمِّ الدَّال، ولأبي ذرٍّ بفتحها (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) أي: قريشٍ، بكسر الحاء وسكون الدَّال المهملتين وفتح المثلَّثة، مبتدأٌ خبره محذوفٌ وجوبًا، أي: موجودٌ؛ يعني: قرب عهدهم (بِالكُفْرِ) أي: لرددتها على قواعد إبراهيم، وفي «باب فضل مكَّة وبنيانها» من «الحجِّ» [خ¦١٥٨٣]: «لفعلت» (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما: (لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) رضي الله تعالى عنها (سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّ (رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ) بكسر الحاء وسكون الجيم، أي: يقربان منه (إِلَّا أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) بتشديد الميم الأولى مفتوحةً، أي: ما نقص منه؛ وهو (٢) الذي كان في الأصل (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) ﵊.
وهذا الحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٥٨٣] ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «واقتصروا عن قواعد إبراهيم».
стр. 8128
(١١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]) القرآن، والخطاب للمؤمنين، وسقط لفظ «بابٌ» لغير أبي ذرٍّ.
٤٤٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ، يقال له: بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهُنَائيُّ؛ بضمِّ الهاء، وتخفيف النُّون ممدودةً (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، الطَّائيِّ مولاهم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ) اليهود (يَقْرَؤُوْنَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ) بكسر العين المهملة وسكون الموحَّدة (وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) يعني: إذا كان ما يخبرونكم به محتملًا لِأن (٢) يكون في نفس الأمر صدقًا، فتكذِّبوه، أو كذبًا فتصدِّقوه، فتقعوا في الحرج (وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]) ولغير أبي ذرٍّ: «الآية» بدل (٣) قوله: «إلينا».
(١٢) (﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾) وفي بعض النُّسخ وعزاه في «الفتح» لأبي ذرٍّ: «باب قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ
стр. 8129
السُّفَهَاء﴾» (﴿مِنَ النَّاسِ﴾) المنكرين لتغيير القبلة من مشركي العرب أو أحبار يهود (١) أو المنافقين، والجارُّ والمجرور في محلِّ نصبٍ على الحال من ﴿السُّفَهَاء﴾ والعامل فيها ﴿سَيَقُولُ﴾ وهي حالٌ مبيِّنةٌ: (﴿مَا وَلاَّهُمْ﴾) أي: ما صرفهم (﴿عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾)؟ يعني: بيت المقدس، ولا بدَّ من حذف مضافٍ في ﴿عَلَيْهَا﴾ أي: على توجيهها، وجملة الاستفهام في محلِّ نصبٍ بالقول (﴿قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾) حيثما وجَّهَنا (٢) توجَّهْنا، فالطَّاعة في امتثال أمره، ولو وجَّهَنا كلَّ يومٍ مرَّاتٍ إلى جهاتٍ متعدِّدةٍ فنحن عبيده، وفي تصريفه وخُدَّامه (﴿يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]) وسقط من قوله: «﴿الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا (٣)﴾ … » إلى آخر الآية (٤) لأبي ذرٍّ، وقال (٥) بعد قوله: ﴿عَن قِبْلَتِهِمُ﴾: «الآية».
٤٤٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ أنَّه (٦) (سَمِعَ زُهَيْرًا) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ابن معاوية (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) ابن عازبٍ (¬﵁: أَنَّ النَّبيَّ) وفي نسخةٍ: «أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ) بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وسقط «شهرًا» الأوَّل لأبي ذرٍّ (وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: جهة البيت العتيق (وَإِنَّهُ صَلَّى أَوْ صَلَّاهَا
стр. 8130
صَلَاةَ العَصْرِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، ونصب «صلاة» بدلًا من الضَّمير المنصوب في «صلَّاها» (وَصَلَّى مَعَهُ) ﵊ (قَوْمٌ) لم أعرف أسماءهم (فَخَرَجَ رَجُلٌ) هو عبَّاد بن بشرٍ أو عبَّاد بن نهيكٍ (مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ) ﵊ (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ) من بني حارثة، والمسجد بالمدينة، أو مسجد قباءٍ (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقةً، أو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ (قَالَ: أَشْهَدُ) أي: أحلف (بِاللهِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ) أي: حال كونه (١) متوجِّهًا إليها (فَدَارُوا كَمَا هُمْ) عليه (قِبَلَ البَيْتِ) جهة البيت العتيق (وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ) الحرام (رِجَالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ (٢) فِيهِمْ) ذكر الواحديُّ في «أسباب النُّزول» منهم: أسعدَ بنَ زُرارة، وأبا أُمامة (٣) أحد بني النَّجَّار، والبراءَ بنَ معرورٍ أحد بني سلمة، لكن ذكر أنَّ أسعد بن زُرارة مات في السَّنة الأولى من الهجرة، والبراء بن معرورٍ في صفر قبل قدومه ﷺ المدينة بشهرٍ (٤) (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾) صلاتكم إلى بيت المقدس (﴿إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]) فلا يضيع أجورهم، وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾: «الآية» وسقط ما بعدها.
وهذا الحديث سبق في «كتاب الإيمان» في «باب الصَّلاة من الإيمان» [خ¦٤٠].
(١٣) (﴿وَكَذَلِكَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾» أي: وكما جعلناكم مهديِّين إلى الصِّراط المستقيم، وجعلنا (٥) قبلتكم أفضل القِبَلِ (﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾) أي: خيارًا أو عدولًا، و «جعل» بمعنى: صيَّر، فيتعدَّى لاثنين؛ فالضَّمير مفعولٌ أوَّل، و ﴿أُمَّةً﴾: ثانٍ، و ﴿وَسَطًا﴾: نعتٌ،
стр. 8131
وهو -بالتَّحريك- اسمٌ لِمَا بين الطَّرفين، ويُطلق على خيار الشَّيء، وقيل: كلُّ ما صلح فيه لفظ «بين» يقال بالسُّكون، وإلا فبالتَّحريك؛ تقول: جلست وَسَط القوم؛ بالتَّحريك، وقيل: المفتوح في الأصل مصدرٌ، والسَّاكن ظرفٌ (﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾) يوم القيامة (﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) علَّةٌ للجَعْل.
٤٤٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ) هو يوسف بن موسى ابن راشدٍ بن بلالٍ القطَّان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (وَأَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة (وَاللَّفْظُ) أي: لفظ المتن (لِجَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ): حمَّاد -يعني: عن الأعمش-: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان، ففيه تصريح الأعمش بالتَّحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان (الخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ (١) لَكَ؟ فَيَقُولُ): يشهد لي (مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَشْهَدُونَ) له (أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ) زاد أبو معاوية عن الأعمش عند النَّسائيِّ «فقال: وما عِلْمُكم؟ فيقولون: أخبرنا نبيُّنا أنَّ الرُّسل قد بلَّغوا، فصدَّقناه» (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالوَسَطُ: العَدْلُ) هو مرفوعٌ من نفس الخبر، لا مدرجٌ كما قال (٢) في «الفتح»، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ (٣) «جلَّ ذِكْرُه».
стр. 8132
وقد سبق الحديث في «كتاب (١) الأنبياء» (٢) [خ¦٣٣٣٩].
(١٤) (﴿وَمَا﴾) (٣) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿وَمَا﴾» (﴿جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾) قيل: ﴿الْقِبْلَةَ﴾ مفعولٌ أوَّل، و ﴿الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ ثانٍ، فإنَّ الجَعْل بمعنى التَّصيير، أي: الجهة التي كنت عليها؛ وهي الكعبة، فإنَّه ﵊ كان يصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر أُمِر بالصَّلاة إلى بيت المقدس (٤) تألُّفًا لليهود؛ أي (٥): أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس (﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ﴾) لنختبر ونتبيَّن (﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾) في الصَّلاة إلى الكعبة (﴿مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾) ممَّن (٦) يرتدُّ عن دينه بَعْدُ، و ﴿مَن﴾: موصولٌ، و ﴿يَتَّبِعُ﴾: صلته، والموصول وصلته في محلِّ المفعول بـ «نَعْلَمْ»، و ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: في محلِّ نصبٍ على الحال قال البيضاويُّ: فإن قلت: كيف يكون علمُه تعالى غايةَ الجعل وهو لم يزل عالمًا؟ وأجاب: بأنَّ هذا وأشباهه باعتبار التَّعلُّق الحاليِّ الذي هو مناط الجزاء، والمعنى: ليتعلَّق علمنا به موجودًا، وقيل: ليعلم رسوله والمؤمنون، لكنَّه أسند إلى نفسه لأنَّهم خواصُّه، أو ليتميَّز (٧) الثَّابت عن المتزلزل؛ كقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] فوضع العلم موضع التَّمييز المسبَّب عنه (﴿وَإِن كَانَتْ﴾) أي: التَّحويلة أو القبلة (﴿لَكَبِيرَةً﴾) لثقيلةً شاقَّةً، و ﴿إِن﴾: مخفَّفةٌ من الثَّقيلة، دخلت على ناسخ الابتداء والخبر، واللام للفرق بينها وبين النَّافية (﴿إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ﴾) وهم الثَّابتون (٨) الصَّادقون في اتِّباع الرَّسول، والاستثناء مفرَّغٌ، وجاز ذلك وإن لم يتقدَّمه نفيٌ ولا شبهه؛ لأنَّه في معنى النَّفي (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾) أي: بالقبلة المنسوخة
стр. 8133
أو صلاتكم إليها (﴿إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]) ولأبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿مَن (١) يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾: «الآية» وسقط ما بعدها عنده (٢).
٤٤٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (٣) (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه قال: (بَيْنَا النَّاسُ) بغير ميمٍ (يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ) بالصَّرف على الأشهر (إِذْ جَاءَ جَاءٍ) هو عبَّاد بن بشرٍ (فَقَالَ) لهم: (أَنْزَلَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنًا) هو قوله تعالى (٤): ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ … الآيات (٥) [البقرة: ١٤٤] (أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ؛ فَاسْتَقْبَِلُوهَا) بكسر الموحَّدة على الأمر في «اليونينيَّة» وفرعها، وبفتحها على الخبر (فَتَوَجَّهُوا إِلَى الكَعْبَةِ) من غير أن تتوالى خُطاهم عند التَّوجه، بل كانت مفرَّقة.
وهذا الحديث سبق في «باب ما جاء في القبلة» (٦) في أوائل «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٠٣].
(١٥) (باب: ﴿قَدْ نَرَى﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿قَدْ نَرَى﴾» (﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾) أي: تردُّد وجهك في جهة (٧) السَّماء تطلُّعًا (٨) للوحي، قيل: و «قد» تصرف المضارع إلى معنى
стр. 8134
المضيِّ؛ كهذه الآية وأشباهها، وقول الزَّمخشريِّ: ﴿قَدْ نَرَى﴾ ربَّما نرى، ومعناه: كثرة الرُّؤية؛ كقوله:
قد أتركُ القِرْنَ مُصْفرًّا أناملُه ..........................
تعقَّبه أبو حيَّان بأنَّه شرح قوله: ﴿قَدْ نَرَى﴾ بـ «ربُّما نرى»، و «ربَّ» (١) عند المحقِّقين لتقليل الشيء في نفسه أو لتقليل نظيره، ثمَّ قال: «ومعناه: كثرة الرُّؤية» فهو مضادٌّ لمدلول «رُبَّ» على مذهب الجمهور، ثمَّ ما ادَّعاه من كثرة الرُّؤية لا يدلُّ عليه اللَّفظ؛ لأنَّه لم يوضع للكثرة «قد» مع المضارع، سواءٌ (٢) أريد المضيُّ أم لا، وإنَّما فُهِمَت من التَّقلُّب (﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾) تحبُّها وتتشوَّق إليها؛ لمقاصد دينيَّة وافقت مشيئة الله تعالى وحكمه، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ ﴿قِبْلَةً﴾ (﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]) نحوَه وجِهَته، ولغير أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿فِي السَّمَاء﴾: «إلى: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١٤٤]» وسقط ما بعدها.
٤٤٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضمِّ الميم الأولى (٤) وسكون العين وفتح الفوقيَّة وكسر الميم آخره راءٌ (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلَّى القِبْلَتَيْنِ) أي: الصَّلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة من المهاجرين والأنصار (غَيْرِي) وهذا قاله أنسٌ في آخر عمره.
(١٦) (﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ﴾) اليهود (﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾) بكلِّ برهانٍ وحجَّةٍ على أنَّ الكعبة قبلةٌ (﴿مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾) أي: لم يؤمنوا بها ولا صلُّوا إليها، ولام ﴿لَئِنْ أَتَيْتَ﴾ موطِّئةٌ للقسم المحذوف، و «إن» شرطيَّةٌ، فاجتمع شرطٌ وقسمٌ، فالجواب له (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ
стр. 8135
الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]) والمعنى: ولئن اتَّبعت أهواءهم على سبيل الفرض والتَّقدير، وحاشاه الله من ذلك، ولأبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾: «الآية» وأسقطَ (١) ما بعده.
٤٤٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (٢)، البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ) بالميم (٣) (فِي) صلاة (الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ؛ جَاءَهُمْ رَجُلٌ) اسمه: عبَّاد بن بشرٍ (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ) بالتَّنكير؛ لأنَّ المراد البعض، أي: قوله تعالى (٤): ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآيات [البقرة: ١٤٤] وأطلق اللَّيلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا (وَ) قد (٥) (أُمِرَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أمر الله تعالى نبيَّه ﵊ (أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، أَلَا) بتخفيف اللام (فَاسْتَقْبِلُوهَا) بكسر الموحَّدة لا بفتحها، كما لا يخفى (وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ) تفسيرٌ من الرَّاوي (فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الكَعْبَةِ) ولم يؤمروا بإعادة ما صلُّوه إلى جهة بيت المقدس؛ لأنَّ النَّسخ لا يثبت في حقِّ المكلَّف حتَّى يبلُغَه.
(١٧) (﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾) هم علماؤهم (﴿يَعْرِفُونَهُ﴾) ﷺ بنعته وصفته (﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾) رُوِيَ: أنَّ عمر سأل عبد الله بن سَلَام عن رسول الله ﷺ فقال: «أنا أعلم به منِّي
стр. 8136
بابني، قال: ولمَ؟ قال: لأنِّي لم (١) أشكَّ في محمَّدٍ أنَّه نبيٌّ، فأمَّا ولدي؛ فلعلَّ والدته خانت» زاد السَّمرقنديُّ في روايته: «أقرَّ الله عينك يا عبد الله» وقيل: الضَّمير في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ للقرآن، وقيل: لتحويل القبلة، وظاهر سياق الآية ثَمَّ يقتضي اختياره (﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ﴾) طائفةً من اليهود (﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾) محمَّدًا أو ما جاء به (إِلَى قَوْلِهِ): ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ (﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]) الشَّاكِّين في أنَّه من ربَّك، أو في كتمانهم الحقَّ عالمين به، والمراد: نهي الأمَّة؛ لأنَّ الرَّسول لا يشكُّ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَإِنَّ فَرِيقاً (٢)﴾ إلى ﴿الْحَقُّ﴾»، وقال: «إلى قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾» فزاد: «﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾».
٤٤٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة المفتوحات، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ) بغير ميمٍ (بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ) هو عبَّاد بن بشرٍ (فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ) أي: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآيات [البقرة: ١٤٤] (وَقَدْ أُمِرَ) بضمِّ الهمزة (أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا) بكسر الموحَّدة (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ) من كلام الرَّاوي (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ) وهذه طريقة (٣) أخرى للحديث السَّابق.
(١٨) (﴿وَلِكُلٍّ﴾) وفي نسخةٍ: «بابٌ ﴿وَلِكُلٍّ﴾» من أهل الملل (﴿وِجْهَةٌ﴾) قبلةٌ (﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾) وَجْهَه (﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾) من أمر القبلة وغيرها (٤) (﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]) أي: هو قادرٌ على جمعكم من الأرض وإن تفرَّقت أجسادكم وأبدانكم،
стр. 8137
ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾: «الآية» وسقط ما بعدها.
٤٤٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الزَّمِنُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ) أي: ونحن بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (ثُمَّ صَرَفَهُ) أي: صرف الله نبيَّه ﷺ ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ثمَّ صُرِفُوا» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، أي: صرف الله تعالى نبيَّه وأصحابه (نَحْوَ القِبْلَةِ) أي: الكعبة الحرام.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها (١) وفي «التَّفسير».
(١٩) (﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾) أي: ومن أيِّ مكانٍ خرجت للسَّفر (﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) إذا صلَّيت (﴿وَإِنَّهُ﴾) أي: المأمور به؛ وهو التَّوجُّه للكعبة (﴿لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩]) فيجازيكم بأعمالكم، وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: «الآية» وحذف ما بعدها (شَطْرُهُ) مبتدأٌ، أي: شطر المسجد الحرام، وخبره: (تِلْقَاؤُهُ).
стр. 8138
٤٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويُّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المدنيُّ مولى ابن عمر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما يَقُولُ: بَيْنَما النَّاسُ) بالميم، وفي نسخةٍ بإسقاطها (فِي) صلاة (الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ) في مسجده (٢) (إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ) هو (٣) عبَّاد بن بشرٍ (فَقَالَ) لهم: (أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ) بضمِّ الهمزة (قُرْآنٌ، فَأُمِرَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (٤)، أي: النَّبيّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «وأُمِرَ» بالواو بدل الفاء (أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ) إذا صلَّى (فَاسْتَقْبِلُوهَا) بكسر الموحَّدة (فَاسْتَدَارُوا) بالفاء، ولغير أبي ذرٍّ: «واستداروا» (كَهَيْئَتِهِمْ) من غير تغييرٍ (فَتَوَجَّهُوا إِلَى الكَعْبَةِ) من غير أن تتوالى خطاهم عند التَّوجُّه (وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ) تفسيرٌ من الرَّاوي كما سبق.
(٢٠) (﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]) هذا أمرٌ ثالثٌ منه تعالى باستقبال الكعبة، واختُلِف في حكمة التَّكرار؛ فقيل: تأكيدٌ لأنَّه أوَّل ناسخٍ وقع في الإسلام على ما نصَّ عليه ابن عبَّاسٍ وغيره، والنَّسخ من مظانِّ الفتنة والشُّبهة، فبالحريِّ أن يُؤكَّد أمرها ويُعاد ذكرها مرَّةً بعد أخرى، وقيل: إنَّه منزَّلٌ على أحوالٍ؛ فالأوَّل: لمن هو مشاهدٌ للكعبة، والثَّاني: لمن هو في مكَّة غائبًا عن مشاهدة الكعبة، والثَّالث: لمن هو في غيرها من البلدان، أو الأول: لمن بمكَّة، والثَّاني: لمن هو بغيرها من البلدان، والثَّالث: لمن خرج في الأسفار، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «﴿شَطْرَهُ﴾» بالنَّصب (٥): «تلقاءَه» وزاد في رواية غير أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾»، أي: إلى ما ضلَّت عنه الأمم؛ ولذا كانت هذه الأمَّة أفضل الأمم وأشرفها.
стр. 8139
٤٤٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ أبو رجاءٍ البَغْلَانيُّ، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ؛ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ) عبَّادٌ (١) (فَقَالَ) لهم: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة، وفي نسخةٍ: «قرآنٌ» كالرِّواية السَّابقة [خ¦٤٤٩٣] والمراد: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآيات [البقرة: ١٤٤] (وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا) بكسر الموحَّدة، قال الرَّاوي: (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ) أي: أهل قباءٍ (إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى القِبْلَةِ) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ أيضًا: «إلى الكعبة».
(٢١) (﴿إِنَّ الصَّفَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب (٢) قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾» (﴿وَالْمَرْوَةَ﴾) «إنَّ» واسمها، وثَمَّ محذوفٌ، أي: إنَّ (٣) طواف الصَّفا (٤) أو سعي الصَّفا (٥): والصفا والمروة: علمين لجبلين معروفين، واللَّام فيهما للغلبة (٦)، والمروة: الحجارة الصِّغار، والخبر قوله: (﴿مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾) أي: من مناسك الحجِّ (﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾) شرطٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و ﴿حَجَّ﴾: في موضع جزمٍ، و ﴿الْبَيْتَ﴾: نُصِب على المفعول به لا على الظَّرف، والجواب قوله: (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾).
стр. 8140
الإجماع على مشروعيَّة الطَّواف بهما في الحجِّ والعمرة، واختُلِف في وجوبه؛ فعن مالكٍ والشَّافعيِّ أنَّه ركنٌ؛ لقوله ﵊: «اسعَوا فإنَّ الله كتب عليكم السَّعي» رواه أحمد، وعن الإمام أحمد أنَّه سنَّةٌ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ فإنَّه يُفهَم منه التَّخيير، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ نفي الجناح يدلُّ على الجواز الدَّاخل في معنى الوجوب، فلا يدفعه، وعن أبي حنيفة أنَّه واجبٌ يُجبَر بالدَّم (﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾) فَعَلَ طاعةً، و ﴿خَيْرًا﴾: نُصِبَ على أنَّه صفة مصدرٍ محذوفٍ، أي: تطوُّعًا خيرًا (﴿فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ﴾) يقبل اليسير ويعطي الجزيل، أو شاكرٌ (١) بقبول أعمالكم (﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]) بالثَّواب، لا يخفى عليه طاعتكم.
(﴿شَعَآئِرِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «الشَّعاير»: (عَلَامَاتٌ، وَاحِدَتُهَا: شَعِيرَةٌ) وهي العلامة، والأجود في «شعائر» الهمزة، عكس ﴿مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: ١٠].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: (الصَّفْوَانُ: الحَجَرُ، وَيُقَالُ: الحِجَارَةُ المُلْسُ) بضمِّ الميم وسكون اللَّام، جمع أملس: (الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا) أبدًا، كذا قاله أهل اللُّغة (وَالوَاحِدَةُ) أي: واحدة الصَّفوان (صَفْوَانَةٌ؛ بِمَعْنَى: الصَّفَا، وَالصَّفَا) بالقصر (لِلْجَمِيعِ) وهي الصَّخرة الصَّمَّاء، وألف «الصفا» عن واوٍ؛ لقولهم: صفوان، والاشتقاق يدلُّ عليه؛ لأنَّه من الصَّفو، وسقط للحَمُّويي من قوله: «وقال ابن عبَّاسٍ … » إلى آخره.
стр. 8141
٤٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام: (أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَمَا أُرَى) بضمِّ الهمزة؛ أي (١): فما أظنُّ، ولأبي ذرٍّ: «فما أَرى» بفتحها (عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا) من الإثم (أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) لأنَّ مفهوم الآية أنَّ السَّعي ليس بواجبٍ؛ لأنَّها دلَّت على رفع الجناح وهو الإثم، وذلك يدلُّ على الإباحة لأنَّه لو كان واجبًا لَمَا قيل فيه مثل هذا (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رادَّةً عليه قوله: (كَلَّا، لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ؛ كَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) بزيادة «لا» بعد «أن»، فإنَّها كانت حينئذٍ تدلُّ على رفع الإثم عن تاركه، وذلك حقيقة المباح، فلم يكن في الآية نصٌّ على الوجوب ولا عدمه، ثمَّ بيَّنت أنَّ الاقتصار في الآية على نفي الإثم له سببٌ خاصٌّ فقالت: (إِنَّمَا أُنْزِلَتْ (٢) هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ؛ كَانُوا) زاد في «الحجِّ» [خ¦١٦٤٣]: «قبل أن يُسلِموا» (يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ) بفتح الميم والنُّون المخفَّفة، مجرورٌ بالفتحة للعلميَّة والتَّأنيث، وسُمِّيت بذلك لأنَّ النَّسائك كانت تُمنَى -أي: تُراق- عندها (وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الذَّال المعجمة آخره واوٌ، أي: مقابل «قُدَيْدٍ» بضمِّ القاف وفتح الدَّال: موضعٍ من منازل طريق مكَّة إلى المدينة (وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ) أي: يحترَّزون من الإثم (أَنْ يَطَّوَّفُوا) بالتَّشديد، وفي «اليونينيَّة» بالتَّخفيف (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) كراهيةً لصنمي غيرهم؛ إساف الذي كان على الصَّفا، ونائلة الذي كان بالمروة، وحبَّهم صنمَهم الذي كان (٣) بقُدَيْدٍ، وكان ذلك سنَّةً في آبائهم، من أحرم لمناة؛ لم
стр. 8142
يطف بين الصَّفا والمروة (فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ؛ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) الطَّواف بينهما (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]).
وهذا الحديث سقط للحَمُّويي، وقد سبق في «باب وجوب الصَّفا والمروة» من «كتاب الحجِّ» مطوَّلًا [خ¦١٦٤٣].
٤٤٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ (عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ) الأحول البصريِّ أبي عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) في «باب ما جاء في السَّعي بين الصَّفا والمروة» [خ¦١٦٤٨] قال: «قلت لأنسٍ: أكنتم تكرهون السَّعي بين الصَّفا والمروة؟» (فَقَالَ (١): كُنَّا نَرَى) بفتح النُّون، ولأبي ذرٍّ: «نُرَى (٢)»؛ بضمِّها (أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ) الذي كانوا يتعبَّدون به (فَلَمَّا كَانَ (٣) الإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره بعد: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾: «إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾» [البقرة: ١٥٨].
وهذا الحديث قد مرَّ (٤) في (٥) «الحجِّ» [خ¦١٦٤٨].
(٢٢) (بابُ قَولُهُ) تعالى: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ١٦٥]) من الأصنام: (أَضْدَادًا) كذا فسَّره أبو عبيدة، وهو تفسيرٌ باللَّازم؛ لأنَّ النِّدَّ في اللُّغة: المثل، وزاد أبو ذرٍّ في
стр. 8143
روايته بعد قوله: ﴿أَندَاداً﴾: «﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾؛ يعني: أضدادًا» (وَاحِدُهَا: نِدٌّ) بكسر النُّون وتشديد الدَّال المهملة، والكاف في ﴿كَحُبِّ اللّهِ﴾ في محلِّ نصبٍ نعتٌ (١) لمصدرٍ محذوفٍ، وقال ابن عطيَّة: «حُبِّ»: مصدرٌ مضافٌ للمفعول في اللَّفظ، وهو في التَّقدير مضافٌ للفاعل المضمر؛ التَّقدير: كحبِّكم الله، أو كحبِّهم الله، ومراده بـ «المضمر»: أنَّ ذلك (٢) الفاعل من جنس الضَّمائر، ولا يريد أنَّ الفاعل يضمر (٣) في المصدر كما يضمر في الأفعال؛ لأنَّ هذا قولٌ مردودٌ؛ لأنَّ المصدر (٤) اسم جنسٍ لا يُضمَر فيه لجموده، والمعنى: أنَّهم يعظِّمونهم كتعظيم الله، ويسوُّون بينه وبينهم في المحبَّة، وسقط «باب قوله» لأبي ذرٍّ.
٤٤٩٧ - به قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا) مثلًا (دَخَلَ النَّارَ) والنِّدُّ: المثل؛ من نَدَّ نُدُودًا؛ إذا نفر (٥)، وناددتُ الرَّجل: خالفته، خُصَّ بالمخالف المماثل في الذَّات، كما خُصَّ المساوي للمماثل في القدر، وتسمية ما يعبده (٦) المشركون من دون الله أندادًا؛ لأنَّهم لمَّا تركوا عبادته إلى عبادتها؛ شابهت حالهم حال من يعتقد أنَّها ذواتٌ واجبةٌ بالذَّات، قادرةٌ على أن تدفع عنهم بأس الله،
стр. 8144
وتمنحهم ما لم يُرِد الله تعالى بهم (١) من خيرٍ، فتهكَّم بهم وشنَّع عليهم بأن جعلوا أندادًا لمن يمتنع أن يكون له ندٌّ (وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ وَهْوَ لَا يَدْعُو للهِ نِدًّا؛ دَخَلَ الجَنَّةَ) لأنَّ انتفاء السَّبب يقتضي انتفاء المسبَّب، فإذا انتفى دعوى النِّدِّ انتفى دخول النَّار، وإذا انتفى دخولها لزم دخول الجنَّة؛ إذ لا دار بينهما، وأمَّا أصحاب الأعراف فقد عُرِف استثناؤهم من العموم.
(٢٣) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾» (﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾) أي: بسبب القتلى؛ كقوله: «دخلت امرأةٌ النَّار في هِرَّةٍ»، و ﴿الْقِصَاصُ﴾: مأخوذٌ من قصِّ الأثر، فكأنَّ القاتل سلك طريقًا من القتل يقصُّ أثره فيها، ويمشي على سبيله في ذلك، و ﴿الْقَتْلَى﴾: جمع قتيلٍ، لفظٌ مؤنَّثٌ تأنيث الجماعة، أي: فُرِض عليكم على التَّخيير إذا كان القتل عمدًا ظلمًا أن يُقْتَل (﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]) وسقط (٢) لأبي ذرٍّ «﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾» وقال: «إلى ﴿أَلِيمٌ﴾» وقد روى ابن أبي حاتمٍ في سبب نزول هذه الآية: أنَّ حيَّين من العرب اقتتلوا في الجاهليَّة قبل الإسلام بقليلٍ، وكان بينهم قتلٌ وجراحاتٌ، حتَّى قتلوا العبيد والنِّساء، فلم يأخذ بعضهم من بعضٍ حتَّى أسلموا، وكان أحد الحيَّين يتطاول على الآخر في العدَّة والأموال، فحلفوا ألَّا يَرضَوا حتَّى يُقتَل الحرُّ منهم (٣) بالعبد، والذَّكر بالأنثى فنزلت، واستدلَّ بها المالكيَّة والشافعيَّة على أنَّه لا يُقتل الحرُّ بالعبد (٤)، لكن قال البيضاويُّ: لا دلالة فيها على أن (٥) لا يُقتَل الحرُّ بالعبد والذَّكر بالأنثى، كما لا تدلُّ على عكسه؛ فإنَّ المفهوم إنَّما يعتبر حيث لم يظهر للتَّخصيص غرضٌ سوى اختصاص الحكم، وقد بيَّنا ما كان الغرض، إنَّما منع مالكٌ والشَّافعي قتل الحرِّ بالعبد سواءٌ كان عبده أو عبد غيره لحديث: «لا يُقتل حرٌّ بعبدٍ» رواه الدَّارقطنيُّ، وقال الحنفيَّة: آية البقرة منسوخةٌ بآية المائدة: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٦) [المائدة: ٤٥]
стр. 8145
فالقصاص ثابتٌ بين العبد والحرِّ، والذَّكر والأنثى، ويستدلُّون بقوله ﵊: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وبأنَّ التَّفاضل غير معتبرٍ في الأنفس؛ بدليل أنَّ جماعةً لو قَتَلوا واحدًا قُتِلوا به، وأُجيب بأنَّ دعوى النَّسخ بآية المائدة غير سائغٍ (١)؛ لأنَّه حكاية ما في التَّوراة، فلا ينسخ ما في القرآن، وعن الحسن وغيره: لا يُقتَل الرَّجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور -وهو مذهب الأئمة الأربعة- فقالوا: يُقتَل الذَّكر بالأنثى والأنثى بالذَّكر بالإجماع، وحينئذٍ فما نقله (٢) في «الكشَّاف» عن الشَّافعيِّ ومالكٍ أنَّه لا يُقتَل الذَّكر بالأنثى لا عمل عليه (﴿عُفِيَ﴾ [البقرة: ١٧٨]) أي: (تُرِكَ) وسقط ذلك في نسخٍ (٣).
٤٤٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير بن عيسى المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) (٤) بن جبرٍ المفسِّر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ القِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾) أي: شيءٌ من العفو؛ لأنَّ «عفا» لازمٌ، وفائدته الإشعار بأنَّ بعض العفو كالعفو التَّامِّ في إسقاط القصاص، وقيل: ﴿عُفِيَ﴾ بمعنى: تُرِكَ و ﴿شَيْءٌ﴾: مفعولٌ به (٥)، وهو ضعيفٌ؛ إذ لم
стр. 8146
يثبت «عفا الشَّيء» بمعنى: تركه، بل أعفاه، و «عفا» يُعدَّى بـ «عن» إلى الجاني وإلى الذَّنب، قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ﴾ [التوبة: ٤٣] وقال: ﴿عَفَا اللّهُ عَنْهَا﴾ (١) [المائدة: ١٠١] فإذا عُدِّي به إلى الذَّنب عُدِّي إلى الجاني باللَّام، كأنَّه قيل: فمن عُفِي له عن جنايته من جهة أخيه؛ يعني: وليَّ الدَّم، وذكره بلفظ الأخوَّة الثَّابتة بينهما من الجنسيَّة والإسلام؛ ليرقَّ له ويعطف عليه، قاله القاضي في «تفسيره» (فَالعَفْوُ: أَنْ يَقْبَلَ) الوليُّ (الدِّيَةَ) من المعفوِّ عنه (فِي) القتل (العَمْدِ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يَتَّبِعُ) بتشديد الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «يُتْبَع» بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة (٢) وسكون الفوقيَّة وفتح الموحَّدة، أي: يطلب وليُّ المقتول الدِّيةَ (بِالمَعْرُوفِ) من غير عنفٍ (وَيُؤَدِّي) المعفوُّ عنه الدِّية (بِإِحْسَانٍ) من غير مطلٍ ولا بخسٍ، (﴿ذَلِكَ﴾) الحكم المذكور من العفو والدِّية (﴿تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) لأنَّ أهلَ التَّوراة كُتِب عليهم القصاص فقط، وحُرِّم عليهم العفو وأخذ الدِّية، وأهلَ الإنجيل العفوُ، وحُرِّم عليهم القصاص والدِّية، وخُيِّرت هذه الأمَّة المحمَّديَّة بين الثَّلاثة؛ القصاص والدِّية والعفو تيسيرًا عليهم وتوسعةً (﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]) أي: (قَتَلَ) بفتحات (بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ) فله عذابٌ موجعٌ في الآخرة، أو في الدُّنيا بأن يُقتَل لا محالة، قال سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن الحسن عن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أعافي رجلًا» وفي روايةٍ: «أحدًا قَتَل بعد أخذه الدِّية» يعني: لا أقبل منه الدِّية، بل أقتله.
٤٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك بن النَّضر (الأَنْصَارِيُّ) وسقط «بن عبد الله» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل: (أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كِتَابَُ اللهِ القِصَاصَُ) برفعهما على أنَّ «كتابُ الله» (٣): مبتدأٌ، و «القصاصُ»: خبره، ونصبهما على أنَّ الأوَّل إغراءٌ، والثَّاني بدلٌ منه، ونَصْب الأوَّل ورَفْع الثَّاني على أنَّه
стр. 8147
مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: اتَّبعوا (١) كتاب الله ففيه القصاص، والمعنى: حكم كتاب الله القصاص؛ ففيه حذف مضافٍ، وهو يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وقوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] وهو ثلاثيُّ الإسناد، مختصرٌ (٢) هنا، ساقه مطوَّلًا في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٣] وفي هذا الباب بنحوه رباعيًّا، فقال بالسَّند إليه:
٤٥٠٠ - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة راءٌ، أبو عبد الرَّحمن الزَّاهد المروزيُّ أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ) بسكون الكاف (السَّهْمِيَّ) قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة المكسورة، بنت النَّضر (عَمَّتَهُ) أي: عمَّة أنسٍ (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) أي: امرأةٍ شابَّةٍ لا أَمَةٍ؛ إذ لا قصاص بين الأمة والحرَّة (٣) (فَطَلَبُوا) أي: قوم الرُّبيِّع (إِلَيْهَا العَفْوَ) عن الرُّبيِّع (فَأَبَوْا) أي: قوم الجارية (فَعَرَضُوا) يعني (٤): قوم الرُّبيِّع (الأَرْشَ، فَأَبَوْا) إلَّا القصاص (فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ليقضي بينهم بحكم الله (وَأَبَوْا) (٥) أي: امتنعوا من أخذ الأرش والعفو (إِلَّا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالقِصَاصِ) يُحتَمل أن يكون المراد بالكسر القلع، أو كسرًا (٦) يمكن المماثلة فيه؛ ليُتصوَّر القصاص المأمور به، وإلَّا فلا قصاص في كسر عظمٍ غير منضبطٍ (فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، عمُّ أنس بن مالكٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ أَتُكْسَرُ
стр. 8148
ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) ليس ردًّا لحكم الشَّرع، بل نفيٌ لوقوعه توقُّعًا ورجاءً من فضل الله تعالى أن يُرضِي خصمها، ويلقي في قلبه العفو عنها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَنَسُ كِتَابُ اللهِ) أي: حكم كتاب الله (القِصَاصُ) وسقط قوله: «فقال رسول الله ﷺ … » إلى آخره من الفرع، (فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا) عن الرُّبَيِّع (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١): إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ؛ لأَبَرَّهُ) أي: جعله بارًّا في قسمه، وفَعَل ما أراده.
(٢٤) (باب) ذكر قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾) مصدر صام يصوم صيامًا، الأصل: صُوَامًا، فأُبدِلت الواو ياءً، والصَّوم لغةً: الإمساك، وشرعًا: الإمساك عن المفطرات الثَّلاث -الأكل والشُّرب والجماع- نهارًا مع النِّيَّة (﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) قيل: موضعه نصبُ نعتِ مصدرٍ محذوفٍ، أي: كُتِبَ كَتْبًا، وقيل: كاف (٢) «كما» في موضع نصبٍ على النَّعت؛ تقديره: كتابًا كما، أو صومًا كما، أو على الحال؛ كأنَّ الكلام: كُتِب عليكم الصِّيام مشبهًا ما (٣) كُتِب على الذين من قبلكم (٤)، والمعنى -كما قيل-: صومكم كصومهم في عدد الأيَّام، كما رُوي: أنَّ رمضان كُتِب على النَّصارى، فوقع في بردٍ أو حرٍّ شديدٍ، فحوَّلوه إلى الرَّبيع، وزادوا عليه عشرين يومًا (٥) كفَّارةً لتحويله، فالتَّشبيه حقيقَةٌ، وروى ابن أبي حاتمٍ من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسنادٍ فيه مجهولٌ: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» أو المراد مطلق الصِّيام دون وقته وقدره، فالتَّشبيه واقعٌ على نفس (٦) الصَّوم فقط، وكان الصَّوم على آدم ﵊ أيَّام البيض، وعلى قوم موسى عاشوراء، فالتَّشبيه (٧)
стр. 8149
لا يقتضي التَّسوية من كلِّ وجهٍ (﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]) لأنَّ الصَّوم فيه تزكيةٌ للبدن، وتضييقٌ لمسالك الشَّيطان.
٤٥٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَثَّنِي (١) يَحْيَى) بن سعيدٍ (٢) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ) قريشٌ، ولعلَّهم اقتدوا في ذلك بشرعٍ سبق (فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ) أي: صوم رمضان في شعبان في السَّنة الثَّانية من الهجرة (قَالَ) ﵊: (مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ).
٤٥٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهَا) أنَّها قالت: (كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ) أي: فُرِض صومه، زاد هنا لغير أبي ذرٍّ لفظة: «قال»: (مَنْ شَاءَ صَامَ) أي: عاشوراء (وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ).
٤٥٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن موسى بن باذام الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: دَخَلَ عَلَيْهِ
стр. 8150
الأَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وبعد العين المهملة المفتوحة مثلَّثةٌ، ابن قيسٍ الكنديُّ، وكان ممَّن أسلم ثمَّ ارتدَّ بعد النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ رجع إلى الإسلام في خلافة الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه (وَهْوَ يَطْعَمُ) بفتح أوَّله وثالثه، أي: والحال أنَّ عبد الله كان يأكل (فَقَالَ) أي: الأشعث: (اليَوْمُ عَاشُورَاءُ!) وعند مسلمٍ من رواية عبد الرَّحمن بن يزيد: «فقال -أي: ابن مسعودٍ-: يا أبا محمَّدٍ -وهي كنية الأشعث- ادنُ إلى الغداء، قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟!» (فَقَالَ) أي: ابن مسعودٍ: (كَانَ يُصَامُ) يعني: عاشوراء (قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه لأبي ذرٍّ، ولغيره بفتحٍ ثمَّ كسرٍ (رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ؛ تُرِكَ) بضمِّ أوّله مبنيًّا للمفعول، أي: تُرِك صومه (فَادْنُ) بهمزة الوصل، أي: فاقرب (فَكُلْ).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «الصوم».
٤٥٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي الفرع كأصله: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الزَّمِنُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو (١) ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ) زاد في «كتاب الصَّوم» في رواية أبوي ذرٍّ والوقت (٢) وابن عساكر [خ¦٢٠٠٢]: «في الجاهليَّة» (فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ) على عادته (وَأَمَرَ) النَّاس (بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ؛ كَانَ رَمَضَانُ الفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ) واستُدلَّ بهذا على أنَّ صيام عاشوراء كان فريضةً قبل نزول رمضان ثمَّ نُسِخ، لكنَّ في حديث معاوية السَّابق في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٣]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يُكتَب (٣) عليكم صيامه»، وهو دليل مشهور،
стр. 8151
ومذهب (١) الشَّافعيَّة والحنابلة: أنَّه لم يكن فرضًا قطُّ، ولا نُسِخ برمضان، وبقيَّة مبحث ذلك سبق (٢) في «الصَّوم» [خ¦٢٠٠٣].
(٢٥) (بَابُ قَوْلِهِ) ، وسقط ذلك لغير أبي ذرٍّ (﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾) أي: مؤقَّتاتٍ بعددٍ معلومٍ، ونُصِب ﴿أَيَّامًا﴾ بعاملٍ مقدَّرٍ، أي: صوموا أيَّامًا، وهذا النَّصب إمَّا على الظَّرفيَّة، أو المفعول به اتِّساعًا، وقيل: نُصِب بـ ﴿كُتِبَ﴾ إمَّا على الظَّرف أو المفعول به، وردّه أبو حيَّان فقال: أمَّا النَّصب على الظَّرفيَّة؛ فإنَّه محلٌّ للفعل، والكتابة ليست واقعةً في الأيَّام، لكنَّ متعلَّقها هو الواقع في الأيَّام، وأمَّا على المفعول اتِّساعًا؛ فإنَّ ذلك مبنيٌّ على كونه ظرفًا لـ ﴿كُتِبَ﴾ وتقدَّم أنَّه خطأٌ، و ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾: صفةٌ؛ والمراد به: رمضان، أو ما وجب صومه قبل وجوبه ونُسِخ به؛ وهو عاشوراء كما مرَّ (﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾) مرضًا يضرُّه الصُّوم ويشقُّ عليه معه (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) في موضع نصبٍ عطفًا على خبر ﴿كَانَ﴾ و ﴿أَوْ﴾ للتَّنويع (﴿فَعِدَّةٌ﴾) أي: فعليه صوم عدَّة أيَّام المرض أو السَّفر (﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) إن أفطر، فحذف الشَّرط والمضاف (٣) والمضاف إليه للعلم به (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) إن أفطروا (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾) نصف صاعٍ من برٍّ أو صاعٌ من غيره ثمَّ نُسِخ ذلك (﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾) فزاد في الفدية (﴿فَهُوَ﴾) أي: فالتَّطوَّع (﴿خَيْرٌ لَّهُ﴾) وَ ﴿لَّهُ﴾: في محلِّ رفعٍ صفةٌ لـ ﴿خَيْرٌ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: خيرٌ كائنٌ له (﴿وَأَن تَصُومُواْ﴾) أيُّها المطيقون، و ﴿أَن﴾ مصدريَّة، أي: صومكم، وهو مرفوعٌ بالابتداء، خبره: (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) من
стр. 8152
الفديةِ وتطوُّعِ الخير (﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) شرطٌ حُذِف جوابه؛ تقديره: اخترتموه، أو معناه: إن كنتم من أهل العلم أو التَّدبر (١) علمتم أنَّ الصَّوم خيرٌ لكم.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله عبد الرَّزَّاق: (يُفْطِرُ مِنَ المَرَضِ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى) والذي عليه الجمهور أنَّه يُبَاح الفطر لمرضٍ يضرُّ معه الصَّوم ضررًا يُبِيح التَّيمُّم وإن طرأ على الصَّوم ويقضي (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ -فيما (٢) وصله عبد بن حميدٍ- (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ -فيما وصله عبد بن حميدٍ أيضًا- (فِي المُرْضِعِ وَالحَامِلِ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «أو الحامل» (إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا: تُفْطِرَانِ) ولو كان (٣) المُرضَع من غيرها (ثُمَّ تَقْضِيَانِ) ويجب مع ذلك الفدية في الخوف على الولد أخذًا من آية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال ابن عبَّاسٍ: «إنَّها نُسِخت إلَّا في حقِّ الحامل والمرضِع» رواه البيهقيُّ عنه (٤)، لا في الخوف على النَّفس كالمريض، فلا فدية عليه (وَأَمَّا الشَّيْخُ الكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ) فإنَّه يفطر، وتجب عليه الفدية دون القضاء (فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ) -بكسر الموحَّدة- وشقَّ عليه الصَّوم، وكان حينئذٍ في عشرة المئة (عَامًا أَوْ عَامَيْنِ) بالشَّكِّ من الرَّواي (كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأَفْطَرَ) وهذا رواه عبد بن حميدٍ من طريق النَّضر بن أنسٍ عن أنسٍ، لكنَّ الواجب لكلِّ يومٍ فات صومه مُدٌّ؛ وهو رطلٌ وثلثٌ، وبالكيل المصريِّ نصف قدحٍ من جنس الفطرة، فلا يُجزِئ نحو دقيقٍ وسويقٍ، ومثل الكبير المريض الذي لا يطيق الصَّوم ولا يُرجَى برؤه؛ للآية السَّابقة على القول بأنَّها لم تُنسَخ أصلًا (قِرَاءَةُ العَامَّةِ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾) بكسر الطَّاء وسكون التَّحتيَّة، من أطاق يُطيق كأقام يُقيم (وَهْوَ أَكْثَرُ).
стр. 8153
٤٥٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وبعد الواو السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، ابن عُبادة قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ المكيُّ (سَمِعَ) ولأبي الوقت: «أنَّه سمع» (ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (يَقْرَأُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يقول» ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ)) بفتح الطَّاء مخفَّفة وواوٌ مشدَّدةٌ مبنيًّا للمفعول، من طَوَّق بفتح أوَّله بوزن قطَّع، قال مجاهدٌ: يتحمَّلونه، وعن عمرو بن دينارٍ فيما رواه النَّسائيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ: يُكلَّفونه، أي: يُكلَّفون إطاقته، وفي نسخةٍ: «يُطَوَّقونه فلا يُطِيقونه» (١) (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ؛ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا؛ فَلْيُطْعِمَانِ) كذا في «اليونينيَّة» باللَّام، وسقطت من الفرع كغيره (مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ) أفطراه (مِسْكِينًا) وفيه دليلٌ للشَّافعيِّ ومن وافقه أنَّ الشَّيخ الكبير ومن ذُكِر معه إذا شقَّ عليه الصَّوم، فأفطر فعليه الفدية؛ خلافًا لمالكٍ ومن وافقه، ومن أفطر لكبرٍ ثمَّ قوي على القضاء بَعْدُ يقضي ويُطعِم عند الشَّافعيِّ وأحمد، وقال الكوفيُّون: لا إطعام.
(٢٦) (﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]) «مَنْ»: يجوز أن تكون شرطيَّةً وموصولةً، و ﴿مِنكُمُ﴾: في موضع نصبٍ على الحال من المستكنِّ في ﴿شَهِدَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: كائنًا منكم، و ﴿الشَّهْرَ﴾: نُصِب على الظَّرفيَّة، والمراد بـ ﴿شَهِدَ﴾: حضر، ومفعوله محذوفٌ، أي: فمن حضر منكم المصر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصم فيه، والفاء جواب الشَّرط أو زائدةٌ في الخبر، والهاء نصبٌ على الظَّرفيَّة كما في «الكشَّاف»، وتُعقِّب بأنَّ الفعل لا يتعدَّى لضمير الظَّرف إلَّا بـ «في»، إلَّا أن يُتوسَّع فيه، فيُنصَب نصب المفعول به.
стр. 8154
٤٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والشِّين المعجمة، الرَّقام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) السَّاميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾) بغير تنوينٍ، وجرِّ ﴿طَعَامُ﴾ على الإضافة (﴿مِسْكِينٍ﴾) بالجمع، وهي رواية أبي ذرٍّ، وقراءة نافعٍ وابن ذكوان، مقابلة الجمع بالجمع، وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو والكوفيُّون بالتَّنوين والرَّفع على أنَّ ﴿فِدْيَةٌ﴾ مبتدأٌ خبره في الجارِّ قبله، و ﴿طَعَامُ﴾: بدلٌ من ﴿فِدْيَةٌ﴾ أو عطف بيان، وتخصيص ﴿فِدْيَةٌ﴾ بتقدُّم الجارِّ وإضافتها سوَّغ الابتداء بها (١) ﴿مِسْكِينٍ﴾ بالتَّوحيد، مراعاةً لأفراد العموم، أي: على كلِّ واحدٍ ممَّن يُطيق الصَّوم، فإن قلت: أفردوا «المسكين» والمعنى على الكثرة؛ لأنَّ الذين يطيقونه جمعٌ، وكلُّ واحدٍ منهم يلزمه مسكينٌ، فكان الوجه أن يُجمَعوا كما جُمِع المطيقون؛ أُجيب بأنَّ الإفراد أحسن لأنَّه يُفهَم بالمعنى أنَّ لكلِّ واحدٍ مسكينًا، وقرأ هشامٌ بالتَّنوين والرَّفع والجمع (قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ) أي: بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأثبت الله تعالى صيامه على المقيم الصَّحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وكذا الشَّيخ الفاني الذي لا يستطيع.
٤٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، و «مُضَر» بميمٍ مضمومةٍ فضادٍ معجمةٍ مفتوحةٍ فراءٍ، ابن محمَّد بن حكيمٍ المصريُّ (٢) (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين، ابن يعقوب بن عبد الله، مولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريِّ المصريِّ، أحد الأئمَّة الأعلام (عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف مصغَّرًا، ابن الأشجِّ، مولى بني مخزومٍ المدنيِّ نزيل مصر (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي عبيدٍ الأسلميِّ (مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ) بن الأكوع أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
стр. 8155
يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ) فَعَل (حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا): ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (فَنَسَخَتْهَا) كلَّها أو بعضها، فيكون حكم الإطعام باقيًا على من لم يُطِقِ الصَّوم لكبرٍ، وقال مالكٌ: جميع الإطعام منسوخٌ، لكنَّه مستحبٌّ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والترمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (مَاتَ بُكَيْرٌ) هو ابن عبد الله بن الأشجِّ (قَبْلَ) شيخه (يَزِيدَ) بن أبي عبيدٍ الأسلميِّ، وكانت وفاته (١) في سنة عشرين ومئةٍ أو قبلها أو بعدها، وتوفِّي يزيد سنة ستٍّ -أو سبعٍ- وأربعين ومئةٍ، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره في رواية غير المُستملي.
(٢٧) (﴿أُحِلَّ﴾) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أحلَّ الله (﴿لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾) عُدِّي الرَّفث الذي هو كنايةٌ عن الجماع بـ ﴿إِلَى﴾ والأصل أن يتعدَّى بالباء، يقال: أرفث فلانٌ بامرأته؛ لتضمُّنه معنى الإفضاء، قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] كأنَّه قال: أُحِلَّ لكم الإفضاء إلى نسائكم بالرَّفث (﴿هُنَّ﴾) أي: نساؤكم (﴿لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾) قال الزَّمخشريُّ: لمَّا كان الرَّجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه في عناقه؛ شُبِّه باللِّباس المشتمل عليه، قال الجعديُّ:
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَها … تثنَّتْ فكانتْ عليه لِباسا
وزاد القاضي (٢): لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يسترُ حال صاحبه ويمنعه من الفجور ونحوه، قال السَّمرقنديُّ: والجملة استئنافٌ تُبيِّن سبب الإحلال؛ وهو قلَّة الصَّبر عنهنَّ، وصعوبة اجتنابهنَّ لكثرة المخالطة وشدَّة الملابسة؛ فلذلك رخَّص في المباشرة (﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ﴾) في موضع رفعٍ خبرٌ لـ «أنَّ» (﴿تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾) تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظِّها من الثَّواب (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) حين تبتم ممَّا ارتكبتم من المحظور (﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾) يَحتَمل أن يريد: عن المعصية بعينها، فيكون تأكيدًا وتأنيسًا زيادةً على التَّوبة، ويُحتَمل أن يريد: عفا عمَّا كان
стр. 8156
يلزمكم (١) من اجتناب النِّساء؛ بمعنى: تركه لكم؛ كما تقول: شيءٌ معفوٌّ عنه، أي: متروكٌ (﴿فَالآنَ﴾) أي: فالوقت الذي كان يُحرَّم عليكم فيه الجماع من اللَّيل (﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾) أي: جامعوهنَّ (﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]) أي: اطلبوا ما قدَّره الله (٢) لكم (٣) وأثبته في اللَّوح المحفوظ (٤) من الولد، والمعنى: أنَّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد؛ فإنَّه الحكمة من خَلْق الشَّهوة وشَرْع النِّكاح لا قضاء الوطر، قاله في «أسرار التَّنزيل» كـ «الكشَّاف»، وقال السَّمرقنديُّ: ابتغُوا بالقرآن ما أُبيحَ لكم فيه وأُمِرتُم به، وسقط من قوله: «﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾».
٤٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، مصغَّرًا، ابن موسى العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ.
قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن حكيمٍ الأوْديُّ (٥) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بشينٍ معجمةٍ مضمومةٍ وراءٍ مفتوحةٍ آخره حاءٌ مهملةٌ، و «مَسلَمة» بفتح الميم واللَّام، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ) يوسف (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ (٦) رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) قال: (لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ؛ كَانُوا) أي: الصَّحابة (لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ)
стр. 8157
أي: لا يجامعونهنَّ (رَمَضَانَ كُلَّهُ) ليلًا ونهارًا، في «الصِّيام» (١) عن البراء أيضًا من طريق إسرائيل [خ¦١٩١٥]: «أنَّهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا» ومفهوم ذلك: أنَّ الأكل والشُّرب كان مأذونًا فيه ليلًا ما لم يحصل النَّوم، لكنَّ بقيَّة الأحاديث الواردة في هذا (٢) تدلُّ على عدم الفرق، فيُحمَل قوله: «كانوا لا يقربون النِّساء» على الغالب جمعًا بين الأحاديث (وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ) فيجامعون ويأكلون ويشربون؛ منهم عمر بن الخطَّاب وكعب بن مالكٍ وقيس بن صِرْمة الأنصاريُّ (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]) وسقط قوله: «﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾» لأبي ذرٍّ، وقال بدل ذلك: «الآية».
(٢٨) (بَابُ قَولِهِ) تعالى، وسقط التَّبويب وتاليه لغير أبي ذرٍّ (﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾) جميع اللَّيل بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد النَّوم في رمضان (﴿حَتَّى﴾) أي: إلى أن (﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾) وهو أوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود (﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾) وهو ما يمتدُّ معه من غسق (٣) اللَّيل، شبَّههما (٤) بخيطين أبيض وأسود (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) بيانٌ لـ ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ واكتُفيَ به عن بيان ﴿الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ لدلالته عليه، وبذلك خَرجَا من الاستعارة إلى التَّمثيل، كما قاله القاضي كالزَّمخشريِّ، قال الطِّيبيُّ: لأنَّ الاستعارة أن يُذكر أحد طرفي التَّشبيه ويراد به الطَّرف الآخر، وهنا: ﴿الْفَجْرِ﴾ هو المشبَّه، و ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ (٥)﴾ هو المشبَّه به، ولا يُقال:
стр. 8158
بقي (١) الأسود على الاستعارة؛ لترك المشبَّه؛ لأنَّه لمَّا كان في الكلام ما يدلُّ عليه فكأنَّه ملفوظٌ، وقال المحقِّق الكافِيْجيُّ: تحقيق الكلام في هذا يحتاج (٢) إلى تحقيق الفرق بين الكلام التَّشبيهيِّ والكلام المشتمل على الاستعارة؛ فالتَّشبيهيُّ (٣): هو الذي يُذكَر فيه المشبَّه لفظًا نحو: زيدٌ أسدٌ، أو تقديرًا نحو: أسدٌ، في مقام الإخبار عن زيدٍ، وأمَّا الكلام الذي يتضمَّن الاستعارة؛ فهو الذي يُجعَل خِلْوًا عن ذكر المشبَّه، صالحًا لأن يراد به المشبَّه به لولا القرينة المانعة عن إرادته، وإذا عُلِم هذا فقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ … ﴾ إلى آخره فيه مقصدان:
أحدهما: بيان أَّنه من قبيل التَّشبيه عند أهل البيان لا من قبيل الاستعارة؛ لما فيه من ذكر المشبَّه والمشبَّه به؛ وهما الفجر والخيط الأبيض، وغبش اللَّيل والخيط الأسود، على ما مرَّ.
الثَّاني: تحقيق أنَّه من قبيل الاستعارة لا من باب التَّشبيه؛ استدلالًا عليه بنصِّ الكتاب، وتمسُّكًا بالسُّنَّة، وبشهادة فحوى الخطاب.
أمَّا النَّصُّ فقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ لـ ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ ومعلومٌ عندك بالضَّرورة أنَّ البيان مع المبيَّن متَّحدٌ بالذَّات مختلفٌ بالاعتبار، وإنَّما يُتَصوَّر هذا المعنى المجازيُّ على سبيل الاستعارة، وإلَّا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وليس بمشتركٍ بينهما.
وأمَّا السُّنَّة فقد عُلِم منها أنَّ المراد بياض النَّهار لا الخيط الأبيض؛ حيث قال ﵊ فيما يأتي [خ¦٤٥١٠]: «إنَّك لعريض القفا … بل هو سواد اللَّيل وبياض النَّهار» وأمَّا قولهم (٤): «الاستعارة يجب فيها أن يُترَك ذكر المشبَّه احترازًا عن فوات المقصود، وتبرِّيًا عن عود الأمر على موضوعه بالنَّقض والإبطال، ولئلَّا يكون الأمر كلا أمرٍ» فهو مؤوَّلٌ بما لا يُذكَر المشبَّه بحيث يُنبِئ عن التَّشبيه، فيكون المراد رفع الإيجاب الكلِّيِّ، فيكون أعمَّ من عموم السَّلب.
стр. 8159
وأمَّا فحوى الخطاب؛ فلأنَّ المقام مقام المبالغة والاتِّحاد حتَّى اشتبه المراد على بعض الأذهان، لا مقام التَّغاير والتَّفاوت، ومدار الاستعارة حيثما كانت إنَّما هو على قصد المبالغة ودعوى الاتِّحاد، كما أنَّ مدار التَّشبيه إنَّما هو على قصد التَّغاير والتَّفاوت، والعمدةُ (١) في الفرق بينهما كمالُ التَّمييز بين المقامين بإعطاء كلِّ مقامٍ حقَّه، ثمَّ إنَّ المختار في نحو: زيدٌ أسدٌ هو التَّفصيل؛ فتارةً يكون استعارةً بحسب مقتضى المقام، وأخرى يكون تشبيهًا بحسبه أيضًا، فيكون هذا جمعًا بين القولين المختلفين، قال: فعُلِم من هذا ضعف قول من قال: إنَّه من باب الاستعارة على الإطلاق، كما عُلِم منه عدم متانة (٢) قول من قال: إنَّه من باب التَّشبيه على الإطلاق. انتهى.
و ﴿مِنَ﴾ في ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾: لابتداء الغاية، وهي ومجرورها في محلِّ نصبٍ بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ و ﴿مِنَ﴾ (٣) في ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾: يجوز كونها تبعيضيَّةً، فتتعلَّق بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ لأنَّ الخيط الأبيض هو بعض الفجر، وأن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من الضَّمير في ﴿الأَبْيَضُ﴾ أي: الخيط الذي هو أبيض كائنًا من الفجر، وعلى هذا: يجوز كون (٤) ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس؛ كأنَّه قيل: الخيط الأبيض الذي هو الفجر، قال التَّفتازانيُّ: المعنى على التَّبعيض: حال كون الخيط الأبيض بعضًا من الفجر، وعلى البيان: حال كونه هو الفجر فأعربه حالًا.
(﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾) إلى غروب الشَّمس، والجارُّ والمجرور يتعلَّق بالإتمام، أو في محلِّ نصبٍ على الحال من ﴿الصِّيَامَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: كائنًا إلى اللَّيل (﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾) ولا تجامعوهنَّ (﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾) بنيَّة القربة، والجملة حاليَّةٌ من فاعل ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ قال الضَّحَّاك: كان الرَّجل إذا اعتكف، فخرج من المسجد جامع إن شاء، حتَّى نزلت هذه الآية (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]) أي: يتَّقون مخالفة الأوامر والنَّواهي، وسقط «﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال: «الآية» (العَاكِفُ: المُقِيمُ) كذا فسَّره أبو عبيدة، وسقط ذلك (٥) لغير المُستملي.
стр. 8160
٤٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ؛ بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ عَدِيٍّ) هو ابن حاتمٍ الصَّحابيُّ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ) بعد نزول آية: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] (عِقَالًا) بكسر العين، أي: خيطًا (أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ) أي: وجعلهما تحت وسادته؛ كما في رواية هُشَيمٍ عن حُصَينٍ في «الصيَّام» [خ¦١٩١٦] (حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ؛ نَظَرَ) إليهما (فَلَمْ يَسْتَبِينَا) فلم يظهرا له (فَلَمَّا أَصْبَحَ) جاء إلى النَّبيِّ ﷺ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي) زاد الأصيليُّ: «عِقَالين» أي: لأستبين بهما الفجر من اللَّيل، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وِسَادي» بإسقاط تاء التَّأنيث (قَالَ) ﵊: (إِنَّ وِسَادَكَ) بغير تاء تأنيثٍ (إِذًا لَعَرِيضٌ؛ أَنْ) بفتح الهمزة (كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ) المذكوران في الآية (تَحْتَ وِسَادَتِكَ) بزيادة فوقيَّةٍ بعد الدَّال، وقول الخطَّابيِّ: «كنَّى بالوسادة عن النَّوم، أي: نومك إذًا لطويلٌ، ومعنى العريض هنا: الواسع الكبير، لا خلاف الطَّويل» يدفعُه ما في هذا الحديث؛ لأنَّ المشرق والمغرب إذا كانا تحت الوساد لزم عرضه قطعًا.
٤٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ، وسقط «بن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء المهملة وبعد الرَّاء المهملة المشدَّدة المكسورة فاءٌ، ابن طريفٍ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ