التَّالي (١) … وإلى آخره، فيحتمل أن يكون ممَّا نسي أيضًا، أو ممَّا ذكر، ورواه الإسماعيليُّ من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاقَ بلفظ: قلت: حدِّثني حديثًا حفظت أوَّله ونسيت آخره (٢)، وللتِّرمذيِّ كالمؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٥٨٤]: «بجاهليَّةٍ» بدل قوله: «بكفرٍ» (لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ) جواب «لولا» (فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ) منه (النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ) منه، ولأبي ذَرٍّ: «بابًا» في الموضعين؛ بالنَّصب على أنَّه بدلٌ أو بيانٌ لـ «بابين»، وضمير المفعول محذوفٌ من «يدخل» و «يخرجون»، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي (٣)، كما في فرع «اليونينيَّة»: إثبات ضمير الثَّاني وهي: «يخرجون منه» وهي منازعة الفعلين (٤) (فَفَعَلَهُ) أي: النقض المذكور والبابين (ابْنُ الزُّبَيْرِ) وهذه المرَّة الرَّابعة من بناء البيت، ثمَّ بناه الخامسةَ الحجَّاجُ
стр. 842
واستمرَّ، وقد تضمَّن الحديث معنى ما تُرجِم له لأنَّ قريشًا كانت تعظِّم أمر (١) الكعبة جدًّا، فخشي ﷺ أن يظنُّوا -لأجل قرب عهدهم بالإسلام- أنَّه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك. انتهى.
(٤٩) هذا (بابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ) أي: سِوَى قومٍ، لا بمعنى الأدْوَن (كَرَاهِيَةَ) بتخفيف الياء والنَّصب على التَّعليل، مضافٌ لقوله: (أَنْ لَا يَفْهَمُوا) و «أنْ» مصدريَّةٌ، والتَّقدير: لأجل كراهية عدم فَهْم القوم الذين هم سوى القوم الذين خصَّهم بالعلم، ولفظ: «أَنْ» ساقطٌ للأَصيليِّ، وهذه التَّرجمة قريبةٌ من السَّابقة، لكنَّها في الأفعال، وهذه في الأقوال.
١٢٧ - (وَقَالَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالبٍ ﵁: (حَدِّثُوا) بصيغة الأمر، أي: كلِّموا (النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ (٢)) ويدركون بعقولهم، ودَعُوا ما يشتبه عليهم فَهْمه (أَتُحِبُّونَ) بالخطاب (أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟!) لأنَّ الإنسان إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصوَّر إمكانه اعتقد استحالته جهلًا، فلا يصدِّق وجوده، فإذا أُسنِد إلى الله تعالى ورسوله ﷺ لزم ذلك المحذور، و «يُكذَّبَ» بفتح الذَّال على صيغة المجهول.
وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ مُوسَى) العبسيُّ مولاهم، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثنا به» (عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ) بفتح الخاء المُعجَمَة وتشديد الرَّاء المفتوحة وضمِّ المُوحَّدة آخره ذالٌ مُعجَمَةٌ مصروفٌ بـ «اليونينيَّة»، المكيُّ مولى قريشٍ، ضعَّفه ابن معينٍ، وليس له عند المؤلِّف سوى هذا
стр. 843
الحديث (١) وسقط في رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ لفظ «ابن خَرَّبُوذٍ» (عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) بضمِّ الطَّاء وفتح الفاء، عامر بن واثلة، وهو آخر الصَّحابة موتًا (عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ» (٢) أي: بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي المؤلِّف لأنَّه يلتحق بالثُّلاثيَّات؛ من جهة: أن الراويَ الثَّالث -وهو أبو الطُّفيل- صحابيٌّ، وأخَّر المؤلِّف السَّند هنا (٣) عن (٤) المتن ليميِّز بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر، أو (٥) لضعف الإسناد بسبب ابن خَرَّبُوذٍ، أو للتَّفنُّن وبيان الجواز، ومن ثمَّ وقع في بعض النُّسخ مُقدَّمًا، وقد سقط هذا الأثر كلُّه من رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ.
١٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أخبرنا» (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) أي: ابن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة مئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامٌ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا (٦) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ) أي: ابن جبلٍ (رَدِيفُهُ) أي: راكبٌ خلفَه (عَلَى الرَّحْلِ) بفتح الرَّاء وسكون الحاء المُهمَلَتين، وهو للبعير أصغر من القِتْب (٧)، وعند المؤلِّف في «الجهاد»: «أنَّه كان على حمار» [خ¦٢٨٥٦] (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ)
стр. 844
بضمِّ «معاذُ» منادى مفردٌ عَلَمٌ، واختاره ابن مالكٍ لعدم احتياجه إلى تقديرٍ، ونصبه على أنَّه مع ما بعده كاسمٍ واحدٍ مُركَّبٍ، كأنَّه أُضِيف، وهذا اختاره ابن الحاجب، والمُنادَى المُضَاف منصوبٌ فقط (قَالَ) أي: معاذ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) ﵊: (يَا مُعَاذُ، قَالَ) أي: معاذٌ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا) يعني: أنَّ نداءه ﵊ لمعاذٍ وإجابة معاذٍ قِيلَ ثلاثًا (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) شهادةً (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) والجارُّ والمجرور الأوَّل -وهو «من قَلْبِهِ» - يتعلَّق (١) بقوله: «صدقًا»،
стр. 845
أو بقوله: «يشهد»، فعلى الأوَّل الشَّهادة لفظيَّةٌ، أي: يشهد بلفظه ويصدِّق بِقَلْبِه، وعلى الثَّاني قلبيَّةٌ، أي: يشهد بقلبه ويصدِّق بلسانه (١)، واحتُرِز به عن شهادة المنافقين، فإن قلت: إنَّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشَّهادتين النَّار لِمَا فيه من التَّعميم والتَّأكيد، وهو مُصادِمٌ للأدلَّة القطعيَّة الدَّالَّة على دخول طائفةٍ من عُصَاة الموحِّدين النَّارَ، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة، أُجِيب: بأنَّ هذا مُقيَّدٌ بمن يأتي بالشَّهادتين تائبًا، ثمَّ يموت على ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم هنا: تحريم الخلود، لا أصل الدُّخول، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، إذِ الغالب أنَّ الموحِّدَ يعمل بالطَّاعات ويجتنب المعاصي، أو من قال ذلك مؤدِّيًا حقَّه وفرضه، أوِ المُرَاد: تحريم النَّار على اللِّسان النَّاطق بالشَّهادتين (٢) كتحريم مواضع السُّجود.
(قَالَ) معاذٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا) بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتَّقدير: أقلت ذلك فلا (٣) (أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟) نُصِبَ بحذف النُّون، والتَّقدير: فأن
стр. 846
يستبشروا، قال الدَّمامينيُّ: على القاعدة في نصب المضارع المقترن بالفاء في جواب العرض (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فيستبشرون» بالنُّون، أي: فَهُم يستبشرون (قَالَ) ﷺ : (إِذًا) أي: إن أخبرتهم (يَتَّكِلُوا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: يعتمدوا على الشَّهادة المُجرَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَنْكُلوا» بنونٍ ساكنةٍ وضمِّ الكاف، مِنَ النُّكول وهو الامتناع، أي: يمتنعوا عن العمل اعتمادًا على مُجرَّد التَّلفُّظ بالشَّهادتين (وَأَخْبَرَ) وفي روايةٍ: «أخبر» بغير واوٍ (بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: موت معاذٍ (تَأَثُّمًا) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والهمزة وتشديد المُثلَّثة، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ له، أي: تجنُّبًا عن الإثم إن كتم ما أمر الله بتبليغه (٢) حيث قال: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فإن قلت: سلَّمنا أنَّه تأثَّم من الكتمان، فكيف لا يتأثَّم من مخالفة الرَّسول ﵊ في التَّبشير؟ أُجِيب: بأنَّ النَّهيَ كان مُقيَّدًا بالاتِّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم تحريمُ الخلود، لا أصل الدُّخول فيها (٣)، أو أنَّ النَّهيَ إنَّما كان للتَّنزيه لا للتَّحريم، وإِلَّا لَمَا كان يخبر به أصلًا، وقد روى البزَّار من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ في هذه القصَّة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَذِنَ لمعاذٍ في التَّبشير، فَلَقِيَهُ عمرُ ﵁، فقال: لا تعجلْ، ثمَّ دخل فقال: يا نبيَّ الله، أنت أفضل رأيًا، إنَّ النَّاس إذا سمعوا ذلك اتَّكلوا عليها، قال: فَرَدَّه (٤)، وقد تضمَّن هذا الحديث أنْ يُخصَّ بالعلم قومٌ فيهمُ الضَّبطُ وصحَّةُ الفهم، ولا يُبذَل المعنى اللَّطيف لمن لا يستأهله (٥)، ومن يخاف عليه التَّرخيص والاتِّكال لتقصير فهمه، وهو مطابقٌ لما ترجم له المؤلِّف.
стр. 847
١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طرخان البصريُّ نزيل بني تيمٍ (١)، المُتوفَّى بالبصرة سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ (٢) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمانُ، المُتوفَّى بالبصرة سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: ذُكِرَ لِي) على صيغة المجهول، ولم يسمِّ أنسٌ مَنْ ذَكَرَ له ذلك، وهو غير قادحٍ في صحَّة الحديث لأنَّ متنه ثابتٌ من طريقٍ أخرى، وأيضًا: فأنسٌ لا يروي إلَّا عن عدلٍ صحابيٍّ أو غيره، فلا تضرُّ الجهالة هنا، ويحتمل أن يكون: عَمرو بن ميمونٍ، أو عبد الرَّحمن بن سَمُرة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ) زاد في رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت: «ابن جبلٍ» ومقول القول: (مَنْ لَقِيَ اللهَ) أي: مات حال كونه (لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) حين الموت (دَخَلَ الجَنَّةَ) وإن لم يعمل صالحًا إمَّا قبل دخوله النَّار أو بعده بفضل الله ورحمته، واقتصر على نفي الإشراك لأنَّه يستدعي التَّوحيد بالاقتضاء، ولم يذكر إثبات الرِّسالة لأنَّ نفيَ الإشراك يستدعي إثباتها؛ للزوم أنَّ من كذَّب رسل (٣) الله فقد كذَّب اللهَ، ومن كذَّب الله، فهو كافرٌ، أو هو نحو: من توضَّأ صحَّت صلاته، أي: عند وجود سائر الشُّروط، فالمُرَاد: مَنْ لَقِيَ اللهَ مُوحِّدًا بسائر ما يجب الإيمان به (قَالَ) معاذٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقال»: (أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك؟ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (لَا) تبشِّرهم، ثمَّ استأنف، فقال: (أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: أخاف اتِّكالهم على مُجرَّد التَّوحيد، وفي رواية كريمة وأبي الوقت: قال: «لا، إنِّي أخاف» وعلى الرِّواية الأولى: ليست كلمة النَّهيِ داخلةً على «أخاف»، فافهم.
стр. 848
(٥٠) هذا (بابُ الحَيَاءِ) بالمدِّ (فِي) تعلُّم (العِلْمِ) وتعليمه (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) أي: ابن جبرٍ، التَّابعيُّ الكبير، ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «الحلية» من طريق عليِّ بن المدينيِّ، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن منصورٍ، عنه بإسنادٍ صحيحٍ على شرط المؤلِّف: (لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيِيْ) بإسكان الحاء وبياءين أخيرتهما (١) ساكنةٌ، من: استحيا يستحيي على وزن «مُسْتَفْعِلٍ»، ويجوز فيه «مستحيٍ» أي: بياءٍ واحدةٍ (٢) من «استحى يستحي» على وزن «مُسْتَفْعٍ»، ويجوز «مستحٍ» من غير ياءٍ على وزن «مُسْتَفٍ» (وَلَا مُسْتَكْبِرٌ) يتعاظم ويستنكف أن يتعلَّم العلم ويستكثر منه، وهو أعظم آفات العلم، فالحياء هنا مذمومٌ لكونه سببًا لترك أمرٍ شرعيٍّ، و «لا» ليست ناهيةً، بل نافيةٌ، ومن ثمَّ كانت ميم «يتعلَّمُ» مضمومةً.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله مسلمٌ: (نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ) برفع «نساءُ» في الموضعين، فالأولى: على الفاعليَّة، والثَّانية: على أنَّها مخصوصةٌ بالمدح، والمُرَاد من نساءِ الأنصار نساء أهل المدينة (لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ) عن (أَنْ يَتَفَقَّهْنَ) أي: عنِ التَّفقُّه (فِي) أمور (الدِّينِ).
стр. 849
١٣٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام على الأكثر (١)، واقتصر عليه في فرع «اليونينيَّة»، وهو البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بمُعجَمَتين- الضَّرير التَّيميُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) وفي رواية ابن عساكر: «(٢) بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية الأربعة: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ) وأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزوميُّ، تُوفِّيت سنة ثلاثٍ وسبعين، ونُسِبت لأمِّها أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة بيانًا لشرفها؛ لأنَّها ربيبته ﷺ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة زوج النَّبيِّ ﷺ ﵂ أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ المُهمَلَة وفتح اللَّام، بنت مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام وبالحاء المُهمَلَة والنُّون، النَّجَّاريَّة والأنصاريَّة، وهي والدة أنس بن مالكٍ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) ليس الاستحياء هنا على بابه، وإنَّما هو جارٍ (٣) على سبيل الاستعارة التَّبعيَّة التَّمثيليَّة، أي: أنَّ الله لا يمتنع من بيان الحقِّ، فكذا أنا لا أمتنع من (٤) سؤالي عمَّا أنا مُحتَاجةٌ إليه، وإنَّما قالت ذلك بسطًا
стр. 850
لعذرها في ذكر ما يستحي النِّساء من ذكره عادةً بحضرة الرِّجال؛ لأنَّ نزول المنيِّ منهنَّ يدلُّ على قوَّة شهوتهنَّ للرِّجال (فَهَلْ) يجب (عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) بضمِّ الغَيْن، وفي روايةٍ: «من غَسْلٍ» بفتحها، وهما مصدران عند أكثر أهل اللُّغة، وقال الآخرون (١): بالضَّمِّ الاسم، وبالفتح المصدر، وحرف الجرِّ زائدٌ (إِذَا) هي (احْتَلَمَتْ؟) أي: رأت في منامها أنَّها تجامع (قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فقال» (النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) عليها الغُسل (٢) (إِذَا) أي: حين (رَأَتِ المَاءَ) أي: المنيَّ إذا استيقظت، فـ «إذا» ظرفيَّةٌ، ويجوز أن تكون شرطيَّةً، أي: إذا رأت وجب عليها الغسل، وجعل رؤية المنيِّ منها شرطًا للغُسل، يدلُّ على أنَّها إذا لم ترَ الماء لا غُسْلَ عليها، قالت زينب: (فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ) ﵂، أو قالته أمُّ سلمة على سبيل الالتفات من باب التَّجريد، كأنَّها جرَّدت من نفسها شخصًا، فأسندت إليه التَّغطية، إذِ الأصل: فَغَطَّيْتُ، قال عروة أو غيره: (تَعْنِي وَجْهَهَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر: بالتَّحتيَّة (٣)، وعند مسلمٍ من حديث أنسٍ: أنَّ ذلك وقع لعائشة أيضًا، فيحتمل حضورهما معًا في هذه القصَّة (وَقَالَتْ) أمُّ سلمة: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟) بحذف همزة الاستفهام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَوَ تحتلم» بإثباتها، وهو معطوفٌ على مُقدَّرٍ يقتضيه السِّياق، أي: أترى المرأةُ الماءَ وتحتلم؟ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) تحتلم وترى الماء (تَرِبَتْ يَمِينُكِ) بكسر الرَّاء والكاف، أي: افتقرت وصارت على التُّراب، وهي كلمةٌ جاريةٌ على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدُّعاء على المُخاطَب (فَبِمَ) بحذف الألف (يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟) وفي حديث أنسٍ في «الصَّحيح»: «فمن أين يكون الشَّبه؟ ماء الرَّجل غليظٌ أبيضُ، وماء المرأة رقيقٌ أصفرُ، فأيُّهما (٤) علا أو سبق يكون منه الشَّبه»، وفي هذا الحديث: ترك الاستحياء لمن عرضت له (٥) مسألةٌ.
стр. 851
١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت إمام دار الهجرة مالكٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المشهورِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، ثبت: «ابن عمر» والتَّرضِّي لابن عساكر (١) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ) وللأَصيليِّ: «هي» بإسقاط الواو (مَثَلُ المُسْلِمِ) بفتح الميم والمُثلَّثة، وفي روايةٍ: «مِثْل» بكسر الميم وسكون المُثلَّثة (حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «قالوا»: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَخْبِرْنَا بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ (٢)، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي) عمرَ (بِمَا) أي: بالذي (وَقَعَ فِي نَفْسِي) من أنَّها النَّخلة (فَقَالَ: لَأَنْ) بفتح اللَّام (تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا) أي: من حُمْرِ النَّعَم وغيرها، فإن قلت: لِمَ قال: «قُلْتَها» بلفظ الماضي مع قوله: «تكون» بلفظ المضارع (٣) وقد كان حقّه أن يقول: لأن كنت قلت؟ أُجِيب بأنَّ المعنى: لأن تكون في الحال موصوفًا بهذا القول الصَّادر في الماضي. انتهى. وإنَّما تأسَّف عمر ﵁ على كون ابنه لم يَقُلْ ذلك لتظهر فضيلته، فاستلزم حياؤه تفويت ذلك، وقد كان يمكنه إذا استحيا إجلالًا لمن هو أكبر منه أن يذكر ذلك لغيره (٤) سرًّا ليخبر به عنه (٥)، فيجمع بين المصلحتين، ومن ثمَّ عقَّبه المؤلِّف (٦) بقوله:
стр. 852
(٥١) (بابُ مَنِ اسْتَحْيَا) من العالم أن يسأل منه بنفسه (فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ) منه، ولفظ: «باب» ساقطٌ (١) للأَصيليِّ.
١٣٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بن عامرٍ الخُرَيْبِيُّ؛ نسبةً إلى خُرَيْبَة؛ بضمِّ الخاء المُعجَمَة وفتح الرَّاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح (٢) المُوحَّدَة، مَحلَّةٌ بالبصرة (٣)، المُتوفَّى سنة ثلاثَ عشْرةَ ومئتين (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُنْذِرٍ) بضمِّ الميم وسكون النُّون وكسر المُعجَمَة، وكنيته أبو يَعْلَى؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون المُهمَلَة وفتح اللَّام (الثَّوْرِيِّ) بالمُثلَّثة، الكوفِّي (عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ) المُتوفَّى سنة ثمانين أو إحدى وثمانين أو أربعَ عشْرةَ ومئةٍ (٤)، ودُفِنَ بالبقيع، والحنفيَّة أمُّه؛ وهي خولة بنت جعفرٍ الحنفيِّ اليماميِّ؛ بميمَين، وكانت من سبي بني حنيفة (عَنْ) أبيه (عَلِيٍّ) ﵁، وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ» أنَّه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) بالمُعجَمَة المُشدَّدة للمُبالَغَة في كثرة المذْي؛ وهو -بإسكان المُعجَمَة- الماء الذي يخرج من الرَّجل عند المُلاعَبَة، وهو منصوبٌ صفةُ «رجلًا» المنصوب خبر كان (فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ) بكسر الميم وسكون القاف، ابن عمرو، وزاد في رواية ابن عساكر: «ابنَ الأسود» وليس بأبيه، وإنَّما
стр. 853
ربَّاه أو تبنَّاه أو حالفه أو تزوَّج أمَّه فنُسِبَ إليه، وإنَّما أبوه عمرو بن (١) ثعلبة البهرانيُّ، وهو من السَّابقين إلى الإسلام، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين في خلافة عثمان ﵁ (أَنْ يَسْأَلَ) أي: بأنْ يسألَ (النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ) عن حكم المذْي (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (فِيهِ) أي: في المَذْيِ (الوُضُوءُ) لا الغسل، وقد استدلَّ بعضهم بهذا الحديث على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، وهو خطأٌ، ففي النَّسائيِّ: أنَّ السُّؤال وقع وعليٌّ حاضرٌ، قاله في «الفتح».
(٥٢) هذا (بابُ) جواز (ذِكْرِ العِلْمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ) وإن أدَّت المُباحَثَة في ذلك إلى رفع الأصوات (٢)، وسقط لفظ «بابٍ» عند الأَصيليِّ.
١٣٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية المُستملي: «حدَّثني» (قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقتِ وابن عساكر: «بن سعِيدٍ» بكسر العين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) إمام المصريِّين (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) هو ابن سَرْجِس؛ بفتح المُهْمَلَة وسكون الرَّاء وكسر الجيم آخره سينٌ مُهمَلَةٌ؛ وهو (مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) المُتوفَّى بالمدينة سنة سبْعَ عشْرَة ومئةٍ، وفي رواية ابن عساكر بإسقاط لفظة: «ابن الخطَّاب» (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ (٣)) النَّبويِّ، ولم يعرف اسم الرَّجل (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ
стр. 854
تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟) أي: بالإهلال؛ وهو رفع الصَّوت بالتَّلبية في الحجِّ، والمُرَاد به هنا: الإحرام مع التَّلبية، والسُّؤال عن موضع الإحرام، وهو الميقات المكانيُّ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُهِلُّ) بضمِّ الياء، أي: يُحْرِم (أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ) بضمِّ المهملة (١) وفتح اللَّام (وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأمِ (٢) مِنَ الجُحْفَةِ) بضمِّ الجيم وسكون المُهمَلَة (وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ) وهو: ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق (مِنْ (٣) قَرْنٍ) بفتح القاف وسكون الرَّاء؛ وهو جبلٌ مُدوَّرٌ أملسُ كأنَّه هضبةٌ، مُطِلٌّ على عرفاتٍ، وقوله: «ويُهِلُّ» في الكلِّ على صورة الخبر في الظَّاهر، والظَّاهر أن المُرَاد منه الأمر، فالتَّقدير: لِيُهِلَّ في الكلِّ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄؛ بواو العطف على لفظ «عن عبد الله بن عمر» عطفًا من جهة المعنى، كأنَّه قال: قال نافعٌ: قال ابن عمر، وسقط «الواو» للأَصيليِّ وابن عساكر (٤) (وَيَزْعُمُونَ) عطفٌ على مُقدَّرٍ؛ وهو «قال رسول الله ﷺ … » إلى آخر ما تقدَّم، ولا بدَّ من هذا التَّقدير لأنَّ هذه الواو لا تدخل بين القول ومقوله (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح اللَّامين؛ جبلٌ من جبال تهامة على مرحلتين من مكَّة (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَقُولُ: لَمْ
стр. 855
أَفْقَهْ) أي: لم أفهم (هَذِهِ) أي: الأخيرة (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وهذا من شدَّة تحرِّيه وورعه، وأطلق الزَّعم على القول المُحقَّق لأنَّه لا يريد من هؤلاء الزَّاعمين إلَّا أهل الحجَّة والعلم بالسُّنَّة، ومُحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم لأنَّ هذا ليس ممَّا يُقَال بالرَّأي، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٥٢٥] وبالله المُستَعَان.
(٥٣) (بابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ) وفي رواية ابن عساكر: «أكثر» (مِمَّا سَأَلَهُ) فلا يلزم مُطابَقَة الجواب للسُّؤال، بل إذا كان السَّبب (١) خاصًّا والجواب عامًّا جاز، وأمَّا ما وقع في كلام كثيرٍ من أهل الأصول: أنَّ الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسُّؤال فليس المُرَاد بالمُطابَقَة عدمَ الزِّيادة، بلِ المُرَادُ أنَّ الجواب يكون مفيدًا (٢) للحكم المسؤول عنه، ولفظ «باب» سقط عند الأَصيليِّ.
١٣٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمَة والهمزة السَّاكنة، واسمه: محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين، وهو والد سالمٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «والزُّهريِّ» بإسقاط حرف الجرِّ، وكلاهما عطفٌ على قوله: «عن نافعٍ عن ابن عمر»، فهما إسنادان: أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن نافعٍ عن (٣) ابن عمر، والآخر: عن آدم عن
стр. 856
ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن ابن عمر، وفي بعض النُّسخ: «ح» للتَّحويل قبل (١) «وعنِ الزُّهريِّ»: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (سَأَلَهُ) ﷺ : (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمُوحَّدة مضارع «لبِس» بكسر المُوحَّدَة (فَقَالَ) ﵊: (لَا يَلْبَسُِ) بفتح الأوَّل والثَّالث ويجوز ضمُّ السِّين على أنَّ «لا» نافيةٌ، وكسرها على أنَّها ناهيةٌ، والأوَّل لأبي ذَرٍّ (القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ) بكسر العَيْن (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدَة والنُّون (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: نبتٌ أصفرُ من اليمن يُصبَغُ به (أَوِ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء (٢)، وللأَصيليِّ: «مسَّه الزَّعفران أوِ الورس» (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلِْيَقْطَعْهُمَا) بكسر اللَّام وسكونها، عطفٌ على «فليلبس» (حَتَّى) أن (يَكُونَا) أي: غاية قطعهما (تَحْتَ الكَعْبَيْنِ) فإن قلت: السُّؤال قد وقع عمَّا يلبس، فكيف أجابه ﵇ بما لا يُلْبس؟ أُجِيب: بأنَّ هذا من بديع كلامه ﵊ وفصاحته لأنَّ المتروك منحصرٌ؛ بخلاف الملبوس لأنَّ الإباحة هي الأصل، فحصر ما يُترَك ليبيِّن أنَّ ما سواهُ مباحٌ. انتهى.
وفي هذا الحديث: السُّؤال عن حالة الاختيار، فأجابه ﵊ عنها، وزاده (٣) حالة الاضطرار في قوله: «فإن لم يجدِ النَّعلين»، وليست أجنبيَّةً عنِ السُّؤال لأنَّ حالة السَّفر تقتضي ذلك، وتأتي مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٨] بعون الله وقوَّته وفضله (٤) ومنَّته، وهذا آخر أحاديث «كتاب العلم»، وعدَّة المرفوع منها مئةُ حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ.
стр. 857
((٤)) كِتَابُ الوُضُوءِ
ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر «أحاديث الوحي» الذي هو (١) مادَّة الأحكام الشَّرعيَّة، وعقَّبه بـ «الإيمان»، ثمَّ بـ «العلم» شرع يذكر أحكام (٢) العبادات مرتِّبًا لذلك على ترتيب حديث (٣) «الصَّحيحين»: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان» [خ¦٨] وقدَّم الصَّلاة بعد الشَّهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلِّف بـ «الطَّهارة» لأنَّها مفتاح الصَّلاة، كما في حديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّها أعظم شروطها، والشَّرط مُقدَّمٌ على المشروط طبعًا، فقُدِّم عليه وضعًا، فقال:
(بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الوُضُوءِ) وهو بالضَّمِّ: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتوضَّأُ به، وحُكِيَ في كلٍّ الفتحُ والضَّمُّ، وهو مُشتَقٌّ من الوَضَاءة، وهي الحُسْنُ والنَّظافة لأنَّ المصلِّيَ يتنظَّف به فيصير وضيئًا، ولابن عساكر: تأخير البسملة عن «كتاب الوضوء»، ولغير ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «في الوضوء» (٤).
(١) هذا (باب مَا جَاءَ) من اختلاف العلماء (فِي) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 858
آمَنُواْ﴾ (١) (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) أي: مع المرافق، ودلَّ على دخولها في الغَسل الإجماع، كما استدلَّ به الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وفعله ﷺ فيما روى (٢) مسلمٌ: أنَّ أبا هريرة توضَّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمَّ غسل يده اليمنى حتَّى أشرع في العضد، ثمَّ اليُسْرى حتَّى أشرع في العضد … الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ»، فثبت غَسله ﵊ لها، وفعله بيانٌ للوضوء المأمور به، ولم يُنقَل تركُه ذلك، ودلَّ عليه الآية أيضًا بجعل اليد -التي هي حقيقةً إلى المنكب، وقِيلَ: إلى الكوع مجازًا- إلى المرافق (٣)، مع جعل «إلى» للغاية الدَّاخلة هنا في المُغَيَّا، أو للمعيَّة كما في: ﴿مَنْ (٤) أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤] أو بجعل اليد باقيةً على حقيقتها إلى المنكب مع جعل ﴿إِلَى﴾ غايةً للغسل، أو للتَّرك المُقدَّر، كما قال بكلٍّ منهما جماعةٌ، فعلى الأوَّل منهما: تدخل الغاية، لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل، كما قِيلَ لعدم اطِّراده كما قال التَّفتازانيُّ وغيره، فإنَّها قد
стр. 859
تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع (١) والاحتياط للعبادة، قال المتولِّي: بناءً على أنَّها حقيقةٌ إلى المنكب لو اقتصر على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لوجب غسل الجميع، فلمَّا قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أخرج البعض عن الوجوب، فما تحقَّقنا خروجه تركناه، وما شَكَكْنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة. انتهى. والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق (٢)، وعلى الثَّاني: تخرج الغاية (٣)، والمعنى: اغسلوا أيديكم واتركوا منها (٤) إلى المرافق (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾) بالجرِّ، وللأَصيليِّ بالنَّصب (﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]) هل فيه تقديرٌ، أوِ الأمر على ظاهره وعمومه؟ فقال بالأوَّل الأكثرون، فإنَّه مُطلَقٌ أُرِيد به التَّقييد، والمعنى: إذا أردتمُ القيام إلى الصَّلاة وأنتم (٥) مُحْدِثِينَ، وقال الآخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقديرِ حذفٍ، إلَّا أنَّه في حقِّ المُحْدِثِ واجبٌ، وفي حقِّ غيره مندوبٌ، وقِيلَ: كان ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ نُسِخَ فصار مندوبًا، واستدلُّوا له بحديث عبد الله بن حنظلة الأنصاريِّ: «أنَّ رسول الله ﷺ أمر (٦) بالوضوء لكلِّ صلاةٍ طاهرًا كان أو غير طاهرٍ، فلمَّا شقَّ عليه، وُضِعَ عنه الوضوء إلَّا من حَدَثٍ» رواه أبو داود، وهو ضعيفٌ لقوله ﵊: «المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأَحِلُّوا حلالها، وحرِّموا حرامها».
وافتتح المؤلِّف ﵀ الباب بهذه الآية للتَّبرُّك، أو لأصالتها في استنباط مسائله وإن كان حقُّ
стр. 860
الدَّليل أن يُؤخَّر عنِ المدلول لأنَّ الأصل في الدَّعوى تقديم المُدَّعى، وعبَّر عن إرادة الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ بالفعل المُسَبَّب عنها للإيجاز، والتَّنبيه على أنَّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكُّ الفعل عن الإرادة، واختُلِف في موجب الوضوء؟ فصحّح في «التَّحقيق» و «المجموع» و «شرح مسلمٍ»: الحدث والقيام إلى الصَّلاة معًا، وبعضهم: القيامُ إلى الصَّلاة، ويدلُّ له حديث ابن عبَّاسٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمتُ إلى الصَّلاة» رواه أصحاب «السُّنن»، وقال الشَّيخ أبو عليٍّ: الحدث وجوبًا موسَّعًا، وعليه يتمشَّى نيَّة الفرضيَّة قبل الوقت، ويجوز أن يُقَال ما يعني بها لزوم (١) الإتيان، ولهذا يصحُّ من الصَّبيِّ، بلِ المعنى: إقامة طهارة الحدث المشروطة للصَّلاة، وشروط الشَّيء تُسمَّى فروضُه، وهلِ الحدث يحلُّ جميع البدن كالجنابة حتَّى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه، أو يختصُّ (٢) بالأعضاء الأربعة؟ خلافٌ، والأصحُّ: الثَّاني، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «ما جاء في قول الله» دون ما قبله،
стр. 861
وفي فرع «اليونينيَّة» كأصلها: «ما جاء في الوضوء، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٦] إلى ﴿الْكَعْبَينِ﴾» [المائدة: ٦] ولكريمة: «بابٌ في الوضوء، وقول الله … » إلى آخره. وفي نسخةٍ: صُدِّر بها في فرع «اليونينيَّة» (١) عقب البسملة: «كتاب الطَّهارة. باب: ما جاء في الوضوء»، وهو (٢) أنسب من السَّابق لأنَّ الطَّهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يُذكَر فيه نوعٌ من الأنواع ينبغي أن يُترجَم بنوعٍ عامٍّ حتَّى يشمل جميع ذلك، ولا بدَّ من التَّقييد بالماء لأنَّ الطَّهارة تُطلَق على التُّراب، كما قال (٣) الشَّافعيُّ، والطَّهارة بالفتح مصدر «طَهَُر» بفتح الهاء وضمِّها، والفتح أفصح، «يطهَر» بالفتح فيهما، وهي لغةً: النَّظافة والخُلوص من الأدناس، حسيَّةً كالأنجاس، أو معنويَّةً كالعيوب، يُقَال: تطهَّرت بالماء، وهم قومٌ يتطهَّرون، أي: يتنزَّهون عن العَيب، وشرعًا -كما قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» -: رفعُ حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما وعلى (٤) صورتهما؛ كالتَّيمُّم، والأغسال (٥) المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثَّانية والثَّالثة، ومسح الأُذنين (٦)، والمضمضة، ونحوها من نوافل الطَّهارة، وطهارة (٧) المستحاضة وسلس البول.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) يعني: البخاريَّ ممَّا سيأتي موصولًا [خ¦١٥٧]: (وَبَيَّنَ) وفي رواية الأَصيليِّ «قال: وبيَّن» (النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ) المُجمَل في الآية السَّابقة: غسلُ الأعضاء (مَرَّةً) للوجه، وَ (مَرَّةً) لليد إلى آخره، فالتَّكرار لإرادة التَّفصيل (٨)، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ،
стр. 862
أو على الحال السَّادَّةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعل مرَّةً، وقال في «الفتح»: وهو في روايتنا بالرَّفع على الخبريَّة. انتهى. وهو أقرب الأوجه، والأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» فقط (وَتَوَضَّأَ) ﷺ (أَيْضًا) وضوءًا (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذَرٍّ (١)، ولغيره: «مرَّتين» بغير تكرارٍ (وَ) توضَّأ ﵊ أيضًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مَّراتٍ، وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «وثلاثًا ثلاثًا» بالتَّكرار (وَلَمْ يَزِدْ) ﵊ (عَلَى ثَلَاثٍ) أي: ثلاث مرَّاتٍ، بل ورد أنَّه ذمَّ من زاد عليها، كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أبي داود وغيره بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه (٣) ﷺ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أي: ظلم بالزِّيادة أو (٤) بإتلاف الماء، ووضعه في غير موضعه، وظاهره: الذَّمُّ بالنَّقص من (٥) الثَّلاث، وهو مُشْكِلٌ، وأُجِيب بأنَّ فيه حذفًا تقديره: من نقص من واحدةٍ فقد أساء، ويؤيِّده ما رواه نُعيم بن حمَّادٍ (٦) مرفوعًا: «الوضوء مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، فمن نقص من واحدةٍ أو زاد على ثلاثٍ فقد أخطأ»، وهو مُرسَلٌ، ورجاله ثقاتٌ، وقال في «المجموع» عن الأصحاب وغيرهم: إنَّ المعنى زاد على الثَّلاث أو نقص منها، قال: واختلف أصحابنا في معنى: أساء وظلم، فقِيلَ (٧): أساء في النَّقص، وظلم في الزِّيادة، فإنَّ الظُّلم مُجاوَزَةُ الحدود ووضع الشَّيء في غير محلِّه، وقِيلَ: عكسُه لأنَّ الظُّلم يُستعمَل بمعنى النَّقص كقوله (٨) تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقِيلَ: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصَّلاح لأنَّه ظاهر الكلام. انتهى. وأُجِيب أيضًا بأنَّ الرُّواة لم يتَّفقوا على ذكر النَّقص فيه، بل أكثرهم اقتصر
стр. 863
على قوله: «فمن زاد» فقط كما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» وغيره، بل عدَّ مسلمٌ قوله: «أو نقص» ممَّا أُنكِر على عمرو بن شعيبٍ، وإنَّما تحسب غَسلةً (١) إذا استوعب العضو، فلو شكَّ في العدد أثناء الوضوء فقِيلَ: يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعةٍ (٢)، والأصحُّ بالأقلِّ كالرَّكعات، والشَّكُّ بعد الفراغ لا عبرة به على الأصحِّ لئلَّا يؤدِّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «على ثلاثةٍ» بالهاء، والأصل عدمها، إذِ المعدود مُؤنَّثٌ، لكنَّه أوَّله بأشياء، وفي أخرى: «على الثَّلاث» (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون (الإِسْرَافَ فِيهِ) كراهة تنزيهٍ، وهذا هو الأصحُّ من مذهبنا، وعبارة إمامنا الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: لا أحبُّ أن يزيد المتوضِّئ على ثلاثٍ، فإن زاد لم أكرهه، أي: لم أحرمه لأنَّ قوله: «لا أحبُّ» يقتضي الكراهة، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزِّيادة على الثَّلاث، وقال ابن المُبارَك: لا آمن أن يأثم، ثمَّ عطف المؤلِّف على السَّابق لتفسيره قوله: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا) أي: أهل العلم (فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فليس المُرَاد بالإسراف إلَّا المُجاوَزَة عن فعله ﷺ الثَّلاث، وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن ابن مسعودٍ قال: ليس بعد الثَّلاث شيءٌ، وفي الفرع كأصله تصحيحٌ على واو «وأنْ» من غير رقم (٣).
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، على ما لم يُسمَّ فاعله (صَلَاةٌ) بالرَّفع نائبٌ عنه، وفي روايةٍ بفرع «اليونينيَّة» موافقةٌ لِما عند المؤلِّف في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٤]: «لا يقبل الله صلاةً» (بِغَيْرِ طُهُورٍ) بضمِّ الطَّاء: الفعل الذي هو المصدر، والمُرَاد به: ما هو أعمُّ من الوضوء والغُسل، وبفتحها: الماء الذي يُتطهَّر به، وهذه التَّرجمة لفظ حديثٍ ليس على شرط المؤلِّف، رواه مسلمٌ وغيره من حديث ابن عمر، وقد قال القاضي عياضٌ في «شرحه»: إنَّه
стр. 864
نصٌّ في وجوب الطَّهارة، وتعقَّبه أبو (١) عبد الله الأُبِّيُّ بأنَّ الحديث إنَّما فيه أنَّها شرطٌ في القبول، والقبولُ أخصّ من الصِّحَّة، وشرط الأخصِّ لا يجب أن يكون شرطًا في الأعمِّ، وإنَّما كان القبول أخصّ لأنَّ حصول الثَّواب على الفعل، والصِّحَّة وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكلُّ مُتقبَّلٍ صحيحٌ دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشَّرط الذي هو الطَّهارة القبولُ لا الصِّحَّة، وإذا لم تنتفِ الصِّحَّة لم يتمَّ الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجُّون (٢) به، وفيه من البحث ما سمعت، فإن قلت: إذا فُسِّرَتِ (٣) الصِّحَّة بأنَّها وقوع الفعل مطابقًا للأمر فالقواعد تدلُّ على أنَّ الفعل إذا وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثَّواب، قلت: غرضنا إبطال التَّمسُّك بالحديث من قبل الشَّرطيَّة، وقد اتَّضح، ثمَّ نمنع أنَّها سببٌ في حصول الثَّواب لأنَّ الأعمَّ ليس سببًا في حصول أخصِّه المُعيَّن. انتهى. ويُجاب بأنَّ المُرَاد بالقبول هنا ما يرادف الصِّحَّة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول: ثمرة وقوع الطَّاعة مجزِئةً رافعةً لمَا في الذِّمَّة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبَّر عنه بالقبول مجازًا؛ لأنَّ الغرض من الصِّحَّة مُطابَقَة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتَّب عليه القبول، وإذا انتفى القبول انتفتِ الصِّحَّة، لِما قام من الأدلَّة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت، وأمَّا القبول المنفيُّ في نحو قوله: «من أتى عرَّافًا لم يقبل له صلاة» فهو الحقيقيُّ؛ لأنَّه قد يصحُّ العمل ويتخلَّف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السَّلف يقول: «لأن تُقبَل لي (٤) صلاةٌ واحدةٌ أحبُّ إليَّ من جميع الدُّنيا». قال (٥) ابن عمر (٦): لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
стр. 865
١٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بالظَّاء المُعجَمَة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأوَّل (١) وضمِّ ميم الثَّاني وفتح النُّون وتشديد المُوحَّدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (صَلَاةُ مَنْ) أي: الذي (أَحْدَثَ) و «صلاةُ» بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، وفي روايةٍ: «لا يقبل الله صلاةً» بالنَّصب على المفعوليَّة، «مَنْ أَحْدَث»، أي: وُجِدَ منه الحَدَثُ الأكبر كالجنابة والحيض (٢)، والأصغر النَّاقض للوضوء (حَتَّى) أي: إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء أو ما يقوم مقامه، فتُقبَل حينئذٍ، قال في «المصابيح»: قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أنَّ الصَّلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوءٌ صحَّت صلاةً، فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يُدفَع من لفظ الشَّارع، وهو أَوْلى من التَّمسُّك بدليلٍ خارجٍ؛ وذلك بأن تُجعَل الغاية للصَّلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ لا تُقبَل. انتهى. والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التَّيمُّم، وأنَّه يُسمَّى وضوءًا كما عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي ذَرٍّ أنَّه ﷺ قال: «الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عَشْرَ سنين»، فأطلق ﵊ على التَّيمُّم أنَّه وضوءٌ لكونه قام (٣) مقامه، وإنَّما اقتصر على ذكر (٤) الوضوء نظرًا إلى كونه الأصل، ولا يخفى أنَّ المُرَاد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضَّأ، أي: مع باقي شروط الصَّلاة، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاةٍ لأنَّ القبول انتفى (٥) إلى غاية الوضوء، و (٦) ما بعدها مخالفٌ لِمَا قبلَها، فاقتضى ذلك قبول الصَّلاة بعد الوضوء مُطلَقًا، وفيه الدَّليل على بطلان الصَّلاة بالحدث، سواءٌ
стр. 866
كان خروجه اختياريًّا أمِ اضطراريًا لعدم التَّفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.
(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الضَّاد (١) المُعجَمَة وفتح الرَّاء والميم، بلدٌ باليمن، وقبيلةٌ أيضًا: (مَا الحَدَثُ) وفي روايةٍ: «فما الحدث» (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ:) هو (فُسَاءٌ) بضمِّ الفاء والمدِّ (أَوْ ضُرَاطٌ) بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة (٢)، وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبُر، لكنَّ الثَّانيَ مع صوتٍ، وإنَّما فسَّر أبو هريرة الحدث بهما تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو أنَّه أجاب السَّائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، وإلَّا فالحدث يُطلَق على الخارج المُعتَاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكميِّ المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسيَّة، وعلى المنع من العبادة المترتِّب (٣) على كلِّ واحدةٍ من الثَّلاث (٤)، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يعني بـ «الحدث» الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأنَّ الواقع لا يرتفع، فلم يبقَ أن يعنيَ إلَّا المنع أو الوصف (٥).
(٣) هذا (بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ) بالجرِّ على الإضافة (وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ) بالرَّفع عطفًا على «بابُ» أي: وبابُ الغرِّ المُحجَّلين، فأُقِيمَ المُضَاف إليه مُقام «بابٍ» المحذوف، أوِ «الغرُّ» مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ، أي: يُفضَّلون (٦) على غيرهم، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «وفضل الغرِّ المُحَجَّلين» (مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ) جمع أثر الشَّيء، وهو بقيَّته.
стр. 867
١٣٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة، المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ أيضًا (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن يزيد، مِنَ الزِّيادة، الإسكندرانيِّ البربريِّ الأصل، المصريِّ الفقيه المفتي التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ (١) مولاهم، المصريِّ (٢) المولد، المدنيِّ المنشأ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون وفتح العَيْن وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن عبد الله المدنيِّ العدويِّ (المُجْمِرِ) (٣) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية، اسم فاعلٍ مِنَ الإجمار على الأشهر، وقِيلَ: بتشديد الميم الثَّانية، مِنَ التَّجمير، وهو صفةٌ لهما حقيقةً أنَّه (قَالَ: رَقِيتُ) بكسر القاف، أي: صعدت (مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَتَوَضَّأَ) بالفاء التَّعقيبيَّة، وفي نسخةٍ بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «توضَّأ» بدونهما، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يومًا» بدل «توضَّأ»، وهو تصحيفٌ، وللإسماعيليِّ وغيره: «ثمَّ توضَّأ» (فَقَالَ) وفي رواية الأربعة: «قال» بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثمَّ ماذا؟ فقال: قال: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ) بلفظ المضارع استحضارًا للصُّورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها: (إِنَّ أُمَّتِي) المؤمنين (يُدْعَوْنَ) بضمِّ
стр. 868
أوَّله وفتح ثالثه (يَوْمَ القِيَامَةِ) على رؤوس الأشهاد حال كونهم (غُرًّا) بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة وتشديد الرَّاء، جمع أَغَرَّ، أي: ذو غُرَّةٍ، وهي بياضٌ في الجبهة، والمُرَاد به: النُّور يكون في وجوههم، وحال كونهم (مُحَجَّلِينَ) مِنَ التَّحجيل، وهو بياضٌ في اليدين والرِّجلين، والمُرَاد به: النُّور أيضًا، أي: يُدْعَوْن إلى يوم القيامة وهم بهذه الصِّفة، فيكون مُعدًّى بـ «إلى» نحو: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّ حذف مثل هذا الحرف ونصب المجرور بعد حذفه غير مقيسٍ، قال: ولنا مندوحةٌ عن ارتكابه بأن يُجعَل (١) «يوم القيامة» ظرفًا، أي: يُدعَوْنَ فيه غُرًّا مُحجَّلين. انتهى. وقال ابن دقيق العيد: أو مفعولٌ ثانٍ لـ «يُدْعَون» بمعنى: يُنادَون على رؤوس الأشهاد بذلك، أو بمعنى يُسمَّون بذلك (٢)، فإن قلت: الغُرَّة والتَّحجيل في الآخرة (٣) صفاتٌ لازمةٌ غير مُنتقلةٍ، فكيف يكونان حالين؟ أُجِيب بأنَّ الحال تكون منتقلةً، أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مُؤكِّدًا نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ [البقرة: ٩١] ومنه: خلق الله الزَّرافةَ يديها أطولَ من رجليها، فـ «أطول»: حالٌ لازمةٌ غير منتقلةٍ، لكنَّها في حكم المنتقلة لأنَّ المعلوم من سائر الحيوانات استواءُ القوائم الأربع، فلا يخبر بهذا الأمر إلَّا من يعرفه، وكذلك هنا المعلوم في (٤) سائر الخلق عدم الغُرَّة والتَّحجيل، فلمَّا جعل الله ذلك (٥) لهذه الأمَّة دون سائر الأمم صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى، ويحتمل أن تكون هذه علامةً لهم في الموقف وعند الحوض، ثمَّ
стр. 869
تنتقل عنهم عند دخولهم الجنَّة، فتكون منتقلةً بهذا المعنى (١) (مِنْ) أي: لأجل (آثَارِ الوُضُوءِ) (٢) أو «من» سببيَّةٌ، أي: بسبب آثار الوضوء، ومثله قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] أي: بسبب خطاياهم أُغْرِقُوا، وحرف الجرِّ متعلِّقٌ بـ «مُحَجَّلين»، أو بـ «يُدْعَوْن»، على الخلاف في «باب التَّنازع» بين البصريِّين والكوفيِّين، والوضوء (٣)، بضمِّ الواو، ويجوز فتحها، فإنَّ الغُرَّة والتَّحجيل نشأا عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسَب إلى كلٍّ منهما (فَمَنِ اسْتَطَاعَ) أي: قدر (مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) بأن يغسل شيئًا من مُقدَّم رأسه وما (٤) يجاوز (٥) وجهه زائدًا على القدر الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه، وأن يطيل تحجيله بأن يغسل بعض عضده أو يستوعبها كما رُوِيَ عن أبي هريرة وابن عمر (فَلْيَفْعَلْ) ما ذُكِرَ من الغُرَّة والتَّحجيل، فالمفعول محذوفٌ للعلم به، ولـ «مسلمٍ»: «فَلْيُطِلْ غُرَّته وتحجيله»، وادَّعى ابنُ بطَّالٍ وعياضٌ وابنُ التِّين اتِّفاقَ العلماء على عدم استحباب الزِّيادة فوق المرفق والكعب، ورُدَّ بأنَّه ثبت من فعله ﷺ وفعل أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة من فعل ابن عمر بإسنادٍ حسنٍ، وعمل العلماء وفتواهم عليه، وقال به القاضي حسينٌ وغيره من الشَّافعيَّة والحنفيَّة، وأمَّا قوله ﷺ : «فمن (٦) زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» فالمُرَاد به: الزِّيادة في عدد المرَّات أو النَّقص عن الواجب، لا الزِّيادة على تطويل الغُرَّة والتَّحجيل، وهما من خواصِّ هذه الأمَّة لا أصل الوضوء، واقتصر
стр. 870
هنا على «الغُرَّة» لدلالتها على الآخَر، وخصَّها بالذِّكر لأنَّ محلَّها أشرف أعضاء الوضوء، وأوَّل ما يقع عليه النَّظر من الإنسان، وحمل ابن عرفة -فيما نقله عنه أبو عبد الله الأُبِّيُّ- الغُرَّة والتَّحجيل على أنَّهما كنايةٌ عن إنارة كلِّ الذَّات، لا أنَّه مقصورٌ على أعضاء الوضوء، ووقع عند التِّرمذيِّ من حديث عبد الله بن بُسْرٍ (١) وصحَّحه: «أمَّتي يوم القيامة غُرٌّ من السُّجود مُحجَّلةٌ (٢) من الوضوء» قال في «المصابيح»: وهو مُعارَضٌ بظاهر ما في «البخاريِّ».
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَتَوَضَّأُ) بفتح أوَّله، وفي رواية ابن عساكر: «باب من لا (٣) يتوضَّأ» (مِنَ الشَّكِّ) أي: لأجله، كقوله:
وذلكَ من نَبَأٍ جاءني ....................
والشَّكُّ عند الفقهاء: هو التَّردُّد على السَّواء (حَتَّى يَسْتَيْقِنَ).
стр. 871
١٣٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله (١) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب) بفتح الياء (وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العَيْن المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة، ابن يزيد الأنصاريِّ المدنيِّ، عدَّه الذَّهبيُّ في الصَّحابة، وغيره في التَّابعين، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: «وعن عَبَّاد» وهو خطأٌ، لأنَّه لا رواية لسعيد بن المُسَيَّب عن عَبَّادٍ (٢) أصلًا، وحينئذٍ فالعطف على قوله: «عن سعيد بن المُسيَّب» هو الصَّحيح؛ لأنَّ الزُّهريَّ يروي عن سعيدٍ وعَبَّادٍ، وكلاهما (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، الأنصاريِّ المازنيِّ، قُتِلَ في ذي الحجَّة بالحرَّة في آخر سنة ثلاثٍ وستِّين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث (أَنَّهُ شَكَا) بالألف، أي: عبد الله بن زيدٍ، كما صرَّح به ابن خزيمة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرَّجُلَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي بعض الرِّوايات (٣): «أنَّه شُكِيَ» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول -موافقةً لـ «مسلمٍ» كما ضبطه النَّوويُّ رحمه الله تعالى - «الرَّجلُّ» بالضَّمِّ، قال في «التَّنقيح»: وعلى هذين الوجهين -أي: في «شكا» - يجوز في «الرَّجل» الرَّفع والنَّصب، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ الوجهين محتملان (٤) على الأوَّل وحده، وذلك أنَّ ضمير «أنَّه» يحتمل أن يكون ضمير الشَّأن، و «شكا الرَّجل»: فعلٌ وفاعلٌ مفسِّرٌ (٥) للشَّأن، ويحتمل أن يعود إلى الرَّاوي، و «شكا» مَسنَدٌ إلى ضميرٍ يعود إليه أيضًا، و «الرَّجلَ» مفعولٌ به (الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المُعجَمَة، مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، أي: يُشبَّه (٦) له (أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ) أي: الحدث خارجًا من دبره، وهو (فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ) ﷺ : (لَا يَنْفَتِلُْ أَوْ لَا يَنْصَرِفُْ) بالجزم فيهما على
стр. 872
النَّهي، وبالرَّفع على النَّفي، والشَّكُّ من الرَّاوي، وكأنَّه من شيخ المؤلِّف عليٍّ (حَتَّى) أي: إلى أن (يَسْمَعَ صَوْتًا) من دبره (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) منه، والمُرَاد: تحقُّق وجودهما حتَّى إنَّه لو كان أخشمَ لا يشمُّ أو أصمَّ لا يسمع كان الحكم كذلك، وذكرهما (١) ليس لقصر الحكم عليهما (٢)، فكلُّ حدثٍ كذلك، إلَّا أنَّه وقع جوابًا لسؤالٍ (٣)، لأنَّ المعنى: إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث: «إذا استهلَّ الصَّبيُّ ورثَ وصُلِّي عليه» إذ لم يَرِدْ تخصيص الاستهلال دون غيره من أمارات الحياة كالحركة والنَّبض ونحوهما، وهذا الحديث فيه قاعدةٌ لكثيرٍ من الأحكام، وهي استصحاب اليقين وطرح الشَّكِّ الطَّارئ، والعلماء متَّفقون على ذلك، فمن تيقَّن الطَّهارة وشكَّ في الحدث عمل بيقين الطَّهارة، أو تيقَّن الحدث وشكَّ في الطَّهارة عمل بيقين الحدث، فلو تيقَّنهما وجهل السَّابق منهما -كما لو تيقَّن بعد طلوع الشَّمس حدثًا وطهارةً ولم يعلمِ السَّابق- فأوجهٌ، أصحُّها: إسناد (٤) الوهم لِمَا قبل الطُّلوع، فإن كان قبله محدثًا فهو الآن متطهِّرٌ لأنَّه تيقَّن أنَّ الحدث السَّابق ارتفع بالطَّهارة اللَّاحقة، وشكَّ هل ارتفع أم لا؟ والأصل بقاؤه، وإن كان قبله متطهِّرًا نُظِر، إن كان ممَّن (٥) يعتاد تجديد الوضوء فهو الآن مُحْدِثٌ؛ لأنَّ الغالب أنَّه بنى وضوءه على الأوَّل، فيكون الحدث بعده، وإن لم يَعْتَدْ فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّ طهارته بعد الحدث، وإن لم يتذكَّر ما قبلهما توضَّأ للتَّعارض، واختار في «المجموع» لزوم الوضوء بكلِّ حالٍ احتياطًا، وذكر في «شرح المُهذَّب» و «الوسيط»: أنَّ الجمهور أطلقوا المسألة، وأنَّ المُقيِّد لها المتولِّي والرَّافعيُّ، مع أنَّه نقله في «أصل الرَّوضة» عن الأكثرين، قال في «المُهمَّات»: وعليه الفتوى، وقد أخذ بهذه القاعدة -وهي العمل بالأصل- جمهور العلماء خلافًا لمالكٍ؛ حيث رُوِيَ عنه النَّقض مُطلَقًا، أو خارج الصَّلاة دون داخلها. ورُوِيَ هذا التَّفصيل عن الحسن البصريِّ، والأوَّل مشهورُ مذهب مالكٍ، قاله القرطبيُّ، وهو رواية ابن القاسم عنه، وروى ابن نافعٍ عنه: لا وضوء عليه مُطلَقًا كقول (٦) الجمهور، وروى ابن وهبٍ عنه:
стр. 873
أحبُّ إليَّ أن يتوضَّأ (١)، ورواية التَّفصيل لم تثبت عنه، وإنَّما هي لأصحابه، وقال القَرَافيُّ: ما ذهب إليه مالكٌ أرجحُ لأنَّه احتاط للصَّلاة، وهي مقصدٌ، وألغى الشَّكَّ في السَّبب المبرِّئ، وغيره احتاط للطَّهارة، وهي وسيلةٌ، وألغى الشَّكَّ في الحدث النَّاقض لها، والاحتياط للمقاصد أَوْلى من الاحتياط للوسائل، وجوابه: أنَّ ذلك من حيث النَّظر أقوى، لكنَّه مغايرٌ لمدلول الحديث؛ لأنَّه أمرٌ بعدم الانصراف إلَّا أن يتحقَّق، والله سبحانه أعلم بالصَّواب.
(٥) هذا (بابُ) جواز (التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ (٢)).
١٣٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثني» (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن (٣) المدينيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدَةٌ، ابن أبي مسلمٍ القرشيُّ، مولى عبد الله بن عبَّاسٍ، المُكنَّى بأبي رِشْدِيْن، بكسر الرَّاء وسكون المُعجَمَة وكسر المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتَّية آخره نونٌ، المُتوفَّى بالمدينة سنة ثمانٍ وتسعين (عَنِ ابْنِ
стр. 874
عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ) مضطجعًا (حَتَّى) أي: إلى أن (نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى) وفي رواية ابن عساكر بإسقاط: «ثمَّ صلَّى» (وَرُبَّمَا قَالَ) سفيان: (اضْطَجَعَ) ﵊ (حَتَّى) أي: إلى أن (نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى) أي: قالها بدون قوله: «نام» وبزيادة «قام»، قال عليُّ بن المدينيِّ: (ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ تحديثًا (مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ) أي: كان يحدِّثهم تارةً مُختَصرًا وتارةً مُطوَّلًا (عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدَة (عِنْدَ خَالَتِي) أمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليَّة (لَيْلَةً) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مبتدئًا (مِنَ اللَّيْلِ) وفي رواية ابن السَّكن: «فنام (١)» مِنَ النَّوم، وصوَّبها القاضي عياضٌ لقوله: (فَلَمَّا كَانَ فِي) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «من» (بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ) وللأربعة: «رسول الله» (٢) (¬ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ) بفتح الشِّين المُعجَمَة وتشديد النُّون، أي: من قِرْبةٍ خَلِقَةٍ (مُعَلَّقٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «شنٍّ» على تأويله بالجلد أو الوعاء، وفي روايةٍ: «مُعَلَّقةٍ» بالتَّأنيث (وُضُوءًا خَفِيفًا) بالنَّصب على المصدريَّة في الأولى، والصِّفة في الأخرى (يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو) بن دينارٍ بالغسل الخفيف مع الإسباغ (وَيُقَلِّلُهُ) بالاقتصار على المرَّة الواحدة، فالتَّخفيف من باب الكيف، والتَّقليل من باب الكمِّ، وذلك أدنى ما تجوز به الصَّلاة (وَقَامَ) ﵊ (يُصَلِّي) وفي روايةٍ عنه: «فصلَّى» (فَتَوَضَّأْتُ) وضوءًا خفيفًا (نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ) ﷺ ، وفي روايةٍ تأتي إن شاء الله تعالى: «فقمت فصنعت مثل ما صنع» [خ¦١٨٣] وهي تردُّ على الكِرمانيِّ حيث قال هنا: لم يقل: «مثلًا» لأنَّ حقيقة مُماثَلَته ﷺ لا يقدر عليها أحدٌ
стр. 875
غيرُه. انتهى. ولا يلزم من إطلاق المثليَّة المُساوَاة من كلِّ وجهٍ (ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ: (عَنْ شِمَالِهِ) وهو إدراجٌ من ابن المدينيِّ (فَحَوَّلَنِي) ﵊ (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى) ﵊ (مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ) بالمدِّ، أي: أعلمه، وفي روايةٍ: «يُؤْذِنُه» بلفظ المضارع من غير فاءٍ، وللمُستملي: «فناداه» (بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ) المنادي (مَعَهُ) ﵊ (إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى) ﵊ (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) من النَّوم، قال سفيان بن عُيَيْنَةَ: (قُلْنَا لِعَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ) ليعيَ الوحيَ إذا أُوحِيَ إليه في المنام (قَالَ عَمْرٌو) المذكور: (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بالتَّصغير فيهما، ابن قتادة، اللَّيثيَّ المكيَّ التَّابعيَّ (يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ) رواه مسلمٌ مرفوعًا (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]) واستدلاله بهذه الآية من جهة أنَّ الرُّؤيا لو لم تكن وحيًا لَما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدامُ على ذبح ولده.
(٦) هذا (بابُ إِسْبَاغِ الوُضُوءِ) أي: إتمامه من قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان: ٢٠] أي: أتمَّها (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ: (إِسْبَاغُ الوُضُوءِ الإِنْقَاءُ) وهو من تفسير الشَّيء بلازمه إذِ الإتمام يستلزم (١) الإنقاء عادةً، وكان ابن عمرَ يغسل رجليه في الوضوء سبع مرَّاتٍ، كما رواه ابن المنذر بسندٍ صحيحٍ، وإنَّما بالغ فيهما دون غيرهما لكونهما محلًّا للأوساخ غالبًا؛ لاعتيادهم المشيَ حُفَاةً، واستُشكِل بما تقدَّم: من أنَّ الزِّيادة على الثَّلاث ظلمٌ وتعدٍّ، وأُجِيبَ بأنَّه -فيمن لم يرَ الثَّلاث- سنَّة، أمَّا إذا رآها وزاد على أنَّه مِنْ بابِ الوضوءِ على الوضوء يكون نورًا على نورٍ، وقال في «المصابيح»: والمعروف في اللُّغة: أنَّ إسباغ الوضوء: إتمامه وإكماله والمُبالَغَة فيه.
стр. 876
١٣٩ - وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن (١) أبي عيَّاشٍ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، ذي «المغازي» التي هي أصحُّ المغازي (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن حارثة الكلبيُّ المدنيُّ، الحِبُّ ابن الحِبِّ، وأمُّه أمُّ أيمن، المُتوفَّى بوادي القرى سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» سبعة عشر حديثًا (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ) أي: رجع (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ) وقوف (عَرَفَةَ) بعرفات، الأوَّل: غير مُنوَّنٍ، وهو اسمٌ للزَّمان، وهو التَّاسع من ذي الحِجِّة، والثَّاني: الموضع الذي يقف به الحاجُّ، وحينئذٍ فيكون المُضَاف فيه (٢) محذوفًا (حَتَّى إِذَا كَانَ) ﵇ (بِالشِّعْبِ) بكسر الشِّين المُعجَمَة وسكون العَيْن المُهمَلَة، الطَّريق المعهودة للحاجِّ (نَزَلَ) ﷺ (فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ) بماء زمزم كما في «زوائد المُسنَد» بإسنادٍ حسنٍ (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه لإعجاله (٣) الدَّفع إلى المزدلفة، وفي «مسلمٍ»: «فتوضَّأ وضوءًا خفيفًا»، وقِيلَ: معناه: توضَّأ مرَّةً مرَّةً لكن بالإسباغ، أو خفَّف استعمال الماء بالنِّسبة إلى غالب عاداته، واستُبعِد القول بأنَّ المُرَاد به: الوضوء اللُّغويُّ، وأبعدُ منه القولُ بأنَّ المُرَاد به: الاستنجاء، وممَّا يقوِّي استبعاده: قوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه»: «أنَّه ﷺ عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ» [خ¦١٨١] إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامةُ إلَّا وضوء الصَّلاة؛ لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجته (فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ) بالنَّصب على الإغراء، أو بتقدير: «أتريد»؟ أو «أتصلِّي» (٤) الصَّلاة (يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ) وفي رواية أبوي
стр. 877
ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الابتداء، وخبره: (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، أي: وقت الصَّلاة أو مكانها قدَّامك، وهو من قبيل ذكر الحالِّ وإرادة المحلِّ، وهو أعمُّ من أن يكون زمانًا أو مكانًا (فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ) بماء زمزم أيضًا (فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ) فإن قلت: لم أسبغ هذا الوضوء وخفَّف ذلك؟ أُجِيب بأنَّ الأوَّل لم يُرِدْ به الصَّلاة، وإنَّما أراد به دوام الطَّهارة، وفيه: استحباب تجديد الوضوء وإن لم يصلِّ بالأوَّل، لكن ذهب جماعةٌ إلى أنَّه ليس له ذلك قبل أن يصلِّيَ به لأنَّه لم يُوقِع به عبادةً، ويكون كمن زاد على ثلاثٍ في وضوء واحدٍ، وهذا هو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، قالوا: ولا يُسنُّ تجديده إلَّا إذا صلَّى بالأوَّل صلاةً فرضًا أو نفلًا (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ) قبل حطِّ الرِّحال (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منَّا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ) بكسر العَيْن وبالمدِّ، أي: صلاتُها (فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) وتأتي مباحث الحديث في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٦٦٩] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.
(٧) هذا (بابُ غَسْلِ الوَجْهِ) بفتح الغَيْن (بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) أي: فلا يُشتَرط الاغتراف باليدين معًا، و «الغَرْفة» بفتح الغَيْن المُعجَمَة: بمعنى المصدر، وبالضَّمِّ: بمعنى المَغْروف، وهو (١) ملء الكفِّ.
١٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بن أبي
стр. 878
زهيرٍ البغداديُّ، المُلَّقب بصاعقةٍ لسرعة حفظه وشدَّة ضبطه، البزَّاز (١)، المُتوفَّى سنة خمسٍ وخمسين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام (الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بالمصِّيصة سنة عشرين ومئتين، أو سنة عشرٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ، يَعْنِي: سُلَيْمَانَ) السَّابق في «باب أمور الإيمان» [خ¦٩] (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ) من باب عطف المُفصَّل على المُجمَل، ثمَّ بيَّن الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ (٢) بِهَا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «فتمضمض بها» (٣) (وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى) أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا لكونه أمكن في الغسل؛ لأنَّ اليد قد لا تستوعب الغسل، وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر «من ماءٍ» (٤) (فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ) أي: بالغَرْفة، وللأَصيليِّ وكريمة: «فغسل بهما» أي: باليدين، وظاهر قوله: «إنَّه توضَّأ فغسل وجهه» مع قوله: «أخذ غَرْفَةً»: أنَّ المضمضة والاستنشاق بغَرفةٍ (٥) من جملة غسل الوجه، لكنَّ المُرَاد بالوجه أوَّلًا ما هو أعمُّ من المفروض والمسنون، بدليل أنَّه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ مستقلَّةٍ (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) أيضًا (فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) بعد أن قبض قبضةً من الماء، ثمَّ نفض (٦) يده كما في رواية أبي داودَ مع زيادة: «مسح أُذنيه (٧)»، ففي
стр. 879
الحديث هنا حذفٌ دلَّ عليه ما رواه أبو داود (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ) أي: صبَّ الماء قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى) أي: إلى أن (غَسَلَهَا) والرَّشُّ قد يُرَاد به الغسل، ويؤيِّده قوله هنا: «حتَّى غسلها»، والرَّشُّ القويُّ يكون معه الإسالة، وعبَّر به تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأنَّ الرِّجْلَ مظنَّته في الغسل (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي: اليُسْرَى) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «فغسل بها، يعني: رجله اليسرى» والقائل «يعني»: زيدُ بن أسلم، أو من هو دونه من الرُّواة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي الوقت: «النَّبيَّ» (١) (¬ ﷺ يَتَوَضَّأُ) حكاية حالٍ ماضيةٍ، وفي رواية ابن عساكر: «توضَّأ» وفي هذا الحديث: دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ واحدةٍ، المحكيِّ في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وهو يحتمل وجهين: أن يتمضمض منها ثلاثًا ولاءً، ثمَّ يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، وأَوْلى الكيفيَّات: أن يجمع بين ثلاث (٢) غَرْفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ، ثمَّ يستنشق، فقد صحَّ من حديث عبد الله بن زيدٍ، وغيره، وصحَّحه النَّوويُّ، وتأتي بقيَّة الكيفيَّات إن شاء الله تعالى في «باب المضمضة في الوضوء» [خ¦١٦٤].
(٨) هذا (بابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ) بكسر الواو، أي: الجماع، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به، والحديث الذي ساقه هنا شاهدٌ للخاصِّ لا للعامِّ، لكن لمَّا كان حالُ الوقاع أبعدَ حالٍ من ذكر الله تعالى ومع ذلك تُسنُّ التَّسمية فيه، ففي غيره أَوْلى، ومن ثمَّ ساقه المؤلِّف هنا لمشروعيَّة التَّسمية عند الوضوء، ولم يَسُقْ حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» مع كونه أبلغ في الدَّلالة لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعونٌ فيه.
стр. 880
١٤١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلَة، رافع الأشجعيّ مولاهم، الكوفيّ التَّابعيّ، المُتوفَّى سنة مئةٍ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ حال كونه (يَبْلُغُ بِهِ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وسقط لفظ «به» لغير الأربعة، أي: يصل ابن عبَّاسٍ بالحديث (النَّبِيَّ ﷺ ¬) وهذا كلام كُرَيْبٍ، أي: أنَّه ليس موقوفًا على ابن عبَّاسٍ، بل هو مُسنَدٌ إلى الرَّسول ﷺ ، لكنَّه يحتمل أن يكون بواسطةٍ بأن (١) سمعه من صحابيٍّ سمعه من الرَّسول ﷺ ، وأن يكون بدونها (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ : (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ) أي: زوجته، وهو كنايةٌ عن الجماع (قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) أي: أَبْعِد عنَّا (٢) (الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) أي: الذي رزقتناه، والمُرَاد: الولد وإن كان اللَّفظ أعمَّ (فَقُضِيَ) بضمِّ القاف وكسر الضَّاد (بَيْنَهُمَا) أي (٣): بين الأحد (٤) والأهل، وللمُستملي والحَمُّويي: «فقُضِيَ بينهم» بالميم، نظرًا إلى معنى الجمع في الأهل (٥) (وَلَدٌ) ذكرًا كان أو أُنثى (لَمْ يَضُرُّهُ) الشَّيطان بضمِّ الرَّاء على الأفصح، أي: لا يكون له على الولد سلطانٌ، فيكون من المحفوظين، أوِ المعنى: لا يتخبَّطُه الشَّيطان ولا يداخله بما (٦) يضرُّ عقله أو بدنه، أو لا يطعن فيه عند ولادته، أو لم