← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

يلزمكم (١) من اجتناب النِّساء؛ بمعنى: تركه لكم؛ كما تقول: شيءٌ معفوٌّ عنه، أي: متروكٌ (﴿فَالآنَ﴾) أي: فالوقت الذي كان يُحرَّم عليكم فيه الجماع من اللَّيل (﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾) أي: جامعوهنَّ (﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]) أي: اطلبوا ما قدَّره الله (٢) لكم (٣) وأثبته في اللَّوح المحفوظ (٤) من الولد، والمعنى: أنَّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد؛ فإنَّه الحكمة من خَلْق الشَّهوة وشَرْع النِّكاح لا قضاء الوطر، قاله في «أسرار التَّنزيل» كـ «الكشَّاف»، وقال السَّمرقنديُّ: ابتغُوا بالقرآن ما أُبيحَ لكم فيه وأُمِرتُم به، وسقط من قوله: «﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾». ٤٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، مصغَّرًا، ابن موسى العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ. قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن حكيمٍ الأوْديُّ (٥) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بشينٍ معجمةٍ مضمومةٍ وراءٍ مفتوحةٍ آخره حاءٌ مهملةٌ، و «مَسلَمة» بفتح الميم واللَّام، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ) يوسف (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ (٦) رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) قال: (لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ؛ كَانُوا) أي: الصَّحابة (لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ)

стр. 8157

أي: لا يجامعونهنَّ (رَمَضَانَ كُلَّهُ) ليلًا ونهارًا، في «الصِّيام» (١) عن البراء أيضًا من طريق إسرائيل [خ¦١٩١٥]: «أنَّهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا» ومفهوم ذلك: أنَّ الأكل والشُّرب كان مأذونًا فيه ليلًا ما لم يحصل النَّوم، لكنَّ بقيَّة الأحاديث الواردة في هذا (٢) تدلُّ على عدم الفرق، فيُحمَل قوله: «كانوا لا يقربون النِّساء» على الغالب جمعًا بين الأحاديث (وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ) فيجامعون ويأكلون ويشربون؛ منهم عمر بن الخطَّاب وكعب بن مالكٍ وقيس بن صِرْمة الأنصاريُّ (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]) وسقط قوله: «﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾» لأبي ذرٍّ، وقال بدل ذلك: «الآية». (٢٨) (بَابُ قَولِهِ) تعالى، وسقط التَّبويب وتاليه لغير أبي ذرٍّ (﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾) جميع اللَّيل بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد النَّوم في رمضان (﴿حَتَّى﴾) أي: إلى أن (﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾) وهو أوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود (﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾) وهو ما يمتدُّ معه من غسق (٣) اللَّيل، شبَّههما (٤) بخيطين أبيض وأسود (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) بيانٌ لـ ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ واكتُفيَ به عن بيان ﴿الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ لدلالته عليه، وبذلك خَرجَا من الاستعارة إلى التَّمثيل، كما قاله القاضي كالزَّمخشريِّ، قال الطِّيبيُّ: لأنَّ الاستعارة أن يُذكر أحد طرفي التَّشبيه ويراد به الطَّرف الآخر، وهنا: ﴿الْفَجْرِ﴾ هو المشبَّه، و ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ (٥)﴾ هو المشبَّه به، ولا يُقال:

стр. 8158

بقي (١) الأسود على الاستعارة؛ لترك المشبَّه؛ لأنَّه لمَّا كان في الكلام ما يدلُّ عليه فكأنَّه ملفوظٌ، وقال المحقِّق الكافِيْجيُّ: تحقيق الكلام في هذا يحتاج (٢) إلى تحقيق الفرق بين الكلام التَّشبيهيِّ والكلام المشتمل على الاستعارة؛ فالتَّشبيهيُّ (٣): هو الذي يُذكَر فيه المشبَّه لفظًا نحو: زيدٌ أسدٌ، أو تقديرًا نحو: أسدٌ، في مقام الإخبار عن زيدٍ، وأمَّا الكلام الذي يتضمَّن الاستعارة؛ فهو الذي يُجعَل خِلْوًا عن ذكر المشبَّه، صالحًا لأن يراد به المشبَّه به لولا القرينة المانعة عن إرادته، وإذا عُلِم هذا فقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ … ﴾ إلى آخره فيه مقصدان: أحدهما: بيان أَّنه من قبيل التَّشبيه عند أهل البيان لا من قبيل الاستعارة؛ لما فيه من ذكر المشبَّه والمشبَّه به؛ وهما الفجر والخيط الأبيض، وغبش اللَّيل والخيط الأسود، على ما مرَّ. الثَّاني: تحقيق أنَّه من قبيل الاستعارة لا من باب التَّشبيه؛ استدلالًا عليه بنصِّ الكتاب، وتمسُّكًا بالسُّنَّة، وبشهادة فحوى الخطاب. أمَّا النَّصُّ فقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ لـ ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ ومعلومٌ عندك بالضَّرورة أنَّ البيان مع المبيَّن متَّحدٌ بالذَّات مختلفٌ بالاعتبار، وإنَّما يُتَصوَّر هذا المعنى المجازيُّ على سبيل الاستعارة، وإلَّا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وليس بمشتركٍ بينهما. وأمَّا السُّنَّة فقد عُلِم منها أنَّ المراد بياض النَّهار لا الخيط الأبيض؛ حيث قال ﵊ فيما يأتي [خ¦٤٥١٠]: «إنَّك لعريض القفا … بل هو سواد اللَّيل وبياض النَّهار» وأمَّا قولهم (٤): «الاستعارة يجب فيها أن يُترَك ذكر المشبَّه احترازًا عن فوات المقصود، وتبرِّيًا عن عود الأمر على موضوعه بالنَّقض والإبطال، ولئلَّا يكون الأمر كلا أمرٍ» فهو مؤوَّلٌ بما لا يُذكَر المشبَّه بحيث يُنبِئ عن التَّشبيه، فيكون المراد رفع الإيجاب الكلِّيِّ، فيكون أعمَّ من عموم السَّلب.

стр. 8159

وأمَّا فحوى الخطاب؛ فلأنَّ المقام مقام المبالغة والاتِّحاد حتَّى اشتبه المراد على بعض الأذهان، لا مقام التَّغاير والتَّفاوت، ومدار الاستعارة حيثما كانت إنَّما هو على قصد المبالغة ودعوى الاتِّحاد، كما أنَّ مدار التَّشبيه إنَّما هو على قصد التَّغاير والتَّفاوت، والعمدةُ (١) في الفرق بينهما كمالُ التَّمييز بين المقامين بإعطاء كلِّ مقامٍ حقَّه، ثمَّ إنَّ المختار في نحو: زيدٌ أسدٌ هو التَّفصيل؛ فتارةً يكون استعارةً بحسب مقتضى المقام، وأخرى يكون تشبيهًا بحسبه أيضًا، فيكون هذا جمعًا بين القولين المختلفين، قال: فعُلِم من هذا ضعف قول من قال: إنَّه من باب الاستعارة على الإطلاق، كما عُلِم منه عدم متانة (٢) قول من قال: إنَّه من باب التَّشبيه على الإطلاق. انتهى. و ﴿مِنَ﴾ في ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾: لابتداء الغاية، وهي ومجرورها في محلِّ نصبٍ بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ و ﴿مِنَ﴾ (٣) في ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾: يجوز كونها تبعيضيَّةً، فتتعلَّق بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ لأنَّ الخيط الأبيض هو بعض الفجر، وأن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من الضَّمير في ﴿الأَبْيَضُ﴾ أي: الخيط الذي هو أبيض كائنًا من الفجر، وعلى هذا: يجوز كون (٤) ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس؛ كأنَّه قيل: الخيط الأبيض الذي هو الفجر، قال التَّفتازانيُّ: المعنى على التَّبعيض: حال كون الخيط الأبيض بعضًا من الفجر، وعلى البيان: حال كونه هو الفجر فأعربه حالًا. (﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾) إلى غروب الشَّمس، والجارُّ والمجرور يتعلَّق بالإتمام، أو في محلِّ نصبٍ على الحال من ﴿الصِّيَامَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: كائنًا إلى اللَّيل (﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾) ولا تجامعوهنَّ (﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾) بنيَّة القربة، والجملة حاليَّةٌ من فاعل ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ قال الضَّحَّاك: كان الرَّجل إذا اعتكف، فخرج من المسجد جامع إن شاء، حتَّى نزلت هذه الآية (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]) أي: يتَّقون مخالفة الأوامر والنَّواهي، وسقط «﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال: «الآية» (العَاكِفُ: المُقِيمُ) كذا فسَّره أبو عبيدة، وسقط ذلك (٥) لغير المُستملي.

стр. 8160

٤٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ؛ بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ عَدِيٍّ) هو ابن حاتمٍ الصَّحابيُّ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ) بعد نزول آية: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] (عِقَالًا) بكسر العين، أي: خيطًا (أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ) أي: وجعلهما تحت وسادته؛ كما في رواية هُشَيمٍ عن حُصَينٍ في «الصيَّام» [خ¦١٩١٦] (حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ؛ نَظَرَ) إليهما (فَلَمْ يَسْتَبِينَا) فلم يظهرا له (فَلَمَّا أَصْبَحَ) جاء إلى النَّبيِّ ﷺ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي) زاد الأصيليُّ: «عِقَالين» أي: لأستبين بهما الفجر من اللَّيل، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وِسَادي» بإسقاط تاء التَّأنيث (قَالَ) ﵊: (إِنَّ وِسَادَكَ) بغير تاء تأنيثٍ (إِذًا لَعَرِيضٌ؛ أَنْ) بفتح الهمزة (كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ) المذكوران في الآية (تَحْتَ وِسَادَتِكَ) بزيادة فوقيَّةٍ بعد الدَّال، وقول الخطَّابيِّ: «كنَّى بالوسادة عن النَّوم، أي: نومك إذًا لطويلٌ، ومعنى العريض هنا: الواسع الكبير، لا خلاف الطَّويل» يدفعُه ما في هذا الحديث؛ لأنَّ المشرق والمغرب إذا كانا تحت الوساد لزم عرضه قطعًا. ٤٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ، وسقط «بن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء المهملة وبعد الرَّاء المهملة المشدَّدة المكسورة فاءٌ، ابن طريفٍ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ

стр. 8161

الأَسْوَدِ﴾؟ [البقرة: ١٨٧]) وكان قد وضع عقالين تحت وسادته (١) كما سبق (أَهُمَا (٢) الخَيْطَانِ؟ قَالَ) ﵊: (إِنَّكَ لَعَرِيضُ القَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ) فسَّر الخطَّابيُّ عرض القفا بالبله والغفلة والبلادة، وحينئذٍ فهو كنايةٌ؛ لإمكان إرادة الحقيقة، بل هي أولى؛ لأنَّه إذا كان وساده عريضًا فقفاه عريضٌ (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (لَا، بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ). ٤٥١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد (٣) ابن الحكم المصريُّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة (٥) وتشديد السِّين المهملة وبعد الألف نونٌ (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) بكسر الرَّاء المشدَّدة، بلفظ اسم الفاعل، المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدّثنا» (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين، السَّاعديِّ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: وَأُنْزِلَتْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «أُنزِلت» بإسقاطها: (﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ (٦) وَلَمْ يُنْزَلْ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، ولأبي ذرٍّ: «يَنزِل» بفتحٍ ثمَّ كسرٍ: (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَكَانَ رِجَالٌ) بالواو (إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ؛ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَهُ) ولأبي ذرٍّ: «بَعْدُ» بحذف الضَّمير (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي: اللَّيْلَ مِنَ (٧) النَّهَارِ) للتَّصَّريح بذلك،

стр. 8162

وسقط لفظ «من» في الفرع كغيره، وهذا الحديث صريحٌ في نزول: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بعد سابقه، وحديث عديٍّ مقتضاه اتِّصاله به، وأُجيب بالتَّعدُّد، وقد مرَّ الحديث وسابقه في «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩١٥] [خ¦١٩١٧] والله تعالى الموفِّق. (٢٩) (﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿وَلَيْسَ (١) الْبِرُّ﴾» (﴿بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾) إذا أحرمتم (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾) ذلك، أو اتَّقى المحارم والشَّهوات (٢) (﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾) مُحلِّين ومُحرِمين (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]) لكي تظفروا بالهدى والبرِّ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿مَنِ اتَّقَى﴾: «الآية» وحذف ما بعدها. ٤٥١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مصغَّرًا، أبو محمَّدٍ العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ رضي الله تعالى عنهما (٣) أنَّه (قَالَ: كَانُوا) أي: الأنصار وسائر العرب غير الحُمْس؛ وهم قريشٌ (إِذَا أَحْرَمُوا) بالحجِّ أو العمرة (فِي الجَاهِلِيَّةِ أَتَوُا البَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ) من نقبٍ (٤) أو فرجةٍ من ورائه، لا من

стр. 8163

بابه (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾) وسقطت واو «﴿لَيْسَ﴾» لأبي ذرٍّ (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾) ونقل ابن كثيرٍ عن محمَّد بن كعبٍ قال: «كان الرَّجل إذا اعتكف؛ لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله تعالى الآية». (٣٠) (﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾» يعني: أهل مكَّة (﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾) شركٌ (﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾) خالصًا له ليس للشَّيطان فيه نصيبٌ، أو يكون دين الله هو الظَّاهر العالي على سائر الأديان؛ لحديث «الصَّحيحين»: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله» [خ¦١٢٣] (﴿فَإِنِ انتَهَواْ﴾) عن الشِّرْكِ وقتالِ المؤمنين فكفُّوا عنهم (﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾) أي: فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالمٌ، ولا عدوان (﴿إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]) أو المراد: فإن تخلَّصوا من الظُّلم وهو الشِّرك؛ فلا عدوان عليهم بعد ذلك. ٤٥١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬): أنَّه (أَتَاهُ رَجُلَانِ) قيل: هما العلاء بن عِرارٍ؛ بمهملاتٍ الأولى مكسورةٌ، وحِبَّان؛ بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، صاحب الدَّثَنِيَّة: بفتح المهملة والمثلثة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أو نافع بن الأزرق (فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله حين حاصره الحجَّاج في آخر سنة ثلاثٍ وسبعين بمكَّة (فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ

стр. 8164

صَنَعُوا) بصادٍ مهملةٍ ونونٍ مفتوحتين، أي: صنعوا ما ترى من الاختلاف، ولغير الكُشْميهَنيِّ: «ضُيِّعُوا» بمعجمةٍ مضمومةٍ فتحتيَّةٍ مشدَّدةٍ (١) مكسورةٍ (وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي) المسلم (فَقَالَا) أي: الرَّجلان، ولأبي ذرٍّ: «قالا»: (أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فَقَالَ) ابن عمر: (قَاتَلْنَا) أي: على عهد رسول الله ﷺ (حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ) أي: شِرْكٌ (وَكَانَ الدِّينُ (٢) للهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا) أي: على المُلْك (حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللهِ). وحاصل هذا: أنَّ الرَّجلين (٣) كانا يريان قتال من خالف الإمام، وابن عمر لا يرى القتال على الملك. ٤٥١٤ - ٤٥١٥ - (وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ) السَّهميُّ المصريُّ أحد شيوخ المؤلِّف، على رواية محمَّد بن بشَّار (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله المصريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (فُلَانٌ) قيل: هو عبد الله بن لَهِيْعَة؛ بفتح اللَّام وكسر الهاء وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مهملةٌ، قاضي مصر وعالمها، ضعَّفه غير واحدٍ (وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الواو، و «شُرَيْح»

стр. 8165

بالشِّين المعجمة المضمومة وفتح الرَّاء، المصريُّ، وهو الأكبر، وليس هو الحضرميَّ (عَنْ بَكْرِ ابْنِ عَمْرٍو المَعَافِرِيِّ) بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء (أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف مصغَّرًا، ابن الأشجِّ (حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ) له: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا، وَتَتْرُكَ الجِهَادَ) أي: القتال الذي هو كالجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ في الثَّواب (وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللهُ فِيهِ؟) ثبتت واو «وقد» لأبي ذرٍّ (قَالَ) أي: ابن عمر للرَّجل: (يَا ابْنَ أَخِي: بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ إِيمَانٍ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَوَاتِ (١) الخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، قَالَ) أي: الرَّجل: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا) بالتَّخفيف (تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾) باغين بعضهم على بعضٍ، والجمع باعتبار المعنى؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ جمعٌ (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾) بالنُّصح والدُّعاء إلى حكم الله (﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾) أي: تعدَّت (﴿عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾) أي: ترجع (﴿إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩]) وتسمع للحقِّ وتطيعه، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله «﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ إلى آخر قوله: ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾» (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]) شِرْكٌ (قَالَ) ابن عمر: (فَعَلْنَا) ذلك (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ الإِسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ) مبنيٌّ (٢) للمفعول (إِمَّا قَتَلُوهُ، وَإِمَّا (٣) يُعَذِّبُوهُ) بلفظ الماضي في الأوَّل والمضارع في الثَّاني؛ إشارةً إلى استمرار التَّعذيب بخلاف القتل، وفي الفرع: «أو يُعذِّبوه» ولأبي ذرٍّ: «وإمَّا يعذِّبونه» بإثبات النُّون؛ وهو الصَّواب؛ لأنَّ «إمَّا» التي تجزم هي الشَّرطيَّة، وليست هنا شرطيَّةً، ووُجِّهت الأولى بأنَّ النُّون قد تُحذَف (٤) لغير ناصبٍ ولا جازمٍ في لغةٍ شهيرةٍ (حَتَّى كَثُرَ الإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ). (قَالَ) له (٥) الرَّجل: (فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟) وهذا يشير إلى أنَّ السَّائل كان من الخوارج، فإنَّهم يوالون الشَّيخين ويُخطِّئون عثمان وعليًّا، فردّ عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من

стр. 8166

النَّبيِّ ﷺ حيث (قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ) رضي الله تعالى عنه (فَكَانَ اللهُ عَفَا عَنْهُ) لمَّا فرَّ يوم أُحدٍ في كتابه العزيز؛ حيث قال في آل عمران: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والجلالة: رفعٌ اسم «كان»، وخبرها «عفا» (١)، ويجوز نصبها اسم «كأَنَّ» التَّشبيه، أخت «أنَّ» (وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مع سكون (٢) الواو، خطابًا للجماعة، ولأبي ذرٍّ: «يعفوَ» بالتَّحتيَّة وفتح الواو، أي: فكرهتم أن يعفو الله تعالى عنه (وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخَتَنُهُ) بفتح الخاء المعجمة والمثنَّاة الفوقيَّة، أي: زوج ابنته (وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ) أي: بين أبيات رسول الله ﷺ ، يريد بيان قربه وقرابته منه ﷺ منزلًا ومنزلةً. (٣١) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى -وسقط ذلك لغير أبي ذرٍّ-: (﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) في سائر وجوه القربات، وخاصَّةً الصَّرف في قتال الكفَّار، والبذل فيما يقوى به المسلمون على عدوِّهم (﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾) بالكفِّ عن الغزو (٣) والإنفاق فيه، فإنَّه يُقوِّي العدوَّ ويُسلِّطهم على إهلاككم، أو المراد: الإمساك وحبُّ المال؛ فإنَّه يؤدِّي إلى الهلاك المؤبَّد، والباء في ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ زائدةٌ في المفعول به؛ لأنَّ «ألقى» يتعدَّى بنفسه، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ وقيل: متعلِّقةٌ بالفعل غير زائدةٍ، والمفعول محذوفٌ، أي: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، يقال: أهلك فلانٌ نفسه بيده؛ إذا تسبَّب لهلاكها (﴿َأَحْسِنُوَاْ﴾) أعمالكم وأخلاقكم، أو تفضَّلوا على المحاويج (﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] التَّهْلُكَةُ وَالهَلَاكُ: وَاحِدٌ) مصدران.

стр. 8167

٤٥١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) بن رَاهُوْيَه قال: (حدَّثنا (١) النَّضْرُ) بالضَّاد المعجمة، ابن شُمَيلٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مِهران الأعمش أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ) قال أبو أيُّوب الأنصاريُّ: «نزلت -يعني: هذه الآية- فينا معشر الأنصار؛ إنَّا لمَّا أعزَّ الله دينه وكثر ناصروه؛ قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها؛ فأنزل الله هذه الآية … » الحديث، رواه أبو داود وهذا لفظه، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وعبد بن حميدٍ وابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ وابن مردويه والحافظ أبو يَعلى في «مسنده»، وابن حبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»، وهو مفسِّرٌ لقول حذيفة هذا. (٣٢) (﴿فَمَن كَانَ مِنكُم﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم﴾» (﴿مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) كجراحةٍ وقُمَّلٍ. ٤٥١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ (٢) الأَصْبَهَانِيِّ (٣)) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبعد القاف المكسورة لامٌ، ابن مُقَرِّنٍ المزنيَّ الكوفيَّ التابعيَّ (قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضمِّ العين المهملة وبعد الجيم السَّاكنة راءٌ مفتوحةٌ (٤)، أي: انتهى قعودي إليه (فِي هَذَا المَسْجِدِ

стр. 8168

-يَعْنِي: مَسْجِدَ الكُوفَةِ- فَسَأَلْتُهُ عَنْ) قوله تعالى: (﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ) ﵊: (مَا كُنْتُ أُرَى) بضمِّ الهمزة: أَظنُّ (أَنَّ الجَهْدَ) بفتح الجيم (قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا) الذي رأيتُ (١) (أَمَا تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا) أجدها (قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بيانٌ لقوله تعالى: ﴿مِّن (٢) صِيَامٍ﴾ (أَوْ أَطْعِمْ) بكسر العين (سِتَّةَ مَسَاكِينَ) بيانٌ لقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ) بنصب «نصفَ» على المفعوليَّة، أو رفعٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ (٣) (وَاحْلِقْ رَأْسَكَ) قال ابن عُجْرَة: (فَنَزَلَتْ) أي: الآية (فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد التَّحتيَّة (خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «عامَّةٌ» بالرَّفع. وهذا الحديث سبق في «باب الإطعام» من «الحج» [خ¦١٨١٤]. (٣٣) (﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾» (﴿بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]) شاملٌ لمن أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أوَّلًا، فلمَّا فرغ من العمرة؛ أحرم بالحجِّ، وهذا هو التَّمتُّع الخاصُّ، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتَّمتُّع العامُّ يشمل القسمين. ٤٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عِمْرَانَ) ابن مسلمٍ (أَبِي بَكْرٍ) البصريِّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بالجيم ممدودًا، عمران بن مِلْحان

стр. 8169

العطارديُّ البصريُّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء المهملة (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَفَعَلْنَاهَا) أي: المتعة (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ) أي: التَّمتُّع (وَلَمْ يَنْهَ) بفتح أوَّله، ولأبي ذرٍّ: «ولم (١) يُنْهَ» بضمِّه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلم ينه» «بالفاء» بدل: «الواو»، (عَنْهَا) أي: المتعة، فذكَّر الضَّمير باعتبار التَّمتُّع، وأنَّثه باعتبار المتعة (حَتَّى مَاتَ) النَّبيُّ ﷺ (قَالَ رَجُلٌ) قيل: هو عثمان؛ لأنَّه كان يمنع التَّمتُّع (٢) (بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ) زاد في نسخةٍ: «قَالَ مُحَمَّدٌ» أي: البخاريُّ «يُقَالُ: إِنَّهُ» أي: الرَّجل «عُمَرُ» لأنَّه كان ينهى عنها ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإنَّه يأمرنا بالتَّمام؛ يعني: قوله: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله تعالى عنه ينهى عنها محرِّمًا لها، إنَّما كان ينهى عنها ليكثر قصد النَّاس البيت حاجِّين ومعتمرين، قاله الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ في «تفسيره». وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٣٤) (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾» (﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾) في (٣) أن تطلبوا (﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]) أي: ربحًا بالتجارة (٤). ٤٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا،

стр. 8170

ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الكاف وبالظَّاء المعجمة (وَمَجَنَّةُ) بفتح الميم والجيم (وَذُو المَجَازِ) بفتح الميم والجيم وبعد الألف زايٌ (أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ) بنصب «أسواقًا» خبر «كان» وكانت معايشهم منها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أسواقَ الجاهليَّةِ» بحذف الجارِّ وإضافة «أسواقَ» للاحقه (فَتَأَثَّمُوا) أي: تحرَّج المسلمون (أَنْ يَتَّجِرُوا) بتشديد الفوقيَّة بعد التَّحتيَّة وبالجيم المكسورة بعدها راءٌ مضمومةٌ، من التِّجارة، وفي الفرع: «يتحرَّوا»؛ بالحاء المهملة وفتح الرَّاء المشدَّدة (١) (فِي المَوَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]) قال ابن عبَّاسٍ أي: ((فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ)). وهذا الحديث سبق في «باب التِّجارة أيَّام الموسم» (٢) من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٧٧٠]. (٣٥) (بَابُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾) ارجعوا (﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]) من عرفة لا من المزدلفة. ٤٥٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) بالخاء والزَّاي المعجمتين، أبو معاوية الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهَا) أنَّها قالت: (كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا) وهم (٣) بنو عامر بن صعصعة

стр. 8171

وثقيفٍ وخزاعة، فيما (١) قاله الخطَّابيُّ (يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ) ولا يخرجون من الحرم إذا وقفوا، ويقولون: نحن أهل الله، فلا نخرج من حرم الله (وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ) بضمِّ الحاء المهملة (٢) وبعد الميم السَّاكنة سينٌ مهملةٌ، جمع أحمس؛ وهو الشَّديد الصُّلب، وسُمُّوا بذلك لتصلُّبهم فيما كانوا عليه (وَكَانَ سَائِرُ العَرَبِ) أي: باقيهم (يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ؛ أَمَرَ اللهُ) (نَبِيَّهُ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا) بنصب الفعلين عطفًا على السَّابق (فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]) سائرُ العرب غير قريش ومن دان دينهم، وقيل: المراد بـ ﴿النَّاسُ﴾: إبراهيم، وقيل: آدم عليهما الصلاة والسلام، وقُرِئ: (النَّاسِ) بالكسر، أي: النَّاسي؛ يريد آدم ﵇، من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] والمعنى: أنَّ الإفاضة من عرفة (٣) شرعٌ قديمٌ، فلا تغيِّروه. وهذا الحديث قد (٤) مرَّ في «الحج» [خ¦١٦٦٥]. ٤٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المُقَدَّميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام من الثَّاني، النُّميريُّ

стр. 8172

-بالنُّون مصغَّرًا- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ) هو ابن أبي مسلمٍ الهاشميُّ مولاهم المدنيُّ، مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: تَطَوُّفُ الرَّجُلِ بِالبَيْتِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والطَّاء المخفَّفة وضمِّ الواو المشدَّدة مضافًا لتاليه، وفي نسخةٍ: «يَطُوف» بالمثناة التَّحتيَّة (١) وضمِّ الطَّاء مخفَّفةٍ «الرَّجلُ» بالرَّفع على الفاعلية (مَا كَانَ حَلَالًا) أي: مقيمًا بمكة أو دخل بعمرة وتحلل منها (حَتَّى يُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ؛ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ) بكسر الدَّال وتشديد التَّحتيَّة، والذي في «اليونينيَّة»: «هَدِيَةٌ» بكسر الدَّال من غير تشديدٍ على التَّحتيَّة، وفي نسخةٍ: «هَدْيُه»؛ بسكون الدَّال وتخفيف التَّحتيَّة آخره هاءٌ (مِنَ الإِبِلِ أَوِ البَقَرِ أَوِ الغَنَمِ) وجزاء الشَّرط قوله: (مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ) أي: ففديته ما تيسَّر، أو فعليه (٢) ما تيسَّر، أو بدلٌ من الهدي، والجزاء بأسره محذوفٌ، أي: ففديته ذلك، أو: فليفتد بذلك، قاله الكِرمانيُّ (أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ، غَيْرَ إِنْ لَمْ) وللأصيليِّ: «غير أنَّه إن لم» (يَتَيَسَّرْ لَهُ) أي: الهدي (فَعَلَيْهِ) وجوبًا (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) يصومهنَّ (٣) (فِي الحَجِّ، وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ) لأنَّه يسنُّ للحاجِّ فطره، وهذا تقييدٌ من ابن عبَّاسٍ لإطلاق الآية (فَإِنْ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ) برفع «آخرُ» ولأبي ذرٍّ بالنَّصب (٤) (مِنَ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) ولا يجوز صوم شيءٍ منها يوم النَّحر ولا في أيَّام التَّشريق، كما سبق في «الحجِّ» [خ¦١٥٧٢] ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحجِّ؛ لأنَّها عبادةٌ بدنيَّةٌ، فلا تُقدَّم على وقتها (ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ) بالجزم بلام الأمر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ينطلقُ» بحذف اللام (حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ) عند صيرورة ظلِّ (٥) كلِّ شيءٍ مثله، أو بعد صلاتها مع الظُّهر جمع تقديمٍ للسَّفر (إِلَى أَنْ يَكُونَ الظَّلَامُ) بغروب الشَّمس (ثُمَّ لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا) بفتح الجيم وسكون الميم؛ وهو المزدلفة (الَّذِي يَبِيْتُونَ بِهِ) صفةٌ لـ «جمعًا» وهو من

стр. 8173

البَيَات، وللأصيليِّ وأبي ذرِّ عن الحَمُّويي: «يُتَبَرَّر» بفوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة المضمومة فموحَّدةٍ فراءين مهملتين أوَّلهما مفتوحٌ مشدَّدٌ، أي: يُطلَب فيه البرُّ، وهو الصَّواب، وعليه (١) اقتصر في «الفتح»، وفي نسخةٍ: «يُتَبرَّز» «بزايٍ» معجمةٍ آخره بدل: «الرَّاء»، من التَّبرُّز وهو الخروج للبَراز -وهو الفضاء الواسع- لأجل قضاء الحاجة (ثُمَّ لِيَذْكُرِ اللهَ كَثِيرًا) بكسر الرَّاء مع الإفراد، وفي نسخةٍ: «ثمَّ (٢) ليذكُروا الله» بضمِّها مع الجمع (وأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ) بالواو المفتوحة من غير همزةٍ قبلها في الفرع وأصله وغيرهما (٣) من النُّسخ المعتمدة التي وقفت عليها، وقال الحافظ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ-: «أو أكثروا» بالشَّكِّ من الرَّاوي، أي: هل قال: ثمَّ ليذكر (٤) الله أو: أكثروا التَّكبير والتَّهليل (قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ﴾) من تغيير المناسك ونحوه (﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]) يغفر ذنب المستغفر، وكثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات (حَتَّى تَرْمُوا الجَمْرَةَ) التي عند العقبة، وهو غايةٌ لقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ أو لقوله: «أكثروا التَّكبير». (٣٦) (﴿وِمِنْهُم﴾) وفي نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين (٥) «﴿وِمِنْهُم﴾» (﴿مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]) وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: «الآية»، وسقط ما بعده. ٤٥٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عمرٍو

стр. 8174

المنقريُّ المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريُّ مولاهم التَّنُّوريُّ -بفتح المثنَّاة وتشديد النُّون- البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ البُنانيِّ -بموحَّدةٍ مضمومةٍ ونونين- البصريِّ (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ﴿رَبَّنَا﴾) سقط لفظ «ربَّنا» لأبي ذرٍّ (﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]) قال ابن كثيرٍ: جَمعَت هذه الدَّعوة (١) كلَّ خيرٍ في الدُّنيا وصَرفَت كلَّ شرٍّ؛ فإنَّ الحسنة في الدُّنيا تشمل كلَّ مطلوبٍ دنيويٍّ من عافيةٍ، ورزقٍ واسعٍ وعلمٍ نافعٍ وعملٍ صالحٍ … إلى غير ذلك، وأمَّا الحسنة في الآخرة؛ فأعلى ذلك دخول الجنَّة وتوابعه؛ من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك، وأمَّا النَّجاة من النَّار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدُّنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشُّبهات. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٩] وأبو داود في «الصَّلاة». (٣٧) (﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]) أي: شديد العداوة والجدال للمسلمين، وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾» (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله الطَّبريُّ: (النَّسْلُ) في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]: (الحَيَوَانُ). ٤٥٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة السُّوائيُّ العامريُّ (٢) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن سعيد

стр. 8175

بن مسروقٍ الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (تَرْفَعُهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّه (قَالَ: أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ) بفتح الهمزة واللَّام، وتشديد الدَّال المهملة (الخَصِمُ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصَّاد المهملة، قال الجوهريُّ: رجلٌ ألدُّ: بيِّن اللَّدَد؛ وهو الشَّديد الخصومة، والخَصِم؛ بكسر الصَّاد: الشَّديد الخصومة، وقال ابن الأثير: اللَّدَد: الخصومة الشَّديدة، وقال التُّوربشتيُّ: الأوَّل يُنبِئ عن الشِّدَّة، والثَّاني عن الكثرة، وقال شارح «المشكاة»: المعنى: أنَّه شديدٌ في نفسه بليغٌ في خصومته، فلا يلزم منه التَّكرار، قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] أي: شديد الجدال والعداوة للمسلمين، و ﴿الْخِصَامِ﴾: المخاصمة، وإضافة «الألدِّ» بمعنى: «في»، أو يُجعَل (١) الخصامُ ألدَّ على المبالغة، أو ﴿الْخِصَامِ﴾: جمع خصمٍ، كـ «صَعْبٍ وصِعَابٍ» بمعنى: وهو أشدُّ الخصوم خصومةً. (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابن الوليد العدنيُّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ، كما جزم به المزِّيُّ فيهما، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، ولأبي ذرٍّ: «عن ابن جريجٍ» (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (٢) (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه»، وذكره المؤلِّف لتصريحه برفعه إلى رسول الله ﷺ . (٣٨) (﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾) وفي نسخة: «باب ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾» (﴿أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾) قبل أن تُبتَلوا، قيل: ﴿أَمْ﴾: هي المنقطعة، فتُقدَّر بـ «بل» والهمزة، قيل: لإضراب الانتقال (٣) من إخبارٍ إلى إخبارٍ، والهمزة للتَّقرير، والتَّقدير: بل (٤) أحسبتم، وقيل: لمجرد الإضراب من غير تقريرٍ (٥)، والمعنى:

стр. 8176

أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة قبل أن تُبتَلوا وتُختَبروا وتُمتَحنوا؛ كما فُعِل بالذين (١) من قبلكم من الأمم؛ ولذا قال: (﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء﴾) وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنَّوائب، وقال ابن عبَّاسٍ وابن مسعودٍ وغيرهما: ﴿الْبَأْسَاء﴾: الفقر، وقال ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالضَّرَّاء﴾: السَّقَم، والواو في ﴿وَلَمَّا﴾ للحال، والجملة بعدها نصبٌ عليها، و «لمَّا»: حرف جزمٍ معناها النَّفي؛ كـ «لم»، وفيها توقُّعٌّ؛ ولذا جُعِل مقابل «قد» (إِلَى: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]) وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿مِن قَبْلِكُم﴾: «الآية» وحذف ما عدا ذلك، وعند ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: أنَّها نزلت يوم الأحزاب حين أصاب النَّبيَّ ﷺ بلاءٌ وحصرٌ، وقيل: في يوم أحدٍ، وقيل: نزلت تسليةً للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين. ٤٥٢٤ - ٤٥٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد (٢) الرَّازيُّ الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن حسَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾) ليس في الكلام شيءٌ حتَّى يكون غايةً له، فقدَّروه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ [يوسف: ١٠٩] فتراخى نصرهم حتَّى … ، وقيل غير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف ﵊ [خ¦٤٦٩٥] (﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةً) ذالها المعجمة، وهي قراءة الكوفيِّين على معنى (٣) أنَّه أعاد الضَّمير من ﴿ظَنُّواْ﴾ و ﴿كُذِبُواْ﴾ على الرُّسل، أي: هم ظَنُّوا أنَّ أنفسهم

стр. 8177

كذَبَتْهم ما حدَّثَتْهم به من النُّصرة؛ كما يقال: صدق رجاؤه وكذب رجاؤه، أو أعاد الضَّميرين (١) على الكفَّار، أي: وظنَّ الكفَّار أنَّ الرُّسل قد كَذَبوا فيما وَعَدوا به من النَّصر، أو غير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف ﵊ [خ¦٤٦٩٥] قال ابن أبي مليكة (٢): (ذَهَبَ بِهَا) أي: بهذه الآية ابن عبَّاسٍ (هُنَاكَ) أي: فَهِم منها ما (٣) فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء (وَتَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾) لتناهي الشِّدة واستطالة المدَّة؛ بحيث تقطَّعت حبال الصَّبر: (﴿مَتَى نَصْرُ اللّهِ﴾): استبطاءً لتأخُّره، فقيل لهم: (﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]) إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النَّصر، وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النَّصر بعد اليأس والاستبعاد، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللَّذَّات ومكابدة الشَّدائد والرِّياضات. قال ابن أبي مليكة: (فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) المذكور من تخفيف ذال ﴿كُذِبُواْ﴾. (فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) منكرةً على ابن عبَّاسٍ: (مَعَاذَ اللهِ! وَاللهِ مَا وَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ) (٤) ظرفٌ للعِلْم لا للكون (وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ البَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ) من المؤمنين (يُكَذِّبُونَهُمْ) وإنكار عائشة على ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم إنَّما هو من جهة أنَّ مراده أنَّ الرسل ظنُّوا (٥) أنَّهم مُكذَّبون من عند الله لا من عند أنفسهم؛ بقرينة الاستشهاد بآية البقرة، ولا يقال: لو كان كما قالت عائشة؛ لقيل: وتيقَّنوا أنَّهم قد كُذِبوا؛ لأنَّ تكذيب القوم لهم كان متحقِّقًا؛ لأنَّ تكذيب أتباعهم من المؤمنين كان مظنونًا، والمتيقَّن هو تكذيب من لم يؤمن أصلًا، قاله الكِرمانيُّ، ويأتي زيادةٌ لذلك في آخر سورة يوسف ﵊ إن شاء الله تعالى [خ¦٤٦٩٥] (فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ مُثَقَّلَةً) وهي قراءة الباقين غير الكوفيِّين؛ على معنى: وظنَّ الرُّسل أنَّ قومهم قد كذَّبوهم فيما وعدوهم (٦) به من العذاب والنُّصرة عليهم، فأعاد الضَّميرين على الرسل.

стр. 8178

(٣٩) (بَابُ) قوله تعالى: (﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾) مبتدأٌ وخبرٌ، وجاز الإخبار عن الجُثَّةِ بالمصدر؛ إمَّا للمبالغة أو على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي: وطءُ نسائكم حرثٌ، أي: كحرثٍ، أو الثَّاني، أي: نساؤكم ذوات حرثٍ، و ﴿لَّكُمْ﴾ في موضع رفعٍ صفةً لـ ﴿حَرْثٌ﴾ متعلِّقٍ (١) بمحذوفٍ، وأفرد الخبرَ والمبتدأُ جمعٌ؛ لأنَّه مصدرٌ، والأفصح فيه الإفراد والتَّذكير حينئذٍ وقال في «الكشَّاف»: ﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾: مواضع حرثٍ لكم، وهذا مجازٌ، شُبِّهنَ (٢) بالمحارث تشبيهًا لِمَا يُلقَى في أرحامهنَّ من النُّطف التي منها النَّسل بالبذور، قال في «المصابيح»: قوله: وهذا مجاز؛ قيل: باعتبار إطلاق الحرث على مواضع الحرث، وقيل: باعتبار تغيُّر حكم الكلمة في الإعراب من جهة حذف المضاف؛ كما في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وقيل: باعتبار حمل المشبَّه به على المشبَّه بعد حذف الأداة؛ كما في: زيدٌ أسدٌ، فكثيرًا ما يقال له: المجاز وإن لم يكن له استعارةٌ، وكأنَّ التَّجوُّز في ظاهر الحكم بأنَّه هو، ثمَّ أشار إلى أنَّ هذا التَّشبيه متفرِّعٌ على تشبيه النُّطف الملقاة في أرحامهنَّ بالبذور؛ إذ لولا اعتبار ذلك؛ لم يكن بهذا الحُسْنِ، وقيل: المراد بالمجاز: الاستعارة بالكناية؛ لأنَّ في جعل النِّساء محارث دلالةً على أنَّ النُّطف بذورٌ، على ما أشار إليه بقوله: «تشبيهًا لِمَا يُلقى … » إلى آخره، كما تقول: إنَّ هذا الموضع لمفتَرَسُ الشُّجعان، قال المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: ولا أرى ذلك جاريًا على القانون إلَّا أن يُقال: التَّقدير: نساؤكم حرثٌ لنطفكم؛ ليكون المشبَّه مصرَّحًا والمشبَّه به مكنيًّا. انتهى. وقد رُوِيَ عن مقاتلٍ: فروج نسائكم مزرعةٌ للولد (٣) (﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ﴾) أي: فأتوهنَّ كما تأتون المحارث (﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾) أي: كيف شئتم؛ مستقبلين ومستدبرين إذا كان في صِمَامٍ واحدٍ، وقيل: ﴿أَنَّى﴾ بمعنى: حيث،

стр. 8179

وقيل: متى (﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ … ﴾ الاية [البقرة: ٢٢٣]) أي: ما يُدَّخر لكم من (١) الثَّواب، وقيل: هو طلب الولد، وعند ابن جريرٍ عن عطاءٍ قال: أُراه عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ قال: يقول: بسم الله، التَّسمية عند الجماع، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾». ٤٥٢٦ - ٤٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو (٢) ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) بالضَّاد المعجمة، و «شُمَيل» بضمِّ الشِّين المعجمة وفتح الميم، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنُّون، عبد الله الفقيه المشهور (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ؛ لَمْ يَتَكَلَّمْ) بغير القرآن (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا) أي: أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلبٍ، وعند الدَّارقطنيِّ في «غرائب مالكٍ» من رواية عبيد الله بن عمر عن نافعٍ قال: قال لي ابن عمر: أمسك عليَّ المصحف يا نافعٍ (فَقَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى (٣) إِلَى مَكَانٍ) هو قوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (قَالَ: تَدْرِي فِيمَا) بألفٍ بعد الميم، ولأبي ذرٍّ: «فيمَ» (أُنْزِلَتْ؟) قال نافعٌ: (قُلْتُ: لَا، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا) أي: في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ (ثُمَّ مَضَى) أي: في قراءته، وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث مبهِمًا لمكان الآية والتَّفسير، وقد أخرج إسحاق ابن رَاهُوْيَه في «مسنده» و «تفسيره» -بالإسناد المذكور هنا- هذا الحديث (٤) بلفظ: «حتى انتهى إلى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: تدري فيم أُنزِلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال:

стр. 8180

نزلت (١) في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ» فبيَّن فيه ما أُبهِم هنا. ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «أخبرنا النَّضر بن شميلٍ» قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ) هو ابن عبد الوارث التَّنُّوريُّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الوارث بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَالَ: يَأْتِيهَا) زوجها (فِي) بحذف المجرور؛ وهو الظَّرف، أي: في الدُّبر؛ كما وقع التَّصريح به عند ابن جريرٍ في هذا الحديث من طريق عبد الصَّمد عن أبيه، قيل: وأسقط المؤلِّف ذلك (٢) لاستنكاره، وقول الكِرمانيِّ: «فيه دليلٌ على جواز حذف المجرور والاكتفاء بالجارِّ» عُورِض: بأنَّ هذا لا يجوز إلَّا عند بعض النَّحويِّين في ضرورة الشِّعر، وقول (٣) الحافظ ابن حجرٍ: «إنَّه نوعٌ من أنواع البديع يُسمَّى الاكتفاء، ولا بدَّ له (٤) من نكتةٍ يحسن بسببها استعماله» تعقَّبه العينيُّ فقال: ليت شعري! من قال من أهل صناعة البديع: إنَّ حَذْف المجرور وذِكْر الجارِّ وحده من أنواع البديع؟! والاكتفاء إنَّما يكون في شيئين متضادَّين يُذكَر أحدهما ويُكتَفى به عن الآخر؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبردَ، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ ما ذكره العينيُّ هو أحد أنواع الاكتفاء، والنَّوع الثَّاني: الاكتفاء ببعض الكلام وحذف باقيه، والثَّالث: أشذُّ منه؛ وهو حذف بعض الكلمة، قال: وهذا المعترِض لا يدري، ويُنكِر على من يدري. انتهى. وفي «سراج المريدين»: أنَّ المؤلِّف ترك بياضًا بعد «في» فقال

стр. 8181

بعضهم: لأنَّه لمَّا رأى أحاديث تدلُّ للإباحة كحديث ابن عمر، وأخرى تدلُّ للمنع، ولم يَترَجَّح عنده في ذلك شيءٌ بيَّض له حتى يثبت عنده التَّرجيح، فاخترمته المنيَّة. (رَوَاهُ) أي: الحديث (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان البصريِّ أبو صالح البصريُّ، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن سعيدٍ بن فَرُّوْخٍ؛ بفتح الفاء وتشديد الرَّاء المضمومة وسكون الواو ثمَّ معجمةٌ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ولفظ الطَّبرانيِّ قال: إنَّما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] رخصةً في إتيان الدُّبر، قال الطَّبرانيُّ: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلَّا يحيى بن سعيدٍ، تفرَّد به ابنه، قال في «الفتح»: لم يتفرَّد به يحيى بن سعيدٍ؛ فقد رواه عبد العزيز الدَّراورديُّ عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ أيضًا، كما عند الدَّارقطنيِّ (١) في «غرائب مالكٍ» ورواه الدَّارقطنيُّ أيضًا في «الغرائب» من طريق الدَّراورديُّ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر بلفظ: «نزلت في رجلٍ من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم النَّاس ذلك، فنزلت، قال: فقلت له: من دبرها في قبلها؟ قال: لا، إلَّا في دبرها» لكن قال الحافظ ابن كثيرٍ: لا يصحُّ، وقال في «الفتح»: وتابع نافعًا على روايته زيد بن أسلم عن ابن (٢) عمر عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ، وتكلَّم الأزديُّ في بعض رواته، وردَّ عليه ابن عبد البرِّ وأصاب، قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحةٌ مشهورةٌ من رواية نافعٍ عنه، فغير نكيرٍ أن يرويها عنه زيد بن أسلم، قال ابن أبي حاتمٍ الرَّازيُّ: لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لَمَا أُولِع النَّاس بنافعٍ، قال ابن كثيرٍ: وهذا تعليلٌ منه لهذا الحديث، وقد رواه عن ابن عمر أيضًا ابنه عبد الله؛ كما عند النَّسائيِّ، وسالمٌ ابنه، وسعيد بن يسارٍ؛ كما عند النَّسائيِّ وابن جريرٍ، ولم ينفرد ابن عمر بذلك، بل رواه أيضًا أبو سعيدٍ الخدريُّ؛ كما عند ابن جريرٍ والطَّحاويِّ في «مشكله» بلفظ: «إنَّ رجلًا أصاب امرأته (٣) في دبرها، فأنكر النَّاس عليه، فأنزل الله الآية» وقد نُقِل إباحة ذلك عن جماعةٍ من السَّلف؛ لهذه الأحاديث وظاهر الآية، ونسبه ابن شعبان (٤) لكثيرٍ من الصَّحابة والتَّابعين،

стр. 8182

ولإمام الأئمَّة مالكٍ في رواياتٍ كثيرةٍ، قال أبو بكرٍ الجصَّاص في «أحكام القرآن» له: المشهور عن مالكٍ إباحته، وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه. انتهى. لكن روى الخطيب عن مالكٍ من طريق إسرائيل بن رَوْحٍ قال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قومٌ عربٌ؟! هل يكون الحرث إلا موضع الزَّرع؟! لا تَعدَّوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله إنَّهم يقولون: إنك تقول ذلك، قال: يكذبون عليَّ، يكذبون عليَّ فالظَّاهر أنَّ أصحابه المتأخِّرين اعتمدوا على هذه القصَّة، ولعلَّ مالكًا رجع عن قوله الأوَّل، أو كان يرى العمل على خلاف حديث ابن عمر، فلم يعمل به، وإن (١) كانت الرِّواية فيه صحيحةً على قاعدته؛ ولذا قال بعض المالكيَّة: إنَّ ناقل إباحته عن مالكٍ كاذبٌ مفترٍ، ونُقِل عن ابن وهبٍ أنَّه قال: سألت مالكًا فقلت: حكوا عنك أنَّك تراه، قال: معاذ الله! وتلا: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال: ولا يكون الحرث إلا موضع الزَّرع، وإنَّما نَسَب هذا «كتاب السِّرِّ» وهو كتابٌ مجهولٌ لا يُعتَمد عليه، قال القرطبيُّ: ومالكٌ أجلُّ من أن يكون له كتابُ سرٍّ، ومذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد والجمهور: التَّحريم؛ لورود النَّهي عن فعله وتعاطيه، ففي حديث خزيمة بن ثابتٍ عند أحمد: «نهى رسول الله ﷺ أن يأتي الرَّجل امرأته في دبرها» وحديث ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى امرأته في دبرها» في أحاديث كثيرةٍ يطول ذكرها، وحملوا ما ورد عن ابن عمر على (٢) أنَّه يأتيها في قبلها من دبرها، وقد روى النَّسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي النَّضر أنَّه قال لنافعٍ: «إنَّه قد أكثر عليك القول أنَّك تقول عن ابن عمر: إنَّه أفتى أن تؤتى النِّساء في أدبارهنَّ قال: كذبوا عليَّ، ولكن سأحدِّثك كيف كان الأمر: إنَّ ابن عمر عرض المصحف يومًا -وأنا عنده- حتَّى بلغ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فقال: يا نافع هل تعلم مِنْ أمر هذه الآية؟ قلت: لا، قال: إنَّا (٣) كنَّا معشر

стр. 8183

قريشٍ نحني النِّساء، فلمَّا دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار؛ أردنا منهنَّ مثل ما كنَّا نريد، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنَّما يؤتين على جنوبهنَّ، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾» وقد روى أبو جعفر الفريابيُّ عن أبي عبد الرَّحمن الحُبُليِّ (١) عن ابن عمر مرفوعًا: «سبعةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكِّيهم، ويقول: ادخلوا النَّار مع الدَّاخلين؛ الفاعل والمفعول به، وناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزَّاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتَّى يلعنه» وأمَّا ما حكاه الطَّحاوي عن محمَّد ابن عبد الحكم: أنَّه سمع الشَّافعيَّ يقول: ما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيءٌ، والقياس: أنَّه حلالٌ؛ فقال أبو نصر بن الصَّباغ: كان يحلف بالله الذي لا إله إلا هو؛ لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشَّافعيِّ في ذلك، فإنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على تحريمه في ستَّة كُتُبٍ من كتبه. انتهى. وأمَّا ما ذكره الحاكم في «مناقب الشَّافعيِّ» من طريق ابن عبد الحكم أيضًا: أنَّه حكى عن الشَّافعيِّ مناظرةً جرت بينه وبين محمَّد بن الحسن في ذلك، وأنَّ ابن الحسن احتجَّ عليه بأنَّ الحرث إنَّما يكون في الفرج، فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرَّمًا، فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها؛ أفي ذلك حرثٌ؟ قال: لا، قال: أفيحرم؟ قال: لا، قال: فكيف تحتجُّ بما لا تقول به؟! فيُحتَمل -كما قال الحاكم- أن يكون ألزم محمَّدًا بطريق المناظرة وإن كان لا يقول بذلك، والحجَّة عنده في التَّحريم غير المسلك الذي سلكه محمَّد؛ كما يشير إليه كلامه في «الأمِّ». ٤٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ، كما جزم به في «الفتح»، ونقل في «العمدة» (٢) عن المزِّيِّ: أنَّه ابن عيينة (عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ) محمَّدٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا) لفظ رواية الإسماعيليِّ من

стр. 8184

طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثَّوريِّ: باركةً مدبرةً في فرجها من ورائها، وعند مسلمٍ من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر: إذا أتى الرَّجل امرأته من دبرها في قُبُلِها، ومن طريق أبي حازم ٍعن ابن المنكدر: فحملت (جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ) تكذيبًا لليهود في زعمهم: (﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]) فأباح للرِّجال أن يتمتَّعوا (١) بنسائهم كيف شاؤوا، أي: فأتوهنَّ كما تأتون أرضكم التي تريدون أن تحرثوها من أيِّ جهةٍ شئتم، لا يُحظَر عليكم جهةٌ دون جهةٍ؛ والمعنى: جامعوهنَّ من أيِّ شقٍّ أردتم بعد أن يكون المأتيُّ واحدًا وهو موضع الحرث، وهذا من الكنايات اللَّطيفة والتَّعريضات المستحسنة، قاله الزَّمخشريُّ، قال الطِّيبيُّ: لأنَّه أُبِيح لهم أن يأتوها من أيِّ جهةٍ شاؤوا كالأراضي (٢) المملوكة، وقيَّد بالحرث ليشير ألَّا يتجاوز ألبتَّة موضع البذر، وأن يتجاوز عن مجرَّد الشَّهوة؛ فالغرض الأصليُّ طلبُ النَّسل لا قضاء الشَّهوة. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وغيره، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وابن ماجه في «النِّكاح». (٤٠) (باب: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) أي: انقضت عِدَّتهنَّ (﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) لا تمنعوهنَّ (﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) والمخاطب بذلك الأولياء؛ لِمَا يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في الباب [خ¦٤٥٢٩].

стр. 8185

٤٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أي: ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو (العَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف، قال: (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، التَّميميُّ (١) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، و «يسار» بالسِّين المهملة مخفَّفةً، المزنيُّ (قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ) اسمها: جُمَيل؛ بضمِّ الجيم مصغَّرًا؛ كما عند ابن الكلبيِّ، أو ليلى كما عند السُّهيليِّ (تُخْطَبُ إِلَيَّ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو ابن طهمان ممَّا وصله المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٠]: (عَنْ يُونُسَ) هو ابن عبيد بن دينارٍ العبديِّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) فيه تصريح الحسن بالتَّحديث عن معقلٍ كالسَّابق. وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين وفتح الميمَين، عبد الله المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) قيل في اسمها غير ما سبق في هذا الباب: فاطمة كما عند ابن إسحاق، ويُحتَمل التَّعدُّد بأن يكون لها اسمان ولقبٌ، أو لقبانِ واسمٌ (طَلَّقَهَا زَوْجُهَا) هو -كما في «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي- أبو البدَّاح بن عاصمٍ، وتعقَّبه الذَّهبيُّ (٢): بأنَّ أبا البدَّاح تابعيٌّ على الصَّواب، والصُّحبة لأبيه، فيحتمل أن يكون هو الزَّوج، وجزم بعض المتأخِّرين -فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ- بأنَّه البدَّاح بن عاصمٍ، وكنيته أبو عمرٍو، قال: فإن كان محفوظًا فهو أخو

стр. 8186

أبي البدَّاح بن عاصم (١) التَّابعيِّ، وفي «كتاب المجاز» للشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام: أنَّه عبد الله بن رواحة (فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا) من ولِّيها أخيها معقلٍ (فَأَبَى) فامتنع (مَعْقِلٌ) أن يُراجعها له (فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) وهذا صريحٌ في نزول هذه الآية في هذه القصَّة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السِّياق للأزواج حيث وقع فيها: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء﴾ لكنَّ قوله في بقيَّتها: ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ظاهرٌ في أنَّ العضل يتعلَّق بالأولياء، وفيه: أنَّ المرأة (٢) لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنَّه لا بدَّ في النِّكاح من وليٍّ؛ إذ لو تملَّكت (٣) من ذلك؛ لم يكن لعضل الوليِّ معنًى، ولا يُعارَض بإسناد النِّكاح إليهنَّ؛ لأنَّه بسبب توقُّفه على إذنهنَّ، وفي هذه المسألة خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوَّته محرَّرًا في موضعه من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٣٣١]. (٤١) (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ (٤)) وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾» أي: يموتون (٥) (﴿مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾) يتركون (﴿أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾) مِنْ (٦) بعدهم (﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾) فلا يتزوَّجن ولا يخرجن ولا يتزيَّنَّ (﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾) من الليالي، ويُحتَمل أن تكون الحكمة في هذا المقدار: أنَّ الجنين في غالب الأمر يتحرَّك لثلاثة أشهرٍ إن كان ذَكَرًا، ولأربعةٍ إن كان أنثى، واعتُبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا؛ إذ ربَّما تضعف حركته في المبادئ فلا يُحَسُّ بها، ولا يخرج عن ذلك إلَّا المتوفَّي عنها زوجُها وهي حاملٌ، فإنَّ عدَّتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده (٧) سوى لحظةٍ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والأَمَة فإنَّ عدَّتها

стр. 8187

على النِّصف من عدَّة الحرَّة؛ شهران وخمس ليالٍ؛ لأنَّها لمَّا كانت على النِّصف من الحرَّة في الحدِّ؛ فكذلك في العدَّة، وكان ابن عبَّاسٍ يرى أن تتربَّص (١) بأبعد الأجلين؛ من الوضع وأربعة (٢) أشهرٍ وعَشْرٍ؛ للجمع بين الآيتين، وهو مأخذٌ جيِّدٌ ومسلكٌ قويٌّ لولا ما ثبتت به السُّنَّة في حديث سُبَيْعة الأسلميَّة الآتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا بحول الله وقوَّته [خ¦٤٥٣٢] وتأنيث «العشر» باعتبار اللَّيالي؛ لأنَّها غُرَر الشُّهور والأيَّام تَبَعٌ (٣)؛ ولذلك لا يستعملون التَّذكير في مثله قطُّ ذهابًا إلى «الأيَّام»، حتَّى إنَّهم يقولون: صُمت عشرًا، ويشهد له قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] و ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] (﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) انقضت عدَّتهنَّ (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) أي: فلا إثم عليكم أيُّها الأولياء أو المسلمون (﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾) من التَّعرُّض للخُطَّاب والتَّزيُّن وسائر ما حرم للعدَّة (٤) (﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾) بالوجه الذي لا يُنكِره الشَّرع (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) فيجازيكم عليه، وسقط قوله: «﴿فَإِذَا بَلَغْنَ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقال: «إلى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾». (﴿يَعْفُونَ﴾) أي: من قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال ابن عبَّاسٍ وغيره: (يَهَبْنَ) من الهبة (٥)، أي: المطلَّقات، فلا يأخذن شيئًا، والصِّيغة تحتمل التَّذكير والتَّأنيث، يقال: الرِّجال يعفون، والنِّساء يعفون، قالوا: وفي الأوَّل: ضميرٌ، والنُّون: علامة الرَّفع، وفي الثَّاني: لامُ الفعل، والنُّون: ضمير النِّساء (٦)، ولذلك لم يؤثِّر فيه ﴿أَن﴾ ههنا، ونُصِبَ المعطوفُ، وسقط قوله: «﴿يَعْفُونَ﴾: يَهَبْنَ» لأبي ذرٍّ.

стр. 8188

٤٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، و «بِسْطَام» بكسر الموحَّدة وسكون المهملة (١)، ابن المنتشر العيشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء مُصَغَّرًا (عَنْ حَبِيبٍ) هو في «اليونينيَّة» بالحاء المهملة، هو ابن الشَّهيد كما صرَّح به المؤلِّف قريبًا [خ¦٤٥٣٦] ووقع في الفرع هنا: «خُبَيب» بالخاء المعجمة المضمومة فالله أعلم، أو هو سهوٌ (٢)، الأزديُّ الأمويُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله: (قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]) الآية الثَّانية الصَّريحة الدَّلالة (٣) على أنَّه يجبُ على الذين يتوفَّون أن يوصوا قبل أن يُحَتضروا لأزواجهم (٤) بأن يُمتَّعْنَ بعدهم حولًا بالسُّكنى (قَالَ) أي: ابن الزُّبير: (قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى) السَّابقة؛ وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (فَلِمَ) بكسر اللَّام وفتح الميم (تَكْتُبُهَا) وقد نُسِخَ حكمُها بالأربعة أشهرٍ؟! فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها وبقاءُ رسمها بعد التي نَسَخَتْها يوهم بقاء حكمها؟ (أَوْ): لِمَ (تَدَعُهَا؟) أي: تتركها في المصحف، والشَّكُّ من الرَّاوي أيُّ اللَّفظِ (٥)، قالَ، وقال في «المصابيح»: المعنى: فلِمَ تكتبها؟ أو: فلِمَ لا تدعُها؟ فحذف حرف النَّفي اعتمادًا على فهم المعنى، قال: وقد جاء بعد هذا: وقال: «ندعها يا ابن أخي؟! لا أُغيِّر شيئًا منه من مكانه». انتهى. والاستفهام إنكاريٌّ، وكأنَّ ابن الزُّبير ظنَّ أنَّ الذي يُنسَخ حكمُه لا يُكتَب (قَالَ) عثمان رضي الله تعالى عنه مجيبًا له عن استشكاله: (يَا ابْنَ أَخِي) قاله على عادة العرب، أو نظرًا إلى أخوَّة الإيمان (لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ) إذ هو توقيفيٌّ، أي: فكما وجدتها مثبتةً في المصحف بعدها أُثبِتُها حيث وجدتُها، وفيه: أنَّ ترتيب الآي توقيفيٌّ.

стр. 8189

٤٥٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء، ابن عُبَادة -بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة- قال: (حَدَّثَنَا شِبْلٌ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون الموحَّدة آخرُه لامٌ، ابن عَبَّادٍ؛ بفتح العين وتشديد الموحَّدة (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله المكِّيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ المفسِّر: (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ العِدَّةُ) أي: المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾ [البقرة: ٢٤٠]) بنصب ﴿وَصِيَّةً﴾ في قراءة أبي عمرٍو وابن عامرٍ وحفصٍ وحمزة، أي: والذين يُتوَّفون منكم يوصون وصيَّةً، أو لِيُوصوا وصيَّةً، أو كتب الله عليهم وصيةً، أو ألزم الذين يتوفَّون وصيةً، وبالرَّفع قرأ الباقون على تقدير: ووصيَّةُ الذين يُتوفَّون، أو حكمُهم وصيَّةٌ (﴿مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾) نُصِبَ بلفظ ﴿وَصِيَّةً﴾ لأنَّها مصدرٌ منوَّنٌ، ولا يضرُّ تأنيثها بالتَّاء لبنائها عليه، والأصل: وصيَّةٌ بمتاعٍ، ثمَّ حُذِفَ حرفُ الجرِّ اتِّساعًا، فنُصِبَ ما بعده، وهذا إذا لم تُجعَل «الوصيَّة» منصوبةً على المصدر؛ لأنَّ المصدر المؤكِّد لا يعمل، وإنَّما يجيءُ ذلك حال رفعها أو نصبها على المفعول (﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) نعتٌ لـ ﴿مَّتَاعًا﴾ أو بدلٌ

стр. 8190

منه، أو حالٌ من الزَّوجات، أي: غيرَ مُخْرَجاتٍ، أو حالٌ من الموصِين، أي: غيرَ مُخرِجين (﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾) من منزل الأزواج (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]) أيُّها الأولياء (﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]) ممَّا لم ينكره الشَّرع، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزَّوج والإحداد عليه، وإنَّما كانت مخيَّرةً بين الملازمة وأخذ النَّفقة وبين الخروج وتركها (قَالَ: جَعَلَ اللهُ لَهَا) أي: للمعتدَّة المذكورة في الآية الأولى (تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ) ولأبي ذرٍّ: «بسبعة أشهرٍ» (وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً (١) إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا؛ وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالعِدَّةُ) وهي أربعة (٢) الأشهر والعشر (كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا) قال شبل بن عبَّادٍ: (زَعَمَ) ابن أبي نَجيحٍ (ذَلِكَ) المتقدَّم (عَنْ مُجَاهِدٍ) وهذا يدلُّ على أنَّ مجاهدًا لا يرى نسخ هذه الآية. ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «عن مجاهدٍ» قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، قال في «الفتح»: وهو من رواية ابن أبي نَجيحٍ عن عطاءٍ، ووهم من زعم أنَّه معلَّق، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه لو كان عطفًا؛ لقال: وعن عطاءٍ، فظاهره التَّعليق: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهْوَ) أي: النَّاسخ (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ عَطَاءٌ) مفسِّرًا لِمَا رواه عن ابن عبَّاسٍ: (إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «عند أهلها» (وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾) لدلالته على التَّخيير (قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ) في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: ١٢] (فَنَسَخَ السُّكْنَى) وتُرِكت الوصيَّة (فَتَعْتَدُّ (٣) حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا سُكْنَى لَهَا) قال ابن كثيرٍ: فهذا القول الذي عوَّل عليه مجاهدٌ وعطاءٌ من أنَّ هذه الآية لم تدلَّ على وجوب الاعتداد سَنَةً -كما زعمه الجمهور- حتَّى يكون ذلك منسوخًا بأربعة الأشهر والعشر (٤)، وإنَّما دلَّت على أنَّ ذلك كان من باب الوصيَّة بالزَّوجات أن يُمَكَّنَّ من السُّكنى في بيوت أزواجهنَّ بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك؛ ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً

стр. 8191

لِّأَزْوَاجِهِم﴾ أي: يوصيكم الله بهنَّ وصيةً، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الاية [النساء: ١١]. (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الفريابيِّ شيخ المؤلِّف، وهو معطوفٌ على قوله: «حدَّثنا روحٌ» أو علَّقه المؤلِّف عنه، وقد وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق محمَّد بن عبد الملك بن زَنْجُويه، عن محمَّد بن يوسف -وهو الفريابيُّ- أنَّه قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) ابن عمرٍو الخوارزميُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، عبد الله، واسم أبي نَجيحٍ: يسارٌ (عَنْ مُجَاهِدٍ … بِهَذَا، وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نَحْوَهُ) أي: نحو ما رُوِي عن مجاهدٍ فيما سبق. ٤٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (حِبَّانُ) بكسر الحاء (١) المهملة وتشديد الموحَّدة، ابن موسى المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، واسم جدِّه أَرْطَبَان البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنَّه (قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ) بضمِّ العين المهملة وسكون الظَّاء المعجمة، جمعُ عظيمٍ، أي: عظماء (مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) اسمه: يسارٌ الكوفيُّ، زاد في

стр. 8192

«سورة الطَّلاق»: «فذكروا آخر الأجلين» [خ¦٤٩١٠] (فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون الفوقية، ابن مسعودٍ الهذليِّ التَّابعيِّ، ابن أخي عبد الله بن مسعودٍ (فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح الموحَّدة وفتح العين المهملة، مصغَّر «سبعةٍ» الأسلميَّة، وكانت زوج سعد بن خولة فتوفِّي عنها بمكَّة، فقال لها أبو السَّنابل بن بَعْكَكٍ: إنَّ أجلَكِ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وكانت قد وضعت بعد وفاة زوجها بليالٍ، قيل: خمسٌ وعشرون (١) ليلةً، وقيل: أقلُّ من ذلك، فلما قال لها أبو السَّنابل ذلك؛ أتت النَّبيَّ ﷺ فأخبرته، فقال لها: «قد حللتِ، فانكحي من شئت» (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن أبي ليلى: (وَلَكِنَّ عَمَّهُ) نصب بـ «لكنَّ» المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: «ولكنْ عمُّه» بتخفيف النُّون ورفع «عمُّه» أي: عمُّ عبد الله بن عتبة؛ وهو عبد الله بن مسعودٍ (كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ) بل يقول: تعتدُّ بآخر الأجلين، قال محمَّد ابن سيرين: (فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ) أي: ذو جراءة (إِنْ كَذَبْتُ (٢) عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ) يريد: عبد الله بن عُتبة، وكان سكن الكوفة وتوفِّي بها في (٣) زمن عبد الملك بن مروان، ومفهومه: وقوع ذلك وعبد الله بن عتبة حيٌّ (وَرَفَعَ) ابن سيرين (صَوْتَه، قَالَ) أي: ابن سيرين: (ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) أبا عطيَّة الهَمْدانيَّ (أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ) أي: ابن (٤) نضلة، صاحب ابن مسعودٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي بلا خلافٍ (٥) (قُلْتُ) له: (كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي) عدَّة (المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟) الواو في: «وهي» للحال (فَقَالَ) مالك بن عامرٍ أو مالك بن عوفٍ: (قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ) وهو طول زمن عدَّة الحمل إذا زادت على أربعة أشهرٍ وعشرٍ (وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ) وهي خروجها من العدَّة إذا وضعت

стр. 8193

لأقلِّ من أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ؟! (لَنَزَلَتْ) بلام التَّأكيد لقسمٍ محذوفٍ، أي: والله لنزلت، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أُنزِلت» (سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى) التي هي سورة الطَّلاق، ومراده منها: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (بَعْدَ الطُّولَى) التي هي سورة البقرة، ومراده منها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ومفهوم كلام ابن مسعودٍ: أنَّ المتأخِّر هو النَّاسخ، لكنَّ الجمهور أن لا نسخ، بل عموم آية البقرة مخصوصٌ بآية الطَّلاق، وقد روى أبو داود وابن أبي حاتمٍ من طريق مسروقٍ قال: بلغ ابن مسعودٍ أنَّ عليًّا يقول: تعتدُّ آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعَنْتُه أنَّ التي في النِّساء القُصْرى أُنزِلت بعد سورة البقرة، ثمَّ قرأ: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. (وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ مما وصله في سورة الطَّلاق [خ¦٤٩١٠] (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين: (لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) من غير شكٍّ. (٤٢) (بابُ) قوله تعالى: (﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) بالأداء لوقتها والمداومة عليها (١)، وفي فَاعَل هنا (٢) قولان؛ أحدهما: أنَّه بمعنى: فَعَل، كطارقت النَّعل وعاقبت اللِّصَّ، ولمَّا ضمَّن المحافظة معنى المواظبة؛ عدَّاها بـ «على» والثَّاني: أنَّ فَاعَل على بابها من كونها بين اثنين؛ فقيل: بين العبد وربِّه، كأنَّه قال (٣): احفظ هذه الصَّلاة يحفظك الله، وقيل: بين العبد والصَّلاة، أي: احفظها تحفظك (﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]) ذكرٌ للخاصِّ بعد العامِّ، أي: الوسطى بينها أو الفُضْلى منها، من قولهم للأفضل (٤): الأوسط، قاله الزَّمخشريُّ، وتُعقِّب بأنَّ الذي يقتضيه الظَّاهر أن تكون ﴿الْوُسْطَى﴾ «فُعْلى» مؤنَّث الأوسط، كـ «الفُضلى» مؤنَّث الأفضل، قال أعرابيٌّ يمدح النَّبيَّ ﷺ : يا أوسطَ النَّاسِ طُرًّا في مفاخِرهم … وأكرمَ النَّاسِ أُمًّا برَّةً وأَبَا

стр. 8194

وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أفضلهم، ومنه يقال: فلانٌ واسطة قومه، أي: أفضلُهم وعينهم، وليست من «الوسط» الذي معناه متوسِّط بين شيئَين؛ لأنَّ «فُعلى» معناها «أفعل» التَّفضيل، ولا يُبنَى للتَّفضيل إلا ما يقبل الزِّيادة والنَّقص، و «الوسط» بمعنى: العدل والخيار يقبلهما، بخلاف المتوسِّط بين الشَّيئين؛ فإنَّه لا يقبلهما، فلا يُبنَى منه «أفعل» التَّفضيل. ٤٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬). وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني (١)» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن بشر بن (٢) الحكم قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا هشامٌ» (قَالَ (٣): حَدَّثَنَا (٤) مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: حَبَسُونَا) أي: منعونا (عَنْ) إيقاع (صَلَاةِ الوُسْطَى) زاد مسلمٌ: «صلاة العصر» وإضافة «الصَّلاة» إلى «الوسطى» من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، وأجازه الكوفيُّون (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ) زاد مسلمٌ: «ثمَّ صلَّاها بين المغرب والعشاء» ويُحتَمل

стр. 8195

أن يكون أخَّرها نسيانًا؛ لاشتغاله بأمر العدوِّ، وكان هذا قبل نزول صلاة الخوف (مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ) أي: مكان بيوتهم (أَوْ أَجْوَافَهُمْ -شَكَّ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان- (نَارًا). وقد اختلف السَّلف والخلف في تعيين الصَّلاة الوسطى؛ قال التِّرمذيُّ والبغويُّ: أكثر علماء الصَّحابة وغيرهم أنَّها العصر، وقال الماورديُّ: إنَّه قول جمهور التَّابعين، وحكاه الدِّمياطيُّ عن عمر وعليٍّ وابن مسعودٍ وأبي أيُّوب وابن عمرٍو وسَمُرة بن جُندَُبٍ وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ، وحفصة، وأمِّ حبيبة، وأمِّ سلمة، وهو مذهب أحمد، وقال ابن المنذر: إنَّه الصَّحيح عن (١) أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيبٍ من المالكيَّة؛ لحديث عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر» وكذا عند مسلمٍ والنَّسائيِّ وأبي داود؛ كلٌّ بلفظ: «صلاة العصر» وكذا هو في حديث ابن مسعودٍ والبراء بن عازبٍ عند مسلمٍ، وسَمُرَة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن جريرٍ، وأبي مالكٍ الأشعريِّ عند ابن جريرٍ أيضًا، وابن مسعودٍ عند ابن أبي حاتمٍ وابن حبَّان في «صحيحه»، ويؤكِّد ذلك الأمرُ بالمحافظة عليها؛ كحديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنَّما (٢) وُتِرَ أهلَُه ومالَُه» واجتماعُ الملائكة في وقتها، وروى ابن جريرٍ من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وهي (٣) صلاة العصر) وفي مصحف حفصة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وصلاة العصر) رواه ابن جريرٍ وغيره، وعُورِض: بأنَّ العطف بالواو في قوله: «وصلاة العصر» يقتضي المغايرة، وأُجيب بأنَّ الواو زائدةٌ، أو هو من عطف الصِّفات لا من عطف الذَّوات، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] لكن هي منسوخة التِّلاوة، كما في حديث البراء بن عازبٍ عند مسلمٍ بلفظ:
следующие страницы →