لِّأَزْوَاجِهِم﴾ أي: يوصيكم الله بهنَّ وصيةً، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الاية [النساء: ١١].
(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الفريابيِّ شيخ المؤلِّف، وهو معطوفٌ على قوله: «حدَّثنا روحٌ» أو علَّقه المؤلِّف عنه، وقد وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق محمَّد بن عبد الملك بن زَنْجُويه، عن محمَّد بن يوسف -وهو الفريابيُّ- أنَّه قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) ابن عمرٍو الخوارزميُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، عبد الله، واسم أبي نَجيحٍ: يسارٌ (عَنْ مُجَاهِدٍ … بِهَذَا، وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نَحْوَهُ) أي: نحو ما رُوِي عن مجاهدٍ فيما سبق.
٤٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (حِبَّانُ) بكسر الحاء (١) المهملة وتشديد الموحَّدة، ابن موسى المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، واسم جدِّه أَرْطَبَان البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنَّه (قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ) بضمِّ العين المهملة وسكون الظَّاء المعجمة، جمعُ عظيمٍ، أي: عظماء (مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) اسمه: يسارٌ الكوفيُّ، زاد في
стр. 8192
«سورة الطَّلاق»: «فذكروا آخر الأجلين» [خ¦٤٩١٠] (فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون الفوقية، ابن مسعودٍ الهذليِّ التَّابعيِّ، ابن أخي عبد الله بن مسعودٍ (فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح الموحَّدة وفتح العين المهملة، مصغَّر «سبعةٍ» الأسلميَّة، وكانت زوج سعد بن خولة فتوفِّي عنها بمكَّة، فقال لها أبو السَّنابل بن بَعْكَكٍ: إنَّ أجلَكِ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وكانت قد وضعت بعد وفاة زوجها بليالٍ، قيل: خمسٌ وعشرون (١) ليلةً، وقيل: أقلُّ من ذلك، فلما قال لها أبو السَّنابل ذلك؛ أتت النَّبيَّ ﷺ فأخبرته، فقال لها: «قد حللتِ، فانكحي من شئت» (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن أبي ليلى: (وَلَكِنَّ عَمَّهُ) نصب بـ «لكنَّ» المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: «ولكنْ عمُّه» بتخفيف النُّون ورفع «عمُّه» أي: عمُّ عبد الله بن عتبة؛ وهو عبد الله بن مسعودٍ (كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ) بل يقول: تعتدُّ بآخر الأجلين، قال محمَّد ابن سيرين: (فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ) أي: ذو جراءة (إِنْ كَذَبْتُ (٢) عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ) يريد: عبد الله بن عُتبة، وكان سكن الكوفة وتوفِّي بها في (٣) زمن عبد الملك بن مروان، ومفهومه: وقوع ذلك وعبد الله بن عتبة حيٌّ (وَرَفَعَ) ابن سيرين (صَوْتَه، قَالَ) أي: ابن سيرين: (ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) أبا عطيَّة الهَمْدانيَّ (أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ) أي: ابن (٤) نضلة، صاحب ابن مسعودٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي بلا خلافٍ (٥) (قُلْتُ) له: (كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي) عدَّة (المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟) الواو في: «وهي» للحال (فَقَالَ) مالك بن عامرٍ أو مالك بن عوفٍ: (قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ) وهو طول زمن عدَّة الحمل إذا زادت على أربعة أشهرٍ وعشرٍ (وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ) وهي خروجها من العدَّة إذا وضعت
стр. 8193
لأقلِّ من أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ؟! (لَنَزَلَتْ) بلام التَّأكيد لقسمٍ محذوفٍ، أي: والله لنزلت، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أُنزِلت» (سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى) التي هي سورة الطَّلاق، ومراده منها: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (بَعْدَ الطُّولَى) التي هي سورة البقرة، ومراده منها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ومفهوم كلام ابن مسعودٍ: أنَّ المتأخِّر هو النَّاسخ، لكنَّ الجمهور أن لا نسخ، بل عموم آية البقرة مخصوصٌ بآية الطَّلاق، وقد روى أبو داود وابن أبي حاتمٍ من طريق مسروقٍ قال: بلغ ابن مسعودٍ أنَّ عليًّا يقول: تعتدُّ آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعَنْتُه أنَّ التي في النِّساء القُصْرى أُنزِلت بعد سورة البقرة، ثمَّ قرأ: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
(وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ مما وصله في سورة الطَّلاق [خ¦٤٩١٠] (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين: (لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) من غير شكٍّ.
(٤٢) (بابُ) قوله تعالى: (﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) بالأداء لوقتها والمداومة عليها (١)، وفي فَاعَل هنا (٢) قولان؛ أحدهما: أنَّه بمعنى: فَعَل، كطارقت النَّعل وعاقبت اللِّصَّ، ولمَّا ضمَّن المحافظة معنى المواظبة؛ عدَّاها بـ «على» والثَّاني: أنَّ فَاعَل على بابها من كونها بين اثنين؛ فقيل: بين العبد وربِّه، كأنَّه قال (٣): احفظ هذه الصَّلاة يحفظك الله، وقيل: بين العبد والصَّلاة، أي: احفظها تحفظك (﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]) ذكرٌ للخاصِّ بعد العامِّ، أي: الوسطى بينها أو الفُضْلى منها، من قولهم للأفضل (٤): الأوسط، قاله الزَّمخشريُّ، وتُعقِّب بأنَّ الذي يقتضيه الظَّاهر أن تكون ﴿الْوُسْطَى﴾ «فُعْلى» مؤنَّث الأوسط، كـ «الفُضلى» مؤنَّث الأفضل، قال أعرابيٌّ يمدح النَّبيَّ ﷺ :
يا أوسطَ النَّاسِ طُرًّا في مفاخِرهم … وأكرمَ النَّاسِ أُمًّا برَّةً وأَبَا
стр. 8194
وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أفضلهم، ومنه يقال: فلانٌ واسطة قومه، أي: أفضلُهم وعينهم، وليست من «الوسط» الذي معناه متوسِّط بين شيئَين؛ لأنَّ «فُعلى» معناها «أفعل» التَّفضيل، ولا يُبنَى للتَّفضيل إلا ما يقبل الزِّيادة والنَّقص، و «الوسط» بمعنى: العدل والخيار يقبلهما، بخلاف المتوسِّط بين الشَّيئين؛ فإنَّه لا يقبلهما، فلا يُبنَى منه «أفعل» التَّفضيل.
٤٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬).
وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني (١)» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن بشر بن (٢) الحكم قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا هشامٌ» (قَالَ (٣): حَدَّثَنَا (٤) مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: حَبَسُونَا) أي: منعونا (عَنْ) إيقاع (صَلَاةِ الوُسْطَى) زاد مسلمٌ: «صلاة العصر» وإضافة «الصَّلاة» إلى «الوسطى» من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، وأجازه الكوفيُّون (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ) زاد مسلمٌ: «ثمَّ صلَّاها بين المغرب والعشاء» ويُحتَمل
стр. 8195
أن يكون أخَّرها نسيانًا؛ لاشتغاله بأمر العدوِّ، وكان هذا قبل نزول صلاة الخوف (مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ) أي: مكان بيوتهم (أَوْ أَجْوَافَهُمْ -شَكَّ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان- (نَارًا).
وقد اختلف السَّلف والخلف في تعيين الصَّلاة الوسطى؛ قال التِّرمذيُّ والبغويُّ: أكثر علماء الصَّحابة وغيرهم أنَّها العصر، وقال الماورديُّ: إنَّه قول جمهور التَّابعين، وحكاه الدِّمياطيُّ عن عمر وعليٍّ وابن مسعودٍ وأبي أيُّوب وابن عمرٍو وسَمُرة بن جُندَُبٍ وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ، وحفصة، وأمِّ حبيبة، وأمِّ سلمة، وهو مذهب أحمد، وقال ابن المنذر: إنَّه الصَّحيح عن (١) أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيبٍ من المالكيَّة؛ لحديث عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر» وكذا عند مسلمٍ والنَّسائيِّ وأبي داود؛ كلٌّ بلفظ: «صلاة العصر» وكذا هو في حديث ابن مسعودٍ والبراء بن عازبٍ عند مسلمٍ، وسَمُرَة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن جريرٍ، وأبي مالكٍ الأشعريِّ عند ابن جريرٍ أيضًا، وابن مسعودٍ عند ابن أبي حاتمٍ وابن حبَّان في «صحيحه»، ويؤكِّد ذلك الأمرُ بالمحافظة عليها؛ كحديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنَّما (٢) وُتِرَ أهلَُه ومالَُه» واجتماعُ الملائكة في وقتها، وروى ابن جريرٍ من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وهي (٣) صلاة العصر) وفي مصحف حفصة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وصلاة العصر) رواه ابن جريرٍ وغيره، وعُورِض: بأنَّ العطف بالواو في قوله: «وصلاة العصر» يقتضي المغايرة، وأُجيب بأنَّ الواو زائدةٌ، أو هو من عطف الصِّفات لا من عطف الذَّوات، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] لكن هي منسوخة التِّلاوة، كما في حديث البراء بن عازبٍ عند مسلمٍ بلفظ:
стр. 8196
نزلت: «(حافظوا على الصَّلوات وصلاة (١) العصر)» فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثمَّ نسخها الله وأنزل: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقيل: إنَّها الصُّبح، رواه مالكٌ في «موطَّئه» بلاغًا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ، وهو مذهب مالكٍ، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والقنوت عنده في صلاة الصُّبح، وقيل: هي الظُّهر لحديث زيد بن ثابتٍ عند أحمد: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الظُّهر بالهاجرة، ولم يكن يصلِّي صلاةً أشدَّ على أصحابه منها، فنزلت: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال: إنَّ قبلها صلاتين وبعدها صلاتين» ورواه أبو داود في «سننه» من حديث شعبة، وقيل: هي المغرب؛ ففي حديث ابن عبَّاسٍ عند ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ حسنٍ قال: ﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ هي (٢) المغرب، واحتُجَّ لذلك بأنَّها معتدلةٌ في عدد الرَّكعات، ولا تُقصَر في السَّفر، وبأنَّ قبلها صلاتي سرٍّ وبعدها صلاتي جهرٍ، وقيل: هي العشاء، واختاره الواحديُّ، ونقله القرطبيُّ والسَّفاقسيُّ، واحتُجَّ له بأنَّها بين صلاتين لا تُقصَران، وقيل: هي واحدةٌ من الخَمْس لا بعينها، وأُبهِمَت فيهنَّ؛ كليلة القدر في الحول أو الشَّهر أو العشر، واختاره إمام الحرمين، وقيل: مجموع الصَّلوات الخَمْس، رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عمر، قال الحافظ ابن كثيرٍ: وفي صحَّته نظرٌ، والعجب من اختيار ابن عبد البرِّ له مع اطِّلاعه وحفظه، وإنَّها لإحدى الكُبَر إذ اختار مع اطِّلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليلٌ، وقيل: الصُّبح والعشاء لِمَا في «الصَّحيح»: «أنَّهما أثقل الصَّلاة على المنافقين» [خ¦٦٥٧] وقيل: الصُّبح والعصر لقوَّة الأدلَّة في أنَّ كلًّا منهما قيل: إنَّه الوسطى؛ فظاهر القرآن: الصُّبح، ونصُّ الحديث: العصر، وقيل غير ذلك، قال ابن كثيرٍ: والمدار ومعترك النِّزاع في الصُّبح والعصر، وقد بيَّنتِ (٣) السُّنَّة أنَّها العصر، فتعيَّن المصير إليها، وقد جزم الماورديُّ (٤) بأنَّ مذهب الشَّافعيِّ أنَّها العصر (٥)، وإن كان قد (٦) نصَّ في الجديد أنَّها الصُّبح؛ لصحَّة الأحاديث
стр. 8197
أنَّها العصر؛ لقوله: إذا صحَّ الحديث وقلتُ قولًا؛ فأنا راجعٌ عن قولي وقائلٌ بذلك، لكن قد صمَّم جماعةٌ من الشَّافعيَّة أنَّها الصُّبح قولًا واحدًا.
(٤٣) (بابُ) قوله تعالى: (﴿وَقُومُواْ لِلّهِ﴾) في الصَّلاة حال كونكم (﴿قَانِتِينَ﴾ أَيْ: مُطِيعِينَ) كذا فسَّره (١) ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجماعةٌ من التَّابعين فيما ذكره ابن أبي حاتمٍ، وقيل: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه ساكتين (٢)، وقال ابن المسيَّب: المراد به: القنوت في الصُّبح، وسقط لفظ «أي» لغير أبي ذرٍّ.
٤٥٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الأحمسيِّ مولاهم البَجَليِّ (٣) (عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ) بضمِّ المعجمة وفتح الموحَّدة آخره لامٌ مصغَّرًا (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، سعد (٤) بن (٥) إياسٍ (الشَّيْبَانِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة، المخضرم (٦)؛ عاش مئةً وعشرين سنةً (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ) زاد في: «باب ما يُنهَى من الكلام في الصَّلاة» في أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٤٢] من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالدٍ: «على عهد النَّبيِّ ﷺ » (يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ) وفي طريق عيسى بن يونس: «صاحبه» بدل: «أخاه»، (فِي حَاجَتِهِ حَتَّى) أي: إلى أن (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ)
стр. 8198
عن الكلام الذي لا يتعلَّق بالصَّلاة، وليس في الصَّلاة حالة سكوتٍ، وقد أشكل (١) هذا الحديث من جهة أنَّه ثبت أنَّ تحريم الكلام في الصَّلاة كان بمكَّة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض (٢) الحبشة؛ لحديث ابن مسعودٍ: «كنَّا نُسلِّم على النَّبيِّ ﷺ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصَّلاة فيردُّ علينا، فلمَّا قدمنا سلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ (٣) … » الحديث، وهذه الآية مدنيَّةٌ باتِّفاقٍ؛ فقيل: إنَّما أراد زيد بن أرقم الإخبار عن جنس كلام (٤) النَّاس (٥)، واستدلَّ على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، وقيل: أراد أنَّ ذلك وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أُبيحَ مرَّتين وحُرِّم مرَّتين، قال ابن كثيرٍ: والأوَّل أظهر.
(٤٤) (﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله : ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾» أي: من عدوٍّ أو غيره؛ (﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾) نصب على الحال، والعامل محذوفٌ؛ تقديره: فصلُّوا رجالًا، و «رجالًا» جمع راجلٍ، كقائمٍ وقيامٍ، و ﴿أَوْ﴾: للتَّقسيم أو الإباحة أو التَّخيير (﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾) من العدوِّ وزال خوفكم (﴿فَاذْكُرُواْ اللّهَ﴾) أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتُكم؛ تامَّة الرُّكوع والسُّجود والقيام
стр. 8199
والقعود (﴿كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]) الكاف في ﴿كَمَا﴾ في موضع نصبٍ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالًا من ضمير المصدر المحذوف، و «ما»: مصدريَّةٌ أو بمعنى: الذي، و ﴿مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾: مفعول ﴿عَلَّمَكُم﴾ والمعنى: فصلُّوا الصَّلاة كالصَّلاة التي علَّمكم، وعبَّر بالذِّكر عن الصَّلاة، والتَّشبيه بين هيئتي الصَّلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن، وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾: «الآية» وحذف ما بعد ذلك.
(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ -ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ﴾ (﴿كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]) أي: (عِلْمُهُ) تسميةً للصِّفة باسم مكان صاحبها، ومنه قيل للعلماء: الكراسيُّ، وقيل: يُعبَّر به عن السِّرِّ، قال:
مَا لِي بأمرِكَ كُرسِيٌّ أُكاتمُه … وَلا بِكُرْسِيِّ عِلْمِ اللهِ مَحْلُوتُ (١)
وقد يعبَّر به عن المُلْكِ لجلوسه عليه، تسميةً للحالِّ باسم المحلِّ، وهو في الأصل: لما يُقعَد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وتفسير ابن جبيرٍ هذا فيه إشارةٌ إلى أنَّه لا كرسيَّ في الحقيقة ولا قاعد، وإنَّما هو مجازٌ عن علمه؛ كما في غيره ممَّا سبق، وقال قومٌ (٢): هو جسمٌ بين يدي العرش؛ ولذلك سُمِّي (٣) كرسيًّا، محيطٌ بالسَّموات السَّبع لحديث أبي ذرٍّ الغفاريِّ عند ابن مردويه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما السَّموات السَّبع والأرضون السَّبع عند الكرسيِّ إلَّا كحلقةٍ (٤) ملقاةٍ بأرض فلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ العرشِ على الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة»، وزعم بعض أهل الهيئة من الإسلاميِّين: أنَّ الكرسيَّ هو الفَلك الثَّامن، وهو فَلك الثَّوابت الذي فوقه الفَلك التَّاسع؛ وهو الأطلس (٥)، وسُمِّي الأطلس لكونه غير مكوكبٍ (٦)، وردَّ ذلك عليهم آخرون.
стр. 8200
(يُقَالُ) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ﴾ أي: طالوت (﴿بَسْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]) أي: (زِيَادَةً وَفَضْلًا) في العلم والجسم تَأهَّل بهما أن يُؤتَى المُلْك، وكان رجلًا جسيمًا؛ إذا مدَّ الرَّجل القائم يده؛ ينال رأسه، وافر العلم قويًّا على مقاومة العدوِّ ومكابدة الحرب (١).
(﴿أَفْرِغْ﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: (أَنْزِلْ) ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] على القتال، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله (٢): «يقال … » إلى (٣) هنا.
(﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾) أي: (لَا يُثْقِلُهُ) ﴿حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] يقال: (آدَنِي) هذا الأمر، أي: (أَثْقَلَنِي، وَالآدُ) بالمدِّ مخفَّفًا؛ كالآل (وَالأَيْدُ) كأنَّه يشير إلى قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أي: (القُوَّةُ) وشُطِب (٤) في «اليونينيَّة» على (٥) الألف واللَّام من قوله: «القوَّة».
(السِّنَةُ) من قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: (نُعَاسٌ) ولأبي ذرٍّ: «النُّعاس» كذا فسَّره ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ، وقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ﴾ (﴿يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]) أي: (يَتَغَيَّرْ) بمرور الزَّمان، وعبَّر بالإفراد؛ لأنَّ الطَّعام والشَّراب كالجنس الواحد، أو أعاد الضَّمير إلى الشَّراب؛ لأنَّه أقرب مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفت؛ لدلالة هذه عليها، أي: انظر إلى طعامك لم يتسنَّه، أو سكت عن تغيرُّ الطَّعام تنبيهًا بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّه إذا لم يتغيَّر الشَّراب مع سرعة التَّغيُّر إليه؛ فعدم تغيُّر الطَّعام أولى.
وقوله تعالى: (﴿فَبُهِتَ﴾) ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو نمروذ، أي: (ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ) وقُرِئ: (فَبَهَتَ) مبنيًّا للفاعل، أي: فغلب إبراهيمُ الكافرَ.
стр. 8201
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ﴾ (﴿خَاوِيَةٌ﴾) أي: (لَا أَنِيسَ فِيهَا) والمارُّ عزيرٌ كما عند ابن أبي حاتمٍ، والقرية: القدس، وقوله: (﴿عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]) أي: (أَبْنِيَتُهَا) ساقطةٌ (السَّنَةُ): هي (١) (نُعَاسٌ) وقد مرَّ، وسقطت هذه لأبي ذرٍّ.
وقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ﴾ (﴿نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]) بالرَّاء، أي: (نُخْرِجُهَا) قال السُّدِّيُّ وغيره: تفرَّقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كلِّ موضعٍ من تلك المحلَّة، ثمَّ ركَّبت كلَّ عظمٍ في موضعه، حتَّى صار حمارًا قائمًا من عظامٍ لا لحم عليها، ثمَّ كساه الله تعالى لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا وبعث ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق بإذن الله تعالى، وذلك كلُّه بمرأًى من العزير، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿عُرُوشِهَا﴾ … » إلى آخره.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا﴾ (﴿إِعْصَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]) أي: (رِيحٌ عَاصِفٌ (٢) تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ) أي: فتحرق ما في جنَّته من نخيلٍ وأعنابٍ، والمعنى: تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضمُّ إليها ما يحبطها مثل الرِّياء والإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدَّت حاجته إليها وجدها محبطةً بحال من هذا شأنه.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما -ممَّا وصله ابن جريرٍ- في قوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ﴾ (﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]) أي: (لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) من ترابٍ، فكذلك نفقة المرائي والمشرك لا يبقى له ثوابٌ.
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) ممَّا وصله عبد بن حميدٍ في قوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا﴾ (﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]) أي: (مَطَرٌ شَدِيدٌ) قطره، و (الطَّلُّ) في قوله تعالى: ﴿فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي: (النَّدَى) وهذا تجوُّز منه، والمعروف أنَّ الطَّلَّ هو المطر الصَّغير القطر، والفاء في: ﴿فَطَلٌّ﴾ جواب الشَّرط، ولا بدَّ من حذف بعدها لتكمل جملة الجواب، أي: فطلٌّ يصيبها، فالمحذوف الخبر، وجاز الابتداء بالنَّكرة؛ لأنَّها في جواب الشَّرط (وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ المُؤْمِنِ).
стр. 8202
(﴿يَتَسَنَّهْ﴾) أي: (يَتَغَيَّرْ) وقد مرَّ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «وقال ابن عبَّاسٍ … » إلى آخر قوله: «يتغيَّر».
٤٥٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ) كيفيَّة (صَلَاةِ الخَوْفِ؛ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ) حيث لا تبلغهم سهام العدوِّ (فَيُصَلِّي بِهِمِ الإِمَامُ رَكْعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العَدُوِّ) (١) تحرسهم منه (لَمْ يُصَلُّوا (٢)، فَإِذَا صَلَّوُا الَّذِينَ) ولأبي ذرٍّ: «فإذا صلَّى الذين (٣)» (مَعَهُ) أي: مع الإمام (رَكْعَةً؛ اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ) الطَّائفة (الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا) فيكونون في وجه العدوِّ (وَلَا يُسَلِّمُونَ) بل يستمرُّون في الصَّلاة (وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا) والإمام قارئٌ منتظرٌ لهم (فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الإِمَامُ) من صلاته بالتَّسليم (وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ) ولأبي ذرٍّ: «فتقوم كلُّ واحدةٍ» (مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَيُصَلُّونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ) ولأبي الوقت: «كلُّ واحدةٍ» (مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وهذه الكيفيَّة اختارها الحنفيَّة كما نبَّهتُ عليه في «صلاة الخوف» [خ¦٩٤٢] (فَإِنْ (٤) كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا) حينئذٍ حال كونهم (رِجَالًا قِيَامًا عَلَى
стр. 8203
أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا) على دوابِّهم، وزاد مسلمٌ: «يومئ إيماءً» (مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم: (قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: لا (١) أظنُّ (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وكذا وقع في (٢) «صلاة الخوف» من حديثه التَّصريح برفعه [خ¦٩٤٢] وفي بعض النُّسخ تقديم هذا الحديث على قوله: «وقال ابن جبيرٍ».
(٤٥) (﴿وَالَّذِينَ﴾) وفي بعض النُّسخ: «باب ﴿وَالَّذِينَ﴾» (﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]) سقطت الآية لغير أبي ذرٍّ، فصار الحديث الآتي من الباب السَّابق.
٤٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي الأسود؛ واسمه: حميدٌ، ابن أخت عبدِ الرَّحمن بن مهديٍّ الحافظ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ) هو جدُّ عبد الله (وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء مصغرًا (قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الهاء، الأزديُّ مولاهم البصريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) مصغَّرًا، عبد الله أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله: (قُلْتُ لِعُثْمَانَ) بن عفَّان رضي الله تعالى عنه: (هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى) وسقطت «الآية» (٣) من «اليونينيَّة»: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟!) بكسر اللَّام، استفهامٌ
стр. 8204
إنكاريٌّ (قَالَ (١)) أي: عثمان: (تَدَعُهَا) بالفوقيَّة في «اليونينيَّة» أي: تتركها مثبتةً في المصحف (يَا بْنَ أَخِي، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ) أي: من المصحف (مِنْ مَكَانِهِ، قَالَ حُمَيْدٌ) أي: ابن الأسود: (أَوْ نَحْوَ هَذَا) المذكور من المتن، فتردَّد فيه بخلاف يزيد بن زُرَيعٍ فجزم به.
(٤٦) (﴿وَإِذْ قَالَ﴾) وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَإِذْ قَالَ﴾» (﴿إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ … ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٦٠]) بكسر الصَّاد لحمزة، وللباقين بضمِّها، قال ابن عبَّاسٍ وغيره أي: (قَطِّعْهُنَّ) وأملهنَّ، فاللُّغتان لفظٌ مشتركٌ بين هذين المعنيين، وقيل: الكسر بمعنى: القطع، والضَّمُّ بمعنى: الإمالة، وسقط قوله: «﴿فَصُرْهُنَّ﴾: قَطِّعْهُنَّ» لغير أبي ذرٍّ.
٤٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) ابن (٢) عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَسَعِيدٍ) هو ابن المسيَّب (٣) كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) ولأبي ذرٍّ تقديم لفظ: «إبراهيم» على «الشَّكِّ»، لو كان الشَّكُّ في القدرة متطرِّقًا إلى الأنبياء؛ لكنتُ أنا أحقَّ به، وقد علمتم أنِّي لم أشكَّ فإبراهيمُ ﷺ لم يشكَّ (إِذْ قَالَ (٤): ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾)؟ واختُلِف في عامل ﴿إِذْ﴾ فقيل: يجوز كونه ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾؟ أي: قال له ذلك ربُّه وقت قوله ذلك، وكونه قوله (٥): ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ [البقرة: ٢٥٨] أي: ألم ترَ إذ قال
стр. 8205
إبراهيم؟ وكونه مضمرًا؛ تقديره: واذكر؛ فـ ﴿إِذْ﴾ على هذين القولين مفعولٌ لا ظرفٌ، و ﴿رَبِّ﴾ مضافٌ لياء المتكلِّم، حُذِفت استغناءً عنها بالكسرة، والرُّؤية بصريَّةٌ فيتعدَّى لواحدٍ، ولمَّا دخلت همزة النَّقل؛ نَصَبَ (١) مفعولًا ثانيًا، فالأوَّل ياء المتكلِّم، والثَّاني الجملة الاستفهاميَّة، وهي معلَّقةٌ للرُّؤية، و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصبٍ على التَّشبيه بالظَّرف أو بالحال، والعامل فيها: ﴿تُحْيِي﴾ وقد ذكروا في سبب سؤال الخليل لذلك وجوهًا؛ فقيل: إنَّه لمَّا احتجَّ على نمروذ بقوله: ربِّي الذي يحيي ويميت؛ قال نمروذ: أنا أحيي وأميت؛ أُطْلِقُ محبوسًا وأَقتلُ آخر، قال إبراهيم: إنَّ الله يحيي بأن يقصد إلى جسد ميِّتٍ فيحييه، ويجعل فيه الرُّوح، فقال نمروذ: أنت عاينت ذلك؟! فلم يقدر أن يقول له: نعم عاينته، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾؟ [البقرة: ٢٦٠] حتَّى يُخبِر به معاينةً إن سُئِل عن ذلك مرَّةً أخرى، وقيل: إنَّه سأل زيادة يقينٍ وقوَّة طمأنينةٍ؛ إذ العلوم الضَّروريَّة والنَّظريَّة قد تتفاضل في قوَّتها، وطريان الشُّكوك على الضَّروريَّات ممتنعٌ، ومجوَّزٌ في النَّظريَّات، فأراد الانتقال من النَّظر أو الخبر إلى المشاهدة، والتَّرقِّي من علم اليقين إلى عين اليقين، فليس الخبر كالمعاينة (٢) (﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾) بأنِّي قادرٌ على الإحياء بإعادة التَّركيب والحياة؟! قال له ذلك وقد عَلِم أنَّه أثبت النَّاس إيمانًا؛ ليُجيب بما أجاب، فيَعلم السَّامعون غرضه (﴿قَالَ بَلَى﴾) آمنت (﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ
стр. 8206
قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) اللَّام: لام «كي» فالفعل منصوبٌ بإضمار «أن»، وهو مبنيٌّ لاتِّصاله بنون التَّوكيد، واللَّام متعلِّقةٌ بمحذوفٍ بعد ﴿لَكِن﴾ تقديره: ولكن سألتك كيفيَّة الإحياء للاطمئنان، ولا بدَّ من تقدير حذفٍ آخرَ قبل ﴿لَكِن﴾ ليصحَّ معه الاستدراك؛ والتَّقدير: بلى آمنت، وما سألتُك (١) غير مؤمنٍ، ولكن (٢) سألتك ليطمئنَّ قلبي، أي: لأزيد بصيرةً وسكون قلبٍ بمُضامَّة العيان إلى الوحي والاستدلال، وقال الطِّيبيُّ: سؤال الخليل ﵊ لم يكن عن شكٍّ في القدرة على الإحياء، ولكن عن كيفيَّتها، ومعرفة كيفيَّتها لا تُشتَرط في الإيمان، والسُّؤال بصيغة ﴿كَيْفَ﴾ الدَّالة على الحال هو كما لو علمت أنَّ زيدًا يحكم في النَّاس، فسألت عن تفاصيل حكمه فقلت: كيف يحكم؟ فسؤالك (٣) لم يقع عن (٤) كونه حاكمًا ولكن عن أحوال حكمه، وهو مشعرٌ بالتَّصديق بالحكم؛ ولذلك قطع النَّبيُّ ﷺ ما يقع في الأوهام من نسبة الشَّكِّ إليه بقوله: «نحن أحقُّ بالشَّكِّ» أي: نحن لم نشكَّ فإبراهيمُ أولى، فإن قيل: فعلى هذا: كيف قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾؟ قلنا: هذه الصِّيغة في الاستفهام قد تُستَعمل أيضًا عند الشَّكِّ في القدرة؛ كما تقول لمن يدَّعي أمرًا تستعجزه عنه: أرني كيف تصنعه؟ فجاء قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾؟ والرَّدُّ بـ ﴿بَلَى﴾ ليزول الاحتمال اللَّفظيُّ في العبارة، ويحصل النَّصُّ
стр. 8207
الذي لا ارتياب فيه، فإن قلت: قول إبراهيم ﵊: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يشعر ظاهره بفقد الطُّمأنينة عند السُّؤال؛ قلت: معناه: ليزول عن قلبي الفكر في كيفيَّة الإحياء بتصويرها مشاهدةً، فتزول الكيفيَّات المحتملة. انتهى. وقيل: إنَّ إبراهيم ﵊ إنَّما أراد اختبار منزلته عند ربِّه، وعلم إجابة دعوته بسؤال ذلك من ربِّه تعالى، ويكون قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾؟ أي: ألم تصدِّق بمنزلتك منِّي وخلَّتك واصطفائك؟! ولا يُفهَم الشَّكُّ من قوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾؟ لأنَّ الموقن (١) بإتقان إنسانٍ صنعةً علمًا قطعيًّا لا يلزم من قوله: «أرني كيفيَّة فعلها؟» أن يكون شاكًّا في كونه يصنع ذلك؛ إذ هو مقامٌ آخرُ، وإنَّما فُهِم الشَّكُّ من قوله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾؟ فَفُهِم ذلك من مجموع الكلام (٢)، فَجَرَتِ المسألةُ في هذا المقام الجوابَ عن قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾؟ وقوله: ﴿بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ولا شكَّ في إيمانه بذلك وطمأنينة قلبه كما وقع ذلك سؤالًا وجوابًا واستدراكًا (٣)، وزاد في نسخةٍ هنا: «﴿فَصُرْهُنَّ﴾: قطِّعهنَّ (٤)» وقد سبق.
وهذا الحديث قد ذكره المؤلِّف في «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٣٧٢].
(٤٧) (بابُ قَوْلِهِ) : (﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾) قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ: الهمزة في ﴿أَيَوَدُّ﴾ للإنكار (﴿أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ﴾) في موضع رفعٍ صفةً لـ ﴿جَنَّةٌ﴾ أي: كائنةٌ من النَّخيل (٥) (﴿وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾) جملة ﴿تَجْرِي﴾ صفةٌ لـ ﴿جَنَّةٌ﴾ أو حالٌ منها؛ لأنَّها قد
стр. 8208
وصفت (﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]) جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ مقدَّمٍ، لكنَّ المبتدأ لا يكون جارًّا ومجرورًا (١)، فأُوِّل على حذف المبتدأ، والجارُّ (٢) والمجرور صفةٌ قائمةٌ مقامه، أي: له فيها رزقٌ أو فاكهةٌ من كلِّ الثَّمرات، فحُذِف الموصوف نفسه، أو ﴿مِن﴾ زائدةٌ، أي: له فيها كلُّ الثَّمرات (٣)، على رأي الأخفش، وجعل الجنَّة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبًا لهما؛ لشرفهما وكثرة منافعهما، ثمَّ ذكر أنَّ فيها من كلِّ الثَّمرات ليدلَّ على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، وليس في الفرع وأصله ذكر قوله: «﴿لَهُ (٤) فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾» بل قال بعد قوله: ﴿جَنَّةٌ﴾: «إلى قوله: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾» أي: تتفكَّرون في الآيات فتعتبرون بها، ولأبي ذرٍّ: «﴿مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾».
٤٥٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن موسى الفرَّاء قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بجيمين بينهما راءٌ مفتوحةٌ فتحتيَّةٌ ساكنةٌ، عبد العزيز بن عبد الملك أنَّه قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ … قَالَ) ابن جريجٍ: (وَسَمِعْتُ أَخَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما، اللَّيثيِّ المكِّيِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁ يَوْمًا لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَ) أي: في أيِّ شيءٍ (تَرَوْنَ) بفتح
стр. 8209
الفوقيَّة، أي: تعلمون، ولأبي ذرٍّ: «تُرَون» بضمِّها، أي: تظنُّون (١) (هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ قَالُوا: اللهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ) فإن قلت: ما وجه غضبه مع كونهم وَكَلُوا العِلْم إلى الله تعالى؟ أُجيب بأنَّه سألهم عن تعيين ما عندهم في نزول الآية ظنًّا أو علمًا -على اختلاف الرِّوايتين- فأجابوا بجوابٍ (٢) يصلح صدوره من العالم بالشَّيء والجاهل به، فلم يحصل المقصود (فَقَالَ) عمر: (قُولُوا: نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ) لنعرف ما عندكم (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما: (فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ) من العلم (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ) وفي غير (٣) الفرع كأصله: «فقال» (عُمَرُ) له: (يَا ابْنَ أَخِي؛ قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ) بفتح الفوقيَّة وسكون الحاء المهملة وكسر القاف (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ (٤): أَيُِّ عَمَلٍ؟) برفع «أي» وجرِّها (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٥): لِعَمَلٍ) وفي الفرع فقط (٦): «ضُرِبَت لعملٍ» (قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ) ضدُّ فقيرٍ (يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ ، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ لَهُ الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بِالمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة، أي: أضاع (أَعْمَالَهُ) الصَّالحة بما ارتكب من المعاصي، واحتاج إلى شيءٍ من الطَّاعات في أهمِّ أحواله، فلم يحصل له منه شيءٌ، وخانه أحوج ما كان إليه؛ ولذا قال: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] أي: كبر السِّنِّ، فإنَّ الفاقة في الشَّيخوخة أصعب ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء﴾ صغارٌ لا قدرة لهم على الكسب ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وهو الرِّيح الشَّديدة (٧) ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ثماره وأبادت أشجاره، وأخرج ابن المنذر الحديث من وجهٍ آخرَ عن ابن أبي مليكة، فقال بعد قوله: «أيُّ عمل؟»: قال ابن عبَّاسٍ: «شيءٌ أُلقِيَ في روعي، فقال: صدقت يا ابن أخي، عُنِي بها العملُ؛ ابنُ آدمَ أفقرُ ما يكون إلى جنَّته إذا كبر سِنُّه وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم يُبعَث … » الحديث، وضُرِب المثل بما ذُكِر لكشف المعنى الممثَّل له
стр. 8210
ورفع الحجاب عنه، وأبرزه في صورة المشاهد المحسوس؛ ليساعد فيه الوهمُ العقلَ ويصالحه عليه، فإنَّ المعنى الصِّرف إنَّما يدركه العقل مع منازعة من الوهم؛ لأنَّ من طبعه ميل الحسِّ وحبُّ المحاكاة؛ ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهيَّة، وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء، قاله البيضاويُّ (﴿فَصُرْهُنَّ﴾) بضمِّ الصَّاد: (قَطِّعْهُنَّ) كذا في الفرع كأصله وسقط ذلك لأبي ذرٍّ.
(٤٨) (﴿لَا يَسْأَلُونَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين (١) «﴿لَا يَسْأَلُونَ﴾» (﴿النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) نُصِب على المصدر (٢) بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: يُلحِفون إلحافًا، والجملة المقدَّرة حالٌ من فاعل ﴿يَسْأَلُونَ﴾ أو مفعولًا من أجله، أي: لا يسألون لأجل الإلحاف (٣)، أو مصدرًا في موضع الحال، أي: لا يسألون مُلحِفين (يُقَالُ (٤): أَلْحَفَ عَلَيَّ وَأَلَحَّ عَلَيَّ) سقطت «عليَّ» هذه الأخيرة لأبي ذرٍّ (وَأَحْفَانِي بِالمَسْأَلَةِ) أي: بالغ فيها، كلٌّ بمعنًى واحدٍ، والعرب إذا نفت الحكم عن محكومٍ عليه؛ فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد (٥)، فإذا قلت: ما رأيت رجلًا صالحًا؛ فالأكثرُ على أنَّك رأيت رجلًا لكن ليس بصالحٍ، ويجوز أنَّك لم ترَ رجلًا أصلًا؛ فقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ مفهومه: أنَّهم يسألون لكن لا بإلحافٍ، ويجوز أن يراد أنَّهم لا يسألون ولا يُلحِفون؛ فهو كقوله: فلانٌ لا يُرجَى خيره، أي: لا خير عنده ألبتَّة فيُرجَى.
(﴿فَيُحْفِكُمْ﴾) ﴿تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧] أي: (يُجْهِدْكُمْ) في السُّؤال بالإلحاح.
стр. 8211
٤٥٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد (١) ابن أبي مريم المصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المخفَّفة (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ المِسْكِينُ) الكامل في المسكنة (الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا (٣) اللُّقْمَتَانِ) عند دورانه على النَّاس للسُّؤال؛ لأنَّه قادرٌ على تحصيل قوته، وقد تأتيه الزِّيادة عليه، فتزول حاجته، ويسقط اسم المسكنة (إِنَّمَا المِسْكِينُ) الكامل (الَّذِي يَتَعَفَّفُ) عن المسألة، فيحسبه الجاهل غنيًّا (وَاقْرَؤُوْا) ولأبي ذرٍّ: «اقرؤوا» بحذف الواو (إِنْ شِئْتُمْ؛ يَعْنِي: قَوْلَهُ) تعالى: (﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) وقائل: «يعني» شيخ المؤلِّف سعيد بن أبي مريم؛ كما وقع مبيَّنًا عند الإسماعيليِّ.
والحديث مرَّ في باب: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ من «كتاب الزكاة» [خ¦١٤٧٦].
(٤٩) (﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾) وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾» (﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]) جملةٌ مستأنفةٌ من كلام الله؛ ردًّا لِمَا قالوه بحكم العقل من التَّسوية بين البيع والرِّبا، وحينئذٍ فلا محلَّ لها من الإعراب، وقيل: هي من تتمَّة قولهم اعتراضًا على الشَّرع؛ حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فهي في موضع نصبٍ بالقول عطفًا على المقول، واستُبعِد من جهة أنَّ جوابهم بقوله: ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ (٤) … ﴾ إلى آخره يحتاج إلى تقديرٍ، والأصل عدمه.
стр. 8212
(المَسُّ) قال الفرَّاء: هو (الجُنُونُ) وعن ابن عبَّاسِ -ممَّا رواه ابن أبي حاتمٍ- قال: آكِلُ الرِّبا يُبعَث يوم القيامة مجنونًا.
٤٥٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفصٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن صُبَيحٍ الكوفيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتِ الآيَاتُ (١) مِنْ آخرِ سُورَةِ البَقرَةِ فِي الرِّبَا): ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا … ﴾ إلى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٩] (قَرَأَهَا) ولأبي ذرِّ: «فقَرَأَهَا» (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ) زاد في «البيع» [خ¦٢٠٨٤]: «في المسجد» (ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ) بيعًا وشراءً بعد (٢) وقوع تحريمه بمدةٍ.
(٥٠) (﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]) قال أبو عبيدة: (يُذْهِبُهُ) بالكلِّيَّة من يد صاحبه، أو يَحرِمه بركته فلا ينتفع به، بل يعذِّبه في الدُّنيا ويعاقبه عليه في الأخرى، وفي نسخةٍ: «باب: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا﴾».
٤٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، الفرائضيُّ العسكريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندرٌ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران، ولأبي ذرٍّ زيادة: «الأعمش» أنَّه قال (٣): (سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى) مسلم (٤) بن صُبَيحٍ (يُحَدِّثُ عَنْ
стр. 8213
مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ؛ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من بيته (فَتَلَاهُنَّ فِي المَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ).
(٥١) (﴿فَأْذَنُواْ﴾) بإسكان الهمزة، وفي نسخةٍ: «باب ﴿فَأْذَنُواْ﴾» بسكون الهمزة وفتح المعجمة، أمرٌ (١) من أَذِنَ يأْذَن (﴿بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]) الباء للإلصاق، أي: (فَاعْلَمُوا) وتنكير «حربٍ» للتَّعظيم، وهذا تهديدٌ شديدٌ ووعيدٌ أكيدٌ لمن استمرَّ على تعاطي الرِّبا بعد هذا الإنذار، وعن ابن عبَّاسٍ: يقال يوم القيامة لآكل الرِّبا: خُذْ سلاحك للحرب، ثمَّ قرأ الآية، وسقط قوله: «﴿مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾» لغير أبي ذرٍّ.
٤٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالشِّين المعجمة، العبديُّ بندار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ) سقط «سورة» لأبي ذرٍّ (قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ: «عليهم» (فِي المَسْجِدِ، وَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ).
وهذه طريقٌ (٢) أخرى للحديث.
(٥٢) (﴿وَإِن كَانَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين (٣) «﴿وَإِن كَانَ﴾» أي: وإن حدث غريمٌ (﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾) فـ «كان» تامَّةٌ تكتفي بفاعلها (٤) (﴿فَنَظِرَةٌ﴾) الفاء جواب الشَّرط، ونَظِرةٌ: خبر مبتدأ
стр. 8214
محذوفٍ، أي: فالحكم نَظِرةٌ، أو مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: فعليكم نظرةٌ (﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾) أي: إلى يسارٍ، لا كما كان أهل الجاهليَّة يقول أحدهم لمَدِينه إذا حلَّ عليه الدَّين: إمَّا أن تقضي (١) وإمَّا أن تُربِي، ثمَّ نَدَب إلى الوضع عنه، ووعد عليه الثَّواب الجزيل بقوله: (﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ﴾) بالإبراء (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) أكثر ثوابًا من الإنظار (﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]) ما في ذلك من الثَّواب، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿مَيْسَرَةٍ﴾: «الآية».
٤٥٤٣ - (وَقَالَ لَنَا) سقط «لنا» لأبي ذرٍّ (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ مذاكرةً، ممَّا هو موصولٌ في «تفسيره»: (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان؛ كلاهما (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ؛ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في المسجد (فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ).
واقتضى صنيع المؤلِّف في هذه التَّراجم أنَّ المراد بـ «الآيات» آيات الرِّبا كلُّها إلى (٢) آية الدَّين.
(٥٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]) هو يوم القيامة أو يوم الموت، وثبت: «الباب» لأبي ذرٍّ.
٤٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ (٣)) السُّوائيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن سعيدٍ الثَّوريُّ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان الأحول (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه
стр. 8215
(قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا) وأخرج الطَّبريُّ من طُرُقٍ عن ابن عبَّاسٍ: آخر آيةٍ أُنزِلت على النَّبيِّ ﷺ : ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] قيل (١): فلعلَّ المؤلِّف أراد أن يجمع بين قولي ابن عبَّاسٍ، قال العينيُّ: يعني: بالإشارة، وعن ابن جبيرٍ: أنَّه عاش بعدها ﷺ تسع ليالٍ، وقيل غير ذلك، ونبَّه في «الفتح»: على أنَّ الآخريَّة في الرِّبا تأخُّر نزول الآيات المتعلِّقة به من سورة البقرة، وأمَّا حكم تحريمه؛ فسابقٌ على ذلك بمدةٍ طويلةٍ على ما يدلُّ عليه قوله في سورة آل عمران في قصَّة أحدٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ويأتي إن شاء الله تعالى أنَّ آخرَ آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] في آخر سورة النِّساء وما في ذلك من المباحث، بعون الله وقوَّته [خ¦٦٧٤٤].
(٥٤) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾) من السُّوء فيها (﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾) يوم القيامة (﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء﴾) مغفرته (﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾) تعذيبه، و «يغفْر» و ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ مجزومان عطفًا على الجزاء المجزوم، ورَفَعَهما ابن عامرٍ وعاصمٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: فهو يغفر (﴿وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]) فيقْدِر على الإحياء والمحاسبة، وسقط قوله: «﴿يُحَاسِبْكُم … ﴾» إلى آخر الآية لأبي ذرٍّ، وقال بعد ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾: «الآية»، ولمَّا نزلت هذه الآية اشتدَّ ذلك على الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم، وخافوا منها ومن محاسبة الله تعالى لهم على جليل الأعمال وحقيرها.
٤٥٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، فقيل: هو ابن يحيى الذُّهليُّ، قاله الكلاباذيُّ (٣)،
стр. 8216
وقيل: ابن إبراهيم البوشنجيُّ، قاله الحاكم، وقيل: ابن (١) إدريس الرَّازيُّ قال: (حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ) بضمِّ النُّون وفتح الفاء وسكون التَّحتيَّة، عبد الله بن محمَّد بن عليِّ بن نُفَيلٍ قال: (حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ) بكسر الميم، وسكون السِّين المهملة، ابن بُكَيرٍ الحرَّانيُّ، وليس له ولا للنُّفيليِّ في «البخاريِّ» إلا هذا الحديث (عَنْ شُعْبَةَ) ابن الحجَّاج العتكيِّ مولاهم (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بالحاء المهملة والذَّال المعجمة المشدَّدة ممدودًا، ابن مهران أبي المنازل -بفتح الميم وكسر الزَّاي- البصريِّ (عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ) أبي خليفة البصريِّ، قيل: اسم أبيه: خاقان، وقيل: سالمٌ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ) بضمِّ النُّون، مبنيًّا للمفعول، وسقط لفظ «أنَّها» لأبي ذرِّ (﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ … ﴾ الاية [البقرة: ٢٨٤]) نسختها الآية التي بعدها، كما (٢) قال في التي بَعْدُ، وعند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: «لمَّا نزلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ … ﴾ الآية؛ اشتدَّ ذلك على الصَّحابة، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثمَّ جثوا على الرُّكب، وقالوا: يا رسول الله كُلِّفنا من الأعمال ما نُطِيق؛ الصَّلاة والصَّيام والجهاد، وقد أُنزِل (٣) عليك هذه الآية ولا نُطيقها، فقال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابَين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربَّنا وإليك المصير، فلمَّا قرأها القوم وذلَّت بها ألسنتهم؛ أنزل الله في إثْرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ … ﴾ إلى: ﴿إِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فلمَّا فعلوا ذلك؛ نسخها الله تعالى فأنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا … ﴾ إلى آخرها [البقرة: ٢٨٦]» ورواه مسلمٌ منفردًا به، ولفظه: «فلمَّا فعلوا ذلك؛ نسخها الله تعالى، فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم» (٤).
стр. 8217
(٥٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) عن أنس بن مالكٍ -فيما رواه الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه-: لمَّا نزلت هذه الآية (٢) على النَّبيِّ ﷺ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ قال النَّبيُّ ﷺ : «حقٌّ له أن يؤمن».
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾ (﴿إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: (عَهْدًا) وهو تفسيرٌ باللَّازم؛ لأنَّ الوفاء بالعهد شديدٌ، وأصل الإصر: الشَّيء الثَّقيل، ويُطلَق على الشَّديد، وقال النَّابغة:
يا مانعَ الضَّيم أن يغشى سراتهم … والحامل الإصر عنهم بعدما عَرفُوا
وفسَّره بعضهم هنا (٣) بشماتة الأعداء.
(وَيُقَالُ: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) أي: (مَغْفِرَتَكَ، فَاغْفِرْ لَنَا) وهذا تفسيرٌ أبي عبيدة، وقال الزَّمخشريُّ: منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك، فقدَّره جملةً خبريَّةً، قال في «الدُّرِّ»: وهذا ليس مذهب سيبويه، إنَّما مذهبه أن يقدَّر بجملةٍ طلبيَّةٍ، كأنَّه قيل: اغفرْ غُفرانك، والظَّاهر أنَّ هذا من المصادر اللَّازم إضمار عاملها لنيابتها عنه.
٤٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج التَّميميُّ المروزيُّ، وسقط «بن منصورٍ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (رَوْحٌ) هو ابن عبادة قال: (أَخْبَرَنَا (٤)
стр. 8218
شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) البصريِّ (عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ) البصريِّ أيضًا (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «من أصحاب النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، قَالَ) أي: الأصفر: (أَحْسِبُهُ) أي: الرَّجل المبهَم (ابْنَ عُمَرَ) جزم في السَّابقة به [خ¦٤٥٤٥] فلعلَّ قوله هنا: «أحسبه» كان قبل جزمه، وكان قد نسي ثمَّ تذكَّر (﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ) أي: ابن عمر: (نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: لا يكلِّف الله تعالى أحدًا فوق طاقته؛ لطفًا منه تعالى بخلقه ورأفةً بهم وإحسانًا إليهم، فأزالت ما كان أشفق منه الصَّحابة في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ أي: هو وإن حاسب وسأل، لكنَّه (١) لا يعذِّب إلَّا على (٢) ما يَملك الشَّخص دَفْعَه، فأمَّا ما (٣) لا يملك (٤) دَفْعَه من وسوسة النَّفس وحديثها؛ فهذا لا يُكلَّف به الإنسان، فإن قلت: إنَّ النَّسخ لا يدخل الخبر لأنَّه يُوهم الكذب، أي: يوقعه في الوهم، أي: الذِّهن؛ حيث يخبر بالشِّيء ثمَّ بنقيضه، وهذا محالٌ على الله تعالى، أُجِيب بأنَّ المذكور هنا وإن كان خبرًا لكنَّه يتضمَّن حكمًا، وما كان كذلك أمكن دخول النَّسخ فيه كسائر الأحكام، وإنَّما الذي لا يدخله النَّسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمَّن حكمًا، كالإخبار عمَّا مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك، على أنَّه قد جوَّز جماعةٌ النَّسخ في الخبر المستقبل لجواز المحو فيما يقدِّره، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] والأخبار تتبعه، وعلى هذا القولِ البيضاويُّ، وقيل: يجوز على الماضي أيضًا؛ لجواز أن يقول (٥) الله: لبثَ نوحٌ في قومه ألف سنةٍ، ثمَّ يقول: لبث فيهم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، وعلى هذا القولِ الإمام الرازيُّ والآمديُّ، وقال البيهقيُّ: النَّسخ هنا بمعنى: التَّخصيص أو التَّبيين، فإنَّ الآية الأولى وردت مورد العموم، فبيَّنت التي بعدها أنَّ من (٦) يُخفِي شيئًا (٧) لا يُؤاخَذ به، وهو حديث النَّفس الذي لا يُستَطاع دفعه.
стр. 8219
(((٣))) (سورة آلِ عِمْرَانَ) زاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» (تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ) بوزن مطيَّة: (وَاحِدَةٌ) وفي نسخةٍ: «واحدٌ» أي: كلاهما مصدرٌ بمعنًى واحدٍ، وبالثَّانية قرأ يعقوب، والتَّاء فيهما بدلٌ من الواو؛ لأنَّ أصل ﴿تُقَاةً﴾: وقيةٌ، مصدرٌ على «فعلة» من الوقاية، وأراد المؤلِّف قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ المسبوق بقوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اتِّخاذهم أولياء؛ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: إلَّا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتِّقاؤه، والاستثناء مفرَّغ من المفعول من أجله، والعامل فيه: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ﴾ أي: لا يتَّخذ المؤمن الكافر وليًّا لشيءٍ من الأشياء إلَّا للتَّقيَّة ظاهرًا، فيكون مواليه في الظَّاهر ومعاديه في الباطن، قال ابن عبَّاسٍ: ليس التَّقيَّة بالعمل إنَّما التَّقيَّة باللِّسان، ونصب ﴿تُقَاةً﴾ في الآية على المصدر، أي: تتَّقوا منهم اتِّقاءً، فـ ﴿تُقَاةً﴾ واقعةٌ موقع الاتِّقاء، أو نُصِب على الحال من فاعل ﴿تَتَّقُواْ﴾ فتكون حالًا مؤكِّدةً (﴿صِرٌّ﴾) أي: (بَرْدٌ) يريد قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] وسقط لأبي ذرِّ قوله: «تُقَاةٌ … » إلى هنا.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ﴾ (﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾) ﴿مِّنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]: هو (مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ) بفتح الرَّاء وكسر الكاف وتشديد التَّحتيَّة آخره هاءٌ، أي: البئر (وَهْوَ حَرْفُهَا) و ﴿شَفَا﴾: بفتح الشِّين مقصورًا، وهو من ذوات الواو، يثنَّى بالواو؛ نحو: شَفَوان، ويُكتَب بالألف، ويُجمَع على أشفاءٍ، والمعنى: كنتم مُشْفين على الوقوع في نار جهنَّم لكفركم، فأنقذكم الله تعالى منها
стр. 8220
بالإسلام، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (﴿تُبَوِّئُ﴾) ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] قال أبو عبيدة أي: (تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا) بفتح الكاف، وقال غيره أي: تُنزِّل، فيتعدَّى (١) لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجرِّ، وقد يُحذَف كهذه الآية (المُسَوَِّمُ) بفتح الواو: اسم مفعولٍ، وبكسرها: اسم فاعلٍ، ولأبي ذرِّ: «والمسوَِّم»: (الَّذِيْ لَهُ سِيْمَاءٌ) بالمدِّ والصَّرف (بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوْفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ) من العلامات، وفي نسخةٍ قبل «المَسوَّم»: «﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾» [آل عمران: ١٤] وروى ابن أبي حاتمٍ عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه قال: «كان سيما الملائكة يوم بدرٍ الصُّوف الأبيض، وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم».
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ (﴿رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) قال أبو عبيدة: (الجَمِيعُ، وَالوَاحِدُ) ولأبي ذرٍّ: «الجموع» بالواو بدل الياء، واحدها: (رِبِّيٌّ) وهو العالم، منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وكُسِرَت راؤه تغييرًا في النَّسب، وقيل: لا تغيير، وهو نسبة إلى الرَّبَّة؛ وهي الجماعة، وفيها لغتان: الكسر والضَّمُّ، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ﴾ (﴿تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: ١٥٢]) أي: (تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا) بإذنه، بتسليطه إياكم عليهم، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُواْ﴾ (﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: غَازٍ) ومعنى الآية: أنَّه تعالى نهى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفَّار في اعتقادهم الفاسد الدَّال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والجهاد: لو كانوا تركوا ذلك لَمَا أصابهم ما أصابهم، فإنَّ ذلك جعله (٢) الله تعالى حسرةً (٣)، وسقط لأبي ذرٍّ من (٤) «تستأصلونهم (٥) … » إلى هنا، قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ (﴿سَنَكْتُبُ﴾ [آل عمران: ١٨١]) أي: (سَنَحْفَظُ) ما قالوا في علمنا ولا نهمله؛ لأنَّه كلمةٌ عظيمةٌ؛ إذ هو كفرٌ بالله تعالى، قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (﴿نُزُلاً﴾) ﴿مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] أي: (ثَوَابًا) قال أبو حيَّان: النُّزُل: ما يُهيَّأ للنَّزيل؛ وهو
стр. 8221
الضَّيف، ثمَّ اتُّسِع فيه فأُطِلَق على الرِّزق، وهل هو مصدرٌ أو جمعٌ؟ قولان (وَيَجُوزُ: وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي (كَقَوْلِكَ: أَنْزَلْتُهُ) قال في «العمدة»: يعني: أنَّ ﴿نُزُلاً﴾ الذي هو المصدر يكون بمعنى «منزلًا» على صيغة اسم (١) المفعول من قولك: أنزلته. انتهى. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا رواه الثَّوريُّ في «تفسيره» وأخرجه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ: (﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]): هي (المُطَهَّمَةُ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء وتشديد الهاء (الحِسَانُ) قال الأصمعيُّ: المُطَهَّمُ: التَّامُّ كلِّ شيءٍ منه على حدته، فهو بارع الجمال، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «وقال سعيد بن جبيرٍ» ممَّا وصله الثَّوريُّ «وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أَبْزَى» بفتح الهمزة والزَّاي بينهما موحدة ساكنة، ممَّا وصله الطَّبريُّ: «الرَّاعية: هي المسوَّمة» بفتح الواو (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ -ممَّا وصله عنه- في قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ (﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]) أي: (لَا يَأْتِي النِّسَاءَ) منعًا لنفسه مع ميلها إلى الشَّهوات وكماله، ومن لم يكن له ميل لها (٢) لا يُسمَّى حصورًا، ولا بدَّ فيه من المنع؛ لأنَّ السِّجن إنَّما سُمِّي منعًا لِمَا أنَّه يمنع من الخروج (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ -ممَّا وصله الطَّبريُّ- في قوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُم﴾ (﴿مِّن فَوْرِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥]) أي: (مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ) وقال غيره: من ساعتهم هذه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «وقال ابن جبيرٍ … » إلى هنا (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا وصله عبد بن حميدٍ: (﴿تُخْرِجُ (٣) الْحَيَّ﴾ [آل عمران: ٢٧]): هو (النُّطْفَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ من النُّطفة» (٤) (تُخْرَجُ مَيِّتَةً وَيَخْرُجُ) بفتح الأوَّل وضمِّ الثَّالث (مِنْهَا الحَيُّ) بالرَّفع، ولغير أبي ذرٍّ: «ويُخرِج» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ «منها الحيَّ» بالنَّصب (٥).
(﴿وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]): هو (أَوَّلُ الفَجْرِ، و) أمَّا (العَشِيُّ) فهو (مَيْلُ الشَّمْسِ، أُرَاهُ)
стр. 8222
بضمِّ الهمزة، أي: أظنه (إِلَى أَنْ تَغْرُبَ) وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ.
(١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، ثبت «باب» لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي في قوله تعالى: (﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ) مما أخرجه عبد بن حميدٍ: هي (الحَلَالُ وَالحَرَامُ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]) أي: (يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] وَكَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «﴿وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾» هذا تفسيرٌ للمتشابه، وذلك أنَّ المفهوم من الآية الأولى أنَّ الفاسق -وهو الضَّالُّ- تزيد ضلالته، وتصدِّقه (٢) الآية الأخرى حيث يجعل (٣) الرِّجس للذي (٤) لا يعقل، وكذلك حيث تزيد للمهتدي الهداية، قاله الكِرمانيُّ، وقال بعضهم: المُحْكَم: ما وَضَح معناه، فيدخل فيه النَّصُّ والظَّاهر، والمتشابهُ: ما تردَّدت فيه الاحتمالات، فيدخل فيه المُجْمَل والمُؤَوَّل، وقال الزَّمخشريُّ: ﴿مُّحْكَمَاتٌ﴾: أُحكِمَت عباراتها بأن حُفِظَت من الاحتمال والاشتباه، قال الزَّجَّاج فيما حكاه الطِّيبيُّ: المعنى (٥): أُحكِمَت في الإبانة، فإذا سمعها السَّامع لم يحتج إلى التَّأويل، وقسَّم الرَّاغب المتشابه إلى قسمين:
أحدهما: ما يرجع إلى ذاته، والثَّاني: إلى أمرٍ ما يعرض له، والأوَّل على ضروبٍ؛ ما يرجع إلى جهة اللَّفظ مفردًا؛ إمَّا لغرابته؛ نحو: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] أو لمشاركته الغير نحو: اليد
стр. 8223
والعين، أو مركَّبًا؛ إمَّا للاختصار؛ نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أو للإطناب نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أو لإغلاق اللَّفظ نحو: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا … ﴾ الاية [المائدة: ١٠٧]. وثانيها: ما يرجع إلى المعنى؛ إمَّا من جهة دقَّته كأوصاف الباري وأوصاف القيامة، أو من جهة ترك التَّرتيب ظاهرًا نحو: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ … ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥]. وثالثها: ما يرجع إلى اللَّفظ والمعنى معًا، وأقسامه بحسب تركيب بعض وجوه اللَّفظ مع بعض وجوه المعنى -نحو: غرابة اللَّفظ مع (١) دقَّة المعنى- ستَّة أنواعٍ؛ لأنَّ وجوه اللَّفظ ثلاثةٌ، ووجوه المعنى اثنان، ومضروب الثَّلاثة في اثنين ستةٌ.
والقسم الثَّاني من المتشابه: وهو ما يرجع إلى أمرٍ (٢) ما يعرض في اللَّفظ؛ وهو خمسة أنواعٍ؛ الأوَّل: من جهة الكميَّة؛ كالعموم والخصوص، الثَّاني: من طريق الكيفيَّة؛ كالوجوب والنَّدب، الثَّالث: من جهة الزَّمان؛ كالنَّاسخ والمنسوخ، الرَّابع: من جهة المكان، كالمواضع (٣) والأمور التي نزلت فيها؛ نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] فإنَّه يحتاج في معرفة ذلك إلى معرفة (٤) عاداتهم في الجاهليَّة، الخامس: من جهة الإضافة؛ وهي الشُّروط التي بها يصحُّ الفعل أو يفسد؛ كشروط العبادات والأنكحة والبيوع.
وقد يقسم المتشابه والمحكم بحسب ذاتهما إلى أربعة أقسامٍ؛ المحكم من جهة اللَّفظ والمعنى؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآيات [الأنعام: ١٥١] الثَّاني: متشابهٍ من جهتهما معًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾ الاية [الأنعام: ١٢٥] الثَّالث: متشابهٍ في اللَّفظ محكمٌ في المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ الاية [الفجر: ٢٢] الرَّابع: متشابهٍ في المعنى محكم في اللَّفظ؛ نحو: السَّاعة والملائكة، وإنَّما كان فيه المتشابه؛ لأنَّه باعثٌ على تعلُّم علم الاستدلال؛ لأنَّ معرفة المتشابه متوقفةٌ على معرفة علم الاستدلال، فتكون حاملةً
стр. 8224
على تعلُّمه، فتتوجَّه الرَّغبات إليه ويتنافس فيه المحصِّلون (١)، فكان كالشِّيء النَّافق؛ بخلافه إذا لم يوجد فيه المتشابه؛ فلم يُحتَج إليه كلَّ الاحتياج، فيتعطَّل ويضيع، ويكون كالشَّيء الكاسد. قاله الطِّيبيُّ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ﴾ (﴿زَيْغٌ﴾) أي: (شَكٌّ) وضلالٌ وخروجٌ عن الحقِّ إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (﴿ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، منصوبٌ على المفعول له، أي: لأجل طلب (المُشْتَبِهَاتِ) بضمِّ الميم وسكون المعجمة وفتح الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، ليفتنوا النَّاس عن دينهم؛ لتمكُّنهم من تحريفها إلى مقاصدهم الفاسدة؛ كاحتجاج النَّصارى بأنَّ القرآن نطق بأنَّ عيسى روح الله وكلمته، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] و ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهذا بخلاف المحكم، فلا نصيب لهم فيه لأنَّه دافعٌ لهم (٢) وحجة عليهم، وتفسير ﴿الْفِتْنَةِ﴾ بالمشتبهات لمجاهدٍ وصله عبد بن حميدٍ (﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ -يَعْلَمُونَ-) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمون» (﴿يَقُولُونَ﴾) خبر المبتدأ الذي هو ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ أو حالٌ، أي: والرَّاسخون يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك، أو خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم يقولون: (﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]) زاد في نسخةٍ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾» أي: كلٌّ من المتشابه والمحكم من عنده (٣) «﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» وسقط جميع هذه الآثار من أوَّل السُّورة إلى هنا عن الحَمُّويي.
стр. 8225
٤٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أبو سعيدٍ (التُّسْتَرِيُّ) بالسِّين المهملة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾) قال الزَّمخشريُّ أي: أصل الكتاب، تُحمَل المشتبهات (١) عليها، قال الطِّيبيُّ: وذلك أنَّ العرب تُسمِّي كلَّ جامعٍ يكون مرجعًا لشيءٍ أُمًّا، قال القاضي البيضاويُّ: والقياس أمَّهات الكتاب، وأُفرِد على أنَّ الكلَّ بمنزلة آيةٍ واحدةٍ، أو على تأويل كلِّ واحدةٍ (﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) عطف على ﴿آيَاتٌ﴾ و ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: نعتٌ لـ ﴿وَأُخَرُ﴾ وفي الحقيقة: ﴿وَأُخَرُ﴾: نعتٌ لمحذوفٍ؛ تقديره: وآياتٌ أُخَر متشابهاتٌ (﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾) قال الرَّاغب: الزَّيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، ومنه: زاغت الشَّمس عن كبد السَّماء، وزاغ البصر والقلب (٢)، وقال بعضهم: الزَّيغ: أخصُّ من مطلق الميل؛ فإنَّ الزَّيغ لا يقال إلَّا لِمَا كان من حقٍّ إلى باطلٍ، والمراد: أهل البدع (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾) على ما يشتهونه (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾) قال في «الكشَّاف» أي: لا يهتدي إلى تأويله الحقِّ الذي يجب أن يُحمَل عليه إلَّا الله، وتعقَّبه في «الانتصاف»: بأنَّه لا يجوز إطلاق الاهتداء على الله تعالى؛ لِما فيه من إيهام سبق جهلٍ وضلالٍ، تعالى الله وتقدَّس عن ذلك؛ لأنَّ «اهتدى» مطاوع «هدى»، ويُسمَّى من تجدَّد إسلامه مهتديًا، وانعقد الإجماع على امتناع إطلاق الألفاظ الموهمة عليه تعالى، قال: وأظنُّه سها؛ فنسب الاهتداء إلى الرَّاسخين في العلم، وغفل عن شمول ذلك الحقَّ ﷻ (﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾) وفي مصحف ابن مسعودٍ: (ويقول الرَّاسخون في العلم آمنَّا به) بواوٍ قبل ﴿يَقُولُ﴾ وثبت ذلك من قراءة ابن عبَّاسٍ كما رواه عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، وهو يدلُّ على أنَّ الواو للاستئناف، قال صاحب «المرشد»: لا إنكار لبقاء معنًى في القرآن استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه، فالوقف على ﴿إِلَّا اللهُ﴾ على هذا تامٌّ (٣)، ولا يكاد يوجد في التَّنزيل «أمَّا» وما بعدها رفعٌ إلا ويثنَّى ويثلَّث؛ كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾
стр. 8226
الآيات [الكهف: ٨٢] فالمعنى: وأمَّا الرَّاسخون، فحُذِف لدلالة الكلام عليه، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يُجَاء في الجواب بالفاء، وليس بعد ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ الفاء؛ فجوابه: أن «أمَّا» لمَّا حُذِفَت؛ ذهب حكمها الذي يختصَّ بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر (﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾) وسقط قوله: «﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد قوله: ﴿وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾: «إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» (قَالَتْ) عائشة رضي الله تعالى عنها: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) بكسر تاء «رأيتِ» وكاف «أولئكِ» على (١) خطاب عائشة، وفتحهما لأبي ذرٍّ على أنَّه لكلِّ أحدٍ (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاحذرهم»؛ بالإفراد، أي: احذر أيُّها المخاطب الإصغاء إليهم، وأوَّل ما ظهر ذلك من اليهود -كما عند ابن إسحاق- في تأويلهم الحروف المقطَّعة، وأنَّ عددها بالجُمَّل بقدر (٣) مدَّة هذه الأمَّة، ثمَّ أوَّل ما ظهر في الإسلام من الخوارج.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾) أي: أُجيرها (﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]).
٤٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمينِ بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ
стр. 8227
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ) ابتداءً للتسليط عليه، وفي «صفة إبليس وجنوده» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٦]: «كلُّ بني آدم يَطْعنُ الشَّيطان في جنبيه» (حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) «صارخًا»: نُصِب على المصدر؛ كقوله (١): قم قائمًا: (إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) عيسى (٢)، فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمِّها حيث قالت: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ولم يكن لمريم ذرِّيَّةٌ غير عيسى ﵊، وزاد في: «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]: «ذهب يطعُن فطعن في الحجاب»، والمراد به: الجِلْدة التي يكون فيها الجنين؛ وهي المشيمة، ونقل العينيُّ: أنَّ القاضي عياضًا أشار إلى أنَّ جميع الأنبياء يُشاركون عيسى ﵊، في ذلك، قال القرطبيُّ: وهو قول مجاهدٍ، وقد طعن الزَّمخشريُّ في معنى هذا الحديث، وتوقَّف في صحَّته، فقال: إن صحَّ فمعناه: أنَّ كل مولودٍ يطمع الشَّيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنَّهما معصومان (٣)، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واستهلاله صارخًا من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمعه فيه، كأنَّه يمسُّه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممَّن أُغويه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الرُّوميِّ:
لِما تُؤذِنُ الدُّنيا به مِن صُروفها … يكونُ بكاءُ الطِّفل سَاعةَ يُولَدُ
وأمَّا حقيقة المسِّ والنَّخس -كما يتوهَّم أهل الحَشْو- فكلَّا (٤)، ولو سُلِّط إبليس على النَّاس ينخسُهم؛ لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا. انتهى. قال المولى سعد الدِّين: طَعَن أوَّلًا في الحديث بمجرَّد أنَّه لم يوافق هواه، وإلَّا فأيُّ امتناعٍ من أن يمسَّ الشَّيطان المولود حين يولد؛ بحيث يصرخ
стр. 8228
كما ترى وتسمع (١)؟ ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدُّنيا بالصُّراخ، ولا تلك المسَّة للإغواء، وكفى بصحَّة هذا الحديث رواية الثِّقات وتصحيح الشَّيخين له من غير قدحٍ من غيرهما، وقال غيره: الحمل على طمع الشَّيطان في الإغواء صرفٌ للكلام عن ظاهره، وتكذيبٌ لظاهر الخبر، مع أنَّه لا مانع في العقل منه، وكيف تكون المحافظة عنده على قول ابن الرُّوميِّ أولى من رعاية ظاهر (٢) كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ ؟! وهو هَذَيانٌ ما أنزل الله به من سلطان! وقال في «الانتصاف»: الحديث مدوَّنٌ في الصِّحاح، فلا يعطِّله الميل إلى تُرَّهات (٣) الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرُّوميِّ سوء أدبٍ يجب أن يُجتَنب عنه، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «ما من مولودٍ إلا والشَّيطان يمسُّه» كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] في أنَّ الواو داخلةٌ بين (٤) الصِّفة والموصوف؛ لتأكيد اللُّصوق، فتُفيد الحصر مع التَّأكيد، فإذًا لا معنى لقوله: كلُّ من كان في صفتهما، ولا يبعُد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فجوابه أي: بعد أن يُمكِّنه الله تعالى من المسِّ، مع أنَّ الله تعالى يَعْصِمهم من الإغواء، وأما الشِّعر؛ فهو من (٥) باب حُسن التعليل، فلا يصلح للاستشهاد.
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوْا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «اقرؤوا» (٦) (إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]) وهذا فيه شيءٌ من حيث إنَّ سياق الآية يدلُّ على أنَّ دعاء حنَّة أمِّ مريم بإعاذتها وذُرِّيَّتها من الشَّيطان المفسَّر في الحديث بأن يُعْصَما (٧) من مسِّ الشَّيطان عند ولادتهما متأخِّرٌ عن وضعها مريم، ولم أرَ من نبَّه (٨) على هذا، والذي يظهر لي أن تكون حنَّة علمت أنوثة مريم قبل تمام وضعها عند بروزها إلى ما يُعلَم منه ذلك، فقالت حينئذٍ: إنِّي
стр. 8229
وضعتها أنثى، وإنِّي أعيذها، فاستُجيب لها، ثم تكامل وضعُها، فأراد الشَّيطان التمكَّن من مريم، فمنعه الله تعالى منها ببركة دعاء أمِّها، والتعبير بالبعض عن الكلِّ سائغٌ شائعٌ، وليس في الآية دليلٌ على أنَّه تعالى استجاب دعاءها، بل الضَّمير في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا (١)﴾ [آل عمران: ٣٧] لمريم، أي: فرضيَ بها ربُّها في النُّذر مكان الذَّكَر، نعم الحديث يدلُّ على الإجابة، فتأمَّل.
وهذا الحديث قد سبق في «أحاديث الأنبياء» في «باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]»، [خ¦٣٤٣١].
(٣) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرَّسول وذكر صفته للنَّاس وبيان أمره (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) أي: وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمننَّ به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾) أي: (لا خَيْرَ ﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) أي: (مُؤْلِمٌ) أي: (مُوجِعٌ) بكسر الجيم (مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أُوْلَئِكَ﴾» و «﴿لَهُمْ﴾» (٢).
стр. 8230
٤٥٤٩ - ٤٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، السُّلميُّ البرسانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ) بإضافة «يمين» إلى «صبرٍ» لِمَا بينهما من الملابسة، قال عياضٌ: أي: أُكرِه حتى حَلَف، أو حَلَف جراءةً (١) وإقدامًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾! [البقرة: ١٧٥] (لِيَقْتَطِعَ) وللكُشْمِيْهنيِّ: «لِيَقْطَع» بحذف الفوقيَّة التي بعد القاف (بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذِمِّيٍّ أو معاهدٍ أو حقًّا من حقوقهم (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) اسم فاعلٍ من الغضب، والمراد: لازِمه كالعذاب والانتقام (فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ٧٧]).
(قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) الكنديُّ (وَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ) أي: أيُّ شيءٍ يحدِّثكم (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن مسعودٍ؟ (قُلْنَا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد التَّحتيَّة (أُنْزِلَتْ) هذه الآية (كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) اسمه معدان (٢)، ولقبه الجَفْشِيْش،