الآيات [الكهف: ٨٢] فالمعنى: وأمَّا الرَّاسخون، فحُذِف لدلالة الكلام عليه، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يُجَاء في الجواب بالفاء، وليس بعد ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ الفاء؛ فجوابه: أن «أمَّا» لمَّا حُذِفَت؛ ذهب حكمها الذي يختصَّ بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر (﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾) وسقط قوله: «﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد قوله: ﴿وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾: «إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» (قَالَتْ) عائشة رضي الله تعالى عنها: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) بكسر تاء «رأيتِ» وكاف «أولئكِ» على (١) خطاب عائشة، وفتحهما لأبي ذرٍّ على أنَّه لكلِّ أحدٍ (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاحذرهم»؛ بالإفراد، أي: احذر أيُّها المخاطب الإصغاء إليهم، وأوَّل ما ظهر ذلك من اليهود -كما عند ابن إسحاق- في تأويلهم الحروف المقطَّعة، وأنَّ عددها بالجُمَّل بقدر (٣) مدَّة هذه الأمَّة، ثمَّ أوَّل ما ظهر في الإسلام من الخوارج.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾) أي: أُجيرها (﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]).
٤٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمينِ بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ
стр. 8227
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ) ابتداءً للتسليط عليه، وفي «صفة إبليس وجنوده» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٦]: «كلُّ بني آدم يَطْعنُ الشَّيطان في جنبيه» (حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) «صارخًا»: نُصِب على المصدر؛ كقوله (١): قم قائمًا: (إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) عيسى (٢)، فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمِّها حيث قالت: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ولم يكن لمريم ذرِّيَّةٌ غير عيسى ﵊، وزاد في: «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]: «ذهب يطعُن فطعن في الحجاب»، والمراد به: الجِلْدة التي يكون فيها الجنين؛ وهي المشيمة، ونقل العينيُّ: أنَّ القاضي عياضًا أشار إلى أنَّ جميع الأنبياء يُشاركون عيسى ﵊، في ذلك، قال القرطبيُّ: وهو قول مجاهدٍ، وقد طعن الزَّمخشريُّ في معنى هذا الحديث، وتوقَّف في صحَّته، فقال: إن صحَّ فمعناه: أنَّ كل مولودٍ يطمع الشَّيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنَّهما معصومان (٣)، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واستهلاله صارخًا من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمعه فيه، كأنَّه يمسُّه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممَّن أُغويه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الرُّوميِّ:
لِما تُؤذِنُ الدُّنيا به مِن صُروفها … يكونُ بكاءُ الطِّفل سَاعةَ يُولَدُ
وأمَّا حقيقة المسِّ والنَّخس -كما يتوهَّم أهل الحَشْو- فكلَّا (٤)، ولو سُلِّط إبليس على النَّاس ينخسُهم؛ لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا. انتهى. قال المولى سعد الدِّين: طَعَن أوَّلًا في الحديث بمجرَّد أنَّه لم يوافق هواه، وإلَّا فأيُّ امتناعٍ من أن يمسَّ الشَّيطان المولود حين يولد؛ بحيث يصرخ
стр. 8228
كما ترى وتسمع (١)؟ ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدُّنيا بالصُّراخ، ولا تلك المسَّة للإغواء، وكفى بصحَّة هذا الحديث رواية الثِّقات وتصحيح الشَّيخين له من غير قدحٍ من غيرهما، وقال غيره: الحمل على طمع الشَّيطان في الإغواء صرفٌ للكلام عن ظاهره، وتكذيبٌ لظاهر الخبر، مع أنَّه لا مانع في العقل منه، وكيف تكون المحافظة عنده على قول ابن الرُّوميِّ أولى من رعاية ظاهر (٢) كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ ؟! وهو هَذَيانٌ ما أنزل الله به من سلطان! وقال في «الانتصاف»: الحديث مدوَّنٌ في الصِّحاح، فلا يعطِّله الميل إلى تُرَّهات (٣) الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرُّوميِّ سوء أدبٍ يجب أن يُجتَنب عنه، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «ما من مولودٍ إلا والشَّيطان يمسُّه» كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] في أنَّ الواو داخلةٌ بين (٤) الصِّفة والموصوف؛ لتأكيد اللُّصوق، فتُفيد الحصر مع التَّأكيد، فإذًا لا معنى لقوله: كلُّ من كان في صفتهما، ولا يبعُد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فجوابه أي: بعد أن يُمكِّنه الله تعالى من المسِّ، مع أنَّ الله تعالى يَعْصِمهم من الإغواء، وأما الشِّعر؛ فهو من (٥) باب حُسن التعليل، فلا يصلح للاستشهاد.
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوْا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «اقرؤوا» (٦) (إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]) وهذا فيه شيءٌ من حيث إنَّ سياق الآية يدلُّ على أنَّ دعاء حنَّة أمِّ مريم بإعاذتها وذُرِّيَّتها من الشَّيطان المفسَّر في الحديث بأن يُعْصَما (٧) من مسِّ الشَّيطان عند ولادتهما متأخِّرٌ عن وضعها مريم، ولم أرَ من نبَّه (٨) على هذا، والذي يظهر لي أن تكون حنَّة علمت أنوثة مريم قبل تمام وضعها عند بروزها إلى ما يُعلَم منه ذلك، فقالت حينئذٍ: إنِّي
стр. 8229
وضعتها أنثى، وإنِّي أعيذها، فاستُجيب لها، ثم تكامل وضعُها، فأراد الشَّيطان التمكَّن من مريم، فمنعه الله تعالى منها ببركة دعاء أمِّها، والتعبير بالبعض عن الكلِّ سائغٌ شائعٌ، وليس في الآية دليلٌ على أنَّه تعالى استجاب دعاءها، بل الضَّمير في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا (١)﴾ [آل عمران: ٣٧] لمريم، أي: فرضيَ بها ربُّها في النُّذر مكان الذَّكَر، نعم الحديث يدلُّ على الإجابة، فتأمَّل.
وهذا الحديث قد سبق في «أحاديث الأنبياء» في «باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]»، [خ¦٣٤٣١].
(٣) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرَّسول وذكر صفته للنَّاس وبيان أمره (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) أي: وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمننَّ به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾) أي: (لا خَيْرَ ﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) أي: (مُؤْلِمٌ) أي: (مُوجِعٌ) بكسر الجيم (مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أُوْلَئِكَ﴾» و «﴿لَهُمْ﴾» (٢).
стр. 8230
٤٥٤٩ - ٤٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، السُّلميُّ البرسانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ) بإضافة «يمين» إلى «صبرٍ» لِمَا بينهما من الملابسة، قال عياضٌ: أي: أُكرِه حتى حَلَف، أو حَلَف جراءةً (١) وإقدامًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾! [البقرة: ١٧٥] (لِيَقْتَطِعَ) وللكُشْمِيْهنيِّ: «لِيَقْطَع» بحذف الفوقيَّة التي بعد القاف (بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذِمِّيٍّ أو معاهدٍ أو حقًّا من حقوقهم (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) اسم فاعلٍ من الغضب، والمراد: لازِمه كالعذاب والانتقام (فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ٧٧]).
(قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) الكنديُّ (وَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ) أي: أيُّ شيءٍ يحدِّثكم (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن مسعودٍ؟ (قُلْنَا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد التَّحتيَّة (أُنْزِلَتْ) هذه الآية (كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) اسمه معدان (٢)، ولقبه الجَفْشِيْش،
стр. 8231
زاد أحمد من طريق عاصم بن أبي النَّجود عن شقيقٍ: «في بئر كانت لي في يده، فجَحَدني» فـ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيِّنَتُكَ) أي: الواجبُ بيِّنتُك أنَّها بئرك (أَوْ يَمِينُهُ، فَقُلْتُ: إِذًا يَحْلِفَ) نُصِبَ بـ «إذًا» (يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى) محلوف (يَمِينِ صَبْرٍ) خُفِضَ بالإضافة كالأولى، وسمَّاه يمينًا مجازًا؛ للملابسة بينهما، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة (يَقْتَطِعُ) في موضع الحال، وللكُشْميهنيِّ: «لِيَقْتَطِعَ»، أي: لأجل أن يقتطعَ (بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ) غير جاهلٍ ولا ناسٍ ولا مُكْرَهٍ (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فينتقم (١) منه.
وهذا الحديث قد سبق (٢) في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٦٧].
٤٥٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَلِيٌّ هُوَ ابْنُ أَبِي هَاشِمٍ) البغداديُّ، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة (٣) «هو» (سَمِعَ هُشَيْمًا) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، ابن بُشَيرٍ -بضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة مصغَّرين- الواسطيَّ يقول: (أَخْبَرَنَا العَوَّامُ) بتشديد الواو (بْنُ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وبعد المعجمة المفتوحة موحَّدةٌ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السَّكسكيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما: أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ) أي: روَّجها فيه (فَحَلَفَ فِيهَا) بالله (لَقَدْ أَعْطَى) بفتح الهمزة والطاء (بِهَا) أي: بَدَلها، وللكُشْميهنيِّ: «فيها» (مَا لَمْ يُعْطِهِ) بكسر الطاء، ويجوز ضمُّ الهمزة وكسر الطَّاء من قوله: «لقد أعطى» أي: دُفِعَ له فيها (٤) من المستامين ما لم يُعْطَ؛ بفتح
стр. 8232
الطاء (١)، وفي الفرع وأصله: «أَعْطَى» بفتح الهمزة والطَّاء مصحَّحًا عليها، «ويُعْطَهُ» بفتح الطَّاء وضمِّ الهاء، وفي الهامش: يتَّجِه فتح الهمزة وضمُّها، وفتح الطَّاء مع ضمِّ الهمزة، وكسرها مع ضمِّ الهمزة، قاله بعض الحفَّاظ. انتهى. (لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ) ممَّن يريد الشِّراء (فَنَزَلَتْ) هذه الآية: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ … إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ٧٧]).
وقد مرَّ هذا الحديث في «باب ما يُكرَه من الحلف في البيع» في «كتاب البيع» [خ¦٢٠٨٨].
٤٥٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ) الجهضميُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بن عامر الخُرَيبيُّ؛ نسبة إلى خُرَيبة -بالخاء المعجمة والموحَّدة مصغَّرًا- محلَّةٌ بالبصرة كان سكنها (٢)، وهو كوفيُّ الأصل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله: (أَنَّ امْرَأَتَيْنِ) لم يَعرف الحافظُ ابن حجر اسمَهما (كَانَتَا تَخْرِزَانِ) بفتح الفوقيَّة وسكون المعجَمة، وبعد الرَّاء المكسورة زايٌ معجمةٌ (٣) من: خَرَز الخُفَّ ونحوه يَخْرُِزُه، بضمِّ الرَّاء وكسرها (فِي بَيْتٍ أَوْ فِي الحُجْرَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء: الموضع المنفرد من الدَّار، وفي الفرع فقط: «أو في الحِجْر» بكسر الحاء وسكون الجيم وإسقاط الهاء، والشكُّ من الرَّاوي، وأفاد الحافظ ابن حجرٍ: أنَّ هذه رواية الأَصيليِّ وحده، وأنَّ رواية الأكثرين: «في بيتٍ، وفي الحُجْرة» بواو العطف، وصوَّبها وقال: إنَّ سبب الخطأ في رواية الأَصيليِّ أنَّ في
стр. 8233
السِّياق حذفًا بيَّنه ابن السَّكن في روايته؛ حيث جاء فيها: «في بيتٍ، وفي الحُجْرة حُدَّاثٌ» بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الدَّال وآخره مثلَّثةٌ، أي: ناسٌ يتحدَّثون، قال: فالواو عاطفةٌ، لكنَّ المبتدأ محذوفٌ، ثمَّ قال: وحاصلُه أنَّ المرأتين كانتا في البيت، وكان في الحجرة المجاوِرة للبيت ناسٌ يتحدَّثون، فسقط المبتدأ من الرِّواية، فصار مُشكِلًا، فَعَدَل الرَّاوي عن الواو إلى «أو» التي للتَّرديد؛ فرارًا من استحالة كون المرأتين في البيت وفي الحجرة معًا. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ كون «أو» للشَّكِّ مشهورٌ في كلام العرب، وليس فيه مانعٌ هنا، وبأنَّ كون الواو للعطف غير مسلَّمٍ لفساد المعنى، وبأنَّه لا دلالة هنا على حذف المبتدأ، وكون الحجرة كانت مجاورةً للبيت فيه نظرٌ؛ إذ يجوز أن تكون داخلةً فيه، وحينئذٍ فلا استحالة في أن تكون المرأتان فيهما معًا. انتهى. فليتأمَّل ما في الكلامين مع ما في رواية ابن السَّكن من الزِّيادة (١) المشار إليها (فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا) أي: إحدى المرأتين من البيت أو الحجرة، وفي (٢) «المصابيح»: وللأَصيليِّ: «فجُرِحَت» بجيمٍ مضمومةٍ فراءٍ مكسورةٍ فحاءٍ مهملةٍ، مبنيًّا للمفعول (وَقَدْ أُنْفِذَ) بضمِّ الهمزة وسكون النُّون وبعد الفاء المكسورة ذالٌ مُعجَمةٌ، والواو للحال، و «قد»: للتَّحقيق (بِإِشْفًى) بكسر الهمزة وسكون الشِّين المعجَمة وبالفاء المنوَّنة، ولأبي ذرٍّ: «بإشْفَى» بترك التَّنوين مقصورًا: آلة الخرز للإسكاف (فِي كَفِّهَا، فَادَّعَتْ عَلَى الأُخْرَى) أنَّها أنفذت الإشفى في كفِّها (فَرُفِعَ) -بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول- أمرُها (٣) (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٤) ﷺ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ) أي: بمجرد إخبارهم عن لزوم حقٍّ لهم على آخرين عند حاكمٍ (لَذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ) ولا يتمكَّن المدَّعى عليه من صون دمه وماله، ووجه الملازمة في هذا القياس الشَّرطيِّ: أنَّ الدَّعوى بمجرَّدها إذا قُبِلت فلا فرقَ فيها بين الدِّماء والأموال وغيرهما، وبطلان اللَّازم ظاهرٌ؛ لأنَّه ظلمٌ، ثمَّ (٥) قال ابن عبَّاسٍ: (ذَكِّرُوهَا بِاللهِ) أي: خوِّفوا المرأة الأخرى المدَّعى عليها من اليمين الفاجرة وما فيها من الاستخفاف (وَاقْرَؤُوْا
стр. 8234
عَلَيْهَا) قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ … [آل عمران: ٧٧]) الآية، والموعود عليه -حرمانُ الثَّواب، ووقوع العقاب من خمسة أوجُهٍ، وعدم الخلاق في الآخرة؛ وهو النَّصيب في الخير- مشروطٌ بعدم التَّوبة بالإجماع، وعندنا: بعدم العفو أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (١) [النساء: ٤٨] وعدم الكلام عبارةٌ عن شدَّة السُّخط -نعوذ بالله منه- فلا يُشكِل (٢) بقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ﴾ (٣) [الحجر: ٩٢] وقيل: لا يكلِّمهم كلامًا يُسِرُّهم، ولعلَّه أَولَى؛ لأنَّه تخصيصٌ، وهو خيرٌ من المجاز، وعدمُ النَّظر مجازٌ عن عدم المبالاة، والإهانة للغضب، يقال: فلان غيرُ منظورٍ لفلان، أي: غير ملتفتٍ إليه، ومعنى عدم التزكية: عدم التَّطهير من دَنَس المعاصي والآثام، أو عدم الثَّناء عليهم، والعذاب الأليم: المؤلم، ومن الجملة الاسميَّة يُستفاد دوامُه، قاله بعض المحقِّقين من المفسِّرين (فَذَكَّرُوهَا) بفتح الكاف جملةٌ ماضيةٌ، ولأبي ذرٍّ: «فذكَّرها» بالإفراد (فَاعْتَرَفَتْ) بأنَّها أنفذت الإشفى في كفِّ صاحبتها (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) أي: إذا لم تكن بيِّنةٌ لدفع (٤) ما ادُّعي به عليه، وعند البيهقيِّ بإسنادٍ جيِّدٍ: «لو يُعطى النَّاس بدعواهم؛ لادَّعى قومٌ دماء قومٍ وأموالهم، ولكنَّ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر»، نعم قد تُجعل اليمين في جانب المدَّعي في مواضع تُستَثنى لدليلٍ كالقسامة، كما وقع التَّصريح باستثنائها في حديث عمرو بن شعيبٍ (٥) عن أبيه عن جدِّه عند الدَّارقطنيِّ والبيهقيِّ.
وهذا الحديث قد مضى في «الرَّهن» و «الشَّركة» مختصَرًا [خ¦٢٥١٤] [خ¦٢٥١٥] وقد أخرجه بقيَّة الجماعة.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي ذرٍّ (﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) هم نصارى نجران، أو يهود المدينة، أو الفريقان لعموم اللفظ (﴿تَعَالَوْاْ﴾) أي: هلمُّوا (﴿إِلَى كَلَمَةٍ﴾) من إطلاقها على
стр. 8235
الجمل المفيدة، ثمَّ وصفها بقوله تعالى: (﴿سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾) أي: عدلٍ ونَصَفٍ، نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسَّرها بقوله: (﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ﴾ … [آل عمران: ٦٤]) الآية (﴿سَوَاء﴾) بالجرِّ على الحكاية، ولأبي ذرٍّ: «سواءً» بالنَّصب، أي: استوت استواءً، ويجوز الرَّفع، قال أبو عبيدة أي: (قَصْدٍ) بالجرِّ، أو «قصدًا» بالنَّصب كما لأبي ذرٍّ (١)، وبالرَّفع كما مرَّ في ﴿سَوَاء﴾.
стр. 8236
٤٥٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو إسحاق الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن يوسف (١) الصَّنعانيِّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ. قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ المذكور (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (قَالَ:
стр. 8237
حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ حال كونه (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ) عبر بـ «فيه» موضع «أذنه» إشارةً إلى تمكُّنه من الإصغاء إليه؛ بحيث يجيبه إذا احتاج إلى الجواب (قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وبين النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) مدَّة الصُّلح بالحديبية على وضع الحرب عشر سنين (قَالَ: فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا بِالشَّامِ؛ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ) الملقَّب قيصر عظيم الرُّوم (قَالَ) أبو سفيان: (وَكَانَ دِحْيَةُ) بن خليفة (الكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ) من عند النَّبيِّ ﷺ في آخر سنة ستٍّ (فَدَفَعَهُ) دحية (إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى) الحارث بن أبي شمر الغسَّانيِّ (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ) فيه مجازٌ؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عديِّ بن حاتمٍ، كما عند ابن السَّكن في «الصَّحابة» (قَالَ) أبو سفيان: (فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ) أبو سفيان: (فَدُعِيتُ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (فِي) أي: مع (نَفَرٍ) ما بين الثلاثة إلى العشرة (مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ) الفاء فصيحةٌ أفصحت عن محذوفٍ، أي: فجاءنا رسول هرقل فَطَلَبنا، فتوجَّهنا معه حتَّى وصلنا إليه، فاستأذن لنا فأُذِن لنا فدخلنا عليه (فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ) بضمِّ الهمزة وسكون الجيم وكسر اللَّام وسكون السِّين (فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا) أي: أقربهم نسبًا، واختار هرقل ذلك؛ لأنَّ الأقرب أحرى بالاطِّلاع على قريبه من غيره (فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: يدي هرقل (وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي) القرشيِّين (خَلْفِي) وعند الواقديِّ: «فقال لترجمانه: قل لأصحابه: إنَّما جعلتكم عند كتفيه لتردُّوا عليه كذبًا إن قاله» (ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ) الذي يفسِّر لغةً بلغةٍ (فَقَالَ) له: (قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ) بالتَّنوين (هَذَا) أي: أبا سفيان (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) أشار إليه إشارة القريب؛ لقرب العهد بذكره (فَإِنْ كَذَبَنِي) بتخفيف المعجَمة، أي: نقل إليَّ الكذب (فَكَذِّبُوهُ) بتشديدها مكسورةً، يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، والمخفَّف إلى مفعولين، تقول: كَذَبني الحديثَ، وهذا من الغرائب. (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ:
стр. 8238
وَايْمُ اللهِ) بالهمز وبغيره (لَوْلَا أَنْ يُؤْثِرُوا) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر المثلَّثة بصيغة الجمع (عَلَيَّ الكَذِبَ) نُصِبَ على المفعولية، ولأبي ذرٍّ: «أن يُؤثَرَ» بفتح المثلَّثة مع الإفراد مبنيًّا للمفعول «عليَّ الكذبُ» (١) رفعٌ مفعولٌ ناب عن الفاعل، أي: لولا أن يرووا ويحكوا عنِّي (٢) الكذب، وهو قبيحٌ (لَكَذَبْتُ) عليه (ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟) وفي «كتاب الوحي» [خ¦٧]: «كيف نَسَبه فيكم؟» والحَسَب: ما يعدُّه الإنسان من مفاخر آبائه، قاله الجوهريُّ، والنَّسب: الذي يحصل به الإدلاء (٣) من جهة الآباء (قَالَ) أبوسفيان: (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ) رفيعٍ، وعند البزَّار من حديث دحية قال: «كيف حسبه فيكم؟ قال: هو في حسبٍ ما لا يفضل عليه أحدٌ» (قَالَ: فَهَلْ) ولأبي ذرٍّ: «هل» (كَانَ مِنْ) وللمستملي: «في» (آبَائِهِ مَلِكٌ؟) بفتح الميم وكسر اللام (قَالَ) أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ) على الناس (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟) قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَيَتَّبِعُهُ) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة وهمزة الاستفهام (أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ) أبو سفيان: (قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ) هرقل: (يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟) بحذف همزة الاستفهام، وجوَّزه ابن مالكٍ مطلقًا، خلافًا لمن خصَّه بالشَّعر (قَالَ) أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا) ينقصون (بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ) هرقل: (هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَُخْطَةً لَهُ؟) بضمِّ السِّين وفتحها، والنَّصب مفعولًا لأجله أو حالًا، وقال العينيُّ: السَّخطة بالتاء إنَّما هي بفتح السِّين فقط، أي: هل يرتدُّ أحدٌ منهم كراهةً (٤) لدينه وعدم رضًا؟ (قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قال) أبو سفيان:
стр. 8239
(قُلْتُ: نَعَمْ) قاتلناه (قَالَ) هرقل: (فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟) بفصل ثاني الضَّميرين (قَالَ) أبو سفيان: (قُلْتُ: تَكُونُ) بالفوقيَّة (الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا) بكسر السِّين وفتح الجيم، أي: نُوَبًا؛ أي (١): نوبةً له ونوبةً لنا كما قال: (يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ) وقد كانت المقاتلة وقعت بينه ﵊ وبينهم في بدرٍ فأصاب المسلمون منهم، وفي أحُدٍ فأصاب المشركون من المسلمين، وفي الخندق فأُصيب من الطَّائفتين ناسٌ قليلٌ (قالَ) هرقل: (فَهَلْ يَغْدِرُ؟) بكسر الدَّال، أي: ينقض العهد؟ (قَالَ) أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا) يغدر (وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ المُدَّةِ) مدَّة صلح الحديبية، أو غيبته وانقطاع أخباره عنَّا (٢) (لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟) لم يجزم بغدره (قَالَ) أبو سفيان: (وَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا) أنتقصه به (غَيْرَ هَذِهِ) الكلمة (قَالَ) هرقل: (فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ) من قريش (قَبْلَهُ؟ قَالَ) أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ) هرقل (لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ) أي: لأبي سفيان: (إِنِّي سَأَلْتُكَ) أي: قل له حاكيًا عن هرقل: إنِّي سألتك، أو المراد: إنِّي سألتك على لسان هرقل؛ لأنَّ التُّرجمان يعيد كلام هرقل، ويعيد لهرقل كلام أبي سفيان (عَنْ) رتبة (٣) (حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ) رفيعٍ (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي) أرفع (أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟) بفتح الميم وكسر اللام وإسقاط «مِن» الجارَّة (فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ) أي: في نفسي، وأطلق على حديث النَّفس قولًا: (لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؛ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ) بالجمع، وفي «كتاب الوحي» [خ¦٧]: «ملك أبيه» بالإفراد (وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ) بفتح الهمزة وسكون الفوقيَّة (أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) اتَّبعوه (وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) عليهم الصَّلاة والسَّلام غالبًا، بخلاف أهل الاستكبار المصرِّين على الشِّقاق بغضًا (٤) وحَسَدًا كأبي جهلٍ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى
стр. 8240
النَّاسِ) قبل أن يُظِهر رسالته (ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ (١) عَلَى اللهِ) بعد إظهارها، و «يذهب» و «يكذب» نصبٌ عند أبي ذرٍّ عطفًا على المنصوب السَّابق (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ) الإسلام (بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟) بفتح السِّين (فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ) التي يدخل فيها، و «القلوبِ» بالجرِّ على الإضافة (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُون، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ) لا يزال في زيادةٍ (حَتَّى يَتِمَّ) بالأمور المعتبرة فيه من الصَّلاة وغيرها (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا؛ يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ) هو معنى قوله في الأوَّل: «يصيب منَّا ونصيب منه» (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى) تُختَبر (٢) (ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ) وهذه الجملة من قوله: وسألتك هل قاتلتموه … إلى هنا حَذَفَها الرَّاوي في «كتاب (٣) الوحي» (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟) بكسر الدَّال (فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ) لأنَّها لا تطلب حظَّ الدُّنيا الذي لا يُبالي صاحبه (٤) بالغدر (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا القَوْلَ (٥) أَحَدٌ قَبْلَهُ؛ قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ) وفي «كتاب الوحي»: «لقلت: رجلٌ يأتسي» (بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ).
ذكر الأجوبة على ترتيب الأسئلة، وأجاب عن كلٍّ بما يقتضيه الحال، ممَّا دلَّ على ثبوت النُّبوَّة ممَّا رآه في كتبهم أو استقرأه من العادة، ولم يقع في «بدء الوحي» مرتَّبًا، وأخَّر هنا بقيَّة الأسئلة -وهو العاشر- إلى بعد الأجوبة؛ كما أشار إليه بقوله: (قَالَ) أي: أبو سفيان: (ثُمَّ قَالَ) أي: هرقل: (بِمَ) بغير ألفٍ بعد الميم (يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ) أبو سفيان: (قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ
стр. 8241
وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ) للأرحام (وَالعَفَافِ) بفتح العين المهملة، أي: الكفِّ عن المحارم وخوارم المروءة، وزاد في «الوحي» الجوابَ عن هذه (قَالَ) أي: هرقل: (إِنْ يَكُ مَا) ولأبي ذر: «كما» (تَقُولُ فِيهِ حَقًّا؛ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ) وفي «دلائل النُّبوَّة» لأبي نُعيمٍ بسندٍ ضعيفٍ: «أنَّ هرقل أخرج لهم سفطًا من ذهبٍ عليه قفلٌ من ذهبٍ، فأخرج منه حريرةً مطويَّةً فيها صورٌ، فعرضها عليهم إلى أن كان آخرها صورة محمَّدٍ ﷺ ، قال: فقلنا جميعًا: هذه صورة محمَّد، فذكر لهم أنَّها صورة الأنبياء، وأنَّه خاتمهم ﷺ » (وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ) أي: أنَّه سيُبعَث في هذا الزَّمان (وَلَمْ أَكُ) بحذف النُّون، ولأبي ذرٍّ: «ولم أكن» (أَظُنُّهُ مِنْكُمْ) معشر قريشٍ (وَلَوْ أَنِّي (١) أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ) بضمِّ اللَّام، أي: أصِلُ (إِلَيْهِ؛ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) وفي «بَدْء الوحي»: «لتجشَّمت» بجيمٍ وشينٍ معجمةٍ، أي: لتكلَّفت الوصول إليه (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ؛ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ) ما لعلَّه يكون عليهما، قاله مبالغةً في خدمته (وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ) بالتَّثنية، وزاد في «بَدْء الوحي»: «هاتين» أي: أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه (قَالَ) أبو سفيان: (ثُمَّ دَعَا) هرقل (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَرَأَهُ) بنفسه أو التُّرجمان بأمره (فَإِذَا فِيهِ: بسم الله الرحمن الرحيم، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) طائفة (الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى) هو كقول موسى وهارون لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] (أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ) بكسر الدَّال المهملة (٢)، أي: بالكلمة الدَّاعية إلى الإسلام؛ وهي شهادة التَّوحيد (أَسْلِمْ) بكسر اللام (تَسْلَمْ) بفتحها (وَأَسْلِمْ) بكسرها توكيدٌ (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) لكونه مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ ﵊، أو أنَّ إسلامه سببٌ لإسلام (٣) أتباعه، والجزم في «أسلِمْ» على الأمر، والثَّالث تأكيدٌ له، والثَّاني جوابٌ للأوَّل، و «يُؤتِكَ»: بحذف حرف العلَّة جوابٌ آخر، ويحتمل أن يكون «أسلِمْ» أوَّلًا، أي: لا تعتقِدْ في المسيح ما تعتقده النَّصارى، و «أسلِمْ» ثانيًا، أي: ادخُلْ في دين الإسلام؛ ولذا قال: يؤتِكَ الله أجرك مرَّتين (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ) مع
стр. 8242
إثمك (إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ) بهمزةٍ وتشديد التَّحتيَّة بعد السِّين، أي: الزَّرَّاعين، نبَّه بهم على جميع الرَّعايا، وقيل: الأريسيِّين يُنسَبون إلى عبد الله بن أريس؛ رجلٍ كان تعظِّمه النَّصارى، ابتدع في دينه أشياء مخالفةً لدين عيسى ﵇ (و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ﴾) بدلٌ من ﴿كَلَمَةٍ﴾ بدلَ كلٍّ من كلٍّ، (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]) والخطاب في ﴿اشْهَدُواْ﴾ للمسلمين، أي: فإن تولَّوا عن هذه الدَّعوة؛ فأشهِدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.
فإن قلت: إنَّ هذه القصَّة كانت بعد الحديبية وقبل الفتح؛ كما صُرِّح به في هذا (١) الحديث، وقد ذكر ابن إسحاق وغيره: أنَّ صدر سورة آل عمران إلى بضعٍ وثمانين آيةً منها نزلت في وفد نجران، وقال الزُّهريُّ: هم أوَّل من بَذَل الجِزية، ولا خلافَ أنَّ آية الجِزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب وبين ما ذكره ابن إسحاق والزُّهريُّ؟ أجيب باحتمال نزول الآية مرةً قبل (٢) الفتح وأخرى بعده، وبأنَّ قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية، وما بذلوه كان مصالحةً عن المباهلة لا عن الجزية، ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وَفْق ذلك؛ كما جاء وفق الخُمُس والأربعة أخماس (٣) وفق ما فعله عبد الله بن جحشٍ في تلك السَّريَّة قبل بدرٍ، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك، وباحتمال أن يكون ﷺ أمر بكتابتها قبل نزولها، ثم نزل القرآن موافقةً له؛ كما نزل بموافقة عمر في الحجاب وفي الأسارى وعدم الصَّلاة على المنافقين، قاله ابن كثيرٍ.
(فَلَمَّا فَرَغَ) هرقل (مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ؛ ارْتَفَعَتِ (٤) الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغَطُ) من عظماء الرُّوم، ولعلَّه بسبب ما فهموه من ميل هرقل إلى التَّصديق (وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء في الثَّاني والميم في الأوَّل (قَالَ) أبو سفيان: (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي) القرشيِّين (حِينَ خَرَجْنَا): والله (لَقَدْ أَمِرَ) بفتح الهمزة مع القصر وكسر الميم، أي: عَظُم (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ)
стр. 8243
بسكون الميم، أي: شأن ابن أبي كَبْشة -بفتح الكاف وسكون الموحَّدة- كنية أبي النَّبيِّ ﷺ من الرَّضاع الحارث بن عبد العُزَّى، كما عند ابن ماكولا، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «بدء الوحي» [خ¦٧] (إِنَّهُ) بكسر الهمزة على الاستئناف (لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) وهم الرُّوم. قال أبو سفيان: (فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ) فأظهرتُ ذلك اليقين.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ: (فَدَعَا هِرَقْلُ) الفاء الفصيحة، أي: فسار هرقل إلى حمص، فكتب إلى صاحبه ضغاطر الأسقف بروميَّة، فجاء جوابه، فدعا (عُظَمَاءَ الرُّومِ، فَجَمَعَهُمْ (١) فِي دَارٍ لَهُ) وفي «بَدْء الوحْي»: أنَّه جمعهم في دَسْكرةٍ، أي: قصرٍ حوله بيوتٌ، وأغلقه، ثم اطَّلع عليهم من مكانٍ فيه عالٍ؛ خوفًا على نفسه أن ينكروا مقالته، فيبادروا إلى قتله، ثم خاطبهم (فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ؛ هَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الفَلَاحِ وَالرَّشَدِ) بفتح الرَّاء والمعجمة، ولأبي ذرٍّ: «والرُّشْد» بضمِّ الرَّاء وسكون المعجَمة (آخِرَ الأَبَدِ) أي: الزَّمان (وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ؟) لأنَّه علم من الكتب أن لا أمَّة بعد هذه الأمَّة (قَالَ (٢): فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ) بحاءٍ وصادٍ مهملتين، أي: نفروا نفرتها (إِلَى الأَبْوَابِ) التي للبيوت الكائنة في الدَّار الجامعة لهم ليخرجوا منها (فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ) بضمِّ الغين وكسر اللَّام مشدَّدةً (فَقَالَ) هرقل: (عَلَيَّ بِهِمْ) أي: أحضِروهم لي (فَدَعَا بِهِمْ) فردُّوهم (فَقَالَ) لهم: (إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ) بمقالتي هذه (فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ) حقيقةً؛ إذ كانت عادتهم ذلك لملوكهم، أو كنايةً عن تقبيلهم الأرض بين يديه؛ لأنَّ فاعل ذلك (٣) يصير غالبًا كهيئة الساجد (وَرَضُوا عَنْهُ) أي: رجعوا عما كانوا همُّوا به عند نفرتهم من الخروج عليه.
(٥) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾) أي: لن
стр. 8244
تُدرِكوا كمال البرِّ، أو ثواب الله، أو الجنَّة، أو لم تكونوا أبرارًا حتَّى يكون الإنفاق من محبوب أموالكم، أو ما يعمُّه وغيره؛ كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله، و «مِنْ» في ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيَّةٌ؛ يدلُّ عليه قراءة عبد الله: (بعض ما تحبون) ويحتمل أن يكون تفسير معنًى، لا قراءة (إِلَى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]) ولأبي ذر: «الآيةَ» بدل قوله: «إلى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾» وسقط لغيره لفظ «بابٌ».
٤٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ أبي يحيى: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) الأنصاريَّ (¬﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهل، زوجُ أمِّ أنس بن مالكٍ ﵁ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلًا) تمييزٌ (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَا) بنصب «أحبَّ» خبر «كان»، ورفع «بيرُحا» اسمها، وقد اختُلِف في ضبط هذه اللَّفظة، وسبق في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] ما يكفي ويشفي، والذي لخَّصته فيها من كلامهم: كسرُ الموحَّدة وضمُّ الرَّاء اسم «كان» وبفتحها خبرها، مع الهمزة السَّاكنة بعد الموحَّدة وإبدالها ياءً، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ؛ لأنَّ تأنيثه معنويٌّ؛ كهند، ومقصورةٌ فهي اثنا عشر، وبفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة من غير همزٍ
стр. 8245
وفتح الرَّاء وضمِّها خبر «كان» أو اسمها، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ، ومقصورٌ، فهي ستَّةٌ، اثنان منها مع القصر على أنَّه اسمٌ مقصورٌ لا تركيبَ فيه، فيُعرَب كسائر المقصور، وصوَّب الصَّغانيُّ والزَّمخشريُّ والمجد الشِّيرازيُّ منها (١) فتح الموحَّدة والرَّاء على سائرها من الممدود والمقصور، بل قال الباجيُّ: إنَّها المصحَّحة على أبي ذرٍّ وغيره (وَكَانَتْ) أي: بَيْرُحا (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) صفة المجرور (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) ﵁ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَا) بالرَّفع خبر (٢) «إنَّ» (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها (وَذُخْرَهَا) بضمِّ الذَّال المعجَمة، أي: أُقدِّمها فأدَّخرها؛ لأجدها (٣) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا -يَا رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : بخْ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجَمة؛ كـ «هل» و «بل» غير مكرَّرةٍ هنا (٤) (ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة، من الرَّواح، أي: من شأنه الذَّهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير؛ فهو أَولى، وكرَّرها اثنتين للمبالغة (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) ما قلتَ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا) أي: بَيرُحا (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ، ولأبي ذر: «وفي بني عمِّه».
(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «الوقف» [خ¦٢٧٦٩] (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيُّ، أبو محمَّد البصريُّ، ممَّا وصله أحمد في روايتهما عن مالكٍ: (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحَّدة، أي: يربح صاحبه في الآخرة.
وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النَّيسابوريُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام: (مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل الموحَّدة، اسم فاعلٍ من الرَّواح نقيض الغدوِّ.
стр. 8246
٤٥٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هو عبد الله بن المثنَّى (عَنْ ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم، ابن عبد الله بن أنسٍ قاضي البصرة (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁ قَالَ: فَجَعَلَهَا) أي: بَيْرُحا (٢) أبو طلحة (لِحَسَّانَ) ابن ثابتٍ (وَأُبِيٍّ) هو ابن كعبٍ (وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ) منهما (وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا). وهذا طرفٌ من حديثٍ ساقه بتمامه من هذا الوجه في «الوقف» [خ¦٢٧٥١] وسقط هنا (٣) في رواية أبي ذرٍّ، وثبت لغيره.
(٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]) لمَّا قال ﵊: «أنا على ملَّة إبراهيم» قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال ﵊: «كان حلالًا لإبراهيم، فنحن نُحِلُّه» فقالت اليهود: كلُّ شيءٍ أصبحنا اليوم نُحرِّمه كان محرَّمًا على نوحٍ وإبراهيم حتَّى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيبًا لهم وردًّا عليهم؛ حيث أرادوا براءة ساحتهم ممَّا نُعيَ عليهم من البغي والظُّلم والصَّدِّ عن سبيل الله، وما عدَّد من مساوئهم التي كلَّما ارتكبوا منها كبيرةً؛ حرَّم الله عليهم نوعًا من الطَّيِّبات؛ عقوبةً لهم في قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ … إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ … إلى قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ أي: المطعومات ﴿كَانَ حِلاًّ﴾ أي: حلالًا ﴿لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ وهو يعقوب ﵇ ﴿عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ وهو لحوم الإبل وألبانها، وكان ذلك سائغًا في شرعهم، قيل (٤): كان به عرق النَّسا، فنذر إن شُفِيَ؛ لم يأكل أحبَّ الطَّعام إليه، وكان ذلك أحبَّ إليه، وقيل: فعل ذلك للتَّداوي
стр. 8247
بإشارة الأطِبَّاء، واحتجَّ به مَنْ جوَّز للنَّبيِّ أن يجتهد، وللمانع أن يقول: ذلك بإذنٍ من الله، فهو كتحريمه ابتداءً، ثم أمر الله تعالى نبيَّه محمَّدًا ﷺ أن يُحاجَّ اليهود بكتابهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ أي: لليهود ﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] أي: فاقرؤوها، فإنَّها ناطقةٌ بما قلناه؛ إذ فيها أنَّ يعقوب حرَّم ذلك على نفسه قبل أن تُنزَّل، وأنَّ تحريم ما حُرِّم عليهم حادثٌ بظلمهم، فلم يُحضِروها، فثبت صدقُ النَّبيِّ ﷺ فيه، وجواز النَّسخ الذي ينكرونه، هذا ما يقتضيه سياق هذه الآية التي أوردها البخاريُّ في هذا الباب، وعليه المفسِّرون.
٤٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أبو إسحاق الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجَمة وسكون الميم، أنس (١) بن عياضٍ اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» (أَنَّ اليَهُودَ) يهود خيبر (جَاؤُوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) في ذي القعدة من السَّنة الرَّابعة (بِرَجُلٍ مِنْهُمْ) لم يُسَمَّ (وَامْرَأَةٍ) اسمها: بُسرة (قَدْ زَنَيَا) قال النَّوويُّ: وكانا من أهل العهد (فَقَالَ لَهُمْ) ﵊: (كَيْفَ تَفْعَلُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «كيف تعملون» (بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا) بضمِّ النُّون وفتح الحاء المهمَلة وكسر الميم الأولى مشدَّدةً، من التَّحميم؛ يعني: نُسَوِّدُ وجوههما بالحُمَم؛ وهو الفحم (وَنَضْرِبُهُمَا، فَقَالَ) ﵊ لهم (٢):
стр. 8248
(لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ) على من زنى إذا أحصن؟ (فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا) وإنَّما سألهم ﵊ ليُلزِمهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام؛ إقامةً للحجَّة عليهم، لا لتقليدهم ومعرفة الحكم منهم (فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) ﵁: (كَذَبْتُمْ، ﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾) فإنَّ ذلك موجودٌ فيها لم يُغيَّر، واستدلَّ به ابن عبد البرِّ على أنَّ التَّوراة صحيحةٌ بأيديهم، ولولا ذلك؛ ما سألهم رسول الله ﷺ عنها، ولا دعا بها، وأُجيب بأنَّ سؤاله عنها لا يدلُّ على صحَّة جميع ما فيها، وإنَّما يدلُّ على صحَّة المسؤول عنه منها، وقد علم ﷺ ذلك بوحيٍ أو إخبار (١) مَن أسلم منهم، فأراد بذلك تبكيتهم، وإقامةَ الحجَّة عليهم في مخالفتهم كتابَهم، وكذبهم عليه، وإخبارهم بما ليس فيه، وإنكارهم ما هو فيه، فَأتَوا بالتَّوراة فنشروها (فَوَضَعَ) عبدُ الله بن صوريا (مِدْرَاسُهَا) بكسر الميم، «مِفْعال» من أبنية المبالغة، أي: صاحب دراسة كتبهم، وكان أعلم من بقي مَن الأحبار بالتَّوراة، وزعم السُّهيليُّ أنَّه أسلم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مُدَارِسُها» بضمِّ الميم، على وزن «المفاعلة»، من المُدارَسة، قال في «الفتح»: والأوَّل أوجهُ، وهو (الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الدَّال المهملة وتشديد الرَّاء مكسورةً، وفي نسخةٍ: «يَدْرُسُها» بفتح أوَّله وسكون الدَّال وضمِّ الرَّاء مخفَّفةً (كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء، أي: فجعل (يَقْرَأُ) من التَّوراة (مَا دُونَ يَدِهِ) أي: قبلها (وَمَا وَرَاءَهَا، وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ) (٢) عبدُ الله بنُ سلَام (عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ) أي: اليهود (قَالُوا): ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلمَّا رأى ذلك» أي: المِدارس قال: (هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا) ﷺ (فَرُجِمَا) بحكم شرعه (قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنَائِزِ) برفع «موضع» في الفرع كأصله وغيرهما؛ لأنَّ «حيث» لا تُضاف إلى ما بعدها إلا أن يكون جملةً (عِنْدَ المَسْجِدِ) وفي هذه القصَّة من حديث جابرٍ عند أبي داود في «سُننه»: أنَّه شهد عنده ﷺ أربعةٌ أنَّهم رأوا ذَكَره في فَرْجِها مثل الميل في المُكْحِلَة، قال النَّوويُّ: فإن صحَّ هذا؛ فإن كان الشهود مسلمين فظاهرٌ، وإن كانوا كفَّارًا؛ فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعيَّن أنَّهما أقرَّا بالزِّنى؛ فلذا حكم ﵊ برجمهما. (قَالَ) أي: ابن عمر: (فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا) أي صاحب المرأة الذي (٣)
стр. 8249
زنى بها (١) (يَجْنَأُ) بفتح أوَّله وسكون الجيم، وبعد النُّون المفتوحة همزةٌ مضمومةٌ، أي: أكب (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يَحْنِي» بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهمَلة وكسر النُّون بعدها تحتيَّةٌ، أي: يميل وينعطف (عَلَيْهَا) حال كونه (يَقِيهَا الحِجَارَةَ).
وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب حدِّ الزِّنى على الكافر، وبه قال الشافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة والجمهور، خلافًا لمالكٍ حيث قال: لا حدَّ عليه، وأنَّه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرَّجم الإسلامُ، وهو مذهب الشافعيِّ وأحمد، خلافًا لمالكٍ وأبي حنيفة حيث قالا: لا يُرجَم الذِّمِّيُّ؛ لأنَّ من شرط الإحصان الإسلام، وأنَّ أنكحة الكفَّار صحيحةٌ، وإلَّا لم يثبت (٣) إحصانهم، وأنَّهم مخاطَبون بالفروع، خلافًا للحنفيَّة.
وهذا الحديث قد سبق مختصرًا في «الجنائز» [خ¦١٣٢٩] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الحدود» [خ¦٦٨١٩].
(٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]) قيل: «كان» ناقصةٌ على بابها، فتصلح للانقطاع؛ نحو: كان زيدٌ قائمًا، وللدَّوام؛ نحو: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] فهي بمنزلة «لم يَزَلْ» وهذا بحسب القرائن، فقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا، أو انقطع ذلك عنهم، وقال (٤) في «الكشَّاف»: «كان» عبارةٌ عن وجود الشَّيء في زمانٍ ماضٍ على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدمٍ سابقٍ، ولا على انقطاعٍ طارئٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] و ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] كأنَّه قيل: وُجِدتم خيرَ أمَّةٍ، قال أبو حيَّان: قولُه: «لم يدلَّ على عدمٍ سابقٍ» هذا إذا لم تكن بمعنى: صار، فإذا كانت بمعنى: صار؛ دلت على عدمٍ سابق، فإذا (٥) قلت: كان زيدٌ عالمًا؛ بمعنى: صار زيدٌ عالمًا؛ دلَّت على أنَّه انتقل من حالة الجهل إلى حالة
стр. 8250
العلم، وقوله: «ولا على انقطاعٍ طارئٍ» قد سبق أنَّ الصَّحيح أنَّها كسائر الأفعال، يدلُّ لفظ المضيِّ منها على الانقطاع، ثم قد يُستَعمل حيث لا انقطاعَ، وفرقٌ بين الدَّلالة والاستعمال، ألا ترى أنَّك تقول: هذا اللَّفظ يدلُّ على العموم، ثم قد يُستَعمل حيث لا يُراد العموم، بل يُراد الخصوص، وقوله: «كأنَّه قيل: وُجِدتم خيرَ أمَّةٍ» يدلُّ على أنَّها التَّامَّة، وأنَّ ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حالٌ، وقوله: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ لا شكَّ أنَّها النَّاقصة، فتعارضا، وأجاب أبو العبَّاس الحلبيُّ: بأنَّه لا تعارضَ؛ لأنَّ هذا تفسير معنًى، لا تفسير إعرابٍ، وقيل: إنَّ «كان» هنا تامَّةٌ؛ بمعنى: وُجِدتم، وحينئذٍ فـ ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ نُصِبَ على الحال، وقيل: زائدةٌ، أي: أنتم خير أمَّةٍ، والخِطاب للصَّحابة، وهذا مرجوحٌ أو (١) غلطٌ؛ لأنَّها لا تُزاد أوَّلًا، وقد نقل ابن مالكٍ الاتِّفاق عليه، وقيل: الخطاب لجميع الأمَّة، أي: كنتم في علم الله، وقيل: في اللَّوح المحفوظ، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما رواه أحمد في «مسنده»، والنَّسائيُّ في «سُنَنه»، والحاكم في «مُستَدركه» - قال: «هم الذين هاجروا مع النَّبيِّ ﷺ إلى المدينة» والصَّحيح -كما قاله ابن كثيرٍ- العمومُ في جميع الأمَّة، كلُّ قرنٍ بحسبه، وخير قرونهم الذين (٢) بُعِث فيهمُ النَّبيُّ (٣) ﷺ ، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم [خ¦٢٦٥١] وفي «سُنن ابن ماجه» و «مُستَدرك الحاكم» وحسَّنه التِّرمذيُّ عن معاوية بن حَيْدة مرفوعًا: «أنتم توفُّون سبعين أمَّةً أنتم خيرُها وأكرمُها على الله ».
٤٥٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ مَيْسَرَةَ) -ضدُّ الميمَنة- ابن عمارٍ (٤) الأشجعيِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سليمان
стр. 8251
الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) في قوله تعالى: (﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ) أي: خير بعض النَّاس لبعضهم (١)، أي: أنفعهم لهم، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّكم (تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلَامِ) فهم سببٌ في إسلامهم، وقولُ الزَّركشيِّ وغيره: «قيل (٢): ليس هذا التَّفسيرُ بصحيحٍ، ولا معنى لإدخاله في المسنَد؛ لأنَّه لم يرفعه» ليس بصحيحٍ، بل إساءة أدبٍ لا ينبغي ارتكابُ مثلها، وقد تقدَّم من وجهٍ آخر في أواخر «الجهاد» [خ¦٣٠١٠] مرفوعًا بلفظ: «عَجِبَ الله من قومٍ يدخلون الجنَّة في السَّلاسل» يعني: الأسارى الذين يقدم بهم أهلُ الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود، ثمَّ بعد ذلك يُسْلِمون وتصلح سرائرهم وأعمالهم، فيكونون من أهل الجنَّة.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ (٣) في «التَّفسير».
(٨) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين-، وهو ساقطٌ كلفظ «بابٌ» قبله لغير أبي ذرٍّ في قوله تعالى: (﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]) عاملُ الظَّرف «اذكُرْ» أو هو بدلٌ من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٢١] فالعاملُ فيه العاملُ في المبدَل منه، أو النَّاصب له ﴿عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] والهمُّ: العزم، أو هو دونه، وذلك أنَّ أوَّل ما يمرُّ بقلب الإنسان يُسمَّى خاطرًا، فإذا قوي؛ سُمِّي حديث نفسٍ، فإذا قوي؛ سُمِّي همًّا، فإذا قوي سُمِّي عزمًا، ثم بعده إمَّا قولٌ أو فعلٌ.
стр. 8252
٤٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ (١) بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: قَالَ عَمْرٌو) وهو ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]) أي: أن (٢) تَجْبُنا وتتخلَّفا عن الرَّسول ﷺ ، وتذهبا مع عبد الله بن أُبيٍّ، وكان ذلك في غزوة أحُدٍ (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) أي: عاصِمُهما عن اتِّباع تلك الخَطْرة التي ليست عزيمةً، بل حديث نفسٍ، وكيف تكون عزيمةً والله تعالى يقول: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؟ والله تعالى لا يكون وليَّ مَن عزم على خذلان رسوله (٣) ﷺ ومتابعة عدوِّه عبد الله بن أُبيٍّ، ويجوز أن تكون عزيمةً كما قال ابن عبَّاسٍ، ويكون قوله: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ جملةً حاليَّةً مقرِّرةً (٤) للتَّوبيخ والاستبعاد، أي: لمَ وُجِدَ منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة والحالُ أنَّ الله بجلاله وعظمته هو النَّاصر لهما، فما لهما يفشلان؟! (قَالَ) أي: جابرٌ: (نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ؛ بَنُو حَارِثَةَ) وهم من الأوس (وَبَنُو سَلِمَةَ) بكسر اللَّام، وهم من الخزرج (وَمَا نُحِبُّ -وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة في روايته (مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي) بدل «وما نحبُّ» - (أَنَّهَا) أي: الآية (لَمْ تُنْزَلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ) تعالى: (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) ومفهومه: أنَّ نزولها سرَّه؛ لِمَا حصل لهم من الشَّرف وتثبيت الولاية، ودلَّ ذلك على أنَّه سرَّتهم تلك الهمَّة (٥) العارية عن العزم، نعم كلامُ ابن عبَّاسٍ السَّابق مبنيٌّ على التَّوبيخ، وينصره قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] فإنَّه يأبى إلَّا أن يكون تعريضًا (٦) وتغليظًا في هذا المقام، وكذا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] مشتملٌ على تشديدٍ عظيمٍ؛ يعني: فاتَّقوا الله في الثَّبات معه ولا تضعفوا، فإنَّ -نعمته وهي نعمة الإسلام- لا يُقابَل شكرُها إلا ببذل المُهَج، وبفداء الأنفس، فاثبتوا معه؛ لعلَّكم تُدرِكون (٧) شكر هذه النِّعمة، وكلُّ هذه التَّشديدات لا تَرِدُ على حديث النَّفس، وأمَّا قول جابرٍ: «نحن بنو سَلِمة وبنو حارثة» وامتيازه إيَّاهما عن
стр. 8253
الغير؛ فلا يستقيم إلَّا على العزيمة، وقوله: «وما يسرُّني أنَّها لم تُنَزل» إنَّما يحسُن إذا حملته على العزيمة؛ ليفيد المبالغة، فهو على أسلوب قوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] قاله في «فتوح الغيب». وهذا الحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٠٥١].
(٩) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]).
٤٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، السُّلميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ (١) مِنَ الفَجْرِ) من صلاة الصُّبح (٢)، أي: بعد أن كُسِرَت رباعيَّته يوم أُحُدٍ (يَقُولُ: اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا) هم صفوان بن أميَّة، وسُهيل (٣) بن عمرٍو (٤)، والحارث بن هشامٍ؛ كما في حديثٍ مُرسَلٍ أورده المؤلِّف في «غزوة أحُدٍ» [خ¦٤٠٧٠] ووصله أحمد والتِّرمذيُّ، وزاد في آخره: «فتيب عليهم كلِّهم» وسمَّى التِّرمذيُّ في روايته: أبا سفيان بن حربٍ، وفي كتاب ابن أبي شيبة: منهم العاصي ابن هشامٍ، قال في «المقدِّمة»: وهو وَهَمٌ؛ فإنَّ العاصي (٥) قُتِلَ قبل ذلك ببدرٍ، قال: ونقل
стр. 8254
السُّهيليُّ عن رواية التِّرمذيِّ: فيهم عمرو بن العاص، فوهم في نقله (بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بإثبات الواو (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) قال في «فتوح الغيب»: وقوله -أي: بعدُ-: ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تتميمٌ مناد (١)، على أنَّ جانب الرَّحمة راجحٌ (٢) على جانب العذاب، وفي قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ تتميمٌ لأمر التعذيب، وإدماجٌ لرجحان المغفرة؛ يعني: سبب التَّعذيب كونهم ظالمين، وإلَّا فالرَّحمة مقتضيةٌ للغفران، وقال صاحب «الأنوار»: قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٢٩] صريحٌ في نفي وجوب التَّعذيب، والتَّقييد بالتَّوبة وعدمها كالمنافي له، ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لعباده، فلا تُبادِر إلى الدُّعاء عليهم.
(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور بالإسناد السَّابق (إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الحرَّانيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، وهذا وصله الطَّبرانيُّ في «مُعجَمه الكبير» (٣).
٤٥٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ) أي: في الصَّلاة (قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ
стр. 8255
بْنَ الوَلِيدِ) أخا خالد بن الوليد، أسلم وتوفِّي في حياته ﵊، وهمزة «أنجِ» قطعٌ (وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) هو ابن عمِّ الذي قبله، وأخو أبي جهلٍ، وكان من السَّابقين إلى الإسلام (وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) ابن عمِّ الذي قبله، وهو (١) من السَّابقين أيضًا، وفي «الزِّيادات» (٢) من حديث الحافظ أبي بكر بن زيادٍ النَّيسابوري عن جابرٍ: رفع ﷺ رأسه من الرَّكعة الأخيرة من صلاة الصُّبح صبيحة خمس عشرة من رمضان، فقال: «اللهمَّ أنج … » الحديث، وفيه: فدعا بذلك خمسة عشر يومًا، حتَّى إذا كان صبيحة يوم الفطر (٣) تَرَكَ الدُّعاء (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطَّاء المهملة وهمزةٍ مفتوحةٍ، أي: بأسك (عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) -بنونٍ واحدةٍ على المشهور- حال كونه (يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ) ﵊ (يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ) فيه إشارةٌ إلى أنَّه كان لا يداوم على ذلك: (اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا؛ لأَحْيَاءٍ) قبائل (مِنَ العَرَبِ) سمَّاهم في رواية يونس عن الزُّهريِّ عند مسلمٍ: «رعلًا وذكوان وعصيَّة» (حَتَّى (٤) أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الاية [آل عمران: ١٢٨]) بالنَّصب، أي: اقرأ الآيةَ، واستشكل: بأنَّ قصَّة رعلٍ وذكوان كانت بعد أحدٍ، ونزول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ في قصَّة أحدٍ، فكيف يتأخَّر السَّبب عن النُّزول؟ وأجاب في «الفتح»: بأنَّ قوله: «حتَّى أنزل الله» منقطعٌ من رواية الزُّهريِّ عمَّن بلَّغه، كما بيَّن ذلك (٥) مسلمٌ في رواية يونس المذكورة، فقال هنا: قال -يعني الزهري-
стр. 8256
ثمَّ (١): بلغنا أنَّه ترك ذلك لمَّا نزلت، قال: وهذا البلاغ لا يصحُّ، وقصَّة رعلٍ وذكوان أجنبيَّةٌ عن قصَّة أُحدٍ، فيُحتَمل أنَّ قصَّتهم كانت عقب ذلك، وتأخَّرَ نزولُ الآية عن سببها قليلًا، ثمَّ نزلت في جميع ذلك، وقد ورد في سبب نزول الآية شيءٌ آخر غير منافٍ لِمَا سبق في قصَّة أحدٍ، فعند مسلمٍ من حديث أنس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كُسِرَت رَبَاعيته يوم أحدٍ وشُجَّ وجهه حتَّى سال الدَّم على وجهه، فقال: «كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم؟!» فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وأورده المؤلِّف في «المغازي» معلَّقًا بنحوه [خ¦٦٤/ ٢١ م-٦٠٠٢] وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر المسوق أوَّل هذا الباب [خ¦٤٥٥٩]: أنَّه ﷺ دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته، فأنزل الله الآية في الأمرين جميعًا؛ فيما وقع له من كسر الرَّباعية وشجِّ الوجه، وفيما نشأ عن ذلك من الدُّعاء عليهم، وذلك كلُّه في أحدٍ، فعاتبه الله تعالى على تعجيله في القول برفع الفلاح عنهم؛ حيث قال: «كيف يفلح قومٌ؟» أي: لن يفلحوا أبدًا، فقال الله له (٢): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: كيف تستبعد الفلاح وبيد الله أزمَّة الأمور التي في السَّموات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٢٩]؟! وليس لك من الأمر إلا التَّفويض والرِّضا بما قضى، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «الآية» والحديث رواه النَّسائيُّ.
(١٠) (باب قوله) تعالى: (﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾) مبتدأٌ وخبرٌ في موضع نصبٍ على الحال، ودعوة الرَّسول: «إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله (٣)» يدعوهم إلى ترك الفرار من العدوِّ، وإلى الرَّجعة والكرَّة (﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]) قال البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدة: (وَهْوَ) أي: ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ (تَأْنِيثُ: آخِرِكُمْ) بكسر الخاء المعجمة، قال في «الفتح» و «العمدة» و «التَّنقيح»:
стр. 8257
فيه نظرٌ؛ لأنَّ «أُخْرَى» تأنيث «آخَر» بفتح الخاء لا كسرها، وزاد في «التَّنقيح»: «أفعل» تفضيل كـ «فُضْلى وأفضل»، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: نظرُ البخاريِّ أدقُّ من هذا؛ وذلك أنَّه لو جعل «أُخَرى» هنا تأنيثًا لـ «آخَر» بفتح الخاء؛ لم يكن فيه دلالةٌ على التَّأخُّر الوجوديِّ؛ وذلك لأنَّه أُمِيتَت (١) دلالته على هذا المعنى بحسب العرف، وصار إنَّما يدلُّ على الوجهين بالمغايرة فقط؛ تقول: مررت برجلٍ حسنٍ ورجلٍ آخر، أي: مغايرٍ للأوَّل، وليس المراد تأخُّره في الوجود عن السَّابق، وكذا: مررت بامرأةٍ جميلةٍ وامرأةٍ أُخْرى، والمراد في الآية: الدَّلالة على التَّأخُّر؛ فلذلك قال: «تأنيث آخِركم» بكسر الخاء؛ لتصير «أُخْرَى» دالَّةً على التَّأخُّر؛ كما في: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] أي: المتقدِّمة للمتأخِّرة، واستعماله في هذا المعنى موجودٌ في كلامهم، بل هو الأصل. انتهى.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: (﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]) أي: (فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً) ومحلُّ ذكر هذا في سورة براءة على ما لا يخفى، واحتمال وقوع إحدى الحسنَيين (٢) وهي الشَّهادة (٣) في أُحُدٍ؛ استبعده في «العمدة».
٤٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين -وجدُّه فرُّوخٌ- الحرَّانيُّ الجزريُّ سكن مصر قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أميرًا (عَلَى الرَّجَّالَةِ) بتشديد الجيم، خلاف: الفارس، وكانوا خمسين رجلًا رُمَاةً (يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة، الأنصاريَّ (وَأَقْبَلُوا) بالواو، وفي الفرع (٤): «فأقبلوا» أي: المسلمون حال كونهم
стр. 8258
(مُنْهَزِمِينَ) أي: بعضهم؛ وذلك أنَّهم صاروا ثلاث فرقٍ: فرقةً استمرُّوا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فلم يرجعوا حتَّى مضى القتال، وهم قليلٌ، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وفرقةً صاروا حَيارى لمَّا سمعوا أنَّ رسول الله ﷺ قُتِل، فصارت غاية الواحد منهم أن يذبَّ عن نفسه، أو يستمرَّ على بصيرته في القتال إلى أن يُقتَل، وهم أكثر الصَّحابة، وفرقةً ثبتت مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ تراجع القسم الثَّاني شيئًا فشيئًا؛ لمَّا عرفوا (١) أنَّه (٢) ﷺ حيٌّ (فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ) أي: في ساقتهم وجماعتهم (٣) الأخرى (وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من أصحابه (غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا) بسكون الياء؛ فمن المهاجرين: أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ وسعد بن أبي وقاصٍ وطلحة والزُّبير وأبو عبيدة وعبد الرَّحمن بن عوفٍ، ومن الأنصار: أُسَيد بن حُضَير والحُبَاب بن المنذر والحارث بن الصِّمَّة وسعد بن معاذٍ وأبو دُجَانة وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وسهل بن حنيفٍ، ذكره الواقديُّ والبَلاذُريُّ، فهُمْ ستة عشر رجلًا.
(١١) (بابٌ) بالتَّنوين (٤) (قوله) تعالى -وسقط لفظ «قوله» للكُشْميهَنيِّ والحَمُّويي- (﴿أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]) أي: أنزل الله عليكم بسبب ما أصابكم من الغمِّ الأمنَ حتَّى أخذ بكم النُّعاس.
٤٥٦٢ - وبه قال (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو
стр. 8259
يَعْقُوبَ) البغداديُّ الملقب بلؤلؤ، ابن عمِّ (١) أحمد بن مَنِيع قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين (٢)، المرُّوذي (٣) المعلِّم نزل بغداد قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) ابن عبد الرَّحمن التَّميميُّ النَّحويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن (٤) مالكٍ ﵁: (أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريَّ (قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا) بفتح الميم وتشديد الفاء، جمع مصفٍّ، أي: في موقفنا (٥) (يَوْمَ أُحُدٍ) أَمَنةً لأهل اليقين، فينامون من غير خوفٍ، جازمين بأنَّ الله سينصر رسوله وينجز له مأموله، وعند ابن أبي حاتمٍ عن عبد الله بن مسعودٍ أنَّه قال: النُّعاس في القتال من الله، وفي الصَّلاة من الشَّيطان (قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ) زاد البيهقيُّ من طريق يونس بن محمَّدٍ عن شيبان قال: «والطَّائفة الأخرى: المنافقون، ليس لهم همٌّ إلَّا أنفسهم، أجبن قومٍ وأرعبه وأخذله للحقِّ، ﴿يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] كَذَبةٌ، إنَّما هم أهل شكٍّ وريبٍ في الله » كذا رواه بهذه الزِّيادة، قال ابن كثيرٍ: وكأنَّها من كلام قتادة، وإنَّما لم تنعس (٦) الطَّائفة الأخرى؛ لأنَّهم مستغرقون في همِّ أنفسهم، فلا تنزل عليهم السَّكينة؛ لأنَّها واردٌ روحانيٌّ لا يتلوَّث بهم.
(١٢) (باب قوله) تعالى: (﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾) يوم أحدٍ، والموصول مجرورٌ صفةً لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أو منصوبٌ بـ «أعني»، أو مبتدأٌ خبره: (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]) «من» في قوله:
стр. 8260
﴿مِنْهُمْ (١)﴾ للتَّبيين؛ مثل: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] لأنَّه لو حُمِل على التَّبعيض؛ لزم ألَّا يكون كلُّهم محسنين، قال في «فتوح الغيب»: فالكلام فيه تجريدٌ؛ جرَّد من الذين استجابوا لله والرَّسول المحسن المتَّقي، وسبب نزول هذه الآية: أنَّ المشركين لمَّا أصابوا ما أصابوا (٢) من المسلمين؛ كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما بلغوا الرَّوحاء؛ ندموا لِمَ لا تمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، وهمُّوا بالرُّجوع، فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ ، فندب أصحابه إلى الخروج في طلبهم ليرعبهم ويريهم أنَّ فيهم قوَّة وجَلَدًا، وقال: «لا يخرجنَّ معنا إلا من حضر الوقعة يوم أحدٍ» سوى جابر بن عبد الله فإنَّه أذن له، فخرج ﷺ مع جماعةٍ حتَّى بلغوا حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميالٍ من المدينة، وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم حتَّى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرُّعب في قلوب المشركين فذهبوا، فنزلت.
وقال البخاريُّ كأبي عبيدة: (﴿الْقَرْحُ﴾) بفتح القاف، أي: (الجِرَاحُ) جمع جِراحةٍ؛ بالكسر فيهما.
(﴿اسْتَجَابُواْ﴾) أي: (أَجَابُوا) تقول العرب: استجبتك، أي: أجبتك، و (﴿يَسْتَجِيبُ﴾ [الشورى: ٢٦]) أي: (يُجِيبُ) وهذا وإن كان في سورة الشُّورى فأورده هنا؛ استشهادًا لسابقه، ولم يذكر المؤلِّف هنا حديثًا، ولعلَّه بيَّض له، واللَّائق بالسِّياق هنا حديث عائشة عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٠٧٧]: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ … ﴾ إلى آخر الآية، قالت لعروة: يا بن أختي (٣)، كان أبواك منهم؛ الزُّبير وأبو بكرٍ ﵄، فلمَّا أصاب (٤) نبيَّ الله ﷺ ما أصاب (٥) يوم أحدٍ، و (٦) انصرف عنه (٧) المشركون؛ خاف أن يرجعوا فقال: «من يرجع في إثْرِهم؟» فانتدب منهم سبعون رجلًا، فيهم أبو بكر والزُّبير ﵄. وأمَّا حديث ابن مردويه عن عائشة قالت (٨): قال لي
стр. 8261
رسول الله ﷺ : «إن كان أبواك من الذين استجابوا لله والرَّسول من بعد ما أصابهم القرح؛ أبو بكر والزُّبير ﵄» فرفعه خطأٌ محضٌ؛ لمخالفته رواية الثِّقات مِنْ وَقْفه على عائشة كما سبق؛ ولأنَّ الزُّبير ليس هو من آباء عائشة، وإنَّما قالت لعروة بن الزُّبير ذلك؛ لأنَّه ابن أختها أسماء بنت أبي بكرٍ.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ الاية [آل عمران: ١٧٣]) بالنَّصب، بتقدير فعلٍ، وسقط لفظ «الآية» لأبي ذرٍّ، وزاد: «﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾»، وزاد (١) أيضًا -كما في «الفتح» -: «﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾».
٤٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبه لجدِّه (٢)، واسم أبيه: عبد الله التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ، قال البخاريُّ: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو (٣) شعبة بن عيَّاشٍ -بالشِّين المعجمة- القارئ، فكأنَّ البخاريَّ شكَّ في شيخ شيخه، وقد رواه الحاكم في «مستدركه» من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عيَّاشٍ بالجزم من غير تردُّدٍ (عَنْ أَبِي (٤) حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيحٍ، مصغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا) له ﵊: (﴿إِنَّ النَّاسَ﴾) أبا سفيان وأصحابه، وقال الحافظ أبو ذرٍّ -كما في هامش «اليونينيَّة» -: هو عروة ابن مسعودٍ الثَّقفيُّ (﴿قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾) يقصدون غزوكم، وكان أبو سفيان نادى عند انصرافه من
стр. 8262
أُحدٍ: يا محمَّد موعدنا موسم بدرٍ لقابلٍ إن شئت، فقال ﵊: «إن شاء الله» فلمَّا كان (١) القابل؛ خرج في أهل مكَّة حتَّى نزل مرَّ الظَّهران، فأنزل الله الرُّعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فمرَّ به ركبٌ من عبد قيسٍ يريدون المدينة للميرة، فشرط لهم حمل بعيرٍ من زبيبٍ إن ثبَّطوا المسلمين، وقيل: لقي نُعَيم بن مسعودٍ وقد قدم معتمرًا، فسأله عن (٢) ذلك والتزم (٣) له عشرًا من الإبل، فخرج نُعيمٌ، فوجد المسلمين يتجهَّزون، فقال لهم: إن أتوكم في دياركم؛ فلم يفلت أحدٌ منكم إلَّا شريدٌ؛ أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم؟! (﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾) ولا تخرجوا إليهم (﴿فَزَادَهُمْ﴾) أي: المقول (﴿إِيمَاناً﴾) فلم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا، بل ثبت به (٤) يقينهم بالله، وأخلصوا النِّيَّة في الجهاد، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص (﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ﴾) عطفٌ على: ﴿فَزَادَهُمْ﴾ والجملة بعد هذا القول نصبٌ به، و «حَسْبُ»: بمعنى اسم الفاعل، أي: مُحْسِبنا بمعنى (٥): كافينا (﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾) ونعم الموكول إليه، والمخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: الله.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».
٤٥٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصمٍ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ؛ بضمِّ الصَّاد وفتح الموحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ) الخليل (حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) فلما أخلص قلبه لله؛ قال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]
стр. 8263
وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه مرفوعًا: «إذا وقعتم في الأمر العظيم؛ فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]».
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾) (٢) قُرِئ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء والتَّاء، وعلى التَّقديرين: المضاف محذوفٌ، أي: بُخْل الذين، إذا كان الحسبان للنَّبيِّ ﷺ أو لكلٍّ أحدٍ؛ تقديره: بخل الذين يبخلون، وإذا كان الفاعل ﴿الَّذِينَ﴾ فالتَّقدير: بخلهم هو خيرًا لهم (﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ﴾) بيان الشَّرِّيَّة، أي: سيصير عذاب بخلهم لازمًا كالطَّوق في أعناقهم (﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) رُوِيَ أنَّه (٣) حيَّةٌ تنهشه من فَرْقه إلى قدمه، وتبقر رأسه (﴿وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾) ما فيهما ممَّا يُتَوارَث ملكٌ له تعالى، فما لهؤلاء يبخلون بملكه ولا ينفقونه في سبيله (٤)؟! والتَّعبير بـ «الميراث» خطابٌ بما نعلم (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]) وسقط لغير أبي (٥) ذرٍّ من قوله: «﴿هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» بالنَّصب.
وقال العوفيُّ عن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ: «نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا (٦) بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبيِّنوها» وقيل: في اليهود الذين سُئِلوا أن يُخْبِروا بصفة محمَّدٍ ﷺ عندهم، فبخلوا بذلك وكتموه، فيكون البخل بكتمان العلم، والطَّوق: أن يُجعَل في رقابهم أطواق النَّار، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من سُئِل عن علمٍ فكتمه؛ ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وحسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه الحاكم.
стр. 8264
(﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾) قال البخاريُّ -كأبي عبيدة-: هو (كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) وعند عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ من طريق إبراهيم النَّخعيِّ بإسنادٍ جيدٍ قال: بطَوْقٍ من النَّار.
٤٥٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وبعد النُّون المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ، المروزيُّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم، الملقَّب بقيصر التَّميميَّ يقول: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ آتَاهُ اللهُ) بمدِّ الهمزة، أي: أعطاه الله (مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، أي: صُوِّر له (مَالُهُ) الذي لم يؤدِّ زكاته (شُجَاعًا) قال في «المصابيح»: نُصِب على الحال، أي: حيَّةً (أَقْرَعَ) لا شعر على رأسه؛ لكثرة سُمِّه وطول عمره (لَهُ زَبِيبَتَانِ) بزايٍّ فموحَّدتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، نقطتان سوداوان فوق عينيه، وهو أخبث ما يكون منها (يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو المشدَّدة، أي: يُجعَل طوقًا في عنقه (يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ) (١) بكسر اللَّام والزَّاي بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «بلهزمتيه» بالتَّثنية (يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ) بكسر المعجمة، أي: جانبي فمه (٢) (يَقُولُ) أي: الشُّجاع له (٣): (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) يقول له ذلك تهكُّمًا ويزيده حسرةً (ثُمَّ تَلَا) أي: قرأ ﷺ (هَذِهِ الآيَةَ (٤): ﴿ء وَلَا يَحْسَبَنَّ (٥) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن
стр. 8265
فَضْلِهِ … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ١٨٠]) سقط لأبي ذرٍّ لفظ (١) «إلى آخر» وقال (٢): «الآية».
وهذا الحديث سبق في «باب إثم مانع الزَّكاة» في كتابه [خ¦١٤٠٣].
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) يعني: اليهود (﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]) باللِّسان والفعل؛ من هجاء الرَّسول ﷺ والطَّعن في الدِّين وإغراء الكفرة على المسلمين، أخبره تعالى بذلك عند مقدمه المدينة قبل وقعة بدرٍ؛ مسلِّيًا له عمَّا يناله من الأذى.