← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

رسول الله ﷺ : «إن كان أبواك من الذين استجابوا لله والرَّسول من بعد ما أصابهم القرح؛ أبو بكر والزُّبير ﵄» فرفعه خطأٌ محضٌ؛ لمخالفته رواية الثِّقات مِنْ وَقْفه على عائشة كما سبق؛ ولأنَّ الزُّبير ليس هو من آباء عائشة، وإنَّما قالت لعروة بن الزُّبير ذلك؛ لأنَّه ابن أختها أسماء بنت أبي بكرٍ. (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ الاية [آل عمران: ١٧٣]) بالنَّصب، بتقدير فعلٍ، وسقط لفظ «الآية» لأبي ذرٍّ، وزاد: «﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾»، وزاد (١) أيضًا -كما في «الفتح» -: «﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾». ٤٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبه لجدِّه (٢)، واسم أبيه: عبد الله التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ، قال البخاريُّ: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو (٣) شعبة بن عيَّاشٍ -بالشِّين المعجمة- القارئ، فكأنَّ البخاريَّ شكَّ في شيخ شيخه، وقد رواه الحاكم في «مستدركه» من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عيَّاشٍ بالجزم من غير تردُّدٍ (عَنْ أَبِي (٤) حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيحٍ، مصغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا) له ﵊: (﴿إِنَّ النَّاسَ﴾) أبا سفيان وأصحابه، وقال الحافظ أبو ذرٍّ -كما في هامش «اليونينيَّة» -: هو عروة ابن مسعودٍ الثَّقفيُّ (﴿قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾) يقصدون غزوكم، وكان أبو سفيان نادى عند انصرافه من

стр. 8262

أُحدٍ: يا محمَّد موعدنا موسم بدرٍ لقابلٍ إن شئت، فقال ﵊: «إن شاء الله» فلمَّا كان (١) القابل؛ خرج في أهل مكَّة حتَّى نزل مرَّ الظَّهران، فأنزل الله الرُّعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فمرَّ به ركبٌ من عبد قيسٍ يريدون المدينة للميرة، فشرط لهم حمل بعيرٍ من زبيبٍ إن ثبَّطوا المسلمين، وقيل: لقي نُعَيم بن مسعودٍ وقد قدم معتمرًا، فسأله عن (٢) ذلك والتزم (٣) له عشرًا من الإبل، فخرج نُعيمٌ، فوجد المسلمين يتجهَّزون، فقال لهم: إن أتوكم في دياركم؛ فلم يفلت أحدٌ منكم إلَّا شريدٌ؛ أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم؟! (﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾) ولا تخرجوا إليهم (﴿فَزَادَهُمْ﴾) أي: المقول (﴿إِيمَاناً﴾) فلم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا، بل ثبت به (٤) يقينهم بالله، وأخلصوا النِّيَّة في الجهاد، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص (﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ﴾) عطفٌ على: ﴿فَزَادَهُمْ﴾ والجملة بعد هذا القول نصبٌ به، و «حَسْبُ»: بمعنى اسم الفاعل، أي: مُحْسِبنا بمعنى (٥): كافينا (﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾) ونعم الموكول إليه، والمخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: الله. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير». ٤٥٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصمٍ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ؛ بضمِّ الصَّاد وفتح الموحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ) الخليل (حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) فلما أخلص قلبه لله؛ قال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]

стр. 8263

وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه مرفوعًا: «إذا وقعتم في الأمر العظيم؛ فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]». (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾) (٢) قُرِئ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء والتَّاء، وعلى التَّقديرين: المضاف محذوفٌ، أي: بُخْل الذين، إذا كان الحسبان للنَّبيِّ ﷺ أو لكلٍّ أحدٍ؛ تقديره: بخل الذين يبخلون، وإذا كان الفاعل ﴿الَّذِينَ﴾ فالتَّقدير: بخلهم هو خيرًا لهم (﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ﴾) بيان الشَّرِّيَّة، أي: سيصير عذاب بخلهم لازمًا كالطَّوق في أعناقهم (﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) رُوِيَ أنَّه (٣) حيَّةٌ تنهشه من فَرْقه إلى قدمه، وتبقر رأسه (﴿وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾) ما فيهما ممَّا يُتَوارَث ملكٌ له تعالى، فما لهؤلاء يبخلون بملكه ولا ينفقونه في سبيله (٤)؟! والتَّعبير بـ «الميراث» خطابٌ بما نعلم (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]) وسقط لغير أبي (٥) ذرٍّ من قوله: «﴿هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» بالنَّصب. وقال العوفيُّ عن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ: «نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا (٦) بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبيِّنوها» وقيل: في اليهود الذين سُئِلوا أن يُخْبِروا بصفة محمَّدٍ ﷺ عندهم، فبخلوا بذلك وكتموه، فيكون البخل بكتمان العلم، والطَّوق: أن يُجعَل في رقابهم أطواق النَّار، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من سُئِل عن علمٍ فكتمه؛ ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وحسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه الحاكم.

стр. 8264

(﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾) قال البخاريُّ -كأبي عبيدة-: هو (كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) وعند عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ من طريق إبراهيم النَّخعيِّ بإسنادٍ جيدٍ قال: بطَوْقٍ من النَّار. ٤٥٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وبعد النُّون المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ، المروزيُّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم، الملقَّب بقيصر التَّميميَّ يقول: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ آتَاهُ اللهُ) بمدِّ الهمزة، أي: أعطاه الله (مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، أي: صُوِّر له (مَالُهُ) الذي لم يؤدِّ زكاته (شُجَاعًا) قال في «المصابيح»: نُصِب على الحال، أي: حيَّةً (أَقْرَعَ) لا شعر على رأسه؛ لكثرة سُمِّه وطول عمره (لَهُ زَبِيبَتَانِ) بزايٍّ فموحَّدتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، نقطتان سوداوان فوق عينيه، وهو أخبث ما يكون منها (يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو المشدَّدة، أي: يُجعَل طوقًا في عنقه (يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ) (١) بكسر اللَّام والزَّاي بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «بلهزمتيه» بالتَّثنية (يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ) بكسر المعجمة، أي: جانبي فمه (٢) (يَقُولُ) أي: الشُّجاع له (٣): (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) يقول له ذلك تهكُّمًا ويزيده حسرةً (ثُمَّ تَلَا) أي: قرأ ﷺ (هَذِهِ الآيَةَ (٤): ﴿ء وَلَا يَحْسَبَنَّ (٥) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن

стр. 8265

فَضْلِهِ … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ١٨٠]) سقط لأبي ذرٍّ لفظ (١) «إلى آخر» وقال (٢): «الآية». وهذا الحديث سبق في «باب إثم مانع الزَّكاة» في كتابه [خ¦١٤٠٣]. (١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) يعني: اليهود (﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]) باللِّسان والفعل؛ من هجاء الرَّسول ﷺ والطَّعن في الدِّين وإغراء الكفرة على المسلمين، أخبره تعالى بذلك عند مقدمه المدينة قبل وقعة بدرٍ؛ مسلِّيًا له عمَّا يناله من الأذى.

стр. 8266

٤٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) اسم جدِّه حارثة، الكلبيَّ (¬﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ) بفتح القاف وكسر الطَّاء المهملة، كساءٌ غليظٌ (فَدَكِيَّةٍ) بفاءٍ فدالٍ مهملةٍ مفتوحتين، صفتها (١)، منسوبةٌ إلى فَدَك؛ بلدٍ مشهورٍ على مرحلتين من المدينة (وَأَرْدَفَ) بالواو في «اليونينيَّة»، وفي الفرع: «فأردف» (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ) حال كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة، الأنصاريَّ أحد النُّقباء (فِي) منازل (بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) وهم قوم سعدٍ (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وقِيْعة» بكسر القاف بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ (قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) بألفٍ ورفع «ابنُ» صفةً لعبد الله، لا صفةً لأُبيٍّ؛ لأنَّ «سلول» اسم (٢) أمِّ عبد الله غير منصرفٍ (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ) أي: يُظهِر الإسلام (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) ولم يسلم قطُّ (فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، أنواعٌ (مِنَ المُسْلِمِينَ، وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالجرِّ بدلًا (٣) من سابقه (وَاليَهُودِ، وَالمُسْلِمِينَ) بذكر «المسلمين» أوَّلًا وآخرًا، وسقطت الأخيرة من رواية مسلمٍ (وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الرَّاء والواو المخفَّفة والحاء المهملة، ابن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيُّ الأنصاريُّ الشَّاعر، أحد السَّابقين، شهد

стр. 8267

بدرًا واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمانٍ (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بفتح العين وجيمين مخفَّفتين (١)، أي: غبارها و «عجاجةُ» رفع فاعلٍ (خَمَّرَ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم، أي: غطَّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وجهه» (بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا) بالموحَّدة (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ) ناويًا المسلمين، أو قال: السَّلام على من اتَّبع الهدى (ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ) (٢) عن الدَّابَّة (فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ) بالفاء في «اليونينيَّة» وفي الفرع: «وقال» بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ ﷺ : (أَيُّهَا المَرْءُ؛ إِنَّهُ لَا) شيءٌ (أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بفتح الهمزة وفتح السِّين والنُّون «أفعل تفضيل» وهو اسم «لا»، وخبرها «شيءٌ» المقدَّر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لا أُحسِنُ ما تقول» بضمِّ الهمزة (٣) وكسر السِّين وضمِّ النُّون: و «ما» (٤): بميمٍ واحدةٍ (إِنْ كَانَ حَقًّا) شرطٌ قُدِّم جزاؤه (فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ) بالياء قبل النُّون، ولأبي ذرٍّ: «فلا تؤذنا» بحذفها على الأصل في الجزم (فِي مَجْلِسِنَا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «في (٥) مجالسنا»؛ بالجمع (ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ) أي: إلى منزلك (فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ

стр. 8268

عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا بِهِ) بهمزة وصلٍ وفتح الشِّين المعجمة (فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واستبَّ» (المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ) عَطَف اليهود على المشركين وإن كانوا داخلين فيهم؛ تنبيهًا على زيادة شرِّهم (حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) (١) بالمثلَّثة، أي: قاربوا أن يثب بعضهم على بعضٍ فيقتتلوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ) بالخاء والضَّاد المعجمتين، يُسَكِّنهم (حَتَّى سَكَنُوا) بالنُّون، من السُّكون، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي -وقال في «الفتح»: عن الكُشْميهَنيِّ-: «حتَّى سكتوا» بالمثنَّاة الفوقيَّة، من السكوت (ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ (٢) النَّبِيُّ ﷺ : يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟!) بضمِّ الحاء المهملة وتخفيف الموحَّدة الأولى (يُرِيدُ: عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَ) الله (الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ؛ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ: «نزَّل» بإسقاط الهمزة وتشديد الزَّاي (لَقَدِ اصْطَلَحَ) بدلٌ أو عطف بيانٍ، وفي نسخةٍ: «ولقد اصطلح» (أَهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ) بضمِّ الموحَّدة، مصغَّرًا، أي: البُلَيدة، والمراد: المدينة النَّبويَّة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «البَحْرة» بفتح الموحَّدة وسكون المهملة (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) بتاج المُلْك (فَيُعَصِّبُونَهُ بِالعِصَابَةِ) أي: فيعمِّمونه بعمامة الملوك، وقال في «الكواكب»: أي (٣): يجعلونه رئيسًا لهم ويسوِّدونه عليهم، وكان الرَّئيس مُعصَّبًا لِمَا يُعصَّب برأيه من الأمر، وقيل: كان الرُّؤساء يُعصِّبون رؤوسهم بعصابةٍ يُعرَفون بها، وفي بعض النُّسخ: «يعصِّبونه» بغير فاءٍ، فيكون بدلًا من قوله: «على أن يتوَّجوه» والنُّون ثابتةٌ في «فيُعَصِّبونه» ساقطةٌ من «يتوَّجوه» قال في «المصابيح»: ففيه الجمع بين إعمال «أن» وإهمالها في كلامٍ واحدٍ، كما في قوله: أن تقرآن على أَسْمَاءَ وَيْحَكُما … منِّي السَّلامَ وأنْ لا تُشعِرا أَحَدَا

стр. 8269

ولأبي ذرٍّ وحده: «فيُعصِّبوه (١)» بالفاء وحذف النُّون، كذا في غير ما نسخةٍ من المقابل على «اليونينيَّة» المصحَّحة بحضرة إمام النُّحاة في عصره ابن مالكٍ مع جمعٍ من الحفَّاظ، والأصول المعتمدة، وقال الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح»: «ووقع في غير البخاريِّ»: «فيُعصِّبونه» أي: بالنُّون؛ والتَّقدير: فهم يُعصِّبونه، أو: فإذا هم يُعصِّبونه، ولعلَّه لم يقف على رواية الأكثرين بالنُّون (فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللهُ؛ شَرِقَ) ولأبي ذرٍّ: «أعطاك شَرِقَ» (٢) بفتح الشِّين المعجمة وبعد الرَّاء المكسورة قافٌ، أي: غصَّ ابن أُبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ الذي أعطاك الله، وسقط لفظ الجلالة بعد «أعطاك» لدلالة الأولى (فَذَلِكَ) الحقُّ الذي أَتيتَ به (فَعَلَ بِهِ ما رَأَيْتَ) من فِعْله وقوله القبيح (فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عنِ المُشْرِكِيْنَ وَأَهَلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ على الأَذَى، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ (٣) الآيَةَ [آل عمران: ١٨٦]) هذا حديثٌ آخر أورده (٤) ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» عن (٥) السَّابق بسند البخاريِّ، وقال في آخره: «وكان رسول الله ﷺ يتأوَّل في العفو ما أمره الله به حتَّى أذن الله فيهم» فكلُّ من قام بحقٍّ أو أمر بمعروف أو نهى عن منكرٍ؛ فلا بدَّ أن يُؤذَى، فما له دواءٌ إلَّا الصَّبر في الله، والاستعانة به، والرُّجوع إليه (وَقَالَ اللهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [البقرة: ١٠٩]) زاد أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من وجهٍ آخر ما تظهر به المناسبة؛ وهو قوله: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَوَّلُ العَفْوَ) ولأبي ذرٍّ: «في العفو» (مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ (٦)، حَتَّى أَذِنَ اللهُ) له (فِيهِمْ) بالقتال، فتَرَك العفو عنهم؛ أي (٧): بالنِّسبة للقتال، وإلَّا فكم عفا

стр. 8270

عن كثيرٍ من اليهود والمشركين بالمنِّ والفداء وغير ذلك (فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدْرًا فَقَتَلَ اللهُ بِهِ (١) صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) بالصَّاد المهملة، أي: ساداتهم (قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ) عطفهم على المشركين من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ إيمانهم كان أبعد وضلالهم أشدُّ: (هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ) أي: ظهر وجهه (فَبَايَعُوا الرَّسُولَ (٢) ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا) «فبايَعوا» بفتح التَّحتيَّة، بلفظ الماضي، و «الرَّسول»: نصب على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «فبايِعوا»؛ بكسرها، بلفظ الأمر لرسول الله ﷺ ، ولمَّا لم يقف العينيُّ -كابن حجرٍ- على هذه الرِّواية قال (٣): ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «الجهاد» مختصرًا [خ¦٢٩٨٧] وفي «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٤] و «الأدب» [خ¦٦٢٠٧] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٦٣] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٥٤]، ومسلمٌ في «المغازي»، و «النَّسائيُّ» في «الطِّبِّ». (١٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]) سقط «باب» لغير أبي ذرٍّ، والخطاب للنَّبيِّ ﷺ ، والمفعول الأوَّل: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والثَّاني: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾. ٤٥٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم الجمحيُّ مولاهم البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي (٤) كثيرٍ

стр. 8271

المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بتخفيف السِّين المهملة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الغَزْوِ؛ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ) مصدرٌ ميميٌّ، أي: بقعودهم (خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من غزوه إلى المدينة (اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ) عن تخلُّفهم (وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ) آية: (﴿لَا تَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ﴾) بما فعلوا من التَّدليس (﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]) وسقط من قوله: «﴿بِمَا أَتَواْ﴾ … » إلى آخره في رواية غير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد: ﴿يَفْرَحُونَ﴾: «الآيَةَ». وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة». ٤٥٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو (٢) إسحاق الرَّازيُّ الفرَّاء (٣) قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله، وفي «الفرع»: «قال: أخبرني» بالإفراد «ابن أبي مليكة» (أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ (٤) وَقَّاصٍ) اللَّيثيَّ، من أجلِّ التَّابعين، بل قيل: إنَّ له صحبةً (أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص،

стр. 8272

وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة من قِبَل معاوية، ثمَّ وُلِّي الخلافة (قَالَ لِبَوَّابِهِ) لمَّا كان عنده أبو سعيدٍ وزيد بن ثابت ورافع بن خديجٍ، فقال (١): «يا أبا سعيدٍ أرأيت قول الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الاية [آل عمران: ١٨٨] فقال: إنَّ هذا ليس من ذلك، إنَّما ذاك أنَّ ناسًا من المنافقين» وفيه: «فإن كان لهم نصرٌ وفتحٌ؛ حلفوا لهم على سرورهم بذلك؛ ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم» رواه ابن مردويه، فكأنَّ مروان توقَّف في ذلك وأراد زيادة الاستظهار، فقال لبوَّابه: (اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ) له: (لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة، أي: أُعطِيَ (وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ) بضمِّ أوله مبنيًّا للمفعول (بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا) نصب خبر «كان» (لَنُعَذَّبَنَّ) بفتح الذَّال المعجمة المشدَّدة (أَجْمَعُونَ) بالواو؛ لأنَّ كلَّنا يفرح بما أُوتي ويُحبُّ أن يُحمد بما لم يفعل، وفي رواية حجَّاج بن محمد: «أجمعين» على الأصل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) منكرًا عليهم السُّؤال عن ذلك: (وَمَا لَكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «ما لكم» بإسقاط الواو، ولأبي الوقت: «ما لهم» «بالهاء» بدل: «الكاف»، (وَلِهَذِهِ؟!) أي: وللسُّؤال عن هذه المسألة (٢) (إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ) ولأبي ذرٍّ: «يهودًا» بالتَّنوين (فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ) قيل: عن صفته عندهم بإيضاحٍ (فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ)، وفي «الفرع»: «فأخبروه» (بِغَيْرِهِ) أي: بصفته ﵊ في الجملة (فَأَرَوْهُ) بفتح الهمزة والرَّاء (أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ) بفتح الفوقيَّة مبنيًّا للفاعل، أي: طلبوا أن يحمدهم، قال في «الأساس»: استَحْمَد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم (بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ) على الإجمال (فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) بضمِّ الهمزة وسكون الواو، وضمِّ التَّاء الفوقيَّة، أي: أُعطُوا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيّ: «بما أَتَوا»؛ بفتح الهمزة والفوقيَّة من غير واوٍ، أي: بما جاؤوا به (مِنْ كِتْمَانِهِمْ) -بكسر الكاف- للعلم (ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ … [آل عمران: ١٨٧]) أي: العلماء (كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: (يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُوْا)) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿بِمَا أَتَواْ﴾» بلفظ القرآن، أي: جاؤوا (﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]) من الوفاء بالميثاق، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصِّدق.

стр. 8273

(تَابَعَهُ) أي: تابع هشامَ بن يوسف (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) على روايته إيَّاه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك فيما (١) وصله الإسماعيليُّ. قال (٢): (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّدٌ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرِّ: «حدَّثنا» (الحَجَّاجُ) ابن محمَّدٍ المِصِّيصيُّ الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ) ابن الحكم (٣) (بِهَذَا) الحديث، ولم يورد متنه، ولفظ مسلمٍ: «أنَّ مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبَّاسٍ، فقل له … » فذكر نحو حديث هشامٍ عن ابن جريجٍ السَّابق. (١٧) (باب قوله) تعالى: (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾) من الارتفاع (٤) والاتِّساع، وما فيها من الكواكب السَّيارات والثَّوابت وغيرها (﴿وَالأَرْضِ﴾) من الانخفاض والكثافة والاتِّضاع، وما فيها من البحار والجبال والقفار والأشجار والنَّبات والحيوان والمعادن وغيرها (﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾) في الطُّول والقصر وتعاقبهما (﴿لآيَاتٍ﴾) لدلالاتٍ واضحاتٍ على وجود الصَّانع ووحدته وكمال قدرته، واقتصر على هذه الثَّلاثة في هذه الآية؛ لأنَّ مناط الاستدلال هو التَّغيُّر، وهذه معرَّضة (٥) لجملة أنواعه، فإنَّه إنَّما (٦) يكون في ذات الشَّيء كتغيُّر اللَّيل والنَّهار، أو جزئه كتغيُّر العناصر بتبدِّل صورتها، أو الخارج عنه (٧) كتغيُّر (٨) الأفلاك بتبدُّل (٩) أوضاعها، قاله (١٠) في «الأنوار»، وقال

стр. 8274

في «المفاتح» (١) ما حاصله: أنَّ السَّالك إلى الله لا بدَّ له في أوَّل الأمر من تكثير الدَّلائل، وبعد كمال العرفان يميل إلى تقليل الدَّلائل؛ لأنَّ اشتغاله بها كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله تعالى، ثمَّ إنَّه سبحانه حذف هنا الدَّلائل الأرضيَّة واستبقى الدَّلائل السَّماويَّة؛ لأنَّها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشدُّ (﴿لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) لذوي العقول الصَّافية الذين يفتحون بصائرهم للنَّظر والاستدلال والاعتبار، لا ينظرون إليها نظر البهائم؛ غافلين عمَّا (٢) فيها من عجائب مخلوقاته وغرائب مبتدعاته، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ … » إلى آخره، وقالوا: «الآية» بعد قوله: ﴿وَالأَرْضِ﴾. ٤٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثير (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بتُّ في بيت ميمونة» (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) رفع صفةً للثُّلث، وفي «كتاب الوتر» من طريق مخرمة بن سليمان عن كُرَيبٍ [خ¦٩٩٢]: «فنام حتَّى انتصف اللَّيل أو قريبًا منه» فلعلَّه قام مرَّتين (قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) العشر الآيات إلى آخرها (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (فَتَوَضَّأَ) زاد في «الوتر»: فأحسن الوضوء (وَاسْتَنَّ) أي:

стр. 8275

استاك (فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وهي أكثر الوتر عند الشَّافعيَّة، كما مرَّ في موضعه بمباحثه [خ¦٩٩٤] (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ) للصُّبح (فَصَلَّى) النَّبيُّ ﷺ (رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الصُّبح في بيته (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) زاد في نسخةٍ: «بالنَّاس». (١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ﴾) في موضع جرٍّ نعتٌ لـ ﴿أَوْلَى﴾ أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين يذكرون الله حال كونهم (﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾) أي: يداومون على الذِّكر بألسنتهم وقلوبهم؛ لأنَّ الشَّخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلُّون على الهيئات الثَّلاث حسب طاقتهم؛ لحديث عمران بن حُصَينٍ المرويِّ في «البخاريِّ» [خ¦١١١٧] و «التِّرمذيِّ» وغيرهما: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ» قال في «الأنوار»: وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ﵁ في أنَّ المريض يصلِّي مضطجعًا على جنبه الأيمن، مستقبلًا بمقاديم بدنه، وقيل: الأوَّلان في الصَّلاة، والثَّالثة عند النَّوم، وقيل: إنَّه القيام بأوامره، والقعود عن زواجره، والاجتناب عن مخالفته (﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]) الفكر: هو إعمال الخاطر في الشَّيء وتردُّد القلب فيه، وهو قوَّةٌ مُطرِقةٌ للعلم إلى المعلوم، والتَّفكُّر: جريان تلك القوَّة بحسب نظر العقل، ولا يمكن التَّفكُّر إلَّا فيما له صورةٌ في القلب؛ ولذا قيل: تفكَّروا في آلاء الله ولا تتفكَّروا (١) في الله؛ إذ كان الله منزهًا عن أن يوصف بصورةٍ؛ ولذا أخبر تعالى عن هؤلاء بأنَّهم تفكَّروا (٢) في خلق السَّموات والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبدعات؛ ليدلَّهم ذلك على كمال قدرته، ودلائل التَّوحيد منحصرةٌ في الآفاق والأنفس، ودلائل الآفاق أعظم؛ قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] فلذا أمر بالفكر في خلق السَّموات والأرض، لأنَّ دلائلهما (٣) أعظم، فإنَّه إذا فكَّر

стр. 8276

الإنسان في أصغر ورقةٍ من الشَّجر؛ رأى عرقًا واحدًا ممتدًا في (١) وسطها، يتشعَّب منه عروقٌ كثيرةٌ إلى الجانبين، ثمَّ يتشعَّب من كلِّ عرقٍ عروقٌ دقيقةٌ، ولا يزال كذلك حتَّى لا يراه الحسُّ، فيعلم أنَّ الخالق خلق فيها قوًى جاذبةً لغذائها من قعر الأرض، يتوَزَّع في كلِّ جزءٍ من أجزائها بتقدير العزيز العليم، فإذا تأمَّل ذلك؛ عَلِم عجزه عن الوقوف على كيفيَّة خلقها وما فيها من العجائب، فالفكرة (٢) تُذهِب الغفلة وتُحدِث للقلب الخشية؛ كما يُحدِثُ الماءُ للزَّرع النَّماء، وما جُلِيت (٣) القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وقال بعضهم: قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هو من جعل الجرم محلًّا لتعلُّق المعنى، جَعَل الأجرام محلًّا لتعلُّق (٤) الفكر لا لنفس الفكر؛ لأنَّ الفكر قائمٌ بالمتفكِّر (٥)، ومنه: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] جعل السَّموات والأرض والمخلوقات كلَّها محلًّا لتعلِّق النَّظر لا لنفس النَّظر، فإنَّ النَّظر قائمٌ بالنَّاظر حالٌّ فيه، ومنه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] أي: في خلق أنفسهم، وهذا كلُّه من مجاز التَّشبيه، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» وقوله: «﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد: ﴿جُنُوبِهِمْ﴾: «الآية». ٤٥٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بفتح

стр. 8277

الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال وتشديد التَّحتيَّة، ابن حسَّان العنبريُّ مولاهم، أبو سعيدٍ البصريُّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الإمام الأعظم (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) الأسديِّ الوالِبِيِّ -بكسر اللَّام والموحَّدة- المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَطُرِحَتْ) بضمِّ الطَّاء وكسر الرَّاء مبنيًّا للمفعول (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وِسَادَةٌ) رفعٌ (١) نائبٌ عن الفاعل (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طُولِهَا) أي: وابن عبَّاسٍ في عرضها، قال ابن عبد البرِّ: فكان ابن عبَّاسٍ مضطجعًا عند رجل رسول الله ﷺ أو عند رأسه (فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ) فيه حذفٌ، ذكره في الرِّواية الأخرى من «الوتر» [خ¦٩٩٢]: «فنام حتَّى انتصف اللَّيل أو قريبًا منه، فاستيقظ يمسح النَّوم» أي: أَثَره (عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ) ولأبي ذرِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقرأ» (الآيَاتِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ) سورة (آلِ عِمْرَانَ) التي أوَّلها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (حَتَّى خَتَمَ) العشر (ثُمَّ أَتَى شَنًّا) بفتح الشِّين المعجمة وتشديد النُّون: قِرْبةً عتقت من الاستعمال، ولأبي ذرِّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سقاءً» (مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ) منه لتجديد الطَّهارة لا للنَّوم (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) قال ابن عبَّاسٍ: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) ﷺ من الوضوء وغيره (ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ

стр. 8278

يَدَهُ) زاد في «باب الوتر» كالرِّواية الآتية: «اليمنى» [خ¦٤٥٧١] (عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، أي: يدلكها لينتبه (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ستَّ مراتٍ باثنتي عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ؛ فهي ثلاث عشرة ركعةً يسلِّم بين كلِّ ركعتين. (١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿رَبَّنَا﴾) يعني: يتفكَّرون في خلق السَّموات والأرض حال كونهم قائلين: ﴿رَبَّنَا﴾ (﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾) أي: أهنته وأذللته، أو أهلكته، أو فضحته وأبلغت في إخزائه، والخزي: ضربٌ من الاستخفاف، أو انكسار يلحق الإنسان؛ وهو الحياء المفرط، وقد تمسَّك المعتزلة بهذا على أنَّ صاحب الكبيرة غير مؤمنٍ؛ لأنَّه إذا دخل النَّار؛ فقد أخزاه الله، والمؤمن لا يُخزَى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] فوجب أنَّ من يدخل النَّار لا يكون مؤمنًا، وأجيب بأنَّ الخزي فُسِّر بوجوهٍ من المعاني، فلِمَ لا يجوز أن يراد في كلِّ صورةٍ معنًى؛ مثلًا: في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: لا يُهلكِهم، وفي الأوَّل يريد: الإهانة، والحاصل: أنَّ لفظ الإخزاء مشتركٌ بين الإهلاك والتَّخجيل، واللَّفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق النَّفي والإثبات على معنييه جميعًا، وحينئذٍ يسقط الاستدلال به (١) (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]) ينصرونهم يوم القيامة، ووُضِع المُظهَرُ موضع المضمَر؛ للدَّلالة على أنَّ ظلمهم سببٌ لإدخالهم النَّار وانقطاع النُّصرة عنهم في الخلاص منها، وقول الزَّمخشريِّ -إنَّه إعلامٌ بأنَّ من يدخل النَّار فلا ناصر له بشفاعةٍ ولا غيرها؛ بناءً على مذهب المعتزلة في نفي الشَّفاعة- أجاب عنه القاضي: بأنَّه لا يلزم من نفي النُّصرة نفي الشَّفاعة؛ لأنَّ النُّصرة دفعٌ بقهرٍ، وسقط لأبي ذرِّ قوله: «﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾».

стр. 8279

٤٥٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بفتح الميم وسكون العين (١)، ابن يحيى القزَّاز المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ولأبي ذرِّ: «عن مالكٍ» (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) الوالِبِيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ (٢) بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ولأبي ذرٍّ: «مولى ابن عبَّاسٍ أنَّ ابن عبَّاسٍ» (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ) أخت أمِّه لُبابة (قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ) أي: أثره (عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ) جمع: خاتمةٍ (مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) أُنِّث باعتبار القِرْبة (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا) تجديدًا للوضوء، لا أنَّ وضوءه بطل بالنَّوم، أو أنَّه ﷺ أحسَّ بحدوث الحدث فتوضَّأ له، كما أنَّه (٤) أحسَّ ببقاء الطَّهارة؛ حيث استيقظ وصلَّى ولم يتوضَّأ؛ كما رُوِي (فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) بأن أتى به تامًّا بمندوباته، ولا ينافي التَّخفيف (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) قال ابن عبَّاس: (فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) أجمع أو غالبه (ثُمَّ ذَهَبْتُ

стр. 8280

فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى) ولغير أبي ذرٍّ والأصيلي: «وأخذ بأذني (١) بيده اليمنى» قال في «الفتح»: وهو وهمٌ، والصَّواب الأولى (يَفْتِلُهَا) يدلكها، أي: لينتبه (٢) من بقيَّة نومه، ويستحضر أفعال الرَّسول ﷺ ، والجملة حاليَّةٌ من الأحوال المقدَّرة، وفيه: أنَّ الفعل القليل غير مبطلٍ للصَّلاة (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ (٣) رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) ستَّ مرَّاتٍ (ثُمَّ أَوْتَرَ) فتتامَّت صلاته ثلاث عشرة ركعةً (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ) بلالٌ (فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنَّة الصُّبح (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بالنَّاس. وهذه طريقٌ (٤) أخرى لحديث ابن عبَّاسٍ، وليس فيها إلَّا تغيير (٥) شيخ شيخ (٦) البخاريِّ، والسِّياق هنا أتمُّ. (٢٠) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا (٨)﴾) هو محمَّد ﷺ ؛ قال الله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] وقيل: القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] فكأنَّه يدعو إلى نفسه، و «سمع» إِنْ دخلت على ما يصحُّ أن يُسمَع؛ نحو: سمعت كلامك وقراءتك تعدَّت لواحدٍ، وإن دخلت على ما لا يصحُّ سماعه بأن كان ذاتًا فلا يصحُّ الاقتصار عليه وحده، بل لا بدَّ من الدَّلالة على شيءٍ يُسمَع؛ نحو: سمعت رجلًا يقول كذا،

стр. 8281

وللنحاة في هذه المسألة قولان؛ أحدهما: أن تتعدَّى فيه أيضًا إلى مفعولٍ واحدٍ، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفةٌ إن كان قبلها نكرةً، وحالٌ إن كان معرفةً، والثَّاني: قول الفارسيِّ وجماعةٍ: تتعدَّى لاثنين؛ الجملة في محلِّ (١) الثَّاني منهما، فعلى قول الجمهور: يكون ﴿يُنَادِي﴾ (٢) في محلِّ نصبٍ؛ لأنَّه صفةٌ لمنصوبٍ قبله، وعلى قول الفارسيِّ: يكون في محلِّ نصب (٣) مفعولٍ ثانٍ، وقال (٤) الزَّمخشريُّ: تقول: سمعت رجلًا يقول كذا، وسمعت زيدًا (٥) يتكلَّم، فتُوقِعْ (٦) الفعل على الرَّجل وتحذف المسموع؛ لأنَّك وَصَفْتَه بما يُسمَع، أو جعلته حالًا منه (٧) فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال؛ لم يكن منه بدٌّ، وأن يقال: سمعت كلام فلانٍ (٨) أو قوله، وذِكْرُ المنادي مع قوله: (﴿يُنَادِي﴾) تفخيمٌ لشأن المنادي (٩)، ولأنَّه إذا أُطلِق؛ ذهب الوهم إلى منادٍ للحرب أو لإغاثة المكروب وغيرهما، واللَّام في (﴿لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]) بمعنى «إلى» أو بمعنى «الباء»، ومفعول ﴿يُنَادِي﴾ محذوفٌ، أي: النَّاس، ويجوز ألَّا يُزَاد مفعولٌ، نحو: ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤] (الآيَةَ) نُصِب بفعلٍ مقدَّرٍ مناسبٍ.

стр. 8282

٤٥٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة، وسقط لأبي ذرٍّ «بن سعيدٍ» (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) الوالِبِيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ؛ اسْتَيْقَظَ) ولأبي ذرِّ: «ثمَّ استيقظ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَعلَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فجلس» (١) (يَمْسَحُ النَّوْمَ) أي: أثره (عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِه) بالإفراد (ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) زاد في بعض طرق «الصَّحيح» [خ¦٦٣١٦] وهو عند ابن مردويه، ولفظ مسلمٍ: وكان في دعائه (٢): «اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وعظِّم (٣) لي نورًا»، قال كُرَيبٌ: «وسبعًا (٤) في التَّابوت، فلقيت بعض ولد العبَّاس فحدَّثني بهنَّ، فذكر: عصبي ولحمي ودمي وشعري وبشري» وزاد في أخرى: «وفي (٥) لساني نورًا» وفي أخرى: «واجعلني نورًا»، وفي أخرى: «واجعل في نفسي نورًا»، وكان باعثه على هذا وعلى الصَّلاة قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] لأنَّ الفاء الفصيحة تقتضي مقدَّرًا يرتبط معها؛ تقديره: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ بل خلقته للدَّلالة على معرفتك، ومن عرفك

стр. 8283

يجب عليه أداء طاعتك واجتناب معصيتك؛ ليفوز بدخول (١) جنتك ويتوقَّى به من عذاب نارك، ونحن قد عرفناك وأدَّينا طاعتك واجتنبنا معصيتك فقنا عذاب النَّار برحمتك، وتحريره: أنَّه ﷺ لمَّا تفكَّر في عجائب المُلْك والملكوت، وعرج إلى عالم الجبروت حتَّى انتهى إلى سرادقات الجلال؛ فُتِح لسانه بالذِّكر، ثمَّ أُتبِع بدنه وروحه بالتَّأهُّب والوقوف في مقام التَّناجي والدُّعاء، ومعنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا: أن يتحلَّى بأنوار المعرفة والطَّاعة، ويتعرَّى عن ظلمة الجهالة والمعصية؛ لأنَّ الإنسان ذو سهوٍ وطغيانٍ، رأى أنَّه قد أحاطت به ظلمات الجِبِلَّة مُعْتَوِرَةً عليه من فرقه إلى قدمه، والأدخنة الثَّائرة من نيران الشَّهوات من جوانبه، ورأى الشَّيطان يأتيه من الجهات السِّتِّ بوساوسه وشبهاته، ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ، فلم يرَ للتَّخلُّص منها مساغًا إلَّا بأنوارٍ سادَّةٍ لتلك الجهات، فسأل الله أن يمدَّه بها ليستأصل شأفة (٢) تلك الظُّلمات؛ إرشادًا للأمَّة وتعليمًا لهم، قاله في «شرح المشكاة» (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) وفي روايةٍ لمسلمٍ: «ثمَّ عدل إلى شَجْبٍ من ماءٍ» وهو السِّقاء الذي أخلق (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) وفي روايةٍ [خ¦٦٩٨]: «فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه» (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) فهي اثنتا عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ (ثُمَّ اضْطَجَعَ) زاد في «مسلمٍ»: «فنام حتَّى نفخ وكان إذا نام نفخ» (حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنَّة الفجر من غير أن يتوضَّأ (ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى) بأصحابه (الصُّبْحَ) (٣).

стр. 8284

(((٤))) (سورة النِّسَاءِ) مدنيَّةٌ، زاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» والمُستملي والكُشْميهَنيِّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ من طريق ابن جريجٍ (١) عن عطاءٍ عنه: (﴿يَسْتَنكِفَ﴾) يريد: تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء: ١٧٢]: معناه: (يَسْتَكْبِرُ) فالعطف للتَّفسير، أي: يأنف. وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتمٍ عن عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((قِوَامًا): قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ) بكسر القاف وبعدها واوٌ، والتِّلاوة بالياء التَّحتيَّة؛ إذ مراده: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥] قيل: لم يقصد المؤلِّف بها التَّلاوة، بل حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة: ﴿قِيَاماً﴾ و «قِوامًا» بمنزلةٍ واحدةٍ، تقول: هذا قِوامُ أمرك وقيامُه، أي: ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو، فأبدلوها بكسرة القاف، ونُقِل أنَّها بالواو قراءة ابن عمر ﵄. وقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ﴾ (﴿لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] يَعْنِي: الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالجَلْدَ لِلْبِكْرِ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله عبد بن حميدٍ بإسنادٍ صحيحٍ، وكان الحكم في ابتداء الإسلام أنَّ المرأة إذا زنت، وثبت زناها حُبِسَت في بيتٍ حتَّى تموت. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ ﵄، وسقط قوله: «وقال غيره» لأبي ذرٍّ، وسقطت الجملة كلُّها من قوله: «قال ابن عبَّاسٍ … » إلى هنا من رواية الحَمُّويي (﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾) ﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] قال أبو عبيدة: (يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تُجَاوِزُ العَرَبُ رُبَاعَ) اختُلِف في هذه الألفاظ؛

стр. 8285

هل يجوز فيها القياس أو يُقتَصر فيها على السَّماع؟ فذهب البصريُّون إلى الثَّاني، والكوفيُّون إلى الأوَّل، والمسموع من ذلك أحد عشر لفظًا: أُحاد ومَوحَد، وثُناء ومَثنَى، وثُلاث ومَثلَث، ورُباع ومَرْبع، وخُماس (١) ومَخمَس، وعُشار ومَعشر، لكن قال ابن الحاجب: هل يقال: خُماس ومَخمَس … إلى عُشار ومَعشر؟ فيه خلافٌ، والأصحُّ: أنَّه (٢) لم (٣) يثبت، وهذا هو الذي اختاره المؤلِّف، وجمهور النُّحاة على منع صرفها، وأجاز الفرَّاء صرفها وإن كان المنع عنده أولى، ومنع الصَّرف للعدل والوصف؛ لأنَّها معدولةٌ عن صيغةٍ إلى صيغةٍ؛ وذلك أنَّها معدولةٌ عن عددٍ مكرَّرٍ (٤)، فإذا قلت: جاء القوم أُحاد أو مَوحَد، أو ثُلاث أو مَثلَث؛ كان بمنزلة قولك: جاؤوا واحدًا واحدًا وثلاثةً ثلاثةً، ولا يراد بالعدول (٥) عنه التَّوكيد، إنَّما يراد به تكرير العدد، كقوله: علَّمته الحساب بابًا بابًا، أو للعدل والتَّعريف، أو لعدلها عن عددٍ مكرَّرٍ وعدلها (٦) عن التَّأنيث، أو لتكرُّر (٧) العدل … أقوالٌ، وقول البخاريِّ: «يعني: اثنتين وثلاثًا وأربعًا» ليس معناه ذلك، بل معناه: المكرَّر؛ نحو: اثنتين اثنتين، وإنَّما تركه اعتمادًا على الشُّهرة، أو أنَّه عنده ليس بمعنى التَّكرار. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) ألَّا تعدلوا، من أقسط، و «لا» نافيةٌ، أي: وإن حذرتم عدم الإقساط، أي: العدل (﴿فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]) وقُرِئ: (تَقْسِطوا)، بفتح التَّاء من قَسَط، وهو بمعنى: جَارَ، على المشهور في أنَّ الرُّباعيَّ بمعنى: عدل، والثُّلاثيَّ بمعنى: جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلب؛ فمعنى أقسط: أزال القَسْط وهو الجور، و «لا»: على هذا زائدةٌ ليس إلَّا، وإلَّا يفسد المعنى، كهي في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] وحكى الزَّجَّاج: أنَّ «قسط» الثُّلاثيَّ يُستَعمل استعمال الرُّباعيِّ، وعلى هذا: فتكون «لا» غير زائدةٍ، كهي في الأولى، وجواب

стр. 8286

الشَّرط في: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾: ﴿فَانكِحُواْ﴾ أو ﴿فَوَاحِدَةً﴾ وثبت الباب وتاليه لأبي ذرٍّ (١). ٤٥٧٣ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ) أي: عنده (يَتِيمَةٌ) مات أبوها (فَنَكَحَهَا) أي: تزوَّجها (وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ) بفتح العين المهملة وسكون الذَّال المعجمة آخره قافٌ، أي: نخلةٌ (وَكَانَ) الرَّجل (يُمْسِكُهَا) أي: اليتيمة (عَلَيْهِ) أي: لأجله، فـ «على» هنا تعليليَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فيمسكها عليه» (وَلَمْ يَكُنْ لَهَا) لليتيمة (مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]) قال هشام بن يوسف: (أَحْسِبُهُ) أي: عروة (قَالَ: كَانَتْ) أي: اليتيمة (شَرِيكَتَهُ) أي: الرَّجل (فِي ذَلِكَ العَذْقِ وَفِي مَالِهِ) وقوله: «إنَّ رجلًا كانت له يتيمةٌ» يُوهِم أنَّها نزلت في شخصٍ معيَّنٍ،

стр. 8287

والمعروف عن هشام بن عروة التَّعميم، ووقع عند الإسماعيليِّ كذلك، ولفظه: «أُنزِلَت في الرَّجل تكون عنده اليتيمة» وكذا في الرِّواية اللَّاحقة من طريق ابن شهابٍ (١) عن عروة [خ¦٤٥٧٤] وقضيَّة العذق في التي يرغب عن نكاحها، وأمَّا التي يرغب في نكاحها؛ فهي التي يعجبه مالها وجمالها، فلا يزوِّجها لغيره، ويريد أن يتزوَّجها بدون صداق مثلها. ٤٥٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (عَنْ) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] فَقَالَتْ) عائشة له: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء، ولأبي الوقت: «يا بن أخي» (هَذِهِ اليَتِيمَةُ) التي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) القائم بأمورها (تَشْرَكُهُ) بفتح التَّاء والرَّاء، وفي نسخةٍ: «تُشرِكه» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ (فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ) أن يعدل (فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ) هو معطوفٌ على معمول «بغير» يعني (٢): يريد أن يتزوَّجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره؛ أي (٣):

стр. 8288

ممَّن يرغب في نكاحها، ويدلُّ على ذلك قوله: (فَنُهُوا) بضمِّ النُّون والهاء (عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) ولأبي ذرٍّ: «عن ذلك» أي: عن ترك الإقساط (إِلَّا أَنْ (١) يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ) باللَّام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بهنَّ» (أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ) أي: طريقتهن (فِي الصَّدَاقِ) وعادتهنَّ في ذلك (فَأُمِرُوا) بالفاء (أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ) ما حلَّ (لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) أي: سوى اليتامى من النِّساء، وقد تقررَّ أنَّ «ما» لا تُستعَمل في ذوي العقول، واستعملها هنا لهنَّ (٢)؛ ذهابًا إلى الصِّفة، كأنَّه قيل: النَّوع الطَّيِّب من النِّساء، أي: الحلال أو المشتَهَى، والثَّاني أرجح لاقتضاء المقام، ولأنَّ الأمر بالنِّكاح لا يكون إلَّا في الحلال، فوجب الحمل على شيءٍ آخر، أو إجراءً (٣) لهنَّ مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهنَّ، كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق: (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) طلبوا منه الفتيا في أمر النِّساء (بَعْدَ) نزول (هَذِهِ الآيَةِ) وهي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ … ﴾ إلى ﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾) الآية [النساء: ١٢٧] (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) كذا في رواية صالح، وليس ذلك في آيةٍ (٤) أخرى بل هو في نفس الآية، وعند مسلمٍ والنَّسائيِّ -واللَّفظ له- من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ (٥) عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع: فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ فذكر الله أنَّه (٦) يُتلَى عليكم في الكتاب الآية الأولى؛ وهي قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قال في «الفتح»: فظهر أنَّه سقط من رواية البخاريِّ شيءٌ (رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ) بأن لم (٧) يردها (حِينَ تَكُونُ) أي: اليتيمة (قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، قَالَتْ) عائشة:

стр. 8289

(فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ) بفتح التَّحتيَّة، وللأصيليِّ بضمِّها وإسقاط «عن» (فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ) بالعدل (مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ المَالِ وَالجَمَالِ) فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل. وسبق في هذا الحديث في «الشَّركة» في «باب شركة اليتيم» [خ¦٢٤٩٤]. (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ﴾) من مال اليتامى (﴿بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾) بعد بلوغهم وإيناس رشدهم (﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾) ندبًا بأنَّهم (١) قبضوها؛ لئلَّا يُقدِموا على الدَّعوى الكاذبة، ولأنَّه أنفى للتُّهمة (﴿وَكَفَى بِاللّهِ﴾) حال كونه (﴿حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]) أي: محاسبًا، فلا تُخالِفوا ما أُمِرتُم، ولا تَتَجاوزوا ما حُدَّ لكم، وسقط لفظ «باب (٢)» لأبي ذرٍّ، ولغيره: «﴿وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا﴾ (٣)» وقالوا (٤) بَعْدَ: ﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾: «الآيَةَ». (﴿وَبِدَارًا﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَبِدَارًا﴾» يريد: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أ﴾ [النساء: ٦] أي: (مُبَادَرَةً) قبل بلوغهم من غير حاجةٍ (﴿أَعْتَدْنَا﴾) يريد: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٥)﴾ [النساء: ١٨] قال أبو عبيدة أي: (أَعْدَدْنَا: أَفْعَلْنَا) في الفرع كأصله (٦) (مِنَ العَتَادِ) بفتح العين (٧)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «اعتددنا افتعلنا» ونُظِّر فوقها (٨).

стр. 8290

٤٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ، كما جزم به المزِّيُّ كخَلَفٍ، وقيل: هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ﴾) من الأولياء (﴿غَنِيًّا﴾) عن مال اليتيم (﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾) عنه ولا يأكل منه شيئًا (﴿وَمَن كَانَ﴾) منهم (﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أَنَّهَا (٢) نَزَلَتْ فِي مَالِ اليَتِيمِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «في والي اليتيم» (إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ) بقدر حاجته؛ بحيث لا يتجاوز أجرة المثل، ولا يَردُّ (٣) إذا أيسر على الصَّحيح عند الشَّافعيَّة، وقيل: يأخذ بالقرض؛ لِمَا رُوِي عن ابن عبَّاسٍ (٤) وغيره نظيره، وعن ابن عبَّاسٍ: يأكل من ماله بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقيل: لا يأكل وإن كان فقيرًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] وأجيب بأنَّه عامٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ عليه، لا سيَّما وفي قيد الظُّلم إشعارٌ به، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعرٌ أيضًا به، وفي حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مالٌ ولي يتيمٌ، فقال: «كُلْ من مال يتيمك غير مسرفٍ ولا مبذِّرٍ ولا متأثِّل مالًا» رواه أحمد وغيره، وقوله: «غير متأثِّلٍ» أي: غير جامعٍ، يقال: مالٌ مؤثَّلٌ، أي: مجموعٌ ذو أصلٍ، وأَثْلَةُ الشَّيءِ: أصلُه. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾) للتَّركات (﴿أُوْلُواْ الْقُرْبَى

стр. 8291

وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾) ممَّن لا يرث (﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨]) من (١) متروك الوالدين والأقربين؛ تطييبًا لقلوبهم وتصدُّقًا عليهم، وقيل: يعود الضَّمير إلى الميراث، وفي أكثر النُّسخ -وهو في الفرع كأصله-: «﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآيَةَ» وحُذِف: ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ وهو أمر ندبٍ للبُلَّغ (٢) من الورثة، وقيل: أمر وجوبٍ، وكان في ابتداء الإسلام، ثمَّ اختُلِف في نسخه؛ فقيل: بآية المواريث، فألحق الله لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وصارت الوصيَّة من ماله؛ يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء، وهذا مذهب جمهور الفقهاء؛ الأئمَّة الأربعة وأصحابهم، وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الآية محكمةٌ غير منسوخةٍ. ٤٥٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء مصغَّرًا (٣)، القرشيُّ الكوفيُّ الطُّريثيثيُّ -بضمِّ الطَّاء المهملة وراءٍ ومثلَّثتين مصغَّرًا- صهر عبيد الله بن موسى، يلقَّب بدَارِ أمِّ سلمة لجمعه حديثها وتتبعُّه له، وفي «كامل ابن عديٍّ»: أنَّه كان له اتِّصال بأمِّ (٤) سلمة زوج السَّفاح الخليفة، فلُقِّب بذلك، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بن عبيد (٥) الرَّحمن (الأَشْجَعِيُّ (٦)) الكوفيُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة، أبي (٧) إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 8292

رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) في قوله تعالى: (﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ (١)) تفسيرٌ للمحكمة. (تَابَعَهُ) أي: تابع عكرمة (سَعِيدٌ) هو ابن جبيرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٩] بلفظ: «إنَّ ناسًا يزعمون أنَّ هذه الآية نُسِخت، ولا (٢) والله ما نُسِخت، ولكنَّها ممَّا تهاون النَّاس بها، هما واليان؛ والٍ يَرِث؛ وذلك الذي يَرزُق، ووالٍ لا يَرِث؛ وذلك الذي يقال له بالمعروف، يقول (٣): لا أملك لك أن أُعطيَك» وجاء عن ابن عبَّاسٍ رواياتٍ أُخرَ ضعيفةٍ عند ابن أبي حاتمٍ وابن مردويه: أنَّها منسوخةٌ. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين كذا (٤) لأبي ذرٍّ، وله (٥) عن المُستملي: «بابُ قولِه» بالإضافة: (﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾) يأمركم ويفرض لكم (﴿فِي﴾) شأن ميراث (﴿أَوْلَادِكُمْ﴾) العدلَ، فإنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يجعلون جميع الميراث للذُّكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتَّسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصِّنفين فجعل ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وذلك لاحتياج الرَّجل إلى مؤونة النَّفقة والكلفة، واستنبط بعضهم من الآية: أنَّ الله تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده؛ حيث وصَّى الوالدين بأولادهم، وثبت «﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾» لأبي ذرٍّ. ٤٥٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرِّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) التَّميميُّ الفرَّاء الرَّازيُّ

стр. 8293

الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ مُنْكَدِرٍ) محمَّدٌ، ولأبي ذرٍّ: «ابن المنكدر» بالتَّعريف (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه من مرضٍ (فِي بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللَّام، قوم جابرٍ، بطنٍ من الخزرج، حال كونهما (ماشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لَا أَعْقِلُ) أي لا أفهم، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «شيئًا» وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣٠٩]: «فأتاني وقد أُغمِي عليَّ» (فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ) أي: نفس الماء الذي توضَّأ به (فَأَفَقْتُ) من الإغماء (فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟) وفي رواية شعبة عن محمَّد بن المنكدر عند المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦١٩٤]: «فقلت: يا رسول الله لمن الميراث؟ إنَّما يرثني كلالةٌ» (فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]) كذا لابن جريجٍ، قال الدِّمياطي: وهو وهمٌ، والذي نزل في جابرٍ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] كذا رواه شعبة والثَّوريُّ عن ابن المنكدر، ويؤيِّده ما في بعض طرقه من قول جابرٍ: «إنَّما يرثني كلالةٌ» والكلالة: من (١) لا والدَ له ولا ولدَ، ولم يكن لجابرٍ حينئذٍ ولدٌ ولا والدٌ. انتهى. وفي «مسلمٍ» عن عمرٍو النَّاقد، و «النَّسائيِّ» عن محمَّد بن منصورٍ؛ كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر: «حتَّى نزلت عليه آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾» وقد ساق البخاريُّ حديث جابرٍ عن قتيبة عن ابن عيينة في أوَّل «كتاب الفرائض» [خ¦٦٧٢٣] وفي آخره: «حتَّى نزلت آية الميراث» ولم يذكر ما زاده النَّاقد، قال في «الفتح»: فأَشَعَر بأنَّ الزِّيادة عنده (٢) مُدْرجةٌ (٣) من كلام ابن عيينة، ولم ينفرد ابن جريجٍ بتعيين الآية المذكورة، فقد ذكرها ابن عيينة على الاختلاف عنه، والحاصل: أنَّ المحفوظ عن ابن المنكدر أنَّه قال: آية الميراث، أو: آية الفرائض، والظَّاهر (٤) أنَّها: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾ كما صرَّح به في رواية ابن جريجٍ ومن تابعه،

стр. 8294

وأمَّا من قال إنَّها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدته أنَّ جابرًا لم يكن له حينئذٍ ولدٌ، وإنَّما كان يُورَث كلالةً، فكان المناسب لقصَّته نزول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لكنْ ليس ذلك بلازمٍ؛ لأنَّ الكلالة اختُلِف في تفسيرها، فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميِّت، وقيل: اسم الإرث، فلمَّا لم يتعيَّن تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد؛ لم يصحَّ الاستدلال؛ لأنَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدَّةٍ في ورثة سعد بن الرَّبيع، وكان قُتِل يوم أُحُدٍ وخلَّف ابنتين وأمَّهما وأخاه، فأخذ الأخ المال فنزلت، وبه احتجَّ من قال: إنَّها لم تنزل في قصَّة جابرٍ، وإنَّما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الرَّبيع، وليس ذلك بلازمٍ؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا؛ فقد ظهر أن ابن جريجٍ لم يَهِمْ، والله أعلم. وهذا الحديث قد سبق في «الطَّهارة» [خ¦١٩٤]. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، كذا لأبي ذرٍّ، وله (١) عن المُستملي: «بابُ قولِه» بالإضافة: (﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾) ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] وارثٌ من بطنها، أو من صلب بنيها، أو بني بنيها وإن سفل، ذكرًا كان أو أنثى، منكم أو من غيركم. ٤٥٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ وَرْقَاءَ) ابن عمر اليشكريِّ، وقيل: الشَّيبانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) اسمه: عبد الله، وأبو نَجِيحٍ -بفتح النُّون وكسر الجيم آخره مهملةٌ- اسمه يسارٌ؛ ضدُّ اليمين (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ) أي: مال الشَّخص إذا مات لولده (وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) واجبةً على ما يراه

стр. 8295

الموصي من المساواة والتَّفضيل (فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) بآية المواريث (فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ) من الأولاد (مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ) إن كان للميِّت ولدٌ (١) ذكرٌ أو أنثى (وَالثُّلُثَ) إن لم يكن له ولدٌ (وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ) أي: الزَّوجة (الثُّمُنَ) مع الولد (وَالرُّبُعَ) مع عدمه (وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ) مع عدم الولد (وَالرُّبُعَ) عند وجوده. وهذا الحديث قد مرَّ في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٧]. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا﴾) ﴿أَن تَرِثُواْ﴾: في موضع رفعٍ على الفاعليَّة بـ ﴿يَحِلُّ﴾ أي: لا يحلُّ لكم إرث النِّساء و ﴿النِّسَاء﴾: مفعولٌ به، إمَّا على حذف مضافٍ، أي: أن ترثوا أموال النِّساء، والخطاب للأزواج؛ لأنَّه رُوي: «أنَّ الرَّجل كان إذا لم يكن له في المرأة غرضٌ؛ أمسكها حتَّى تموتَ، فيرثَها، أو تفتدي بمالها إن لم تمت» وإمَّا من غير حذفٍ؛ على معنى: أن يَكُنَّ بمعنى الشَّيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميِّت، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، و ﴿كَرْهًا﴾: في موضع نصبٍ على الحال من ﴿النِّسَاء﴾ أي: ترثوهنَّ كارهاتٍ أو مُكرَهاتٍ (﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) جزمٌ بـ ﴿لَا﴾ النَّاهية، أو نصبٌ عطفٌ على ﴿أَن تَرِثُواْ﴾ و ﴿لَا﴾: لتأكيد النَّفي، وفي الكلام حذفٌ، أي: لا تعضلوهنَّ من النِّكاح؛ إن كان الخطاب للأولياء، أو (٢) لا تعضلوهنَّ من الطَّلاق إن كان الخطاب (٣) للأزواج (﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ﴾) اللَّام متعلِّقة بـ ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والباء للتَّعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة، فالجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال ويتعلَّق بمحذوفٍ، أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض (﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] الآيَةَ (٤)) و ﴿مَا﴾: موصولةٌ بمعنى: الذي، أو نكرةٌ موصوفةٌ، وعلى التَّقديرين فالعائد محذوفٌ،

стр. 8296

وسقط «﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ … إلى ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾» لغير أبي ذرٍّ، وقالوا: «الآية» (١). (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ: (﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) أي: (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) بالقاف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لا تنتهروهنَّ» بالنُّون. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ (﴿حُوبًا﴾ [النساء: ٢]) قال ابن (٢) عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ أي: (إثمًا). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ﴾ (﴿تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن المنذر أي: (تَمِيلُوا) من عال يعول؛ إذا مال وجار، وفسَّره الإمام الشَّافعيُّ: بألَّا تكثر عيالكم، وردَّه جماعةٌ كأبي بكر بن داود الرَّازيِّ والزَّجَّاج، فقال الزَّجَّاج: هذا غلطٌ من جهة المعنى واللَّفظ؛ أمَّا الأوَّل؛ فإنَّ (٣) إباحة السَّراري -مع أنَّها مظنَّة كثرة العيال- كالتَّزوج، وأمَّا اللَّفظ فلأنَّ مادة «عال» بمعنى: كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنَّه من العيلة، وأما «عال» بمعنى: جار؛ فمن ذوات الواو، فاختلفت المادَّتان، وقال صاحب «النَّظم»: قال أوَّلًا: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ (٤)، فوجب أن يكون ضدَّه الجور، وأيضًا فقد خالف المفسِّرين، وقد ردَّ النَّاس على هؤلاء؛ فأمَّا قولهم: إنَّ التَّسرِّي أيضًا تكثر معه العيال مع أنَّه مباحٌ؛ فممنوعٌ؛ لأنَّ الأمَةَ ليست كالمنكوحة؛ ولذا يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجِّرها، ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها، ويقال: عال الرَّجل عياله يَعولُهم، أي: مانَهم يمُونهم، أي: أنفق عليهم، ومنه: «ابدأ بنفسك ثمَّ بمن تعول» وحكى ابن الأعرابيِّ: عال الرَّجل يعول: كثر عياله، وعال يعيل: افتقر وصار له عائلةٌ، والحاصل: أنَّ «عال» يكون لازمًا ومتعدِّيًا؛ فاللَّازم: يكون بمعنى: مال وجار، ومنه: عال الميزان، وبمعنى: كثر عياله، وبمعنى: تفاقم الأمر، والمضارع من كلِّه «يَعُول»، وعال الرَّجل: افتقر، وعال في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين «يَعيْل»، والمتعدِّي: يكون بمعنى: أثقل، وبمعنى: مان من المؤونة، وبمعنى: غلب، ومنه: عيل صبري، ومضارع هذا كلِّه «يعول»، وبمعنى: أعجز، يقال: عالني الأمر، أي:

стр. 8297

أعجزني، ومضارع هذا «يعيل»، والمصدر «عَيْلٌ» و «مَعِيلٌ» (١)، فقد تلَّخص من هذا: أنَّ «عال» اللَّازم يكون تارةً من ذوات الواو، وتارةً من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك «عال» المتعدِّي أيضًا؛ فقد روى الأزهريُّ عن الكسائيِّ قال: عال الرَّجل: إذا افتقر، وأعال: إذا كثر عياله، قال: ومن العرب الفصحاء من يقول: عال يعول إذا كثر عياله، قال الأزهريُّ: وهذا يقوِّي قول الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الكسائيَّ لا يحكي عن العرب إلَّا ما حفظه وضبطه، وقول الشَّافعيِّ نفسه حجَّةٌ، وحكى البغويُّ عن أبي حاتمٍ قال: كان الشَّافعيُّ أعلم بلسان العرب منَّا، ولعلَّه لغةٌ (٢)، وعن أبي عمرٍو الدُّوريِّ القارئ -وكان من أئمَّة اللُّغة- قال: هي لغة حِمْيَر، وأمَّا قولهم: إنَّه خالف المفسِّرين؛ فليس كذلك؛ فقد روي عن زيد بن أسلم نحو قوله، أسنده الدَّارقطنيُّ وذكره الأزهريُّ في كتابه «تهذيب اللُّغة»، وأمَّا قولهم: اختلفت المادَّتان؛ فليس بصحيحٍ؛ فقد تقدَّم حكاية ابن الأعرابيِّ عن العرب: عال الرَّجل يعول كثر عياله، وحكاية الكسائيِّ والدُّوريِّ، وقرأ طلحة بن مصرِّفٍ: (ألَّا تُعيلوا) بضمِّ تاء المضارعة، من أعال: كثر عياله، وهي تعضد تفسير الشَّافعيِّ من حيث المعنى، وقد بسط الإمام فخر الدِّين العبارة في الرَّدِّ على أبي بكر الرَّازيِّ، وقال: الطَّعن لا يصدر إلَّا عن كثرة الغباوة وقلَّة المعرفة، وقال الزَّمخشريُّ بعد أن وجَّه قول الشَّافعيِّ بنحو ما سبق: وكلام مثله من أعلام العلم وأئمَّة الشَّرع ورؤوس المجتهدين حقيقٌ بالحمل على الصِّحَّة والسَّداد، وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ من كلام الشافعيِّ» شاهدًا بأنَّه أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكنَّ للعلماء طرقًا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات (٣). انتهى. وقوله: «أعلى كعبًا»: مثلٌ لاطِّلاعه على علوم العربية، وكونه ذا حظٍّ وافرٍ فيها. وقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾ (﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ والطَّبريُّ: (النِّحْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «فالنِّحلة»: (المَهْرُ) وقيل: فريضةٌ مسمَّاةٌ، وقيل: عطيَّةٌ وهبةٌ، وسُمِّي الصَّداق نِحْلةً؛ من حيث إنَّه (٤) لا يجب في مقابلته غير التَّمتُّع دون عوضٍ (٥) ماليٍّ.

стр. 8298

٤٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة وبالموحَّدة، القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق سليمان بن (١) فيروز (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما. (قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (وَذَكَرَهُ) أي: الحديث (أَبُو الحَسَنِ) اسمه: عطاءٌ (السُّوَائِيُّ) بضمِّ السِّين وتخفيف الواو ممدودًا، وليس هو مهاجرًا المذكور في «باب الإبراد بالظُّهر» [خ¦٥٣٩] لأنَّ ذاك (٢) تيميٌّ لا سُوائيٌّ (وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، فيه: أنَّ الشَّيبانيَّ له فيه طريقان؛ إحداهما: موصولةٌ؛ وهي عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، والثَّانية: مشكوكٌ في وصلها؛ وهي أبو الحسن السُّوائيُّ عن ابن عبَّاسٍ، في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة، كما قاله السُّدِّيُّ، أو أهل المدينة كما قاله الضَّحَّاك، وقال الواحديُّ: في الجاهليَّة وأوَّل (٣) الإسلام (إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ؛ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا) إن كانت جميلةً بصداقها الأوَّل (وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا) لمن أرادوا، وأخذوا صداقها (وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا) بل يحبسونها حتَّى تموت فيرثونها، أو تفتدي نفسها (فَهُمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وهم» (أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ) وفي رواية أبي معاوية عن الشَّيبانيِّ، عن عكرمة وحده عن ابن عبَّاسٍ في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها، وعند الطَّبريِّ (٤) من طريق (٥) ابن

стр. 8299

جريجٍ عن عكرمة: أنَّها نزلت في قضيَّةٍ خاصَّةٍ، قال: نزلت في كُبَيْشَة بنت مَعْن بن عاصم بن الأوس، وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفِّي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثتُ زوجي، ولا أنا تُرِكت فأنكح، فنزلت الآية، وبإسنادٍ حسنٍ عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيفٍ عن أبيه قال: لمَّا توفِّي أبو قيس بن الأسلت؛ أراد ابنه أن يتزوَّج امرأته، وكان ذلك لهم (١) في الجاهليَّة، فنزلت هذه الآية، وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرَّجل منهم في الجاهليَّة؛ وَرِثَ امرأته من يَرِث مالَه، وكان يَعضِلُها حتَّى يرثها أو يُزوِّجها من أراد، وكان أهل تهامة يُسِيء الرَّجل صحبة المرأة حتَّى يطلِّقها، ويشترط عليها ألَّا تَنكِح إلَّا من أراد حتَّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتمٍ، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهليَّة إذا مات زوجها فجاء رجلٌ، فألقى عليها ثوبًا (٢)؛ كان أحقَّ بها، وعنه من طريق السُّدِّيِّ: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه؛ كان أحقَّ بها، وإن سبقت هي إلى أهلها؛ فهي أحقُّ بنفسها. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإكراه» [خ¦٦٩٤٨] وأبو داود في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، كذا بإثبات «الباب» لأبي ذرٍّ، وله عن المُستملي: «بابُ قولِهِ» بالإضافة: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ الاية [النساء: ٣٣]) زاد أبو ذرٍّ والوقت: «﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكَّدة أنتم وهم «﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾» من الميراث «﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾» أي: ولكلِّ شيءٍ تركه الوالدان

стр. 8300

والأقربون عيَّنا وُرَّاثًا (١) يأخذونه، و ﴿مِمَّا (٢) تَرَكَ﴾ بيانٌ لـ «كلٍّ»، وفيه: أنَّه فصل بينهما بعامل الموصوف، وإن جعلنا ﴿مَوَالِيَ﴾ صفةً لـ «كلٍّ» فالتَّقدير: لكلِّ طائفةٍ جعلناهم موالي نصيبٌ ممَّا ترك هؤلاء، أو (٣) لكلِّ ميِّتٍ جعلنا ورثةً من هذا المتروك، وفيه أيضًا ضعفٌ؛ لخروج الأولاد عنه، وإن جُعِل التَّقدير: لكلِّ أحدٍ جعلنا موالي؛ فتكون «من» صلة ﴿مَوَالِيَ﴾ لأنَّهم في معنى الوُرَّاث (٤)، وفاعل ﴿تَرَكَ﴾: ضميرٌ يعود على «كلٍّ» و ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾: بيانُ الموالي، كأنَّه جواب من سأل عنهم، وسقط لأبي ذرِّ لفظ «الآية» (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الصَّنعانيُّ، كما قاله (٥) الكِرمانيُّ، أو هو (٦) معمر بن المثنَّى، كما قاله ابن حجرٍ: (﴿مَوَالِيَ﴾) أي: (أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً) بنصب الكلمتين تفسيرًا للموالي، وثبت لأبي ذرٍّ: «وقال معمرٌ» ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وقال معمرٌ: أولياءُ موالي» بالإضافة؛ نحو: شجرُ الأراك، والإضافة للبيان، «وأولياءُ ورثةٍ»؛ بالإضافة أيضًا (﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ وَهْوَ الحَلِيفُ) يعني: أولياء الميِّت الذين يلون ميراثه ويحوزونه على نوعين: وليٌّ بالإرث وهو (٧) ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ووليُّ الموالاة (٨) وعقد الولاة وهم ﴿الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وثبت: «أيمانكم» لأبي ذرٍّ (وَالمَوْلَى (٩) أَيْضًا: ابْنُ العَمِّ) قاله ابن جريرٍ (١٠) نقلًا عن العرب، وأنشد عليه قول الفضل (١١) بن العبَّاس: مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينَا … لا تُظْهِرُنَّ لنَا ما كَانَ مَدْفُونَا
следующие страницы →