← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

وسقط «﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ … إلى ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾» لغير أبي ذرٍّ، وقالوا: «الآية» (١). (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ: (﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) أي: (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) بالقاف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لا تنتهروهنَّ» بالنُّون. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ (﴿حُوبًا﴾ [النساء: ٢]) قال ابن (٢) عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ أي: (إثمًا). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ﴾ (﴿تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن المنذر أي: (تَمِيلُوا) من عال يعول؛ إذا مال وجار، وفسَّره الإمام الشَّافعيُّ: بألَّا تكثر عيالكم، وردَّه جماعةٌ كأبي بكر بن داود الرَّازيِّ والزَّجَّاج، فقال الزَّجَّاج: هذا غلطٌ من جهة المعنى واللَّفظ؛ أمَّا الأوَّل؛ فإنَّ (٣) إباحة السَّراري -مع أنَّها مظنَّة كثرة العيال- كالتَّزوج، وأمَّا اللَّفظ فلأنَّ مادة «عال» بمعنى: كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنَّه من العيلة، وأما «عال» بمعنى: جار؛ فمن ذوات الواو، فاختلفت المادَّتان، وقال صاحب «النَّظم»: قال أوَّلًا: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ (٤)، فوجب أن يكون ضدَّه الجور، وأيضًا فقد خالف المفسِّرين، وقد ردَّ النَّاس على هؤلاء؛ فأمَّا قولهم: إنَّ التَّسرِّي أيضًا تكثر معه العيال مع أنَّه مباحٌ؛ فممنوعٌ؛ لأنَّ الأمَةَ ليست كالمنكوحة؛ ولذا يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجِّرها، ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها، ويقال: عال الرَّجل عياله يَعولُهم، أي: مانَهم يمُونهم، أي: أنفق عليهم، ومنه: «ابدأ بنفسك ثمَّ بمن تعول» وحكى ابن الأعرابيِّ: عال الرَّجل يعول: كثر عياله، وعال يعيل: افتقر وصار له عائلةٌ، والحاصل: أنَّ «عال» يكون لازمًا ومتعدِّيًا؛ فاللَّازم: يكون بمعنى: مال وجار، ومنه: عال الميزان، وبمعنى: كثر عياله، وبمعنى: تفاقم الأمر، والمضارع من كلِّه «يَعُول»، وعال الرَّجل: افتقر، وعال في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين «يَعيْل»، والمتعدِّي: يكون بمعنى: أثقل، وبمعنى: مان من المؤونة، وبمعنى: غلب، ومنه: عيل صبري، ومضارع هذا كلِّه «يعول»، وبمعنى: أعجز، يقال: عالني الأمر، أي:

стр. 8297

أعجزني، ومضارع هذا «يعيل»، والمصدر «عَيْلٌ» و «مَعِيلٌ» (١)، فقد تلَّخص من هذا: أنَّ «عال» اللَّازم يكون تارةً من ذوات الواو، وتارةً من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك «عال» المتعدِّي أيضًا؛ فقد روى الأزهريُّ عن الكسائيِّ قال: عال الرَّجل: إذا افتقر، وأعال: إذا كثر عياله، قال: ومن العرب الفصحاء من يقول: عال يعول إذا كثر عياله، قال الأزهريُّ: وهذا يقوِّي قول الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الكسائيَّ لا يحكي عن العرب إلَّا ما حفظه وضبطه، وقول الشَّافعيِّ نفسه حجَّةٌ، وحكى البغويُّ عن أبي حاتمٍ قال: كان الشَّافعيُّ أعلم بلسان العرب منَّا، ولعلَّه لغةٌ (٢)، وعن أبي عمرٍو الدُّوريِّ القارئ -وكان من أئمَّة اللُّغة- قال: هي لغة حِمْيَر، وأمَّا قولهم: إنَّه خالف المفسِّرين؛ فليس كذلك؛ فقد روي عن زيد بن أسلم نحو قوله، أسنده الدَّارقطنيُّ وذكره الأزهريُّ في كتابه «تهذيب اللُّغة»، وأمَّا قولهم: اختلفت المادَّتان؛ فليس بصحيحٍ؛ فقد تقدَّم حكاية ابن الأعرابيِّ عن العرب: عال الرَّجل يعول كثر عياله، وحكاية الكسائيِّ والدُّوريِّ، وقرأ طلحة بن مصرِّفٍ: (ألَّا تُعيلوا) بضمِّ تاء المضارعة، من أعال: كثر عياله، وهي تعضد تفسير الشَّافعيِّ من حيث المعنى، وقد بسط الإمام فخر الدِّين العبارة في الرَّدِّ على أبي بكر الرَّازيِّ، وقال: الطَّعن لا يصدر إلَّا عن كثرة الغباوة وقلَّة المعرفة، وقال الزَّمخشريُّ بعد أن وجَّه قول الشَّافعيِّ بنحو ما سبق: وكلام مثله من أعلام العلم وأئمَّة الشَّرع ورؤوس المجتهدين حقيقٌ بالحمل على الصِّحَّة والسَّداد، وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ من كلام الشافعيِّ» شاهدًا بأنَّه أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكنَّ للعلماء طرقًا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات (٣). انتهى. وقوله: «أعلى كعبًا»: مثلٌ لاطِّلاعه على علوم العربية، وكونه ذا حظٍّ وافرٍ فيها. وقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾ (﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ والطَّبريُّ: (النِّحْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «فالنِّحلة»: (المَهْرُ) وقيل: فريضةٌ مسمَّاةٌ، وقيل: عطيَّةٌ وهبةٌ، وسُمِّي الصَّداق نِحْلةً؛ من حيث إنَّه (٤) لا يجب في مقابلته غير التَّمتُّع دون عوضٍ (٥) ماليٍّ.

стр. 8298

٤٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة وبالموحَّدة، القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق سليمان بن (١) فيروز (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما. (قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (وَذَكَرَهُ) أي: الحديث (أَبُو الحَسَنِ) اسمه: عطاءٌ (السُّوَائِيُّ) بضمِّ السِّين وتخفيف الواو ممدودًا، وليس هو مهاجرًا المذكور في «باب الإبراد بالظُّهر» [خ¦٥٣٩] لأنَّ ذاك (٢) تيميٌّ لا سُوائيٌّ (وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، فيه: أنَّ الشَّيبانيَّ له فيه طريقان؛ إحداهما: موصولةٌ؛ وهي عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، والثَّانية: مشكوكٌ في وصلها؛ وهي أبو الحسن السُّوائيُّ عن ابن عبَّاسٍ، في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة، كما قاله السُّدِّيُّ، أو أهل المدينة كما قاله الضَّحَّاك، وقال الواحديُّ: في الجاهليَّة وأوَّل (٣) الإسلام (إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ؛ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا) إن كانت جميلةً بصداقها الأوَّل (وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا) لمن أرادوا، وأخذوا صداقها (وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا) بل يحبسونها حتَّى تموت فيرثونها، أو تفتدي نفسها (فَهُمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وهم» (أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ) وفي رواية أبي معاوية عن الشَّيبانيِّ، عن عكرمة وحده عن ابن عبَّاسٍ في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها، وعند الطَّبريِّ (٤) من طريق (٥) ابن

стр. 8299

جريجٍ عن عكرمة: أنَّها نزلت في قضيَّةٍ خاصَّةٍ، قال: نزلت في كُبَيْشَة بنت مَعْن بن عاصم بن الأوس، وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفِّي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثتُ زوجي، ولا أنا تُرِكت فأنكح، فنزلت الآية، وبإسنادٍ حسنٍ عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيفٍ عن أبيه قال: لمَّا توفِّي أبو قيس بن الأسلت؛ أراد ابنه أن يتزوَّج امرأته، وكان ذلك لهم (١) في الجاهليَّة، فنزلت هذه الآية، وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرَّجل منهم في الجاهليَّة؛ وَرِثَ امرأته من يَرِث مالَه، وكان يَعضِلُها حتَّى يرثها أو يُزوِّجها من أراد، وكان أهل تهامة يُسِيء الرَّجل صحبة المرأة حتَّى يطلِّقها، ويشترط عليها ألَّا تَنكِح إلَّا من أراد حتَّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتمٍ، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهليَّة إذا مات زوجها فجاء رجلٌ، فألقى عليها ثوبًا (٢)؛ كان أحقَّ بها، وعنه من طريق السُّدِّيِّ: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه؛ كان أحقَّ بها، وإن سبقت هي إلى أهلها؛ فهي أحقُّ بنفسها. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإكراه» [خ¦٦٩٤٨] وأبو داود في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، كذا بإثبات «الباب» لأبي ذرٍّ، وله عن المُستملي: «بابُ قولِهِ» بالإضافة: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ الاية [النساء: ٣٣]) زاد أبو ذرٍّ والوقت: «﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكَّدة أنتم وهم «﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾» من الميراث «﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾» أي: ولكلِّ شيءٍ تركه الوالدان

стр. 8300

والأقربون عيَّنا وُرَّاثًا (١) يأخذونه، و ﴿مِمَّا (٢) تَرَكَ﴾ بيانٌ لـ «كلٍّ»، وفيه: أنَّه فصل بينهما بعامل الموصوف، وإن جعلنا ﴿مَوَالِيَ﴾ صفةً لـ «كلٍّ» فالتَّقدير: لكلِّ طائفةٍ جعلناهم موالي نصيبٌ ممَّا ترك هؤلاء، أو (٣) لكلِّ ميِّتٍ جعلنا ورثةً من هذا المتروك، وفيه أيضًا ضعفٌ؛ لخروج الأولاد عنه، وإن جُعِل التَّقدير: لكلِّ أحدٍ جعلنا موالي؛ فتكون «من» صلة ﴿مَوَالِيَ﴾ لأنَّهم في معنى الوُرَّاث (٤)، وفاعل ﴿تَرَكَ﴾: ضميرٌ يعود على «كلٍّ» و ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾: بيانُ الموالي، كأنَّه جواب من سأل عنهم، وسقط لأبي ذرِّ لفظ «الآية» (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الصَّنعانيُّ، كما قاله (٥) الكِرمانيُّ، أو هو (٦) معمر بن المثنَّى، كما قاله ابن حجرٍ: (﴿مَوَالِيَ﴾) أي: (أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً) بنصب الكلمتين تفسيرًا للموالي، وثبت لأبي ذرٍّ: «وقال معمرٌ» ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وقال معمرٌ: أولياءُ موالي» بالإضافة؛ نحو: شجرُ الأراك، والإضافة للبيان، «وأولياءُ ورثةٍ»؛ بالإضافة أيضًا (﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ وَهْوَ الحَلِيفُ) يعني: أولياء الميِّت الذين يلون ميراثه ويحوزونه على نوعين: وليٌّ بالإرث وهو (٧) ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ووليُّ الموالاة (٨) وعقد الولاة وهم ﴿الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وثبت: «أيمانكم» لأبي ذرٍّ (وَالمَوْلَى (٩) أَيْضًا: ابْنُ العَمِّ) قاله ابن جريرٍ (١٠) نقلًا عن العرب، وأنشد عليه قول الفضل (١١) بن العبَّاس: مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينَا … لا تُظْهِرُنَّ لنَا ما كَانَ مَدْفُونَا

стр. 8301

(وَالمَوْلَى: المُنْعِمُ المُعْتِقُ) بكسر التَّاء: الذي أنعم على مرقوقه بالعتق (وَالمَوْلَى: المُعْتَقُ) بفتح التَّاء: الذي كان رقيقًا فمُنَّ عليه بالعتق (١) (وَالمَوْلَى: المَلِيكُ) لأنَّه يلي أمور النَّاس (وَالمَوْلَى: مَوْلًى فِي الدِّينِ) وقيل غير ذلك ممَّا يطول استقصاؤه. ٤٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصَّاد المهملة (٢) وسكون اللَّام آخره مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، الخاركيُّ -بخاءٍ معجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديِّ (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بفتح الصَّاد المهملة وكسر الرَّاء، الياميِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً) وبه قال قتادة ومجاهدٌ وغيرهما (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]) أي: عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، قال ابن عبَّاسٍ: (كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «المهاجريُّ» بزيادة مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مشدَّدةٍ (الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أي: أقربائه (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ) بين المهاجرين والأنصار، وهذا كان في ابتداء الإسلام (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، أي: وراثة الحليف بآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وروى الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان الرَّجل يعاقد الرَّجل، فإذا مات أحدهما (٣) ورثه الآخر، فأنزل الله : ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (٤) [الأحزاب: ٦]» ومن طريق قتادة:

стр. 8302

«كان الرَّجل يعاقد الرَّجل في الجاهليَّة فيقول: دمي دمُك، وتَرِثني وأَرِثُك، فلمَّا جاء الإسلام؛ أُمِرُوا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السُّدس، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالميراث، فقال: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾» وهذا هو المعتمد، ويُحتَمل أن يكون النَّسخ وقع مرَّتين: الأولى: حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة، فنزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) فصاروا جميعًا يرثون، وعلى هذا يَتَنَّزل (٢) حديث ابن عبَّاسٍ، ثمَّ نُسِخ ذلك بآية (٣) الأحزاب، وخُصَّ الميراث بالعصبة، قاله في «الفتح» (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ، وَالرِّفَادَةِ) بكسر الرَّاء، أي: المعاونة (وَالنَّصِيحَةِ) والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ، أي: والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم، كما صرَّح به الطَّبريُّ في روايته عن كُرَيبٍ عن أبي أسامة بهذا الإسناد (وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ) بين المتعاقدين (وَيُوصِي لَهُ) بكسر الصَّاد، أي: للحليف. وهذا الحديث قد (٤) سبق في «باب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٢]. (سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة (إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديَّ (وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ) بن مُصرِّف، وفيه التَّصريح بالتَّحديث، ولم يثبت هذا إلَّا في رواية أبي ذرٍّ عن (٥) المُستملي والكُشْميهَنيِّ، كما في الفرع كأصله (٦)، وقال ابن حجرٍ: في رواية المُستملي وحده، وتبعه العينيُّ. (٨) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين كذا لأبي ذرٍّ، وله عن المُستملي: «بابُ قولِهِ» بزيادة «قوله» مع الإضافة: (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]) أي: لا يُنقِص من ثواب أعمالهم ذرَّةً (يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) والذَّرة في الأصل: أصغر النَّمل التي لا وزن لها، وقيل: ما يرفعه الرِّيح من التُّراب،

стр. 8303

وقيل: كلُّ جزءٍ من أجزاء الهباء في الكوَّة ذرَّةٌ، ويقال: زنتها ربع ورقة نخالةٍ، وورقة النِّخالة: وزن ربع خردلةٍ، ووزن الخردلة: ربع سمسمةٍ، ويقال: لا وزن لها. ٤٥٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الرَّمليُّ يعرف بابن الواسطيِّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَبُو عُمَرَ) بضمِّ العين (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ المَيْمَنة، العقيليُّ -بالضمِّ- الصَّنعانيُّ نزيل عسقلان (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ، مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ أُنَاسًا) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ وابن عساكر: «ناسًا» بحذفها (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ) ترونه، وهذه رؤية الامتحان المميِّزة بين من عَبَدَ الله وبين

стр. 8304

من عبد غيره، لا رؤية الكرامة التي هي ثواب أوليائه في الجنة (هَلْ تُضَارُّونَ) بضمِّ أوَّله ورائه مشَّددةٍ بصيغة المفاعلة، أي: لا تضرُّون أحدًا ولا يضرُّكم لمنازعةٍ ولا مجادلةٍ ولا مضايقةٍ (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ) ثم أكَّده بقوله: (بِالظَّهِيرَةِ) وهي اشتداد حرِّ الشَّمس بالنَّهار في الصَّيف (ضَوْءٌ) بالرَّفع، وأعربه في «الكواكب» بالجرِّ بدلًا ممَّا قبله، ولمسلمٍ: «صحوًا»، ثمَّ زاده تأكيدًا بقوله: (لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) هي كالظَّهيرة في الشَّمس (ضَوْءٌ) بالرَّفع (١) أو (٢) بالجرِّ كما مرَّ (لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا) كَذَا فِي حَاشية الفرع بالتَّكرار مصحَّحًا عليه، وليس في «اليونينيَّة» وهو تكرارٌ لا فائدة فيه، ولعلَّه سهوٌ فيما يظهر (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا) التَّشبيه الواقع هنا إنَّما هو في الوضوح وزوال الشَّكِّ، لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤية المُحْدَثات، فالرؤية له تعالى حقيقةٌ، لكنَّا لا نكيِّفها بل نَكِل كُنْهَ معرفتها إلى علمه تعالى (إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ؛ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي: نادى منادٍ (تَتْبَعُْ (٣)) بسكون المثنَّاة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «تتَّبِعُْ» بتشديدها، وله عن المُستملي: «فَتَتْبَعُْ» بزيادة فاءٍ مع سكون الفوقيَّة والرَّفع في كلِّها، ويجوز الجزم بتقدير اللَّام (كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ) جمع صَنَمٍ: ما عُبِد من دون الله

стр. 8305

(وَالأَنْصَابِ) جمع نُصْبٍ: حجارةٌ كانت تُعبَد من دون الله (إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ بَرٌّ) هو مطيعٌ لربِّه (أَوْ فَاجِرٌ) منهمكٌ في المعاصي والفجور (وَغُبَّرَاتُِ أَهْلِ الكِتَابِ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الموحَّدة المفتوحة بعدها راءٌ، بالرَّفع والجرِّ مع الإضافة فيهما لأبي ذرٍّ، وبالجرِّ منوَّنًا للأصيليِّ (١)، أي: بقايا أهل الكتاب (فَيُدْعَى اليَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما» (كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ) في كونه ابن الله، ويلزم منه (٢) نفي عبادة (٣) ابن الله (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟) أي: تطلبون (فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا) بإسقاط أداة النِّداء (فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ) أي: إليهم (أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ) بالسِّين المهملة، هو الذي تراه نصف النَّهار في الأرض القفر (٤) والقاع المستوي في (٥) الحرِّ الشَّديد لَامِعًا مثل الماء ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] (يَحْطِمُ) بكسر الطَّاء المهملة، أي: يكسر (بَعْضَهَا بَعْضًا) لشدة اتِّقادها (٦) وتلاطم أمواج لهبها (فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ (٧) كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ) أي: فقالوا (٨): عطشنا ربَّنا … إلى آخره، (حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ؛ أَتَاهُمْ

стр. 8306

رَبُّ العَالَمِينَ) أي: ظهر لهم وأشهَدَهُم (١) رؤيته من غير تكييفٍ ولا حركةٍ ولا (٢) انتقالٍ (فِي أَدْنَى صُورَةٍ) أي: أقرب صفةٍ (مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ) أي: عرفوه (فِيهَا) بأنَّه لا يُشْبِه شيئًا من المُحْدَثات، زاد في نسخة: «أوَّل مرةٍ» (فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟! تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ) الذين زاغوا (٣) عن الطَّاعة (فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ) أي: أحوج (مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ) في معايشنا ومصالح (٤) دنيانا (وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) بل قاطعناهم (٥) (وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ) في الدُّنيا (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ) -زاد مسلمٌ في روايته-: نعوذ بالله منك (لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا؛ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) وإنَّما قالوا ذلك؛ لأنَّه تجلَّى لهم بصفةٍ لم يعرفوها، وقال الخطَّابيُّ: قيل: إنَّما حجبهم عن تحقيق الرُّؤية في هذه الكرَّة من أجل مَنْ معهم من المنافقين الذين لا يستحقُّون الرُّؤية وهم عن ربِّهم محجوبون، فإذا تميَّزوا عنهم؛ رُفِعَت الحُجُب، فيقولون عندما يرونه: أنت ربُّنا. وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محلِّها [خ¦٧٤٣٧]. (٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؟) استفهام توبيخٍ، أي: فكيف حال هؤلاء الكفَّار أو صنيعهم إذا جئنا من كلٍّ أمَّةٍ بنبيِّهم يشهد على كفرهم، كقوله (٦) تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فـ ﴿كَيْفَ﴾ في موضع رفعٍ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والعامل في ﴿إِذَا﴾ هو هذا المقدَّر، أو في محلِّ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ، أي: فكيف يكونون أو يصنعون؟! ويجري فيها الوجهان؛ النَّصب على التَّشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو

стр. 8307

على التَّشبيه بالظَّرفيَّة، كما هو مذهب الأخفش؛ وهو العامل في ﴿إِذَا﴾ أيضًا، و ﴿مِن كُلِّ أمَّةٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿جِئْنَا﴾ والمعنى: أنَّه يُؤتَى بنبيِّ كلِّ أمَّةٍ يشهد عليها ولها (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمَّد (﴿عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾؟ [النساء: ٤١]) أي: تشهد على صدق هؤلاء الشُّهداء لحصولِ علمك بعقائدهم؛ لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم، وقال أبو حيَّان: الأظهر أنَّ هذه الجملة في موضع جرٍّ عطفًا على ﴿جِئْنَا﴾ الأوَّل، أي: فكيف يصنعون في وقت المجيئَين؟! (المُخْتَالُ وَالخَتَّالُ) بفتح الخاء المعجمة والمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة؛ معناهما (وَاحِدٌ) كذا في رواية الأكثر، ولا ينتظم هذا مع المختال؛ لأنَّ المختال: هو صاحب الخيلاء والكبر، فهو «مفتعلٌ (١)» من الخيلاء، وأمَّا «ختَّال» فهو «فعَّال»، من الختل وهو الخديعة، فلا يمكن أن يكون بمعنى: المختال المراد به: المتكبِّر، وللأصيليِّ: «والخال» بدون الفوقيَّة بدل «الختَّال» وصوَّبه غير واحدٍ؛ لأنَّه يُطلَق على معانٍ، فيكون بمعنى: الخائل وهو المتكبِّر، وقال اليونينيُّ (٢): وعند أبي ذرٍّ: «والختَّال» بالخاء والتَّاء ثالث (٣) الحروف في الأصل الذي قابلت به، وأنكر ذلك شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالكٍ، قال: والصَّواب: «والخال» بغير تاءٍ. انتهى. ومراده قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. (﴿نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧]) أي: (نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ) حقيقةً، أو هو تمثيلٌ وليس المراد حقيقته حسًّا، وأسند الطَّبريُّ عن قتادة المراد: أن (٤) تعود الأوجه في الأقفية، يقال: (طَمَسَ الكِتَابَ): إذا (مَحَاهُ) ومُراده: قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فنطمس هنا: نُصِبَ على الحكاية كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ﴾ (﴿سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥]) أي: (وُقُودًا) ولأبي ذرٍّ: «جهنَّم سعيرًا وقودًا» (٥) ولا محلَّ لسياق هذه الآيات هنا، فيُحتَمل أن يكون من النُّساخ.

стр. 8308

٤٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابن عمرٍو السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان بالإسناد السَّابق: (بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مرَّة» بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الجَمَليِّ -بفتح الجيم والميم- أبي عبد الله الكوفيِّ الأعمى (١)، أي: من رواية الأعمش عن عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ كما صرَّح بذلك في «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥] حيث أخرجه عن مسدَّدٍ عن يحيى القطَّان بالإسناد المذكور، وقال بعده: قال الأعمش: وبعض الحديث حدَّثني عمرو بن مرَّة عن إبراهيم، والحاصل: أنَّ الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النَّخعيِّ، وسمع بعضه من عمرو بن مرَّة عن إبراهيم؛ يعني: عن عَبيدة عن ابن مسعودٍ أنَّه (قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ) زاد في «باب من أحبَّ أن يسمع القرآن من غيره» [خ¦٥٠٤٩] من طريق عمر بن حفصٍ، عن أبيه، عن الأعمش: «القرآن» وهو يَصْدُقُ بالبعض (قُلْتُ: آقْرَأُ) بمدِّ الهمزة (٢) (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) قال ابن بطَّالٍ: يُحتَمل أن يكون أحبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سنَّةً أو ليتدبَّره ويتفهَّمه؛ وذلك أنَّ المستمع أقوى على التَّدبُّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته ﷺ على أُبَيِّ بن كعبٍ، فإنَّه أراد أن يعلِّمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف (٣) (فقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى (٤) بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ

стр. 8309

بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ قَالَ) ﵊: (أَمْسِكْ) وفي (١) «باب البكاء عند قراءة القرآن» [خ¦٥٠٥٥]: قال لي: «كفَّ أو أمسك» على الشَّكِّ (فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرَّاء، خبر المبتدأ؛ وهو «عيناه»، و «إذا» للمفاجأة، أي: تُطلِقَان دمعهما، وبكاؤه ﵊ على المُفرِطِين، أو لِعِظَم ما تضمَّنته الآية من هول المَطْلَع وشدَّة الأمر، أو هو (٢) بكاء فرحٍ لا بكاء جزعٍ؛ لأنَّه تعالى جعل أمَّته شهداء على سائر الأمم، كما قال الشَّاعر: طَفَحَ السُّرورُ عليَّ حتَّى إنَّه … من عِظْمِ ما قد سرَّني أبكاني وهذا الأخير نقله صاحب «فتوح الغيب» عن الزَّمخشريِّ. وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٤٩] وكذلك النَّسائيُّ. (١٠) (بابُ قولِه) تعالى -وسقط الباب وتاليه- لغير أبي (٣) ذر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخَاف معه من استعمال الماء، أو مرضًا يمنع من الوصول إليه، والمرض: انحراف مزاجٍ تصدر معه الأفعال غير مستقيمةٍ، والمراد هنا: كلُّ ما يُخَاف منه محذورٌ، ولو شَيْنًا فاحشًا في عضوٍ ظاهرٍ، وعن مجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: أنَّ قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ نزلت في رجلٍ من الأنصار كان مريضًا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضَّأ، ولم يكن له خادمٌ يناوله (٤)، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا مرسلٌ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلٍ أو قصيرٍ لا تجدون

стр. 8310

فيه الماء (١)، والسَّفر: هو الخروج عن الوطن، وينبغي أن يكون مباحًا (﴿أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ﴾ [النساء: ٤٣]) فأحدث (٢) بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل الغائط: المطمئنُّ من الأرض، وكانت عادة العرب إتيانه للحدث ليسترهم عن أعين النَّاس، فكَنُّوا به عن الخارج تسميةً للشَّيء باسم مكانه. ﴿صَعِيدًا﴾) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا (٣)﴾ [النساء: ٤٣] قال: (وَجْهَ الأَرْضِ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «وجهُ الأرض» بالرَّفع، بتقدير: هو، والمراد بوجه الأرض: ظاهرها سواءٌ كان عليها ترابٌ أم لا ولذا قالت الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صلدٍ ومسح أجزأه، وقالت (٤) الشَّافعيَّة: لا بدَّ أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التُّراب لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] أي: من بعضه، وجَعْلُ «من» لابتداء الغاية تعسُّفٌ؛ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلا التَّبعيض، والمسح ببعض الخشب والحجر غير مقصودٍ، هذا وإنَّه وُصِفَ بالطَّيِّب، والأرض الطَّيِّبة هي المُنبِتة، وغير الطَّيِّبة لا تُنبِت، وغير التُّراب لا يُنبِت، والذي لا ينبت لا يكون طَيِّبًا، فهو أمرٌ بالتُّراب فقط، وقال الشَّافعيُّ -وهو القدوة في اللُّغة وقوله فيها الحجَّة-: لا يقع اسم الصَّعيد إلَّا على ترابٍ ذي غبارٍ، فأمَّا البطحاء الغليظة والرَّقيقة؛ فلا يقع عليها اسم الصَّعيد، فإن خالطه ترابٌ أو مدرٌ يكون له غبار؛ كان الذي خالطه هو الصَّعيد، وقد وافق الشَّافعيَّ الفرَّاء وأبو عبيد، وفي حديث حذيفة عند الدَّارقطنيِّ في «سننه» وأبي عَوانة في «صحيحه» مرفوعًا: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا، وترابها لنا (٥) طهورًا» وعند مسلمٍ: «تربتها» وهذا مفسِّرٌ للآية (٦)، والمفسَّر يقضي على المُجْمَل.

стр. 8311

(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ -فيما وصله ابن أبي حاتمٍ- في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]: (كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ) بالمثنَّاة، جمع طاغوتٍ (الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ (١) إِلَيْهَا) في الجاهلية (فِي) قبيلة (جُهَيْنَةَ) طاغوتٌ (وَاحِدٌ، وَفِي) قبيلة (أَسْلَمَ) طاغوتٌ (وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ) من أحياء العرب (وَاحِدٌ) وهي (كُهَّانٌ) بضمِّ الكاف وتشديد الهاء، جمع كاهنٍ (يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) بالأخبار عن الكائنات في المستقبل (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب فيما وصله (٢) عبد بن حميدٍ في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]: (الجِبْتُ): هو (السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ): هو (الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله عبد بن حميدٍ أيضًا: (الجِبْتُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ): هو (شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ): هو (الكَاهِنُ) وفيه: جواز وقوع المعرَّب في القرآن، وحمله الشَّافعيُّ على توارد اللُّغتين. ٤٥٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو (٣) ابن سَلَامٍ البيكنديُّ، كما في رواية أبي ذرٍّ في «الجهاد» [خ¦٢٨١٣] وبه جزم الكلاباذيُّ وابن عساكر وغيرهما، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، ابن سليمان الكوفيُّ (٤)، يقال: اسمه: عبد الرَّحمن (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: هَلَكَتْ) أي: ضاعت (قِلَادَةٌ) بكسر القاف، كان ثمنها اثني عشر درهمًا (لأَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ، كانت عائشة استعارتها منها، وقولها في «كتاب التَّيمُّم» [خ¦٣٣٤]: «انقطع عقدٌ لي» فأضافتها (٥) لها؛ إنَّما ذلك باعتبار حيازتها لذلك واستيلائها لمنفعته (فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالًا) هم أُسَيد بن حُضَير ومن تبعه (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ،

стр. 8312

وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ (١) يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (يَعْنِي: آيَةَ التَّيَمُّمِ) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «يعني آية» وحينئذٍ فـ «التَّيمُّم» نصب على المفعوليَّة. وهذا الحديث سبق تامًّا في «كتاب التَّيمُّم» [خ¦٣٣٤]. (١١) (﴿أُوْلِي (٢) الأَمْرِ﴾) ولغير (٣) أبي ذرٍّ: «باب قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَ أُوْلِي الأَمْرِ﴾» (﴿مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]) أي: (ذَوِي الأَمْرِ) وهم الخلفاء الرَّاشدون ومن سلك طريقهم في رعاية العدل، ويُدرَج فيهم القضاة وأمراء السَّرية؛ أمر الله تعالى النَّاس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل؛ تنبيهًا على أنَّ وجوب طاعتهم ما داموا على الحقِّ، وقيل: علماء الشَّرع لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. ٤٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ، ولابن السَّكن فيما ذكره في «الفتح»: «حدَّثنا سُنَيْدٌ» بضمِّ المهملة وفتح النُّون وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة (٤) دالٌ مهملةٌ بدل «صدقةٌ»، واسم والد سُنَيدٍ داود المصِّيصيُّ، ضعَّف أبو حاتمٍ سُنَيدًا، قال: (أَخْبَرَنَا (٥) حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصِّيصيُّ الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ) بفتح التَّحتيَّة وسكون العين وفتح اللَّام، و «مسلم» بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة، ابن هرمز (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قوله تعالى: (﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ) القرشيِّ السَّهميِّ، من قدماء المهاجرين، توفِّي

стр. 8313

بمصر في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما (إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ) وكانت فيه دعابةٌ -أي: لعبٌ (١) - فنزلوا ببعض الطَّريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمت عليكم إلَّا تواثبتم في هذه النَّار، فلما همَّ بعضهم بذلك؛ قال: اجلسوا، إنَّما كنت أمزح، فذكروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «من أمركم بمعصيةٍ فلا تطيعوه» رواه ابن سعدٍ، وبوَّب عليه البخاريُّ فقال: «سريَّة عبد الله بن حذافة السَّهميِّ وعلقمة بن مُجزِّزٍ المُدْلِجِيِّ، ويقال: إنَّها سريَّة الأنصاريِّ (٢)» [خ¦٦٤/ ٥٩ - ٦٢٦٨] ثمَّ رَوَى عن عليٍّ قال: بعث النَّبيُّ ﷺ سريَّةً، واستعمل رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس قد أمركم النَّبيُّ ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي (٣) حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا (٤). فأوقدوها، فقال (٥): ادخلوا، فهمُّوا وجعل بعضهم يُمْسِك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النَّبيِّ ﷺ من النَّار، فما زالوا حتَّى خمدت النَّار، فسكن غضبه، فبلغ ذلك النَّبيِّ ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطَّاعة في المعروف» [خ¦٤٣٤٠] واختلاف (٦) السِّياقَين يدلُّ على التَّعدُّد، لا سيَّما وعبد الله بن حذافة مهاجريٌّ قرشيٌّ (٧)، والذي في حديث عليٍّ أنصاريٌّ، وقد اعترض الدَّاودي على القول بأنَّ الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بأنَّه وهمٌ من غير ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّ الآية إن كانت نزلت قبل هذه القصَّة؛ فكيف يَخصُّ عبد الله بن حذافة بالطَّاعة دون غيره؟ وإن كانت بَعْدُ فإنَّما قيل لهم: «إنَّما الطَّاعة في المعروف» وما قيل لهم: لِمَ (٨) لم تطيعوه؟ وأجاب في «الفتح»: بأنَّ المراد من قصَّة ابن حذافة قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] لأنَّ أهل

стр. 8314

السَّريَّة تنازعوا في امتثال ما أمرهم (١) به، فالذين همُّوا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطَّاعة، والذين امتنعوا عارض عندهم الفرار من النَّار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التَّنازع، وهو الردُّ إلى الله وإلى رسوله. (١٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾) أي: فوربِّك، و «لا»: مزيدةٌ لتأكيد القسم، لا لتُظَاهر ﴿لَا﴾ في قوله: (﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾) لأنَّها تُزَاد أيضًا في الإثبات، كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] قاله في «الأنوار» كـ «الكشَّاف»، وعبارته بعد ذكره نحو ما سبق: فإن قلت: هلَّا زعمت أنَّها زيدت لتُظَاهر «لا» في قوله (٣): ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟ قلت: يأبى ذلك استواء النَّفي فيه والإثبات (٤)، وذلك (٥) قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لَا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. انتهى. قال في «الانتصاف»: أراد الزَّمخشريُّ أنَّها لمَّا زيدت حيث لا يكون القسم نفيًا؛ دلَّت على أنَّها إنَّما تُزاد لتأكيد القسم، فجُعِلَت كذلك في النَّفي، والظَّاهر عندي: أنَّها هنا لتوطئة القسم، وهو لم يذكر مانعًا منه، إنَّما ذكر مَحْمَلًا لغير هذا، وذلك لا يأبى مجيئها في النَّفي على الوجه الآخر من التَّوطئة، على (٦) أنَّ دخولها على المثبَتِ فيه نظرٌ، فلم تأتِ في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٧) [الواقعة: ٧٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ولم يأتِ إلَّا في القسم بغير الله، وله سرٌّ يأبى أن يكون ههنا لتأكيد القسم، وذلك أنَّ المراد بها تعظيم المقسَم به في الآيات المذكورة، فكأنَّه بدخولها يقول: إعظامي لهذه الأشياء المقسَم

стр. 8315

بها كلا إعظام؛ إذ هي تستوجب فوق ذلك، وإنَّما يُذكَر هذا لتوهُّم وقوع عدم تعظيمها، فيؤكِّد بذلك وبفعل القسم ظاهرًا، وفي القسم بالله الوهمُ زائلٌ، فلا يحتاج إلى تأكيد، فتعيَّن حملها على التَّوطئة، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قَسَمٍ مُثبتٍ، أمَّا في النَّفي فكثيرٌ. انتهى. وقيل: إنَّ «لا» الثَّانية زائدةٌ، والقَسَم (١) معترضٌ بين حرف النَّفي والمنفيِّ، وكأنَّ (٢) التَّقدير: فلا لا يؤمنون وربِّك (﴿حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) أي: فيما اختُلِف بينهم واختُلِط، و ﴿حَتَّىَ﴾: غايةٌ متعلِّقةٌ بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، وهي تحكيمك وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك. ٤٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غندرٌ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير أنَّه (قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام (رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، وقيل: حميدٌ، وقيل: حاطب بن أبي بلتعة (٣) (فِي شَرِيجٍ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء آخره جيمٌ: مسيل الماء يكون في الجبل وينزل إلى السَّهل (مِنَ الحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المهملتين، خارج المدينة، زاد في «باب سَكْرِ الأنهار» من «الشّرب» [خ¦٢٣٥٩]: «فقال الأنصاريُّ: سرِّح الماء، فأبى عليه، فاختصما عند النَّبيِّ ﷺ » (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ في

стр. 8316

«أرسل» (١) (إِلَى جَارِكَ) الأنصاريِّ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ كَانَ) بفتح الهمزة، أي: حكمتَ له بالتَّقديم والتَّرجيح؛ لأنْ كان (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة بنت عبد المطَّلب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «آن كان» بهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ، استفهامٌ إنكاريٌّ، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «وأنْ كان»؛ بواو وفتح (٢) الهمزة، ووقع عند الطَّبريِّ: «فقال: اعدل يا رسول الله، وإنْ كان ابن عمَّتك» أي: من أجل هذا حكمت له عليَّ (فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ) ﵊، أي: تغيَّر من الغضب لانتهاك حرمة النُّبوَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت (٣): «فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ » (٤) (ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ) يصير الماء (إِلَى الجَدْرِ) بفتح الجيم وسكون المهملة، ما وُضِعَ بين شربات النَّخل كالجدار، والمراد به: جدران الشَّربات؛ وهي الحفر التي تُحفَر في أصول النَّخل (ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ) بهمزة قطع في «أرسل» (وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ) أي: استوفاه كلَّه كاملًا حتَّى كأنَّه جمعه في وعاء بحيث لم يترك منه شيئًا (فِي صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ (٥)) بالحاء المهملة والفاء والظَّاء المعجمة، أي: أغضبه (الأَنْصَارِيُّ، كَانَ) (٦) ﷺ (أَشَارَ عَلَيْهِمَا) في أوَّل الأمر (بِأَمْرٍ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «له»، أي: للأنصاريِّ (فِيهِ سَعَةٌ) وهو الصُّلح على ترك بعض حقِّ الزُّبير، فلمَّا لم يرضَ الأنصاريُّ؛ استقصى ﵊ للزُّبير حقَّه، وحكم له به على الأنصاريِّ (قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ) وفي «باب شرب الأعلى من الأسفل» [خ¦٢٣٦٢] من «كتاب الشُّرب»: «فقال الزُّبير: والله إنَّ هذه الآية أُنزِلت» (فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) قيل: وكان هذا الرَّجل يهوديًّا، وعُورِض: بأنَّه وُصِف بكونه أنصاريًّا، ولو كان يهوديًّا لم يُوصَف بذلك؛ إذ هو وصف مدحٍ، ولا يبعد أن يُبتَلى غير المعصوم بمثل ذلك عند الغضب ممَّا هو من الصِّفات البشريَّة، وفي «المفاتح» -كالبغويِّ في «معالم التَّنزيل» -: ورُوي أنَّه لمَّا خرجا مرَّا على المقداد،

стр. 8317

فقال: لمن كان القضاء؟ قال الأنصاريُّ: لابن عمَّته، ولَوَى شِدْقيه، ففطن له يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنَّه رسول الله ثمَّ يتَّهمونه في قضاء يُقضَى بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبًا مرَّةً في حياة موسى ﵊، فدعانا إلى التَّوبة فقال: اقتلوا أنفسكم، فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربِّنا حتَّى رضي عنَّا (١)، فقال ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ: إنَّ الله ليعلم منِّي الصِّدق، ولو أمرني محمَّدٌ أن أقتل نفسي لفعلتُ. (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَأُوْلَئِكَ﴾) أي: مَنْ أطاع الله والرَّسول (﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ (٢)﴾ [النساء: ٦٩]) في الجنَّة بحيث يتمكَّن كلُّ واحدٍ منهم من رؤية الآخر؛ لأنَّ الحجاب إذا زال شاهدَ بعضُهم بعضًا، وليس المراد كون الكلِّ في درجةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ ذلك يقتضي التَّسوية في الدَّرجة بين الفاضل والمفضول، وهو غير جائزٍ، والأظهر أنَّ قوله: ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ بيانٌ لـ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ وجُوِّز تعلُّق: ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ بـ ﴿يُطِعِ﴾ أي: وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ من النَّبيِّين ومن بعدهم، ويكون قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ إشارةً إلى الملأ الأعلى، ثمَّ قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ويبيِّن ذلك قوله ﵊ عند الموت: «اللهمَّ ألحقني بالرَّفيق الأعلى» قاله الرَّاغب، وتعقَّبه أبو حيَّان فأفسده معنًى وصناعةً، أمَّا المعنى؛ فلأنَّ الرَّسول هنا: هو محمَّدٌ ﷺ ، وقد أخبر تعالى أنَّه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فهو مع من ذُكِر، ولو جُعِل ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُطِعِ﴾ لكان ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ تفسيرًا لـ ﴿مِّنَ﴾ الشَّرطيَّة، فيلزم أن يكون في زمانه ﵊ أو بعده أنبياءُ يطيعونه، وهذا غير ممكنٍ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولقوله ﵊: «لا نبيَّ بعدي». وأمَّا الصِّناعة؛ فلأنَّ ما قبل الفاء الواقعة جوابًا للشرط لا يعمل فيما بعدها، لو قلت: إن تَضرِبْ يَقُمْ عمرٌو زيدًا؛ لم يجز، وسقط قوله: «بابٌ» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8318

٤٥٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة والشِّين المعجمة بينهما واو ساكنةٌ، الطَّائفيُّ نزيل الكوفة قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ولأبي ذرٍّ: «عن إبراهيم بن سعد» (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ (١) (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ) بفتح التَّحتيَّة (٢) والرَّاء بينهما ميمٌ ساكنةٌ (إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ) المقام في (الدُّنْيَا وَ) الرِّحلة (٣) إلى (الآخِرَةِ، وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ) ولأبي ذرِّ عن الكُشْميهَنيِّ: «التي قُبِضَ فيها» (أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ) بضمِّ الموحَّدة وتشديد الحاء المهملة، غلظ صوتٍ وخشونة حلقٍ (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فَعَلِمْتُ أَنَّهُ) ﷺ (خُيِّرَ) بضمِّ الخاء المعجمة، أي: بين الدُّنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وهذا معنى قوله في الحديث الآخر: «اللهمَّ الرَّفيق الأعلى» ثلاثًا [خ¦٣٦٦٩] وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية: «أنَّ رجلًا من الأنصار جاء إلى النَّبيِّ ﷺ وهو محزونٌ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : يا فلان، ما لي أراك محزونًا؟ فقال: يا نبيَّ الله، شيءٌ فكَّرت فيه، قال: وما هو؟ قال: نحن (٤) نغدو عليك ونروح، وننظر إلى وجهك ونجالسك، غدًا تُرْفَع مع النَّبيِّين، فلا نصل إليك، فلم يردَّ النَّبيُّ ﷺ عليه شيئًا،

стр. 8319

فأتاه جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] قال: فبعث إليه النَّبيُّ ﷺ فبشَّره». رواه (١) ابن جريرٍ (٢) من حديث سعيد بن جبيرٍ مرسلًا، ورواه الطَّبرانيُّ عن عائشة مرفوعًا بلفظ: «فقال: يا رسول الله إنَّك لأحبُّ إليَّ من نفسي وأهلي (٣) ومالي، وإنِّي لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتَّى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتك؛ عرفت أنَّك تُرفَع مع النَّبيِّين، وإِنِّي إذا (٤) دخلت الجنَّة خشيت أنِّي (٥) لا أراك، فلم يردَّ عليه النَّبيُّ ﷺ حتَّى نزل (٦) جبريل ﵇ بهذه الآية» وقد سمَّى الواحديُّ وغيره الرَّجل ثوبان، وقد ثبت في غير ما حديثٍ من طرقٍ كثيرةٍ عن جماعةٍ من الصَّحابة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «المرء مع من أحبَّ» [خ¦٦١٦٨]. (١٤) (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَمَا لَكُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- في قوله تعالى: «﴿وَمَا لَكُمْ﴾» ﴿وَمَا﴾: مبتدأٌ، و ﴿لَكُمْ﴾: خبره، وجملة: (﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) الأظهر أنَّها في موضع نصبٍ على الحال، أي: ما لكم غير مقاتلين، والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدَّر (﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) جُرَّ -على الأظهر- بالعطف على ﴿سَبِيلِ اللّهِ﴾ أي: في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين؛ وهم الذين أسلموا بمكَّة ومنعهم المشركون من الهجرة (﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء﴾ [النساء: ٧٥]) فبقَوا بين أظهرهم مستذلِّين يَلقَون منهم الأذى الشَّديد (الآيةَ) كذا لأبي ذرٍّ (٧)، ولغيره (٨) بعد قوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء﴾: «إِلَى: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾» ﴿الظَّالِمِ﴾: صفةٌ للقرية؛ وهي مكَّة، و ﴿أَهْلُهَا﴾: رُفِعَ به على الفاعليَّة، وهم كفرة قريشٍ، و «أل» في ﴿الظَّالِمِ﴾ موصولةٌ بمعنى: التي، أي: التي ظَلَم أهلُها

стр. 8320

بالكفر، فالظُّلم (١) جارٍ على القرية لفظًا، وهو لما بعدها معنًى. ٤٥٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن أبي يزيد المكيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي) أمُّ الفضل لُبابة بنت الحارث الهلاليَّة زاد في «الفتح»: أخت ميمونة، زوج النَّبيِّ ﷺ ، قال الدَّاودي: فيه دليلٌ لمن قال: إن الولد يتبع المسلم من أبويه. (مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ) في مكَّة، وزاد أبو ذرٍّ (٢): «من الرِّجال والنِّساء والولدان» ومراده: حكاية الآية، وإلَّا فهو من الولدان، جمع وليدٍ؛ وهو الصَّغير، وأمُّه من المستضعفين. ٤٥٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بشينٍ معجمةٍ وحاءٍ مهملةٍ- قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الجهضميُّ الأزديُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن ابن عبَّاسٍ» رضي الله تعالى عنهما (تَلَا) قرأ قوله تعالى: (﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ) بالذَّال المعجمة، أي: ممَّن جعلهم الله تعالى من المعذورين المستضعفين. (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» في قوله تعالى: (﴿حَصِرَتْ﴾) [النساء: ٩٠] أي: (ضَاقَتْ) صدورهم.

стр. 8321

وعنه أيضًا ممَّا وصله الطَّبريُّ في قوله تعالى: ﴿وَإِن (١)﴾ (﴿تَلْوُواْ﴾) أي: (أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ [النساء: ١٣٥] عنها، وسقط قوله: «﴿تَلْوُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]: (المُرَاغَمُ) بفتح الغين المعجمة هو (المُهَاجَرُ) بفتح الجيم، قال أبو عبيدة: المرَاغَم والمهَاجَر واحدٌ؛ تقول: (رَاغَمْتُ) أي: (هَاجَرْتُ قَوْمِي) وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿كِتَابًا﴾ (﴿مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]) أي: (مُوَقَّتًا، وَقتَهُ عَلَيْهِمْ) ﵎، وسقط قوله: «﴿مَّوْقُوتًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (١٥) (﴿فَمَا لَكُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: «﴿فَمَا لَكُمْ﴾» مبتدأٌ وخبرٌ (٢) (﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾) يجوز تعلُّقه بما تعلَّق به الخبر؛ وهو ﴿لَكُمْ﴾ ويجوز تعلُّقه بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من (﴿فِئَتَيْنِ﴾) والمعنى: ما لكم لا تتَّفقون (٣) في شأنهم بل افترقتم في شأنهم بالخلاف في نفاقهم مع ظهوره (﴿وَاللّهُ أَرْكَسَهُم﴾) ردَّهم في حكم المشركين كما كانوا (﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ [النساء: ٨٨]) الباء سببيةٌ، و «ما»: مصدريَّةٌ أو بمعنى: «الذي» والعائد محذوفٌ على الثَّاني لا الأوَّل، وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾». (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله الطَّبريُّ في قوله: (﴿أَرْكَسَهُم﴾) أي: (بَدَّدَهُمْ) يعني: فرَّقهم ومزَّق شملهم، وقوله: (فِئَةٌ): واحدُ (٤) فئتين، ومعناه: (جَمَاعَةٌ) كقوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وَ ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٣].

стр. 8322

٤٥٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هو (١) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بن جعفرٍ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين، ابن ثابتٍ التَّابعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الخطميِّ الصَّحابيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]: رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ) وهم عبد الله بن أُبيِّ المنافق وأتباعه، وكانوا ثلاث مئة، وبقي النَّبيُّ ﷺ في سبع مئة (وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ؛ فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ) يا رسول الله، فإنَّهم منافقون (وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا) تقتلهم فإنَّهم تكلَّموا بكلمة الإسلام (فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (إِنَّهَا) أي: المدينة (طَيْبَةُ تَنْفِي الخَبَثَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «خبث الحديد» بدل: «الفضَّة»، وقيل: نزلت في قومٍ رجعوا إلى مكَّة وارتدُّوا، وقيل: في عبد الله بن أُبيٍّ المنافق لمَّا تكلَّم في حديث الإفك، وتقاولت الأوس والخزرج بسببه، قال ابن كثيرٍ: وهذا غريبٌ، وقيل غير ذلك. (١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذَا جَاءهُمْ﴾) أي: ضعفاء المؤمنين أو المنافقين (﴿أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ﴾) كفتحٍ أو غنيمةٍ (﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾) كقتلٍ وهزيمةٍ عن سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه (﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] أَيْ: أَفْشَوْهُ) بين النَّاس قبل (٢) أن يُخبَر به الرَّسول ﷺ ،

стр. 8323

فيضعُفُ بذلك قلوب المؤمنين، ولو ردُّوا ذلك الأمر إلى الرَّسول وإلى كبار الصَّحابة العارفين بمصالح الأمور ومفاسدها؛ لعَلِم تدبيرَ ما أخبروا به الذين (﴿يَسْتَنبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣]) أي: (يَسْتَخْرِجُونَهُ) وفيه إنكارٌ على من يُبَادر إلى الأمور قبل تحقُّقها، فيُخبِر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحَّةٌ، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع» رواه مسلمٌ، وسقط التَّبويب وقوله: «﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، ولغير أبي ذرٍّ لفظة: «أي» من قوله: «أي: أفشوه». (﴿حَسِيبًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] أي: (كَافِيًا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ. (﴿إِلاَّ إِنَاثًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] أي: ما يعبدون من دون الله إلَّا إناثًا؛ لأنَّ كلَّ من عبد شيئًا فقد دعاه لحاجته، و ﴿إِنَاثًا﴾ (يَعْنِي: المَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ) قال الحسن: كلُّ شيءٍ لا روح فيه كالحجر والخشبة (١) هي إناثٌ، وقد كانوا يُسمُّون أصنامهم بأسماء الإناث، فيقولون: اللَّات والعزَّى ومناة، وعن الحسن: إنَّ لكلِّ قبيلةٍ صنمًا يُدعَى أنثى بني فلانٍ؛ وذلك لقولهم: إنَّهنَّ بنات الله، أو قولهم: الملائكة بنات الله، وإنَّما نعبدهم ليُقرِّبونا إلى الله زلفى، اتَّخذوا أربابًا وصوَّروهنَّ صور الجواري، وقالوا: هؤلاء يُشبِهن بنات الله الذي نعبده؛ يعنون: الملائكة. وعن كعبٍ في الآية قال: «مع كلِّ صنمٍ جنيَّةٌ» رواه ابن أبي حاتمٍ، وسقط لفظ «يعني» لغير أبي ذرٍّ. (﴿مَّرِيدًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَإِن يَدْعُونَ﴾ أي: ما يدعون (٢) بعبادة الأصنام ﴿إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] أي: (مُتَمَرِّدًا) قال قتادة فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: متمردًا على معصية الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وسقط قوله: «﴿مَّرِيدًا﴾: متمرِّدًا» للكُشْمِيهنِيِّ والحَمُّويي. (﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾) هو من حكاية قول الشَّيطان في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ (٣) لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا

стр. 8324

مَّفْرُوضًا﴾ أي: حظًّا مقدَّرًا معلومًا ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن طريق الحقِّ ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ من طول العمر وبلوغ الأمل وتوقُّع الرَّحمة للمذنب بغير توبةٍ، أو الخروج من النَّار بالشَّفاعة ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٩] (بَتَّكَهُ) أي: (قَطَّعَهُ) وقد كانوا يشقُّون أُذُنَي النَّاقة إذا ولدت خمسة أبطنٍ وجاء الخامس ذكرًا، وحرَّموا على أنفسهم الانتفاع بها، ولا يردُّونها عن ماءٍ ولا مرعًى. (﴿قِيلاً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] والنَّصب على التَّمييز، و ﴿قِيلاً﴾ (وَقَوْلًا: وَاحِدٌ) وقالًا الثَّلاثة مصادرٌ بمعنًى (١). (طُبِعَ) بضمِّ الطَّاء وكسر الموحَّدة، أي: (خُتِمَ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]. ولم يذكر المؤلِّف حديثًا في هذا الباب، قال الحافظ ابن كثيرٍ: فَنَذكُر (٢) هنا -يعني: عند تفسير آية الباب- حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه المتَّفق عليه: «حين بلغه أنَّ رسول الله ﷺ طلَّق نساءه، فجاء (٣) من منزله حتَّى دخل المسجد، فوجد النَّاس يقولون ذلك، فلم يصبر حتَّى استأذن على النَّبيِّ ﷺ ، فاستفهمه: أطلَّقت نساءك؟ قال: لا. فقلت: الله أكبر» وذكر الحديث بطوله [خ¦٨٩] [خ¦٥١٩١] وعند مسلمٍ: «فقلت: أطلَّقتهنَّ؟ فقال: لا، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلِّق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا (٤) أستنبط (٥) ذلك الأمر» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه القصَّة عند البخاريِّ، لكن بدون هذه الزِّيادة، فليست على شرطه، وكأنَّه (٦) أشار إليها بهذه التَّرجمة. انتهى. وظاهر قول المفسِّرين السَّابق: أنَّ سبب نزول هذه الآية الإخبار عن السَّرايا والبعوث بالأمن أو الخوف، وهو خلاف ما في حديث مسلمٍ.

стр. 8325

(١٦) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾) حال كونه (﴿مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾) خبر ﴿وَمَن يَقْتُلْ﴾ ودخلت الفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشَّرط، وتمام الآية: ﴿خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وهذا تهديدٌ شديدٌ ووعيدٌ أكيدٌ، اشتمل على أنواعٍ من العذاب لم تجتمع في غير هذا الذَّنب العظيم المقرون بالشِّرك في غير ما آيةٍ، ومن ثَمَّ قال ابن عبَّاسٍ: إنَّ قاتل المؤمن عمدًا لا تُقبَل توبته. ٤٥٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ الخراسانيُّ الأصل قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسديَّ مولاهم الكوفيَّ (قَالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا) أي: في حكمها (أَهْلُ الكُوفَةِ) وسقط قوله: «آيةٌ» لغير أبوي ذرٍّ والوقت (فَرَحَلْتُ فِيهَا) بالرَّاء والحاء المهملة، ولأبي ذرٍّ: «فدخلت» بالدَّال والخاء المعجمة، أي: بعد رحلتي (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هَذهِ الآيَةُ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ) في هذا الباب (وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ) وروى أحمد والطَّبريُّ من طريق يحيى الجابر، والنَّسائيُّ وابن ماجه من طريق عمَّار الدُّهنيِّ؛ كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال: كنَّا عند ابن عبَّاسٍ بعدما كُفَّ بصره، فأتاه رجلٌ فناداه: يا عبد الله بن عبَّاسٍ ما ترى في رجلٍ قتل مؤمنًا متعمِّدًا؟ فقال: ﴿جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٢)﴾ [النساء: ٩٣] قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحًا ثمَّ اهتدى؟ قال ابن عبَّاسٍ: ثكلته أمُّه، وأنَّى له التَّوبة والهدى؟! والذي نفسي بيده؛ لقد سمعت نبيَّكم يقول: ثكلته

стр. 8326

أمُّه، قاتلُ مؤمنٍ متعمِّدًا جاء يوم القيامة آخذٌ بيمينه (١) تشخب أوداجه، ثمَّ قال: وايم الذي نفسي بيده؛ لقد أُنزِلت هذه الآية، وما نَسَخَتها من آيةٍ حتَّى قُبِض نبيُّكم ﷺ ، وقد روي هذا عن ابن عبَّاسٍ من طرقٍ كثيرةٍ، وقال به جماعةٌ من السَّلف، وهو محمولٌ عند الجمهور على الزَّجر والتَّغليظ؛ للدَّلائل الدَّالة على خلافه، وإلَّا فكلُّ ذنبٍ ممحوٌّ (٢) بالتَّوبة، وناهيك بمحو الشِّرك دليلًا، فهو (٣) في التَّغليظ؛ كحديث: «لزوال الدُّنيا أهون عند الله من قتل رجلٍ مسلمٍ» وحديث: «من أعان على قتل مسلمٍ ولو بشطر كلمةٍ؛ جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيسًا من رحمة الله» وكقوله (٤) تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: لم يحُجَّ تغليظًا وتشديدًا، وكلُّ ذلك لا يعارض نصوص الكتاب الدَّالة على عموم العفو، فلا بدَّ من التَّخصيص بمن لم يتُبْ، أو فعله مستحلًّا، أو الخلود: المكث الطَّويل، فإنَّ الدَّلائل متظاهرةٌ على أنَّ عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم، والحقُّ أنَّه متى صدر عن المؤمن مثل هذا الذَّنب، فمات ولم يتب؛ فحكمه إلى الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبه بقدر ما يشاء، ثمَّ يُخرجه إلى الجنَّة، وفي «سنن أبي داود» عن أبي مِجْلَزٍ: هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل، قال الواحديُّ: والأصل أنَّ الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد، وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السُّنَّة؛ فإذنْ لا مدخل لذكر التَّوبة وتركها في الآية، ولا يفتقر إخراج المؤمن من النَّار إلى دليلٍ ولا إلى تخصيص عامٍّ، ولا إلى تفسير الخلود بالمكث الطَّويل، قاله في «فتوح الغيب» وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودةٌ، إلى البحث في ذلك في «سورة الفرقان» بعون الله وقوَّته [خ¦٤٧٦٣].

стр. 8327

(١٧) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ (٢) لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) اللام في ﴿لِمَنْ﴾ للتَّبليغ، و «مَنْ»: موصولةٌ أو موصوفةٌ، و ﴿أَلْقَى﴾: ماضي اللَّفظ لكنَّه بمعنى المستقبل، أي: لمن يُلقِي؛ لأنَّ النَّهي لا يكون عمَّا انقضى، أي: لا تقولوا لمن حيَّاكم (٣) بتحيَّة السَّلام (٤) إنَّه إنَّما قالها تعوُّذًا، فتُقْدِموا عليه بالسَّيف؛ لتأخذوا ماله، ولكن كفُّوا واقبلوا منه ما أظهر (٥) لكم. (السِّلْمُ) بكسر السِّين وسكون اللَّام، وهي قراءة رُويت (٦) عن عاصم بن أبي (٧) النَّجود (وَالسَّلَمُ) بفتحهما من غير ألفٍ، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وحمزة، وفي «الفرع»: «و (السَّلْم)» بسكون اللَّام بعد فتحٍ، ورُوِي عن عاصمٍ الجحدريِّ (وَالسَّلامُ) بفتحهما ثم ألفٌ، وهي قراءة الباقين: (وَاحِدٌ) أي: في المعنى، وهو الاستسلام والانقياد، واستعمال ذي الألف في التحيَّة (٨) أكثر. ٤٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) قَالَ عطاءٌ: (قَالَ

стр. 8328

ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ) هو عامر بن الأضبط (فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) بضمِّ الغين، وفتح النُّون، تصغير غَنَمٍ (فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ) وكانوا في سريَّةٍ (فَقَالَ) أي: الرَّجل لهم: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وعند أحمد والتِّرمذيِّ من طريق سِمَاك عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: «قالوا (١): ما سلَّم علينا إلَّا ليتعوَّذ منَّا» (فَقَتَلُوهُ) وكان الذي قتله مُحلِّم بن جَثَّامة، كما ذكره البغويُّ في «معجم الصَّحابة»، وكان أمير السَّرية أبو قتادة، كذا (٢) نقله في «المقدِّمة» وكذا رواه ابن إسحاق في «المغازي» وأحمد من طريقه عن عبد الله بن أبي (٣) حدردٍ الأسلميِّ، بلفظ (٤): «بعثنا رسول الله ﷺ في نفرٍ من المسلمين، فيهم أبو قتادة ومُحلِّم بن جثَّامة، فمرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيُّ فسلَّم علينا، فحمل عليه مُحلِّم فقتله» (وَأَخَذُوا (٥) غُنَيْمَتَهُ) وفي رواية سِمَاك: «وأتوا بغنمه (٦) النَّبيَّ ﷺ » (فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ) يعني: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٩٤] ولأبي ذرٍّ: «وذلك» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ (٧)﴾) ولأبي ذرٍّ: «إلى قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ﴾» (﴿الدُّنْيَا﴾) أي: حطامها؛ وهو (تِلْكَ الغُنَيْمَةُ) وروى الثَّعلبيُّ من طريق الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ اسم المقتول مِرْداس -بكسر الميم، وسكون الرَّاء وبالمهملتين- ابن نَهِيك -بفتح النُّون وكسر الهاء آخره كافٌ قبلها تحتيَّةٌ ساكنةٌ- من أهل

стр. 8329

فدكٍ، وأنَّ اسم القاتل أسامة بن زيدٍ، وأنَّ اسم أمير السَّريَّة غالب بن فضالة الكعبيُّ، وأنَّ قوم مِرْداس لمَّا انهزموا؛ بقي وحده، وكان أَلجأَ غنمه إلى جبلٍ، فلمَّا لحقوه (١)؛ قال: لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله، السَّلام عليكم، فقتله أسامة بن زيدٍ، فلمَّا رجعوا نزلت الآية، وأخرج عبد بن حميدٍ من طريق قتادة نحوه، وكذا الطَّبريُّ من طريق السُّدِّيِّ، ولا مانع من التَّعدُّد ونزول الآية مرَّتين. (قَالَ) عطاء بن أبي رباحٍ: (قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (﴿السَّلَامَ﴾) بألفٍ بعد اللَّام المفتوحة، وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق. وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في آخر كتابه، وأبو داود في «الحروب»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير». (١٨) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ (٣)﴾ [النساء: ٩٥]) كذا في الفرع وأصله وغيرهما بإسقاط: «﴿غَيْرُ (٤) أُوْلِي الضَّرَرِ﴾» وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية» وسقط ما بعد ذلك. ٤٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ

стр. 8330

بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، التَّابعيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) الصَّحابيُّ (أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص التَّابعيَّ (فِي المَسْجِدِ) قال: (فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا) بفتح الرَّاء (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ﴾) بدون ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (فَجَاءَهُ) ﵊ (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عبدُ الله أو عمرٌو، واسم أبيه: زائدة (وَهْوَ) ﷺ (يُمِلُّهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم وتشديد اللَّام، أي: يُلقِي الآية (عَلَيَّ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ (١) أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) فخذه من ثقل الوحي (حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء وتشديد الضَّاد المعجمة (٢)، وفي (٣) الفرع كأصله: «تَرُضَّ» (٤) بفتح التَّاء وضمِّ الرَّاء (٥)، أي: تُدقَّ (فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، انكشف (عَنْهُ) وأزيل، يقال: سروت الثَّوب وسريته إذا خلعته، والتَّشديد فيه للمبالغة، أي: أُزِيل عنه ما نزل به من بُرَحَاء الوحي (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾) بالحركات الثَّلاث في ﴿غَيْرُ﴾ بالنَّصب نافعٌ وابن عامرٍ والكسائيُّ على الاستثناء أو على (٦) الحال، وبالرَّفع ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وحمزة وعاصم على الصِّفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ لأنَّ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ غير معيَّنٍ، فهو مثل قوله:

стр. 8331

وَلَقَدْ أَمرُّ عَلى اللّئيم يَسُبُّني ........................ قال الزَّجَّاج: ﴿غَيْرُ﴾: صفةٌ للقاعدين، وإن كان أصلها أن تكون صفةً للنَّكرة؛ المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أُولِي الضَّرر أي: الأصحَّاء والمجاهدون، وإن كانوا كلُّهم مؤمنين، وبالجرِّ في الشَّاذِّ على الصِّفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ أو البدل منه. وهذا الحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨٣٢]. ٤٥٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (١) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا) هو ابن ثابتٍ كاتب الوحي، فأمره بكتابتها (فَكَتَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) الأعمى (فَشَكَا) إلى رسول الله ﷺ (ضَرَارَتَهُ) بفتح الضَّاد المعجمة، أي: عماه، قال الرَّاغب: الضَّرر: اسم عامٌّ لكلِّ ما يضرُّ بالإنسان في بدنه ونفسه وعلى سبيل الكناية عُبِّر عن الأعمى بالضَّرير (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]). وسبق هذا الحديث في «الجهاد» [خ¦٢٨٣١]. ٤٥٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي

стр. 8332

إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ادْعُوا فُلَانًا) أي: زيد بن ثابتٍ، فدَعَوه (فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوِ الكَتِفُ) شَكٌّ من الرَّاوي (فَقَالَ: اكْتُبْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) ويُجمَع بين قوله هنا: إنَّ ابن أمِّ مكتوم كان خلف النَّبيِّ ﷺ وبين قوله في رواية شعبة السَّابقة [خ¦٤٥٩٣]: «دعا زيدًا فكتبها (١)، فجاء ابن أمِّ مكتوم» بأنَّه قام من مقامه خلف النَّبيِّ ﷺ حتَّى جاء مواجهه، فخاطبه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا ضَرِيرٌ) أي: لا أستطيع الجهاد (فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا) أي: في (٢) مكان الكتابة في الحال، قيل (٣): قبل أن يجفَّ القلم: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٩٥]) لم يقتصر الرَّاوي هنا على ذكر الكلمة الزَّائدة؛ وهي ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ كما في السَّابقة [خ¦٤٥٩٣] فيُحتَمل أن يكون الوحي نزل بإعادة الآية بالزِّيادة بعد أن نزل بدونها، فحكى الرَّاوي صورة الحال، أو نزل بقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فقط، وأعاد الرَّاوي الآية من أوَّلها حتَّى يتَّصل (٤) المستثنى (٥) بالمستثنى منه، قاله ابن التِّين، وأيَّد الأخير الحافظ ابن حجرٍ برواية خارجة بن (٦) زيد عن أبيه عند أحمد، فإنَّ فيها: «ثمَّ سُرِّي عنه فقال: اقرأ، فقرأتُ عليه: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال النَّبيُّ ﷺ : ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ قال (٧) زيدٌ: فألحقتها، فوالله لكأنِّي أنظر إلى مُلحَقها عند صدعٍ كان في الكَتِف» وعند الطَّبرانيِّ والبزَّار وصحَّحه

стр. 8333

ابن حبَّان من حديث الفَلَتَان -بالفاء واللَّام والفوقيَّة المفتوحات- ابن عاصمٍ: فقال النَّبيُّ ﷺ للكاتب: «اكتب: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾». ٤٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ (١): «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ). (ح) لتحويل السَّند قال المؤلِّف: (وَ (٢) حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ -لا ابن رَاهُوْيَه- قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك قال (٣): (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الكَرِيمِ) الجزريُّ؛ بالجيم والزَّاي والرَّاء (أَنَّ مِقْسَمًا) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السِّين المهملة، ابن بُجْرة (٤)؛ بضمِّ الموحَّدة وسكون الجيم، ويقال: نَجدة؛ بفتح النُّون وبدالٍ (مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفل بن عبد المطَّلب (أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما: أَخْبَرَهُ) عن قوله تعالى: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]) أي: (عَنْ) غزوة (بَدْرٍ، وَالخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ).

стр. 8334

انفرد بإخراجه (١) المؤلِّف دون مسلمٍ، وأخرجه التِّرمذيُّ من طريق حجَّاجٍ عن ابن جريجٍ، عن عبد الكريم، وزاد: «لمَّا نزلت غزوة بدرٍ؛ قال عبد الله بن جحشٍ وابن أمِّ مكتوم: إنَّا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصةٌ؟ فنزلت: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ و ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ … ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فهؤلاء القاعدون غير أولي الضَّرر، ﴿الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا. دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضَّرر» وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه من حديث ابن عبَّاسٍ، ومن قوله: «﴿دَرَجَةً﴾ … إلى آخره» مدرجٌ من قول ابن جريجٍ، كما بيَّنه (٢) الطَّبريُّ، وقال بدل قوله في رواية التِّرمذيِّ: «عبد الله بن جحشٍ»: أبو أحمد بن جحشٍ، وهو الصَّواب، واسم أبي أحمد هذا: عبدٌ؛ بغير إضافةٍ، وهو مشهورٌ بكنيته، والمعنى: لا مساواة بين القاعدين من غير عذرٍ وبين المجاهدين، وإن كان هذا معلومًا، لكنَّ فائدته -كما في «الكشَّاف» -: التَّذكير بما بينهما من التَّفاوت العظيم والبون البعيد، والتَّحريك إلى الجهاد، وقوله: «إنَّ جملة: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ موضِّحةٌ لِمَا نُفِي من استواء القاعدين والمجاهدين، والمعنى: على القاعدين غير أولي الضَّرر» مع قوله بعد: «والمفضَّلون درجةً واحدةً هم الذين فُضِّلوا على القاعدين الأضرَّاء، والمفضَّلون درجاتٍ، الذين فُضِّلوا على القاعدين الذي أُذِن لهم في التَّخلف؛ اكتفاءً بغيرهم، لأنَّ الغزو فرض كفايةٍ» تعقَّبه في «التَّقريب» فقال: فيه نظرٌ؛ لأنَّه فسَّر ﴿الْقَاعِدِينَ﴾ بغير أولي الضَّرر، وإنَّما يستقيم على تفسيره بالأضرَّاء، كما في «المعالم»، وقال غيره: ولقائلٍ أن يقول: فعلى هذا لم يبقَ للاستثناء معنًى؛ لأنَّ التَّقدير: وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين إلَّا أولي الضَّرر؛ فإنَّهم ليسوا بمفضَّلين، لكن قال في «فتوح الغيب»: إنَّ قوله: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملةٌ موضِّحةٌ … إلى آخره (٣) المراد منه وما عطف عليه من قوله: ﴿وَفَضَّلَ اللّهُ﴾ الثَّاني؛ كلاهما بيانٌ للجملة الأولى، ولا بدَّ من التَّطابق بين البيان والمبيَّن، والمذكور في البيان شيئان، وليس في المبيَّن سوى ذكر: ﴿غَيْرُ (٤) أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فالواجب أن يقدَّر ما يوافقه من (٥) قوله: ﴿لاَّ يَسْتَوِي

стр. 8335

الْقَاعِدُونَ﴾ أي: أولو الضَّرر وغير أولي الضَّرر، وهو من أسلوب الجمع التَّقديري لدلالة التَّفضيل على المفضَّل، وقال الرَّاغب: إن قيل: لِمَ كرَّر الفضل وأوجب (١) في الأول: ﴿دَرَجَةً﴾ وفي الثَّاني: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ وقيَّدها بقوله: ﴿مِّنْهُ﴾ وأردفها بالمغفرة والرَّحمة؟ قيل: عَنَى بالدَّرجة: ما يؤتيه في الدُّنيا (٢) من الغنيمة، ومن السُّرور بالظَّفر (٣) وجميل الذِّكر، وبالدَّرجات: ما يتخوَّلهم في الآخرة، ونبَّه (٤) بالإفراد في الأوَّل وبالجمع في الثَّاني على (٥) أنَّ ثواب الدُّنيا في جنب ثواب الآخرة يسيرٌ، وقيَّدها بقوله: ﴿مِّنْهُ﴾ لتعظيمها، وأردفها بالمغفرة والرَّحمة؛ إيذانًا بالوصول إلى الدَّرجات بعد الخلاص من التَّبعات، قال في «فتوح الغيب»: والذي تقتضيه البلاغة هذا؛ وبيانه: أنَّ قوله: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملةٌ موضِّحةٌ لِمَا نفى الاستواء فيه، و ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ (٦) على التَّقييد السَّابق من أنَّ المراد به: غير الأضرَّاء فحسب، وإنَّما كرَّر ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ ليُناط به من الزِّيادة ما لم يُنَط به أوَّلًا، فالفضل الأول: الظَّفر والغنيمة والذِّكر الجميل في الدُّنيا، والثَّاني: المقامات السَّنِيَّة والدَّرجات العالية، والفوز بالرِّضوان في العُقْبى، ثمَّ قال: هذا تفسيرٌ متينٌ (٧)، موافقٌ للنَّظم، لا تعقيد فيه، غير محتاجٍ إلى جعل المجاهدين صنفين، كما يُنبِئ عنه ظاهر «الكشَّاف» ويطابقه (٨) سبب النُّزول، ويلائم حديث أنسٍ مرفوعًا: «لقد خلَّفتم في المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلَّا كانوا معكم» قاله حين رجع من غزوة تبوك ودنا من (٩) المدينة، والحديثان يؤذنان بالمساواة بين المجاهدين والأضرَّاء، وعليه دلالة مفهوم الصِّفة والاستثناء في ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ وكلام الزَّجَّاج: «إلَّا أولو الضَّرر فإنَّهم يساوون المجاهدين»؛ يعني: في أصل الثَّواب لا في المضاعفة؛ لأنَّها تتعلَّق بالفعل.
следующие страницы →