وَلَقَدْ أَمرُّ عَلى اللّئيم يَسُبُّني ........................
قال الزَّجَّاج: ﴿غَيْرُ﴾: صفةٌ للقاعدين، وإن كان أصلها أن تكون صفةً للنَّكرة؛ المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أُولِي الضَّرر أي: الأصحَّاء والمجاهدون، وإن كانوا كلُّهم مؤمنين، وبالجرِّ في الشَّاذِّ على الصِّفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ أو البدل منه.
وهذا الحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨٣٢].
٤٥٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (١) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا) هو ابن ثابتٍ كاتب الوحي، فأمره بكتابتها (فَكَتَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) الأعمى (فَشَكَا) إلى رسول الله ﷺ (ضَرَارَتَهُ) بفتح الضَّاد المعجمة، أي: عماه، قال الرَّاغب: الضَّرر: اسم عامٌّ لكلِّ ما يضرُّ بالإنسان في بدنه ونفسه وعلى سبيل الكناية عُبِّر عن الأعمى بالضَّرير (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]).
وسبق هذا الحديث في «الجهاد» [خ¦٢٨٣١].
٤٥٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي
стр. 8332
إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ادْعُوا فُلَانًا) أي: زيد بن ثابتٍ، فدَعَوه (فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوِ الكَتِفُ) شَكٌّ من الرَّاوي (فَقَالَ: اكْتُبْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) ويُجمَع بين قوله هنا: إنَّ ابن أمِّ مكتوم كان خلف النَّبيِّ ﷺ وبين قوله في رواية شعبة السَّابقة [خ¦٤٥٩٣]: «دعا زيدًا فكتبها (١)، فجاء ابن أمِّ مكتوم» بأنَّه قام من مقامه خلف النَّبيِّ ﷺ حتَّى جاء مواجهه، فخاطبه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا ضَرِيرٌ) أي: لا أستطيع الجهاد (فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا) أي: في (٢) مكان الكتابة في الحال، قيل (٣): قبل أن يجفَّ القلم: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٩٥]) لم يقتصر الرَّاوي هنا على ذكر الكلمة الزَّائدة؛ وهي ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ كما في السَّابقة [خ¦٤٥٩٣] فيُحتَمل أن يكون الوحي نزل بإعادة الآية بالزِّيادة بعد أن نزل بدونها، فحكى الرَّاوي صورة الحال، أو نزل بقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فقط، وأعاد الرَّاوي الآية من أوَّلها حتَّى يتَّصل (٤) المستثنى (٥) بالمستثنى منه، قاله ابن التِّين، وأيَّد الأخير الحافظ ابن حجرٍ برواية خارجة بن (٦) زيد عن أبيه عند أحمد، فإنَّ فيها: «ثمَّ سُرِّي عنه فقال: اقرأ، فقرأتُ عليه: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال النَّبيُّ ﷺ : ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ قال (٧) زيدٌ: فألحقتها، فوالله لكأنِّي أنظر إلى مُلحَقها عند صدعٍ كان في الكَتِف» وعند الطَّبرانيِّ والبزَّار وصحَّحه
стр. 8333
ابن حبَّان من حديث الفَلَتَان -بالفاء واللَّام والفوقيَّة المفتوحات- ابن عاصمٍ: فقال النَّبيُّ ﷺ للكاتب: «اكتب: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾».
٤٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ (١): «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ).
(ح) لتحويل السَّند قال المؤلِّف: (وَ (٢) حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ -لا ابن رَاهُوْيَه- قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك قال (٣): (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الكَرِيمِ) الجزريُّ؛ بالجيم والزَّاي والرَّاء (أَنَّ مِقْسَمًا) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السِّين المهملة، ابن بُجْرة (٤)؛ بضمِّ الموحَّدة وسكون الجيم، ويقال: نَجدة؛ بفتح النُّون وبدالٍ (مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفل بن عبد المطَّلب (أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما: أَخْبَرَهُ) عن قوله تعالى: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]) أي: (عَنْ) غزوة (بَدْرٍ، وَالخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ).
стр. 8334
انفرد بإخراجه (١) المؤلِّف دون مسلمٍ، وأخرجه التِّرمذيُّ من طريق حجَّاجٍ عن ابن جريجٍ، عن عبد الكريم، وزاد: «لمَّا نزلت غزوة بدرٍ؛ قال عبد الله بن جحشٍ وابن أمِّ مكتوم: إنَّا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصةٌ؟ فنزلت: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ و ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ … ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فهؤلاء القاعدون غير أولي الضَّرر، ﴿الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا. دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضَّرر» وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه من حديث ابن عبَّاسٍ، ومن قوله: «﴿دَرَجَةً﴾ … إلى آخره» مدرجٌ من قول ابن جريجٍ، كما بيَّنه (٢) الطَّبريُّ، وقال بدل قوله في رواية التِّرمذيِّ: «عبد الله بن جحشٍ»: أبو أحمد بن جحشٍ، وهو الصَّواب، واسم أبي أحمد هذا: عبدٌ؛ بغير إضافةٍ، وهو مشهورٌ بكنيته، والمعنى: لا مساواة بين القاعدين من غير عذرٍ وبين المجاهدين، وإن كان هذا معلومًا، لكنَّ فائدته -كما في «الكشَّاف» -: التَّذكير بما بينهما من التَّفاوت العظيم والبون البعيد، والتَّحريك إلى الجهاد، وقوله: «إنَّ جملة: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ موضِّحةٌ لِمَا نُفِي من استواء القاعدين والمجاهدين، والمعنى: على القاعدين غير أولي الضَّرر» مع قوله بعد: «والمفضَّلون درجةً واحدةً هم الذين فُضِّلوا على القاعدين الأضرَّاء، والمفضَّلون درجاتٍ، الذين فُضِّلوا على القاعدين الذي أُذِن لهم في التَّخلف؛ اكتفاءً بغيرهم، لأنَّ الغزو فرض كفايةٍ» تعقَّبه في «التَّقريب» فقال: فيه نظرٌ؛ لأنَّه فسَّر ﴿الْقَاعِدِينَ﴾ بغير أولي الضَّرر، وإنَّما يستقيم على تفسيره بالأضرَّاء، كما في «المعالم»، وقال غيره: ولقائلٍ أن يقول: فعلى هذا لم يبقَ للاستثناء معنًى؛ لأنَّ التَّقدير: وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين إلَّا أولي الضَّرر؛ فإنَّهم ليسوا بمفضَّلين، لكن قال في «فتوح الغيب»: إنَّ قوله: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملةٌ موضِّحةٌ … إلى آخره (٣) المراد منه وما عطف عليه من قوله: ﴿وَفَضَّلَ اللّهُ﴾ الثَّاني؛ كلاهما بيانٌ للجملة الأولى، ولا بدَّ من التَّطابق بين البيان والمبيَّن، والمذكور في البيان شيئان، وليس في المبيَّن سوى ذكر: ﴿غَيْرُ (٤) أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فالواجب أن يقدَّر ما يوافقه من (٥) قوله: ﴿لاَّ يَسْتَوِي
стр. 8335
الْقَاعِدُونَ﴾ أي: أولو الضَّرر وغير أولي الضَّرر، وهو من أسلوب الجمع التَّقديري لدلالة التَّفضيل على المفضَّل، وقال الرَّاغب: إن قيل: لِمَ كرَّر الفضل وأوجب (١) في الأول: ﴿دَرَجَةً﴾ وفي الثَّاني: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ وقيَّدها بقوله: ﴿مِّنْهُ﴾ وأردفها بالمغفرة والرَّحمة؟ قيل: عَنَى بالدَّرجة: ما يؤتيه في الدُّنيا (٢) من الغنيمة، ومن السُّرور بالظَّفر (٣) وجميل الذِّكر، وبالدَّرجات: ما يتخوَّلهم في الآخرة، ونبَّه (٤) بالإفراد في الأوَّل وبالجمع في الثَّاني على (٥) أنَّ ثواب الدُّنيا في جنب ثواب الآخرة يسيرٌ، وقيَّدها بقوله: ﴿مِّنْهُ﴾ لتعظيمها، وأردفها بالمغفرة والرَّحمة؛ إيذانًا بالوصول إلى الدَّرجات بعد الخلاص من التَّبعات، قال في «فتوح الغيب»: والذي تقتضيه البلاغة هذا؛ وبيانه: أنَّ قوله: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملةٌ موضِّحةٌ لِمَا نفى الاستواء فيه، و ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ (٦) على التَّقييد السَّابق من أنَّ المراد به: غير الأضرَّاء فحسب، وإنَّما كرَّر ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ ليُناط به من الزِّيادة ما لم يُنَط به أوَّلًا، فالفضل الأول: الظَّفر والغنيمة والذِّكر الجميل في الدُّنيا، والثَّاني: المقامات السَّنِيَّة والدَّرجات العالية، والفوز بالرِّضوان في العُقْبى، ثمَّ قال: هذا تفسيرٌ متينٌ (٧)، موافقٌ للنَّظم، لا تعقيد فيه، غير محتاجٍ إلى جعل المجاهدين صنفين، كما يُنبِئ عنه ظاهر «الكشَّاف» ويطابقه (٨) سبب النُّزول، ويلائم حديث أنسٍ مرفوعًا: «لقد خلَّفتم في المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلَّا كانوا معكم» قاله حين رجع من غزوة تبوك ودنا من (٩) المدينة، والحديثان يؤذنان بالمساواة بين المجاهدين والأضرَّاء، وعليه دلالة مفهوم الصِّفة والاستثناء في ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ وكلام الزَّجَّاج: «إلَّا أولو الضَّرر فإنَّهم يساوون المجاهدين»؛ يعني: في أصل الثَّواب لا في المضاعفة؛ لأنَّها تتعلَّق بالفعل.
стр. 8336
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾) ملك الموت وأعوانه، وهم ستَّةٌ؛ ثلاثةٌ: لقبض (١) أرواح المؤمنين، وثلاثةٌ: للكفار، أو المراد: ملك الموت وحده، وذُكِر بلفظ الجمع للتَّعظيم، أي: توفَّاهم الملائكة بقبض أرواحهم حال كونهم (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) ويصلح ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أن يكون للماضي، وذُكِر الفعل لأنَّه فعل جمعٍ، وللاستقبال، أي: الذين تتوفَّاهم، حُذِفت التَّاء الثَّانية؛ لاجتماع المثلين، قال في «فتوح الغيب»: إذا حُمِل على الاستقبال؛ يكون من باب حكاية الحال الماضية (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة لهم: (﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾) من أمر الدِّين (٢) في فريق المسلمين أو المشركين؟ والسُّؤال للتَّوبيخ؛ يعني: لِمَ تركتم الجهاد والهجرة والنُّصرة؟ (﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾) أي: عاجزين (﴿فِي الأَرْضِ﴾) لا نقدر على الخروج من مكَّة (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة: (﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: إلى المدينة، وتخرجوا من بين أظهر المشركين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿قَالْوَاْ (٣) كُنَّا﴾ … » إلى آخره، وسقط الباب من أكثر النُّسخ، وثبت في بعضها.
٤٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ) بالهمزة، أبو عبد الرَّحمن المكِّيُّ -أصله من البصرة أو الأهواز، أقرأ القرآن نيِّفًا وسبعين سنةً، وهو من كبار شيوخ البخاريِّ- قال: (حَدَّثَنَا
стр. 8337
حَيْوَةُ) بفتح (١) المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الواو، ابن شُرَيحٍ؛ بالشِّين المعجمة المضمومة والرَّاء المفتوحة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملةٌ، أبو زرعة التُّجِيبيُّ -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الجيم- المصريُّ (٢) (وَغَيْرُهُ) هو ابن لهيعة المصريُّ، كما أخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن نوفلٍ الأسديُّ (أَبُو الأَسْوَدِ) يتيم عروة بن الزُّبير (قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: أُلزِموا بإخراج جيشٍ لقتال أهل الشَّام، في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية وسكون الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ) بأنِّي اكتُتِبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ) سمَّى ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» من طريق ابن جُريجٍ عن عكرمة، ومن طريق ابن عيينة عن ابن إسحاق: عمرَو بنَ أمية بن خلفٍ، والعاص بن منبِّه (٣) بن الحجَّاج، والحارث بن زمعة، وأبا قيس بن الفاكه، وعند ابن جُريجٍ: أبا (٤) قيس بن الوليد بن المغيرة، وعند ابن مردويه من طريق أشعث بن سوَّارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: الوليدَ بنَ عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلفٍ (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «على عهد رسول الله» (¬ ﷺ ¬) وفي رواية أشعث المذكورة: أنَّهم خرجوا إلى بدرٍ، فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين؛ دخلهم شكٌّ وقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم، فقُتِلوا ببدرٍ (يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «يُرمَى» بإسقاط الفاء، ولأبي ذرٍّ: «يُدْمَى» «بالدَّال» بدل: «الرَّاء»، (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ) نصبٌ على المفعولية (فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ) بضمِّ حرف المضارعة من الفعلين وفتح ثالثهما، قال في «الكواكب الدَّراريِّ»: وغرض عكرمة أنَّ الله ذمَّ من كثَّر (٥) سواد المشركين مع أنَّهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، فكذلك أنت لا تكثِّر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم؛ لأنَّهم لا يقاتلون
стр. 8338
في سبيل الله (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم.
(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من طريق أبي صالحٍ كاتب اللَّيث عن اللَّيث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) عن عكرمة، لكن بدون قصَّة أبي الأسود، وعند الطَّبريِّ (١) وابن أبي حاتمٍ من طريق عمرو بن دينارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان قومٌ من أهل مكَّة أسلموا، وكانوا يُخفُون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدرٍ، فأُصِيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأُكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت، فكَتَبوا بها إلى من بقي من المسلمين، وأنَّه (٢) لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ﴾ الاية [البقرة: ٨] فكُتِب إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم، فنجا من نجا وقُتِل من قُتِل» وعن سَمُرة: قال رسول الله ﷺ : «من جامع المشرك أو (٣) سكن معه فإنه مثله» رواه أبو داود.
(٢٠) (﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) وفي بعض النُّسخ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في قوله تعالى: «﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾» استثناءٌ من قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] فيكون الاستثناء متَّصلًا، كأنَّه قيل: فأولئك في جهنَّم إلَّا المستضعفين، والصَّحيح أنَّه منقطعٌ؛ لأنَّ الضَّمير في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ عائدٌ على ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ وهؤلاء المتوفُّون إمَّا كفَّارًا أو عصاةً بالتَّخلُّف، وهم قادرون على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون، فكان منقطعًا (﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾) الذين (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾) في الخروج من مكَّة؛ لعجزهم وفقرهم (﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٨]) ولا معرفة لهم بالمسالك من مكَّة إلى المدينة، واستشكل إدخال ﴿الْوِلْدَانِ﴾ في جملة المستثنين من أهل الوعيد؛ لأنَّه يُوهِم دخول الولدان
стр. 8339
فيه إذا استطاعوا واهتدوا، وأُجيب بأنَّ العجز متمكِّن من الولدان لا ينفكُّ عنهم، فكانوا (١) خارجين من جملتهم في (٢) الوعيد ضرورةً، فإذا لم يدخلوا فيه؛ لم يخرجوا بالاستثناء، فإن قلت: فإذا لم يخرجوا بالاستثناء (٣) كيف قرنهم في جملة المستثنين؟ أُجيب ليبيِّن أنَّ الرِّجال والنِّساء الذين لا يستطيعون صاروا في انتفاء الذَّنب كالولدان مبالغةً؛ لأنَّ المعطوف عليه يكتسب من معنى المعطوف؛ لمشاركتهما في الحكم، أو المراد بالولدان: العبيد أو البالغون، وهو أولى من إرادة المراهقين لعدم توبيخ نحوهم، وكذا هو أولى من حمل البيضاوي ذلك على المبالغة في الأمر، باعتبار أنَّهم على صدد وجوب الهجرة، فإنَّهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها، فإنَّ قُوَّامهم (٤) يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت الهجرة (٥)، قال الطِّيبيُّ: وعلى هذا: المبالغةُ راجعة إلى وجوب الهجرة (٦)، وأنَّها خارجةٌ عن حكم سائر التَّكاليف؛ حيث أُوجِبَت على من لم يجب عليه شيءٌ.
٤٥٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قوله تعالى: (﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨] قَالَ: كَانَتْ أُمِّي (٧)) أمُّ الفضل لُبَابة بنت الحارث (مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ) أي: ممَّن جعله الله من المعذورين.
وسبق هذا الحديث في هذه السُّورة [خ¦٤٥٨٨].
стр. 8340
(٢١) (باب قوله) تعالى: (﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]) أي: يتجاوز عنهم بتركهم الهجرة، و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبٌ؛ لأنَّه إطماعٌ، والله تعالى إذا أَطْمَع عبدًا في شيءٍ أوصله إليه (الآيةَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره: «فـ ﴿عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾» وليس هو لفظ القرآن «﴿وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾» (١).
٤٥٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ التَّميميُّ (٢) مولاهم البصريُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشَاءَ؛ إِذْ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ: اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) أخا أبي (٣) جهلٍ لأمِّه (اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) أخا أبي جهلٍ (اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ) ابن المغيرة المخزوميَّ أخا خالد بن الوليد، وهؤلاء قومٌ من أهل مكَّة، أسلموا ففتنتهم قريشٌ وعذَّبوهم، ثمَّ نَجَوا منهم ببركته ﵊، ثمَّ هاجروا إليه (اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) عامٌّ بعد خاصٍّ، و «نَجِّ» بفتح النُّون وتشديد الجيم، ثمَّ دعا على من عوَّقهم عن (٤) الهجرة فقال: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطَّاء، أي: عقوبتك (عَلَى) كفَّار قريشٍ أولاد (مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا) أي: وطأتك (سِنِينَ) أعوامًا مجدبةً (كَسِنِي يُوسُفَ) ﵊ المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] وأصل السَّنَةِ: سَنْهة على وزن جَبْهة، فحُذِفَت لامها ونُقِلَت حركتها
стр. 8341
إلى النُّون، فإذا أضفتها؛ حذفت نون الجمع؛ للإضافة؛ جريًا على اللُّغة العالية (١) فيه؛ وهي (٢) إجراؤه مجرى جمع المذكَّر السَّالم، لكنَّه شاذٌّ؛ لأنه غير عاقلٍ، ولتغيير مفرده بكسر أوَّله.
وقد سبق هذا الحديث في «باب يهوي بالتَّكبير حين يسجد» [خ¦٨٠٤] وفي أوائل «الاستسقاء» [خ¦١٠٠٦].
(٢٢) (بابُ قولِهِ) تعالى، كذا للمستملي بالإضافة وسقط لفظ «باب» لغيره (٣)، ولأبي ذرِّ تنوين «بابٌ» وحَذْفُ تاليه (﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) أي: لا إثم عليكم (﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]) فيه بيان الرُّخصة في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلُّهم من مطرٍ أو يضعفهم من مرضٍ، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر؛ لئلَّا يغفلوا فيهجم عليهم العدوُّ، ودلَّ ذلك على وجوب الحذر عن جميع المضارِّ المظنونة، ومن ثمَّ عُلِم أنَّ العلاج بالدَّواء والاحتراز عن الوباء والتَّحرُّز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجبٌ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿مِّن مَّطَرٍ﴾: «الآية».
٤٥٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ نزيل بغدادٍ ثمَّ مكة قال: (أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن محمَّدٍ الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى) بن مسلم بن هرمز (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) في قوله تعالى: (﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: ١٠٢] قَالَ) أي: ابن
стр. 8342
عبَّاسٍ: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ كَانَ (١) جَرِيحًا) ولأبي ذرٍّ: «وكان جريحًا»، أي: فنزلت الآية فيه، و «عبد الرحمن» مبتدأٌ، خبره «كان جريحًا» والجملة من قول ابن عبَّاسٍ.
وهذا الحديث أخرجه النسائي رحمه الله تعالى.
(٢٣) (باب قوله) كذا للمستملي، وسقط ذلك لغيره (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾) بالواو، ولأبوي الوقت وذرٍّ بإسقاطها، أي: يسألونك الفتوى (﴿فِي النِّسَاء﴾) أي: في ميراثهنَّ (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾) وكانت العرب لا تورِّثهنَّ شيئًا (﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء﴾ [النساء: ١٢٧]) موضع ﴿مَا﴾ إمَّا رفعٌ عطفًا على المستكنِّ في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ العائد عليه تعالى، وجاز ذلك؛ للفصل بالمفعول والجارِّ والمجرور، والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] والفعل الواحد يُنسَب إلى فاعلين (٢) باعتبارين مختلفين؛ نحو: أغناني زيدٌ وعطاؤه، وأعجبني زيدٌ وكرمه، وذلك أنَّ قوله (٣): ﴿اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ بمنزلة: أعجبني زيدٌ (٤)؛ جيء به للتَّوطئة والتَّمهيد، وقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء﴾ بمنزلة: وكرمه؛ لأنَّه المقصود بالذِّكر، أو مبتدأٌ و ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ خبره، والمراد به: اللَّوح المحفوظ؛ تعظيمًا (٥) للمتلوِّ عليهم، وأنَّ العدل والنِّصَفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور، والمخلُّ بها ظالمٌ متهاونٌ بما (٦) عظَّمه الله تعالى، أو نصبٌ على تقدير: ويبين لكم ما يتلى (٧)، أو جرٌّ بالقسم، أي: وأُقسم بما يتلى عليكم، ولا يصح العطف على الضَّمير المجرور في ﴿فِيهِنَّ﴾ من حيث اللَّفظ والمعنى، أمَّا اللَّفظ فلأنَّه لا يجوز العطف على الضَّمير المجرور من غير إعادة
стр. 8343
الجارِّ، وأمَّا المعنى فلأنَّه يلزم أن يكون الإفتاء في شأن المتلوِّ مع أنَّه ليس السُّؤال عنه.
٤٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مصغَّرًا، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهبَّاريُّ الكوفيُّ، واسمه: عبد الله، وعبيد لقبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) وسقط «قال» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (٢) بالإفراد «أبي» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) في قوله تعالى: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾) سقطت الواو لأبي (٣) ذرٍّ (٤) (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) أي: في نكاحهنَّ (قَالَتْ عائِشَةُ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «عائشة» (هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا) القائم بأمورها (وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ) بفتح الهمزة والرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «فتَشرَكه» بفتح التَّاء والرَّاء (فِي مَالِهِ حَتَّى فِي العَذْقِ) بفتح العين وسكون المعجمة، أي: في النَّخلة، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «في العِذق» بكسر العين، أي: في الكباسة وهي (٥) عنقود التَّمر (فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا) أي: عن نكاحها (وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا) غيره (فَيَشْرَكُهُ) أي: الرَّجل الذي يتزوَّجها (فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ) أي: بالذي شركته فيه (فَيَعْضُلَهَا) بضمِّ الضاد المعجمة، نُصِب عطفًا على المنصوب السَّابق، وكذا «فيشركها»، ويجوز رفعها عطفًا على «يرغب» (٦) و «يكره» أي: يمنعها من التزوُّج، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق السُّدِّيِّ قال: «كان لجابرٍ بنتُ عمٍّ دميمةٌ، ولها مالٌ ورثته عن أبيها، وكان جابرٌ
стр. 8344
يرغب عن نكاحها، ولا يُنكحِها خشية أن يذهب الزَّوج بمالها، فسأل النَّبيَّ ﷺ عن ذلك» (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
وهذا الحديث سبق في «باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾» أوَّل هذه السُّورة [خ¦٤٥٧٤].
(٢٤) (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا﴾) أي: زوجها (﴿نُشُوزًا﴾) بأن يتجافى عنها ويمنعها نفقته ونفسه، أو يؤذيها بشتمٍ أو ضربٍ (﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]) بتقليل المحادثة والمؤانسة بسبب طعنٍ في سنٍّ أو دمامةٍ أو غيرهما، و ﴿امْرَأَةٌ﴾: فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ واجب الإضمار، وهو من باب الاشتغال، والتَّقدير: وإن خافت امرأة خافت، ولا يجوز رفعه بالابتداء؛ لأنَّ أداة الشَّرط لا يليها إلَّا الفعل عند جمهور البصريِّين.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (﴿شِقَاقَ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] أي: (تَفَاسُدٌ) وأصل الشِّقاق: المخالفة وكون كلِّ واحدٍ من المتخالفين في شقٍّ غير صاحبه، ومحلُّ ذكر هذه الآية قبلُ على ما لا يخفى.
(﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]) قال الإمام: المعنى: أنَّ الشُّحَّ جُعِل كالأمر المجاور للنُّفوس اللَّازم لها؛ يعني: أنَّ النُّفوس مطبوعةٌ على الشُّحِّ، وهذا معنى قول «الكشَّاف»: إنَّ الشُّحَّ قد جُعِل حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا ولا تنفكُّ عنه؛ يعني: أنَّها مطبوعةٌ عليه، فالمرأة (١) لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرَّجل لا تكاد نفسه تسمح (٢) بأن يقسم لها وأن يُمسِكها إذا رغب عنها وأحبَّ غيرها، وجملة ﴿وَأُحْضِرَتِ﴾ كقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: اعتراضٌ، قال أبو حيَّان: كأنَّه يريد أنَّ قوله: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٣) فجاءت الجملتان بينهما
стр. 8345
اعتراضًا، وتعقَّبه بعضهم فقال: فيه نظرٌ؛ فإنَّ بعدهما (١) جملًا أُخَر، فكان ينبغي أن يقول الزَّمخشريُّ في الجميع: إنَّها اعتراضٌ، ولا يخصَّ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ (٢) بذلك، وإنَّما أراد الزَّمخشريُّ بذلك (٣) الاعتراض بين قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ فإنَّهما شرطان متعاطفان (٥)، ويدلُّ عليه تفسيره بما يفيد هذا المعنى؛ فليُنظَر من موضعه، وقد فسَّر المؤلِّف ﴿الشُّحَّ﴾ بما فسَّره به ابن عبَّاسٍ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ حيث قال: (هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ) وقيل: ﴿الشُّحَّ﴾: البخل مع الحِرْص، وقيل: الإفراط في الحِرْص.
(﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾) يريد: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (لَا هِيَ أَيِّمٌ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وتحتيَّةٍ مشدَّدةٍ مكسورةٍ، أي: لا زوج لها (وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ).
وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا (٦) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله: (﴿نُشُوزًا﴾) أي: (بُغْضًا).
٤٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) في قوله
стр. 8346
تعالى: (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا) أي: في المحبَّة والمعاشرة والملازمة (يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي) (١) من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيتٍ أو غير ذلك من حقوقي (فِي حِلٍّ) أي: وتتركني بغير طلاقٍ (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) زاد أبوا الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي: «﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية» (فِي ذَلِكَ) فإذا تصالح الزَّوجان على أن تطيب له نفسًا في القسمة أو عن بعضها؛ فلا جناح عليهما، كما فعلت سودة بنت زمعة فيما رواه التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: «خَشِيَتْ سودة أن يطلِّقها رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، لا تطلِّقني واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية» وقال: حسنٌ غريبٌ، وكان رسول الله (٢) ﷺ يقسم لعائشة يومين؛ يومها ويوم سودة، وترك سودة في جملة نسائه، وفعل (٣) ذلك لتتأسَّى به أمَّته في مشروعية ذلك وجوازه.
(٢٥) (﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾) وفي نسخةٍ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في (٤) قوله تعالى: «﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾» (﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «﴿مِنَ النَّارِ﴾» (وَقَالَ): بالواو، ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ أي: (أَسْفَلَ النَّارِ) وللنَّار سبع دركاتٍ، والمنافق في أسفلها، وقال أبو هريرة فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: «﴿الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ بيوتٌ لها أبوابٌ تُطبَق عليها، فتوقد من فوقهم ومن تحتهم» ولعلَّ ذلك لأنه (٥) في أسفل السَّافلين من درجات الإنسانية، وكيف لا وقد ضَمَّ إلى الكفر السُّخرية بالإسلام وأهله، والمنافق: هو المظهر للإسلام المبطن للكفر؛ فلذا كان عذابه أشدَّ من الكفَّار، وتسمية غيره بالمنافق في الحديث
стр. 8347
الصَّحيح: «ثلاثٌ من كنَّ فيه؛ كان منافقًا خالصًا» [خ¦٣٤] فللتَّغليظ.
(﴿نَفَقًا﴾) يريد قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا أي: (سَرَبًا).
٤٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ، وهو خال إبراهيم أنَّه (قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ، و «حَلْقة»: بسكون اللَّام (فَجَاءَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ) أي: ابتُلُوا به، والخيريَّة باعتبار أنَّهم كانوا من طبقة الصَّحابة، فهم خيرٌ من طبقة التَّابعين، لكنَّ الله تعالى ابتلاهم فارتَدُّوا أو نافقوا، فذهبت الخيريَّة منهم (قَالَ الأَسْوَدُ) بن يزيد متعجِّبًا من كلام حذيفة: (سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ متعجِّبًا من كلام حذيفة، وبما قام به من قول الحقِّ وما حذر منه (وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ) قال الأسود: (فَرَمَانِي) أي: حذيفة بن اليمان (بِالحَصَا) (١) أي: ليستدعيني (فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ) أي: ضحك عبد الله بن مسعودٍ مقتصرًا عليه، أي: على الضَّحك (٢) (وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، ثُمَّ تَابُوا) أي: رجعوا عن النِّفاق (فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) واستُدِلَّ به كقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] على صحَّة توبة الزِّنديق وقبولها، كما عليه الجمهور.
стр. 8348
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٢٦) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (قوله) : (﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣]) وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، وقوله: «﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٢)» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، والكاف في ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ نصبٌ بمصدرٍ محذوفٍ، أي: إيحاءً مثل إيحائنا، أو على أنَّه حالٌ من ذلك المصدر المحذوف، و «ما»: تحتمل المصدريَّة؛ فلا تفتقر إلى عائدٍ على الصَّحيح، والموصوليَّة؛ فيكون العائد محذوفًا.
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما فيما رواه ابن إسحاق: «أنَّ سُكَيْنًا وعديَّ بن زيدٍ (٣) قالا: يا محمَّد ما نعلم أنَّ الله أنزل على بشرٍ من شيءٍ من بعد موسى، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا … ﴾» إلى آخره (٤).
وعن محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ: «أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء … ﴾ إلى قوله: ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٦] فلمَّا تلاها عليهم -يعني: اليهود- وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة؛ جحدوا كلَّ ما أنزل الله تعالى، وقالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللّهُ (٥) عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فقال: ولا على أحدٍ! فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]» قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الذي قاله محمَّد بن كعبٍ نظرٌ؛ فإنَّ هذه الآية مكِّيَّةٌ في سورة الأنعام، وهذه الآية
стр. 8349
التي في النِّساء مدنيَّةٌ، وهي ردٌّ عليهم لمَّا سألوه ﷺ أن يُنزِل عليهم كتابًا من السَّماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] ثمَّ ذكر فضائحهم ومعايبهم، ثمَّ ذكر أنَّه أوحى إلى عبده كما أوحى إلى غيره من النَّبيِّين، فقال مخاطبًا حبيبه، وآثر صيغة التَّعظيم؛ تعظيمًا للمُوحِي والموحَى إليه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] أي: لك أسوةٌ بالأنبياء السَّالفة، فتأسَّ بهم ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] لأنَّ شأن وحيك كشأن وحيهم، وبدأ بنوحٍ؛ لأنَّه أوَّل نبيٍّ قاسى الشِّدَّة من الأمَّة، وعطف عليه النَّبيِّين من بعده، وخصَّ منهم إبراهيم إلى داود ﵉؛ تشريفًا لهم (١)، وترك ذكر موسى ليبرزه مع ذكرهم بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] على نمطٍ أعمَّ من الأوَّل؛ لأنَّ قوله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٤] من التَّقسيم الخاصِّ (٢)؛ مزيدًا لشرفه واختصاصه بوصف التَّكليم دونهم، أي: رسلًا فضَّلهم واختارهم وآتاهم الآيات البيِّنات، والمعجزات القاهرات (٣) الباهرات إلى ما لا يحصى، وخصَّ موسى بالتَّكليم، وثلَّث ذكرهم على أسلوبٍ يجمعهم في وصفٍ عامٍّ على جهة المدح، والتَّعظيمُ (٤) سارٍ في غيرهم؛ وهو كونهم مبشِّرين ومنذرين، وجعلهم حجَّة الله (٥) على الخلق طرًّا لقطع معاذيرهم، فيدخل في هذا القسم كلُّ من دعا (٦) إلى هدًى وبشَّر وأنذر كالعلماء، وظهر من هذا التَّقدير طبقات الدَّاعين إلى الله بأسرهم، قاله في «فتوح الغيب».
стр. 8350
٤٦٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لعبدٍ» بدل قوله: «لأحد (١)» وسقط لأبي ذرٍّ «قال» (أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بفتح الميم والمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة مقصورًا، اسم أبيه، وقيل: اسم أمِّه، أي: ليس لأحدٍ أن يفضِّل نفسه على يونس، أو ليس لأحدٍ أن يفضِّلني عليه، وهذا منه ﷺ على طريق التَّواضع، فلا يُعارَض بحديث: «أنا سيد ولد آدم» الصَّادر منه ﷺ على طريق التَّحدُّث بالنِّعمة، والإعلام للأمَّة برفيع منزلته ليعتقدوه، أو قال الأوَّل قبل أن يَعْلَم الثَّاني.
٤٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين وتخفيف النُّون، العَوَقِيُّ -بفتح العين المهملة (٢) والواو بعدها قافٌ- الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ مصغَّرًا، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ) يعني: نفسه أو النَّبيَّ ﷺ (مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؛ فَقَدْ كَذَبَ) لعلَّه قال ذلك زجرًا عن توهُّم حطِّ مرتبة يونس (٣) لِمَا (٤) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] فقاله سدًّا للذريعة، وهذا هو السَّبب في تخصيص يونس بالذِّكر من بين سائر الأنبياء ﵈.
وهذا الحديث قد ذكره في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١٥].
стр. 8351
(٢٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي (٢) ذرٍّ لفظ «باب» في قوله تعالى: (﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) أي: في الكلالة، حُذِف لدلالة الثَّاني عليه في قوله: (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾) أي: مات، وارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بالمضمر المفسَّر بالمذكور (﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾) أي: ابنٌ، صفة لـ ﴿امْرُؤٌ﴾ واستدلَّ به من قال: ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي انتفاء (٣) الولد، وهو روايةٌ عن عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه، رواها ابن جريرٍ عنه بإسنادٍ صحيحٍ إليه، لكنَّ الذي عليه الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين: أنَّه من لا ولد له ولا والد (٤)، وهو قول أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه، أخرجه ابن أبي شيبة، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: (﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾) ولو كان معها أبٌ لم ترث شيئًا؛ لأنَّه يحجبها بالإجماع، فدلَّ على أنَّه من لا ولد له بنصِّ القرآن، ولا والد بالنَّصِّ عند التَّأمل أيضًا؛ لأنَّ الأخت لا يُفرَض لها النِّصف مع الوالد، بل ليس لها ميراثٌ بالكلِّيَّة، والمراد: الأخت من الأبوين أو الأب؛ لأنَّه جعل أخوها عصبةً، وابن الأمِّ لا يكون
стр. 8352
عصبةً (﴿وَهُوَ﴾) أي: والمرء (﴿يَرِثُهَآ﴾) أي: جميع مال الأخت إن كان الأمر بالعكس (﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]) ذكرًا كان أو أنثى، أي: ولا والد؛ لأنَّه لو كان لها والد (١)؛ لم يرث الأخ (٢) شيئًا (وَ ﴿الْكَلَالَةِ﴾: مَنْ لَمْ يَرِثْهُ (٣) أَبٌ أَوِ ابْنٌ) كما مرَّ (وَهْوَ) كما قال أبو عبيدة (مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ) أي: تعطَّف النَّسب عليه، وقال في «الصَِّحاح»: ويقال: هو مصدرٌ من تكلَّله النَّسب، أي: تطرَّفه، كأنَّه أخذ طرفيه من جهة الولد والوالد، وليس له منهما أحدٌ، فسُمِّي بالمصدر. انتهى. وقال غيره: الكلالة في الأصل: مصدرٌ بمعنى: الكَلال، وهو ذهاب القوَّة من الإعياء، وعلى هذا فقول العينيِّ -متعقِّبًا على الحافظ ابن حجرٍ عَزْوَهُ ما ذكره البخاريُّ من كونه مصدرًا لأبي عبيدة: «فيه نظرٌ؛ لأنَّ «تكلَّل» على وزن «تفعَّل»، ومصدره «تَفَعُّل»، وليس بمصدرٍ بل هو اسمٌ» - لا يخفى ما فيه، وقيل: كلُّ ما احتفَّ بالشَّيء من جوانبه؛ فهو إكليل، وبه سُمِّيت؛ لأنَّ الورَّاث يحيطون به من جوانبه، وقيل: الأب والابن طرفان للرَّجل، فإذا مات ولم يخلِّفهما؛ فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسُّمِّي ذهاب الطَّرفين كلالةً.
٤٦٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ (٤) قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ) على النَّبيِّ ﷺ : (﴿بَرَاءةٌ﴾) بالتَّنوين (وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) زاد أبو ذرٍّ: «﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾» [النساء: ١٧٦] وقد سبق في البقرة من حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦٤٥٤٤]: «آخر آية نزلت آية الرِّبا» فيُحتَمل أن يقال: آخريَّة (٥) الأولى
стр. 8353
باعتبار نزول أحكام الميراث، والأخرى باعتبار أحكام (١) الرِّبا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفرائض»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
(((٥))) (بسم الله الرحمن الرحيم. باب تَفسير سُورةِ المَائِدَةِ) وهي مدنيَّةٌ إلَّا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فبعرفةَ عشيَّتها، قال في «الينبوع» (٢): ومن نسب هذه السُّورة إلى عرفة فقد سها، بل نزلت بالمدينة سوى الآيات من أوَّلها، فإنِّهن نزلن في حجَّة الوداع وهو على راحلته بعرفة بعد العصر (٣). انتهى. وقد روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: «إنِّي لآخذةٌ بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ ؛ إذ نزلت عليه المائدة كلُّها، وكادت من ثقلها تدقُّ عضد النَّاقة» وعن ابن عمرو (٤): «آخر سورة أُنزِلت المائدة والفتح» قال التِّرمذيُّ: حسنٌ غريبٌ، وثبتت البسملة بعد قوله «المائدة» لأبي ذرٍّ.
(﴿حُرُمٌ﴾) يريد قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ﴾ [المائدة: ١] قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: حَرَامٌ)
стр. 8354
والمعنى: وأنتم محرمون، وهذه الجملة ساقطةٌ لغير أبوي الوقت وذرٍّ.
(﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]) قال قتادة وغيره أي: (بِنَقْضِهِمْ) فـ «ما» (١) صلةٌ؛ نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهو القول المشهور، وقيل: «ما» اسم نكرةٍ، أُبدِل منها ﴿نَقْضِهِم﴾ على إبدال المعرفة من النَّكرة، أي: بسبب نقضهم ميثاق الله وعهده بأن كذَّبوا الرُّسل الذين جاؤوا من بعد موسى، وكتموا نعت محمَّدٍ ﷺ ؛ بعَّدناهم من الرَّحمة أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية.
(﴿الَّتِي كَتَبَ اللّهُ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] أي: التي (جَعَلَ اللهُ) لكم، وثبت هنا قوله: «﴿حُرُمٌ﴾: واحدها: حرامٌ» لأبوي الوقت وذرٍّ.
(﴿تَبُوءَ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ [المائدة: ٢٩] معناه: (تَحْمِلُ) كذا فسَّره مجاهدٌ.
(﴿دَآئِرَةٌ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: (دَوْلَةٌ) كذا فسَّره السُّدِّيُّ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) قيل: هو غير (٢) السُّدِّيِّ، أو غير من فسَّر السَّابق، وسقط للنَّسفيِّ «وقال غيره» فلا إشكال. (الإِغْرَاءُ) المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ [المائدة: ١٤]: هو (التَّسْلِيطُ) وقيل: أغرينا: ألقينا.
(﴿أُجُورَهُنَّ﴾) يريد: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) [المائدة: ٥]: (مُهُورَهُنَّ) وهذا تفسير أبي عبيدة.
(المُهَيْمِنُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]: قال ابن عبَّاسٍ -فيما وصله ابن أبي حاتمٍ عن عليِّ بن أبي طلحة عنه-: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال: المهيمن (الأَمِينُ، القُرْآنُ: أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ) وقال ابن جريجٍ: القرآن أمينٌ على الكتب المتقدِّمة، فما وافقه منها فحقٌّ، وما خالفه منها فهو باطلٌ، وقال العوقي عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب.
стр. 8355
(قَالَ) وفي الفرع: «وقال» (سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ: (مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ) قوله تعالى: (﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]) لِمَا فيها من التَّكليف (١) من العمل بأحكامها.
(مَخْمَصَةٌ) قال ابن عبَّاسٍ: (مَجَاعَةٌ).
وقال أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: (﴿مَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢]: يَعْنِي: مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلَّا بِحَقٍّ حَيِيَ (٢) النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا).
وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ﴾ (﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]): يعني: (سَبِيلًا وَسُنَّةً) وسقط قوله: «قال سفيان … » إلى هنا لغير أبوي ذرٍّ والوقت.
(﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾) ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] أي: (ظَهَرَ).
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ (﴿الأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]: وَاحِدَهُمَا: أَوْلَى) وهذا ثابتٌ في بعض النُّسخ، ساقطٌ من الفرع وأصله.
(٢) (بابُ قَولهِ) تعالى: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) وزاد غير أبي ذرٍّ هنا: «وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ» وقد سبق فلا فائدة في ذكره، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 8356
٤٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ أبو بكرٍ بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثوري (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن مسلم (١) (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليِّ الأحمسيِّ الكوفيِّ، له رؤيةٌ، أنَّه قال: (قَالَتِ اليَهُودُ) كعب الأحبار قبل أن يسلم ومن معه من اليهود، وكان إسلام كعبٍ في خلافة عمر على المشهور (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه: (إِنَّكُمْ) معشر المسلمين (تَقْرَؤوْنَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا) معشر اليهود (لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا) نسرُّ فيه لكمال الدِّين، وزاد في «الإيمان» [خ¦٤٥]: «قال: أيُّ آيةٍ؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]» (فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ) قال في «المغني»: و «حيث»: للمكان اتِّفاقًا، وقال الأخفش: قد تَرِدُ للزَّمان، و «أين»: قال في «الصَِّحاح»: إذا قلت: أين
стр. 8357
زيدٌ (١)؟ فإنَّما تسأل عن مكانه حينئذٍ (٢)، فتكون «حيث» هنا للزَّمان، و «أين» للمكان، فلا تكرار، وعند أحمد عن عبد الرَّحمن بن مهديٍّ: «حيث أُنزِلت وأيَّ يوم أُنزِلت» (وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ) ولأبي ذر: «حيث» (أُنْزِلَتْ) زاد أحمد: «أُنزِلت» (يَوْمَ عَرَفَةَ، وَإِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النُّون (وَاللهِ بِعَرَفَةَ) إشارة إلى المكان، ولمسلمٍ: «ورسول الله ﷺ واقفٌ بعرفة» (قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ بالسَّند السَّابق: (وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَمْ لَا؟) سبق في «الإيمان» [خ¦٤٥] من وجهٍ آخر عن قيس بن مسلمٍ الجزم بأنَّه: كان يوم الجمعة (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]).
وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٥].
(٣) (بابُ قولِهِ) تعالى، وثبت «باب قوله» لأبي ذرٍّ عن المُستملي: (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾) معطوفٌ على ما قبله، والمعنى: أو جاء أحدٌ منكم من الغائط، أو لامستم النِّساء، فطلبتم الماء لتتطهروا به، فلم تجدوه بثمنٍ ولا بغيره (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾) ترابًا (﴿طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]) ولعلَّ ذكر الكلام في التَّيمُّم ثانيًا؛ لتحقيق شموله للجنب والمُحْدِث؛ حيث ذُكِر عقيب (٣) ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦] فإنَّه نُقِل عن عمر وابن مسعودٍ عند (٤) ذكر الأولى التَّخصيص بالمُحْدِث.
(تَيَمَّمُوا) (٥) أي: (تَعَمَّدُوا) وسقط «تيمَّموا: تعمَّدوا» لغير المُستملي، وقوله تعالى: ﴿وَلَا﴾ (﴿آمِّينَ﴾) ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: (عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ: وَاحِدٌ) قاله أبو عبيدة.
стр. 8358
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ [المائدة: ٦] وَ ﴿تَمَسُّوهُنُّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) وفي الفرع: «ولمستموهنَّ» والأوَّل هو الذي في «أصله» (و ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] والإِفْضَاءُ) الأربعة معناها: (النِّكَاحُ) فالأوَّل: وصله إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» من طريق مجاهدٍ عنه، والثَّاني: وصله ابن المنذر، والثَّالث: ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة (١) عنه، والرَّابع: ابن أبي حاتمٍ من طريق بكر بن عبد الله المزنيِّ (٢) عن ابن عبَّاسٍ.
٤٦٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) هو غزوة بني المُصْطَلِق، وكانت سنة ستٍّ أو خمسٍ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح الموحَّدة والمدٍّ (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ) بفتح الجيم وبعد الياء السَّاكنة شينٌ معجمةٌ، موضعين بين مكَّة والمدينة، والشَّكُّ من عائشة (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون القاف، أي: قلادةٌ، وإضافته لها باعتبار استيلائها لمنفعته، وإلَّا فهو لأسماء استعارته منها (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِه، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ
стр. 8359
الصِّدِّيقِ) ﵁، وسقط لفظ «الصِّدِّيق» لأبي ذرٍّ (فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟! أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ) بحرف الجرٍّ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المعجمة (قَدْ نَامَ، فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَ) حبست (النَّاسَ، ولَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقالت» (عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) قال: حبستِ النَّاس في قلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونين عَناءً (وَجَعَلَ يَطْعَُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) بضمِّ عين «يطعَُنُني»، وقد تُفتَح (وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ أَصْبَحَ) ولغير أبوي ذر والوقت: «حتَّى أصبح (١)» (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي بالمائدة، زاد أبو ذرٍّ: «فتيمَّموا» بلفظ الماضي، أي: تيمَّم النَّاس لأجل الآية، أو هو أمرٌ على ما هو لفظ القرآن، ذكره بيانًا أو بدلًا عن (٢) «آية التَّيمُّم» أي: أنزل الله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ وفي نسخةٍ: «فتيمَّمنا» (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بضمِّ الحاء وفتح الضَّاد المعجمة مصغَّرًا كسابقه، الأنصاريُّ الأشهليُّ: (مَا هِيَ) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التَّيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ (٣) أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقة بغيرها (قَالَتْ) عائشة: (فَبَعَثْنَا) أي: أثرنا (البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالة السَّير (فَإِذَا العِقْدُ تَحْتَهُ).
стр. 8360
وهذا الحديث قد سبق في «التَّيمم» [خ¦٣٣٤].
٤٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (١): (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (سَقَطَتْ قِلَادَةٌ) بكسر القاف (لِي بِالبَيْدَاءِ) ليس في هذه الرِّواية: «أو (٢) بذات الجيش» (وَنَحْنُ دَاخِلُونَ المَدِينَةَ) الواو للحال (فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) راحلته (وَنَزَلَ) عنها (فَثَنَى رَأْسَهُ) أي: وضعها (فِي حَجْرِي) حال كونه ﵊ (رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَكَزَنِي لَكْزَةً) بالزَّاي، أي: دفعني في صدري بيده دفعةً (شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ! فَبِي المَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ) أي: صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ المَاءُ) بالرَّفع مفعولًا ناب (٣) عن الفاعل، أي: التمس النَّاس الماء (فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الاية [المائدة: ٦] فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ (٤) فِيكُمْ) أي: بسببكم (يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ).
(٤) (باب قوله) ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي (﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ﴾) رفعٌ عطفًا على الفاعل المستتر في «اذهب»، وجاز ذلك للتَّأكيد بالضَّمير، ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذَّهاب على الله؛ لأنَّ مذهب اليهود التَّجسيم، ويؤيِّده مقابلة الذَّهاب بالقعود في قولهم: (﴿فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]) وظاهر الكلام أنَّهم قالوا ذلك استهانةً بالله ورسوله، وعدم مبالاةٍ بهما، وأصل هذا: «أنَّ موسى ﵇ أُمِر أن يدخلوا مدينة الجبَّارين؛ وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كلِّ سبطٍ منهم عينٌ؛ ليأتوه
стр. 8361
بخبر القوم، فلمَّا دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثِّمار من حائطه، فنظر إلى آثارهم فتتبَّعهم، فكلَّما أصاب واحدًا منهم؛ أخذه (١) فجعله في كمِّه مع الفاكهة، حتَّى التقطهم كلَّهم (٢) فجعلهم في كمِّه مع الفاكهة، وذهب إلى مَلِكهم فنثرهم بين يديه، فقال المَلِك: قد رأيتم شأننا، فاذهبوا وأخبروا صاحبكم» رواه ابن جريرٍ عن عبد الكريم بن الهيثم (٣)، حدَّثنا إبراهيم بن بشَّار حدَّثنا سفيان عن أبي سعيدٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ. قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الإسناد نظرٌ، وقد ذكر كثير من المفسِّرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبَّارين، وأنَّه كان فيهم عَوْجُ بن عُنُقٍ بنت (٤) آدم ﵊، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاث مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثين ذراعًا وثلث ذراعٍ، تحرير الحساب، وهذا شيء يُسْتَحيا منه، ثمَّ هو مخالفٌ لِمَا في «الصَّحيح»: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله خلق آدم طوله ستُّون ذراعًا، ثمَّ لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن» [خ¦٣٣٢٦] ثمَّ ذكروا أنَّ عوجًا كان كافرًا، وأنَّه امتنع من ركوب السَّفينة، وأنَّ الطُّوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذبٌ وافتراء، فإنَّ الله تعالى ذكر أنَّ نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوحٍ غرق؛ فكيف يبقى عَوْجُ بن عُنُقٍ وهو كافرٌ؟! هذا لا يسوغ في عقلٍ ولا في شرعٍ، ثمَّ في وجود رجلٍ يقال له: عَوْج بن عُنُقٍ نظرٌ، والله أعلم. انتهى.
стр. 8362
٤٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس السَّبيعيُّ (عَنْ مُخَارِقٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الخاء المعجمة آخره قافٌ، ابن عبد الله الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ البجليِّ الكوفيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) يقول (١): (قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ) هو ابن الأسود، وكان قد تبنَّاه فنُسِب إليه، واسم أبيه: عمرٌو.
(ح): لتحويل السَّند، قال المؤلف بالسَّند السَّابق (٢): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (حَمْدَانُ) هو أحمد (بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (٣)، البغداديُّ -ليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الموضع- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم التَّميميُّ الخراسانيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ (٤)) بالشِّين المعجمة والجيم والعين المهملة، عبيد الله بن عبيد (٥) الرَّحمن الكوفيُّ (عَنْ سُفْيَانَ) (٦) الثَّوريِّ (عَنْ مُخَارِقٍ) هو ابن عبد الله (عَنْ طَارِقٍ) هو ابن شهابٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ أنَّه (٧) (قَالَ: قَالَ المِقْدَادُ) هو المعروف بابن الأسود (يَوْمَ بَدْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يومئذٍ»: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ) سقط
стр. 8363
لفظ «لك» لأبي ذرٍّ (كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ) وعند أحمد: «ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون» (فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: أُزِيل عنه المكروهات كلُّها.
(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرؤاسيُّ، فيما وصله أحمد وإسحاق في «مسنديهما» عنه (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوريُّ (عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ: أَنَّ المِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ) القول وهو: «يارسول الله إنَّا لا نقول لك … » إلى آخره، (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) ومراد البخاريِّ: أنَّ صورة سياق هذا أنَّه مرسلٌ، بخلاف سياق الأشجعيِّ، واستظهر لرواية الأشجعيِّ الموصولة برواية إسرائيل، وقد وقع قوله: «ورواه وكيعٌ … » إلى آخره مقدَّمًا على قوله: «حدَّثنا أبو نُعيم» عند أبي ذرٍّ، مؤخَّرًا عند غيره، قال في «الفتح»: وهو أشبه بالصَّواب، وعند ابن جريرٍ عن قتادة قال: «ذُكِر لنا أنَّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدَّ المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم: إنِّي ذاهبٌ بالهدي فناحره عند البيت، فقال المقداد: إنَّا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل؛ إذ قالوا لنبيِّهم: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون، فلمَّا سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا (١) على ذلك» قال الحافظ ابن كثيرٍ: وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية، فيُحتَمل أنَّه كرَّر هذه المقالة يومئذٍ، كما قالها يوم بدرٍ، وسقط قوله: «ذلك» لأبي ذرٍّ.
(٥) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾) مفعولٌ من أجله، أي: يحاربون لأجل الفساد، أو حال، أي: مفسدين (﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾) خبر المبتدأ، وهو ﴿جَزَاء الَّذِينَ﴾ (﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣]) أي: من أرض الجناية إلى غيرها، وقال أبو حنيفة: بالحبس؛ لأنَّ المحبوس لا يرى أحدًا من أحبابه،
стр. 8364
ولا ينتفع بلذَّات الدُّنيا، و ﴿أَوْ﴾: قيل: للتَّخيير، أي: للإمام أن يفعل بهم أيَّ خصلةٍ شاء، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ من طريق عليِّ (١) بن أبي طلحة، فيما رواه ابن جريرٍ، قال شارح «البزدويِّ» -فيما حكاه الطِّيبيُّ-: نَظَر هذا القائل أنَّ كلمة ﴿أَوْ﴾ للتَّخيير حقيقةً، فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز، ولأنَّ قطع الطَّريق في ذاته جنايةٌ واحدةٌ، وهذه الأجزية ذُكِرَت بمقابلتها، فيصلح كلُّ واحدٍ جزاءً له، فيثبت التَّخيير كما في كفَّارة اليمين. انتهى. والجمهور: أنَّها للتَّنويع، قال إمامنا الشَّافعيُّ: أخبرنا إبراهيم -هو ابن أبي يحيى- عن صالحٍ مولى التَّوءمة عن ابن عبَّاسٍ في قطَّاع الطريق إذا قَتَلوا وأَخَذوا المال: «قُتِلوا وصُلِّبوا، وإذا قَتَلوا ولم يَأخُذوا المال، قُتِلوا ولم يُصَلَّبوا، وإذا أَخَذوا المال ولم يُقْتُلوا؛ قُطِّعت أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ، وإذا أخافوا السَّبيل ولم يأخذوا مالًا؛ نُفُوا من الأرض» ورواه ابن أبي شيبة عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ بنحوه، وأجاب في «فتوح الغيب» عمَّا سبق من (٢) القول بالتَّخيير: بأنَّه غير ممكنٍ؛ لأنَّ الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها، قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فيبعد أن يُقَال: عند غلظ الجناية يعاقب بأخفِّ الأنواع، وعند خفَّتها بأغلظها، وذلك أنَّ المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية؛ من تخويفٍ، أو أخذ مالٍ، أو قتلِ نفسٍ أو جمعٍ بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزيةٌ متفاوتةٌ في معنى التَّشديد والغلظة، فوقع الاستغناء بتلك المقدَّمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصًّا، وهذا التَّقسيم يرجع إلى أصلٍ لهم؛ وهو أنَّ الجملة إذا قُوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض. انتهى. واختُلِف في كيفية الصَّلب؛ فقيل: يُصلَب حيًّا، ثمَّ يُطعَن في بطنه برُمْحٍ حتَّى يموت، وعن (٣) الشَّافعيِّ: يُقتَل أوَّلًا، ثمَّ يصلَّى عليه
стр. 8365
ثمَّ يُصلَب، وهل يُصلَب ثلاثة أيَّامٍ ثمَّ يُنزَل، أو يُترَك حتَّى يتهرَّى ويسيل صديده؟ وسقط قوله: «﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله تعالى: ﴿فَسَادًا﴾: «الآية».
(المُحَارَبَةُ للهِ) قال سعيد بن جبير فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن لهيعة عن عطاء ابن دينارٍ (١) عنه: هي (الكُفْرُ بِهِ) تعالى، وقال غيره: هو من باب حذف المضاف، أي: يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله؛ وهم المسلمون، ففيه تعظيمٌ لهم، ومنه قوله تعالى: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب» وأصل الحرب: السَّلب، والمحارب: يَسلِب الرُّوح والمال، والمراد هنا: قطع الطَّريق، وهو أخذ المال مكابرة اعتمادًا على الشوكة، وإن كان (٢) في مصرٍ.
٤٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) أحد شيوخ المؤلِّف، روى عنه هنا (٣) بواسطةٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبان
стр. 8366
المزنيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلْمَانُ) بفتح السِّين وسكون اللَّام مكبَّرًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سليمان» بضمِّ السِّين وفتح اللَّام مصغَّرًا، والصَّواب الأوَّل، كما ذكره ابن طاهرٍ وعبد الغني المقدسيُّ وغيرهما (أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) وكان قد أبرز سريره للنَّاس، ثمَّ أَذِنَ لهم فدخلوا (فَذَكَرُوا) القَسامة لمَّا استشارهم عمر فيها (وَذَكَرُوا) له شأنها (فَقَالُوا): نقول: فيها القود (وَقَالُوا: قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ) قبلك، وفي «المغازي» [خ¦٤١٩٣] من طريق أيوب والحجَّاج الصَّوَّاف عن أبي رجاءٍ: فقالوا: حقٌّ قضى بها رسول الله ﷺ ، وقضت بها الخلفاء قبلك (فَالتَفَتَ) عمر رحمة الله عليه (إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ؟ أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟) شكَّ الرَّاوي، زاد في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] من طريق الحجَّاج عن (١) أبي عثمان عن أبي رجاءٍ: «فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ محصنٍ بدمشق أنَّه قد زنا ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ بحمص أنَّه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا» (قُلْتُ) زاد في «الدِّيات» أيضًا: «والله» (مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي (٢) ذرٍّ، وزاد في «الدِّيات» «وارتدَّ عن الإسلام» (فَقَالَ عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة والسِّين المهملة، ابن سعيد بن العاص بن أميَّة القرشيُّ الأمويُّ: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (بِكَذَا وَكَذَا) يعني: بحديث العُرَنيِّين، قال أبو قِلابة: (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ) من عُكْلٍ أو عرينة ثمانيةٌ سنة ستٍّ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ) بعد أن بايعوه على الإسلام (فَقَالُوا: قَدِ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الأَرْضَ) أي: استثقلنا المدينة، فلم يوافق هواؤها أبداننا، وكانوا قد سقموا (فَقَالَ) ﷺ : (هَذِهِ نَعَمٌ) أي: إبل (٣) (لَنَا تَخْرُجُ) لترعى مع إبل الصَّدقة (فَاخْرُجُوا فِيهَا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، فليس فيه دليلٌ على الإباحة في غير حال الضَّرورة، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا
стр. 8367
فيما رواه ابن المنذر: «إنَّ في أبوال الإبل شفاءً للذَّرِبة بطونهم» والذَّرَب: فساد المعدة، فلا دلالة فيه على الطَّهارة (فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (١)، وَاسْتَصَحُّوا) أي: حصلت لهم الصِّحَّة من ذلك الدَّاء (وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي) يسارٍ النُّوبيِّ (فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ) بتشديد الطَّاء، أي: ساقوها سوقًا شديدًا (فَمَا يُسْتَبْطَأُ) بضمِّ أوَّله وسكون المهملة وبعد الفوقيَّة موحَّدةٌ ساكنةٌ فطاءٌ مهملةٌ فهمزةٌ، مبنيًّا للمفعول، «استفعالٌ» من البطء الذي هو نقيض السُّرعة، أي: أيُّ (٢) شيء يُستَبْطأُ به (مِنْ هَؤُلَاءِ) العُكْليِّين؟! وفي نسخةٍ أخرى: «فما يُستَبقى» بالقاف بدل الطَّاء من غير همزٍ، أي: ما يُتَرك من هؤلاء؟! استفهامٌ فيه معنى التعجُّب، كالسَّابق (قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في رواية حميدٍ عن أنسٍ عند الإمام أحمد (٣): وهربوا محارِبين (وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) أي: عنبسة متعجِّبًا من أبي قِلابة: (سُبْحَانَ اللهِ!) قال أبو قلابة: (فَقُلْتُ) لعنبسة: (تَتَّهِمُنِي) فيما رويته من حديث أنسٍ؟! وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «فقال عنبسة بن سعيدٍ: والله إنْ سمعتُ كاليوم قطُّ، فقلت: أتردُّ عليَّ حديثي يا عنبسة؟» (قَالَ): لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه (حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ، قَالَ) (٤) أبو قلابة: (وَقَالَ) عنبسة: (يَا أَهْلَ كَذَا) أي: يا أهل الشَّام؛ لأنَّ وقوع ذلك كان بها، وقول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وقع التَّصريح به في رواية «الدِّيات» لم أره، فلعلَّه سهوٌ (إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أَبْقَى اللهُ) بفتح الهمزة والقاف مبنيًّا للفاعل (٥) (هَذَا) أبا (٦) قلابة (فِيكُمْ، وَمِثْلُ هَذَا) ولأبي ذرٍّ: «أو» وهو شكٌّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ (٧) أيضًا عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما أُبقِيَ مثلُ هذا فيكم» برفع «مثل» وضمِّ همزة «أُبقِي» وكسر قافه، وللكُشْميهنيِّ: «ما أبقى الله مثل هذا فيكم» (٨) بإظهار
стр. 8368
الفاعل، وفي نسخةٍ: «ما بقي» بإسقاط الألف، وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «والله لا يزال هذا الجند بخيرٍ ما عاش هذا الشَّيخ بين أظهرهم».
وهذا الحديث مرَّ في «الطَّهارة» في «أبوال الإبل» [خ¦٢٣٣] و «المغازي» [خ¦٤١٩٣] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] مع بقيَّة مباحثه.
(٦) (باب قوله) تعالى: (﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]) أي: ذات قصاصٍ فيما يمكن أن يقتصَّ منه، وهذا تعميمٌ بعد التَّخصيص؛ لأنَّ الله تعالى ذكر النَّفس والعين والأنف والأذن، فخصَّ الأربعة بالذِّكر، ثمَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) على سبيل العموم، فيما يمكن أن يقتصَّ منه كاليد والرِّجل، وأمَّا ما لا يمكن ككسرٍ في عظمٍ أو جراحةٍ في بطنٍ يُخَاف منهما التَّلف؛ فلا قصاص فيه، بل فيه الأرش والحكومة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْميهنيِّ والحَمُّويي.
٤٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلميُّ مولاهم البخاريُّ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي وبعد الألف راءٌ، مروان بن معاوية بن الحارث (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة المكسورة المشدَّدة عينٌ مهملةٌ (وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) أي: شابَّة غير رقيقة، ولم تُسمَّ (فَطَلَبَ القَوْمُ) أي: قوم الجارية (القِصَاصَ) من الرُّبيِّع (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ¬) ليحكم بينهم (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقِصَاصِ) من الرُّبيِّع (فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة السَّاكنة (عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
стр. 8369
لَا وَاللهِ، لَا تُكْسَرْ سِنُّهَا) ولأبي ذرٍّ: «ثنيتها» (يَا رَسُولَ اللهِ) ليس ردًّا للحكم، بل نفيٌ لوقوعه؛ لِمَا كان له عند الله من القرب، والثِّقة بفضل الله تعالى ولطفه أنَّه لا يخيِّبه، بل يُلهِمُهم العفو (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يا أَنَسُ؛ كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) بالرَّفع مبتدأٌ وخبرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا: شرعُ من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد ناسخٌ (فَرَضِيَ القَوْمُ) فتركوا القصاص عن الرُّبيِّع (وَقَبِلُوا الأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الصُّلح في الدِّية» من «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٧٠٣].
(٧) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾) جميع (﴿مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) [المائدة: ٦٧] إلى كافَّة النَّاس، مجاهرًا به غير مراقبٍ أحدًا ولا خائفٍ مكروهًا، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: لمَّا نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ قال: يا ربِّ كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليَّ؟ فنزلت: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) أي (٣): فإن أهملت شيئًا من ذلك؛ فما بلغت رسالته؛ لأنَّ ترك إبلاغ البعض محبطٌ للباقي؛ لأنَّه ليس بعضه أولى من بعضٍ، وبهذا تظهر المغايرة بين الشَّرط والجزاء، قال ابن الحاجب: الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا؛ كان المراد بالجزاء (٤): المبالغة، فوضع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ موضع: أمرٍ عظيمٍ، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا، وقال في «الانتصاف»: قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ ولم يقل: وإن لم تبلِّغ ليتغايرا لفظًا، وإن اتَّحدا معنًى، وهي أحسن بهجةً من تكرار
стр. 8370
اللَّفظ الواحد في الشَّرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان، وقُدِّر المضاف وهو قوله: جميع ما أُنزِل؛ لأنَّه صلوات الله وسلامه عليه كان مبلِّغًا، فعلى هذا: فائدة الأمر المبالغة والكمال؛ يعني: ربَّما أتاك الوحي بما تكره أن تبلغه خوفًا من قومك، فبلِّغ الكلَّ ولا تخف، وقال الرَّاغب -فيما حكاه الطِّيبيُّ-: فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وذلك كقولك (١): إن لم تبلِّغ فما بلَّغت؟ قيل: معناه: وإن لم تبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليك؛ تكون في حكم من لم يبلِّغ شيئًا ممَّا أنزل الله، بخلاف ما قالت الشِّيعة: إنَّه (٢) قد كتم أشياء على سبيل التَّقيَّة، وعن بعض الصُّوفيَّة: ما يتعلَّق به مصالح العباد وأُمِر بإطلاعهم عليه؛ فهو مُنزَّه عن كتمانه، وأمَّا ما خُصَّ به من الغيب ولم يتعلَّق به مصالح أمَّته؛ فله بل عليه كتمانه.
٤٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ البجليُّ الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ممَّا أنزل الله عليه» (فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الاية [المائدة: ٦٧]) وسقط لفظ «من ربك» لغير أبي ذرٍّ، وفي «الصَّحيحين» عنها [خ¦٧٤٢٠]: لو كان محمَّدٌ (٣) ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] وقد شهدت له أمَّته بإبلاغ الرِّسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته (٤) يوم حجَّة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحوٌ من أربعين ألفًا، كما ثبت في «صحيح مسلمٍ».