المزنيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلْمَانُ) بفتح السِّين وسكون اللَّام مكبَّرًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سليمان» بضمِّ السِّين وفتح اللَّام مصغَّرًا، والصَّواب الأوَّل، كما ذكره ابن طاهرٍ وعبد الغني المقدسيُّ وغيرهما (أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) وكان قد أبرز سريره للنَّاس، ثمَّ أَذِنَ لهم فدخلوا (فَذَكَرُوا) القَسامة لمَّا استشارهم عمر فيها (وَذَكَرُوا) له شأنها (فَقَالُوا): نقول: فيها القود (وَقَالُوا: قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ) قبلك، وفي «المغازي» [خ¦٤١٩٣] من طريق أيوب والحجَّاج الصَّوَّاف عن أبي رجاءٍ: فقالوا: حقٌّ قضى بها رسول الله ﷺ ، وقضت بها الخلفاء قبلك (فَالتَفَتَ) عمر رحمة الله عليه (إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ؟ أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟) شكَّ الرَّاوي، زاد في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] من طريق الحجَّاج عن (١) أبي عثمان عن أبي رجاءٍ: «فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ محصنٍ بدمشق أنَّه قد زنا ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ بحمص أنَّه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا» (قُلْتُ) زاد في «الدِّيات» أيضًا: «والله» (مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي (٢) ذرٍّ، وزاد في «الدِّيات» «وارتدَّ عن الإسلام» (فَقَالَ عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة والسِّين المهملة، ابن سعيد بن العاص بن أميَّة القرشيُّ الأمويُّ: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (بِكَذَا وَكَذَا) يعني: بحديث العُرَنيِّين، قال أبو قِلابة: (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ) من عُكْلٍ أو عرينة ثمانيةٌ سنة ستٍّ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ) بعد أن بايعوه على الإسلام (فَقَالُوا: قَدِ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الأَرْضَ) أي: استثقلنا المدينة، فلم يوافق هواؤها أبداننا، وكانوا قد سقموا (فَقَالَ) ﷺ : (هَذِهِ نَعَمٌ) أي: إبل (٣) (لَنَا تَخْرُجُ) لترعى مع إبل الصَّدقة (فَاخْرُجُوا فِيهَا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، فليس فيه دليلٌ على الإباحة في غير حال الضَّرورة، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا
стр. 8367
فيما رواه ابن المنذر: «إنَّ في أبوال الإبل شفاءً للذَّرِبة بطونهم» والذَّرَب: فساد المعدة، فلا دلالة فيه على الطَّهارة (فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (١)، وَاسْتَصَحُّوا) أي: حصلت لهم الصِّحَّة من ذلك الدَّاء (وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي) يسارٍ النُّوبيِّ (فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ) بتشديد الطَّاء، أي: ساقوها سوقًا شديدًا (فَمَا يُسْتَبْطَأُ) بضمِّ أوَّله وسكون المهملة وبعد الفوقيَّة موحَّدةٌ ساكنةٌ فطاءٌ مهملةٌ فهمزةٌ، مبنيًّا للمفعول، «استفعالٌ» من البطء الذي هو نقيض السُّرعة، أي: أيُّ (٢) شيء يُستَبْطأُ به (مِنْ هَؤُلَاءِ) العُكْليِّين؟! وفي نسخةٍ أخرى: «فما يُستَبقى» بالقاف بدل الطَّاء من غير همزٍ، أي: ما يُتَرك من هؤلاء؟! استفهامٌ فيه معنى التعجُّب، كالسَّابق (قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في رواية حميدٍ عن أنسٍ عند الإمام أحمد (٣): وهربوا محارِبين (وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) أي: عنبسة متعجِّبًا من أبي قِلابة: (سُبْحَانَ اللهِ!) قال أبو قلابة: (فَقُلْتُ) لعنبسة: (تَتَّهِمُنِي) فيما رويته من حديث أنسٍ؟! وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «فقال عنبسة بن سعيدٍ: والله إنْ سمعتُ كاليوم قطُّ، فقلت: أتردُّ عليَّ حديثي يا عنبسة؟» (قَالَ): لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه (حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ، قَالَ) (٤) أبو قلابة: (وَقَالَ) عنبسة: (يَا أَهْلَ كَذَا) أي: يا أهل الشَّام؛ لأنَّ وقوع ذلك كان بها، وقول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وقع التَّصريح به في رواية «الدِّيات» لم أره، فلعلَّه سهوٌ (إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أَبْقَى اللهُ) بفتح الهمزة والقاف مبنيًّا للفاعل (٥) (هَذَا) أبا (٦) قلابة (فِيكُمْ، وَمِثْلُ هَذَا) ولأبي ذرٍّ: «أو» وهو شكٌّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ (٧) أيضًا عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما أُبقِيَ مثلُ هذا فيكم» برفع «مثل» وضمِّ همزة «أُبقِي» وكسر قافه، وللكُشْميهنيِّ: «ما أبقى الله مثل هذا فيكم» (٨) بإظهار
стр. 8368
الفاعل، وفي نسخةٍ: «ما بقي» بإسقاط الألف، وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «والله لا يزال هذا الجند بخيرٍ ما عاش هذا الشَّيخ بين أظهرهم».
وهذا الحديث مرَّ في «الطَّهارة» في «أبوال الإبل» [خ¦٢٣٣] و «المغازي» [خ¦٤١٩٣] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] مع بقيَّة مباحثه.
(٦) (باب قوله) تعالى: (﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]) أي: ذات قصاصٍ فيما يمكن أن يقتصَّ منه، وهذا تعميمٌ بعد التَّخصيص؛ لأنَّ الله تعالى ذكر النَّفس والعين والأنف والأذن، فخصَّ الأربعة بالذِّكر، ثمَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) على سبيل العموم، فيما يمكن أن يقتصَّ منه كاليد والرِّجل، وأمَّا ما لا يمكن ككسرٍ في عظمٍ أو جراحةٍ في بطنٍ يُخَاف منهما التَّلف؛ فلا قصاص فيه، بل فيه الأرش والحكومة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْميهنيِّ والحَمُّويي.
٤٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلميُّ مولاهم البخاريُّ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي وبعد الألف راءٌ، مروان بن معاوية بن الحارث (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة المكسورة المشدَّدة عينٌ مهملةٌ (وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) أي: شابَّة غير رقيقة، ولم تُسمَّ (فَطَلَبَ القَوْمُ) أي: قوم الجارية (القِصَاصَ) من الرُّبيِّع (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ¬) ليحكم بينهم (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقِصَاصِ) من الرُّبيِّع (فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة السَّاكنة (عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
стр. 8369
لَا وَاللهِ، لَا تُكْسَرْ سِنُّهَا) ولأبي ذرٍّ: «ثنيتها» (يَا رَسُولَ اللهِ) ليس ردًّا للحكم، بل نفيٌ لوقوعه؛ لِمَا كان له عند الله من القرب، والثِّقة بفضل الله تعالى ولطفه أنَّه لا يخيِّبه، بل يُلهِمُهم العفو (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يا أَنَسُ؛ كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) بالرَّفع مبتدأٌ وخبرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا: شرعُ من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد ناسخٌ (فَرَضِيَ القَوْمُ) فتركوا القصاص عن الرُّبيِّع (وَقَبِلُوا الأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الصُّلح في الدِّية» من «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٧٠٣].
(٧) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾) جميع (﴿مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) [المائدة: ٦٧] إلى كافَّة النَّاس، مجاهرًا به غير مراقبٍ أحدًا ولا خائفٍ مكروهًا، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: لمَّا نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ قال: يا ربِّ كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليَّ؟ فنزلت: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) أي (٣): فإن أهملت شيئًا من ذلك؛ فما بلغت رسالته؛ لأنَّ ترك إبلاغ البعض محبطٌ للباقي؛ لأنَّه ليس بعضه أولى من بعضٍ، وبهذا تظهر المغايرة بين الشَّرط والجزاء، قال ابن الحاجب: الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا؛ كان المراد بالجزاء (٤): المبالغة، فوضع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ موضع: أمرٍ عظيمٍ، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا، وقال في «الانتصاف»: قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ ولم يقل: وإن لم تبلِّغ ليتغايرا لفظًا، وإن اتَّحدا معنًى، وهي أحسن بهجةً من تكرار
стр. 8370
اللَّفظ الواحد في الشَّرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان، وقُدِّر المضاف وهو قوله: جميع ما أُنزِل؛ لأنَّه صلوات الله وسلامه عليه كان مبلِّغًا، فعلى هذا: فائدة الأمر المبالغة والكمال؛ يعني: ربَّما أتاك الوحي بما تكره أن تبلغه خوفًا من قومك، فبلِّغ الكلَّ ولا تخف، وقال الرَّاغب -فيما حكاه الطِّيبيُّ-: فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وذلك كقولك (١): إن لم تبلِّغ فما بلَّغت؟ قيل: معناه: وإن لم تبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليك؛ تكون في حكم من لم يبلِّغ شيئًا ممَّا أنزل الله، بخلاف ما قالت الشِّيعة: إنَّه (٢) قد كتم أشياء على سبيل التَّقيَّة، وعن بعض الصُّوفيَّة: ما يتعلَّق به مصالح العباد وأُمِر بإطلاعهم عليه؛ فهو مُنزَّه عن كتمانه، وأمَّا ما خُصَّ به من الغيب ولم يتعلَّق به مصالح أمَّته؛ فله بل عليه كتمانه.
٤٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ البجليُّ الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ممَّا أنزل الله عليه» (فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الاية [المائدة: ٦٧]) وسقط لفظ «من ربك» لغير أبي ذرٍّ، وفي «الصَّحيحين» عنها [خ¦٧٤٢٠]: لو كان محمَّدٌ (٣) ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] وقد شهدت له أمَّته بإبلاغ الرِّسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته (٤) يوم حجَّة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحوٌ من أربعين ألفًا، كما ثبت في «صحيح مسلمٍ».
стр. 8371
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف هنا مختصرًا، وفي مواضع أُخَر مطوَّلًا [خ¦٤٨٥٥] [خ¦٧٥٣١]، ومسلمٌ في «كتاب الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «كتاب التَّفسير» من «سننهما» من طُرقٍ (١) عن الشَّعبيِّ.
(٨) (بابُ قَوْلِهِ) : (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]) هو قول المرء بلا قصدٍ: لا والله، وبلى واللهِ، وهذا مذهب الشَّافعيِّ، وقيل: الحلف على غلبة الظَّنِّ، وهو مذهب أبي حنيفة، وقيل: اليمين في الغضب، وقيل: في النِّسيان، وقيل: الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس، والصَّحيح: أنَّه اليمين من (٢) غير قصدٍ.
٤٦١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، اللَّبَقيُّ -بفتح اللَّام والموحَّدة المخفَّفة وبعد القاف تحتيَّةٌ، وللحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «علي بن عبد الله» قيل: وهو خطأٌ- قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ) بسينٍ مضمومةٍ فعينٍ مفتوحةٍ مهملتين مصغَّرًا، ابن الخِمْس بكسر الخاء المعجمة وسكون الميم بعدها سينٌ مهملةٌ، الكوفيُّ، صدوقٌ، وضعَّفه أبو داود، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخر في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٧] وكلاهما قد توبع عليه عنده، وروى له أصحاب السُّنن قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ) أي: كلُّ واحدةٍ (٣) منهما إذا قالها مفردةً لغوٌ، فلو قالهما معًا؛ فالأُولى لغوٌ والثَّانية منعقدةٌ؛ لأنَّها استدراكٌ مقصود، قاله الماورديُّ فيما نقله عنه في «الفتح» (٤)، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «الأيمان» [خ¦٦٦٦٣].
стр. 8372
٤٦١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) ضدُّ الخوف، واسمه: عبد الله بن أيُّوب الحنفيُّ الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بالضَّاد المعجمة، ابن شُمَيلٍ المازنيُّ (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَبَاهَا) أبا بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه (كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ) وعند ابن حبَّان: «كان رسول الله ﷺ إذا حلف على يمينٍ، لم يحنث» وما في «البخاريِّ» هو الصَّحيح كما في «الفتح» (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ كَفَّارَةَ اليَمِينِ) في القرآن: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ … إلى آخره [المائدة: ٨٩] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَى) بفتح الهمزة، أي: لا أعلم (يَمِينًا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ (غَيْرَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أنَّ غيرها» (خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللهِ، وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) أي: وكفَّرت عن يميني، وعن ابن جريجٍ ممَّا نقله الثَّعلبيُّ في «تفسيره»: أنَّها نزلت في أبي بكرٍ، حلف ألَّا ينفق على مسطحٍ؛ لخوضه في الإفك، فعاد إلى مسطحٍ بما كان يُنفِقه، وسقط لغير أبي ذرٍّ «باب قوله» وثبت له، والله أعلم.
(٩) (بابُ قَولِه) : (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) أي: ما طاب ولذَّ منه، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يأكل الدَّجاج، ويحبُّ الحلوى والعسل، وحُكِي عن الحسن: أنَّه قال لبعض الأولياء لمَّا منع نفسه أكل الدَّجاج والفالوذج: أترى لعاب النَّحل بلباب البرِّ بخالص السَّمن يعيبه مسلمٌ، ولمَّا نُقِل له عن بعضهم أنَّه لا يأكل الفالوذج ويقول: لا أؤدِّي شكره، قال: أيشرب الماء البارد؟ قيل: نعم، قال: إنَّه جاهلٌ أنَّ نعمة الله تعالى فيه أكثر من الفالوذج. انتهى. نعم من ترك لذَّات الدنيا وشهواتها، وانقطع إلى الله تعالى متفرِّغًا لعبادته، من غير ضرر نفسٍ ولا تفويت حقٍّ؛ ففضيلةٌ لا مَنْعَ منها، بل هو مأمورٌ بها، وقد سقط «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾» لأبي ذرٍّ، وثبت لفظ: «باب» له.
стр. 8373
٤٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، السُّلميُّ الواسطيُّ نزيل البصرة قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟) بالخاء المعجمة والصَّاد المهملة، أي: ألا نستدعي من يفعل بنا الخصاء، أو نعالج ذلك بأنفسنا؟ والخصاء: الشَّقُّ على الأنثيين وانتزاعهما (فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) نهي تحريمٍ لِمَا فيه من تغيير خلق الله وقطع النَّسل وكفر النِّعمة؛ لأنَّ خلق الشَّخص رجلًا من النِّعم العظيمة، وقد يُفضِي ذلك بفاعله إلى الهلاك (فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي: إلى أجل، وهو نكاح المتعة، وليس قوله: «بالثوب» قيدًا، فيجوز بغيره ممَّا يتراضيان عليه (ثُمَّ قَرَأَ) ابن مسعودٍ: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) قال النَّوويُّ: في استشهاد ابن مسعودٍ بالآية أنَّه كان يعتقد إباحة المتعة كابن عبَّاسٍ، ولعلَّه لم يكن حينئذٍ بلغه النَّاسخ، ثمَّ بلغه فرجع بَعْدُ (١).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٥]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١٠) (بابُ قَولِه) جلَّ وعلا: (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾) خبرٌ عن الأشياء المتقدِّمة،
стр. 8374
وإنَّما أُخبِر عن جمعٍ بمفردٍ، لأنَّه على حذف مضافٍ، أي: إنَّما تعاطي الخمر … إلى آخره (١) (﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]) لأنَّه مسببٌ من تسويله وتزيينه، والجملة (٢) في موضع رفعٍ صفةٌ لـ ﴿رِجْسٌ﴾.
(وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله ابن المنذر من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: (﴿وَالأَزْلَامُ﴾): هي (القِدَاحُ) أي: السِّهام التي (يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الأُمُورِ) في الجاهليَّة (٣) (وَالنُّصُبُ) ولأبي ذرٍّ بإسقاط الواو، و «النُّصُب» بضمِّ النُّون والصَّاد، قال ابن عبَّاس ممَّا (٤) وصله ابن أبي حاتمٍ: هي (أَنْصَابٌ) كانوا ينصبونها (يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا) وقال ابن قتيبة: حجارةٌ ينصبونها ويذبحون عندها، فتنصبُّ عليها دماء الذَّبائح.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ: (الزَّلَمُ) بفتحتين هو (القِدْحُ) بكسر القاف وسكون الدَّال؛ وهو السَّهم الذي (لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الأَزْلَامِ) ويقال للسَّهم أوّل ما يقطع: قِطْعٌ، ثمَّ يُنْحَت ويُبْرَى فيُسَمَّى بَريًا، ثمَّ يُقوَّم فيُسمَّى قِدْحًا، ثمَّ يُراش ويُركَّب نصله فيسمَّى سهمًا (وَالاِسْتِقْسَامُ) هو (أَنْ يُجِيلَ) بالجيم (القِدَاحَ) قيِّمُها (٥) (فَإِنْ نَهَتْهُ) بأن خرج: نهاني ربِّي (انْتَهَى) وترك (وَإِنْ أَمَرَتْهُ) بأن خرج: أمرني ربِّي (فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ) زاد أبو ذرٍّ: «به»، وإنَّ معنى قوله: (يُجِيلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الجيم، أي: (يُدِيرُ) من الإدارة، وكانوا يعطون القيِّم على إجالتها مئة درهمٍ (وَقَدْ أَعْلَمُوا القِدَاحَ) وكانت سبعةً مستويةً موضوعةً في جوف الكعبة عند هُبَل أعظم أصنامهم (أَعْلَامًا) يكتبونها عليها (بِضُرُوبٍ) أي: بأنواعٍ من الأمور، فعلى واحدٍ: أمرني ربِّي، وعلى الآخر: نهاني ربِّي، وعلى آخر: واحدٌ منكم، وعلى آخر: من غيركم، وعلى آخر: ملصقٌ، وعلى آخر: العقل، والسَّابع غفلٌ، أي: ليس عليه شيءٌ وكانوا (يَسْتَقْسِمُونَ) أي:
стр. 8375
يطلبون (بِهَا) بيان قسمهم من الأمر الذي يريدونه؛ كسفرٍ أو نكاحٍ أو تجارةٍ، أو اختلفوا فيه؛ من نسبٍ أو أمر قتيلٍ أو حمل عقلٍ؛ وهو الدِّية، أو غير ذلك من الأمور العظيمة، فإن أجالوه على نسبٍ وخرج: منكم؛ كان وسطًا فيهم، وإن خرج: من غيركم؛ كان حليفًا فيهم (١)، وإن خرج: ملصقًا؛ كان على حاله، وإن اختلفوا في العقل؛ فمن خرج عليه قدحه؛ تحمَّله (٢)، وإن خرج الغفل الذي لا علامة عليه (٣)؛ أجالوا ثانيًا حتَّى يخرج المكتوب عليه، وقد نهاهم الله عن ذلك وحرَّمه وسمَّاه فسقًا، ووقع في روايةٍ: «يستقسمون (٤) به»؛ بتذكير الضَّمير، أي: يستقسمون بذلك الفعل (وَفَعَلْتُ مِنْهُ: قَسَمْتُ) قال في «العمدة»: أشار به إلى أنَّ من أراد أن يُخبِر عن نفسه من لفظ الاستقسام؛ يقول: قسمتُ بضمِّ التاء (وَالقُسُومُ) بضمِّ القاف على وزن «فُعُول» (المَصْدَرُ (٥)).
٤٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، ابن الفرافصة (٦)، أبو عبد الله العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) بن مروان بن الحكم القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَإِنَّ فِي المَدِينَةِ) ولأبي ذرٍّ: «وإنَّ بالمدينة» «بالموحَّدة» بدل: «في»، (يَوْمَئِذٍ) قبل تحريمها (لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ) شراب العسل والتَّمر والحنطة والشَّعير والذُّرة (مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ).
وهذا الحديث من أفراده.
стр. 8376
٤٦١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، إسماعيل بن إبراهيم، وعُليَّة أمُّه، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ المهملة وفتح الهاء آخره موحَّدةٌ مصغَّرًا، البُنانيُّ البصريُّ (قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: ما كَانَ لنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ) بفتح الفاء وكسر الضَّاد وبالخاء المعجمتين، شرابٌ يُتَّخذ من البُسْر وحده من غير أن تمسَّه النَّار، والفَضْخ: الكسر؛ لأنَّ البُسْر يُشدَخ ويُتَرك في وعاءٍ حتَّى يغلي (هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الفَضِيخَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريَّ، زوج أمِّ أنسٍ (وَفُلَانًا وَفُلَانًا) وقع من تسمية من كان مع أبي طلحة عند مسلمٍ: أبو دُجانة، وسُهيل ابن بيضاء، وأبو عبيدة، وأُبيَّ بن كعبٍ، ومعاذ بن جبلٍ، وأبو أيُّوب (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ (فَقَالَ) وفي الفرع: «قال»: (وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ فَقَالُوا (١): وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ) أي: حرَّمها الله تعالى على لسان رسوله (٢) ﷺ (قَالُوا: أَهْرِقْ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فهاءٍ ساكنةٍ فراءٍ مكسورةٍ، أَمرٌ من «أَهْرَاقَ» ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هَرِقْ» بفتح الهاء وكسر الرَّاء من غير همزٍ، وله أيضًا عن الكُشْميهَنيِّ: «أرق» بهمزةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ من غير هاءٍ، قال السَّفاقسيُّ: الجمع بين الهاء والهمزة ليس بجيدٍ؛ لأنَّ الهاء بدلٌ من الهمزة، فلا يُجمَع بينهما، وأُجيب بأنَّهم قد جمعوا بينهما؛ كما في «الصَِّحاح» وغيره، وصرَّح به سيبويه؛ أي: صُبَّ (هَذِهِ القِلَال يَا أَنَسُ) بكسر القاف، أي: الجرار التي لا يقلُّ أحدها إلَّا القويُّ من الرِّجال (قَالَ) أي: أنسٌ: (فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ) ففيه: قبول خبر الواحد.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربة».
стр. 8377
٤٦١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: صَبَّحَ أُنَاسٌ) بفتح الصَّاد وتشديد الموحَّدة (غَدَاةَ أُحُدٍ) سنة ثلاثٍ (الخَمْرَ) وفي «الجهاد» من طريق عليِّ بن عبد الله المدينيِّ (١) [خ¦٣٨١٥]: «اصطبح ناسٌ الخمر يوم أُحدٍ» أي: شربوه صبوحًا (٢)، أي: بالغداة (فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ) وعند الإسماعيليِّ من طريق القواريريِّ عن سفيان: «اصطبح قوم الخمر أول النَّهار، وقُتِلوا آخر النَّهار شهداء» (وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا) وزاد البزَّار في «مسنده»: «فقال (٣) اليهود: قد مات بعض الذين قُتِلوا وهي في بطونهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣]» وفي سياق هذا الحديث غرابةٌ، وفي مسلمٍ من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: «صنع رجلٌ من الأنصار طعامًا، فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تُحرَّم حتَّى سكرنا، فتفاخرنا … » الحديث، وفيه: فنزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وحديث الباب (٤) أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨١٥] و «المغازي» [خ¦٤٠٤٤].
٤٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (وَابْنُ إِدْرِيسَ) عبد الله الأوديُّ الكوفيُّ، كلاهما (عَنْ أَبِي
стр. 8378
حَيَّانَ) بفتح الحاء (١) المهملة وتشديد التَّحتيِّة، يحيى بن سعيدٍ (٢) التَّيميِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ) وفي هذا بيان حصول الخمر ممَّا ذُكِر، وليس للحصر؛ لخلوِّ التَّركيب عن أداته، ولتعقيبه بقوله: (وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ) أي: ستره وغطَّاه كالخمار، سواءٌ كان ممَّا ذُكِر أو من غيره، كأنواع الحبوب والنَّبات؛ كالأفيون والحشيش، ولا تعارض بين قول ابن عمر أوَّلًا: «نزل تحريم الخمر، وإنَّ بالمدينة يومئذٍ لخمسةَ أشربةٍ ما فيها شراب العنب» وبين قول عمر: «نزل تحريم الخمر وهي من خمسة … » إلى آخره؛ لأنَّ الأوَّل أفاد أنَّ التَّحريم نزل في حالةٍ لم يكن شراب العنب فيها بالمدينة، والقول الثَّاني -وهو قول عمر- لا يقتضي أنَّ شراب العنب كان بالمدينة إذ ذاك بوجهٍ، وحينئذٍ فلا تعارض، كما لا يخفى.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٧] و «الأشربة» [خ¦٥٥٨١]، ومسلمٌ في آخر الكتاب، وأبو داود في «الأشربة» وكذا التِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ فيه وفي «الوليمة» (٣).
(١١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله : (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾) إثمٌ (﴿فِيمَا طَعِمُواْ﴾) تقول: طَعِمْتُ الطَّعام والشَّراب ومن الشَّراب، والمراد: ما لم يُحرَّم عليهم؛ لقوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ أي: اتَّقوا المُحرَّم (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «إلى قوله … » إلى آخره، وقال بعد: ﴿طَعِمُواْ﴾: «الآية» وسقط لغيره لفظ «باب».
стр. 8379
٤٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ عارمٌ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسم جدِّه درهمٌ الجهضميُّ قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) هو ابن أسلم البُنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ الخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَت) بضمِّ الهمزة وسكون الهاء آخره تاء تأنيثٍ، ولأبي ذرٍّ: «هُريقت» بضمِّ الهاء من غير همزةٍ (الفَضِيخُ) بالضَّاد والخاء المعجمتين، مرفوعٌ خبر «أنَّ»، وهو المتَّخَذ من البُسْر، كما مرَّ قريبًا [خ¦٤٦١٧].
قال البخاريُّ: (وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَامٍ لا ابن يحيى الذُّهلي، وَوَهِمَ من قال: إنَّه هو، ويؤيِّده ما في رواية أبي ذرٍّ حيث قال: «محمَّدٌ البيكنديُّ» وقد تبيَّن بهذا أنَّ قول صاحب «المصابيح» -تبعًا لِمَا في «التنقيح» -: «إنَّ القائل: زادني هو الفَِرَبْريُّ، ومحمد: هو البخاريُّ». سهوٌ، وظهر أنَّ البخاريَّ سمع هذا الحديث من أبي النُّعمان مختصرًا، ومن (١) محمَّد بن سَلَامٍ البيكنديِّ مطوَّلًا (عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ قَالَ) أي: أنسٍ: (كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ (فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَأَمَرَ) أي: النَّبيُّ ﷺ (مُنَادِيًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أر التَّصريح باسمه (فَنَادَى) بتحريمها، وكان ذلك عام الفتح سنة ثمانٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد، ولفظه: «قال: سألت ابن عبَّاسٍ عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديقٌ من ثقيف أو دوسٍ، فلقيَه يوم الفتح براوية خمرٍ يُهدِيها إليه، فقال: يا فلان، أما علمت أنَّ الله حرَّمها؟ فأقبل الرَّجل على غلامه فقال: بِعْها، فقال: إنَّ الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها» (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) أي: لأنسٍ: (اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ، قَالَ) أنسٌ: (فَخَرَجْتُ) أي: فسمعت ثمَّ عدت إلى أبي طلحة (فَقُلْتُ) له: (هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ) حرَّمها الله على لسان رسوله ﷺ (فَقَالَ لِي (٢): اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا) بهمزةٍ مفتوحةٍ فهاءٍ ساكنةٍ مجزومٌ على الأمر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فَهَرِقْها» بفتح الهاء من غير همزٍ، وله أيضًا عن الكُشْميهَنيِّ: «فأَرِقْها (٣)»
стр. 8380
بهمزةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ (قَالَ): فأرقتها (١) (فَجَرَتْ) أي: سالت (فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) أي: طرقها (قَالَ) أنسٌ: (وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ) وعند النَّسائيِّ والبيهقيِّ من طريق ابن عبَّاسٍ قال: «نزل تحريم الخمر في ناسٍ شربوا فلمَّا ثمِلُوا عَبَثُوا، فلمَّا صحوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر، فنزلت، فقال ناسٌ من المتكلِّفين (٢) … » وعند البزَّار أنَّ الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود، وأفاد في «الفتح»: أنَّ في رواية الإسماعيليِّ عن ابن ناجية، عن أحمد بن عبدة ومحمَّد بن موسى، عن حمادٍ في آخر هذا الحديث: قال حمادٌ: فلا أدري هذا -يعني (٣): قوله: «فقال بعض القوم … » إلى آخره- في الحديث، أي: عن أنس أو قاله ثابتٌ، أي: مرسلًا (قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣]) والمعنى: بيان أنَّه لا جناح عليهم فيما طَعِموا إذا ما اتَّقوا المحارم، والحكم عامٌّ وإن اختصَّ السَّبب، فالجناح مرتفعٌ عن كلِّ من يطعم شيئًا من المستلَّذات، إذا ما (٤) اتَّقى الله فيما حرَّم عليه منها ودام على الإيمان، أو ازداد إيمانًا عند من يقول به، وقال في «فتوح الغيب»: والمعنى: ليس المطلوب من المؤمنين الزَّهادة عن المستلَّذات وتحريم الطَّيِّبات، وإنَّما المطلوب منهم التَّرقِّي في مدارج التَّقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص ومعارج القدس والكمال، وذلك بأن يَثْبُتوا على الاتِّقاء عن الشِّرك (٥) وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به، وعلى الأعمال الصَّالحة لتحصل الاستقامة التَّامَّة، فيتمكَّن بالاستقامة من التَّرقِّي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج أن تعبد الله كأنَّك تراه، وهو المعنيُّ بقوله: ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾ وبها يُمنَح الزُّلفى عند الله ويُحِقُّه (٦)، ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]. انتهى.
وقال غيره: والتَّفسير باتِّقاء الشِّرك لا يلائم (٧) صفة الكمال، وإنَّ قوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾
стр. 8381
أي: بَاشَروا الأعمال الصَّالحة ﴿وَاتَّقُواْ﴾ الخمر والميسر بعد تحريمهما (١)، أو دَاومَوا على التَّقوى والإيمان ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ سائر المحرَّمات، أو ثبتوا على التَّقوى ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾ أعمالهم، وأحسنوا إلى النَّاس بالمواساة معهم في الإنفاق عليهم من الطَّيِّبات، وقيل: التَّقوى عن الكفر والكبائر والصَّغائر، وأضعف ما قيل فيه: إنَّه للتَّكرار والتَّأكيد، قال القاضي: ويُحتَمل أن يكون هذا التَّكرير (٢) باعتبار الأوقات الثَّلاثة، أو باعتبار الحالات الثَّلاثة: استعمال الإنسان التَّقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين النَّاس وبين الله؛ ولذلك بدَّل الإيمان بالإحسان في الكرَّة الثَّالثة (٣)؛ إشارةً إلى ما قاله ﵊ في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثَّلاث: المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يُتَّقى، فإنَّه ينبغي أن يترك المحرَّمات توقِّيًا من العذاب، والشُّبهات تحرُّزًا عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفُّظًا للنفس عن الخِسَّة (٤)، وتهذيبًا لها عن دنس الطَّبيعة. انتهى. وخَتْمُ الكلام يُشعِر بأنَّ من فعل ذلك من المحسنين، وأنَّه يستجلب المحبَّة الإلهيَّة.
وسيأتي مزيدٌ لشرح حديث الباب إن شاء الله تعالى في «الأشربة» [خ¦٥٥٨٢].
(١٢) (بابُ قَولِهِ) : (﴿لَا تَسْأَلُواْ﴾) الرَّسول ﷺ (﴿عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ﴾) أي: تظهر لكم (﴿تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) والجملة الشَّرطية وما عُطِف عليها وهو ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا﴾ صفةٌ لـ ﴿أَشْيَاء﴾ ومعنى: ﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ أي: ما دام النَّبيُّ ﷺ في الحياة، فإنَّه قد يُؤمَر بسبب سؤالكم بتكاليف تسوءُكم، وتتعرَّضون لشدائد العقاب بالتَّقصير في أدائها، وسقط لفظ «باب قوله (٥)» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 8382
٤٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُنْذِرُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجَارُودِيُّ) بالجيم، العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) الوليد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) أبيه (أَنَسٍ) هو ابن مالك (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ) وكان فيما رواه النَّضْر بن شُميلٍ عن شعبة عند مسلمٍ قد بلغه عن أصحابه شيءٌ، فَخَطَب بسبب ذلك (قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ) من عظمة الله وشدَّة عقابه بأهل الجرائم وأهوال القيامة (مَا أَعْلَمُ؛ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ) أنسٌ: (فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ) بالخاء المعجمة، للكُشْمِيهنيِّ، أي: صوتٌ مرتفعٌ من الأنف بالبكاء مع غنَّةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «حنينٌ» بالحاء المهملة، أي: صوتٌ مرتفعٌ بالبكاء من الصَّدر؛ وهو دون الانتحاب (فَقَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حذافة، أو (٢) قيس بن حذافة، أو خارجة بن حذافة، وكان يُطْعَن فيه: (مَنْ أَبِي؟ قَالَ) ﷺ : أبوك (فُلَانٌ) أي: حذافة (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» (٣) [خ¦٦٤٨٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩١]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ »، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق» (٤).
(رَوَاهُ) أي: حديث الباب (النَّضْرُ) بن شُمَيلٍ فيما وصله مسلمٌ (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) مما (٥) وصله البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٥] كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج بإسناده، وعند ابن جريرٍ عن قتادة، عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سألوه حتَّى أَحْفَوه بالمسألة، فصَعَد المنبر
стр. 8383
فقال: لا تسألوني اليوم عن شيءٍ إلا بيَّنته لكم، فأشفق الصَّحابة أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر، قال: فجعلتُ لا ألتفتُ يمينًا ولا شمالًا إلَّا وجدت كُلًّا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ كان يُلاحَى فيُدعَى لغير أبيه، فقال: يا نبيَّ الله؛ من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثمَّ قام عمر فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، عائذًا بالله من شرِّ الفتن … » الحديث.
٤٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بإسكان الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم الخراسانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء (١) المعجمة والمثلَّثة بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، زهير بن معاوية الجعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ) بضمِّ الجيم مصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطَّاء المهملتين- ابن خُفَافٍ؛ بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، الجَرميُّ؛ بفتح الجيم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ) له ﵊: (مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا [المائدة: ١٠١]) سقط «﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» في رواية أبي ذرٍّ. وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ، وقيل: نزلت في شأن الحجِّ، فعن عليٍّ: «لمَّا نزلت: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ قال: لا، ولو قلت: نعم لوجبت، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» رواه التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ غريبٌ.
стр. 8384
(١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]) يجوز كون ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: سَمَّى، فيتعدَّى لاثنين؛ أحدهما محذوفٌ، أي: ما سمَّى الله حيوانًا بحيرةً، ومنع أبو حيَّان كون ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: شرع أو وضع أو أمر، وخرَّج الآية على التَّصيير، وجعل المفعول الثاني محذوفًا، أي: ما صيَّر الله بحيرةً مشروعةً.
(﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ﴾): ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] معناه: (يَقُولُ: قَالَ اللهُ (١)) غرضه: أنَّ لفظ «قال» الذي هو ماضٍ بمعنى «يقول» المضارع؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما يقول هذا القول يوم القيامة؛ توبيخًا للنَّصارى وتقريعًا، ويؤيِّده قوله: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وذلك في القيامة، وَ (﴿إِذْ﴾ هَهُنَا: صِلَةٌ) أي: زائدةٌ؛ لأنَّ «إذ» للماضي والقول في المستقبل، وقال غيره: «إذ» قد تجيء بمعنى: إذا، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] وقوله:
ثُمَّ جزاك اللهُ عنِّي إذ جزى
جنَّاتِ عَدْنٍ في السَّمَواتِ العُلا
وصوَّب ابن جريرٍ قول السُّدِّيِّ أنَّ هذا كان في الدُّنيا حين رُفِع إلى السَّماء الدُّنيا.
(المَائِدَةُ) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ (٢) [المائدة: ١١٢] (أَصْلُهَا: مَفْعُولَةٌ) مراده: أنَّ لفظ «المائدة» وإن كان على لفظ «فاعلةٍ» فهو بمعنى «مفعولةٍ» يعني: مميودةٍ؛ لأنَّ «ماد» أصله: ميد، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، والمفعول منها للمؤنَّث: مميودةٌ (كـ ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]) وإن كانت على وزن «فاعلةٍ» فهي بمعنى: مرضيَّةٍ؛ لامتناع وصف العيشة بكونها راضيةً، وإنَّما الرِّضا وصف صاحبها (وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ) التَّمثيل بهذه غير واضحٌ؛ لأنَّ
стр. 8385
لفظ «بائنةٍ» هنا على أصله بمعنى: قاطعةٍ؛ لأنَّ التَّطليقة البائنة تقطع حكم العقد (وَالمَعْنَى) من حيث اللُّغة: (مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرٍ) يعني: امتير (١) بها؛ لأنَّ «ماده يميده» لغةٌ في «ماره يميره» من الميرة، ومن حيث الاشتقاق (يُقَالُ: مَادَنِي يَمِيدُنِي) من باب «فَعَل يَفْعِل» بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل، وقال أبو حاتمٍ: المائدة: الطَّعام نفسه، والنَّاس يظنُّونها الخوان. انتهى. لكن (٢) قال في «الصَِّحاح»: المائدة: خوانٌ عليه طعامٌ، فإذا لم يكن عليه طعامٌ؛ فليس بمائدةٍ، وإنَّما هو خوانٌ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي﴾ (﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]): معناه: (مُمِيتُكَ) وهذه الآية من سورة آل عمران، قيل: وذكرها هنا لمناسبة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ وكلاهما في (٣) قصَّة عيسى.
٤٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ، أبو إسحاق المدنيُّ نزيل بغداد
стр. 8386
(عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، المدنيِّ مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ القرشيِّ المخزوميِّ، قال ابن المدينيِّ: لا أعلم في التَّابعين أوسع علمًا منه، أنَّه (قَالَ: البَحِيرَةُ: الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ) أي: لبنها لأجل الأصنام (فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ) ذكرٌ أو أنثى، وخصَّ أبو عبيدة المنع بالنِّساء دون الرِّجال، وقال غيره: البحيرة «فعيلةٌ» بمعنى: «مفعولةٌ» واشتقاقها من البَحْر وهو الشَّقُّ، يقال: بَحَرَ ناقته؛ إذا شقَّ أذنها، واختُلِف فيها؛ فقيل: هي النَّاقة تنتج خمسة أبطن آخرها ذكرٌ، فتُشَقُّ أذنها وتُترَك، فلا تُركَب ولا تُحلَب ولا تُطرَد عن مرعًى ولا ماءٍ (وَالسَّائِبَةُ) بوزن «فاعلة» بمعنى: مسيَّبَةٍ؟ (كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ) لأجلها، تذهب حيث شاءت (لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ) ولا تحبس عن مرعًى ولا ماءٍ، وذلك أنَّ الرَّجل كان إذا مرض أو غاب له قريبٌ؛ نذر إن شفاه الله أو مريضه أو قدم غائبه؛ فناقته سائبةٌ، فهي بمنزلة البحيرة، وقيل: هي من جميع الأنعام.
(قَالَ) أي: سعيد بن المسيَّب بالسّند المذكور: (وَقَالَ (١) أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ) بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الزَّاي، وسبق في: «باب إذا انفلتت الدَّابَّة في الصَّلاة» [خ¦١٢١٢]: «ورأيت فيها عمرو بن لُحَيٍّ» بضمِّ اللَّام وفتح الحاء المهملة، قال الكِرمانيُّ: عامرٌ اسمٌ، ولُحَيٌّ لقبٌ، أو بالعكس، أو أحدهما اسم الجدّ، وقال البرماويُّ: إنَّما هو عمرو بن لُحَيِّ، ولُحَيٌّ اسمه: ربيعة بن حارثة بن عمرٍو. انتهى. وعند أحمد من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «إنَّ أوَّل من سيَّب السَّوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامرٍ» وعند عبد الرَّزَّاق من حديث زيد بن أسلم مرفوعًا: «عمرو بن لُحَيٍّ أخو بني كعبٍ» قال ابن كثيرٍ: فعمرٌو هذا هو (٢) ابن لُحَي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين (٣) ولوا
стр. 8387
البيت بعد جُرْهمٍ، وعند ابن جريرٍ عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال لأكتم بن الجون: «يا أكتم رأيت عمرو بن لُحَيِّ بن قمعة بن خندفٍ» (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمِّ القاف وسكون الصَّاد المهملة وبعدها موحَّدةٌ؛ يعني: أمعاءه (فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ) قال سعيد بن المسيِّب ممَّا هو موقوفٌ (١) مدرجٌ لا مرفوعٌ: (وَالوَصِيلَةُ): «فعيلةٌ» بمعنى «فاعلةٌ» هي (النَّاقَةُ البِكْرُ، تُبَكِّرُ) أي: تبادر (فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الإِبِلِ) بأنثى (ثُمَّ تُثَنِّي) بفتح المثلَّثة وتشديد النُّون المكسورة (بَعْدُ بِأُنْثَى) ليس بينهما ذكرٌ (وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «يسيِّبونها» أي: الوصيلة (لِطَوَاغِيتِهِمْ) بالمثنَّاة الفوقيَّة؛ من أجل (أَنْ وَصَلَتْ) بفتح الواو في الفرع كأصله، وفي نسخةٍ: بضمِّها (إِحْدَاهُمَا) أي: إحدى الأنثيين (بـ) الأنثى (الأُخْرَى، لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ) ويجوز كسر الهمزة من «أنْ وصلت» وهو الذي في الفرع ولم يضبطها في الأصل (٢)، وقيل: الوصيلة من جنس الغنم، فقيل: هي الشَّاة تنتج سبعة أبطنٍ عَناقين عَناقين، فإذا ولدت في آخرها عناقًا وجَدْيًا؛ قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى السَّائبة، وقيل غير ذلك.
(وَالحَامِ) هو (فَحْلُ الإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ المَعْدُودَ) فينتج من صلبه بطنٌ بعد بطنٍ إلى عشرة أبطنٍ (فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ؛ وَدَعُوهُ) بتخفيف الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «ودَّعوه» بتشديدها (٣) (لِلطَّوَاغِيتِ) أي: تركوه لأجل الطَّواغيت (وَأَعْفَوْهُ مِنَ الحَمْلِ، فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَسَمَّوْهُ الحَامِيَ) لأنَّه حمى ظهره، وقيل: الحام: الفحل يولد لولده، وقيل: الذي يضرب في إبل الرَّجل عشر سنين.
(وَقَالَ أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، ولأبي ذرٍّ: «وقال لي أبو اليمان»: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ سَعِيدًا) يعني ابن المسيَّب (قَالَ: يُخْبِرُهُ بِهَذَا) بتحتيَّةٍ مضمومةٍ فخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ فموحَّدةٍ، من الإخبار، أي: سعيد بن المسيَّب يُخبِر الزُّهريَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال:
стр. 8388
بحيرة بهذا (١)» بموحَّدةٍ مفتوحةٍ، فحاءٍ مهملةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ؛ إشارةً إلى تفسير البحيرة وغيرها، كما في رواية إبراهيم بن سعدٍ عن صالح بن كيسان عن الزُّهريِّ (قَالَ) أي: سعيد ابن المسيَّب: (وَقَالَ (٢) أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ؛ نَحْوَهُ) أي: المذكور في الرِّواية السَّابقة [خ¦٤٦٢٢] وهو قوله: «البحيرة التي يُمنَع دَرُّها للطَّواغيت».
(وَرَوَاهُ) (٣) أي: الحديث المذكور (ابْنُ الهَادِ) يزيد بن عبد الله بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن المسيَّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وهذا رواه ابن مردويه من طريق حميد بن خالدٍ المهريِّ (٤) عن ابن الهاد، ولفظه: «رأيت عمرو بن عامرٍ الخزاعيَّ يجرُّ قُصْبه في النَّار، وكان أوَّل من سيَّب السَّوائب» والسَّائبة: التي كانت تُسيَّب فلا يُحمَل عليها شيءٌ … إلى آخر التَّفسير المذكور، وقال الحافظ ابن كثيرٍ فيما رأيته في «تفسيره»: قال الحاكم: أراد البخاريُّ أنَّ يزيد بن عبد الله ابن الهاد رواه عن عبد الوهَّاب بن بُخْت (٥) عن الزُّهريِّ، كذا حكاه شيخنا أبو الحجَّاج المزِّيُّ في «الأطراف» وسكت ولم ينبِّه عليه، وفيما قاله الحاكم نظرٌ؛ فإنَّ الإمام أحمد وأبا جعفر بن جريرٍ روياه من حديث اللَّيث بن سعدٍ عن ابن الهاد عن الزُّهريِّ نفسه، والله أعلم.
٤٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ) إسحاق (أَبُو عَبْدِ اللهِ الكِرْمَانِيُّ) بكسر الكاف، وضبطه النَّوويُّ بفتحها، والأوَّل هو المشهور، قال: (حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عبد الله الكِرمانيُّ أبو هشامٍ العَنَزِيُّ؛ بنونٍ مفتوحةٍ بعدها زايٌ مكسورةٌ، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ)
стр. 8389
ابن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام: (أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : رَأَيْتُ جَهَنَّمَ) حقيقةً أو عُرِض عليه مثالها، وكان ذلك في كسوف الشَّمس (يَحْطِمُ) بكسر الطَّاء، أي: يأكل (بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا) هو ابن عامرٍ الخزاعيُّ (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمِّ القاف وسكون المهملة: أمعاءه، أي: في النَّار، وسقط للعلم به (وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ).
وقد سبق هذا الحديث مطوَّلًا في أبواب العمل في «الصَّلاة» من وجهٍ آخر عن يونس بن يزيد [خ¦١٠٤٦].
(١٤) هذا (بابٌ) -بالتنوين- في قوله تعالى: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾) رقيبًا كالشَّاهد، لم أُمَكِّنهم من هذا القول الشَّنيع؛ وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فضلًا عن (١) أن يعتقدوه (﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾) أي: بالرَّفع إلى السَّماء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] والتَّوفِّي: أخذ الشَّيء وافيًا، والموت نوعٌ منه (﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾) المراقب لأحوالهم، فتمنع من أردت عصمته بأدلَّة العقل والآيات التي أُنزِلت إليهم (﴿وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]) مطَّلعٌ عليه مراقبٌ له، قال في «فتوح الغيب»: فإن قلت: إذا كان الشَّهيد بمعنى: الرَّقيب؛ فلمَ عدل عنه إلى الرَّقيب في قوله تعالى: ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ مع أنَّه ذيَّل الكلام بقوله: ﴿وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟ وأجاب: بأنَّه خُولِف بين العبارتين؛ ليميِّز بين الشَّهيدين والرَّقيبين، فيكون (٢) عيسى ﵇ رقيبًا ليس كالرَّقيب الذي يَمْنَع ويُلزِم، بل هو كالشَّاهد على المشهود عليه، ومَنْعُه بمجرَّد القول، وأنَّه تعالى هو الذي يمنع منع إلزامٍ؛ بنصب
стр. 8390
الأدلَّة وإنزال البيِّنات (١) وإرسال الرُّسل، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: «الآية».
٤٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسديَّ مولاهم الكوفيَّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ (٢): خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) أي: مجموعون يوم القيامة (إِلَى اللهِ) تعالى حال كونكم (حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) بضمِّ الغين المعجمة وسكون الراء، جمع أغرل؛ وهو الأقلف، والغُرْلة: القلفة التي تُقطَع من ذَكَرِ الصَّبيِّ، قال ابن عبد البرِّ: يُحشَر الآدمي عاريًا، ولكلٍّ من الأعضاء ما كان له يوم وُلِد، فمن قُطِع له شيءٌ؛ يُرَدُّ حتَّى الأقلف، وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فلمَّا أزالوها في الدُّنيا؛ أعادها الله في الآخرة ليُذِيقها من حلاوة فضله، وسقط لأبي ذرٍّ «عراةً» (ثُمَّ قَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ثمَّ قرأ»: (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الأنبياء: ١٠٤]) قال في «شرح المشكاة»: إن قيل: سياق (٣) الآية في إثبات الحشر والنَّشر؛ لأنَّ المعنى: نُوجِدكم عن (٤) العدم،
стр. 8391
كما أوجدناكم (١) أوَّلًا عن العدم، فكيف يُستَشهد بها للمعنى المذكور؟ وأجاب: بأنَّ سياق الآية دلَّ على إثبات الحشر، وإشارتها على المعنى المراد من الحديث، فهو من باب الإدماج (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (أَلَا) بالتَّخفيف للاستفتاح (وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﷺ ؛ لأنَّه أوَّل من عُرِّي في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النَّار، ولا يلزم من أوَّليَّته لذلك تفضيله على نبيِّنا ﷺ ؛ لأنَّا نقول: إذا استأثر الله عبدًا بفضيلةٍ على آخر، واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بغيرها أفضل منها؛ كانت الفضيلة له، فحلَّة نبيِّنا ﷺ التي يُكْسَاها بعد الخليل حلَّةٌ خضراء، وهي حلَّة الكرامة؛ بقرينة إجلاسه عند ساق العرش؛ فهي أعلى وأكمل، فتَجبُر (٢) بنفاستها ما فات من الأوَّليَّة، ولا خفاء بأنَّ منصب الشَّفاعة حيث لا يؤذن لأحدٍ غير نبيِّنا فيه لم يُبقِ سابقةً لأولي السَّابقة ولا فضيلةً لذوي الفضائل إلَّا أتت عليها، وكم له من فضائل مختصَّةٍ به لم يُسبَق إليها ولم يُشَارَك فيها (أَلَا) بالتَّخفيف أيضًا (وَإِنَّهُ يُجَاءُ) بضمِّ الياء وفتح الجيم (بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) جهة النَّار (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُصَيْحَابِي) بضمِّ الهمزة وفتح المهملة مصغَّرًا، والتَّصغير يدل على التَّقليل، والمراد: أنَّهم تأخَّروا عن بعض الحقوق وقصَّروا فيها، أو من ارتدَّ من جفاة الأعراب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أصحابي» بالتَّكبير (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ﷺ : (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾) زاد أبو ذرٍّ: «﴿وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾» [المائدة: ١١٧] وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «مُذْ» (فَارَقْتَهُمْ) لم يُرَدْ به خواصُّ الصَّحابة الذين لزموه وعُرِفُوا بصحبته؛ فقد صانهم الله تعالى وعصمهم من ذلك، وإنَّما ارتدَّ (٣) قومٌ من
стр. 8392
جفاة الأعراب من المؤلَّفة قلوبهم، ممَّن لا بصيرة له في الدِّين.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٢٦] بعون الله تعالى وقوَّته.
(١٥) (بابُ قَولِهِ) : (﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾) أي: إن عذَّبتهم (١) فلا تعذِّب إلَّا عبادك، ولا اعتراض على المالك فيما يتصرَّف فيه من ملكه، وهم يستحقُّون ذلك حيث عبدوا غيرك (﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]) إن قيل: كيف جاز أن يقول: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيعرِضُ بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنَّه تعالى قد حكم بأنَّه من يشرك بالله؛ فقد حرَّم الله عليه الجنَّة؟ أُجيب بأنَّ هذا ليس بسؤالٍ، وإنَّما هو كلامٌ على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد، وعلى مقتضى حكمه وحكمته؛ ولذا قال: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛ تنبيهًا على أنَّه لا امتناع لأحدٍ من عزَّته، ولا اعتراض في حكمه وحكمته، فإن عذَّبت فعدلٌ، وإن غفرت ففضلٌ، قال:
أذنبتُ ذنبًا عظيمًا … وأنت للعفوِ (٣) أهلُ
فإن عفوتَ ففضلٌ … وإن جزيتَ فعدلُ
وعدم غفران الشِّرك مقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته، وسقط قوله «﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾: «الآية».
стр. 8393
٤٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديُّ مولاهم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) أي: يوم القيامة، وزاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦٤٦٢٥] «إلى الله» (وَإِنَّ نَاسًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وإنَّ رجالًا» (يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) جهة النَّار (فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ابن مريم ﵊: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]) فإن قلت: ما وجه مناسبة ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ بعد التَّعذيب والمغفرة، وبالنَّظر إلى القسم الآخر «الغفور» أنسب ظاهرًا؟ أُجيب بأنَّ مجموع الوصفَين لمجموع الحكمَين، كأنَّه قال: إن تعذِّبهم فإنَّهم عبادك ولا يفوتك ولا يؤودك تعذيبهم، وإن تغفر لهم فإنَّك أنت العزيز (١) الحكيم، الذي لا يفعل إلَّا بمقتضى الحكمة لا بالنَّظر إلى أنَّهم يستحقُّون المغفرة، بل باعتبار أنَّ فعلك لا يكون إلَّا على وجه الصَّواب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٢٦] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٩]، ومسلمٌ في «صفة القيامة»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «التَّفسير».
стр. 8394
(((٦))) (سورة الأَنْعَامِ) عن ابن عبَّاسٍ فيما رواه الطَّبرانيُّ: «نزلت سورة الأنعام بمكَّة ليلًا جملةً، وحولها سبعون ألف ملكٍ يجأرون حولها بالتَّسبيح» وروى الحاكم في «مستدركه» عن جعفر ابن عونٍ: حدَّثنا إسماعيل بن عبد الرَّحمن: حدَّثنا محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ لمَّا نزلت سورة الأنعام؛ سبَّح رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال: «لقد شيَّع هذه السُّورة ما سدَّ الأفق» ثمَّ قال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، فإنَّ إسماعيل هو السُّدِّيُّ، قال الذَّهبيُّ: لا والله، لم (١) يدرك جعفرٌ السُّدِّيَّ، وأظنُّ هذا موضوعًا، وعند ابن مردويه عن أنس بن مالكٍ مرفوعًا: «نزلت سورة الأنعام معها موكبٌ من الملائكة سدَّ ما بين الخافقين، لهم زجلٌ بالتَّسبيح، والأرض بهم ترتجُّ، ورسول الله ﷺ يقول: سبحان الله (٢) العظيم».
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عنه: (﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣]) أي: (مَعْذِرَتَهُمْ) أي: التي يتوهَّمون أنَّهم يتخلَّصون بها، وسقط «﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن﴾» لغير أبي ذرٍّ.
وقال ابن عبَّاسٍ -فيما وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا- في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ﴾
стр. 8395
(﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]) أي: (مَا يُعْرَشُ مِنَ الكَرْمِ (١) وَغَيْرِ ذَلِكَ) وسقط هذا لأبي (٢) ذرٍّ.
وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا -فيما وصله ابن أبي حاتمٍ- في قوله تعالى: (﴿حَمُولَةً﴾) ﴿وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]: هي (مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا) كذا في «اليونينيَّة»: «يُحمَل» بالتَّحتيَّة، وسقطت في فرعها (٣)، أي: الأثقال.
وفي قوله: (﴿وَلَلَبَسْنَا﴾) ﴿عَلَيْهِم﴾ [الأنعام: ٩]: (لَشَبَّهْنَا) عليهم، فيقولون: ما هذا إلا بشرٌ مثلكم.
وفي قوله تعالى: (﴿وَيَنْأَوْنَ﴾) ﴿عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]: (يَتَبَاعَدُونَ) عنه (٤)، أي: عن أن يؤمنوا به ﵊.
وفي قوله (٥): (﴿تُبْسَلَ﴾) من قوله: ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام: ٧٠]: (تُفْضَحَ) وفي قوله: (﴿أُتسِلُواْ﴾) أي: (أُفْضِحُوا) بهمزةٍ مضمومةٍ وكسر الضَّاد المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «فُضِحوا» بغير همزةٍ.
وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ﴾ (﴿بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣]: البَسْطُ: الضَّرْبُ) من قوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨] وليس البسط الضَّرب نفسه.
وفي قوله: ﴿قَدِ (٦)﴾ (﴿اسْتَكْثَرْتُم﴾ [الأنعام: ١٢٨]) أي: (أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا) منهم، وكذلك قال مجاهدٌ والحسن وقتادة، ولأبي ذرٍّ: «وقوله: ﴿اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ﴾» وسقط (٧) لغيره.
стр. 8396
وفي قوله: (﴿ذَرَأَ (١)﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِمِّا ذَرَأَ﴾» (﴿مِنَ الْحَرْثِ (٢)﴾ [الأنعام: ١٣٦]) قال: (جَعَلُوا للهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلشَّيْطَانِ وَالأَوْثَانِ نَصِيبًا) ورُوِي: أنَّهم كانوا يصرفون ما عيَّنوه لله إلى الضِّيفان والمساكين، والذي لأوثانهم ينفقونه على سَدَنَتها، ثمَّ إن رأوا ما عيَّنوه لله أزكى؛ بذلوه لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى؛ تركوه لها حبًّا لها (٣)، وفي قوله: ﴿مِمِّا ذَرَأَ﴾ تنبيهٌ على فرط جهالتهم، فإنَّهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا لا يقدر على شيءٍ، ثمَّ رجَّحوه عليه بأن جعلوا الزَّاكي له، وسقط لغير أبي ذر لفظ «﴿مِمِّا﴾» من قوله: ﴿مِمِّا ذَرَأَ﴾.
وقال ابن عبَّاس أيضًا في قوله تعالى: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (﴿أَكِنَّةً﴾) ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]: (وَاحِدُهَا: كِنَانٌ) وهو ما يستر الشَّيء، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي، ساقطٌ لغيره.
وفي قوله: (﴿أَمَّا﴾) بإدغام الميم في الأخرى وحذفها من الكتابة، ولأبي ذرٍّ: «أم ما» (﴿(٤) اشْتَمَلَتْ﴾) ﴿عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] (يَعْنِي: هَلْ تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى؟! فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا؟!) وهو ردٌّ عليهم في قولهم: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩].
وفي قوله: ﴿أَوْ دَمًا﴾ (﴿مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]) أي: (مُهْرَاقًا) يعني: مصبوبًا كالدَّم في العروق، لا كالكبد والطِّحال، و (٥) هذا ثابتٌ للكُشْميهنيِّ، ساقطٌ لغيره.
وفي قوله: (﴿وَصَدَفَ﴾ [الأنعام: ١٥٧]) أي: (أَعْرَضَ) عن آيات الله.
وفي قوله: (أُبْلِسُوا) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ أي: (أُويِسُوا) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أَيِسُوا» بفتح الهمزة وإسقاط الواو، مبنيًّا للفاعل، من أَيِسَ؛ إذا انقطع رجاؤه.
стр. 8397
وفي قوله: (﴿أُبْسِلُواْ﴾) ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ [الأنعام: ٧٠] أي: (أُسْلِمُوا) أي: إلى الهلاك بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزَّائغة، وقد ذكر هذا قريبًا بغير هذا التَّفسير، وفي قوله في سورة القصَص [الآية: ٧١]: (﴿سَرْمَدًا﴾) ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: (دَائِمًا) قيل: وذكره هنا لمناسبة قوله في هذه السُّورة: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦].
وفي قوله: (﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ [الأنعام: ٧١]) أي: (أَضَلَّتْهُ) الشَّياطين.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ﴾ (﴿تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢]) أي: (تَشُكُّونَ).
وفي قوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ﴾ (وَقْرٌ) (١) [الأنعام: ٢٥] أي: (صَمَمٌ، وَأَمَّا الوِقْرُ) بكسر الواو (فَإِنَّهُ الحِمْلُ) بكسر الحاء المهملة، وسقط لغير أبي ذرٍّ «فإنَّه».
وقوله: (﴿أَسَاطِيرُ﴾) ﴿الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]: (وَاحِدُهَا: أُسْطُورَةٌ) بضمِّ الهمزة وسكون السِّين وضمِّ الطاء (وَإِسْطَارَةٌ) بكسر الهمزة وفتح الطَّاء وبعدها ألفٌ (وَهِيَ التُّرَّهَاتُ) بضمِّ الفوقيَّة وتشديد الرَّاء، أي: الأباطيل.
وقوله: (﴿الْبَأْسَاء﴾ (٢)) في قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء﴾ [الأنعام: ٤٢]: (مِنَ البَأْسِ) وهو الشِّدَّة (وَيَكُونُ مِنَ البُؤْسِ) بالضَّمِّ؛ وهو ضدُّ النَّعيم.
وقوله: ﴿أَوْ﴾ (﴿جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧]) أي: (مُعَايَنَةً).
وقوله: (الصُّوَرُ) بضمِّ الصَّاد وفتح الواو، في قوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ﴾ [الأنعام: ٧٣] أي:
стр. 8398
(جَمَاعَةُ صُورَةٍ) أي: يوم يُنفَخ فيها فتحيا (كَقَوْلِهِ: سُورَةٌ وَسُوَرٌ) بالسِّين المهملة فيهما، قال ابن كثيرٍ: والصَّحيح أنَّ المراد بـ ﴿الصُّوَرِ﴾: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇؛ للأحاديث الواردة فيه.
وقوله: (﴿مَلَكُوتَ﴾) بفتح التَّاء في «اليونينيَّة» في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] أي: (مُلْكَ) وقيل: الواو والتَّاء زائدتان (مِثْلُ: رَهَبُوتٍ) كذا في نسخة «آل ملك» (١) بكسر ميم «مِثل» والإضافة لتاليه، والذي في «اليونينيَّة»: «مَثَلٌ» بفتح الميم والمثلَّثة (٢) وتنوين اللَّام، و «رَهَبُوتٌ» رفعٌ (خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ) (٣) أي: في الوزن (وَيَقُولُ: تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿مَلَكُوتَ﴾ ومُلكٌ رهبوتٌ رحموتٌ» والصَّواب: الأوَّل، فإنَّه فسَّر ﴿مَلَكُوتَ﴾ بمُلك، وأشار إلى أن وزن ﴿مَلَكُوتَ﴾ مثل رهبوتٍ ورحموتٍ، ويؤيِّده قول أبي عبيدة في تفسيره الآية حيث قال أي: ملك السَّموات والأرض، خرجت مخرج قولهم في المثل: رهبوتٌ خيرٌ من رحموتٍ، أي: رهبةٌ خير من رحمةٍ.
وقوله: ﴿فَلَمَّا﴾ (﴿جَنَّ﴾) ﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: (أَظْلَمَ).
وقوله: (﴿تَعَالَى﴾) ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام ١٠٠] أي: (علا) وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ، ساقطٌ لغيره، كقوله: (﴿وَإِن تَعْدِلْ﴾) ﴿كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] أي: (تُقْسِطْ) بضمِّ الفوقيَّة من الإقساط؛ وهو العدل، والضَّمير في ﴿إِن تَعْدِلْ﴾ يرجع إلى النَّفس الكافرة المذكورة قَبُل (لَا يُقْبَلُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ اليَومِ) هو يوم القيامة؛ لأنَّ التَّوبة إنَّما تنفع في حال الحياة قبل الموت، وقوله «وإن تعدل … » إلى آخره ثابتٌ لأبي ذرٍّ (٤).
وفي قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] (يُقَالُ: عَلَى اللهِ حُسْبَانُهُ، أَيْ: حِسَابُهُ) كشُهْبَان وشِهَابٍ، أي: يجريان بحسابٍ متقنٍ مقدَّرٍ لا يتغيَّر ولا يضطرب، بل كلٌّ منهما له
стр. 8399
منازلُ يسلكها (١) في الصَّيف والشِّتاء، فيترتَّب على ذلك اختلاف اللَّيل والنَّهار طولًا وقصرًا (وَيُقَالُ: ﴿حُسْبَانًا﴾) أي: (مَرَامِيَ) أي: سهامًا (وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) وسقط قوله: «ويقال» لأبي ذرٍّ.
وقوله: (مُسْتَقَرٌّ) في قوله تعالى: ﴿أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي: (فِي الصُّلْبِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] فِي الرَّحِمِ) كذا وقع هنا، ومثله قول أبي عبيدة: مستقرٌّ في صلب الأب، ومستودَعٌ في رحم الأمِّ، وكذا أخرجه عبد بن حميدٍ من حديث محمَّد ابن الحنفيَّة. وقال معمر عن قتادة عند عبد الرَّزَّاق: «مستقرٌّ في الرَّحم، ومستودَعٌ في الصُّلب» وأخرج سعيد بن منصورٍ مثله من حديث ابن عبَّاسٍ بإسنادٍ صحيحٍ. وأخرج عبد الرَّزَّاق عن ابن مسعودٍ قال: «﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾: في الدنيا، و ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦]: في الآخرة» وعند الطَّبرانيِّ من حديثه: «المستقرُّ: الرَّحم، والمستودَع: الأرض».
وقوله (٢): (القِنْوُ) في قوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] أي: (العِذْقُ) بكسر العين المهملة وسكون الذَّال المعجمة آخره قافٌ؛ وهو العرجون بما فيه من الشَّماريخ (وَالاِثْنَانِ: قِنْوَانِ) بكسر القاف (وَالجَمَاعَةُ أَيْضًا: قِنْوَانٌ) فيستوي فيه التَّثنية والجمع، نعم يظهر الفرق بينهما في رواية أبي ذرٍّ؛ حيث تكرَّر عنده «صنوان» مع كسر نون الأولى ورفع الثَّانية التي هي نون الجمع الجاري عليها الإعراب، تقول في التَّثنية: هذان قنوانِ بالكسر، وأخذتُ قنوين في النَّصب، وضربت (٣) بقنوين في الجرِّ، فتقلب ألف التَّثنية فيهما، وتقول في الجمع: هذه قنوانٌ بالرَّفع؛ لأنَّه في حالة الرَّفع، وأخذت قنوانًا بالنَّصب، وضربت بقنوانٍ بالجرِّ، ولا تتغيَّر فيه الألف، والإعراب يجري على النُّون، ويحصل الفرق أيضًا بالإضافة؛ فإنَّ نون التَّثنية تُحذَف دون نون الجمع، وسقطت «قنوان» الثَّانية لغير أبي ذَرٍّ (مِثْلُ: صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ) في التَّثنية والجمع، والكسر في التَّثنية، والحركات الثَّلاث في الجمع، وهو بكسر الصَّاد المهملة وسكون النُّون، وأصله: أن تطلع نخلتان من عرقٍ واحدٍ، ولأبي ذرٍّ: «وصنوانٌ» بالرَّفع والتَّنوين (٤)، وهذه التَّفاسير المذكورة مقدَّمٌ بعضها على بعضٍ في بعض النُّسخ، ومؤخَّرٌ في أخرى، وساقطٌ بعضها من بعضٍ.
стр. 8400
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، في قوله تعالى: (﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]) المفاتح: جمع مَفتحٍ؛ بفتح الميم وهو الخزانة، أو جمع مِفتح؛ بكسر الميم وهو المفتاح؛ بإثبات الألف، وجمعه: مفاتيح؛ بياءٍ بعد الألف، وقرأ بها ابن السَّمَيْفَع، وهو الآلة التي يُفتَح بها، فعلى الأوَّل يكون المعنى: وعنده خزائن الغيب، وهذا منقولٌ عن السُّدِّيِّ (١) فيما رواه الطَّبريُّ، وعلى الثَّاني: يكون قد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة؛ لأنَّ المفاتيح هي التي يُتَوصَّل بها إلى ما في الخزائن المستوثَق منها بالإغلاق، فمن علم كيف يفتح بها ويتوصَّل إلى ما فيها؛ فهو عالمٌ، وكذلك ههنا؛ إنَّ الله تعالى لمَّا كان عالمًا بجميع المعلومات ما غاب منها وما لم يغب؛ عبّر عنه بهذه العبارة؛ إشارةً إلى أنَّه هو المتوصِّل إلى المغيَّبات وحده، لا يتوصَّل إليها غيره، وهذا هو الفائدة في التَّعبير (٢) بـ «عند»، وفيه ردٌّ على المنجِّم المخذول الذي يدَّعي علم (٣) الغيب، والفلسفيِّ المطرود الذي يزعم أنَّ الله تعالى لا يعلم الجزئيَّات، وجوَّز الواحديُّ أنَّه (٤) جَمْعُ مَفتح؛ بفتح الميم، على أنَّه مصدرٌ بمعنى:
стр. 8401
الفتح، أي: وعنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ويُطلَق المفتاح على المحسوس والمعنوي (١)، وفي حديث أنسٍ ممَّا صحَّحه ابن حبَّان: «إنَّ من النَّاس مفاتيح للخير».
٤٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مفَاتِحُ الغَيْبِ) بوزن مساجد، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ) لا يعلمها إلَّا الله، فمن ادَّعى علم شيءٍ منها (٢)؛ فقد كفر بالقرآن العظيم، وذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ هذه الخمس هي التي كانوا يدَّعون علمها: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) أي: علم قيامها، فلا يعلم ذلك نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّبٌ ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ومن ثمَّ أنكر الدَّاوديُّ على الطبريِّ دعواه أنَّه بقي من الدُّنيا من هجرة المصطفى نصف يومٍ؛ وهو خمس مئةِ عامٍ، قال: وتقوم السَّاعة؛ لأنَّ دعواه مخالفةٌ لصريحٍ القرآن والسُّنَّة، ويكفي في الردِّ عليه أنَّ الأمر وقع بخلاف ما قال، فقد مضت خمس مئةِ سنةٍ ثمَّ ثلاث مئةٍ وزيادةٌ، لكنَّ الطَّبريَّ تمسَّك بحديث (٣) أبي ثعلبة رفعه: «لن تعجز هذه الأمَّة أن يؤخِّرها الله نصف يومٍ … » الحديث، أخرجه أبو داود وغيره، لكنَّه ليس صريحًا في أنَّها لا تؤخَّر (٤) أكثر من ذلك (﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾) فلا يعلم وقت إنزاله من غير تقديمٍ ولا تأخيرٍ وفي (٥)
стр. 8402
بلدٍ لا يجاوز به إلَّا هو، لكن إذا أمر به؛ عَلِمَته ملائكته الموكَّلون به ومن شاء الله من خلقه (﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾) ممَّا يريد أن يخلقه؛ أذكرٌ أم أنثى؟ أتامٌّ أم ناقصٌ؟ لا أحد سواه، لكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا؛ علمه الملائكة الموكَّلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾) في دنياها أو أخراها من خيرٍ أو شرٍّ؟ (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾) أفي بلدها أم (١) غيرها؟ فليس أحدٌ من النَّاس يدري أين مضجعه من الأرض أفي (٢) بحرٍ أو برٍّ؟ سهلٍ أو جبلٍ؟ (﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]) والاستدراك من نفي علم غير البارئ تعالى بوقت إنزال المطر بقولنا: لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكَّلون به … إلى آخره مستفادٌ من قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الاية [الجن: ٢٧] ومقتضاه: اطِّلاع الرَّسول على بعض المغيَّب (٣)، والوليُّ تابعٌ للرَّسول يأخذ عنه، وسقط قوله: «﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى آخر السُّورة (٤)».
وهذا الحديث قد سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي إن شاء الله تعالى في «سورة الرَّعد» [خ¦٤٦٩٧] و «لقمان» [خ¦٤٧٧٨] وبالله المستعان.
(٢) (بَابُ قَولِهِ) تعالى: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) كما فعل بقوم نوحٍ ولوطٍ وأصحاب الفيل (﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]) كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وعند ابن مردويه من حديث أُبيِّ بن كعبٍ ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرَّجم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف، وقيل: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾: أكابركم وحكَّامكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: سفلتكم وعبيدكم، وقيل: المراد بالفوق حبس المطر، وبالتَّحت: منع الثَّمرات، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾» وقالوا: «الآية» وثبت قوله: «باب قوله (٥)» لأبي ذرٍّ، وسقط (٦) للباقين.
(﴿يَلْبِسَكُمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] أي: (يَخْلِطَكُمْ، مِنَ الاِلْتِبَاسِ ﴿يَلْبِسُواْ﴾ [الأنعام: ٨٢]: يَخْلِطُوا (٧)) وهذا -كاللَّاحق- من (٨) قول أبي عبيدة، وقوله: (﴿شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي: (فِرَقًا) أي لا تكونوا (٩) شيعةً واحدةً؛ يعني: يُخلَط أمركم خلط اضطرابٍ لا خلط اتِّفاقٍ، يُقاتِل بعضكم بعضًا.
٤٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضل عارمٌّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الجهضميُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ (١٠) ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ») بذاتك، وزاد الإسماعيليُّ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن عمرٍو «الكريم» (قَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ
стр. 8403
أَرْجُلِكُمْ (١)﴾) وسقطت «قال» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﵊: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) زاد الإسماعيليُّ: «الكريم» أيضًا (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾) يخلطكم في ملاحم القتال (﴿شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾) أي: يقاتل بعضكم بعضًا، وقال مجاهدٌ: يعني: أهواءً متفرقةً؛ وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف، وقال بعضهم: هو ما فيه النَّاس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدماء (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَذَا أَهْوَنُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله، فابتُلِيَت هذه
стр. 8404
الأمَّة بالفتن؛ ليكفَّر بها عنهم (أَوْ) قال: (هَذَا أَيْسَرُ) شكَّ الرَّاوي.
وعند ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ: قال رسول الله ﷺ : «دعوت الله أن يرفع عن أمَّتي أربعًا، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرَّجم من السَّماء، والخسفَ من الأرض، وألَّا يلبسهم شِيَعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسفَ والرَّجم، وأبى أن يرفع عنهم الأُخرَيين (١)»، فيُستَفاد منه أنَّ الخسف والرَّجم لا يقعان في هذه الأمَّة، لكن روى أحمد من حديث أُبيِّ بن كعبٍ في هذه الآية قال: «هنَّ أربعٌ وكلُّهن واقعٌ لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة نبيِّهم بخمسٍ وعشرين سنةً، أُلبسِوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرَّجم»، لكنَّه أُعِلَّ بأنَّه مخالفٌ لحديث جابرٍ وغيره، وبأنَّ أُبيَّ بن كعبٍ لم يُدرِك سنةَ خمسٍ وعشرين من الوفاة النبويَّة، فكأنَّ حديثه انتهى عند قوله: «لا محالة» والباقي كلام بعض الرُّواة، وجُمِع بينهما: بأنَّ حديث جابرٍ مقيَّدٌ بزمان وجود الصَّحابة، وبعد ذلك يجوز وقوعهما، وعند أحمد بإسنادٍ صحيحٍ من حديث صُحارٍ -بضمِّ الصَّاد وبالحاء المخفَّفة (٢) المهملتين- العبديِّ رفعه: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يُخسَف بقبائل … » الحديثَ، ذكره في «فتح الباري»، وفي حديث ربيعة الجرشيِّ عند ابن أبي خيثمة رفعه: «يكون في أمَّتي الخسف والقذف والمسخ».
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٦] والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٣) هذا (بَابٌ) -بالتنوين- في قوله تعالى: (﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: بشركٍ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 8405
٤٦٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّدٌ، واسم أبي عديٍّ إبراهيمُ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: عظيمٍ، أي: لم يخلطوه بشركٍ، كما سيأتي، واستشكل تصوير خلط الإيمان بالشِّرك، وحمله بعضهم على خلطهما ظاهرًا وباطنًا، أي: لم ينافقوا؛ أو المراد بالإيمان: مجرَّد التَّصديق بالصَّانع وحده؛ فيكون لغويًّا، وحينئذٍ فلا إشكال (قَالَ أَصْحَابُهُ) ﷺ ورضي عنهم: (وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟!) وفي نسخةٍ (١) لأبي (٢) ذرٍّ عن الحَمُّويي: «لا يظلم» (فَنَزَلَتْ) عقب ذلك: (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) فبيَّن أنَّ عموم الظُّلم المفهوم من الإتيان به نكرةً في سياق النَّفي غيرُ مرادٍ، بل هو من العامِّ الذي أريد به الخاصُّ، وهو الشِّرك الذي هو أعلى أنواع الظُّلم.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الإيمان» [خ¦٣٢].
(٤) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾) هو ابن هاران ابنَ أخي إبراهيم (٣) الخليل (٤) ﵇ (﴿وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]) أي: عالمي زمانهم، وتمسَّك به من قال: إنَّ الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لدخولهم (٥) في عموم الجمع المحلِّي.