← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

الفتح، أي: وعنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ويُطلَق المفتاح على المحسوس والمعنوي (١)، وفي حديث أنسٍ ممَّا صحَّحه ابن حبَّان: «إنَّ من النَّاس مفاتيح للخير». ٤٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مفَاتِحُ الغَيْبِ) بوزن مساجد، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ) لا يعلمها إلَّا الله، فمن ادَّعى علم شيءٍ منها (٢)؛ فقد كفر بالقرآن العظيم، وذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ هذه الخمس هي التي كانوا يدَّعون علمها: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) أي: علم قيامها، فلا يعلم ذلك نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّبٌ ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ومن ثمَّ أنكر الدَّاوديُّ على الطبريِّ دعواه أنَّه بقي من الدُّنيا من هجرة المصطفى نصف يومٍ؛ وهو خمس مئةِ عامٍ، قال: وتقوم السَّاعة؛ لأنَّ دعواه مخالفةٌ لصريحٍ القرآن والسُّنَّة، ويكفي في الردِّ عليه أنَّ الأمر وقع بخلاف ما قال، فقد مضت خمس مئةِ سنةٍ ثمَّ ثلاث مئةٍ وزيادةٌ، لكنَّ الطَّبريَّ تمسَّك بحديث (٣) أبي ثعلبة رفعه: «لن تعجز هذه الأمَّة أن يؤخِّرها الله نصف يومٍ … » الحديث، أخرجه أبو داود وغيره، لكنَّه ليس صريحًا في أنَّها لا تؤخَّر (٤) أكثر من ذلك (﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾) فلا يعلم وقت إنزاله من غير تقديمٍ ولا تأخيرٍ وفي (٥)

стр. 8402

بلدٍ لا يجاوز به إلَّا هو، لكن إذا أمر به؛ عَلِمَته ملائكته الموكَّلون به ومن شاء الله من خلقه (﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾) ممَّا يريد أن يخلقه؛ أذكرٌ أم أنثى؟ أتامٌّ أم ناقصٌ؟ لا أحد سواه، لكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا؛ علمه الملائكة الموكَّلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾) في دنياها أو أخراها من خيرٍ أو شرٍّ؟ (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾) أفي بلدها أم (١) غيرها؟ فليس أحدٌ من النَّاس يدري أين مضجعه من الأرض أفي (٢) بحرٍ أو برٍّ؟ سهلٍ أو جبلٍ؟ (﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]) والاستدراك من نفي علم غير البارئ تعالى بوقت إنزال المطر بقولنا: لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكَّلون به … إلى آخره مستفادٌ من قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الاية [الجن: ٢٧] ومقتضاه: اطِّلاع الرَّسول على بعض المغيَّب (٣)، والوليُّ تابعٌ للرَّسول يأخذ عنه، وسقط قوله: «﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى آخر السُّورة (٤)». وهذا الحديث قد سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي إن شاء الله تعالى في «سورة الرَّعد» [خ¦٤٦٩٧] و «لقمان» [خ¦٤٧٧٨] وبالله المستعان. (٢) (بَابُ قَولِهِ) تعالى: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) كما فعل بقوم نوحٍ ولوطٍ وأصحاب الفيل (﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]) كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وعند ابن مردويه من حديث أُبيِّ بن كعبٍ ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرَّجم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف، وقيل: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾: أكابركم وحكَّامكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: سفلتكم وعبيدكم، وقيل: المراد بالفوق حبس المطر، وبالتَّحت: منع الثَّمرات، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾» وقالوا: «الآية» وثبت قوله: «باب قوله (٥)» لأبي ذرٍّ، وسقط (٦) للباقين. (﴿يَلْبِسَكُمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] أي: (يَخْلِطَكُمْ، مِنَ الاِلْتِبَاسِ ﴿يَلْبِسُواْ﴾ [الأنعام: ٨٢]: يَخْلِطُوا (٧)) وهذا -كاللَّاحق- من (٨) قول أبي عبيدة، وقوله: (﴿شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي: (فِرَقًا) أي لا تكونوا (٩) شيعةً واحدةً؛ يعني: يُخلَط أمركم خلط اضطرابٍ لا خلط اتِّفاقٍ، يُقاتِل بعضكم بعضًا. ٤٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضل عارمٌّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الجهضميُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ (١٠) ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ») بذاتك، وزاد الإسماعيليُّ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن عمرٍو «الكريم» (قَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ

стр. 8403

أَرْجُلِكُمْ (١)﴾) وسقطت «قال» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﵊: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) زاد الإسماعيليُّ: «الكريم» أيضًا (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾) يخلطكم في ملاحم القتال (﴿شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾) أي: يقاتل بعضكم بعضًا، وقال مجاهدٌ: يعني: أهواءً متفرقةً؛ وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف، وقال بعضهم: هو ما فيه النَّاس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدماء (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَذَا أَهْوَنُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله، فابتُلِيَت هذه

стр. 8404

الأمَّة بالفتن؛ ليكفَّر بها عنهم (أَوْ) قال: (هَذَا أَيْسَرُ) شكَّ الرَّاوي. وعند ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ: قال رسول الله ﷺ : «دعوت الله أن يرفع عن أمَّتي أربعًا، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرَّجم من السَّماء، والخسفَ من الأرض، وألَّا يلبسهم شِيَعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسفَ والرَّجم، وأبى أن يرفع عنهم الأُخرَيين (١)»، فيُستَفاد منه أنَّ الخسف والرَّجم لا يقعان في هذه الأمَّة، لكن روى أحمد من حديث أُبيِّ بن كعبٍ في هذه الآية قال: «هنَّ أربعٌ وكلُّهن واقعٌ لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة نبيِّهم بخمسٍ وعشرين سنةً، أُلبسِوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرَّجم»، لكنَّه أُعِلَّ بأنَّه مخالفٌ لحديث جابرٍ وغيره، وبأنَّ أُبيَّ بن كعبٍ لم يُدرِك سنةَ خمسٍ وعشرين من الوفاة النبويَّة، فكأنَّ حديثه انتهى عند قوله: «لا محالة» والباقي كلام بعض الرُّواة، وجُمِع بينهما: بأنَّ حديث جابرٍ مقيَّدٌ بزمان وجود الصَّحابة، وبعد ذلك يجوز وقوعهما، وعند أحمد بإسنادٍ صحيحٍ من حديث صُحارٍ -بضمِّ الصَّاد وبالحاء المخفَّفة (٢) المهملتين- العبديِّ رفعه: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يُخسَف بقبائل … » الحديثَ، ذكره في «فتح الباري»، وفي حديث ربيعة الجرشيِّ عند ابن أبي خيثمة رفعه: «يكون في أمَّتي الخسف والقذف والمسخ». وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٦] والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٣) هذا (بَابٌ) -بالتنوين- في قوله تعالى: (﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: بشركٍ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8405

٤٦٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّدٌ، واسم أبي عديٍّ إبراهيمُ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: عظيمٍ، أي: لم يخلطوه بشركٍ، كما سيأتي، واستشكل تصوير خلط الإيمان بالشِّرك، وحمله بعضهم على خلطهما ظاهرًا وباطنًا، أي: لم ينافقوا؛ أو المراد بالإيمان: مجرَّد التَّصديق بالصَّانع وحده؛ فيكون لغويًّا، وحينئذٍ فلا إشكال (قَالَ أَصْحَابُهُ) ﷺ ورضي عنهم: (وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟!) وفي نسخةٍ (١) لأبي (٢) ذرٍّ عن الحَمُّويي: «لا يظلم» (فَنَزَلَتْ) عقب ذلك: (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) فبيَّن أنَّ عموم الظُّلم المفهوم من الإتيان به نكرةً في سياق النَّفي غيرُ مرادٍ، بل هو من العامِّ الذي أريد به الخاصُّ، وهو الشِّرك الذي هو أعلى أنواع الظُّلم. وهذا الحديث قد سبق في «باب الإيمان» [خ¦٣٢]. (٤) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾) هو ابن هاران ابنَ أخي إبراهيم (٣) الخليل (٤) ﵇ (﴿وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]) أي: عالمي زمانهم، وتمسَّك به من قال: إنَّ الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لدخولهم (٥) في عموم الجمع المحلِّي.

стр. 8406

٤٦٣٠ - وبه قال (١): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندار العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرحمن قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيعٍ -بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مُهمَلةٌ- ابن مهران الرياحيِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بفتح الميم والفوقيَّة المشدَّدة، وضمير المتكلِّم يحتمل أن يعود إلى كلِّ قائلٍ، أي: لا يقول بعض الجاهلين من المجتهدين في العبادة أو العلم أو غير ذلك من الفضائل، فإنَّه -ولو بلغ ما بلغ- لم يبلغ درجة النُّبوَّة، ويؤيِّده (٢) ما في بعض الرِّوايات: «ما ينبغي لعبدٍ أن يقول إنِّي (٣)» وقيل: يعود إلى الرَّسول ﷺ ، أي: لا ينبغي لأحدٍ أن يُفضِّلني عليه، قاله على سبيل التَّواضع، أو قبل أن يعلم أنَّه سيِّد ولد آدم، وفيه نظرٌ من جهة معرفة المتقدِّم تاريخًا. ٤٦٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) فيه الكفُّ عن الخوض في التَّفضيل بين الأنبياء بالرَّأي، فيوقف عند المرويِّ من ذلك، والدَّلائل مُتَظافِرةٌ على تفضيل نبيِّنا ﷺ على جميع الأنبياء، وخصَّ يونس بالذِّكر خوفًا من توهُّم حطِّ مرتبته (٤) العليَّة بقصَّة الحوت.

стр. 8407

وهذا الحديث قد سبق مِرارًا [خ¦٣٣٩٥] [خ¦٣٤١٣] [خ¦٣٤١٦] [خ¦٤٦٠٣]، وقد ثبت «باب قوله» لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وسقط لغيره. (٥) (باب قوله) : (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ﴾) قال الزَّجَّاج: الأنبياء الذين ذكرهم (﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) الهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف، ومن أثبتها في الوصل ساكنة -كالحِرْمِيَّين والبصريِّ وعاصمٍ- أجرى الوصل مُجرى الوقف، وأشبعها ابن عامرٍ على أنَّها كناية المصدر، أي: اقتدِ اقتداءً، وحذفها الأخوان على أنَّها هاء السَّكت، وقياسها في الوصل الحذف. وفي هذه الآية دلالةٌ على فضل نبيِّنا ﷺ على سائر الأنبياء؛ لأنَّه سبحانه أمره بالاقتداء بهداهم (١)، ولا بدَّ من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع فضائلهم (٢) وأخلاقهم المتفرِّقة، فثبت بهذا أنَّه ﷺ أفضل الأنبياء، وتقديم قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ (٣)﴾ يفيد حصر الأمر في هذا الاقتداء، وأنَّه لا هدى غيره، والمراد: أصول الدِّين، وهو الذي يستحقُّ أن يُسمَّى الهدى المطلق، فإنَّه لا يقبل النَّسخ، وكذا في مكارم الأخلاق والصِّفات الحميدة المشهورة عن كلِّ واحدٍ من هؤلاء الأنبياء، ولو أُمِرَ بالاقتداء في مشروع تلك الأديان؛ لم يكن دينًا ناسخًا، وكان يجب محافظة كتبهم ومراجعتها عند الحاجة، وبطلان اللَّازم (٤) بالاتِّفاق يدلُّ على بطلان الملزوم، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله (٥): «باب قوله».

стр. 8408

٤٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن أبي مسلمٍ (الأَحْوَلُ) المكِّيُّ، قيل: اسم أبيه عبد الله: (أَنَّ مُجَاهِدًا) هو ابن جَبْرٍ -بفتح الجيم وسكون الموحَّدة- المخزوميُّ مولاهم المكِّيُّ، الإمام في التَّفسير (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَفِي) سورة («ص» سَجْدَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا) قرأ: (﴿وَوَهَبْنَا﴾) زاد أبو ذرٍّ: «﴿لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ) أي: داود من الأنبياء المذكورين في هذه الآية. (زَادَ) على الرِّواية الماضية (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيُّ فيما وصله الإسماعيليُّ (وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) مصغَّرًا من غير إضافةٍ، الطَّيالسيُّ الكوفيُّ، فيما (١) وصله البخاريُّ في سورة «صَ» [خ¦٤٨٠٦] (وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ) بسكون الهاء، الأنماطيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢١] ثلاثتهم (عَنِ العَوَّامِ) بتشديد الواو، ابن حَوْشَب؛ بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح المعجَمة آخره موحَّدةٌ (عَنْ مُجَاهِدٍ) المذكور آنفًا أنَّه قال: (قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ) أي: وقد سجدها داود، فسجدها رسول الله ﷺ اقتداءً به، واستُدِلَّ بهذا على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، وهي مسألةٌ مشهورةٌ في الأصول. ويأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى في سورة «ص» [خ¦٤٨٠٦] بعون الله تعالى وقوَّته. (٦) (باب قوله) : (﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ﴾) أي: وعلى اليهود (﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾) أي: لم يكن منفرج الأصابع مشقوقها، رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق سعيد بن جُبيرٍ عن ابن

стр. 8409

عبَّاسٍ بإسنادٍ حسنٍ؛ وذلك لشؤم ظلمهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٦٠] (﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ الاية [الأنعام: ١٤٦]) أي: الثُّروب؛ بالثاء المثلَّثة (١) المضمومة والراء آخره موحَّدة؛ وهو شحمٌ قد غَشِيَ الكَرِشَ والأمعاء رقيقٌ، وشحم (٢) الكِلَى، وتَرَك البقرَ والغنم على التحليل، لمُ يحرِّم منها إلَّا الشُّحوم الخاصَّة، واستثنى (٣) من الشَّحم ما علقت (٤) بظهورهما، أو ما اشتمل على الأمعاء؛ فإنَّه غير محرَّمٍ، وهو المراد بقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ جمع حاويةٍ، أو حاوياء؛ كقاصِعاء وقواصِع، أو حَويَّة؛ كسفينة وسفائن، ومن عَطَف (٥) على (٦) ﴿شُحُومَهُمَا﴾ جعل ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، فهي بمنزلة قولك: لا تُطِعْ زيدًا أو عَمْرًا أو خالدًا، أي: هؤلاء كلُّهم أهلٌ ألَّا يُطاع، فلا تُطِعْ واحدًا منهم، ولا تُطِعِ الجماعة، ومثله: جالسِ الحسنَ أو ابن سيرين أو الشَّعبيَّ، فليس المعنى: أَنِّي أمرتك بمجالسة واحدٍ منهم، بل المعنى: كلُّهم أهلٌ أن يُجالَس، فإن جالستَ واحدًا منهم؛ فأنت مصيبٌ، وإن جالستَ الجماعةَ؛ فأنت مصيبٌ، وقال ابن الحاجب: ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] بمعناها؛ وهو (٧) أحد الأمرين، وإنَّما جاء التَّعميم من النَّهي الذي فيه معنى النَّفي؛ لأنَّ المعنى قبل وجود النَّهي فيهما: تطيع آثمًا أو كفورًا، أي: واحدًا منهما، فإذا جاء النَّهي ورد على ما كان ثابتًا في المعنى، فيصير المعنى: ولا تُطِع واحدًا منهما، فيجيء العموم فيهما من جهة النَّهي الدَّاخل، بخلاف الإثبات، فإنَّه قد يفعل أحدهما دون الآخر؛ وهومعنًى دقيقٌ، والحاصل: أنَّك إذا عطفتَ ﴿أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ على ﴿شُحُومَهُمَا﴾ دخلت الثَّلاث تحت حكم النَّفي، فيحرم الكلُّ سوى ما استُثني منها (٨)، وإذا

стр. 8410

عطفتَ على المستثنى؛ لم يَحْرُم سوى الشُّحوم، و ﴿أَوِ﴾ على الأوَّل للإباحة، وعلى الثَّاني للتَّنويع، قاله في «فتوح الغيب»، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَمِنَ الْبَقَرِ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿ظُفُرٍ﴾: «إلى قوله: ﴿وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]». (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابنُ جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه (١) في تفسير قوله: (﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: البَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ) ونحوهما (الحَوَايَا: المَبْعَرُ) بفتح الميم، وصله ابن جريرٍ عن ابن عبَّاسٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة، وعبدُ الرَّزَّاق عن معمرٍ عن قتادة، وفي رواية أبي الوقت: «المَبَاعر» بالجمع، وكذا قاله سعيد بن جُبيرٍ فيما أخرجه ابن جريرٍ، وقال: (٢) ﴿الْحَوَايَا﴾: جمع حَويَّة؛ وهي ما تَحَوَّى واجتمع واستدار من البطن؛ وهو (٣) بنات اللَّبن؛ وهي المباعر، وفيها الأمعاء (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ (﴿هَادُواْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]: صَارُوا يَهُودًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ) تعالى: ﴿أَنَّا﴾ (﴿أَنَّا﴾) ﴿إِلَيْكَ﴾ بالأعراف [الآية: ١٥٦] فمعناه: (تُبْنَا. هَائِدٌ: تَائِبٌ) كذا نُقِل عن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ وسعيد بن جُبيرٍ وغيرهم، وسقط قوله: «وقال غيره … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. ٤٦٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابن فرُّوخ بن سعيدٍ الحرَّانيُّ التَّميميُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) أبي رجاء البصريِّ، واسم أبيه: سويد، أنَّه قال: (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ)

стр. 8411

الأنصاريَّ (¬﵄¬) يقول: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) زاد في «باب بيع الميتة» من «كتاب البيع» [خ¦٢٢٣٦]: «عام الفتح وهو بمكَّة» (قَالَ: قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ) أي: لعنهم (لَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا) أي: أكل شحوم الميتة (جَمَلُوهُ) أي: أذابوا المذكور، واستخرجوا دهنه (ثُمَّ بَاعُوهُ) ولأبي الوقت وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «جَمَلوها ثم باعوها» على الأصل (فَأَكَلُوهَا) أي: أثمانها. (وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل، شيخ البخاريِّ، ممَّا وصله أحمد: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ) ابن جعفرٍ الأنصاريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) بن أبي حبيبٍ قال: (كَتَبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا) هو ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ: «مثله» أي: مثلَ المذكور من الحديث. (٧) (باب قوله) تعالى: (﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ﴾) الكبائر أو الزَّنى (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]) في محلِّ نصبٍ بدل اشتمال من ﴿الْفَوَاحِشَ﴾ أي: لا تقربوا ظاهرها وباطنها؛ وهو الزِّنى سرًّا أو جهرًا، أو عمل الجوارح والنِّيَّة، أو عموم الآثام، ولفظ «الباب» ثابتٌ لأبي ذرٍّ. ٤٦٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن مرَّة المراديِّ الكوفيِّ الأعمى (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) «أفعل» التفضيل من الغَيرة -بفتح الغين- وهي الأَنَفة والحميَّة في حقِّ المخلوق، وفي حقِّ الخالق: تحريمه ومنعه أن يأتي المؤمن ما حرَّمه عليه، قال ابن جِنِّي: تقول: لا أحدَ أفضلُ منك؛ برفع «أفضلُ» لأنَّه خبر «لا» كما يرفع خبر «إنَّ»، وتقول: لا غلامَ لك، فإن فصلت بينهما بطل عملها؛ تقول: لا لك غلامٌ، فإن وصفت اسم «لا» كان لك ثلاثة أوجهٍ: النَّصب بغير تنوينٍ، وبتنوينٍ، والرَّفع

стр. 8412

بتنوينٍ (وَلِذَلِكَ) أي: ولأجل غَيرته (حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَيْءَ أَحَبَُّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ) و (لِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ) بالرَّفع والنَّصب في «أحبَّ»، وهو «أفعل» تفضيلٍ بمعنى: المفعول، و «المدح» فاعله (١)؛ نحو: ما رأيت رجلًا أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ، ونقل البرماويُّ -كالزَّركشيِّ- أنَّ عبد اللَّطيف البغداديَّ استنبط من هذا جواز قول (٢): مدحت الله، قال: وليس صريحًا لاحتمال أن يكون المراد أنَّ الله يحبُّ أن يُمدَح غيره؛ ترغيبًا للعبد في الازدياد ممَّا يقتضي المدح؛ ولذلك مدح نفسه، لا أنَّ المراد: يحبُّ أن يمدحه غيره، قال في «المصابيح»: وما اعترض به الزَّركشيُّ على عدم الصَّراحة بإبداء الاحتمال المذكور ليس من قِبَلِ (٣) نفسه، بل ذكره الشَّيخ بهاء الدِّين السُّبكيُّ في أوَّل شرح «التَّلخيص». انتهى. وهذا الذي قاله عبد اللَّطيف هو في «شرحه» على «الخُطَب النُّباتيَّة» (٤)، وعبارة «شرح التَّلخيص» المذكور: ومراد عبد اللَّطيف بقوله: «قد يُطلَق المدح على الله تعالى» أنَّك تقول: مدحت الله، وما ذكره هو ما فهمه النَّوويُّ، وليس صريحًا لاحتمال أن يكون المراد … إلى آخره، قال في «المصابيح»: الظَّاهر الجواز؛ ولذلك مدحُ نفسِه شاهدُ صدقٍ على صحَّته، وحبُّه تعالى المدح لِيُثيبَ عليه، فينتفع المكلَّف، لا لينتفع هو بالمدح، تعالى الله علوًّا كبيرًا. قال عَمرو بن مرَّة: (قُلْتُ) لأبي وائلٍ: هل (سَمِعْتَهُ) أي: هذا الحديثَ (مِنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ؟ (قَالَ) أبو وائلٍ: (نَعَمْ) سمعته من عبد الله (قُلْتُ: وَرَفَعَهُ) عبدُ الله إلى النَّبيِّ ﷺ ؟ (قَالَ: نَعَمْ) رفعه إليه ﷺ . وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات».

стр. 8413

(٨) (﴿وَكِيلٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «و ﴿وَكِيلٌ﴾» بزيادة واوٍ، ومرادُه تفسير ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أي: (حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ) كذا فسَّره أبو عبيدة. وقوله: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (﴿قُبُلاً﴾) هو (جَمْعُ قَبِيلٍ، وَالمَعْنَى: أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ، كُلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبِيلٌ) قال أبو عبيدة: ﴿وَحَشَرْنَا﴾: جمعنا، و ﴿قُبُلاً﴾: جمع قبيلٍ، أي: صنفٍ، وقال مجاهد: ﴿قُبُلاً﴾: أفواجًا قبيلًا قبيلًا، أي: تُعرَض عليهم كلُّ أمةٍ من الأمم، فتخبرهم بصدق الرُّسل فيما جاؤوهم به، ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وقال ابن جريرٍ: ويحتمل أن يكون «القبل» جمع قبيلٍ؛ وهو الضَّمين والكفيل، أي: وحشرنا عليهم كلَّ شيءٍ كُفَلاء (١) يكفلون لهم أنَّ الذي نَعِدُهم حقٌّ، وهو معنى قوله في الآية الأخرى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢]. انتهى. وبالكفيل فسَّره (٢) البيضاويُّ؛ كالزمخشريِّ والسَّمرقنديِّ وابن عادلٍ وغيرهم، قال في «الفتح»: ولم أرَ من فسَّره بأصناف العذاب؛ فليُحرَّر. (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ [الأنعام: ١١٢]: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ) بتشديد السِّين المهمَلة في الأولى، والشِّين المعجمة في الثَّانية، من التوشية، أي: زيَّنته، و «كلُّ شيءٍ» مبتدأٌ، وتاليه عُطِفَ عليه (وَهْوَ بَاطِلٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَهْوَ زُخْرُفٌ) خبرُ المبتدأ، ودخلتِ الفاء فيه لتضمُّن المبتدأ معنى الشَّرط، وسقط قوله: «﴿وَكِيلٌ﴾: حفيظ … » إلى هنا للحَمُّويي، وثبت للمُستملي والكُشْميهَنيِّ. (﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]) أي: (حَرَامٌ) والإشارة إلى ما عيَّنوا من الحرث والأنعام للأصنام، أو البحيرة ونحوها (وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ) بمعنى: مفعولٍ، ويُطلَق على المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والجمع (وَالحجر: كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ، وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنَ الخَيْلِ: حِجْرٌ)

стр. 8414

بغير هاء (١) تأنيثٍ (وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ: حِجْرٌ وَحِجًى) بالحاء المكسورة والجيم (وَأَمَّا الحِجْرُ؛ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ، وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهْوَ حِجْرٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ البَيْتِ) الحرام (حِجْرًا، كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ؛ مِثْلُ: قَتِيلٍ، مِنْ مَقْتُولٍ، وَأَمَّا حَجْرُ اليَمَامَةِ) بفتح الحاء (فَهْوَ مَنْزِلٌ) وسقط قوله: «﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ، قال في «الفتح»: وهو أَولى. (٩) (بابُ قولِهِ) تعالى: (﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] لُغَةُ أَهْلِ الحِجَازِ: هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالجَمِعِ) (٢) وأهل نجد يقولون للاِثنين: هلُمَّا، وللجمع: هلمُّوا، وللمرأة: هلُمِّي، وللنِّساء: هَلْمُمْنَ، والمعنى: هاتوا شهداءكم وأحضروهم، وسقط قوله (٣): «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ. (١٠) (بابٌ) بالتنوين (٤)، قوله تعالى: (﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) أي: يوم يأتي بعض آيات ربك -كالدُّخان، ودابَّة الأرض، والدَّجَّال، ويأجوج ومأجوج، وحضور الموت- ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ إذا صار الأمر عيانًا، والإيمان برهانًا (٥)، وقولُ الزَّمخشريِّ: - «فلم يُفرِّق كما ترى- بين النَّفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النَّفس التي آمنت في وقته (٦) ولم تكسب خيرًا»، ومراده بذلك (٧) كما في «الانتصاف» الاستدلال على أنَّ الكافر والعاصيَ في الخلود سواءٌ، حيث سوَّى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات -مدفوعٌ بما قاله المحقِّقون-: إنَّ التقدير: يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفسًا إيمانها أو كسبُها في إيمانها حينئذٍ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا من قبلُ، فيوافق الآياتِ والأحاديثَ

стр. 8415

الشَّاهدة بأنَّ مجرَّد الإيمان ينفع ويورِث النَّجاة ولو بعد حين، وفي الآية لفٌّ، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفسًا لم تكن مؤمنةً قَبْلُ إيمانُها بعدُ، ولا نفسًا لم تكسب في إيمانها خيرًا قَبْلُ ما تكسبه من الخير بعدُ، لكن حَذَفَ إحدى القرينتين، وحاصله: أنَّ الإيمان المجرَّد قبل كشف قوارع السَّاعة نافعٌ، وأنَّ الإيمان المقارَن بالعمل الصالح أنفع، وأمَّا بعدها فلا ينفع شيءٌ أصلًا، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى (١) في «كتاب الفتن» [خ¦٧١٢١] بعون الله وقوَّته (٢) (٣). ٤٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، ابن القعقاع الضَّبِّيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمُ بن عَمرٍو البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) غايةٌ لعدم قيام الساعة، ويؤيِّده ما رواه البيهقيُّ في «كتاب البعث والنُّشور» عن الحاكم أبي عبد الله: أنَّ أوَّل الآيات ظهور الدَّجَّال، ثمَّ نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدَّابَّة، ثم طلوع الشَّمس من مغربها، وهو أوَّل الآيات العِظام المؤذِنة بتغيير أحوال العالم العلويِّ؛ وذلك أنَّ الكفَّار يُسلِمون في زمن عيسى، ولو لم ينفع الكفَّار إيمانهم أيَّام عيسى لَمَا صار الدِّين واحدًا، فإذا قُبِضَ عيسى ﵇ ومَن معه مِنَ المسلمين؛ رجع أكثرهم إلى الكفر، فعند ذلك تطلع الشَّمس من مغربها (فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا) أي: مَن على الأرض (فَذَاكَ حِينَ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]) أي: لا ينفع كافرًا لم يكن آمن قبل طلوعها إيمانٌ بعد الطُّلوع، ولا ينفع مؤمنًا لم يكن عَمِل صالحًا قبل الطُّلوع عملٌ صالحٌ بعد الطُّلوع (٤)؛ لأن حكم

стр. 8416

الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم مَن آمن أو عمل عند الغَرْغَرَةِ، وذلك لا يفيد شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الملاحم»، والنَّسائيُّ في «الوصايا»، وابن ماجه في «الفتن». ٤٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن نصرٍ أبو إبراهيم السَّعديُّ كما جزم به خلفٌ، أو هو ابن منصور أبو يعقوب المروزيُّ الكوسَج كما جزم به أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الأوَّل أقوى، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّهٍ الصَّنعانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) «وآية ذلك: أن تطول اللَّيلة حتَّى تكون قدر ليلتين» رواه ابن مردويه من حديث حذيفة مرفوعًا (فَإِذَا طَلَعَتْ) من مغربها (وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ) ولمسلمٍ (١) عن ابن عَمرو (٢) مرفوعًا: «إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشَّمس من مغربها … » الحديث، واستشكِل بأنَّ طلوع الشَّمس ليس بأوَّل الآيات؛ لأنَّ الدُّخان والدَّجَّال قبله، وأُجيب بأنَّ الآيات إمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على قرب قيام السَّاعة، وإمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على وجود قيام السَّاعة وحصولها، ومن الأوَّل: الدُّخان وخروج الدَّجَّال ونحوهما، ومن الثَّاني: طلوع الشَّمس من مغربها، وسُمِّي أوَّلًا لأنَّه مبدأ القسم الثَّاني، ويأتي إن شاء الله تعالى نبذةٌ من فرائد الفوائد المتعلِّقة بهذه المباحث في محالِّها من هذا الكتاب، وبالله المستعان وعليه التُّكلان.

стр. 8417

(((٧))) (سورة الأَعْرَافِ) مكِّيَّةٌ إلَّا ثمان آياتٍ، من قوله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ﴾ … إلى قوله (١): ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٧١] وزاد أبو ذرٍّ هنا: «بسم الله الرحمن الرحيم». (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((وَرِيَاشًا) [الأعراف: ٢٦]) بالجمع، وهي (٢) قراءة الحسن، جمع ريشٍ؛ كشِعْب وشِعَاب، وقراءة الباقين: ﴿وَرِيشًا﴾ بالإفراد: (المَالُ) يقال: تريَّش، أي: تموَّل، وعند ابن جريرٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: الرِّياش:

стр. 8418

اللِّباس والعيش والنَّعيم، وقيل: الرِّيش: لباس الزِّينة، استُعير من ريش الطَّير بعلاقة الزِّينة. وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا من طريق ابن جُرَيجٍ (١) عن عطاءٍ عنه، ممَّا وصله ابن جريرٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ (﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: (فِي الدُّعَاءِ) كالذي يسأل درجة الأنبياء، أو على (٢) من لا يستحقُّه، أو الذي يرفع صوته عند الدُّعاء، وفي حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أبي داود: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء» وقرأ هذه الآية، وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفَّلٍ أنَّه سمع ابنه يقول: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتُها، فقال: يا بنيَّ سل الله الجنَّة وَعُذْ بِهِ من النَّار، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء والطُّهور»، وهكذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان (٣) به (وَفِي غَيْرِهِ) أي: غير الدُّعاء، وسقط «﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، وقوله «وفي غيره» للمستملي. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى﴾ (﴿عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]) أي: (كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ) يقال: عفا الشَّعر، إذا كثُر. وقوله تعالى في سورة سبأ [الآية: ٢٦]: (﴿الْفَتَّاحُ﴾) أي: (القَاضِي) قيل: وذَكَره هنا توطئةً لقوله في هذه السُّورة: (﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]) أي: (اقْضِ بَيْنَنَا) وسقط قوله: «بيننا» لأبي ذرٍّ. وقوله: (﴿نَتَقْنَا﴾) ﴿الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١] أي: (رَفَعْنَا) الجبل، وسقط قوله: «الجبل» لغير أبوي ذرٍّ والوقت. وقوله: (﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]) أي: (انْفَجَرَتْ). وقوله: (﴿مُتَبَّرٌ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) أي: (خُسْرَانٌ). وقوله: (﴿آسَى﴾ [الأعراف: ٩٣]) أي: فكيف (أَحْزَنُ) ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾؟ وقوله في سورة المائدة [الآية: ٢٦]: (﴿تَأْسَ﴾) أي: (تَحْزَنْ) ذكره استطرادًا.

стр. 8419

هذا كلُّه تفسير ابن عبَّاسٍ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: (﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَقُولُ (١): مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) فـ ﴿لَّا﴾ صلةٌ، مثلها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مؤكِّدةٌ معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبِّهةٌ على أنَّ الموبَّخ عليه تركُ السُّجود. وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ (﴿يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢]: أَخَذَا) أي: آدم وحوَّاء (الخِصَافَ) بكسر الخاء (﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] يُؤَلِّفَانِ الوَرَق: يَخْصِفَانِ الوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) لمَّا ذاقا طعم الشَّجرة آخذين (٢) في الأكل نالهما شُؤم المخالفة، وسقطت عنهما ثيابهما، وظهرت لهما سوءاتهما، وقيل: كانت من نورٍ، وكان أحدهما لا يرى سوءة الآخر، فأخذا يجعلان ورقةً على ورقةٍ لستر السوءة؛ كما تُخصَف النَّعل بأن تُجعَل طرقةٌ على طرقةٍ (٣)، وتوثق بالسُّيور، حتَّى صارت الأوراق كالثَّوب، وهو ورق التِّين، وقيل: اللَّوز. والخَصَفة -بالتَّحريك- الجلَّة، أي: القفَّة الكبيرة (٤) التي تُعمَل (٥) من الخوص للتَّمر، وجمعها (٦): خُصُفٌ وخِصاف، قال أبو البقاء: ﴿يَخْصِفَانِ﴾: ماضيه «خَصَفَ»، وهو متعدٍّ (٧) إلى مفعولٍ واحدٍ، والمفعول: شيئًا من ورق الجنَّة. وقال أبو عبيدة في قوله: (﴿سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ. (﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] هُوَ هَهُنَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وثبت للأبوين (٨) «هو» وسقط لأبي ذرٍّ (٩) «يوم» (وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ: مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «عدده، وأقلُّه ساعةٌ». (الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ: وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ) وذكره قريبًا مفسَّرًا بالمال وغيره.

стр. 8420

وقوله تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ﴾ (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧]) أي: (جِيلُهُ) بالجيم المكسورة؛ وهم الجنُّ والشَّياطين (الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) وثبت للأبوين «هو» (١) وهو من كلام أبي عبيدة (٢)، وعند المعتزلة: أنَّ سبب عدم رؤيتنا إيَّاهم لَطَافَتُهم، ورؤيتُهم إيَّانا لكثافتنا، واستدلُّوا بالآية على امتناع رؤيتهم، ولا يخفى أنَّ ما قالوه مجرَّد دعوى من غير دليلٍ، وأنَّ الخبر عن عدم الرُّؤية: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] لا يدلُّ على استحالته، ويمكن أن يُستَدلَّ على فساد مذهبهم بقوله ﷺ : «تفلَّت عليَّ (٣) البارحة عفريتٌ، فأردت أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد لتنظروا إليه، فذكرت دعوة أخي سليمان، فرددته (٤) خاسئًا». وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ (﴿إِذَا ادَّارَكُواْ﴾) أي: (اجْتَمَعُوا) ﴿فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]. (وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ) بتشديد القاف، وفي نسخةٍ: «ومسامُّ الإنسان» بالسين المهملة والميم المشدَّدة بدل المعجَمة والقاف، وهما بمعنًى واحدٍ (وَ) مسامُّ (الدَّابَّةِ: كُلُّهُمْ) وللأبوين (٥): «كلُّها» (يُسَمَّى سُمُومًا) بضمِّ السِّين المهملة (وَاحِدُهَا: سَمٌّ، وَهْيَ) تسعةٌ: (عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ، وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ، وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قاله أبو عبيدة، وقال الراغب: السُّمُّ والسَّمُّ: كلُّ ثقبٍ ضيِّقٍ كخرم الإبرة وثقب الأنف، وجمعه: سُموم، وقد سمَّه: أدخله فيه، وفي السُّم ثلاث لغاتٍ: فتح سينه وضمُّها وكسرها، ومراد المؤلِّف بذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ودخل (٦) تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ [الأعراف: ٤٠] الدُّهريَّة منكرو دلائل الذَّات والصِّفات، ومنكرو دلائل التَّوحيد، وهم المشركون، والبراهمة منكرو صحَّة النبوَّات، ومنكرو صحَّة المعاد الذين استكبروا عن الإيمان بها، لا تُفتَّح (٧) أبواب

стр. 8421

السَّماء لأرواحهم ولا لأدعيتهم، كما تُفتَّح لأرواح المؤمنين وأعمالهم، والولوج: الدُّخول، و ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: ثقب (١) الإبرة، فإذا عُلِّق على مُحالٍ كان مُحالًا؛ لأنَّ الجمل أعظم الحيوانات عند العرب، وثقب الإبرة أضيق الثُّقَب. وقوله تعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ﴾ (﴿غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]) أي: (مَا غُشُّوا) أي: غُطُّوا (بِهِ) قال محمَّد بن كعبٍ القرظيُّ: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: الفُرُش، ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: اللُّحُف. وقوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ (﴿بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]) بالنُّون المضمومة، أي: (مُتَفَرِّقَةً) قيل: لا تقع قطرةٌ من الغيث إلا بعد عمل أربع رياحٍ: الصَّبا تهيِّج السَّحاب، والشَّمال تجمعه، والجنوب تذرُّه، والدَّبور تفرِّقه. وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلاَّ﴾ (﴿نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]) أي: (قَلِيلًا) عديم النَّفع، ونَصْبُه على الحال، وتقدير الكلام: والبلد الذي خَبُثَ لا يخرج نباتُه إلا نَكِدًا، فحُذِفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مُقامَه، فصار مرفوعًا مستترًا، وهذا مَثَلُ مَن يسمع الآيات وينتفع بها، ومن لا يرفع إليها (٢) رأسه ولم يتأثَّر بالمواعظ. وقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ﴾ (﴿يَغْنَوْاْ﴾ [الأعراف: ٩٢]) أي: (يَعِيشُوا) فيها، والغَناء -بالفتح-: النَّفع. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]) أي: (حَقٌّ) واجب عليَّ. وقوله: (﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]: مِنَ الرَّهْبَةِ) وهي الخوف. وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (﴿تَلْقَفُ﴾ [الأعراف: ١١٧]) أي: (تَلْقَمُ) تأكل ما يُلقونه ويوهمون أنَّه حقٌّ. وقوله: ﴿أَلا إِنَّمَا﴾ (﴿طَائِرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣١]) أي: (حَظُّهُمْ) ونصيبُهم ﴿عِندَ اللّهُ﴾. (طُوفَانٌ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي: (مِنَ السَّيْلِ) المُتْلِف للزَّرع والثِّمار (وَيُقَالُ) أيضًا (لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ: الطُّوفَانُ) وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ورواه ابن مردويه بإسنادين ضعيفينِ عن عائشة مرفوعًا.

стр. 8422

﴿وَ﴾ (١) (﴿وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]): هو (الحَُمْنَانُ) بفتح الحاء المهملة ضبطه البرماويُّ والدَّمامينيُّ كالكِرمانيِّ، وضبطه ابن حجر بضمِّها -كالفرع وأصله (٢) - وسكون الميم (يُشْبِهُ) ولأبي ذر: «شِبْهَ» (صِغَارَ الحَلَمِ) بفتح الحاء واللام، قال الأصمعيُّ فيما -ذكره الجوهريُّ-: أوَّله قمقامةٌ، ثمَّ حَُمْنانةٌ، ثمَّ قُرادةٌ (٣)، ثمَّ حَلَمةٌ وهي القُراد العظيم. (عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي: (بِنَاءٌ) قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه الطبريُّ-: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ أي (٤): يبنون، ولا مطابقة بين قوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ وقول البخاريِّ: «عُروش وعَريش» لأنَّ العُروش جمع عَرْش، وهو سرير الملِك، ولو قال: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون؛ لكان أنسبَ. وقوله: ﴿وَلَمَّا﴾ (﴿سُقِطَ﴾) ﴿فَي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: قال أبو عبيدة: (كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) لأنَّ النَّادم المتحسِّر يَعَضُّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها. (الأَسْبَاطُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال أبو عبيدة: هم (قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) والسِّبط: من السَّبَط -بالتحريك- وهو شجرٌ تعتلفه (٥) الإبل، وكذلك القبيلة، جعل الأب كالشَّجرة، والأولاد كالأغصان. وقوله تعالى: (﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]) قال أبو عبيدة أي: (يَتَعَدَّوْنَ لَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «له» وفي نسخةٍ: «به» بالموحَّدة بدل اللام (يُجَاوِزُونَ) وفي نسخةٍ: «ثمَّ (٦) يتجاوزون» أي: حدود الله بالصَّيد فيه وقد نُهوا عنه (﴿تَعْدُ﴾ [الكهف: ٢٨]) بفتح الفوقيَّة (٧) وسكون العين المهملة (تُجَاوِزْ) بضمِّ أوَّله وكسر الواو، وفي نسخةٍ: «تَعَدَّ: تَجاوَزَ» بتشديد

стр. 8423

الدَّال «وتَجاوَزَ» بفتح الواو والزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «تَجاوُزٌ» بفتح الفوقيَّة وضمِّ الواو «بَعْدَ تَجاوُزٍ» بموحَّدةٍ وسكون العين (١). وقوله: (﴿شُرَّعاً﴾ [الأعراف: ١٦٣]) أي: (شَوَارِعَ) ظاهرةً على وجه الماء، من: شرع علينا إذا دنا وأشرف. وقوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ (﴿بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]) أي: (شَدِيدٍ) فعيلٍ من بَؤُسَ يبؤُس بؤسًا؛ إذا اشتدَّ. وقوله: (﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ) أي: تأخَّر وأبطأ، وهو عبارةٌ عن شدَّة ميله إلى زهرة الدُّنيا وزينتها، وإقباله على لذَّاتها ونعيمها، وقوله: «﴿إِلَى الأَرْضِ﴾» ثابتٌ لأبوي ذرٍّ والوقت. وقوله: (﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٢] أي: نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ) أي: من موضع أمنهم، وثبت قوله: «أي» للأبوين (٢) (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]) وجه التَّشبيه: أخذ الله إيَّاهم بغتةً، وأصل الاستدراج: الاستصعاد أو (٣) الاستنزال درجةً بعد درجةٍ، أي: نأخذهم قليلًا قليلًا إلى أن تُدرِكَهم العقوبة، وذلك أنَّهم (٤) كلَّما جدَّدوا خطيئةً جُدِّدت لهم نعمةٌ، فظنُّوا ذلك تقريبًا (٥) من الله تعالى، وأنساهم الاستغفار. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم﴾ (﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]) أي: (مِنْ جُنُونٍ) والاستفهام بمعنى التَّقريع أو التَّحريض، أي: أو لم ينظروا بعقولهم؟ لأنَّ الفكر طَلَبُ المعنى بالقلب، وذلك أنَّه كما يتقدَّم رؤية البصر تقلُّبُ (٦) الحدقة نحو المرئيِّ؛ يتقدم رؤية البصيرة تقلُّبُ حدقة العقل إلى الجوانب، أي: أنَّه كيف يتصوَّر منه ﷺ الجنون وهو يدعوهم إلى الله تعالى،

стр. 8424

ويقيم على ذلك الدَّلائل القاطعة بألفاظٍ بلغت في الفصاحة إلى حقيقة يعجز عنها الأوَّلون والآخِرون؟! وقوله: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]) أي: (مَتَىَ خُرُوْجُها؟) واشتقاق ﴿أَيَّانَ﴾ من «أيٍّ» لأنَّ معناه: أيُّ وقتٍ؟ وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ … » إلى آخره. وقوله: ﴿حَمْلاً خَفِيفًا﴾ (﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]) أي: (اسْتَمَرَّ بِهَا) أي: بحوَّاء (الحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ) وعن ابن عبَّاسٍ: استمرَّت به فشكَّت؛ أحبلت أم لا؟ وسقط قوله: «﴿فَمَرَّتْ (١)﴾ … » إلى آخره من رواية أبي ذرٍّ. قوله: ﴿وَإِمَّا﴾ (﴿يَنزَغَنَّكَ﴾) قال أبو عبيدة: أي: (يَسْتَخِفَّنَّكَ) وقال غيره: وإمَّا ينخسنَّك من الشَّيطان نخسٌ، أي: وسوسةٌ تحملك على خلاف ما أُمِرت به ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] من نزغه. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ﴾ (﴿طَائِفٌ﴾) ﴿مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] قال أبو عبيدة: (مُلِمٌّ) يقال: (بِهِ لَمَمٌ) صرعٌ منه، أو إصابة ذنبٍ، أو همٌّ به (وَيُقَالُ: (٢) ﴿طَائِفٌ﴾) بالألف، اسم فاعلٍ من طاف يطوف، كأنَّها طافت بهم ودارت حولهم، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة (وَهْوَ) كالسَّابق (وَاحِدٌ) في المعنى. وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ (﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]) قال أبو عبيدة أي: وإخوان الشَّياطين الذين لم يتَّقوا (يُزَيِّنُونَ) لهم الغيَّ والكفر.

стр. 8425

وقوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً﴾ (﴿وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) أي: (خوفًا) قاله أبو عبيدة، وقال ابن جريجٍ في قوله تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ (﴿وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: سرًّا (مِنَ الإِخْفَاءِ) المشهورُ أنَّ المزيد فيه مأخوذٌ من الثُّلاثيِّ -وهو الخفاء- دون العكس، وإنَّما قال: من الإخفاء؛ نظرًا إلى أنَّ الاشتقاق أن تنتظم الصِّيغتان معنًى واحدًا. وقوله: (﴿وَالآصَالِ﴾) في قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: أَصِيلٌ؛ وَهُوَ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ؛ كَقَوْلِكَ) وفي نسخةٍ وهي التي في «اليونينيَّة» (١): «كقوله»: (﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]) والتقييد بالوقتين؛ لأنَّ بالغداة ينقلب من الموت إلى الحياة، ومن الظُّلمة التي تُشاكِلُ العدم إلى النُّور المناسِب للوجود، وفي الآخر بالعكس، وثبت قوله: «وهو» للأبوين (٢). (١) (﴿إِنَّمَا﴾) وفي نسخةٍ: «﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» ولأبي ذرٍّ: «باب قول الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» (﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾) ما تَزَايَدَ قُبحه، وقيل: ما يتعلَّق بالفُروج، وقيل: الكبائر، وقيل: الطَّواف بالبيت عُراةً؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، ويؤيِّده السِّياق؛ فإنَّ قوله: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] يدلُّ على وجه التشبيه في قوله: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] أي: لا تتَّصفوا بصفةٍ يوقعِكم الشَّيطان بسببها في الفتنة؛ وهي العري في الطَّواف، فتُحْرَموا دخول الجنَّة كما حرَّمَها على أبويكم حين أخرجهما من الجنَّة، وقد يقال: الحَمْلُ على الأعمِّ من جميعها أَولى؛ محافظةً على الحصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ لكن إن فُسِّر الإثم بكلِّ الذُّنوب -كما قيل- لم يُحتَج إليه، وقيل: الخمر، وعورض بأنَّ تحريمها بالمدينة، وهذه مكِّيَّةٌ (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]) جهرها وسرَّها، وعن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ قال: كانوا في الجاهليَّة لا يَرَونَ بالزِّنى بأسًا في السِّرِّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزِّنى في السِّرِّ والعلانية.

стр. 8426

٤٦٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين، الأعمى الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁، قَالَ) عمرو بن مُرَّة: (قُلْتُ) لأبي وائلٍ: (أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا) الحديث (مِنْ عَبْدِ اللهِ؟) يعني: ابنَ مسعودٍ (قَالَ) أبو وائلٍ: (نَعَمْ) سمعته منه (وَرَفَعَهُ) إلى رسول الله ﷺ (قَالَ: لَا أَحَدَ) بالنَّصب من غير تنوينٍ على أنَّ «لا» نافيةٌ للجنس و (أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) خبرها، ولأبي ذرٍّ: «لا أحدٌ» بالرَّفع منوَّنًا (فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) قال قتادة فيما ذكره ابن جريرٍ: المراد: سِرُّ (١) الفواحش، وقال سعيد بن جبيرٍ ومجاهدٌ (٢): ما ظهر: نكاح الأمَّهات، وما بطن: الزِّنى، والحمل على العموم أَولى كما مرَّ آنفًا (وَلَا أَحَدَ) ولأبي ذرٍّ: «أحدٌ» بالرَّفع (أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ) بكسر الميم آخره تاء تأنيثٍ (مِنَ اللهِ؛ فَلِذَلِكَ) أي: فلأجل حُبِّه المِدْحة من خلقه ليثيبهم عليها (مَدَحَ نَفْسَهُ) المقدَّسة. (٢) (﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى﴾) ولأبي ذر: «بابٌ» بالتَّنوين في قوله جلَّ ذكره (٣): «﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى﴾» أي: حضر (﴿لِمِيقَاتِنَا﴾) للوقت الذي عيَّنَّاه له، واللام للاختصاص؛ كهي في قوله: أتيته لعشرٍ خلونَ من رمضان، وليست بمعنى: «عند»، قيل: لا بدَّ هنا من تقدير (٤) مضافٍ، أي: لآخر

стр. 8427

يقاتنا أو (١) لانقضاء ميقاتنا (﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾) من غير واسطةٍ على جبل الطُّور كلامًا مغايِرًا لهذه الحروف والأصوات، قديمًا قائمًا بذاته تعالى، وخلق فيه إدراكًا سمعه (٢) به، وكما ثبتت رؤية ذاته جلَّ وعلا مع أنَّه ليس بجسمٍ ولا عرضٍ؛ فكذلك كلامه وإن لم يكن صوتًا ولا حرفًا؛ صحَّ أن يُسمَع، ورُوِيَ: أنَّ موسى ﵇ كان يسمع كلام الله من كلِّ جهةٍ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المُحْدَثين، وجواب ﴿لَمَّا﴾ في (٣) قوله: (﴿قَالَ﴾) أي: لمَّا كلَّمه وخصَّه بهذه المرتبة؛ طمحت هِمَّته إلى رتبة (٤) الرُّؤية، وتشوَّق إلى ذلك، فسأل ربَّه أن يُريَه ذاتَه المقدَّسة، فقال: (﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾) أي: أرِني نفسَك؛ أنظر إليك، فثاني مفعولي «أرى» (٥) محذوفٌ، والرُّؤية عين (٦) النظر، لكنَّ المعنى: اجعلني متمكِّنًا من رؤيتك بأن تتجلَّى لي، فأنظرَ إليك وأراك، والآية تدلُّ على جواز رؤية الله تعالى؛ لأنَّ موسى ﵊ سألها وكان عارفًا بالجائز والممتنع، فلو كانت مُحالًا لَمَا طلبها؛ ولذلك (﴿قَالَ﴾) الله تعالى جوابًا له (٧): (﴿لَن تَرَانِي﴾) ولم يقل: لن أُرى، ولن أُريكَ، ولن تنظر إليَّ، كأنَّه قال: إنَّ المانع ليس إلَّا من جانبك، وإنِّي غير محجوبٍ، بل محتجِبٌ بحجابٍ منك، وهو كونُك فانٍ في فانٍ، وأنا باقٍ ووصفي باقٍ، فإذا جاوزتَ قنطرة الفناء، ووصلت إلى دار البقاء؛ فُزْتَ بمطلوبك، ولا يلزم من نفي ﴿لَن﴾ التَّأبيد، إذ لو قلنا به لقضينا أنَّ موسى لا يراه أبدًا ولا في الآخرة، وكيف وقد ثبت في الحديث المتواتر: أنَّ المؤمنين يَرَون الله تعالى في القيامة؟ فموسى ﵇ أحرى بذلك، وما قيل: إنَّه سأل على لسان قومٍ؛ فمردُودٌ بأنَّ القوم إن كانوا مؤمنين كفاهم مَنعُ موسى، وإلَّا لم يُفِدْهم ذلك؛ كإنكارهم أنَّه قول الله، وروى مُحيي السُّنَّة عن الحسن قال: هاج بموسى الشَّوق، فسأل الرُّؤية فقال: إلهي قد سمعتُ كلامك، فاشتقتُ إلى النَّظر إليك، فأرنِي أنظر إليك، فلأن أنظرَ إليك ثم أموتَ أحبُّ إليَّ من أن أعيشَ ولا أراك (﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى

стр. 8428

الْجَبَلِ﴾) زَبير الذي هو أشدُّ منك خَلْقًا (﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾) ثبت (﴿مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾) إشارةً إلى عدم قدرته على الرُّؤية على وجه الاستدراك، وفي تعليق الرُّؤية على استقرار الجبل دليلٌ للجواز؛ ضرورة أنَّ المعلَّق على الممكن ممكنٌ (﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾) أي: ظهرت عظمته له وقدرته وأمره، وحمل اللَّفظ على المعهود والأكمل أَولى، فيجوز أن يخلق الله له حياةً وسمعًا وبصرًا؛ كما جعله محلًّا لخطابه بقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] وكما جعل الشَّجرة محلًّا لكلامه، وكلُّ هذا لا يُحيله من يؤمن بأنَّ الله على كل شيءٍ قديرٌ (﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾) مدكوكًا مُفتَّتًا، وعن ابن عبَّاسٍ: صار ترابًا، وعند ابن مردويه: أنَّه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، وعند ابن أبي حاتمٍ من حديث أنس بن مالكٍ مرفوعًا: «لمَّا تجلى ربُّه للجبل طارت لعظمته ستَّة أجبُلٍ، فوقعت ثلاثةٌ بالمدينة وثلاثةٌ بمكة؛ بالمدينة أُحُدٌ وورقان ورَضْوى، وبمكَّة: حِراء وثَبير وثَور» قال ابن كثير: وهو حديثٌ غريبٌ، بل مُنْكَرٌ (﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾) مغشيًّا عليه من شدَّة هول ما رأى (﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾) أي: من الغَشْيِ (﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾) أي: أُنزِّهُك وأتوبُ إليك (١) عن أن أطلب (٢) الرُّؤية في الدُّنيا أو بغير إذنك، وحسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين، فكانت التَّوبة لذلك، فإنَّ التَّوبة في حقِّ الأنبياء لا تكون عن ذنبٍ؛ لأنَّ منزلتهم العليَّة تُصانُ عن كلِّ ما يحطُّ عن مرتبة الكمال (﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]) بأنَّها لا تُطلَب في الدُّنيا أو بغير الإذن، وسقط لأبي ذر «﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾: «الآيةَ». (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في تفسير (٣) قوله تعالى: (﴿أَرِنِي﴾) ﴿أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: (أَعْطِنِي).

стр. 8429

٤٦٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح العين (المَازِنِيِّ) بالزَّاي والنُّون، الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) قيل: اسمه فِنْحَاص؛ بكسرالفاء وسكون النون وبعد الحاء المهملة ألفٌ فصادٌ مهملةٌ، وعزاه ابن بشكوال لابن إسحاق، وفيه نظرٌ (١) سبق في «الإشخاص» [خ¦٢٤١١] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ) بضمِّ اللَّام وكسر الطَّاء المهملة مبنيًّا للمفعول، و «وجْهُه»: رفعٌ، مفعولٌ نائبٌ عن الفاعل (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنَ الأَنْصَارِ لَطَمَ في (٢) وَجْهِي) وهذا يُضعِّف قول الحافظ أبي بكر بن أبي الدُّنيا: إنَّ الذي لطم اليهوديَّ في هذه القصَّة هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق؛ لأنَّ ما في «الصَّحيح» أصحُّ وأصرح (قَالَ) ﵊: (ادْعُوهُ، فَدَعَوْهُ) فلمَّا حضر (قَالَ) ﵊ مستفهِمًا منه: (لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ) الأنصاريُّ: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِاليَهُودِ) الذي هذا كان فيهم (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ) (٣) في حلفه: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «قلت»: (وَعَلَى مُحَمَّدٍ؟) زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال: فقلت: وعلى محمَّد؟» (وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ) من ذلك (فَلَطَمْتُهُ، قَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ: «فقال» (٤) على طريق التَّواضع، أو قبل أن يعلم أنَّه سيِّد ولد آدم: (لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ) أو تخييرًا يؤدِّي إلى تنقيصٍ، أو لا تُقْدِموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم، بل بما آتاكم الله من البيان، أو بالنَّظر إلى النبوَّة والرِّسالة، فإنَّ شأنهما لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل كلُّهم في ذلك سواءٌ وإن اختلفت مراتبهم (فَإِنَّ النَّاسَ

стр. 8430

يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) قال الحافظ ابن كثيرٍ: الظاهر أنَّ هذا الصعق يكون في عَرَصات القيامة، يحصل أمرٌ يصعقون منه، اللهُ أعلم به، وقد يكون ذلك إذا جاء الرَّبُّ لفصل القضاء، وتجلَّى للخلائق الملك الدَّيَّان؛ كما صعق موسى من تجلِّي الرِّبِّ ؛ ولذا قال نبيُّنا ﷺ : «فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بنفخة (١) الطُّور (٢)». انتهى. لكن في رواية عبد الله بن الفضل: «يُنَفخ في الصُّور، فيصعق من في السَّموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثمُ ينفَخ فيه أخرى فأكون أوَّل من بُعِثَ» [خ¦٣٤١٤] وهو معنى قوله هنا: (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي) فيكون له فضيلةٌ ظاهرةٌ (أَمْ جُزِيَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «جُوْزيَ» بإثبات الواو (بِصَعْقَةِ الطُّورِ) فلم يصعق؟ لكن لفظ «يفيق» و «أفاق» إنَّما يُستَعمل في الغَشْي، وأمَّا الموت؛ فيقال فيه: بُعِثَ منه، وصعقة الطُّور لم تكن موتًا، ويُحتَمل أن يكون اللَّفظ على ظاهره، فيكون قاله قبل أن يعلم أنَّه أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض، قال الداوديُّ: وقوله: «أوَّل من يُفيق» ليس بمحفوظٍ (٣)، والصَّحيح: أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض. (٢ م) (﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف: ١٦٠]) وفي نسخةٍ (٤): «باب: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾». ٤٦٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) بنُ إبراهيمَ الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُمَيرٍ -بضمِّ العين وفتح الميم- القرشيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بضمِّ الحاء آخِرُه مثلَّثةٌ مصغَّرًا (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أحد العشرة ﵃ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ:

стр. 8431

الكَمْأَةُ) بفتح الكاف وسكون الميم: نوعٌ (مِنَ المَنِّ) لأنَّه ينبت بنفسه من غير علاجٍ ولا مؤنةٍ؛ كما كان ينزل على بني إسرائيل (وَمَاؤُهَا شِفَاءُ العَيْنِ (١)) إمَّا بخلطه (٢) بدواءٍ آخرَ، وإمَّا بمجرَّده، وصوَّبه النَّوويُّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من العين» وله عن الكُشْميهَنيِّ (٣): «شفاءٌ للعين». وهذا الحديث أخرجه في «الطِّبِّ» (٤) [خ¦٥٧٠٨]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطِّبِّ» (٥). (٣) (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ثابتٌ (٦) لأبي ذرٍّ (﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾) شاملٌ للعرب وغيرهم؛ كأهل الكتاب (﴿إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾) حالٌ من المجرور بـ «إلى»، وفيه ردٌّ على العيسويَّة من اليهود أتباع عيسى الأصبهانيِّ الزَّاعمين تخصيصَ إرساله (٧) ﵇ بالعرب، وقيل: المراد ﴿بالنَّاسُ﴾: العقلاء ومَن تبلغه الدَّعوة (﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾) نصبٌ بـ «أعني»، أو جرٌّ نعتٌ للجلالة، وإن حيل (٨) بين النَّعت والمنعوت بما هو مُتَعلَّق المضاف إليه، ومناسبة ذكر السَّموات والأرض هنا الإشعار بأنَّ له تخصيص من شاء بما شاء؛ من تخصيص الرِّسالة وتعميمها (﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾) جملةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، أو بدلٌ من الصِّلة التي هي:

стр. 8432

﴿لَهُ (١) مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ولقائلٍ أن يقول: الأَولى الاستئناف، ويكون كالجواب لمن سأل: لماذا اختصَّ بذلك؟ فأجيب بأنَّه المتوحِّد بالألوهيَّة، وقوله: (﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾) يَجري مَجرى الدليل على ذلك (﴿فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾) الذي لا يخطُّ كتابًا بيده ولا يقرؤه، وقد وُلِدَ في قومٍ أُمِّيِّين، ونشأ بين أظهرهم في بلدٍ ليس به عالمٌ يعرف أخبار الماضين، ولم يخرج في سفرٍ ضاربًا إلى عالِمٍ فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التَّوراة والإنجيل والأُمم الماضية إلى غير ذلك من العلوم التي تعجز عن بلوغها القوى البشرية، ممَّا لا يُرتاب أنَّه أمرٌ إلهيٌّ ووحيٌ سماويٌّ (﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾) المنزَّلة عليه وعلى سائر الرُّسل؛ من كتبٍ ووحيٍ، وقراءة: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ -بالإفرادُ- يراد بها الجِنس، أو القرآن، أو عيسى، وفي حديث عبادة بن الصَّامت عند البخاريِّ [خ¦٣٤٣٥] مرفوعًا: «من قال (٢): أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته … » الحديث، قال في الأنوار: أُريد بالكلمة في الآية عيسى؛ تعريضًا باليهود، وتنبيهًا على أنَّ من لن يؤمن به لم يُعتَبر إيمانهُ، وقال غيره: لعلَّه أراد كلمة «كُنْ»، وخُصَّ بها عيسى؛ لأنَّه لم يوجد بغيرها، وإن كان غيره (٣) كذلك؛ لكنه يُنسَب إلى نُطفة الأب في الجملة (﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾) اسلكوا طريقه، واقتفوا أثره (﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]) إلى الصِّراط المستقيم، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» وله من قوله: «﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ … » إلى آخرها، وقال بعد قوله: ﴿وَالأَرْضِ﴾: «الآيةَ» وثبت ذلك للباقين.

стр. 8433

٤٦٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) غير منسوبٍ عند الأكثرين (١)، وعند ابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ عن البخاريِّ: «عبد الله بن حمَّاد» وبذلك جزم أبو نصرٍ الكلاباذيُّ وغيره، وعبد الله هذا هو الآمُليُّ؛ بمدِّ الهمزة وضمِّ الميم المخفَّفة، وهو من تلامذة البخاريِّ، وكان يورِّق بين يديه، وكان حافظًا، وشارك البخاريَّ في كثيرٍ من شيوخه، وروايته عنه هنا من رواية الأكابر عن الأصاغر، قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الدِّمشقيُّ من شيوخ المؤلِّف (وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ) البُنِّيُّ -بضمِّ الموحَّدة وتشديد النُّون المكسورة- والبُرْديُّ -بضمِّ الموحَّدة وسكون الراء- الكوفيُّ، قدم مصر وسكن الفيُّوم، وليس له في البخاريِّ غير (٢) هذا الحديث (قَالَا: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ العَلَاءِ) -بفتح العين والمدِّ- (ابْنِ زَبْرٍ) بفتح الزَّاي وسكون الموحَّدة، الرَّبَعيُّ: بفتح الرَّاء والموحَّدة وبالعين المهمَلة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة، و «عُبَيد الله»: بضمِّ العين مصغَّرًا، الحضرميُّ الشَّاميُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله (الخَوْلَانِيُّ) بالخاء المعجَمة المفتوحة والنُّون (قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 8434

أَبَا الدَّرْدَاءِ) عويمِرًا الأنصاريَّ ﵁ (يَقُولُ: كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ﵄ (مُحَاوَرَةٌ) بالحاء والرَّاء المهمَلتين (فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ) ﵄ (فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ) حال كونه (مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ) غايةٌ لسؤال أبي بكرٍ عمر (فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَنَحْنُ عِنْدَهُ-) ﵊ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا) يعني: أبا بكرٍ (فَقَدْ غَامَرَ) بالغين المعجَمة وبعدها ألفٌ فميمٌ ثمَّ راءٌ، أي: خاصَمَ وغاضَبَ وحاقَدَ، وفي «مناقب أبي بكر» [خ¦٣٦٦١]: أقبل أبو بكرٍ آخِذًا بطرف ثوبه حتَّى أبدى عن ركبتيه (١)، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا صاحبُكم (٢)؛ فقد غامر» فَسَلَّمَ وقال: إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيءٌ، فأسرعتُ إليه، ثم ندمتُ، فسألتُه أن يغفرَ لي، فأبى عليَّ، فأقبلت إليك (٣)، فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكرٍ» ثلاثًا (قَالَ) أبو الدَّرداء: (وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ) من عدم استغفاره لأبي بكرٍ ﵄ (٤) (فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ، وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الخَبَرَ) الذي كان بينه وبين الصِّدِّيق (قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وفي «المناقب» [خ¦٣٦٦١]: «فجعل وجهُ رسول الله ﷺ يتمعَّر» أي: يتغيَّر من شدَّة الغضب (وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ) وهو جاثٍ على ركبتيه مُشفِقًا أن ينالَ عمر من النَّبيِّ ﷺ ما يكره: (وَاللهِ -يَا رَسُولَ اللهِ- لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ) من عمر في ذلك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟) مرَّتين، و «تاركو» بغير نونٍ مضافًا لـ «صاحبي»، مع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجارِّ والمجرور؛ كقراءة ابن عامرٍ (٥): ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ببناء ﴿زَيَّنَ﴾ للمفعول، ورفع ﴿قَتْلَ﴾ ونصب ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ وجرِّ ﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾ وهي قراءةٌ متواترةٌ، وتضعيفُ أهل العربيَّة لها (٦)

стр. 8435

للفصل إنَّما هو لاعتقادهم أنَّ القراءات (١) بحسب وجوه (٢) العربيَّة، وهو خطأٌ؛ فالعربيَّة تُصَحَّح (٣) بالقراءة، لا القراءة بالعربيَّة، وقد أشبعتُ (٤) الكلام في مبحث ذلك في كتابي في «القراءات الأربعة عشر» وتقديم الجارِّ يفيد الاختصاص، وفي رواية أبي ذرٍّ: «تاركون لي» بالنون على الأصل (إِنِّي قُلْتُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] فَقُلْتُمْ (٥): كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ) وهذا -كما مرَّ قريبًا- خطابٌ عامٌّ (٦) يردُّ على العيسويَّة من اليهود المصدِّقين ببعثته إلى العرب، لا إلى بني إسرائيل؛ لأنَّا نقول: إنَّهم أقرُّوا بأنَّه رسولٌ (٧)، وإذا كان كذلك؛ كان صادقًا في كلِّ ما يدَّعيه، وقد ثبت بالتَّواتر وبظاهر هذه الآية أنَّه كان يدَّعي عموم رسالته، فوجب تصديقهُ، وبطل قولُهم: إنَّه كان مبعوثًا لا لبني إسرائيل. وهذا الحديثُ من أفراد المؤلِّف. (قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) -هو البخاريُّ- في تفسير: (غَامَرَ) أي: (سَبَقَ بِالخَيْرِ) بالتَّحتيَّة السَّاكِنة، كذا فسَّره، والذي في «الصَّحاح» و «النِّهاية» أي: خاصَمَ، أي: دخل في غَمْرة الخُصومة؛ وهي معظمها، والمغامِر: الذي يرمي بنفسه في الأمور المُهلِكة، وقيل: هو من الغِمْر؛ بالكسر؛ وهي (٨) الحِقْد، أي: حاقَدَ غيره، وقد مرَّ نَحْوه، وهذا ثابتٌ في رواية أَبَوي الوقت وذرٍّ، ساقطٌ لغيرهما، قال في «المشارِق»: كذا فسَّره المُستملي عن البخاريِّ، وهو يدلُّ على أنَّه ساقطٌ للحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ على ما لا يخفى.

стр. 8436

(٤) (باب قوله: ﴿حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٦١]) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: «﴿وَقُولُواْ (١) حِطَّةٌ﴾» بغير ذكر «باب» وبزيادة: «﴿وَقُولُواْ﴾» و ﴿حِطَّةٌ﴾ (٢): رفعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: مسألتنا حطَّةٌ، والأصل: حُطَّ عنَّا ذنوبنا. ٤٦٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليُّ بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد الميم الأولى، و «مُنَبِّه» بتشديد الموحَّدة المكسورة، أخي وَهْبٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) لمَّا خرجوا من التِّيه: (﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ﴾) باب بيت (٣) المقدس (﴿سُجَّداً﴾) شُكْرًا لله على نعمة الفتح وإنقاذهم من التِّيه، وفسَّر (٤) ابن عبَّاسٍ السُّجود هنا بالرُّكوع (٥) (﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾) بالرَّفع (﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]) وسقط قوله: «﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾» في رواية «سورة البقرة» [خ¦٣٤٠٣] (فَبَدَّلُوا) أي: غيَّروا (فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ) بفتح الهمزة وسكون المهملة: أوراكِهم (وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ) بفتح العين، وللكُشْميهنيِّ: «في شَعِيْرةٍ» بكسر العين وزيادة تحتيَّةٍ، فبدَّلوا السُّجود بالزَّحف، وبدلَّوا قول: ﴿حِطَّةٌ﴾ بقول (٦): «حبَّة» بحاءٍ مهملةٍ (٧) مفتوحةٍ فموحَّدة، وزادوا: «في شَعيرةٍ» أو «شَعَرةٍ». وهذا الحديث قد سبق في «البقرة» (٨) [خ¦٣٤٠٣].

стр. 8437

(٥) (باب) قوله تعالى لنبيِّه ﷺ : (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾) أي: الفضل وما أتى (١) من غير كلفةٍ (﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾) المعروف، كما يأتي إن شاء الله تعالى (﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]) كأبي جهلٍ وأصحابه، وكان هذا قبل الأمر بالقتال (العُرْفُ): هو (المَعْرُوفُ) المستحسَن من الأفعال. ٤٦٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (حَدَّثَنَا) وفي الفرع كأصله: «أخبرنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ) بضمِّ الحاء مصغَّرًا، الفَزاريُّ (فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ) أي: ابن حصنٍ (وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ (٢) يُدْنِيهِمْ) أي: يقرِّبهم (عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ (٣) كُهُولًا) جمع كَهْل؛ وهو الذي وَخَطَهُ الشَّيب (كَانُوا أَوْ شُبَّانًا) بضمِّ الشِّين المعجمة (٤) وتشديد الموحَّدة، وللكُشْميهنيِّ: «أو شَبَابًا» بفتح الشِّين

стр. 8438

المعجمة، وبموحَّدتين (١) الأولى مخفَّفةٌ (فَقَالَ عُيَيْنَةُ لاِبْنِ أَخِيهِ) الحرِّ بن قيسٍ: (يَا ابْنَ أَخِي؛ لَكَ وَجْهٌ) وَجيهٌ، ولأبي ذرٍّ: «هل لك وجهٌ» (عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ) الحرُّ: (سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ؛ قَالَ: هِيْ) بكسر الهاء وسكون الياء (٢)، كلمة تهديدٍ، وقيل: هي ضميرٌ، وهناك محذوفٌ، أي: هي داهيةٌ (يَا بْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ) بفتح الجيم وسكون الزَّاي، أي: ما تُعطينا العطاء الكثير (وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ) ﵁ (حَتَّى هَمَّ بِهِ) وكان شديدًا في الله، ولأبي الوقت: «حتى همَّ أن يوقِعَ به» (فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا) أي: ما جاوزَ الآيةَ المتلوَّة، أي: لم يتعدَّ العملَ بها (عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ) الحُرُّ (وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ) لا يتجاوز حكمه. وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٨٦]. ٤٦٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى) غير منسوبٍ، قال ابن السَّكَن: «يحيى بن موسى» يعني: المعروف بخَتٍّ، وقال المُستملي: «يحيى بن جعفرٍ» يعني (٣): البِيكنديَّ، ورجَّحه ابن حجرٍ، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ -براءٍ مضمومةٍ فهمزةٍ فسينٍ مهملةٍ- الكوفيُّ الحافظ العابد (٤) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام

стр. 8439

(عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، وسقط لأبي ذرٍّ «عبد الله» أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ) أي: هذه الآية (إِلَّا فِي أَخْلَاقِ (١) النَّاسِ). ٤٦٤٤ - (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ بَرَّادٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد الرَّاء وبعد الألف مهملةٌ، وهو عبد الله بن عامر بن برَّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريِّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَخْبَرَنِيْ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا أبو أسامة: قال هِشَامٌ» (عَنْ أَبِيهِ) (٢) عروة بن الزُّبير (٣) (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ: أَمَرَ اللهُ) تعالى (نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ. أَوْ كَمَا قَالَ) وقد اختُلِف على (٤) هشام في هذا الحديث، فوصله بعضُهم كالإسماعيليِّ، وقال سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ … [الأعراف: ١٩٩] إلى آخره: هذه (٥) أخلاقٌ أمر الله تعالى بها نبيَّه ﷺ ، ودلَّه عليها، فأمره أن يأخذ الفضل من أخلاقهم بسهولةٍ من غير تشديدٍ، ويدخل فيه ترك التَّشديد (٦) بما (٧) يتعلَّق بالحقوق الماليَّة، وكان هذا قبل الزَّكاة، وروى ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ جميعًا عن أُمَيٍّ (٨) قال: لمَّا أنزل الله على نبيِّه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية؛ قال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا جبريل؟! قال: إنَّ الله أمرك أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطيَ مَن حَرَمك، وتصِلَ مَن قطعك»، وهو مرسلٌ له شواهدُ من وجوهٍ (٩) أُخَرَ، كما قاله الحافظ ابن كثيرٍ، وهو مطابقٌ للفظ الآية؛ لأنَّ وصل القاطع عفوٌ عنه، وإعطاء من حُرِمَ أمرٌ بالمعروف، والعفو عن الظَّالم إعراضٌ عن الجاهل، فالآية مشتملةٌ على مكارم الأخلاق فيما يتعلَّق بمعاملة

стр. 8440

الناس؛ ولذا قال جعفرٌ الصَّادق: ليس في القرآن آيةٌ أجمع لمكارم الأخلاق منها، قال بعضُ الكُبَراء: النَّاس رجلان: محسنٌ فخُذْ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلِّفه فوق طاقته، ومسيءٌ فمُرْه بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله، واستعصى عليك، واستمرَّ في جهله؛ فأعِرْض عنه؛ فلعل ذلك يردُّه؛ كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) [المؤمنون: ٩٦]. (((٨))) (سُورَةُ الأَنْفَالِ) مدنيَّةٌ، وآيُها ستٌّ وسبعون، وثبت لفظ «سورة» لأبي ذرٍّ. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ البسملة (٢) لغير أبي ذرٍّ. (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) من حضر بدرًا (٣) (﴿عَنِ الأَنفَالِ﴾) أي: عن حكمها؛ لاختلافٍ وقع بينهم فيها، يأتي ذكرُه إن شاء الله تعالى (﴿قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾) يقسمها ﷺ على ما يأمره الله تعالى به (٤) (﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في الاختلاف (﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]) أي: الحال التي بينكم إصلاحًا يحصل به الألفة والاتِّفاق، وذلك بالمواساة (٥) والمساعدة في الغنائم، وسقط قوله: «﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله من طريق عليِّ (٦) بن أبي طلحة عنه: (الأَنْفَالُ): هي (المَغَانِمُ) (٧) كانت لرسول الله ﷺ خالصةً، ليس لأحدٍ فيها شيءٌ، وقيل: سُمِّيت الغنائم
следующие страницы →