← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

(٤) (باب قوله: ﴿حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٦١]) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: «﴿وَقُولُواْ (١) حِطَّةٌ﴾» بغير ذكر «باب» وبزيادة: «﴿وَقُولُواْ﴾» و ﴿حِطَّةٌ﴾ (٢): رفعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: مسألتنا حطَّةٌ، والأصل: حُطَّ عنَّا ذنوبنا. ٤٦٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليُّ بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد الميم الأولى، و «مُنَبِّه» بتشديد الموحَّدة المكسورة، أخي وَهْبٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) لمَّا خرجوا من التِّيه: (﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ﴾) باب بيت (٣) المقدس (﴿سُجَّداً﴾) شُكْرًا لله على نعمة الفتح وإنقاذهم من التِّيه، وفسَّر (٤) ابن عبَّاسٍ السُّجود هنا بالرُّكوع (٥) (﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾) بالرَّفع (﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]) وسقط قوله: «﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾» في رواية «سورة البقرة» [خ¦٣٤٠٣] (فَبَدَّلُوا) أي: غيَّروا (فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ) بفتح الهمزة وسكون المهملة: أوراكِهم (وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ) بفتح العين، وللكُشْميهنيِّ: «في شَعِيْرةٍ» بكسر العين وزيادة تحتيَّةٍ، فبدَّلوا السُّجود بالزَّحف، وبدلَّوا قول: ﴿حِطَّةٌ﴾ بقول (٦): «حبَّة» بحاءٍ مهملةٍ (٧) مفتوحةٍ فموحَّدة، وزادوا: «في شَعيرةٍ» أو «شَعَرةٍ». وهذا الحديث قد سبق في «البقرة» (٨) [خ¦٣٤٠٣].

стр. 8437

(٥) (باب) قوله تعالى لنبيِّه ﷺ : (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾) أي: الفضل وما أتى (١) من غير كلفةٍ (﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾) المعروف، كما يأتي إن شاء الله تعالى (﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]) كأبي جهلٍ وأصحابه، وكان هذا قبل الأمر بالقتال (العُرْفُ): هو (المَعْرُوفُ) المستحسَن من الأفعال. ٤٦٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (حَدَّثَنَا) وفي الفرع كأصله: «أخبرنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ) بضمِّ الحاء مصغَّرًا، الفَزاريُّ (فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ) أي: ابن حصنٍ (وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ (٢) يُدْنِيهِمْ) أي: يقرِّبهم (عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ (٣) كُهُولًا) جمع كَهْل؛ وهو الذي وَخَطَهُ الشَّيب (كَانُوا أَوْ شُبَّانًا) بضمِّ الشِّين المعجمة (٤) وتشديد الموحَّدة، وللكُشْميهنيِّ: «أو شَبَابًا» بفتح الشِّين

стр. 8438

المعجمة، وبموحَّدتين (١) الأولى مخفَّفةٌ (فَقَالَ عُيَيْنَةُ لاِبْنِ أَخِيهِ) الحرِّ بن قيسٍ: (يَا ابْنَ أَخِي؛ لَكَ وَجْهٌ) وَجيهٌ، ولأبي ذرٍّ: «هل لك وجهٌ» (عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ) الحرُّ: (سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ؛ قَالَ: هِيْ) بكسر الهاء وسكون الياء (٢)، كلمة تهديدٍ، وقيل: هي ضميرٌ، وهناك محذوفٌ، أي: هي داهيةٌ (يَا بْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ) بفتح الجيم وسكون الزَّاي، أي: ما تُعطينا العطاء الكثير (وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ) ﵁ (حَتَّى هَمَّ بِهِ) وكان شديدًا في الله، ولأبي الوقت: «حتى همَّ أن يوقِعَ به» (فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا) أي: ما جاوزَ الآيةَ المتلوَّة، أي: لم يتعدَّ العملَ بها (عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ) الحُرُّ (وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ) لا يتجاوز حكمه. وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٨٦]. ٤٦٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى) غير منسوبٍ، قال ابن السَّكَن: «يحيى بن موسى» يعني: المعروف بخَتٍّ، وقال المُستملي: «يحيى بن جعفرٍ» يعني (٣): البِيكنديَّ، ورجَّحه ابن حجرٍ، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ -براءٍ مضمومةٍ فهمزةٍ فسينٍ مهملةٍ- الكوفيُّ الحافظ العابد (٤) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام

стр. 8439

(عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، وسقط لأبي ذرٍّ «عبد الله» أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ) أي: هذه الآية (إِلَّا فِي أَخْلَاقِ (١) النَّاسِ). ٤٦٤٤ - (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ بَرَّادٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد الرَّاء وبعد الألف مهملةٌ، وهو عبد الله بن عامر بن برَّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريِّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَخْبَرَنِيْ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا أبو أسامة: قال هِشَامٌ» (عَنْ أَبِيهِ) (٢) عروة بن الزُّبير (٣) (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ: أَمَرَ اللهُ) تعالى (نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ. أَوْ كَمَا قَالَ) وقد اختُلِف على (٤) هشام في هذا الحديث، فوصله بعضُهم كالإسماعيليِّ، وقال سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ … [الأعراف: ١٩٩] إلى آخره: هذه (٥) أخلاقٌ أمر الله تعالى بها نبيَّه ﷺ ، ودلَّه عليها، فأمره أن يأخذ الفضل من أخلاقهم بسهولةٍ من غير تشديدٍ، ويدخل فيه ترك التَّشديد (٦) بما (٧) يتعلَّق بالحقوق الماليَّة، وكان هذا قبل الزَّكاة، وروى ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ جميعًا عن أُمَيٍّ (٨) قال: لمَّا أنزل الله على نبيِّه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية؛ قال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا جبريل؟! قال: إنَّ الله أمرك أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطيَ مَن حَرَمك، وتصِلَ مَن قطعك»، وهو مرسلٌ له شواهدُ من وجوهٍ (٩) أُخَرَ، كما قاله الحافظ ابن كثيرٍ، وهو مطابقٌ للفظ الآية؛ لأنَّ وصل القاطع عفوٌ عنه، وإعطاء من حُرِمَ أمرٌ بالمعروف، والعفو عن الظَّالم إعراضٌ عن الجاهل، فالآية مشتملةٌ على مكارم الأخلاق فيما يتعلَّق بمعاملة

стр. 8440

الناس؛ ولذا قال جعفرٌ الصَّادق: ليس في القرآن آيةٌ أجمع لمكارم الأخلاق منها، قال بعضُ الكُبَراء: النَّاس رجلان: محسنٌ فخُذْ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلِّفه فوق طاقته، ومسيءٌ فمُرْه بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله، واستعصى عليك، واستمرَّ في جهله؛ فأعِرْض عنه؛ فلعل ذلك يردُّه؛ كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) [المؤمنون: ٩٦]. (((٨))) (سُورَةُ الأَنْفَالِ) مدنيَّةٌ، وآيُها ستٌّ وسبعون، وثبت لفظ «سورة» لأبي ذرٍّ. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ البسملة (٢) لغير أبي ذرٍّ. (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) من حضر بدرًا (٣) (﴿عَنِ الأَنفَالِ﴾) أي: عن حكمها؛ لاختلافٍ وقع بينهم فيها، يأتي ذكرُه إن شاء الله تعالى (﴿قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾) يقسمها ﷺ على ما يأمره الله تعالى به (٤) (﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في الاختلاف (﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]) أي: الحال التي بينكم إصلاحًا يحصل به الألفة والاتِّفاق، وذلك بالمواساة (٥) والمساعدة في الغنائم، وسقط قوله: «﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله من طريق عليِّ (٦) بن أبي طلحة عنه: (الأَنْفَالُ): هي (المَغَانِمُ) (٧) كانت لرسول الله ﷺ خالصةً، ليس لأحدٍ فيها شيءٌ، وقيل: سُمِّيت الغنائم

стр. 8441

أنفالًا؛ لأنَّ المسلمين فُضِّلوا بها على سائر الأُمم الذين لم تحلَّ لهم، وسُمِّي التطوُّع نافلةً؛ لزيادته على الفرض، و «يعقوب» لكونه زيادةً على ما سأل، وفي الاصطلاح: ما شرطه الإمام لمن يباشر خطر التقدُّم طليعةً، وكشرط السَّلَب للقاتل. (قَالَ قَتَادَةُ) فيما رواه عبد الرَّزَّاق في قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ﴾ (﴿رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]) أي: (الحَرْبُ) وقيل: المراد الحقيقة، فإنَّ النصر لا يكون إلا بريحٍ يبعثها الله تعالى، وفي الحديث: «نُصِرت بالصَّبا» [خ¦١٠٣٥] [خ¦٣٢٠٥] [خ¦٣٣٤٣] [خ¦٤١٠٥] (يُقَالُ: نَافِلَةٌ) أي: (عَطِيَّةٌ). ٤٦٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) سَعْدويه البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة مصغَّرًا، ابن بشيرٍ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة إياسٍ الواسطيُّ (١) (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الأَنْفَالِ) ما سبب نزولها؟ (قَالَ: نَزَلَتْ فِي) غزوة (بَدْرٍ). وروى أبو داود والنَّسائيُّ وابن جريرٍ وابن مردويه -واللَّفظ له- وابن حِبَّان والحاكم، من طرقٍ عن داود بن أبي هندٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا كان يوم بدرٍ؛ قال رسول الله ﷺ : «من صنع كذا وكذا؛ فله كذا وكذا»، فتسارع (٢) في ذلك شبَّان الرجال، وبقي الشُّيوخ تحت الرَّايات، فلمَّا كانت الغنائم؛ جاؤوا يطلبون الذي جُعِلَ لهم، فقالت (٣) الشُّيوخ: لا تستأثِروا علينا؛ فإنَّا كنَّا ردءًا لكم، لو انكشفتم؛

стр. 8442

فِئْتُم (١)، فتنازعوا، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ … إلى قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. (﴿الشَّوْكَةِ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ (٢)﴾ [الأنفال: ٧] (الحَدُّ) بالحاء المهملة، أي: تُحبُّون أنَّ الطَّائفة التي لا حدَّ لها ولا مَنَعة ولا قتال -وهي العير- تكون (٣) لكم (٤)، وتكرهون ملاقاة النَّفير لكثرة عَدَدهم وعُدَدهم، وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ. وقوله: (﴿مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]) بكسر الدال، أي: متَّبعين، من أردفته إذا اتَّبعته أو جئت بعده (فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ) يقال: (رَدِفَنِي) بكسر الدَّال (وَأَرْدَفَنِي) أي: (جَاءَ بَعْدِي) وعن ابن عبَّاسٍ: وراء كلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ، وعنه -ممَّا رُوي من طريق عليِّ بن أبي طلحة- قال: وأمدَّ الله تعالى نبيَّه ﷺ والمؤمنين بألفٍ من الملائكة، وكان جبريل في خمس مئةٍ من الملائكة مجنِّبةٍ، وميكائيل في خمس مئةٍ مجنِّبةٍ. (ذُوقُوا) يريد قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ [الأنفال: ١٤] أي: (بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا) أي: العذابَ العاجل؛ من ضرب الأعناق، وقطع الأطراف (وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الفَمِ). وقوله: (﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ [الأنفال: ٣٧]) قال أبو عُبيدة: أي: (يَجْمَعُهُ) ويضمَّ بعضه على بعضٍ، أو يجعل الكافر مع ما أنفق للصدِّ عن سبيل الله إلى جهنَّم؛ ليكون المال عذابًا عليه؛ لقوله (٥) تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]. (شَرِّدْ) يريد قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] قال أبو عبيدة أي: (فَرِّقْ) وقال عطاء (٦): غلِّظ عقوبتهم وأثخِنْهم قتلًا؛ ليخافَ مَن سواهم مِن (٧) العدوِّ.

стр. 8443

(﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾) أي: (طَلَبوا، السِّلْمُ والسَّلْمُ والسَّلَامُ (١) وَاحِدٌ) وهذا ثابتٌ للأبوين ﴿لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] للصُّلح. (﴿يُثْخِنَ﴾) ﴿فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] قال أبو عبيدة أي: (يَغْلِبَ) بكثرة القتل في العدوِّ والمبالغة فيه حتَّى يذلَّ الكفر ويعزَّ الإسلام. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ﴾ (﴿مُكَاء﴾ [الأنفال: ٣٥]): هو (إِدْخَالُ أَصَابِعِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ، ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: الصَّفِيرُ) كذا رواه عبد بن حميدٍ عن مجاهدٍ، وعن ابن عمر -ممَّا رواه ابن جريرٍ-: المُكَاء: الصَّفير، والتَّصدية: التَّصفيق، وعن ابن عبَّاسٍ -ممَّا (٢) رواه ابن أبي حاتمٍ-: «كانت قريشٌ تطوف بالبيت عُراةً، تُصفِّر وتُصفِّق». (﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]) أي: (لِيَحْبِسُوكَ) وما رُوِي عن عبيد بن عميرٍ (٣): أنَّ قريشًا لمَّا ائتمروا بالنبيِّ ﷺ ليُثْبِتوه أو يقتلوه أو يُخرِجوه؛ قال له عمُّه أبو طالبٍ: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: «يريدون أن يَسْحَرُوني (٤) أو يَقْتلوني أو يُخْرجوني»، فقال: مَن أخبرك بهذا؟ قال: «ربِّي … » الخبر إلى آخره تعقَّبه ابن كثيرٍ بأنَّ ذكر أبي طالبٍ فيه غريبٌ جدًّا، بل مُنْكَرٌ؛ لأنَّ هذه الآية مدنيَّةٌ، وهذه القصَّة إنَّما كانت ليلة الهجرة بعد موت أبي طالبٍ بنحو ثلاث سنين، وذكر ابن إسحاق عن ابن عبَّاسٍ: أنَّهم اجتمعوا في دار النَّدوة، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخٍ نجديٍّ، فقال بعضُهم: تحبسونه في بيتٍ وتسدُّون منافذه (٥) غيرَ كوَّةٍ تُلقون إليه طعامه وشرابه منها (٦) حتَّى يموت، فقال إبليس: بئس الرَّأي؛ يأتيكم من يُقاتلكم من قومه ويُخلِّصه من أيديكم، وقال هشام بن عمرٍو: رأيي أن تحملوه

стр. 8444

على جملٍ فتُخرِجوه (١) من أرضكم؛ فلا يضرُّكم ما صنع، فقال إبليس (٢): بئس الرَّأي؛ يُفسِد قومًا غيركم ويُقاتِلكم بهم، فقال أبو جهلٍ: أنا أرى أن تأخذوا من كلِّ بطنٍ غلامًا وتعطوه سيفًا، فيضربونه (٣) ضربةً واحدةً، فيتفرَّق دمه في القبائل، فقال إبليس: صدق هذا الفتى، فتفرَّقوا على رأيه، فأتى جبريل النَّبيَّ ﷺ وأخبره بالخبر، وأمره بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكِّره (٤) نعمته عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ (٥)﴾ [الأنفال: ٣٠] وقد منع بعضهم حديث إبليس وتغيير صورته؛ لأنَّ فيه إعانةً للكفِّار، ولا يليق بحكمة الله تعالى أن يجعل إبليس قادرًا عليه، وأُجيب بأنَّه إذا لم يَبعُد أن يسلِّطَه الله على قريشٍ بالوسوسة فيما صدر منهم؛ فكيف يَبعُد ذلك؟! (١) (﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ﴾) ما يدبُّ على (٦) الأرض، أو شرَّ البهائم (﴿الصُّمُّ﴾) عن سماع الحقِّ (﴿الْبُكْمُ﴾) عن فهمه؛ ولذا قال: (﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]) جعلهم من البهائم، ثمَّ جعلهم شرَّها، وزاد أبو ذرٍّ: «قال: قال: هم نفرٌ من بني (٧) عبد الدَّار». ٤٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وبعد الرَّاء السَّاكنة قافٌ ممدودٌ، ابن عمر بن كليبٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي (٨) نَجِيحٍ) عبد الله، وأبو نَجِيح -بفتح

стр. 8445

النُّون وكسر الجيم آخره حاء مهملة- اسمه يسارٌ، الثَّقفيِّ المكِّيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ في قوله تعالى: (﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]) (قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) من قريشٍ، وكانوا يحملون اللِّواء يوم أُحدٍ حتَّى قُتِلوا، وأسماؤهم في السِّير، قاله في «المقدِّمة»، وهؤلاء شرُّ البرية؛ لأنَّ كلَّ دابَّةٍ ممَّا سواهم مطيعةٌ لله فيما خُلِقت له، وهؤلاء خُلِقوا للعبادة فكفروا، وهذا يعمُّ كلَّ مشركٍ من حيث الظَّاهر وإن كان السَّبب خاصًّا، كما لا يخفى. (٢) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾) الاستجابة: هي الطَّاعة والامتثال، والدَّعوة: البعث والتَّحريض، ووحَّد الضمير ولم يُثَنِّه؛ لأنَّ استجابة الرَّسول كاستجابة الباري جلَّ وعلا، وإنَّما يُذكَر أحدُهما مع الآخر للتَّوكيد (﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) من علوم الدِّيانات والشَّرائع؛ لأنَّ العلم حياةٌ كما أنَّ الجهل موتٌ (﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾) أي: يحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان إن قدَّر (١) شقاوته، والمراد: الحثُّ على المبادرة على إخلاص القلب وتصفيته قبل أن يحول الله بينه وبينه بالموت (٢)، وفيه تنبيهٌ على اطِّلاعه تعالى على مكنوناته (﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]) فيجازيكم على ما اطَّلع عليه في قلوبكم، وسقط قوله: «﴿وَاعْلَمُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: «الآيةَ». (﴿اسْتَجِيبُواْ﴾) قال أبو عبيدة أي: (أَجِيبُواْ) وقوله: (﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) أي: (يُصْلِحُكُمْ).

стр. 8446

٤٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم بن رَاهُوْيَه، أو ابن منصورٍ قال: (أَخْبَرَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء، ابن عُبَادة -بتخفيف الموحَّدة- القيسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجَمة وبعد الموحَّدة الأولى المفتوحة تحتيَّةٌ ساكنةٌ، الخزرجيِّ المدنيِّ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ) العُمريَّ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى) بضمِّ الميم (١) وفتح اللام المشدَّدة، الأنصاريِّ، واسمه: حارثٌ أو رافعٌ أو أوسٌ (¬﵁¬) أنَّه (٢) (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي) زاد في «الفاتحة» [خ¦٤٤٧٤]: «في المسجد» (فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ) بمدِّ الهمزة (حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟) ولأبي ذرٍّ والأَصيلي (٣) وابن عساكر: «تأتيَني» زاد في «الفاتحة» [خ¦٤٤٧٤]: «فقلت: يا رسول الله إنِّي كنتُ أصلِّي» فقال: (أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾؟ [الأنفال: ٢٤]) رجَّح بعضهم أنَّ إجابته لا تُبطل الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة إجابةٌ، قال:

стр. 8447

وظاهر الحديث يدلُّ عليه؛ ولذا رُجِّح تفسير الاستجابة بالطَّاعة، والدَّعوة بالبعث والتَّحريض، وقيل: كان دعاه (١) لأمرٍ لا يحتمل التَّأخير، فجاز قطع الصَّلاة (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ) من جهة الثَّواب على قراءتها؛ لِمَا اشتملت عليه من الثَّناء والدُّعاء والسُّؤال (قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ) زاد في «الفاتحة» [خ¦٤٤٧٤]: «من المسجد» (فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَخْرُجَ) من المسجد (فَذَكَرْتُ لَهُ) وفي «الفاتحة»: «قلت له: ألم تقل: لأُعلِّمنَّك سورةً هي أعظم سورةٍ في القرآن؟». (وَقَالَ مُعَاذٌ) هو ابن أبي معاذٍ العنبريُّ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) (٢) -وسقط «ابن عبد الرَّحمن» لغير أبي ذرٍّ- أنَّه (سَمِعَ حَفْصًا) العمريَّ: (سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) هو ابن المعلَّى (رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) الحديث المذكور (وَقَالَ: هِيَ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] السَّبْعُ المَثَانِي) بالرَّفع بدلًا من ﴿الْحَمْدُ للّهِ﴾ أو عطف بيانٍ، وهذا وصله الحسن بن أبي سفيان، وفائدة إيراده هنا ما فيه من تصريح سماع حفصٍ من أبي سعيدٍ. (٣) (باب قَوله) : (﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا﴾) أي: القرآن (﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾) منزَّلًا (﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء﴾) عقوبةً لنا على إنكاره، وفائدةُ قوله: ﴿مِّنَ السَّمَاء﴾ والأمطارُ لا تكون إلَّا منها المبالغةُ في العذاب؛ فإنَّها محلُّ الرحمة، كأنَّهم قالوا: بدِّل رحمتك النَّازلة من السَّماء بنزول العذاب منها، أو أنَّها أشدُّ تأثيرًا إذا سقطت من أعلى الأماكن (﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]) بنوعٍ آخر، والمراد: نفي كونه حقًّا، وإذا انتفى كونه حقًّا؛ لم يستوجب مُنكِرُه عذابًا، فكان تعليق العذاب بكونه حقًّا مع اعتقاد أنه ليس بحقٍّ كتعليقه بالمُحال في قولك: إن كان الباطلُ حقًّا فأمطِرْ علينا حجارةً (٣)، وهذا من عنادهم وتمرُّدهم،

стр. 8448

روي أنَّ معاوية قال لرجلٍ من سبأ: «ما أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأة! فقال: أجهلُ من قومي قومُك حين قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ ولم يقولوا: فاهْدِنا له» وروي (١) أنَّ النَّضر بن الحارث -لعنه الله- لمَّا قال: ﴿إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] قال النبيُّ ﷺ : «ويلك (٢)! إنَّه كلام الله» فقال هو وأبو جهلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، وثبت (٣) «باب قوله» لأبي (٤) ذرٍّ، وسقط له من قوله: «﴿عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿فَأَمْطِرْ﴾: «الآيةَ». (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان في «تفسيره» روايةِ سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ (٥): (مَا سَمَّى اللهُ تَعَالَى مَطَرًا فِي القُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا) أُورِدَ (٦) عليه قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] فإنَّ المراد به المطر قطعًا، ونسبة الأذى إليه بالبَلَل والوَحْل الحاصل منه لا يُخرِجه عن كونه مَطَرًا (وَتُسَمِّيه العَرَبُ الغَيْثَ؛ وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]) وثبت قوله «﴿وَهُوَ الَّذِي﴾» في الفرع وسقط من أصله. ٤٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ) غير منسوب، وقد جزم الحاكمان -أبو أحمد وأبو

стр. 8449

عبد الله- أنَّه ابن (١) النَّضر بن عبد الوهَّاب النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، قال (٢): (حَدَّثَنَا أَبِي) معاذ بن معاذ بن حسَّان العنبريُّ التَّميميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن دينارٍ تابعيٌّ صغيرٌ، زاد غير أبي ذرٍّ: «هو ابن كُرْدِيدٍ» بكافٍ مضمومةٍ فراءٍ ساكنةٍ فدالينِ الأولى مكسورةٌ بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ (صَاحِبُِ الزِّيَادِيِّ) -بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة- أنَّه (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) يقول: (قَالَ أَبُو جَهْلٍ) لعنه الله: (﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾) نُصِبَ خبرًا عن الكون، و ﴿هُوَ﴾ فصلٌ (٣)، وقُرِئ بالرَّفع على أنَّ (٤) ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ غير فصلٍ، و ﴿الْحَقَّ﴾: خبره (﴿مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾) قال أبو عبيدة: كلُّ شيءٍ «أمطرت» فهو من العذاب، وما كان من الرَّحمة فهو «مطرت» (فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الاية [الأنفال: ٣٣ - ٣٤]) وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ … » إلى «﴿يَصُدُّونَ﴾» ويقول: «إلى: ﴿عَنِ (٥) الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾» وقد أورد ابن المنيِّر في «تفسيره» هنا سؤالًا -كما نقله عنه في «المصابيح» - فقال: قد حكى الله عنهم هذا الكلام في هذه الآية؛ أي قوله: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ الآيةَ، وهو من جنس نَظْم القرآن، فقد وُجِد فيه بعض التكلُّم ببعض القرآن، فكيف يتمُّ نفي المعارضة بالكلِّيَّة وقد وُجِد بعضها؟ ومنها حكاية الله عنهم في الإسراء [الآية: ٩٠]: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ وأجاب: بأنَّ الإتيان بمثل هذا (٦) القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنَّ هذا المقدار قليلٌ لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة، قال العلَّامة البدر

стр. 8450

الدَّمامينيُّ: وهذا الجواب إنَّما يتمشَّى على القول بأنَّ التحدِّي إنَّما وقع بالسُّورة الطَّويلة التي يظهر منها (١) قوَّة الكلام. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «ذكر المنافقين والكفَّار». (٤) (بابُ قَولهِ) تعالى: (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾) اللَّام لتأكيد النَّفي، والدَّلالةُ على أنَّ تعذيبهم عذابَ استئصالٍ والنبيُّ ﷺ بين أظهُرهم غيرُ مستقيم في الحكمة، خارجٌ عن عادته تعالى في قضائه، قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة-: «ما كان الله ليعذِّب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتَّى يُخرِجَهم» (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]) في موضع الحال، ومعناه: نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممَّن يؤمن ويستغفر من الكفر لَمَا عذَّبهم، ولكنَّهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، أو: ما كان الله معذِّبهم وفيهم مَن يستغفر -وهم المسلمون- بين أظهرهم ممَّن تخلَّف من المستضعفين، أو مِن أولادهم مَن يستغفر، أو يريد إسلام بعضهم، أو استغفار الكفَّار؛ إذ كانوا يقولون بعد التَّلبية: غُفرانك، وفيه أنَّ الاستغفار أمانٌ من العذاب، وفي حديث فَضَالة بن عبيد الله عند الإمام أحمد مرفوعًا: «العبد آمنٌ من عذاب الله ما استغفر الله » وتأمَّلوا علوَّ مرتبة الاستغفار وعِظَم موقعه؛ كيف قُرِن حصوله مع وجود سيِّد العالمين في استدفاع البلاء، وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه ابن أبي حاتمٍ: «إنَّ الله تعالى جعل في هذه الأمَّة أمانَيْنِ، لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمانٌ قبضه الله إليه، وأمانٌ بقي فيكم، ثم تلا الآية» وروى ابن جريرٍ: «أنَّهم لمَّا قالوا ما قالوا ثمَّ أمسَوا ندِموا، فقالوا: غُفرانك اللهمَّ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾» وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «باب قوله»، وثبت له.

стр. 8451

٤٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ) بن عبد الوهَّاب -أخو أحمد السَّابق- قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بتصغير «عبد» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) معاذٌ العنبريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن دينارٍ (صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ) أنَّه (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ (١) قَالَ (٢): قَالَ أَبُو جَهْلٍ) لمَّا قال النَّضر بن الحارث: ﴿إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]: (﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا﴾) يريد: القرآن (﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]: فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]) وليس المراد نفي مطلق العذاب عنهم، بل هم بصدده إذا هاجر ﵊ عنهم؛ كما يدلُّ له قولُه: (﴿وَمَا لَهُمْ﴾) استفهام بمعنى التقرير (﴿أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الاية [الأنفال: ٣٤]) «ما» في ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى التَّقرير، و «أن» في ﴿أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ﴾ الظَّاهر أنَّها مصدريَّةٌ، وموضعها نصبٌ أو جرٌّ؛ لأنَّها على حذف حرف الجرِّ، والتَّقدير: في ألَّا يعذبهم، وهذا الجارُّ يتعلَّق بما تَعلَّق به ﴿لَهُمْ﴾ من الاستقرار، والمعنى: وأيُّ مانعٍ فيهم من العذاب وسببه واقعٌ؛ وهو صدُّهم المسلمين عن المسجد الحرام عام الحديبية، وإخراجهم الرَّسول والمؤمنين إلى الهجرة؟! فالعذاب واقعٌ لا محالة بهم، فلمَّا خرج الرَّسول ﷺ من بين أظهرهم؛ أوقع الله بهم بأسه يوم بدرٍ، فقتل صناديدهم وأسر سراتهم. (٥) (﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾) حثٌّ للمؤمنين على قتال الكفَّار، وفي بعض النُّسخ: «باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾» ونُسِب (٣) لأبي ذرٍّ (﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾) أي: إلى ألَّا يوجد فيهم شركٌ قطُّ (﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]) ويضمحلَّ عنهم كلُّ دينٍ باطلٍ، وسقط «﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8452

٤٦٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الجَرَويُّ؛ بالجيم والرَّاء المفتوحتين، المصريُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى) المَعَافِريُّ؛ بفتح الميم والعين المهملة وكسر الفاء وبعدها راءٌ، البُرُلُّسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ابن شُريحٍ؛ بالمعجمة (١) أوَّله والمهملة (٢) آخره (عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح الموحَّدة والعين، المعافريِّ (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، ابن عبد الله الأشجِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا) هو حبَّانُ بالموحَّدة، صاحب الدَّثنيَّة، أو العلاء بن عِرارٍ؛ بمهملاتٍ الأولى مكسورةٌ، أو نافع بن الأزرق، أو الهيثم بن حنشٍ (جَاءَهُ) زاد في «البقرة» [خ¦٤٥١٣]: «في فتنة ابن الزُّبير» (فَقَالَ) له: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا … ﴾) باغين بعضهم على بعضٍ (إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الحجرات: ٩]

стр. 8453

فَمَا يَمْنَعُكَ أَلَّا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ؟) كلمة «لا» زائدة، كهي (١) في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وكان لم يقاتل في حربٍ من الحروب الواقعة بين المسلمين؛ كصفِّين والجمل ومحاصرة ابن الزُّبير (فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي؛ أَغْتَرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْتَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) فيها: (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا … ﴾ [النساء: ٩٣] إِلَى آخِرِهَا) «أغتَّر» في هذين الموضعين بالغين المعجمة والفوقيَّة، من الاغترار، أي: تأويل هذه الآية: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ﴾ أحبُّ من تأويل الأخرى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ التي فيها تغليظٌ شديدٌ وتهديدٌ عظيمٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أُعيَّر» بضمِّ الهمزة وفتح العين المهملة وتشديد التَّحتيَّة في الموضعين (قَالَ) الرَّجل: (فَإِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]) هذا موضع التَّرجمة (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ (٢) فَعَلْنَا) ذلك (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ) أي: حين (كَانَ الإِسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ) بحذف نون الرَّفع، وهو موجودٌ في الكلام الفصيح نَثْرِه ونظمِه، كما قاله ابن مالك، ولأبي ذرٍّ: «إمَّا (٣) يقتلونه وإمَّا يوثقونه» بإثبات النُّون (٤) فيهما (حَتَّى كَثُرَ الإِسْلَامُ؛ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، فَلَمَّا رَأَى) أي: الرَّجل (أَنَّهُ) أي: ابن عمر (لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ) من القتال (قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟) وكَأنَّ السَّائل كان من الخوارج (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟! أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ (٥) اللهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ) لمَّا فرَّ يوم أُحُدٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ (٦)﴾ [آل عمران: ١٥٥] (فَكَرِهْتُمْ أَنْ تعْفُوْا عَنْهُ) بالفوقيَّة وسكون الواو، خطابًا للجماعة (وَأَمَّا عَلِيٌّ؛ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخَتَنُهُ) بفتح الخاء المعجمة (٧) والمثنَّاة الفوقيَّة، أي: زوج ابنته (وَأَشَارَ بِيَدِهِ، وَهَذِهِ ابْنَتُهُ) بهمزة وصلٍ (أَوْ بِنْتُهُ) بتركها، والمراد بها: فاطمة، والشَّكُّ من الرَّاوي؛ محافظةً

стр. 8454

على نقل اللَّفظ على وجهه كما سمع، أي: هذه ابنة أو بنت رسول الله ﷺ (حَيْثُ تَرَوْنَ) منزلها بين منازل أبيها، وفي روايةٍ (١): «وهذه ابنته» بالنُّون «أو بيته» بالتَّحتيَّة (٢) بدلها، واحدُ البيوتِ، وشكَّ الرَّاوي فأتى باللَّفظين مع حرف الشَّكِّ؛ تحرُّجًا من أن يجزم بلفظٍ هو فيه شاكٌّ، وللكُشْمِيهَنيِّ: «أو (٣) أَبْيُتُه» بهمزةٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ ساكنةٍ فتحتيَّةٍ مضمومةٍ ففوقيَّةٍ؛ بلفظ جمع القلَّة في البيت، وهو شاذٌّ، قال في «المصابيح»: ويُروَى: «هذه أبنيته أو بيته» بفتح الموحَّدة؛ الأوَّل: جمع بناء، والثَّاني: واحد البيوت، وقال الحافظ ابن حجرٍ: في «مناقب عليٍّ» من (٤) وجهٍ آخر «هو ذاك بيته أوسط بيوت النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٧٠٤]، وفي رواية النَّسائيِّ: «ولكن انظر إلى منزلته من رسول الله ﷺ ، ليس في المسجد غير بيته» قال: وهذا يدلُّ على أنَّه تُصحِّف على بعض الرُّواة فقرأها: بنته؛ بموحَّدةٍ ثمَّ نونٌ، ثمَّ طرأ له الشَّكُّ فقال: بنته (٥) أو بيته، والمعتمد أنَّه البيت فقط؛ لِمَا ذكرنا من الرِّوايات المصرِّحة بذلك، وتأنيث اسم الإشارة باعتبار البقعة، وفيه: بيان قربه من النَّبيِّ ﷺ مكانةً ومكانًا. ٤٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو ابن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا بَيَانٌ) بفتح الموحَّدة والتَّحتيَّة المخفَّفة، وبعد الألف نونٌ، ابن بشرٍ بموحَّدةٍ مكسورةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ (أَنَّ وَبَْرَةَ) بفتح الواو والموحَّدة والرَّاء، وقد تُسكَّن الموحَّدة، ابن عبد الرَّحمن المُسْليَّ (٦) بضمِّ الميم (٧) وسكون المهملة وباللام،

стр. 8455

الحارثيَّ (حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا -أَوْ إِلَيْنَا-) بالشَّكِّ (ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ) له (رَجُلٌ) سبق الخُلْفُ في اسمه قريبًا [خ¦٤٦٥٠] (كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الفِتْنَةِ؟ فَقَالَ) ابن عمر، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (وَهَلْ تَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ (١) ﷺ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ) القتال معه (كَقِتَالِكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «وليس بقتالكم» (عَلَى المُلْكِ) بضمِّ الميم، بل كان قتالًا على الدِّين؛ لأنَّ المشركين كانوا يفتنون المسلمين إمَّا بالقتل وإمَّا بالحبس. (٦) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾) بالِغْ في حثِّهم (﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾) ولذا قال ﵊ لأصحابه يوم بدرٍ لمَّا أقبل المشركون في عَدَدهم وعُدَدهم: «قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السَّموات والأرض» (﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ﴾) أي: صابرةٌ (﴿يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) شرطٌ في معنى الأمر؛ يعني: ليصبر عشرون في مقابلة مئتين، ومئةٌ في مقابلة ألفٍ، كلُّ واحدٍ لعشرةٍ (٣) (﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]) أي: بسبب أنَّهم جهلةٌ بالله واليوم الآخر، يقاتلون لغير طلب (٤) ثوابٍ واعتقاد أجرٍ في الآخرة لتكذيبهم لها، وسقط «﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿الْقِتَالِ﴾: «الآية»، وسقط لفظ «باب» لغيره.

стр. 8456

٤٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال: (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾) زاد أبو ذرٍّ: «﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ﴾» [الأنفال: ٦٥] (فَكُتِبَ) بضمِّ الكاف، أي: فُرِض (عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ) هو معنى الآية (فَقَالَ (١) سُفْيَانُ) بن عيينة (غَيْرَ مَرَّةٍ: أَلَّا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِئَتَيْنِ) وهذا يوافق لفظ القرآن، فالظَّاهر أنَّ سفيان كان يرويه تارةً بالمعنى وتارةً باللَّفظ (ثُمَّ نَزَلَتِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ﴾ الاية [الأنفال: ٦٦] فَكَتَبَ) بفتح الكاف، أي: فَرَض الله تعالى (أَلَّا يَفِرَّ مِئَةٌ مِنْ مِئَتَيْنِ، زَادَ) ولأبي ذرٍّ (٢): «وزاد» (سُفْيَانُ مَرَّةً: نَزَلَتْ: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾) يريد أنَّه حدَّث بالزِّيادة مرَّة ومرَّة بدونها (قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ) بضمِّ الشِّين المعجمة (٣) والرَّاء بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ، عبد الله قاضي الكوفة التَّابعيُّ (وَأُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ (الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا) الحكم المذكور في الجهاد، بجامع إعلاء كلمة الحقِّ وإدحاض كلمة الباطل، وقول صاحب «التَّلويح»: هذا التَّعليق رواه ابن أبي حاتمٍ تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه وهمٌ؛ لأنَّ في رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند أبي نُعيمٍ في «مستخرجه»: قال سفيان: فذكرته لابن شبرمة … فذكر مثله. (٧) (﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾) في القوَّة والجَلَد (الآيَةَ [الأنفال: ٦٦]) زاد غير (٤) أبي ذرٍّ: «إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾».

стр. 8457

٤٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيُّ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، خاقان البلخيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بفتح جيم جرير، و «حازم» بالحاء المهملة والزَّاي (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْرُ) بضمِّ الزَّاي (بْنُ خِرِّيتٍ) بكسر الخاء المعجمة والرَّاء المشدَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة فوقيَّةٌ، بصريٌّ من صغار التَّابعين (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ) عنهم، وعند ابن إسحاق من طريق عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ: «فخفَّف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى» (فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ﴾) وسقط قوله: «فقال» لأبي ذرٍّ (١) (﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾) في البدن أو في البصيرة (﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]) أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ لو كان خبرًا؛ لم يقع بخلاف المخبَر عنه، والمعنى (٢) في وجوب المصابرة لمِثلينا: أنَّ المسلم على إحدى الحسنيين؛ إمَّا أن يُقتَل فيدخل الجنَّة، أو يَسْلَم فيفوز بالأجر (٣) والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدُّنيا، وقد زاد الإسماعيليُّ في الحديث «ففرض عليهم ألَّا يفرَّ رجلٌ من رجلين، ولا قومٌ من مِثْلَيهم» والحاصل: أنَّه يحرم على المقاتل الانصراف عن الصَّفِّ إذا (٤) لم يزد عدد الكفَّار على مثلَيْنا، فلو لقي مسلمٌ كافرين؛ فله الانصراف وإن كان هو الذي طلبهما؛ لأنَّ فرض الجهاد والثبَّات إنَّما هو في الجماعة، لكن قال البلقينيُّ: الأظهر بمقتضى نصِّ الشَّافعيِّ في «المختصر» أنَّه ليس له الانصراف (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنَ العِدَّةِ؛ نَقَصَ) بالتَّخفيف (٥) (مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ). وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الجهاد».

стр. 8458

(((٩))) (سورة بَرَاءَةَ) مدنيَّةٌ، ولها أسماءٌ أُخَر تزيد على العشرة؛ منها: التَّوبة، والفاضحة، والمُقَشْقِشة؛ لأنَّها تدعو إلى التَّوبة، وتفضح (١) المنافقين، وتقشقشهم، أي: تَبْرَأُ منهم، وهي من آخر ما نزل، ولم يكتبوا بسملةً أوَّلها؛ لأنَّها أمانٌ، وبراءةٌ نزلت لرفعه، أو توفِّي رسول الله ﷺ ولم يبيِّن موضعها، وكانت قصَّتها تشابه قصَّة الأنفال؛ لأنَّ فيها ذكر العهود، وفي براءة نبذها، فضُمَّت إليها. (﴿وَلِيجَةً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] (كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ) وهي «فعيلة» من الولوج؛ كالدَّخيلة، وهي نظير البطانة والدَّاخلة، والمعنى: لا ينبغي أن يوالوهم ويفشوا إليهم (٢) أسرارهم، وسقط قوله: «﴿وَلِيجَةً﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وثبت لغيره. (﴿الشُّقَّةُ﴾) في قوله: ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢]: هي (السَّفَرُ) وقيل: هي المسافة التي تُقطَع بمشقَّة؛ يقال: شُقَّةٌ شاقَّةٌ، أي: بعدت عليهم، الشَّاقَّة: البعيدة، أي: يشقُّ على الإنسان سلوكها.

стр. 8459

(الخَبَالُ) في قوله: ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ [التوبة: ٤٧]: (الفَسَادُ) والاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا، أي: أنَّه لم يكن في عسكر رسول الله ﷺ خبالٌ فيزيد المنافقون فيه (١)، وكأنَّ المعنى: ما زادوكم قوَّةً ولا شدَّةً لكن خبالًا، وأن يكون متَّصلًا، وذلك أنَّ عسكر الرَّسول ﷺ في غزوة تبوك كان فيهم منافقون كثيرٌ، ولهم لا محالة خَبَالٌ، فلو خرج هؤلاء لالتأموا مع الخارجين، فزاد الخبال (٢) (وَالخَبَالُ: المَوْتُ) كذا في جميع الرِّوايات، والصَّواب: المُوتَة؛ بضمِّ الميم وزيادة هاءٍ آخره؛ وهو ضربٌ من الجنون. وقوله تعالى: (﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]) أي: (لَا (٣) تُوَبِّخْنِي) من التَّوبيخ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لا توهِنِّي» بالهاء وتشديد النُّون من الوهن؛ وهو الضَّعف، ولابن السَّكن: «ولا تؤثِّمْني» بمثلَّثةٍ مشدَّدةٍ وميمٍ (٤) ساكنةٍ من الإثم، وصوَّبه القاضي عياضٌ. (﴿كَرْهًا﴾) بفتح الكاف (وَ ﴿كَرْهًا﴾) بضمِّها: (وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وسقط (٥) «﴿كَرْهًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٦). (﴿مُدَّخَلاً﴾) بتشديد الدَّال؛ يريد: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً﴾ أي: (يُدْخَلُونَ فِيهِ) والمُدَّخل: السِّرب في الأرض. وقوله تعالى: ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ﴾ (﴿يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]) أي: (يُسْرِعُونَ) إسراعًا لا يردُّهم شيءٌ، كالفرس الجموح. وقوله: ﴿وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ (﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ [التوبة: ٧٠]) وهي قريات قوم لوطٍ (ائْتَفَكَتْ) أي: (انْقَلَبَتْ بِهَا) أي: القرياتِ (الأَرْضُ) فصار عاليها سافلها، وأُمطِرُوا حجارةً من سجيلٍ.

стр. 8460

(﴿أَهْوَى﴾) يريد: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ بسورة النَّجم [النجم: ٥٣] يقال: (أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ) بضمِّ الهاء وتشديد الواو، أي: مكانٍ عميقٍ، وذكرها استطرادًا. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ (﴿عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]) أي: (خُلْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون اللَّام؛ يقال: (عَدَنْتُ بِأَرْضٍ، أَيْ: أَقَمْتُ) بها (وَمِنْهُ: مَعْدِنٌ) وهو الموضع الذي يُستَخرج منه الذَّهب والفضة ونحوهما (وَيُقَالُ:) فلانٌ (فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ) أي: (فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ) كأنَّه صار مَعدِنًا له للزومه له، وسقط لأبي ذرٍّ من «عدنت … » إلى آخره (١). (﴿الْخَوَالِفِ﴾) يريد قوله: ﴿رَضُواْ (٢) بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] وفسَّره بقوله: (الخَالِفُ: الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ) أي: من هذا اللفظ (يَخْلُفُهُ فِي الغَابِرِينَ) قال ﵊ في حديث أمِّ سلمة: «اللهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديِّين، واخلفه في عقبه في الغابرين» رواه مسلمٌ، قال النَّوويُّ أي: الباقين (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الخَالِفَةِ) وهي المرأة (وَإِنْ) بالواو (٣)، ولأبي ذرٍّ: «فإن» (كَانَ) خوالف (جَمْعَ الذُّكُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ) على «فواعل» (إلَّا حَرْفَانِ: فَارِسٌ وَفَوَارِسُ، وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ) قاله أبو عبيدة، وزاد ابن مالكٍ: شاهقٌ وشواهقُ، وناكسٌ ونواكسُ، وداجنٌ ودواجنُ، وهذه الخمسة جمع «فاعل» وهو شاذٌّ، ولأبي ذر: «وهالكٌ في الهوالك» (٤) والمفهوم من أوَّل كلام البُّخاريِّ: أنَّ «خوالف» جمع «خالف» وحينئذٍ إنَّما يجوز أن يكون النِّساء إذا كان يُجمَع «الخالفة» على «خوالف» وإنَّما «الخالف» يُجمَع على «الخالفين» بالياء والنُّون، والمشهور في «فواعل» أنَّه جمع «فاعلة» فإن كان من صفة النِّساء؛ فواضحٌ، وقد تُحذَف الهاء في صفة المفرد من النِّساء، وإن كان من صفة الرِّجال؛ فالهاء للمبالغة؛ يقال: رجل خالفة (٥): لا خير فيه، والأصل في جمعه بالنُّون كما مرَّ، والمراد بـ ﴿الْخَوَالِفِ﴾ في الآية: النِّساء والرِّجال العاجزون والصِّبيان، فجُمِع بجمع (٦) المؤنَّث تغليبًا؛ لكونهنَّ أكثر في ذلك من غيرهنَّ.

стр. 8461

وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ﴾ (﴿الْخَيْرَاتُ﴾ [التوبة: ٨٨]: وَاحِدُهَا: خَيْرَةٌ) بفتح الخاء وسكون التَّحتيَّة آخرها هاءُ تأنيثٍ (وَهْيَ الفَوَاضِلُ) بالضَّاد المعجمة، قاله أبو عبيدة. قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾ (﴿مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]) أي: (مُؤَخَّرُونَ) لأمر الله ليقضي فيهم ما هو قاضٍ، وهذه ساقطةٌ لأبي ذرٍّ. (الشَّفَا) بفتح (١) المعجمة والفاء مقصورًا، يريد قوله تعالى: ﴿عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] وفسَّر الشَّفا بقوله: (شَفِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «الشَّفير» ثمَّ قال: (وَهْوَ) أي: الشَّفير (حَدُّهُ) بالدَّال بعد الحاء المهملتين، وللكُشْميهَنيِّ (٢): «وهو حرفه» أي: جانبه. (وَالجُرُفُ: مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالأَوْدِيَةِ) أي: يحفر بالماء فصار واهيًا. (﴿هَارٍ﴾) أي: (هَائِرٍ) يقال: انهارت البئر؛ إذا تهدَّمت (٣)، قال القاضي: وإنَّما وضع شفا الجرف -وهو ما جرفه الوادي- الهائر في مقابلة التَّقوى؛ تمثيلًا لِمَا بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس، ثمَّ رشَّحه بانهياره به في النَّار، ووضعه (٤) في مقابلة الرِّضوان؛ تنبيهًا على أنَّ تأسيس ذلك على أمر يحفظه عن النار (٥)، ويوصله إلى رضوان الله تعالى ومقتضياته التي (٦) الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه (٧) على صدد الوقوع في النَّار ساعةً فساعةً، ثمَّ إنَّ مصيرهم إلى النَّار لا محالة. انتهى. (يُقَالُ: تَهوَّرَتِ البِئْرُ؛ إِذَا انْهَدَمَتْ، وَانْهَارَ: مِثْلَه) كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، وسقط لغيرهما (٨). وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ (﴿لأوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤]) أي: (شَفَقًا وَفَرَقًا) كنايةً عن فرط ترحُّمه ورقَّة

стр. 8462

قلبه، وفيه بيان الحامل له على الاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه (وَقَالَ الشَّاعِرُ) وهو المثقَّب -بتشديد القاف المفتوحة- العبديُّ، واسمه: جحاش بن عائذ (١) بن محصن، وسقط لفظ «الشَّاعر» لغير أبي ذرٍّ (إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ) بفتح الهمزة والحاء المهملة، من رحلت الناقة أرحلها؛ إذا شددتَ الرَّحل على ظهرها، والرَّحل: أصغر من القتب. (تَأَوَّهُ آهَةَ) بمدِّ الهمزة، وللأصيليِّ: «أَهَّة» (الرَّجُلِ الحَزِينِ) بتشديد الهاء وقصر الهمزة، قال الحريريُّ في «درَّة الغوَّاص»: يقولون في التَّأوُّه: أَوَّه (٢)، والأفصح أن يقال: أُوْهَُِ بكسر الهاء وضمِّها وفتحها، والكسر أغلب، وعليه قول الشَّاعر: فأَوْهٍ لذكراها إذا ما ذكرتها ...................... وقد شدَّد بعضهم الواو، فقال: أوَّه، ومنهم من حذف الهاء -وكسر الواو- فقال: أوَّ، وتصريف الفعل منها: أوَّه وتأوَّه، والمصدر الآهة، ومنه قول مثقَّبٍ العبديِّ: إذا ما قُمْتُ أَرْحلُها بِلَيْلٍ ....................... البيت، وهذا البيت من جملة قصيدة أوَّلها: أفاطمُ قبل بينِكِ متِّعيني … ومنعك ما سألت كأن تبيني ولا تَعِدِي مواعدَ كاذباتٍ … تمرُّ بها رياحُ الصَّيف دوني فإنِّي لو تخالفني شِمالي … لَمَا أتبعتُها أبدًا يميني

стр. 8463

(١) (بابُ قَوْله) : (﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾) أي: هذه براءةٌ مبتدأٌ صدورها من الله تعالى، وغاية انتهائها: (﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]) فـ ﴿بَرَاءةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، وقيل: مبتدأٌ خبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ وجاز الابتداء بالنَّكرة؛ لأنَّها تخصَّصت بالجارِّ بعدها، والمعنى: أنَّ الله ورسوله برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وذلك أنَّهم عاهدوا مشركي العرب، فنكثوا، ولم يفِ به إلَّا بنو ضمرة وبنو كنانة، فأمرهم بنبذ العهد إلى من نقضه، وأُمِروا أن يسيحوا الأربعة أشهر (١) الحرم؛ صيانةً لها من القتال. وقوله: (﴿وَ أُذُنٌ﴾) أي: (إعلامٌ) يقال: آذنته إيذانًا وأذانًا، وهو اسمٌ قام مقام المصدر، وسقط هذا لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿وَيِقُولُونَ هُوَ﴾ (﴿أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]: يُصَدِّقُ) كلَّ ما سَمِع، وسُمِّي بالجارحة للمبالغة، كأنَّه من فرط سماعه صار جملة آلة السَّماع، كما سُمِّي الجاسوس عينًا؛ لذلك. وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]) بمعنًى واحدٍ (٢)؛ لأنَّ الزَّكاة والتَّزكية في اللُّغة: الطَّهارة (وَنَحْوُهَا) وفي نسخةٍ: «ونحو هذا» (كَثِيرٌ) في القرآن، أو في لغات العرب (وَالزَّكَاةُ: الطَّاعَةُ وَالإِخْلَاصُ) أي: تأتي بمعناهما، رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] قال: «الزَّكاة: طاعة الله والإخلاص» وقوله تعالى في سورة فصَّلت: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ﴾ (﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]) قال ابن عبَّاسٍ فيما رواه عليُّ بن أبي طلحة عنه: (لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وهذا ذكره استطرادًا. وقوله تعالى: (﴿يُضَاهِؤُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]) قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عن عليِّ ابن أبي طلحة عنه (٣): (يُشَبِّهُونَ) وقال أبو عبيدة: هي التَّشبيه، وقال القاضي أي: يضاهي قولهم قول الذين كفروا، فحُذِف المضاف وأُقِيم المضاف إليه مُقامه، والمضاهاة: المشابهة، وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن قول اليهود: عزيرٌ ابن الله، والنَّصارى (٤): المسيح ابن الله، فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] والتَّقييد بكونه بأفواههم مع أنَّ القول لا يكون إلَّا بالفم للإشعار بأنَّه لا دليل عليه، فهو كالمهملات، لم يقصد بها

стр. 8464

الدَّلالة على المعاني، وقول اليهود هذا كان مذهبًا مشهورًا عندهم، أو قاله بعضٌ من متقدِّميهم، أو من كان بالمدينة، وإنَّما قالوا (١) ذلك؛ لأنَّه لم يبقَ فيهم بعد وقعة بختنصر مَنْ يحفظ التَّوراة، فلمَّا أحياه الله بعد مئة عامٍ وأملى عليهم التَّوراة حفظًا؛ فتعجَّبوا من ذلك وقالوا: ما هذا إلا لأنَّه ابن الله، والدَّليل على أنَّ هذا القول كان فيهم (٢): أنَّ الآية قُرِئَت عليهم، فلم يُكذِّبوا مع تهالكهم على التَّكذيب. ٤٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﷺ : (﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) في آخر سورة النِّساء [النساء: ١٧٦] (وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﵊ (بَرَاءَةٌ) فإن قلتَ: قد (٣) سبق في آخر (٤) «سورة البقرة» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ آخر آية نزلت آية الرِّبا [خ¦٤٥٤٤] وعند النَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ سورة النَّصر آخر سورة نزلت؛ أجيب بأنَّ المراد آخريَّةٌ مخصوصةٌ؛ لأنَّ الأوَّليَّة والآخريَّة من الأمور النِّسبيَّة، وأمَّا السُّورة؛ فإن آخريَّة النصر باعتبار نزولها كاملةً، بخلاف براءة؛ فالمراد أوَّلها أو معظمها، وإلَّا ففيها آياتٌ كثيرةٌ نزلت قبل سنة الوفاة النَّبويَّة، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمام بشيءٍ من مبحث ذلك «بسورة النَّصر» [خ¦٤٩٦٧] إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوته. (٢) (بَاب قَوْله) تعالى: (﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾) أوَّلها شوَّالٌ، وآخرها سلخ (٥) المحرَّم،

стр. 8465

قاله الزُّهريُّ، أو من يوم النَّحر إلى عشرين من ربيع الآخر، واستشكل ابن كثيرٍ الأوَّل: بأنَّهم كيف يحاسبون بمدَّةٍ لم يبلغهم حكمها وإنَّما ظهر لهم أمرها يوم النَّحر؟ كما يأتي إن شاء الله تعالى، واستشكَلَ غيرُه القولين: بأنَّه لم يكن ذلك كلُّه الأشهر الحرم المشار إليها في قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] وأجيب باحتمال أن يكون من قبيل التَّغليب، وهذا أمرٌ من الله لناقضي العهد كما مرَّ، وروى سعيد بن منصورٍ والنَّسائيُّ عن زيد بن يُثَيْعٍ؛ بتحتيَّةٍ مضمومةٍ وقد تُبدَل همزةً بعدها مثلَّثةٌ مفتوحةٌ فتحتيَّةٌ ساكنةٌ فعينٌ مهملةٌ، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ المخضرم، قال: «سألت عليًّا: بأيِّ شيء بُعِثْتَ؟ قال: بأنَّه لا يدخل الجنَّة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلمٌ ومشركٌ في الحجِّ بعد عامهم هذا، ومن كان له عهدٌ فعهده إلى مُدَّته، ومن لم يكن له عهدٌ؛ فأربعة أشهرٍ» واستُدِلَّ بهذا الأخير -كما قاله ابن حجرٍ وغيره- على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] مختصٌّ بمن لم يكن له عهدٌ مؤقَّتٌ (١)، أو من لم يكن له عهدٌ أصلًا، وأمَّا من له عهدٌ مؤقَّتٌ فهو إلى مدَّته، وروى الطَّبريُّ (٢) من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنفٌ كان له (٣) عهدٌ دون أربعة أشهرٍ، فأُمهِل تمام أربعة أشهرٍ، وصنفٌ كانت مدَّة عهده (٤) بغير أجلٍ، فقُصِرَت على أربعة أشهرٍ، وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الأربعة أشهر (٥) أَجَلُ من كان له عهدٌ مؤقَّتٌ بقدرها أو يزيد عليها، وأنَّ من ليس له عهدٌ؛ فانقضاؤه إلى سلخ المحرَّم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وعن الزُّهريِّ (٦) قال: كان أوَّل أربعة أشهر (٧) عند نزول براءة في شوَّال، وكان آخرها آخر المحرَّم، وبذلك يُجمَع بين (٨) الأربعة أشهر وبين قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥]. (﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ﴾) أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم (﴿وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]) مُذِلُّهم بالقتل والأسر في الدُّنيا والعذاب في الآخرة.

стр. 8466

(سِيحُوا) قال أبو عبيدة: أي (١): (سِيرُوا) وقال غيره: اتَّسعوا (٢) في السَّير وأبعدوا عن العمارات، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ. ٤٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَير؛ بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين المهملة وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ، ولأبي ذرٍّ: «عن عُقيلٍ» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد وواو العطف، قال في «الكواكب»: إشعارًا بأنَّه أخبره أيضًا بغير ذلك، فهو عطفٌ على مقدَّرٍ، قال في «الفتح»: ولم أرَ في طرق حديث أبي هريرة عن أبي بكرٍ زيادةً إلَّا (٣) ما وقع في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ، فإنَّ فيها: «كان المشركون يوافون (٤) بالتِّجارة فينتفع بها المسلمون، فلمَّا حرَّم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام؛ وجد المسلمون في أنفسهم ممَّا قُطِع عليهم من التِّجارة، فنزلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الاية [التوبة: ٢٨] ثمَّ أحلَّ في الآية الأخرى الجزية … » الحديثَ، وأخرجه الطَّبرانيُّ وابن مردويه مطوَّلًا، وقال في «العمدة»: ولم يعيِّن الكِرمانيُّ المقدَّر، والظَّاهر أنَّ المقدَّر هكذا: عن ابن شهابٍ حدَّثني وأخبرني (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزَّهريُّ المدنيُّ (٥)،

стр. 8467

قال: وتظهر الفائدة فيه على قول من يقول بالفرق بين حدّثنا وأخبرنا، كذا قال، فليُتَأمَّل (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فِي تِلْكَ الحَجَّةِ) زاد في «الحجِّ» من طريق يحيى ابن بكيرٍ [خ¦١٦٢٢]: «التي أمَّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجَّة الوداع» (فِي مُؤَذِّنِينَ) جمع مؤذِّنٍ، من الإيذان؛ وهو الإعلام (بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ) سنة تسعٍ من الهجرة (يُؤَذِّنُونَ) أي: يعلمون النَّاس (بِمِنًى: أَلَّا يَحُجَّ) بفتح الهمزة وتشديد اللَّام، ونصب «يحجَّ» بـ «أن»، و «لا»: نافيةٌ (بَعْدَ العَامِ) المذكور (مُشْرِكٌ) هو منتزعٌ من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد: الحرم كلُّه (وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) بنصب «يطوفَ» عطفًا على «يحجَّ» واحتجَّ به الأئمَّة الثَّلاثة على وجوب ستر العورة في الطَّواف، خلافًا لأبي حنيفة، حيث جوّز طواف العُرْيان، ولأبي ذرٍّ: «لا يحجُّ» بالرَّفع، و «لا»: نافيةٌ مخفَّفةٌ، و «يطوفُ»: رفع عطفًا (١) على «يحجُّ». (قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالسَّند السَّابق: (ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أبا بكر (بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالكٍ -وقال الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ-: أنَّه ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكرٍ، فلمَّا بلغ ذا الحُليفة قال: «لا يبلِّغها إلَّا أنا أو (٢) رجلٌ من أهل بيتي، فبعث بها مع عليٍّ ﵁» (وَأَمَرَهُ) ولأبي ذرٍّ (٣): «فأمره» (أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ) أي: ببعضها، وقد نبَّه في «الفتح» على أنَّ هذا القدر (٤) من الحديث مرسلٌ؛ لأنَّ حميدًا لم يدرك ذلك، ولا صرَّح بسماعه له من أبي هريرة. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ بالإسناد المذكور، قال في «الفتح»: وكأنَّ حميدًا حمل قصَّة توجُّه عليٍّ من المدينة إلى أن لحق أبا بكرٍ عن غير أبي هريرة، وحمل بقيَّة القصَّة كلِّها عن أبي هريرة (فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) ﵁ (يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قال أبو بكرٍ» بدل «قال (٥) أبو هريرة» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ فاحشٌ مخالفٌ لرواية الجميع، وإنَّما هو كلام أبي هريرة

стр. 8468

قطعًا، فهو الذي كان يؤذِّن بذلك (وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) وزاد أحمد من رواية مُحرَّر (١) بن أبي هريرة عن أبيه: «ولا يدخل الجنَّة إلَّا مؤمنٌ» إن قلت: فما فائدة قوله: «ولا يدخل الجنَّة إلا مؤمنٌ»؟ أُجيب (٢) الإعلام بأنَّ المشرك بعدها لا يُقبَل منه بعد هذا غير الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقد سبق حديث الباب في «الصَّلاة» [خ¦٣٦٩] و «الحجِّ» [خ¦١٦٢٢]. (٣) (باب قَوْله) : (﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾) يوم عرفة، كذا رُوِي عن عليٍّ وعمر فيما رواه ابن جريرٍ، وعن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ، ورُوِي مرسلًا عن مخرمة: أنَّ رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» وقيل: إنَّه يوم النحر، وإليه ذهب حميد بن عبد الرَّحمن، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا في «باب: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤]» [خ¦٤٦٥٧] ورُوِي عن ابن عمر: وقف (٣) رسول الله ﷺ يوم النَّحر عند الجمرات في حجَّة الوداع فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» وبه قال كثيرون؛ لأنَّ أعمال المناسك تتمُّ فيه، والجمهور: أنَّ الحجَّ الأصغر العمرة، وقيل: الأصغر: يوم عرفة، والأكبر: يوم النَّحر، وقيل: حجَّة الوداع هي الأكبر؛ لِمَا وقع فيها من إعزاز الإسلام وإذلال الكفر (﴿أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾) رفعٌ مبتدأٌ، والخبر محذوفٌ، أي: ورسولُه بريءٌ منهم، أو معطوفٌ على الضَّمير المستكنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾ وجاز ذلك للفصل المسوِّغ للعطف، فرفعه على هذا بالفاعليَّة (﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) أي: فالتَّوب (٤) عن الشِّرك أو المتاب عن المعصية خيرٌ من البقاء عليها، و «أفعل» التَّفضيل لمطلقِ الخيريَّة

стр. 8469

(﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) أعرضتم (﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ﴾) بل هو قادرٌ عليكم وأنتم (١) تحت قهره (﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣]) في الدُّنيا بالخزي والنَّكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال، والبشارة تهكُّمٌ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾: «إلى ﴿الْمُتَّقِينَ﴾» [التوبة: ٤] وساق في نسخةٍ الآية كلَّها إلى آخر ﴿الْمُتَّقِينَ﴾. (آذَنَهُمْ) بمدّ الهمزة، أي: (أَعْلَمَهُمْ) وسقط ذلك لأبي ذرٍّ. ٤٦٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين المهملة، ابن خالدٍ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، «حميدٌ» بالحاء المهملة، وفي «آل ملكٍ» (٢): «عبيد» وهي في «اليونينيَّة» مصلَّحةٌ (٣): «حميد» بالحاء المهملة (٤): (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ) التي كان أبو بكرٍ فيها أميرًا على الحاجِّ (فِي المُؤَذِّنِينَ) الذين (بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ) سمَّى الحافظ ابن حجرٍ ممَّن كان مع الصِّدِّيق في تلك الحجَّة: سعد بن أبي وقاصٍ وجابرًا، فيما أخرجه الطَّبريُّ (يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَلَّا يَحُجَّ) بتشديد اللَّام (بَعْدَ العَامِ) الذي وقع فيه الإعلام (مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) بنصب «يطوفَ»، وإنَّما كانت مباشرة أبي هريرة لذلك بأمر الصِّدِّيق، وإن كان الأمر في ذلك مصروفًا إلى عليٍّ (٥)؛ لأنَّ الصِّدِّيق كان هو الأمير

стр. 8470

على النَّاس في تلك الحجَّة، وكأنَّ عليًّا (١) لم يُطِق التَّأذين وحده، فاحتاج لمعينٍ على ذلك، فكان (٢) أبو هريرة ينادي بما يُلْقِيه إليه عليٌّ ممَّا أُمِر بتبليغه، ويدلُّ لذلك حديث محرر بن أبي هريرة عن أبيه (٣) قال: «كنت مع عليٍّ حين بعثه النَّبيُّ ﷺ ببراءة إلى أهل مكَّة، فكنت أنادي معه بذلك حتَّى يصحل (٤) صوتي، وكان ينادي قبلي حتَّى يعيا». (قَالَ حُمَيْدٌ) هو ابن عبد الرَّحمن المذكور بالسَّند المذكور: (ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) الصِّدِّيقَ (بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وسقط «ابن أبي طالبٍ» لأبي ذرٍّ، وفي نسخةٍ: «ثمَّ أردف النَّبيُّ ﷺ عليَّ بن أبي طالبٍ» بإسقاط حرف الجرٍّ (فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ) أي: ببضعٍ وثلاثين آيةً منها، منتهاها عند قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ففيه تجوُّزٌ. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالإسناد السَّابق: (فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ) من أوَّلها إلى ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] (وَ) ببعض ما اشتملت عليه (أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ) وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وبهذا يندفع استشكال أنَّ عليًّا كان مأمورًا بأن يؤذِّن ببراءة، فكيف أذَّن بألَّا يحجَّ بعد العام مشركٌ؟ كما قاله الكِرمانيُّ (وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) و «براءة» مجرورٌ، وعلامة الجرِّ فتحةٌ، وهو الثَّابت في الرِّوايات، ويجوز رفعه منوَّنًا على الحكاية. (٤) (﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤]) استثناءٌ من المشركين، والتَّقدير: براءةٌ من الله إلى المشركين إلَّا مِنَ (٥) الذين لم ينقضوا، وسقط هذا لأبي ذرٍّ.

стр. 8471

٤٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ أبو (١) يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعدِ بن إبراهيم (٢) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ) أي: بعث أبا هريرة (فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم، أي: جعله (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا) أميرًا (قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي رَهْطٍ) وهو ما دون (٣) العشرة من الرِّجال (يُؤَذِّنُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يؤذِّنون» (فِي النَّاسِ) بمنًى: (أَلَّا يَحُجَّنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ) بالنَّصب (بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ؛ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهذه الزِّيادة أدرجها شعيبٌ عن أبي هريرة كما في «الجزية» [خ¦٣١٧٧] ولفظه عن أبي هريرة: «بعثني أبو بكرٍ فيمن يؤذِّن يوم النَّحر بمنًى: لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ، ويوم الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، وإنَّما قيل: الأكبر؛ من أجل قول النَّاس: الحجُّ الأصغر، فنبذ أبو بكرٍ إلى النَّاس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجَّة الوداع التي حجَّ فيها النَّبيُّ ﷺ مشركٌ» وقول (٤) حميدٍ (٥) هذا استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكرٍ يوم النَّحر، فدلَّ على أنَّ المراد بـ ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ يوم النَّحر، وسياق رواية شعيبٍ يُوهِم أنَّ ذلك ممَّا نادى به أبو هريرة، وليس كذلك؛ فقد تظافرت الرِّوايات عن أبي هريرة بأنَّ الذي كان ينادي به أبو هريرة

стр. 8472

هو ومن معه من قِبَل أبي بكرٍ شيئان: منع حجِّ المشركين، ومنع طواف العُرْيان، وأنَّ عليًّا أيضًا كان ينادي بهما، وكان يزيد: من كان له عهدٌ؛ فعهده إلى مدَّته، وألَّا يدخل الجنَّة إلَّا مسلمٌ، وكأنَّ هذه الأخيرة كالتَّوطئة لأن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، وأمَّا التي قبلها؛ فهي التي اختُصَّ عليٌّ بتبليغها، قاله في «الفتح». (٥) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله : (﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾) أي: فقاتلوا المشركين الذين نقضوا العهد وطعنوا في دينكم بصريح التَّكذيب وتقبيح أحكام الله، فوضع ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ موضع المضمر -إذ التَّقدير: فقاتلوهم- للإشارة إلى أنَّهم بذلك صاروا رؤساء الكفرة وقادتهم، أو المراد: رؤساؤهم، وخُصُّوا بذلك لأنَّ قتلهم أهمُّ (﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]) بفتح الهمزة، جمع يمينٍ، وهو مناسبٌ (٢) للنَّكث، ومعنى نفيها عنهم أنَّهم لا يوفون بها وإن صدرت منهم، واستشهد به الحنفيَّة على أنَّ يمين الكافر لا تكون شرعيَّةً، وعند (٣) الشَّافعيَّة يمينٌ شرعيَّةٌ؛ بدليل وصفها بالنَّكث، وقرأ ابن عامرٍ بكسرها، مصدر «آمَنَ يُؤمِن إيمانًا» أي: لا تصديق لهم، أو لا أمان لهم، وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٦٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الجهنيُّ أبو سليمان الكوفيُّ المخضرم (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ) كذا

стр. 8473

وقع مبهمًا عند البخاريِّ، ووافقه النَّسائيُّ وابن مردويه؛ كلاهما على الإبهام وإيراد ذلك هنا، وهو يومئ إلى أنَّ المراد: الآية المسوقة هنا. وروى الطَّبريُّ (١) من طريق حبيب بن حسانٍ (٢)، عن زيد بن وهبٍ (٣) قال: «كنَّا عند حذيفة فقرأ هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] قال: ما قوتل أهل هذه الآية بَعْدُ» لكن وقع عند الإسماعيليِّ من رواية ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالدٍ بلفظ: «ما بقي من المنافقين من أهل هذه الآية: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الاية [الممتحنة: ١] إلَّا أربعة نفرٍ، إنَّ أحدهم لشيخٌ كبيرٌ» قال الإسماعيليُّ: إن كانت الآية ما ذكر في خبر ابن عيينة؛ فحقُّ هذا الحديث أن يُخرَّج في سورة الممتحنة، والمراد بكونهم لم يُقاتَلوا: أنَّ قتالهم لم يقع لعدم وقوع الشَّرط؛ لأنَّ لفظ الآية: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ﴾ [التوبة: ١٢] فلمَّا لم يقع منهم نكثٌ ولا طعنٌ، لم يُقاتَلوا، وقوله: «إلا ثلاثةٌ» سُمِّي منهم في رواية أبي بشر عن مجاهدٍ: أبو سفيان بن حربٍ، وفي رواية معمرٍ عن قتادة: أبو جهل بن هشامٍ وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان وسُهَيل بن عمرٍو، وتُعقِّب بأنَّ أبا جهلٍ وعتبة (٤) قُتِلا ببدرٍ، وإنَّما ينطبق التَّفسير على من نزلت الآية المذكورة وهو حيٌّ، فيصحُّ في أبي سفيان وسُهيل بن عمرٍو، وقد أسلما، قاله في «الفتح». وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ أي: ثلاثةٌ آمنوا ثمَّ ارتدُّوا وطعنوا في الإسلام من ذوي الرِّئاسة والتَّقدم فيه، أي: في الكفر (٥) (وَلَا مِنَ المُنَافِقِينَ) الذين يظهرون الإسلام ويبطنون (٦) الكفر (إِلَّا أَرْبَعَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تسميتهم. انتهى. وقد كان حذيفة صاحب سرِّ رسول الله ﷺ في شأن المنافقين يعرفهم دون غيره (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لم يُعرَف اسمه: (إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) بنصب «أصحابَ» بدلًا من الضَّمير في «إنَّكم»، أو منادًى مضافًا حُذِفَت منه الأداة (تُخْبِرُونَا) بسكون الخاء، وبفتحها مع تشديد الموحَّدة، وفي نسخةٍ:

стр. 8474

«تخبروننا» بنونين على الأصل؛ لأنَّ النُّون لا تُحذَف إلَّا لناصبٍ أو جازمٍ، والأُولى لغةٌ فصيحةٌ لبعض العرب، وزاد الإسماعيليٌّ: «عن أشياء» (فَلَا نَدْرِي، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ) بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ ساكنةٍ فقافٍ مضمومةٍ، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: «يُبَقِّرون» بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الموحَّدة وتشديد القاف مكسورةً، أي: يفتحون أو ينقبون (بيُوتَنَا) وفي نسخةٍ: «ينْقُرون» بالنُّون السَّاكنة (١) بدل الموحَّدة وضمِّ القاف (وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا؟!) بالعين المهملة والقاف، أي: نفائس أموالنا، وفي بعض النُّسخ: «أغلاقنا» بالمعجمة (٢)، وكذا وُجِد مضبوطًا بخطِّ الحافظ الشَّرف الدِّمياطيِّ، لكن قال السَّفاقسيُّ: لا أعلم له وجهًا، قال في «فتح الباري»: ويمكن توجيهه بأنَّ الأغلاق جمع «غَلَق» بفتحتين؛ وهو ما يُغْلَق ويُفْتَح بالمفتاح، والغَلَق أيضًا الباب، فالمعنى: يسرقون مفاتيح الأغلاق، ويفتحون الأبواب، ويأخذون ما فيها، أو (٣) المعنى: يسرقون الأبواب، وتكون السَّرقة كنايةٌ عن قلعها وأخذها؛ ليتمكنوا من الدُّخول فيها (قَالَ) حذيفة: (أُولَئِكَ) أي: الذين يبقرون (٤) ويسرقون (الفُسَّاقُ) أي: لا الكفَّار ولا المنافقون (أَجَلْ) أي: نعم (لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ) لم يُعَرف اسمه (لَوْ شَرِبَ المَاءَ البَارِدَ؛ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ) لذهاب شهوته وفساد معدته؛ بسبب عقوبة الله له في الدُّنيا، فلا يفرِّق بين الأشياء. (٦) (باب قَوْله) : (﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) ﴿وَالَّذِينَ﴾: بالواو استئنافيةٌ، مبتدأٌ ضُمِّن معنى الشَّرط ودخلت الفاء في خبره (٥)، وهو (٦) قوله: (﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]) لذلك، ووحَّد الضَّمير والسَّابقُ شيئان الذهب والفضة؛ لأنَّه يعود على المكنوزات، وهي أعمُّ من النَّقدين، أو عَوْدًا إلى الفضَّة؛ لأنَّها أقرب

стр. 8475

مذكورٍ، واكتفى ببيان حال صاحبها عن بيان حال صاحب الذَّهب، أو لأنَّ الفضَّة أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذَّهب، وتخصيصهما بالذِّكر مع أنَّ غيرهما إن لم تُؤدَّ زكاته؛ كأموال التِّجارة؛ يعذَّب صاحبه؛ لكونهما (١) ثمنًا له (٢) في الغالب، وأصل الكنز: الجمع (٣) وكلُّ شيءٍ جُمِع بعضه إلى بعضٍ فهو مكنوزٌ، وأكثر علماء الصَّحابة على أنَّ الكنز المذموم هو المال الذي لا تؤدَّى زكاته، ورُوِي عن عمر بن الخطَّاب ﵁: أيُّما «مالٍ أُدِّيت زكاته؛ فليس بكنزٍ وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيُّما مالٍ لم تؤدَّ زكاته؛ فهو كنزٌ، يُكوَى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض». وقيل: المال الكثير إذا جُمِعَ، فهو الكنز (٤) المذموم وإن أُدِّيت زكاته، واستُدِلَّ له بعموم اللَّفظ، وقوله ﵊ المرويُّ في حديث عليٍّ عند عبد الرَّزَّاق، ولفظه: عن عليٍّ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الاية [التوبة: ٣٤]: قال النَّبيُّ ﷺ : «تبًّا للذَّهب، تبًّا للفضَّة (٥)» يقولها ثلاثًا، قال: فشقَّ ذلك على أصحابه وقالوا: فأيَّ مالٍ نتَّخذ؟ فقال عمر ﵁: أنا أعلم لكم ذلك فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شقَّ عليهم (٦) وقالوا: فأيَّ المال نتَّخذ؟ قال: «لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وزوجةً تعين أحدكم على دينه» ويمكن أن يُجاب بحمل ذلك على ترك الأَولى، لا أنَّه يُعذَّب الإنسان على مالٍ جمعه من حلٍّ وأخرج عنه حقَّ الله تعالى، وقد قال ﵊: «نِعْم المال الصَّالح للرَّجل الصَّالح»، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ. ٤٦٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمان الحمصيُّ (٧) قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن هرمز (الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ
следующие страницы →