← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

٤٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ أبو (١) يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعدِ بن إبراهيم (٢) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ) أي: بعث أبا هريرة (فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم، أي: جعله (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا) أميرًا (قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي رَهْطٍ) وهو ما دون (٣) العشرة من الرِّجال (يُؤَذِّنُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يؤذِّنون» (فِي النَّاسِ) بمنًى: (أَلَّا يَحُجَّنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ) بالنَّصب (بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ؛ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهذه الزِّيادة أدرجها شعيبٌ عن أبي هريرة كما في «الجزية» [خ¦٣١٧٧] ولفظه عن أبي هريرة: «بعثني أبو بكرٍ فيمن يؤذِّن يوم النَّحر بمنًى: لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ، ويوم الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، وإنَّما قيل: الأكبر؛ من أجل قول النَّاس: الحجُّ الأصغر، فنبذ أبو بكرٍ إلى النَّاس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجَّة الوداع التي حجَّ فيها النَّبيُّ ﷺ مشركٌ» وقول (٤) حميدٍ (٥) هذا استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكرٍ يوم النَّحر، فدلَّ على أنَّ المراد بـ ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ يوم النَّحر، وسياق رواية شعيبٍ يُوهِم أنَّ ذلك ممَّا نادى به أبو هريرة، وليس كذلك؛ فقد تظافرت الرِّوايات عن أبي هريرة بأنَّ الذي كان ينادي به أبو هريرة

стр. 8472

هو ومن معه من قِبَل أبي بكرٍ شيئان: منع حجِّ المشركين، ومنع طواف العُرْيان، وأنَّ عليًّا أيضًا كان ينادي بهما، وكان يزيد: من كان له عهدٌ؛ فعهده إلى مدَّته، وألَّا يدخل الجنَّة إلَّا مسلمٌ، وكأنَّ هذه الأخيرة كالتَّوطئة لأن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، وأمَّا التي قبلها؛ فهي التي اختُصَّ عليٌّ بتبليغها، قاله في «الفتح». (٥) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله : (﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾) أي: فقاتلوا المشركين الذين نقضوا العهد وطعنوا في دينكم بصريح التَّكذيب وتقبيح أحكام الله، فوضع ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ موضع المضمر -إذ التَّقدير: فقاتلوهم- للإشارة إلى أنَّهم بذلك صاروا رؤساء الكفرة وقادتهم، أو المراد: رؤساؤهم، وخُصُّوا بذلك لأنَّ قتلهم أهمُّ (﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]) بفتح الهمزة، جمع يمينٍ، وهو مناسبٌ (٢) للنَّكث، ومعنى نفيها عنهم أنَّهم لا يوفون بها وإن صدرت منهم، واستشهد به الحنفيَّة على أنَّ يمين الكافر لا تكون شرعيَّةً، وعند (٣) الشَّافعيَّة يمينٌ شرعيَّةٌ؛ بدليل وصفها بالنَّكث، وقرأ ابن عامرٍ بكسرها، مصدر «آمَنَ يُؤمِن إيمانًا» أي: لا تصديق لهم، أو لا أمان لهم، وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٦٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الجهنيُّ أبو سليمان الكوفيُّ المخضرم (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ) كذا

стр. 8473

وقع مبهمًا عند البخاريِّ، ووافقه النَّسائيُّ وابن مردويه؛ كلاهما على الإبهام وإيراد ذلك هنا، وهو يومئ إلى أنَّ المراد: الآية المسوقة هنا. وروى الطَّبريُّ (١) من طريق حبيب بن حسانٍ (٢)، عن زيد بن وهبٍ (٣) قال: «كنَّا عند حذيفة فقرأ هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] قال: ما قوتل أهل هذه الآية بَعْدُ» لكن وقع عند الإسماعيليِّ من رواية ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالدٍ بلفظ: «ما بقي من المنافقين من أهل هذه الآية: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الاية [الممتحنة: ١] إلَّا أربعة نفرٍ، إنَّ أحدهم لشيخٌ كبيرٌ» قال الإسماعيليُّ: إن كانت الآية ما ذكر في خبر ابن عيينة؛ فحقُّ هذا الحديث أن يُخرَّج في سورة الممتحنة، والمراد بكونهم لم يُقاتَلوا: أنَّ قتالهم لم يقع لعدم وقوع الشَّرط؛ لأنَّ لفظ الآية: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ﴾ [التوبة: ١٢] فلمَّا لم يقع منهم نكثٌ ولا طعنٌ، لم يُقاتَلوا، وقوله: «إلا ثلاثةٌ» سُمِّي منهم في رواية أبي بشر عن مجاهدٍ: أبو سفيان بن حربٍ، وفي رواية معمرٍ عن قتادة: أبو جهل بن هشامٍ وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان وسُهَيل بن عمرٍو، وتُعقِّب بأنَّ أبا جهلٍ وعتبة (٤) قُتِلا ببدرٍ، وإنَّما ينطبق التَّفسير على من نزلت الآية المذكورة وهو حيٌّ، فيصحُّ في أبي سفيان وسُهيل بن عمرٍو، وقد أسلما، قاله في «الفتح». وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ أي: ثلاثةٌ آمنوا ثمَّ ارتدُّوا وطعنوا في الإسلام من ذوي الرِّئاسة والتَّقدم فيه، أي: في الكفر (٥) (وَلَا مِنَ المُنَافِقِينَ) الذين يظهرون الإسلام ويبطنون (٦) الكفر (إِلَّا أَرْبَعَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تسميتهم. انتهى. وقد كان حذيفة صاحب سرِّ رسول الله ﷺ في شأن المنافقين يعرفهم دون غيره (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لم يُعرَف اسمه: (إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) بنصب «أصحابَ» بدلًا من الضَّمير في «إنَّكم»، أو منادًى مضافًا حُذِفَت منه الأداة (تُخْبِرُونَا) بسكون الخاء، وبفتحها مع تشديد الموحَّدة، وفي نسخةٍ:

стр. 8474

«تخبروننا» بنونين على الأصل؛ لأنَّ النُّون لا تُحذَف إلَّا لناصبٍ أو جازمٍ، والأُولى لغةٌ فصيحةٌ لبعض العرب، وزاد الإسماعيليٌّ: «عن أشياء» (فَلَا نَدْرِي، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ) بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ ساكنةٍ فقافٍ مضمومةٍ، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: «يُبَقِّرون» بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الموحَّدة وتشديد القاف مكسورةً، أي: يفتحون أو ينقبون (بيُوتَنَا) وفي نسخةٍ: «ينْقُرون» بالنُّون السَّاكنة (١) بدل الموحَّدة وضمِّ القاف (وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا؟!) بالعين المهملة والقاف، أي: نفائس أموالنا، وفي بعض النُّسخ: «أغلاقنا» بالمعجمة (٢)، وكذا وُجِد مضبوطًا بخطِّ الحافظ الشَّرف الدِّمياطيِّ، لكن قال السَّفاقسيُّ: لا أعلم له وجهًا، قال في «فتح الباري»: ويمكن توجيهه بأنَّ الأغلاق جمع «غَلَق» بفتحتين؛ وهو ما يُغْلَق ويُفْتَح بالمفتاح، والغَلَق أيضًا الباب، فالمعنى: يسرقون مفاتيح الأغلاق، ويفتحون الأبواب، ويأخذون ما فيها، أو (٣) المعنى: يسرقون الأبواب، وتكون السَّرقة كنايةٌ عن قلعها وأخذها؛ ليتمكنوا من الدُّخول فيها (قَالَ) حذيفة: (أُولَئِكَ) أي: الذين يبقرون (٤) ويسرقون (الفُسَّاقُ) أي: لا الكفَّار ولا المنافقون (أَجَلْ) أي: نعم (لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ) لم يُعَرف اسمه (لَوْ شَرِبَ المَاءَ البَارِدَ؛ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ) لذهاب شهوته وفساد معدته؛ بسبب عقوبة الله له في الدُّنيا، فلا يفرِّق بين الأشياء. (٦) (باب قَوْله) : (﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) ﴿وَالَّذِينَ﴾: بالواو استئنافيةٌ، مبتدأٌ ضُمِّن معنى الشَّرط ودخلت الفاء في خبره (٥)، وهو (٦) قوله: (﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]) لذلك، ووحَّد الضَّمير والسَّابقُ شيئان الذهب والفضة؛ لأنَّه يعود على المكنوزات، وهي أعمُّ من النَّقدين، أو عَوْدًا إلى الفضَّة؛ لأنَّها أقرب

стр. 8475

مذكورٍ، واكتفى ببيان حال صاحبها عن بيان حال صاحب الذَّهب، أو لأنَّ الفضَّة أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذَّهب، وتخصيصهما بالذِّكر مع أنَّ غيرهما إن لم تُؤدَّ زكاته؛ كأموال التِّجارة؛ يعذَّب صاحبه؛ لكونهما (١) ثمنًا له (٢) في الغالب، وأصل الكنز: الجمع (٣) وكلُّ شيءٍ جُمِع بعضه إلى بعضٍ فهو مكنوزٌ، وأكثر علماء الصَّحابة على أنَّ الكنز المذموم هو المال الذي لا تؤدَّى زكاته، ورُوِي عن عمر بن الخطَّاب ﵁: أيُّما «مالٍ أُدِّيت زكاته؛ فليس بكنزٍ وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيُّما مالٍ لم تؤدَّ زكاته؛ فهو كنزٌ، يُكوَى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض». وقيل: المال الكثير إذا جُمِعَ، فهو الكنز (٤) المذموم وإن أُدِّيت زكاته، واستُدِلَّ له بعموم اللَّفظ، وقوله ﵊ المرويُّ في حديث عليٍّ عند عبد الرَّزَّاق، ولفظه: عن عليٍّ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الاية [التوبة: ٣٤]: قال النَّبيُّ ﷺ : «تبًّا للذَّهب، تبًّا للفضَّة (٥)» يقولها ثلاثًا، قال: فشقَّ ذلك على أصحابه وقالوا: فأيَّ مالٍ نتَّخذ؟ فقال عمر ﵁: أنا أعلم لكم ذلك فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شقَّ عليهم (٦) وقالوا: فأيَّ المال نتَّخذ؟ قال: «لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وزوجةً تعين أحدكم على دينه» ويمكن أن يُجاب بحمل ذلك على ترك الأَولى، لا أنَّه يُعذَّب الإنسان على مالٍ جمعه من حلٍّ وأخرج عنه حقَّ الله تعالى، وقد قال ﵊: «نِعْم المال الصَّالح للرَّجل الصَّالح»، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ. ٤٦٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمان الحمصيُّ (٧) قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن هرمز (الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ

стр. 8476

قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ (١): أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَكُونُ كَنْزُ (٢) أَحَدِكُمْ) بالكاف كذا في الفرع كأصله وغيرهما، وفي نسخةٍ: «كنز أحدهم» (٣) (يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ) أي: حيَّةً تمعَّطَ جلدُ رأسها؛ لكثرة السُّم وطول العمر، وزاد أبو نُعيمٍ في «مستخرجه»: «يفرُّ منه صاحبه ويطلبه أنا كنزك، فلا يزال به حتَّى يلقمه أصبعه». وقد سبق الحديث في «الزَّكاة» بتمامه من وجه آخر [خ¦١٤٠٣] وأورده هنا مختصرًا. ٤٦٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيِّ الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (٤)، أنَّه (قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة على الأصحِّ (بِالرَّبَذَةِ) بالرَّاء والموحَّدة والمعجمة المفتوحات: موضعٌ قريبٌ من المدينة (فَقُلْتُ) له: (مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأَرْضِ؟ قَالَ: كُنَّا بِالشَّأْمِ، فَقَرَأْتُ) قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان حين كان أميرًا على الشَّام: (مَا هَذِهِ) الآية (فِينَا) نزلت (مَا هَذِهِ إِلَّا فِي أَهْلِ الكِتَابِ) نظرًا إلى سياق الآية؛ لأنَّها نزلت في الأحبار والرُّهبان الذين لا يؤتون الزَّكاة (قَالَ) أبو ذرٍّ: (قُلْتُ) لمعاوية: (إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ) نزلت نظرًا إلى عموم الآية، وزاد في «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٦]: «فكان بيني وبينه في ذلك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أنِ اقدم المدينة،

стр. 8477

فقدمتها فكثر عليَّ النَّاسُ حتَّى كأنَّهم لم يروني قبل ذلك (١)، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت؛ تنحيَّتَ فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل». (٧) (باب قَوْله : ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾) أي: المكنوزات أو الدَّراهم (﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾) يجوز كون ﴿يُحْمَى﴾ من حميته أو أحميته، ثلاثيًّا أو رباعيًّا؛ يقال: حميت الحديدة وأحميتها، أي: أوقدت عليها لتُحمَى، والفاعل المحذوف هو النَّار، تقديره: يوم تُحمَى النَّار عليها، فلما حُذِف (٢) الفاعل؛ ذهبت علامة التَّأنيث لذهابه، كقولك: رُفِعت القصَّة إلى الأمير، ثمَّ تقول: رُفعِ إلى الأمير (﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾) تخصيصُ هذه الأعضاء؛ لأنَّ جمع المال والبخل به كان لطلب الوجاهة، فوقع العذاب بنقيض المطلوب، والظَّهرُ لأنَّ البخيل يولِّي ظهره عن السَّائل، أو لأنَّها أشرف الأعضاء؛ لاشتمالها على الدِّماغ والقلب والكبد (﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ﴾) معمولٌ لقولٍ محذوفٍ، أي: يقال لهم: هذا ما كنزتم لمنفعة أنفسكم، فصار مضرَّةً لها وسبب تعذيبها (﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]) أي: جزاء الذي كنتم تكنزونه؛ لأنَّ المكنوز لا يُذَاق، وثبت (٣) «باب قوله » لأبي (٤) ذرٍّ، وسقط له «﴿جِبَاهُهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾: «الآيةَ» (٥). ٤٦٦١ - وبه قال: (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح المعجمة وكسر الموحَّدة الأولى، فيما وصله أبو داود في «النَّاسخ والمنسوخ»، ووقع في رواية الكُشْميهَنيِّ في: «باب ما أُدِّي زكاته

стр. 8478

فليس بكنز» [خ¦١٤٠٤]: «حدَّثنا أحمد بن شبيبٍ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) شبيب بن سعيدٍ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ) أخي زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطَّاب، أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄، زاد في «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٤] «فقال أعرابيٌّ: أخبرني (١) قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]» (فَقَالَ: هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ) إذ كانت الصَّدقة فرضًا بما فَضل عن الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قاله ابن بطَّال (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ) آية الزَّكاة (جَعَلَهَا اللهُ) أي: الزَّكاة (طُهْرًا (٢) لِلأَمْوَالِ) ولمُخْرِجها عن رذائل الأخلاق. (٨) (باب قَوله) جلَّ وعلا: (﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ﴾) العدَّة (٣): مصدرٌ بمعنى: العدد، و ﴿عِندَ اللّهِ﴾ نُصِب به، أي: إنَّ (٤) مبلغ عددها عنده تعالى (﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾) نصب على التَّمييز، و ﴿اثْنَا عَشَرَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ (﴿فِي كِتَابِ اللّهِ﴾) في اللَّوح المحفوظ؛ لأنَّه أصل الكتب، أو القرآن، أو فيما حكم به، وهو صفة لـ ﴿اثْنَا عَشَرَ﴾ (﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ﴾) متعلِّق بـ ﴿كِتَابِ﴾ (٥) على جعله مصدرًا (﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]) وإنَّما قيل لهذا المقدار من الزَّمان شهرٌ؛ لأنَّه يُشهَر (٦) بالقمر، ومنه ابتداؤه وانتهاؤه، والقمر هو الشَّهر، قال: فَأَصْبَحَ أَجْلَى الطَّرف ما يَسْتزيدُه … يرى الشَّهر قبل النَّاسِ وهو كَحِيل (﴿الْقَيِّمُ﴾) قال أبو عبيدة في «مجازه (٧)»: (هُوَ (٨) القَائِمُ) أي: المستقيم، وزاد أبو ذرٍّ

стр. 8479

«﴿ذَلِكَ الدِّينُ﴾» أي: تحريم الأشهر الحرم هو الدِّين المستقيم دين إبراهيم، وتخصيص بعض الزَّمان بالحرمة كليلة القدر والجمعة والعيد بالفضل دون بعضٍ؛ أنَّ النُّفوس مجبولةٌ على الشَّرِّ، يشقُّ عليها الامتناع عن الشَّرِّ بالكليَّة، فمُنِعَت عنه في بعض الأوقات لحرمته، وقد كانوا يعظِّمون هذه الأشهر حتَّى لو لقي الرَّجل قاتل أبيه لم يقتله، فأكَّد الله تعالى ذلك بأن منع الظُّلم فيها بقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] أي: لا تُحلِّوا حرامها (١)؛ ولذا قيل: لا يحلُّ القتال فيها ولا في الحرم، والجمهور على أنَّ حرمة المقاتلة فيها منسوخةٌ، ويؤيِّده: ما رُوِي أنَّه ﷺ حاصر الطَّائف في شهرٍ حرامٍ؛ وهو ذو القعدة، كما ثبت في «الصَّحيحين» (٢): أنَّه حاصرها أربعين يومًا، وسقط «باب (٣) قوله» لغير أبي ذرٍّ. ٤٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بتشديد الميم، ابن درهم الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث، ولأبي ذرٍّ: «عن أبيه» بدل: «عن أبي بكرة»، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) في خطبته في حجَّة الوداع بمنًى (٤) في أوسط أيام التَّشريق: أيُّها النَّاس: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ) استدارةً (كَهَيْئَتِهِ) أي: مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة، وبطل النَّسيءُ؛ وهو تأخير حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، وذلك أنَّهم كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محاربون؛ أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، ورفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مجرد

стр. 8480

العدد (١)، وقيل: كانوا يستحلُّون القتال في المحرَّم لطول مدة التَّحريم بتوالي ثلاثة أشهرٍ محرَّمةٍ، ثمَّ يحرِّمون صفر مكانه، فكأنَّهم يقترضونه ثمَّ يوفونه، وقيل: كانوا يُحلِّون المحرَّم مع صفر من عامٍ (٢) ويسمونهما صَفَرَين، ثمَّ يحرِّمونها من عامٍ قابلٍ ويسمُّونها مُحرَّمَين، وقيل: بل كانوا ربَّما احتاجوا إلى صفر أيضًا فأحلُّوه وجعلوا مكانه ربيعًا، ثمَّ يدور كذلك التَّحريم والتَّحليل بالتَّأخير على السَّنة كلِّها، إلى أن جاء الإسلام فوافق حجَّةَ الوداع رجوعُ التَّحريم إلى المحرَّم الحقيقيِّ، وصار الحجُّ مختصًّا بوقتٍ معينٍ، واستقام حساب السَّنة، ورجع إلى الأصل (٣) الموضوع يوم خلق السَّموات والأرض (السَّنَةُ) العربيَّة الهلاليَّة: (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) على ما توارثوه من إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وذلك بعدد البروج التي تدور الشَّمس فيها السَّنة الشَّمسيَّة، فإذا دار القمر فيها كلِّها؛ كملت دورته السَّنوية، وإنَّما جعل الله تعالى الاعتبار بدور القمر؛ لأنَّ ظهوره في السَّماء لا يُحتاج إلى حسابٍ ولا (٤) كتابٍ، بل هو أمرٌ ظاهرٌ مشاهدٌ (٥) بالبصر، بخلاف سير الشَّمس، فإنَّه تَحتَاج معرفته إلى حسابٍ، فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال ﵊: «إنَّا أمَّةٌ أميَّةٌ، لا نكتب ولا نحسب، الشَّهر هكذا وهكذا … » الحديث [خ¦١٩١٣]. واعلم أنَّ «السَّنة» و «الحول» و «العام» مترادفةٌ، فمعناها واحدٌ، كما هو ظاهر كلام كثيرٍ من اللُّغويِّين، وهي مشتملةٌ على ثلاث مئةٍ وأربعةٍ وخمسين يومًا وخمس (٦) وسدس يومٍ، كذا ذكره صاحب «المهذَّب» من الشَّافعية في «الطَّلاق»، قالوا: لأنَّ شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسعٌ وعشرون، إلَّا ذا الحجَّة فإنَّه تسعٌ وعشرون وخُمُسُ يومٍ وسدس يومٍ، واستشكله بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخمس والسُّدس، وصحَّح بعضهم أنَّ السَّنة الهلاليَّة ثلاث مئةٍ وخمسةٌ وخمسون يومًا، وبه جزم ابن دحية في كتاب «التَّنوير»، وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر التي

стр. 8481

ذكرها الله تعالى في كتابه، وفرَّق بعضهم بين السَّنة والعام، فيكونان متباينين، فقال: إنَّ العام من أوَّل المحرم إلى آخر ذي الحجَّة، والسَّنة من كلِّ يومٍ إلى مثله من القابل (١)، نقله ابن الخبَّاز (٢) في «شرح اللُّمع» له، وسُمِّي العام عامًا؛ لأنَّ الشَّمس عامت فيه حتى قطعت جملة الفلك؛ لأنَّها تقطع الفلك كلَّه في السَّنة مرَّةً، وتقطع في كلِّ شهرٍ برجًا من البروج الاثني عشر (٣)، وإنَّما علَّق الله تعالى على الشَّمس أحكام (٤) الصَّلاة والصِّيام حيث كان ذلك مشاهدًا بالبصر، لا يحتاج إلى حسابٍ ولا كتابٍ، فالصَّلاة تتعلَّق بطلوع الفجر، وطلوع الشَّمس وزوالها، ومصير ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله (٥) بعد الذي زالت عليه الشَّمس، وبغروب الشَّمس، والسَّنة القمريَّة أقلُّ من الشَّمسية بمقدارٍ معلومٍ، وبسبب ذلك النُّقصان تنتقل الشُّهور القمريَّة من فصلٍ إلى آخر، فيقع (٦) الحجُّ في الشِّتاء تارةً، وفي الصَّيف أخرى، وذكر الطَّبريُّ: أنَّهم كانوا يجعلون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، ومن وجهٍ آخر يجعلونها اثني عشر شهرًا وخمسةً وعشرين يومًا، فتدور الأيَّام والشُّهور كذلك، وقول: إنَّ حجَّة الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه سنة تسعٍ كانت في ذي القعدة. فيه نظرٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ الاية [التوبة: ٢] وإنَّما نُودِي

стр. 8482

بذلك في حجَّة أبي بكرٍ، فلو لم تكن في ذي الحجَّة لَمَا قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾. (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لِعِظَم حرمتها وعِظَم (١) الذَّنب فيها، أو لتحريم القتال فيها (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ) أي: متتابعاتٌ، وهو تفسيرٌ للأربعة الحرم، قال ابن التِّين -فيما نقله في «الفتح» -: الصَّواب: ثلاثةٌ متواليةٌ؛ يعني: لأنَّ المميَّز الشَّهر، قال: ولعلَّه أعاد على المعنى، أي: ثلاث مددٍ متوالياتٍ، لكن إذا لم يُذكَر التَّمييز (٢) جاز التَّذكير والتَّأنيث، ولأبي ذرٍّ: «ثلاثةٌ متوالياتٌ» (ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ) بفتح القاف والحاء (وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ) وهي القبيلة المشهورة، وأضافه إليها (٣) لأنَّهم كانوا متمسِّكين بتعظيمه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) الآخرة (وَشَعْبَانَ) وهذا تأكيدٌ وتصحيح لقول مُضَر، نافيًا به قول ربيعة: إنَّ رجبًا المحرَّم هو الشَّهر الذي بين شعبان وشوَّال؛ وهو رمضان اليوم، وإنَّما كانت الأشهر الأربعة ثلاثةٌ سردٌ وواحدٌ فردٌ؛ لأجل أداء مناسك الحجِّ والعمرة، فحُرِّم قبل شهر الحجِّ شهرٌ؛ ليُسَار فيه إلى الحجِّ، وهو ذو القعدة؛ لأنَّهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجَّة؛ لأنَّهم يوقعون (٤) فيه الحجَّ، ويشتغلون بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهرٌ آخر وهو المحرَّم؛ ليرجعوا (٥) فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثمَّ يعود إلى وطنه آمنًا، وقد تمسَّك من قال: بأنَّها من سنتين بقوله: ثلاثٌ متوالياتٌ، من حيث كونها ثلاثًا متوالياتٍ؛ (٦) ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم، وواحدٌ فردٌ وهو رجب، وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعًا: «أوَّلهنَّ رجب»، لكن في إسناده ضَعْفٌ، وعن أهل المدينة: أنَّها من سنتين، وأوَّلها ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة ثمَّ المحرَّم، ثمَّ رجب آخرها، وعن بعض أهل المدينة أيضًا: إنَّ أوَّلها رجب ثمَّ ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة ثمَّ المحرَّم، وعن أهل الكوفة: إنَّها من سنةٍ واحدةٍ، أوَّلها المحرَّم ثمَّ رجب ثمَّ ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة،

стр. 8483

واختُلِفَ أيُّها أفضل؟ فقال بعض الشَّافعية: رجب، وضعَّفه النَّوويُّ وغيره، وقيل: المحرَّم، قاله الحسن، ورجَّحه النَّوويُّ، وقيل: ذو الحجَّة، ورُوِي عن سعيد بن جبيرٍ وغيره، قال بعضهم: إذا رأيت العرب السَّادات قد تركوا العادات وحرَّموا الغارات؛ قالوا: محرَّم، وإذا ضعفت أبدانهم واصفرَّت ألوانهم؛ قالوا: صفر، وإذا زهت البساتين وظهرت الرَّياحين؛ قالوا: ربيعان، وإذا قلَّت الثمار وجمد الماء؛ قالوا: جماديان، وإذا هاجت الرِّياح وجرت الأنهار وترجَّبت الأشجار؛ قالوا: رجب، وإذا بانت الفصائل وتشعَّبت القبائل؛ قالوا: شعبان، وإذا حمي الفضا وطغى جمر الغضى؛ قالوا: رمضان، وإذا قلَّ السَّحاب وكثر الذُّباب وشالت الأذناب؛ قالوا: شوَّال، وإذا قعد التُّجار عن الأسفار؛ قالوا: ذو القعدة، وإذا قصدوا الحجَّ من كلِّ فجِّ وأظهروا العجَّ والثَّجَّ؛ قالوا: ذو الحجَّة (١). وهذا الحديث ذكره في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧]. (٩) (باب قوله) تعالى -وسقط من «اليونينيَّة» لغير أبي ذرٍّ (٢) - ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾) نصبٌ على الحال من مفعول «أخرجه»، وهو مثل: خامس خمسةٍ؛ أي: أحد اثنين (﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾) أي: حصلا فيه، والغار: ثقبٌ في الجبل، يُجمَع على غِيْران (﴿إِذْ يَقُولُ﴾) ﷺ (﴿لِصَاحِبِهِ﴾) وهو أبو بكر الصِّدِّيق، فيه دليلٌ على أنَّ من أنكر كون أبي بكرٍ من الصَّحابة؛ كفر لتكذيبه القرآن، فإن قلت: لا دلالة في اللَّفظ على خصوصه؛ أُجيب بأنَّ الإجماع على أنَّه لم يكن غيره: (﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أي: (٣) نَاصِرُنَا) وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ (٤) لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾» وقال: «﴿مَعَنَا﴾: ناصرنا».

стр. 8484

(السَّكِينَةُ: فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠] أي: على الصِّدِّيق، أي: ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها، وعَلِم أنَّهم لا يصلون إليه، وقيل: الضَّمير عائدٌ على (١) النَّبيِّ ﷺ ، قال بعضهم: وهذا أقوى، والسَّكينة: هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحياطة (٢) والخصائص التي لا تصلح إلَّا لهم، كقوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. ٤٦٦٣ - وبه قال (٣): (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبَّانُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، ابن هلالٍ الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) هو ابن أسلم البُنانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَارِ) بثور (٤) أطحل (٥)، خلف مكَّة من طريق اليمن (فَرَأَيْتُ آثَارَ المُشْرِكِينَ) لمَّا طلعوا فوق الغار، وفي روايةٍ: «فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بأقدام القوم» [خ¦٣٩٢٢] (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ) بالإفراد (٦) (رَآنَا، قَالَ) ﵊: يا أبا بكرٍ (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ) يريد نفسه الشَّريفة وأبا بكرٍ (اللهُ ثَالِثُهُمَا) بالنَّصر والمعونة.

стр. 8485

٤٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرحمن (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ) أي: بين ابن عبَّاسٍ (وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله بسبب البيعة (١)، وذلك أنَّ ابن الزُّبير امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية لمَّا مات أبوه، وأصرَّ على ذلك حتَّى مات يزيد، ثمَّ دعا ابن الزُّبير إلى نفسه بالخلافة فبُويِعَ بها، وأطاعه أهل الحجاز ومصر والعراق وخراسان وكثيرٌ من أهل الشَّام، ثمَّ غلب مروان على الشَّام، وقُتِل الضَّحَّاكُ بن قيسٍ الأميرُ من قِبَل ابن الزُّبير، ثمَّ تُوفِّي مروان سنة خمسٍ وستِّين، وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغلب المختارُ بن أبي عبيدٍ على الكوفة، ففرَّ منه من كان من قِبَل ابن الزُّبير، وكان محمَّد ابن الحنفيَّة وعبد الله بن عبَّاسٍ مقيمين بمكَّة مدَّة قتل الحسين، فدعاهما ابن الزُّبير إلى البيعة له، فامتنعا وقالا: لا نُبايِعُ حتَّى يجتمع النَّاس على خليفةٍ، وتبعهما على ذلك جماعةٌ، فشدَّد ابن الزُّبير عليهم وحصرهم، فبلغ ذلك المختار، فجهَّز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزُّبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطَّائف، قال ابن أبي مليكة: (قُلْتُ) أي: لابن عبَّاسٍ كالمنكر عليه امتناعه من مبايعة ابن الزُّبير، معدِّدًا شرفه واستحقاقه للخلافة: (أَبُوهُ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة (وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين (وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ) صاحب النَّبيِّ ﷺ في الغار (وَجَدَّتُهُ) أمُّ أبيه الزُّبيرِ (صَفِيَّةُ) بنت عبد المطَّلب عمَّة النَّبيِّ ﷺ ، قال عبد الله بن محمَّد المسنَديُّ شيخ المؤلِّف: (فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (إِسْنَادُهُ) أي: هذا الحديث ما هو إسناده؟ ويجوز النَّصب على تقدير: اذكر إسنادَه، أي: هل العنعنة بواسطةٍ أو بدونها (٢) (فَقَالَ) أي: سفيان: (حَدَّثَنَا، فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ)

стр. 8486

بكلامٍ أو نحوه (وَلَمْ يَقُلِ: ابْنُ جُرَيْجٍ) بالرَّفع، أي: لم يقل: حدَّثنا ابن جريجٍ، فاحتُمِل أن يكون أراد أن يُدخِل بينهما واسطةً، واحتُمِل ألَّا يُدخِلها (١)، ولذلك استظهر البخاريُّ فأخرج الحديث من وجهٍ آخر عن ابن جريجٍ، ثمَّ من وجهٍ آخر عن شيخه. ٤٦٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو المسنَديُّ السَّابق [خ¦٤٦٦٤] (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بفتح الميم، البغداديُّ الحافظ المشهور، إمام الجرح والتَّعديل، المتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئتين بالمدينة النَّبويَّة، وله بضعٌ وسبعون سنةً، قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن محمَّد المصِّيصيُّ: (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله: (وَكَانَ بَيْنَهُمَا) أي: بين (٢) ابن الزُّبير وابن عبَّاسٍ (شَيْءٌ) ممَّا يصدرُ بين المتخاصمين، وقيل: كان اختلافًا في بعض قراءات القرآن (فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ) له: (أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (فَتُحِلَّ) بالنَّصب، وفي «اليونينيَّة»: «فتحلُّ» بالرَّفع (٣) (حَرَمَ اللهِ؟!) وفي نسخةٍ: «ما حرَّم الله» أي: من القتال في الحرم (فَقَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (مَعَاذَ اللهِ!) أي: أتعوَّذ بالله عن (٤)

стр. 8487

إحلال ما حرَّم الله (إِنَّ اللهَ كَتَبَ) أي: قدَّر (ابْنَ الزُّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ مُحِلِّينَ) مبيحين القتال في الحرم، قال في «فتح الباري»: وإنَّما نسب ابن الزبير لذلك وإن كان بنو أميَّة هم الذين ابتدؤوه بالقتال وحصروه، وإنَّما بدا (١) منه أوَّلًا دفعهم عن نفسه؛ لأنَّه بعد أن ردَّهم الله عنه حصر بني هاشم ليبايعوه، فشرع فيما يُؤذِنُ بإباحة القتال في الحرم (وإِنِّي) أي: قال ابن عبَّاسٍ: وإنِّي (وَاللهِ لَا أُحِلُّهُ) أي: القتال فيه (أَبَدًا) وإن قُوتِلتُ فيه. قال ابن أبي مليكة بالإسناد السَّابق: (قَالَ) (٢) ابن عبَّاسٍ: (قَالَ النَّاسُ) الذين من جهة ابن الزُّبير: (بَايِعْ) بكسر التَّحتيَّة والجزم على الأمر (لاِبْنِ الزُّبَيْرِ) بالخلافة، قال ابن عبَّاسٍ: (فَقُلْتُ) لهم: (وَأَيْنَ بِهَذَا الأَمْرِ عَنْهُ؟) أي: الخلافة؛ يريد: أنَّها ليست بعيدةً عنه؛ لِمَا له من الشَّرف بأسلافه الذين ذكرهم بقوله: (أَمَّا أَبُوهُ فَحَوَارِيُّ النَّبِيِّ (٣) ﷺ ¬) بالحاء المهملة، أي: ناصره (يُرِيدُ) بذلك ابنُ عبَّاسٍ: (الزُّبَيْرَ، وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الغَارِ؛ يُرِيدُ) بذلك ابنُ عبَّاسٍ: (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (٤) ﵁ (وَأَمَّا أُمُّهُ فَذَاتُ النِّطَاقِ) بالإفراد؛ لأنَّها شقَّت نطاقها لسُفرة رسول الله ﷺ وسقائه عند الهجرة (يُرِيدُ) ابنُ عبَّاسٍ بذلك: (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ (وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ المُؤْمِنِينَ؛ يُرِيدُ) ابن عبَّاسٍ: (عَائِشَةَ) ﵂ (وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ (٥)؛ يُرِيدُ) ابنُ عبَّاسٍ: (خَدِيجَةَ) وأطلق عليها عمَّته تجوُّزًا، وإنَّما هي عمَّة أبيه؛ لأنَّها خديجة بنت خويلد بن أسدٍ والزُّبير هو ابن العوَّام بن خويلد بن أسدٍ (وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَجَدَّتُهُ) أمُّ أبيه (يُرِيدُ) ابن عبَّاسٍ: (صَفِيَّةَ) بنت عبد المطَّلب (٦)، ثمَّ ذكر شرفه بصفته الذَّاتية الحميدة بقوله: (ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإِسْلَامِ) نزيهٌ (٧) عمَّا يشين من الرَّذائل (قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ) (٨) زاد ابن أبي

стр. 8488

خيثمة في «تاريخه» هنا: «وتركت بني عمِّي، أي: أذعنت لابن الزُّبير وتركت بني عمِّي بني أميَّة» (وَاللهِ إِنْ وَصَلُونِي) أي: بنو أميَّة (وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ) أي: بسبب القرابة؛ وذلك لأنَّ عبَّاسًا هو ابن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد منافٍ، وأميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ، فعبد المطَّلب ابن عمِّ أميَّة جدّ مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهذا شكرٌ من ابن عبَّاسٍ لبني أميَّة، وعتبٌ على ابن الزُّبير (وَإِنْ رَبُّونِي) أي: كانوا عليَّ أمراء (رَبُّونِي) بفتح الرَّاء وضمِّ الموحَّدة المشدَّدة فيهما، وهو في الثَّاني من باب: أكلوني البراغيث، وللكُشْمِيهنيِّ: «ربُّوني (١)؛ ربَّني» (أَكْفَاءٌ) بالإفراد على الأصل، ورفع «أكفاءٌ» بسابقه، أي: أمثال، واحدها: كفءٌ (كِرَامٌ) في أحسابهم، وعند أبي مِخنفٍ الأخباريِّ من طريقٍ أخرى: أنَّ ابن عبَّاسٍ لمَّا حضرته الوفاة بالطَّائف؛ جمع بنيه فقال: «يا بنيَّ إنَّ ابن الزُّبير لمَّا خرج بمكَّة؛ شددتُ أزره، ودعوت النَّاس إلى بيعته، وتركتُ بني عمِّنا من بني أميَّة الذين إن قتلونا قتلونا أكفاءً، وإن ربُّونا ربُّونا كرامًا، فلمَّا أصاب ما أصاب؛ جفاني» فهذا صريحٌ أنَّ مراد ابن عبَّاسٍ بنو أميَّة، لا بنو أسد رهط ابن (٢) الزُّبير، وقال الأزرقيُّ: كان ابن الزُّبير إذا دعا النَّاس في الإذن؛ بدأ ببني أسد على بني هاشمٍ وبني عبد المطَّلب وغيرهم؛ فلذا قال ابن عبَّاسٍ: (فَآثَرَ) بالمدِّ والمثلَّثة، أي: اختار ابن الزُّبير -بعد أن أذعنتُ له وتركت بني عمِّي- عليَّ (التُّوَيْتَاتِ) جمع تُويَتٍ؛ مصغَّر توت؛ بمثنَّاتين وواوٍ (وَالأُسَامَاتِ) بضمِّ الهمزة، جمع أسامة (وَالحُمَيْدَاتِ) بضمِّ الحاء المهملة، مصغَّر حمدٍ (يُرِيدُ) ابن عبَّاسٍ: (أَبْطُنًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وضمِّ الطَّاء المهملة، جمع بطنٍ؛ وهو ما دون القبيلة وفوق الفخذ، وقال: «أبطنًا» ولم يقل: بطونًا؛ لأنَّ الأوَّل جمع قلَّةٍ، فعبَّر به تحقيرًا لهم (مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ) كذا

стр. 8489

في غير ما فرع من الفروع المقابلة على أصل اليونينيِّ وكذا رأيتها (١) فيه (٢): «بني تويتٍ»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: قوله: «ابن تويتٍ» كذا وقع؛ أي (٣): في روايات البخاريِّ، وصوابه: بني تويتٍ، نبَّه عليه عياضٌ، وهو (٤) في «مستخرج أبي نُعيمٍ»: «بني» على الصَّواب. انتهى. وهذا عجيبٌ؛ فإنَّ خطَّ الحافظ ابن حجرٍ على كثيرٍ من الفروع المقابلة على «اليونينيَّة» بالقراءة والسَّماع: و «تويتٌ» هو ابن الحارث بن عبد العزَّى بن قُصيٍّ (وَ) من (بَنِي أُسَامَةَ) بن أسد بن عبد العزَّى (وَبَنِي أَسَدٍ) ولأبي ذرٍّ: «من أسدٍ»، وأمَّا الحميدات فنسبةً (٥) إلى بني حميد بن زهير (٦) بن الحارث بن أسد بن عبد العزَّى، وتجتمع هذه الأبطن مع خويلد بن أسد جدِّ الزُّبير (إِنَّ ابْنَ أَبِي العَاصِ) بكسر الهمزة (بَرَزَ) أي: ظهر (يَمْشِي القُدَمِيَّةَ) بضمِّ القاف وفتح الدَّال المهملة وكسر الميم وتشديد التَّحتيَّة: مشية التَّبختر، وهو مثلٌ يريد أنَّه ركب معالي الأمور، وتقدَّم في الشَّرف والفضل على أصحابه (يَعْنِي) ابنُ عبَّاسٍ: (عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص (وَإِنَّهُ (٧)) بكسر الهمزة (لَوَّى ذَنَبَهُ) بتشديد الواو وتُخفَّف (يَعْنِي: ابْنَ الزُّبَيْرِ) يعني: تخلَّف عن معالي الأمور، أو كنايةً عن الجبن، كما تفعل السِّباع إذا أرادت النَّوم، أو وقف فلم يتقدَّم ولم يتأخَّر، ولا وضع الأشياء مواضعها، فأدنى النَّاصح وأقصى الكاشح، وهذا قاله الدَّاودي، وفي رواية أبي مِخنفٍ (٨): «وأنَّ ابن الزُّبير يمشي القهقرى» قال في «فتح الباري»: وهو المناسب لقوله في عبد الملك: «يمشي القُدَميَّة» وكان الأمر كما قال ابن عبَّاس، فإنَّ (٩) عبد الملك لم يزل في تقدُّمٍ من أمره حتَّى استنقذ العراق من ابن الزُّبير وقتل أخاه مصعبًا، ثمَّ جهَّز العساكر إلى ابن الزُّبير بمكَّة، فكان من الأمر ما كان، ولم يزل أمر ابن الزُّبير في تأخيرٍ إلى أن قُتِل ﵀ ورضي عنه.

стр. 8490

٤٦٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا من غير إضافةٍ، ابن (١) ميمون (٢) المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ العين في الأوَّل وكسرها في الثَّاني، ابن أبي حسين النَّوفليِّ القرشيِّ المكِّيِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله قال: (دَخَلْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَقَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف (تَعْجَبُونَ لاِبْنِ الزُّبَيْرِ قَامَ فِي أَمْرِهِ هَذَا؟) يعني: الخلافة (فَقُلْتُ: لأُحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُهَا لأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ) أي: لأناقش نفسي لابن الزُّبير في معونته، ولأستقصينَّ عليها في النُّصح له والذَّبِّ عنه ما ناقشتها للعُمَرين، و «ما»: نافيةٌ، وقال الدَّاودي أي: لأذكرنَّ في مناقبه ما لم أذكر في مناقبهما، وإنَّما صنع ابن عبَّاسٍ ذلك؛ لاشتراك النَّاس في معرفة مناقب أبي بكرٍ وعمر، بخلاف ابن الزُّبير؛ فما كانت مناقبه في الشُّهرة كمناقبهما، فأظهر ذلك ابن عبَّاسٍ وبيَّنه للنَّاس إنصافًا (٣) منه له (وَلَهُمَا) بلام الابتداء، والضَّمير للعُمَرين، وفي نسخةٍ: «فإنَّهما» (كَانَا أَوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ) أي: من ابن الزبير (وَقُلْتُ) وفي نسخةٍ: «فقلت»: هو (ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) صفيَّة بنت عبد المطَّلب (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) حواريِّ رسول الله ﷺ (وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (وَابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ) أسماء (٤)، وإنَّما هو

стр. 8491

ابنُ ابنِ (١) أخي خديجة العوَّام، وابن ابنة أبي بكرٍ أسماء، وابن ابن صفيَّة، فهي جدَّته لأبيه، وعبَّر بذلك على سبيل المجاز (فَإِذَا هُوَ) أي: ابن الزُّبير (يَتَعَلَّى) بتشديد اللَّام: يتَّرفع معرضًا عنِّي (٢) أو (٣) متنحِّيًا (عَنِّي، وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ) قال العينيُّ كابن حجرٍ أي: لا يريد أن أكون من خاصَّته، وقال البِرماويُّ كالكِرمانيِّ: ولا يريد ذلك القول إذا عاتبته، قال ابن عبَّاسٍ: (فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ (٤) أَنِّي أَعْرِضُ) أي: أظهر (هَذَا) الخضوع (مِنْ نَفْسِي) له (فَيَدَعُهُ) أي: يتركه ولا يرضى به منِّي (وَمَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: وما أظنُّه (يُرِيدُ) بي (خَيْرًا) في الرَّغبة عنِّي، وللكُشْمِيهنيِّ: «وإنَّما أُرَاه» بدل: «وما»، وهو تصحيفٌ كما لا يخفى (وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ) أي: الذي صدر منه لا فراق له منه (لأَنْ) كذا في «اليونينيَّة» (٥)، والذي (٦) في «الفرع التِّنكزي»: «أن» (يَرُبَّنِي) بفتح الموحَّدة (بَنُو عَمِّي) بنو أميَّة، أي: يكونوا عليَّ أمراء (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي غَيْرُهُمْ) إذ هم أقرب إليَّ من بني أسدٍ كما مرَّ، و «من» زائدةٌ عند أبي ذرٍّ (٧). (١٠) (بابُ قَوْلِهِ) -وسقط لغير أبي (٨) ذرِّ- (﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]) بالجرِّ كلفظ التَّنزيل والرَّفع على الاستئناف، وحذفِ «باب» وتاليه، وهم قوم أسلموا ونيَّتهم ضعيفةٌ فيه، فيستألف قلوبهم، أو أشرافٌ يترقَّب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظائرهم (قَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما (٩) وصله الفريابيُّ عن ورقاء عن ابن أبي نَجيحٍ عنه: (يَتَأَلَّفُهُمْ بِالعَطِيَّةِ).

стр. 8492

٤٦٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن مسروقٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) بضمِّ النُّون وسكون العين المهملة، عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ) الباعث عليُّ بن أبي طالبٍ، كما في البخاريِّ في «باب قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾» من «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٣٤٤] وعند مسلمٍ: «وهو باليمن» والشَّيء: ذُهَيْبةٌ (فَقَسَمَهُ) ﵊، أي: ذلك الشَّيء (بَيْنَ أَرْبَعَةٍ) سمَّاهم في رواية الباب المذكور: «الأقرع بن حابسٍ الحنظليَّ ثمَّ المجاشعيَّ، وعيينة بن بدر الفزاريَّ، وزيد الطَّائيَّ ثمَّ أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامريَّ ثمَّ أحد بني كلاب» (وَقَالَ) ﵊: (أَتَأَلَّفُهُمْ) ليثبتوا على الإسلام رغبةً فيما يصل إليهم من المال (فَقَالَ رَجُلٌ) من بني تميمٍ يقال له: ذو الخويصرة، واسمه حرقوص بن زهيرٍ: (مَا عَدَلْتَ) في العطيَّة (فَقَالَ) ﷺ : (يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ) بكسر الضَّادين المعجمتين وسكون الهمزة الأولى، أي: من نسل (هَذَا) الرَّجل المسمَّى بحرقوص (قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) يخرجون منه، زاد في «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٣٤٤] «مروق السَّهم من الرَّميَّة»، و (١) قول صاحب «التَّنقيح»: «إنَّ المؤلِّف كان ينبغي أن يترجم لهذا الحديث بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]» أجاب عنه في «المصابيح»: بأنَّ ما صنعه ظاهرٌ؛ لأنَّ الحديث اشتمل على إعطاء المؤلَّفة قلوبهم صريحًا، واشتمل على لمزه في الصَّدقات، فإن تُرْجِم له (٢) على الأوَّل صحَّ، وعلى الثَّاني صحَّ، ولا نُسلِّم أولويَّة أحدهما بالنَّسبة إلى الآخر، فلا وجه للاعتراض. (١١) (باب قوله) -وسقط لغير أبي ذرٍّ- (﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٧٩])

стр. 8493

زاد أبو ذرٍّ: «﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾» وهذا من صفات المنافقين، و ﴿الَّذِينَ﴾: في موضع رفعٍ بالابتداء، و ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ من ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ (﴿يَلْمِزُونَ﴾) أي: (يَعِيبُونَ) وسقط هذا لأبي ذرٍّ (وَ ﴿جُهْدَهُمْ﴾) بضمِّ الجيم (وَجَهْدَهُمْ) بفتحها، أي: (طَاقَتَهُمْ) مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه. ٤٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، العسكريُّ (أَبُو مُحَمَّدٍ) الفرائضيُّ نزيل البصرة قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الملقَّب بغندرٍ الهذليُّ مولاهم البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو البدريِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: لَمَّا أُمِرْنَا) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «أُمِرَ» (بِالصَّدَقَةِ) بحذف الضَّمير المنصوب، وفي «الزَّكاة» في «باب اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ» [خ¦١٤١٥]: «لمَّا نزلت آية الصَّدقة» (كُنَّا نَتَحَامَلُ) أي: يحمل بعضنا لبعضٍ بالأجرة، وقال البِرماويُّ كالكِرمانيِّ أي: نتكلَّف في الحمل من حطبٍ وغيره، زاد البِرماويُّ: وصوابه: كنَّا نحامل، كما سبق في بقية الرِّوايات. انتهى. ومعناه: نؤاجر أنفسنا في الحمل (فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ) بفتح العين المهملة وكسر القاف، حَبْحَاب بحاءين مهملتين مفتوحتين (١) بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ وبعد الألف موحَّدةٌ أخرى (بِنِصْفِ صَاعٍ) من تمرٍ، وفي «الزَّكاة»: بصاعٍ، فيُحتَمل أنَّه غير أبي عقيلٍ، أو هو هو، ويكون أتى بنصفٍ ثمَّ بنصفٍ (وَجَاءَ إِنْسَانٌ) قيل: هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ (بِأَكْثَرَ مِنْهُ) قيل: بألفين، رواه البزَّار من حديث أبي هريرة، وعند ابن إسحاق عن قتادة: بأربعة آلافٍ، وعند الطَّبريِّ عن ابن عبَّاسٍ [بأربعين أوقيةً من ذهبٍ، وعند عبد بن حميد

стр. 8494

وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس قال: جاء عبد الرحمن بن عوف] (١): بأربع مئة أوقيةٍ من ذهبٍ، وعند عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن قتادة: ثمانية آلاف دينارٍ، قال في «الفتح»: وأصحُّ الطُّرق: ثمانية آلاف درهمٍ (فَقَالَ المُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا) الأوَّل (وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ) عبد الرَّحمن بن عوفٍ ما فعله من العطيَّة (إِلَّا رِيَاءً) وقد كذبوا والله، بل كان متطوِّعًا (فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ الاية [التوبة: ٧٩]) فيهما، أي: في (٢) ما (٣) يعيبون المياسير والفقراء. ٤٦٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَي) ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثنا» بالجمع (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة: (أَحَدَّثَكُمْ) بهمزة الاستفهام (زَائِدَةُ) بن قدامة أبو (٤) الصَّلت الكوفيُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ شَقِيقٍ) هو أبو وائل بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (الأَنْصَارِيِّ) البدريِّ أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، فَيَحْتَالُ) يجتهد (٥) ويسعى (أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالمُدِّ) من التَّمر أو القمح أو نحوهما، فيتصدَّق به (وإِنَّ لأَحَدِهِمِ اليَوْمَ مِئَةَ أَلْفٍ؟) من الدَّراهم و (٦) الدَّنانير؛ لكثرة الفتوح والأموال، ومراده -كما قال الزَّين بن المُنيِّر-: أنَّهم كانوا يتصدَّقون مع قلَّة الشَّيء ويتكلَّفون ذلك، ثمَّ وسَّع الله عليهم، فصاروا يتصدَّقون من يسرٍ مع عدم خشية عسرٍ، و «اليومَ» نصبٌ على الظَّرفية، قال شقيقٌ: (كَأَنَّهُ) أي: أبا مسعود (يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ) لكونه من ذوي الأموال الكثيرة.

стр. 8495

وهذا الحديث قد سبق في أوائل «الزَّكاة» [خ¦١٤١٦]. (١٢) (باب قوله) -وسقط لغير أبي ذر- (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) اللَّفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثمَّ (١) أعلمه الله تعالى أنَّه لا يغفر لهم، إن استغفر لهم سبعين مرَّةً، فقال: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) والسَّبعون للتَّكثير، وسقط «﴿فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾» لغير أبي ذرٍّ. ٤٦٧٠ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين من غير إضافةٍ، واسمه عبد الله، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهبَّاريُّ، من ولد هبَّار بن الأسود (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عمر العُمَريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي عَبْدُ اللهِ بن أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، ابنُ سلول المنافق في ذي القعدة، سنة تسعٍ بعد منصرفهم من تبوك،

стр. 8496

وكان قد تخلَّف عنها، كذا نقله في «الفتح» عن الواقديِّ و «إكليل الحاكم» وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن أبيٍّ» (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وكان من المُخلِصين وفضلاء الصَّحابة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ) قميصه ليكفِّن فيه أباه، فالإعطاء إنَّما وقع لابنه العبد الصَّالح، وقيل: إنَّ عبد الله المنافق كان أعطى العبَّاس يوم بدرٍ قميصًا لمَّا أُسِر العبَّاس، فكافأه النَّبيُّ ﷺ على ذلك لئلَّا يكون لمنافقٍ منَّةٌ عليهم (١) (ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت وابن عساكر والأصيليُّ: «عليه» (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ) وفي نسخةٍ: «أتصلِّي عليه» بإثبات همزة الاستفهام الإنكاريِّ (وَ) الحال أنْ (٢) (قَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ (٣)؟!) قيل: لعلَّه قال ذلك بطريق الإلهام، وإلَّا فلم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين، كما يرشد إليه قوله في آخر هذا الحديث: «فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا (٤)﴾ [التوبة: ٨٤]» وزعم بعضهم: أنَّ عمر اطَّلع على نهيٍ خاصٍّ في ذلك، وأحسن ما قيل: إنَّه فهم النَّهي من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] من حيث إنَّه سوَّى بين الاستغفار وعدمه في عدم النَّفع، وعلَّل ذلك بكفرهم، وقد ثبت في الشَّرع امتناع المغفرة لمن مات كافرًا، والدُّعاء بوقوع ما عُلِم انتفاء وقوعه شرعًا أو عقلًا ممتنعٌ، ولا ريب أنَّ الصَّلاة على الميِّت المشرك استغفارٌ له ودعاءٌ، وقد نُهِي عنه، فتكون الصَّلاة (٥) عليه منهيًّا عنها، هذا مع ما عُرِف من صلابة عمر ﵁ في الدِّين وكثرة بغضه للمنافقين، وقال الزَّين بن المُنيِّر -فيما حكاه عنه في «الفتح» -: وإنَّما قال عمر ذلك عَرْضًا على النَّبيِّ ﷺ ومشورةً لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النَّبيُّ ﷺ أَذِن له في مثل ذلك، فلا يستلزم (٦) ما وقع من عمر أنَّه اجتهد مع وجود النَّصِّ،

стр. 8497

كما تمسَّك به قومٌ في جواز ذلك، وإنَّما أشار بالذي ظهر فقط؛ ولهذا احتَمَل منه ﷺ أَخْذَه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتَّى التفت إليه متبسمًا، كما في حديث ابن عبَّاسٍ في هذا الباب [خ¦٤٦٧١] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ) بين الاستغفار وعدمه (فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ) وعند عبد بن حميدٍ من طريق قتادة «فوالله لأزيدنَّ على السَّبعين» وسأل الزَّمخشريُّ فقال: فإن قلت: كيف خفي على رسول الله ﷺ -يعني (١): أنَّ السَّبعين مثلٌ في التَّكثير-، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يُفْهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار؟! كيف وقد تلاه بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ الاية [التوبة: ٨٠] فبيَّن (٢) الصَّارف عن المغفرة لهم، حتَّى قال: «خيَّرني وسأزيد على السَّبعين»؟! وأجاب (٣): بأنَّه لم يَخْفَ عليه ذلك، ولكنَّه خُيِّل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بُعِثَ إليه، كقول إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفي إظهار النَّبيِّ الرَّحمة والرَّأفة (٤) لطفٌ لأمَّته، ودعاءٌ لهم إلى ترحُّم بعضهم على بعضٍ. انتهى. قال في «فتوح الغيب»: قوله: «خُيِّل» أي: صُوِّر في خياله أو في خيال السَّامع ظاهر اللفظ -وهو العدد المخصوص-، دون المعنى الخفيِّ المراد وهو التَّكثير، كما أنَّ إبراهيم ﵊ ما عدَّ عصيانه في قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ [إبراهيم: ٣٦] عصيان الله المراد منه: عبادة الأصنام، قال: وهو من أسلوب التَّورية، وهو أن يطلق لفظٌ له معنيان؛ قريبٌ وبعيدٌ، فيراد البعيد منهما. انتهى. وتَعقَّب بعضهم ذلك بأنَّه (٥) يجب عليه ﵊ إظهار ما علم من الله في أمر الكفر وما يترتَّب عليه من العقاب للزَّجر، وبأنَّه يستلزم (٦) جواز الاستغفار للكافر (٧) مع العلم بأنَّه لا يجوز؛ ولذا قيل: ما كان يعرف كفره، وعند عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، والطَّبريِّ من طريق سعيدٍ؛ كلاهما عن قتادة

стр. 8498

قال: «أرسل عبد الله بن أُبيٍّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فلمَّا دخل عليه؛ قال: أهلكك حبُّ يهود فقال: يا رسول الله إنَّما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أُرسِل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يعطيه قميصه يكفَّن فيه، فأجابه» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكم بن أبانٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ قال: «لمَّا مرض عبد الله بن أبيٍّ جاءه النَّبيُّ ﷺ ، فكلمَّه فقال: قد فهمت ما تقول، فامنن عليَّ فكفِّنِّي في قميصك، وصلِّ عليَّ، ففعل» قال: وكان عبد الله بن أبيٍّ أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ ﷺ عليه (١)، ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٢) من حاله، فالنَّهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النَّهي عن الاستغفار لمن مات مُظهِرًا للإسلام (قَالَ) أي: عمر جريًا على ما يعلمه من أحواله: (إِنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام واستئلافًا لقومه، لا سيَّما ولم يقع نهيٌ صريحٌ عن الصَّلاة على المنافقين، فاستعمل أحسن (٣) الأمرين في السِّياسة، حتَّى كشف الله تعالى عنه (٤) الغطاء، ونُهِي، فانتهى. (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]) زاد مسدَّدٌ من حديث ابن عمر: «فترك الصَّلاة عليهم (٥)» وابن أبي حاتمٍ: «ولا قام على قبره (٦)» وعند الطَّبريِّ من حديث قتادة: أنَّه ﷺ قال: «وما يغني عنه قميصي من الله، وإنِّي لأرجو أن يُسلِم بذلك ألفٌ من قومه»، وقد رُوِي: أنَّ ألفًا من الخزرج أسلموا لمَّا رأوه يستشفع (٧) بثوبه، ويتوقَّع اندفاع العذاب عنه به.

стр. 8499

٤٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح (٢) العين- الأيليِّ (وَقَالَ غَيْرُهُ) هو أبو صالح عبد الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل، ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ (٣) أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ اللَّام وسكون الواو بعدها لامٌ: اسم أمِّ عبد الله المذكور، و «ابن»: بالرَّفع صفة عبد (٤) الله لا صفة أبيه (دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) للصَّلاة عليه (وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ) بهمزة الاستفهام (وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا؟! قَالَ (٥): أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) بفتح العين وكسر الدَّال الأولى، ولأبي ذرٍّ: «أَعُدُّ» بضمِّ العين والدَّال وإسقاط الثَّانية، يشير بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) تعجُّبًا من صلابة

стр. 8500

عمر، وشدَّة (١) بغضه للمنافقين، وتأنيسًا له وتطييبًا لقلبه كالمعتذر له عن ترك قبول كلامه (وَقَالَ: أَخِّرْ) أي: تأخَّر (عَنِّي يَا عُمَرُ) وقيل: معناه: أخِّر عنِّي رأيك، فاختصر إيجازًا وبلاغةً (فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ؛ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ) بين الاستغفار وعدمه (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار، وقد استُشكِل (٢) فَهْمُ التَّخيير من الآية على كثيرٍ، سبق جواب الزَّمخشريِّ عن ذلك، وقال صاحب «الانتصاف»: مفهوم الآية (٣) زلَّت فيه الأقدام، حتَّى أنكر القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ صحَّة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبَل هذا، ولا يصحُّ أنَّ الرَّسول قاله، وقال إمام الحرمين في «مختصره» هذا الحديث غير مخرَّج في «الصَّحيح»، وقال في «البرهان»: لا يُصحِّحه أهل الحديث، وقال الغزاليُّ في «المستصفى»: الأظهر أنَّ هذا الخبر غير صحيحٍ، وقال الدَّاودي الشَّارح: هذا الحديث غير محفوظٍ، وهذا عجيبٌ من هؤلاء الأئمَّة، كيف باحوا بذلك وطعنوا فيه مع كثرة طرقه واتِّفاق «الصَّحيحين» على تصحيحه، بل وسائر الذين خرَّجوا في الصَّحيح، وأخرجه النَّسائيُّ وابن ماجه (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ؛ يُغْفَرْ لَهُ) بجزم «يغفْر» جوابًا للشَّرط، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فغُفِرَ له» بفاءٍ وضمِّ الغين وفتح الرَّاء، بلفظ الماضي، قال في «الفتح»: والأوَّل أوجه (لَزِدْتُ عَلَيْهَا) تردَّد هنا، وفي الرِّواية السَّابقة قال: «سأزيده (٤)» [خ¦٤٦٧٠] ووعده صادقٌ، ولا سيَّما وقد ثبت قوله: «لأزيدنَّ» بصيغة المبالغة في التَّأكيد، وروى الطَّبريُّ من طريق مغيرة عن الشَّعبيِّ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : قال الله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] «فأنا أستغفر سبعين وسبعين وسبعين» وأُجِيب باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال؛ لأنَّ جواز المغفرة بالزِّيادة كان ثابتًا قبل نزول الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، قال الحافظ أبو الفضل: وحاصله: أنَّ العمل بالبقاء على حكم الأصل مع المبالغة لا يتنافيان، فكأنَّه جوَّز أنَّ المغفرة تحصل بالزِّيادة على السَّبعين، لا أنَّه جازمٌ (٥) بذلك، ولا يخفى ما فيه، أو يكون طلب

стр. 8501

المغفرة لتعظيم المدعوِّ، فإذا تعذَّرت المغفرة؛ عُوِّض الدَّاعي عنها ما يليق به من الثَّواب أو دفع السُّوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك تخفيفٌ عن (١) المدعوِّ له، كما في قصَّة أبي طالبٍ، قاله ابن المُنيِّر، وفيه نظرٌ لاستلزامه مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له (٢) شرعًا (قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وذكر الواقديُّ أنَّ مجمِّع ابن جارية قال: ما رأيت رسول الله ﷺ أطال على جنازةٍ قطُّ ما أطال على جنازة عبد الله ابن أُبيٍّ من الوقوف (ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته (فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ) عمر رضي الله تعالى عنه: (فَعَجِبْتُ (٣) بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لقطعه عن الإضافة (مِنْ جُرْأَتِي) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء ثمَّ همزةٍ، أي: من إقدامي (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). (١٣) (باب قَولِهِ) -وسقط لغير أبي ذرٍّ- (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم﴾) أي: من المنافقين صلاة الجنازة (﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾) ظرفٌ منصوبٌ بالنَّهي، و ﴿مِّنْهُم﴾: صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾ أو حالٌ من الضَّمير في ﴿مَّاتَ﴾ أي: مات حال كونه منهم؛ أي (٤): متَّصفًا بصفة النِّفاق، كقولهم: أنت منِّي، أي: على طريقتي، وهذا النَّهي عامٌّ في كلِّ من عُرِف نفاقه، وإن كان سبب النُّزول خاصًّا (٥) بابن أُبيٍّ رأس المنافقين، وقد ورد ما يدلُّ لنزولها في عددٍ معينٍ؛ منهم ابن أُبيٍّ وغيره؛ لعلمه تعالى بموتهم على الكفر؛ بخلاف غيرهم فإنَّهم تابوا، فعند الواقديِّ عن معمرٍ عن الزُّهريِّ عن حذيفة: قال لي رسول الله ﷺ : «إنِّي مسرٌّ إليك سرًّا فلا تذكره لأحدٍ: إنِّي نُهِيت أن أصلِّي على فلانٍ وفلانٍ (٦)» رهطٍ ذوي عددٍ من المنافقين، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلِّي

стр. 8502

على أحدٍ استتبعَ حذيفة، فإن مشى معه وإلَّا لم يصلِّ عليه، ومن طريقٍ أخرى عن جُبَير بن مطعمٍ: أنَّهم اثنا عشر رجلًا (﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]). ٤٦٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) القرشيُّ الخزاميُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) اللَّيثيُّ أبو (١) ضمرة المدنيُّ (٢) (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة، ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، شقيق سالم (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «أنَّه» (لَمَّا تُوُفِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) المنافق (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد في الرِّواية السَّابقة من طريق أبي أسامة عن عبيد الله [خ¦٤٦٧٠]: «فسأله أن يعطيه قميصه يكفِّن فيه أباه» (فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَأَمَرَهُ) ولأبي ذرٍّ: «فأمره» «بالفاء» بدل: «الواو»، (أَنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَامَ) ﵊ (يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ: تُصَلِّي عَلَيْهِ) استفهامٌ حُذِفَت منه الأداة (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُنَافِقٌ، وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ؟!) أي: للمنافقين، ومن لازم النَّهي عن الاستغفار عدم الصَّلاة، وظهر بهذه الرِّواية أنَّ في قوله في طريق أبي أسامة عن عبيد الله [خ¦٤٦٧٠]: «وقد نهاك ربُّك أن تصلِّي عليه» تجوّزًا، وحينئذٍ فلا منافاة بين قوله: «وقد نهاك ربك أن تصلِّي عليه» وبين إخباره بأنَّ آية النَّهي عن الصَّلاة على كلِّ مشركٍ والقيام على قبره نزلت بعد

стр. 8503

ذلك (قَالَ) ﵊: (إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ) بين الاستغفار وعدمه (أَوْ أَخْبَرَنِي اللهُ) «بالموحَّدة» بدل: «التَّحتيَّة» وزيادة همزةٍ أوَّله، من الإخبار، على الشَّكِّ، وفي أكثر الرِّوايات بلفظ التَّخيير بين الاستغفار وعدمه من غير شكٍّ، وسقط لفظ الجلالة في قوله: «أو أخبرني الله» لأبي ذرٍّ (فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) سقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿فَلَن﴾ … » إلى آخره (فَقَالَ) ﵊: (سَأَزِيدُهُ (١)) بضمِّير المفعول (عَلَى سَبْعِينَ (٢)) استُشكِل أخذه بمفهوم العدد حتَّى قال: «سأزيد على السَّبعين» مع أنَّه قد سبق قبل ذلك بمدَّةٍ طويلةٍ قوله تعالى في حقِّ أبي طالبٍ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] وأُجِيب بأنَّ الاستغفار لابن أُبيٍّ إنَّما هو لقصد تطييب من بقي منهم، وفي ذلك نظرٌ فليُتَأمَّل (قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ) فيه: أنَّ عمر ترك رأي نفسه وتابع النَّبيَّ ﷺ (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ: «أُنزِل عليه» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾) للدَّفن أو الزِّيارة (﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]) تعليلٌ للنَّهي، والتَّعليل بالفسق مع أنَّ الكفر أعظم؛ قيل (٣): للإشعار بأنَّه كان عندهم موصوفًا بالفسق أيضًا، فإنَّ الكافر قد يكون عدلًا عند أهله، وإنَّما نُهِيَ عن الصَّلاة دون التَّكفين؛ لأنَّ البخل به مُخِلٌّ (٤) بكرمه ﵊، أو لإلباسه العبَّاس قميصه حين أُسر ببدرٍ كما مرَّ [خ¦٤٦٧٠] أو لأنَّه ما كان (٥) يردُّ سائلًا، وتكفينه فيه وإن علم ﵊ أنَّه (٦) لا يردُّ عنه العذاب؛ فلأنَّ ابنه قال: «لا تُشَمِّت به الأعداء» ولأحمد من حديث قتادة: قال ابنه: «يا رسول الله إن لم تأته؛ لم يزل يُعيَّر بهذا» أو رجا إسلام غيره كما مرَّ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ … » إلى آخره.

стр. 8504

(١٤) (باب قوله) تعالى، التَّبويب وتاليه ثابتٌ لأبي ذرِّ، ساقطٌ لغيره: (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ﴾) أيمانًا كاذبةً، والمحلوف عليه: أنَّهم ما قدروا على الخروج في غزوة تبوك (﴿إِذَا انقَلَبْتُمْ﴾) رجعتم من الغزو (﴿إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾) فلا تعاتبوهم (﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾) احتقارًا لهم ولا تُوَبِّخوهم (﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾) قذرٌ نجسٌ بواطنهم واعتقاداتهم، وهو علَّةٌ للإعراض وترك المعاتبة (﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾) مصيرهم في الآخرة إليها، وهو من تمام التَّعليل (﴿جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]) من النِّفاق، ونُصِب ﴿جَزَاء﴾ على المصدر بفعلٍ من لفظه مقدَّر؛ أي يُجزَون جزاءً، وسقط قوله: «﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال ابن حجرٍ: سقط «﴿لَكُمْ﴾» أي: من قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ﴾ من رواية الأَصيليِّ، والصَّواب إثباتها. ٤٦٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ) ولغير أبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ) غزوة (تَبُوكَ) -غير منصرفٍ (٢) - يقول: (وَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي) زاد في «المغازي» [خ¦٤٤١٨]: «للإسلام» ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «على عبدٍ» قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل هو الصَّواب (أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَلَّا أَكُونَ كَذَبْتُهُ) «لا» زائدةٌ، والمعنى: أن أكون كذبته، واستُشكِلَ كون «أكون» مستقبلًا و «كذبتُ» ماضيًا، وأُجِيبَ بأنَّ المستقبل في معنى الاستمرار المتناول للماضي،

стр. 8505

فلا منافاة بينهما (فَأَهْلَِكَ) بكسر اللَّام وتُفتَح والنَّصب، أي: فإن أهلك (كَمَا هَلَكَ (١)) أي: كهلاك (الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أُنْزِلَ الوَحْيُ) بقوله تعالى: (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) إِلَى قولِهِ: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]) الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وهذا الحديث قد ذكره المؤلِّف في «غزوة تبوك» مطوَّلًا [خ¦٤٤١٨]. (١٤ م) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾) بحلفهم (﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]) والمراد: النَّهي عن الرِّضا عنهم، قال في «المفاتح» (٣): لا تكرار في هذه المعاني؛ لأنَّ الأوَّل يعني: قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] خطابُ منافقي المدينة، وهذه (٤) مع المنافقين من (٥) الأعراب. وهذا الباب وتاليه ثابتٌ لأبي ذَرٍّ وحده من غير ذكر حديثٍ، ساقطٌ لغيره. (١٥) (﴿وَآخَرُونَ﴾) نسقٌ على قوله: ﴿مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١] أي: وممَّن حولكم قومٌ آخرون غير المذكورين، ولأبي ذَرٍّ: «باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾» (٦) (﴿اعْتَرَفُواْ﴾) أقرُّوا (﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾) ولم يعتذروا من تخلُّفهم بالمعاذير الكاذبة (﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾) الجهادَ والتَّخلف عنه، أو إظهار النَّدم والاعتراف بآخرَ سيِّئٍ؛ وهو التَّخلف (٧) وموافقة أهل النِّفاق، ومجرَّد الاعتراف ليس بتوبةٍ، لكن رُوِيَ أنَّهم تابوا وكان الاعتراف مقدِّمة التَّوبة، وكلٌّ منهما مخلوطٌ بالآخر؛

стр. 8506

كقولك: خلطت الماء واللَّبن، فكلٌّ مخلوطٌ ومخلوطٌ به الآخر، ولو قلت: خلطت الماء باللَّبن؛ كان الماء مخلوطًا واللَّبن مخلوطًا به فإذا قلت: بالواو جعلت الماء واللَّبن مخلوطين ومخلوطًا بهما، كأنَّك قلت: خلطت الماء باللَّبن واللَّبن بالماء (١)، وهو استعارةٌ عن الجمع بينهما (﴿عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبٌ، وإنَّما عبّر بها؛ للإشعار بأنَّ ما يفعله تعالى ليس إلَّا على سبيل التَّفضُّل منه (٢) سبحانه، حتَّى لا يتَّكل المرء بل يكون على خوفٍ وحذرٍ، والمعنى: عسى الله أن يقبل توبتهم، فإن قلت: كيف قال: ﴿أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يسبق للتَّوبة ذكرٌ؟ أجِيبَ بأنَّه مدلولٌ عليها بقوله: ﴿اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ قاله في «الأنوار» كـ «الكشَّاف» (﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]) وسقط قوله: «﴿خَلَطُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: «الآيةَ» قال ابن كثيرٍ (٣): وهذه الآية وإن كانت في أناسٍ معيَّنين إلَّا أنَّها عامَّةٌ في كلِّ المذنبين الخطَّائين، وقد قال مجاهدٌ: نزلت في أبي لُبابة لمَّا قال لبني قريظة: «إنَّه الذَّبْحُ (٤) وأشار بيده إلى حلقه» قال ابن عبَّاسٍ: «في أبي لبابةَ وجماعةٍ من أصحابه، تخلَّفوا عن غزوة تبوك» وقال بعضهم: أبو لبابة وخمسةٌ معه، وقيل: وسبعةٌ، وقيل: وتسعةٌ، فلمَّا رجع النَّبيُّ ﷺ من غزوته؛ ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلُّهم إلَّا رسول الله ﷺ ، فلما أنزل الله الآية أطلقهم ﷺ ، وعفا عنهم. ٤٦٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُؤَمَِّلٌ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية

стр. 8507

مشدَّدةً وقد تُكسَر بينهما همزةٌ مفتوحةٌ و (١) آخره لامٌ، زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ: «هو ابن هشامٍ» وهو اليشكريُّ، بتحتيَّةٍ ومعجمةٍ، أبو هشامٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُليَّة اسم أمِّه، الأسديُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بفتح العين المهملة وسكون الواو آخره فاء، ابن أبي جَميلة -بفتح الجيم- الأعرابيُّ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَنَا) في حكاية منامه الطَّويل: (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ) بهمزةٍ ممدودةٍ ففوقيَّةٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ، أي: ملَكان (فَابْتَعَثَانِي) من النَّوم (فَانْتَهَيَا) وأنا معهما، ولغير أبي ذَرٍّ: «فانتهينا» (٢) (إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ) من (٣) (ذَهَبٍ وَلَبِنِ) من (٤) (فِضَّةٍ) بكسر الموحَّدتين من «لَبِنٍ» (فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ؛ شَطْرٌ): نصفٌ (مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ) أي: نصف (كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَا) الملَكان (لَهُمُ) للرِّجال: (اذْهَبُوا، فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) بفتح الهاء (فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُم، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَا) الملكان (لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَا: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ) قيل: الصَّواب حسنًا وقبيحًا، لكن «كان»: تامَّةٌ، و «شطرٌ»: مبتدأٌ، و «حسنٌ»: خبره، والجملة: حالٌ بدون الواو، وهو فصيحٌ؛ كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] قاله الكِرمانيُّ وغيره (٥) (فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ) كذا أورده مختصرًا هنا، ويأتي بتمامه إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]. (١٦) (باب قوله) تعالى (﴿مَا كَانَ﴾) أي: ما ينبغي (﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]) لأنَّ النَّبوَّة والإيمان يمنعان من ذلك، وسقط «باب» وتاليه لغير أبي ذَرٍّ.

стр. 8508

٤٦٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن نصرٍ أبو إبراهيم السَّعديُّ المروزيُّ، وقيل: البخاريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) ابن همامٍ الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (مَعْمَرٌ) بسكون (١) العين، ابن راشدٍ البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَِّبِ) بفتح التَّحتيَّة وقد تُكسَر (عَنْ أَبِيهِ) المسيَِّب بن حزنٍ أنَّه (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علاماتها (دَخَلَ النَّبِيُّ) ولغير أبي ذَرٍّ: «دخل عليه النَّبيُّ» (¬ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشامٍ (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) المخزوميُّ، أسلم عام الفتح (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ عَمِّ) أي: يا عمِّي (٢)؛ وحُذِفت ياء الإضافة للتَّخفيف (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وجواب الأمر قوله: (أُحَاجُّ) بضمِّ الهمزة وتشديد الجيم (٣) آخره (لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، أي: أَتُعرِض (٤) (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) أبيك؟! (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا أبى أن يقول كلمة الإخلاص: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر إبراهيم لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بضمِّ الهمزة وسكون النُّون مبنيًّا للمفعول (فَنَزَلَتْ) في أبي طالبٍ آية: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]) لموتهم على الشِّرك، وقيل: إنَّ سبب نزولها ما في مسلمٍ و «مسند أحمد» و «سنن أبي داود» والنَّسائيِّ وابن ماجه: عن أبي هريرة ﵁ «أتى رسول الله ﷺ قبر أمِّه، فبكى

стр. 8509

وأبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ : استأذنت ربِّي في (١) أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنَّها تذكِّر الآخرة» قال في «الكشَّاف»: وهذا أصحُّ؛ لأنَّ موت أبي طالبٍ كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة، وتعقَّبه صاحب «التقريب» -فيما حكاه الطِّيبيُّ- بأنَّه يجوز أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يستغفر (٢) لأبي طالبٍ إلى حين نزولها، والتَّشديد مع الكفَّار إنَّما ظهر في هذه السُّورة، قال في «فتوح الغيب»: وهذا هو الحقُّ، ورواية نزولها في أبي طالبٍ هي الصَّحيحة، وسقط قوله: «﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: «الآيةَ». (١٧) (باب قَوْله) : (﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ﴾) من إذنه للمنافقين في التَّخلُّف في غزوة تبوك، والأحسن أن يكون من قبيل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقيل: هو بعثٌ على التَّوبة على سبيل التَّعريض؛ لأنَّه ﷺ ممَّن يستغني عن التَّوبة، فوُصِفَ بها ليكون بعثًا للمؤمنين على التَّوبة على سبيل التَّعريض، وإبانةً لفضلها (﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾) أي: وتاب عليهم حقيقةً؛ لأنَّه لا ينفكُّ الإنسان عن الزَّلات، أو كانوا يتوبون عن وساوس تقع في قلوبهم (﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾) حقيقةً بأن خرج أوَّلًا وتبعوه، أو مجازًا عن اتِّباعهم أمره ونهيه (﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾) في وقت الشِّدَّة الحاصلة لهم في غزوة تبوك، أي: من (٣) عسرة الزَّاد والماء والظَّهر والقيظ وبُعْد الشُّقَّة (٤)؛ إذ السَّفرة (٥) كلُّها تبعٌ لتلك السَّاعة، وبها يقع الأجر على الله تعالى، وإن كان عُرْف السَّاعة لِما قلَّ من الزَّمن؛ كالقطعة من النَّهار؛ كساعات الرَّواح إلى الجمعة، فالمراد بها (٦): من وقت الخروج إلى

стр. 8510

العود، رُوِيَ: أنَّه لمَّا نفد (١) زادهم؛ كان النَّفر منهم يمصُّون التَّمرة تداولًا بينهم، وأنَّهم (٢) عطشوا حتَّى نحروا بعض إبلهم فشربوا عصارة ما في كروشها، حتَّى استسقى لهم ﷺ ، فأمطرت عليهم سحابةٌ لم تتجاوزهم، وكان الرَّجلان والثَّلاثة يتعقَّبون البعير الواحد (﴿مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾) عن الثَّبات على الإيمان، أو اتِّباع (٣) الرَّسول؛ لِمَا نالهم من المشقَّة والشِّدَّة (﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾) تكريرٌ للتَّوكيد من حيث المعنى، فيكون الضَّمير للنَّبيِّ ﷺ والمهاجرين والأنصار، ويجوز أن يكون الضَّمير للفريق المذكور في قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ لصدور الكيدودة منهم (﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]) حين (٤) تاب عليهم، وسقط قوله: «﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ (٥)، وقال بعد قوله: ﴿اتَّبَعُوهُ﴾: «الآيةَ». ٤٦٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر بن (٦) الطَّبريِّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي (٧)) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (قَالَ أَحْمَدُ) هو ابن صالحٍ شيخ المؤلِّف المذكور. (وحَدَّثَنَا) أيضًا (عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة والسِّين
следующие страницы →