← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

١٣٩ - وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن (١) أبي عيَّاشٍ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، ذي «المغازي» التي هي أصحُّ المغازي (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن حارثة الكلبيُّ المدنيُّ، الحِبُّ ابن الحِبِّ، وأمُّه أمُّ أيمن، المُتوفَّى بوادي القرى سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» سبعة عشر حديثًا (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ) أي: رجع (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ) وقوف (عَرَفَةَ) بعرفات، الأوَّل: غير مُنوَّنٍ، وهو اسمٌ للزَّمان، وهو التَّاسع من ذي الحِجِّة، والثَّاني: الموضع الذي يقف به الحاجُّ، وحينئذٍ فيكون المُضَاف فيه (٢) محذوفًا (حَتَّى إِذَا كَانَ) ﵇ (بِالشِّعْبِ) بكسر الشِّين المُعجَمَة وسكون العَيْن المُهمَلَة، الطَّريق المعهودة للحاجِّ (نَزَلَ) ﷺ (فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ) بماء زمزم كما في «زوائد المُسنَد» بإسنادٍ حسنٍ (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه لإعجاله (٣) الدَّفع إلى المزدلفة، وفي «مسلمٍ»: «فتوضَّأ وضوءًا خفيفًا»، وقِيلَ: معناه: توضَّأ مرَّةً مرَّةً لكن بالإسباغ، أو خفَّف استعمال الماء بالنِّسبة إلى غالب عاداته، واستُبعِد القول بأنَّ المُرَاد به: الوضوء اللُّغويُّ، وأبعدُ منه القولُ بأنَّ المُرَاد به: الاستنجاء، وممَّا يقوِّي استبعاده: قوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه»: «أنَّه ﷺ عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ» [خ¦١٨١] إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامةُ إلَّا وضوء الصَّلاة؛ لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجته (فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ) بالنَّصب على الإغراء، أو بتقدير: «أتريد»؟ أو «أتصلِّي» (٤) الصَّلاة (يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ) وفي رواية أبوي

стр. 877

ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الابتداء، وخبره: (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، أي: وقت الصَّلاة أو مكانها قدَّامك، وهو من قبيل ذكر الحالِّ وإرادة المحلِّ، وهو أعمُّ من أن يكون زمانًا أو مكانًا (فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ) بماء زمزم أيضًا (فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ) فإن قلت: لم أسبغ هذا الوضوء وخفَّف ذلك؟ أُجِيب بأنَّ الأوَّل لم يُرِدْ به الصَّلاة، وإنَّما أراد به دوام الطَّهارة، وفيه: استحباب تجديد الوضوء وإن لم يصلِّ بالأوَّل، لكن ذهب جماعةٌ إلى أنَّه ليس له ذلك قبل أن يصلِّيَ به لأنَّه لم يُوقِع به عبادةً، ويكون كمن زاد على ثلاثٍ في وضوء واحدٍ، وهذا هو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، قالوا: ولا يُسنُّ تجديده إلَّا إذا صلَّى بالأوَّل صلاةً فرضًا أو نفلًا (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ) قبل حطِّ الرِّحال (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منَّا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ) بكسر العَيْن وبالمدِّ، أي: صلاتُها (فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) وتأتي مباحث الحديث في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٦٦٩] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته. (٧) هذا (بابُ غَسْلِ الوَجْهِ) بفتح الغَيْن (بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) أي: فلا يُشتَرط الاغتراف باليدين معًا، و «الغَرْفة» بفتح الغَيْن المُعجَمَة: بمعنى المصدر، وبالضَّمِّ: بمعنى المَغْروف، وهو (١) ملء الكفِّ. ١٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بن أبي

стр. 878

زهيرٍ البغداديُّ، المُلَّقب بصاعقةٍ لسرعة حفظه وشدَّة ضبطه، البزَّاز (١)، المُتوفَّى سنة خمسٍ وخمسين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام (الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بالمصِّيصة سنة عشرين ومئتين، أو سنة عشرٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ، يَعْنِي: سُلَيْمَانَ) السَّابق في «باب أمور الإيمان» [خ¦٩] (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ) من باب عطف المُفصَّل على المُجمَل، ثمَّ بيَّن الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ (٢) بِهَا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «فتمضمض بها» (٣) (وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى) أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا لكونه أمكن في الغسل؛ لأنَّ اليد قد لا تستوعب الغسل، وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر «من ماءٍ» (٤) (فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ) أي: بالغَرْفة، وللأَصيليِّ وكريمة: «فغسل بهما» أي: باليدين، وظاهر قوله: «إنَّه توضَّأ فغسل وجهه» مع قوله: «أخذ غَرْفَةً»: أنَّ المضمضة والاستنشاق بغَرفةٍ (٥) من جملة غسل الوجه، لكنَّ المُرَاد بالوجه أوَّلًا ما هو أعمُّ من المفروض والمسنون، بدليل أنَّه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ مستقلَّةٍ (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) أيضًا (فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) بعد أن قبض قبضةً من الماء، ثمَّ نفض (٦) يده كما في رواية أبي داودَ مع زيادة: «مسح أُذنيه (٧)»، ففي

стр. 879

الحديث هنا حذفٌ دلَّ عليه ما رواه أبو داود (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ) أي: صبَّ الماء قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى) أي: إلى أن (غَسَلَهَا) والرَّشُّ قد يُرَاد به الغسل، ويؤيِّده قوله هنا: «حتَّى غسلها»، والرَّشُّ القويُّ يكون معه الإسالة، وعبَّر به تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأنَّ الرِّجْلَ مظنَّته في الغسل (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي: اليُسْرَى) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «فغسل بها، يعني: رجله اليسرى» والقائل «يعني»: زيدُ بن أسلم، أو من هو دونه من الرُّواة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي الوقت: «النَّبيَّ» (١) (¬ ﷺ يَتَوَضَّأُ) حكاية حالٍ ماضيةٍ، وفي رواية ابن عساكر: «توضَّأ» وفي هذا الحديث: دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ واحدةٍ، المحكيِّ في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وهو يحتمل وجهين: أن يتمضمض منها ثلاثًا ولاءً، ثمَّ يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، وأَوْلى الكيفيَّات: أن يجمع بين ثلاث (٢) غَرْفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ، ثمَّ يستنشق، فقد صحَّ من حديث عبد الله بن زيدٍ، وغيره، وصحَّحه النَّوويُّ، وتأتي بقيَّة الكيفيَّات إن شاء الله تعالى في «باب المضمضة في الوضوء» [خ¦١٦٤]. (٨) هذا (بابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ) بكسر الواو، أي: الجماع، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به، والحديث الذي ساقه هنا شاهدٌ للخاصِّ لا للعامِّ، لكن لمَّا كان حالُ الوقاع أبعدَ حالٍ من ذكر الله تعالى ومع ذلك تُسنُّ التَّسمية فيه، ففي غيره أَوْلى، ومن ثمَّ ساقه المؤلِّف هنا لمشروعيَّة التَّسمية عند الوضوء، ولم يَسُقْ حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» مع كونه أبلغ في الدَّلالة لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعونٌ فيه.

стр. 880

١٤١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلَة، رافع الأشجعيّ مولاهم، الكوفيّ التَّابعيّ، المُتوفَّى سنة مئةٍ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ حال كونه (يَبْلُغُ بِهِ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وسقط لفظ «به» لغير الأربعة، أي: يصل ابن عبَّاسٍ بالحديث (النَّبِيَّ ﷺ ¬) وهذا كلام كُرَيْبٍ، أي: أنَّه ليس موقوفًا على ابن عبَّاسٍ، بل هو مُسنَدٌ إلى الرَّسول ﷺ ، لكنَّه يحتمل أن يكون بواسطةٍ بأن (١) سمعه من صحابيٍّ سمعه من الرَّسول ﷺ ، وأن يكون بدونها (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ : (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ) أي: زوجته، وهو كنايةٌ عن الجماع (قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) أي: أَبْعِد عنَّا (٢) (الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) أي: الذي رزقتناه، والمُرَاد: الولد وإن كان اللَّفظ أعمَّ (فَقُضِيَ) بضمِّ القاف وكسر الضَّاد (بَيْنَهُمَا) أي (٣): بين الأحد (٤) والأهل، وللمُستملي والحَمُّويي: «فقُضِيَ بينهم» بالميم، نظرًا إلى معنى الجمع في الأهل (٥) (وَلَدٌ) ذكرًا كان أو أُنثى (لَمْ يَضُرُّهُ) الشَّيطان بضمِّ الرَّاء على الأفصح، أي: لا يكون له على الولد سلطانٌ، فيكون من المحفوظين، أوِ المعنى: لا يتخبَّطُه الشَّيطان ولا يداخله بما (٦) يضرُّ عقله أو بدنه، أو لا يطعن فيه عند ولادته، أو لم

стр. 881

يفتنه بالكفر، وروى ابن جريرٍ في «تهذيب الآثار» بسنده عن مجاهدٍ قال: إذا جامع الرَّجل أهله ولم يُسمِّ انطوى الجانُّ على إحليله فجامع معه، فذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] (١). (٩) هذا (بابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ) إرادة دخول (الخَلَاءِ) -بالمدِّ، أي: في (٢) موضع قضاء الحاجة، وهو المرحاض والكنيف والحشُّ والمرفق- وسُمِّيَ به لأنَّ الإنسان يخلو فيه. ١٤٢ - وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلَة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ (٣)) أي: إذا أراد دخول الخلاء (قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ

стр. 882

الخُبُثِ) بضمِّ المُعجَمَة والمُوحَّدة، وقد تُسكَّن، وهي رواية الأَصيليِّ كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (١)، ونصَّ عليها غير واحدٍ من أهل اللُّغة. نعم، صرَّح الخطَّابيُّ بأنَّ تسكينها ممنوعٌ، وعدَّه من أغاليط المحدِّثين، وأنكره عليه النَّوويُّ وابن دقيق العيد لأنَّ «فُعُلًا» بضمِّ الفاء والعين، تُخفَّف عينه بالتَّسكين اتِّفاقًا، وردَّه الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» بأنَّ التَّخفيف إنَّما يطَّرد فيما لا يُلْبِس كـ «عُنْقٍ» من المُفرَد، و «رُسْل» من الجمع، لا فيما يُلبِس كـ «حُمُرٍ»، فإنَّه لو خُفِّف التبس (٢) بجمع «أحمر»، وتعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» بأنَّه لا يُعرَف هذا التَّفصيل لأحدٍ من أئمَّة العربيَّة، بل في كلامه ما يدفعه؛ فإنَّه صرَّح بجواز التَّخفيف في «عنْقٍ» مع أنَّه يُلبِس حينئذٍ بجمع «أعنق» وهو الرَّجلُ الطَّويلُ العنقِ، والأنثى «عنقاء»: بيِّنة العنق، وجمعهما: «عُنْقٌ» بضمِّ العَيْن وإسكان النُّون. انتهى. (وَالخَبَائِثِ) أي: ألوذ بك وألتجئ من ذُكران الشَّياطين وإناثهم، وعبَّر بلفظ (٣): «كان» للدَّلالة على الثُّبوت والدَّوام، وبلفظ المضارع في: «يقول» استحضارًا لصورة القول، وكان ﵊ يستعيذ إظهارًا للعبوديَّة، ويجهر بها للتَّعليم، وإلَّا فهو ﷺ محفوظٌ من الإنس والجنِّ، وقد روى المعمريُّ هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المُختَار عن عبد العزيز بن صهيبٍ بإسناده (٤) على شرط مسلمٍ بلفظ الأمر قال: «إذا دخلتم الخلاء (٥) فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله (٦) من الخُبُث والخبائث» وفيه زيادة «البسملة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أَرَهَا في غير هذه الرِّواية. انتهى. وظاهر ذلك تأخير التَّعوُّذ عن البسملة، قال في «المجموع»: وبه صرَّح جماعةٌ لأنَّه ليس للقراءة، وخصَّ الخلاء

стр. 883

لأنَّ الشَّياطين تحضر الأخلية؛ لأنَّه يُهجَر فيها ذكر الله تعالى. (تَابَعَهُ) ولابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «تابعه» أي: تابع آدمَ بن أبي إياسٍ (ابْنُ عَرْعَرَةَ) محمَّدٌ في رواية (١) هذا الحديث (عَنْ شُعْبَةَ) كما رواه المؤلِّف في «الدَّعوات» موصولًا [خ¦٦٣٢٢] والحاصل: أنَّ محمَّد بن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبةَ كما رواه آدم عن شعبة، وهذه هي المُتابَعَة التَّامَّة، وفائدتها: التَّقوية (وَقَالَ غُنْدَرٌ) بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة وسكون النُّون وفتح المُهمَلَة آخره راءٌ، لقب محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ: (عَنْ شُعْبَةَ) ممَّا وصله البزَّار في «مُسنَدَه»: (إِذَا أَتَى الخَلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ ممَّا وصله البيهقيُّ: (عَنْ حَمَّادٍ) أي: ابن سلمة بن دينارٍ، الرَّبعيُّ، وكان من الأبدال، تزوَّج سبعين امرأةً، فلم يُولَد له لأنَّ البدل لا يُولَد له، المُتوفَّى سنة سبعٍ وستِّين ومئةٍ: (إِذَا دَخَلَ) الخلاء (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهم الجهضميُّ البصريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صهيبٍ: (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ) وسعيد بن زيدٍ تُكُلِّم فيه من قِبَل حفظه، وليس له عند المؤلِّف غير هذا التَّعليق، مع أنَّه لم ينفرد بهذا اللَّفظ، فقد رواه مُسدَّدٌ عن عبد الوارث، عن عبد العزيز مثله. وأخرجه البيهقيُّ من طريقه، وهو على شرط المصنِّف. وهذه الرِّوايات وإن كانت مختلفة اللَّفظ (٢) فمعناها متقاربٌ يرجع إلى معنًى واحدٍ، وهو أنَّ التَّقدير: كان يقول ذلك إذا أراد الدُّخول في الخلاء، ولم يذكرِ المؤلِّف ما يقول بعد الخروج منه لأنَّه ليس على شرطه، وفي (٣) ذلك حديث عائشة ﵂ عند ابن حبَّان وابن خزيمة في «صحيحيهما»: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء (٤) قال: «غفرانك»، وحديث أنس عند «ابن ماجه»: إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب

стр. 884

عنِّي الأذى وعافاني»، وحديث ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقُطنيِّ مرفوعًا: «الحمد لله الذي أخرج عنِّي ما يؤذيني وأمسك عليَّ ما ينفعني»، ولابن عساكر بعد قوله: إذا أراد أن يدخل: «قال أبو عبد الله» يعني (١): البخاريَّ: «ويقال: الخبْث» يعني: بسكون المُوحَّدَة، والله تعالى أعلم (٢). (١٠) هذا (بابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ) ليستعمله المتوضِّئ بعد خروجه. ١٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ) أبو النَّضر -بالضَّاد المُعجَمَة- التَّميميُّ (٣) اللَّيثيُّ الكنانيُّ الخراسانيُّ، المُلقَّب بقيصرَ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بإسكان الرَّاء مع المدِّ، ابن عمر اليشكريُّ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وستِّين ومئةٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنِ أَبِي يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة، المكيِّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو، أي: ماءً ليتوضَّأ (٤) به، وقِيلَ: ناوله إيَّاه ليستنجيَ به، قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ بعد أن خرج من الخلاء، وفي رواية ابن عساكر: «فقال»: (مَنْ) استفهاميَّةٌ مُبتَدأٌ، خبره: (وَضَعَ هَذَا) الوَضوء؟ (فَأُخْبِرَ) على صيغة المجهول عُطِف على السَّابق، وقد جوَّزوا عطف الفعليَّة على الاسميَّة، والعكس، أي: أُخبِر النَّبيُّ ﷺ أنَّه ابن عبَّاسٍ، والمُخبِر: خالته ميمونةُ بنت الحارث لأنَّ ذلك كان في بيتها (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) إنَّما دعا له لِما تفرَّس فيه من الذَّكاء مع صِغَرِ سنِّه بوضعه الوَضوء عند الخلاء؛ لأنَّه

стр. 885

أيسر له ﵊، إذ لو وضعه في مكانٍ بعيدٍ منه لاقتضى مشقَّة ما في طلبه الماء، ولو دخل به إليه لكان تعريضًا للاطِّلاع عليه وهو يقضي حاجته، ولمَّا كان وضع الماء فيه إعانةٌ على الدِّين ناسبَ أن يدعوَ له بالتَّفقُّه فيه؛ لِيطَّلِعَ به على أسرار الفقه في الدِّين ليحصل النَّفع به، وكذا كان. (١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المُوحَّدة، من «يَستقبِل» مبنيًّا للفاعل (١)، و «القبلةَ»: نصبٌ على المفعوليَّة، وفي لام «يستقبلُ» الضَّمُّ على أنَّ «لا» نافيةٌ، والكسر على أنَّها ناهيةٌ، ويجوز في «يُستقبَل» ضمُّ المُثنَّاة الفوقيَّة (٢) وفتح المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، ورفع «القبلةُ» مفعولٌ (٣) ناب عن الفاعل، قال في «الفتح»: وهي روايتنا، وكِلا الوجهين بفرع «اليونينيَّة»، وفي رواية ابن عساكر: «لا يستقبل القبلة بغائطٍ ولا بولٍ» (إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ، جِدَارٍ) بالجرِّ بدلٌ من «البناء» (أَوْ نَحْوِهِ) كالسَّواري والأساطين (٤) والخشب والأحجار الكبار، وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «أو غيرِه» بدلٌ أو نحوه، وهما متقاربان (٥)، والباء في قوله: «بغائطٍ»: ظرفيَّةٌ، و «الغائط»: هو المكان المطمئنُّ من الأرض في الفضاء، كان يُقصَد لقضاء الحاجة فيه، ثمَّ كُنِّي به عن العذرة نفسِها كراهةً (٦) لذكرها بخاصِّ اسمِها، ومن عادة العرب استعمال الكنايات صونًا للألسنة عمَّا تُصَان الأبصار والأسماع عنه، فصار حقيقةً عرفيَّةً غلبت على الحقيقة اللُّغويَّة، وليس في حديث الباب ما يدلُّ على الاستثناء الذي ذكره، فقِيلَ: إنَّه أراد بـ «الغائط» معناه اللُّغويَّ، وحينئذٍ يصحُّ

стр. 886

استثناء الأبنية منه، وقِيلَ: الاستثناء مُستفَادٌ من حديث ابن عمر ﵄ الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٤٥] إذِ الحديث كلُّه واحدٌ وإن اختلفت طرقه، أو أنَّ حديث الباب عنده عامٌّ مخصوصٌ، قال العينيُّ: وعليه يتوجَّه (١) الاستثناء. ١٤٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنا (٢) ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث، نسبه (٣) إلى جدِّ جدِّه لشهرته به (قَالَ: حَدَّثَني) بالإفراد، وفي نسخةٍ بالجمع (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة (اللَّيْثِيِّ) ثمَّ الجُنْدُعيِّ، بضمِّ الجيم وسكون النُّون وضمِّ الدَّال المُهمَلَة، المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو خمسٍ ومئةٍ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كليبٍ (الأَنْصَارِيِّ) ﵁، وكان من كبار الصَّحابة، شهد بدرًا، ونزل النَّبيُّ ﷺ حين قدم المدينة عليه، وتُوفِّي بالقسطنطينيَّة غازيًا بالرُّوم (٤) سنة خمسين، وقِيلَ: بعدها، له في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَتَى) أي: جاء (أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلُِ القِبْلَةَ) بكسر اللَّام: على النَّهي، وبضمِّها: على النَّفي (وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ) جُزِمَ بحذف الياء على النَّهيِ، أي: لا يجعلها مقابل ظهره، وفي رواية «مسلمٍ»: «ولا يستدبرها ببولٍ أو غائطٍ»، والظَّاهر منه: اختصاص النَّهيِ بخروج الخارج من العورة،

стр. 887

ويكون مثاره إكرام القبلة عن المُواجَهة بالنَّجاسة، وقِيلَ: مثار النَّهيِ كشف العورة، وحينئذٍ فيطَّرد في كلِّ حالةٍ تُكشَف (١) فيها العورة كالوطء مثلًا، وقد نقله ابن شاسٍ من المالكيَّة قولًا في مذهبهم، وكأنَّ قائله تمسَّك بروايةٍ في «المُوطَّأ»: «لا تستقبلوا القبلة بفروجكم» ولكنَّها محمولةٌ على (٢) قضاء الحاجة جمعًا بين الرِّوايتين (شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) أي: خذوا في ناحية المشرق، أو في ناحية المغرب، وفيه: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو لأهل المدينة ومن كانت (٣) قبلتهم على سمتهم، أمَّا من كانت (٤) قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب فإنَّه ينحرف إلى جهة الجنوب أو الشَّمال، ثمَّ إنَّ هذا الحديث يدلُّ على عموم النَّهيِ في الصَّحراء والبنيان، وهو مذهب أبي حنيفة ومجاهدٍ وإبراهيم النَّخعيِّ وسفيان الثَّوريِّ وأحمد في روايةٍ عنه لتعظيم القبلة، وهو موجودٌ فيهما، فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجودٌ في الصَّحراء كالجبال والأودية، وخصَّ الشَّافعيَّة والمالكيَّة وإسحاق وأحمد في رواية هذا العموم بحديث ابن عمر الآتي [خ¦١٤٥] الدَّالِّ على جواز الاستدبار في الأبنية، وجابر عند أحمد وأبي داود وابن خزيمة الدَّالِّ على جواز الاستقبال فيها، ولولا ذلك كان حديث أبي أيُّوب لا يخصُّ من عمومه بحديث ابن عمر إلَّا جواز الاستدبار فقط، ولا يُقَال: يلحق (٥) به الاستقبال قياسًا لأنَّه لا يصحُّ، وقد تمسَّك به قومٌ فقالوا بجواز الاستدبار دون الاستقبال، وحُكِيَ عن أبي حنيفة وأحمد، وهو قول أبي يوسف، وهل جوازهما (٦) في البنيان مع الكراهة أم لا؟ قيل: يُكرَه وفاقًا

стр. 888

للمجموع (١)، وجزم به في «التَّهذيب» (٢) تبعًا للمتولِّي بالكراهة، واختار في «المجموع» بقاء الكراهة في استقبال بيت المقدس واستدباره، وذهب عروة بن الزُّبير وربيعة الرَّأي وداود إلى جواز الاستقبال والاستدبار مُطلَقًا، جاعلين حديث ابن عمر منسوخًا بحديث جابرٍ عند أبي داود والتِّرمذيِّ وأبناء ماجه وخزيمة وحبَّان: «نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببولٍ، ثمَّ رأيته قبل أن يُقبَض بعامٍ يستقبلها (٣)»، وقد ضعَّفوا دعوى النَّسخ بأنَّه لا يُصَار إليه إلَّا عند تَعذُّر الجمع، وحملوا حديث جابرٍ هذا على أنَّه رآه في بناءٍ أو نحوه لأنَّ ذلك هو المعهود من حاله ﵊ لمُبَالَغَته في التَّستُّر، ويُستثنَى من القول بالحرمة في الصَّحراء ما لو كان الرِّيح يهبُّ عن (٤) يمين القبلة أو (٥) شمالها، فإنَّهما لا يحرمان للضَّرورة، قال القفَّال في «فتاويه»: والاعتبار -في الجواز في البنيان، والتَّحريم في الصَّحراء- بالسَّاتر وعدمه، فحيث كان في الصَّحراء ولم (٦) يكن بينه وبينها ساترٌ، أو كان وهو قصيرٌ لا يبلغ ارتفاعه ثلثي ذراعٍ، أو بلغ ذلك وبَعُدَ عنه أكثر من ثلاثة أذرعٍ حَرُمَ، وإلَّا فلا، وفي البنيان يُشتَرط السَّتر كما ذكرنا، وإلَّا فيحرمان إلَّا فيما بُنِيَ لذلك، وهذا التَّفصيل للخراسانيِّين، وصحَّحه في «المجموع»، والله أعلم. (١٢) هذا (بابُ مَنْ تَبَرَّزَ) أي: تغوَّط وهو جالسٌ (٧) (عَلَى لَبِنَتَيْنِ) تثنية لَبِنة، بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة وتُسكَّن مع فتح اللَّام وكسرها: واحدة الطُّوب النِّيء.

стр. 889

١٤٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ -بالجيم والنُّون- المازنيِّ (١)، المُتوفَّى بالمدينة (٢) سنة إحدى وعشرين ومئةٍ (عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ) بفتح المُهمَلَة (٣)، ابن منقذٍ، له رؤيةٌ، ولأبيه صحبةٌ ﵄ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّهُ) أي: عبد الله بن عمر كما صرَّح به مسلمٌ (كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا) كأبي هريرة وأبي أيُّوب الأنصاريِّ ومعقلٍ الأسديِّ وغيرهم ممَّن يرى عموم (٤) النَّهيِ في استقبال القبلة واستدبارها (يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ) كنايةٌ عن التَّبرُّز ونحوه، وذكر «القعود» لكونه الغالب، وإلَّا فلا فرق بينه وبين حالة القيام (فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدَّال المُخفَّفَة وبضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الدَّال المفتوحة، و «بيتَ» بالنَّصب عطفًا على «القبلة»، والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﵄ وهذا (٥) ليس جوابًا لواسعٍ، بلِ «الفاء» سببيَّةٌ لأنَّ ابن عمر أورد القول الأوَّل منكرًا له، ثمَّ بيَّن سبب

стр. 890

إنكاره بما رواه عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وكان يمكنه أن يقول: «فلقد ارتقيت (١) … » إلى آخره، لكنَّ الرَّاوي عنه -وهو واسعٌ- أراد التَّأكيد بإعادة قوله: «فقال عبد الله بن عمر»: والله (لَقَدِ ارْتَقَيْتُ) أي: صعدت، وفي بعض الأصول: «رقيت» (٢) (يَوْمًا) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، ولام «لقد»: جواب قَسَمٍ محذوفٍ، وسقط لابن عساكر لفظ «يومًا» (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا) وفي روايةٍ تأتي إن شاء الله تعالى: «على ظهر بيتنا» (فَرَأَيْتُ) أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ (٣) ﷺ ¬) حال كونه (عَلَى لَبِنَتَيْنِ) وحال كونه (مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ) أي: لأجل حاجته أو وقت حاجته، وللتِّرمذيِّ الحكيم بسندٍ صحيحٍ: «فرأيته في كنيفٍ»، قال في «الفتح»: وهذا يردُّ على من قال ممَّن يرى الجواز مُطلَقًا: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدلُّ على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويردُّ هذا الاحتمال

стр. 891

أيضًا: أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلَّا بساترٍ، كما رواه أبو داودَ وغيره، وهذا الحديث -مع حديث جابرٍ عند أبي داود وغيره- مُخصِّصٌ لعموم حديث أبي أيُّوب السَّابق، ولم يقصد ابن عمر ﵄ الإشراف على النَّبيِّ ﷺ في تلك الحالة، وإنَّما صعد على (١) السَّطح لضرورةٍ، كما في الرِّواية الآتية إن شاء الله تعالى [خ¦١٤٨] فكانت منه التفاتةٌ، كما في رواية البيهقيِّ. نعم؛ لمَّا اتَّفق له رؤيته في تلك الحالة من غير قصدٍ أحبَّ ألَّا يُخْلِيْ ذلك من فائدةٍ، فحفظ هذا الحكم الشَّرعيَّ. انتهى. (وَقَالَ) أي: ابن عمر لواسعٍ (٢): (لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) أي: من الجاهلين بالسُّنَّة في السُّجود من تجافي البطن عن الوركين فيه إذ لو كنت ممَّن لا يجهلها لَعرفت الفرق بين الفضاء وغيره، والفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس؟! قال واسعٌ: (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ) أنا منهم أم لا؟ أو: لا أدري السُّنَّة في استقبال الكعبة، أو (٣) بيت المقدس (قَالَ مَالِكٌ) الإمام في تفسير الصَّلاة على الورك: (يَعْنِي: الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ). (١٣) هذا (بابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ) بفتح المُوحَّدة: الفضاء الواسع من الأرض، وكُنِّيَ به عنِ الخارج، من باب إطلاق اسم المحلِّ على الحالِّ. ١٤٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ:

стр. 892

حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام أهل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂: (أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ) أي: في اللَّيل (إِذَا تَبَرَّزْنَ) أي: إذا خرجن إلى البَرَاز (١) للبول والغائط (إِلَى المَنَاصِعِ) بفتح الميم والنُّون وكسر الصَّاد آخره عينٌ مُهمَلَةٌ (٢): مواضع آخر المدينة من ناحية (٣) البقيع (وَهُوَ) أي: المناصع: (صَعِيدٌ أَفْيَحُ) بالفاء والحاء المُهمَلَة، أي: واسعٌ (فَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : احْجُبْ نِسَاءَكَ) أي: امنعهنَّ من الخروج من البيوت (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ) ما قاله عمر ﵁ (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَْعَةَ) بالزَّايِ والميم والعين المُهمَلَة المفتوحات، أو بسكون الميم، قال في «النِّهاية»: وهو أكثر ما سمعنا من (٤) أهل الحديث والفقهاء يقولونه، القرشيَّة العامريَّة ﵂، هي (زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) المُتوفَّاة آخر خلافة عمر ﵁، وقِيلَ: في خلافة معاوية (٥) بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين (لَيْلَةً) أي: خرجت في ليلةٍ (مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً) بكسر العَيْن وبالمدِّ (٦) والنَّصب، بدلٌ من قوله: «ليلةً» (وَكَانَتِ) أي: سودةُ (امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام، حرف استفتاح يُنبَّه به على تحقيق ما بعده (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لأنَّه منادًى مُفرَدٌ معرفةٌ (حِرْصًا) بالنَّصب، مفعولٌ له لقوله: «فناداها» (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ) بضمِّ المُثنَّاة، مبنيًّا للمفعول، وسقط لفظ «على» للأَصيليِّ، وفي نسخةٍ في الفرع: «أن يَنزل» بفتحها مبنيًّا للفاعل، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: على نزول (الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ)

стр. 893

(١) (الحِجَابِ) ولغير الأَصيليِّ: «فأنزل الله آية الحجاب» أي: حكم الحجاب، وللمُستملي: «فأنزل الله (٢) آية الحجاب» وزاد أبو عَوانة في «صحيحه» من طريق التِّرمذيِّ عن ابن شهابٍ: فأنزل الله تعالى آية (٣) الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ … الآية [الأحزاب: ٥٣] فَفُسِّر المُرَاد من آية الحجاب صريحًا، وهذا (٤) أحد المواضع الأحد عشر التي وافق عمر فيها نزول القرآن، الآتية مع تمام البحث في الحديث إن شاء الله تعالى في تفسير سورة «الأحزاب» [خ¦٤٧٩٥] بعون الله تعالى وقوَّته. ١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «وحدَّثنا» بالواو، وفي روايةٍ أيضًا: «حدَّثني» (زَكَرِيَّا) بن يحيى بن صالحٍ اللُّؤلؤيُّ البلخيُّ الحافظ، المُتوفَّى ببغدادَ سنة ثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ) بعد نزول الحجاب (٥): (قَدْ أُذِنَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أذن الله (أَنْ) أي: بأن (تَخْرُجْنَ) أي: بخروجكنَّ (فِي حَاجَتِكُنَّ. قَالَ هِشَامٌ) أي: ابن عروة (تعْنِي) أي: عائشة ﵂ بالحاجة، وفي بعض الأصول: «يعني» أي: النَّبيُّ ﷺ (البَرَازَ) بفتح المُوحَّدة كما مرَّ، قال الدَّاوديُّ: قوله: «قد أُذِنَ أن تخرجن (٦)» دالٌّ على أنَّه لم يُرِدْ هنا حجاب البيوت، فإنَّ ذلك وجهٌ آخرُ، إنَّما أراد أن يستترن (٧) بالجلبابات (٨) حتَّى لا يبدو منهنَّ إلَّا العين. انتهى.

стр. 894

وهذا الحديث طرفٌ من حديثٍ يأتي -إن شاء الله- في «التَّفسير» بطوله [خ¦٤٧٩٥] والحاصل منه: أنَّ «سودة» خرجت بعدما ضُرِبَ الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر ﵁ فقال: يا سودة، أَمَا والله ما (١) تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ فرجعت فشكت ذلك لرسول (٢) الله ﷺ وهو يتعشَّى، فأوحى الله تعالى إليه فقال: «إنَّه قد أُذِنَ لكنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ» أي: لضرورة عدم الأخلية في البيوت، فلمَّا اتُّخِذت فيها الكنف (٣) منعهنَّ (٤) من الخروج إلَّا لضرورةٍ شرعيَّةٍ؛ ولهذا عقَّب المصنِّف ﵀ هذا الباب بقوله: (١٤) هذا (باب التَّبَرُّزِ فِي البُيُوتِ). ١٤٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بضمِّ الميم، وكسر الذَّال بلفظ اسم الفاعل، القرشيُّ الحرَّانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أبو (٥) ضمرة اللَّيثيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى سنة مئتين (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ (٦) وأربعين ومئةٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء (٧) المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة (٨) (عَنْ) عمِّه (وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: ارْتَقَيْتُ) أي: صعدت (فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ) يعني: أخته كما صرَّح به مسلمٌ (لِبَعْضِ حَاجَتِي) وفي روايةٍ: «ارتقيت فوق بيت حفصة»

стр. 895

بإسقاط «ظهر»، وفي الرِّواية السَّابقة في «باب من تبرَّز على لبنتين» [خ¦١٤٥]: «على ظهر بيتٍ لنا»، وفي رواية يزيد الآتية [خ¦١٤٩]: «على (١) ظهر بيتنا»، وطريق الجمع أن يُقَال: إضافة «البيت» إليه على سبيل المجاز لكونها أخته، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنَّه البيت الذي أسكنها النَّبيُّ ﷺ فيه، واستمرَّ في يدها إلى أن ماتت فورثه عنها، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنَّه ورث حفصة دون إخوته لكونها كانت شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب (فَرَأَيْتُ) أي: فأبصرت (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَقْضِي حَاجَتَهُ) وحال كونه (مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأمِ) لا يُقَال: شرط الحال أن تكون (٢) نكرةً، و «مستدبرَ»: مضافٌ لتاليه فيُعرَّفُ لأنَّ إضافته لفظيَّةٌ، وهي لا تفيد التَّعريف. ١٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن يوسف الدَّورقيُّ، وفي رواية غير أَبَوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم»: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) أي: (بْنُ هَارُونَ) كما عند الأَصيليِّ وأبي الوقت، وتُوفِّي «يزيدُ» هذا بواسطٍ سنة ستٍّ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا (٣) يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ المدنيُّ، الذي روى عنه هذا الحديث مالكٌ كما مرَّ (عَنْ

стр. 896

مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ) بفتح المُهمَلَة فيهما (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ابن الخطَّاب ﵄ (أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ) أي: علوت وارتقيت (١)، وأُكِّد بـ «اللَّام» و «قد» (ذَاتَ يَوْمٍ) أي: يومًا، فهو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه، أي: ظهرت في زمانٍ هو مُسمَّى لفظ: اليوم وصاحبه (عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ) يقضي حاجته حال كونه (مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ) ولم يقع في رواية يحيى الأنصاريِّ هذه (٢): «مستدبر القبلة» كما في رواية عُبيد الله [خ¦١٤٨] لأنَّ ذلك من (٣) لازم من استقبل الشَّام بالمدينة، وإنما ذُكِرَت في رواية عُبيد الله للتَّأكيد والتَّصريح به، وقال هنا: «مستقبل بيت المقدس»، وفي السَّابقة: «مستقبل الشَّأم» [خ¦١٤٨] فغاير في اللَّفظين (٤) والمعنى واحد لأنَّهما في جهةٍ واحدةٍ. (١٥) هذا (بابُ (٥) الاِسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ) «استفعال» أي: طلب الإنجاء، والهمزة: للسَّلب والإزالة؛ كالاستعتاب لطلب الإعتاب لا العتب (٦)، والاستنجاء: إزالة النَّجو، وهو الأذى الباقي في فم أحد المَخْرجَيْن بالحجر أو بالماء، وأصله: الإزالة والذَّهاب إلى النَّجو، وهو ما ارتفع من الأرض، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتَّخلِّي، وقصد المؤلِّف بهذه التَّرجمة: الرَّدَّ على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من الشَّارع ﷺ . ١٥٠ - وبالسَّند أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي مُعَاذٍ) بضمِّ الميم وبالذَّال المُعجَمَة (وَاسْمُهُ

стр. 897

عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) البصريُّ التَّابعيُّ القدريُّ، المُتوفَّى بعد الثَّلاثين والمئة، وفي روايةٍ: الاقتصار على «أبي معاذٍ» دون تاليه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ) من بيته، أو من بين النَّاس (لِحَاجَتِهِ) أي: البول أو الغائط، ولفظة «كان» تُشعِر بالتَّكرار والاستمرار (أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ) زاد في الرِّواية الآتية [خ¦١٥١]: «منَّا» أي: مِنَ الأنصار، كما صرَّح به الإسماعيليُّ في روايته، وكلمة «إذا» ظرفٌ، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشَّرط، وهو (١) «أجيء»، والجملة في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، والعائد محذوفٌ، أي: أجيئه، و «أنا»: ضميرٌ مرفوعٌ أبرزه ليصحَّ عطف «غلامٌ» على ما قبله لِئلَّا يلزم عطف اسمٍ على فعلٍ، و «الغلام»: الذي طرَّ شاربه، وقِيلَ: هو من حين يُولَد إلى أن يَشِبَّ، وفي «أساس البلاغة»: «الغلام»: هو الصَّغير إلى حدِّ الالتحاء، فإن قِيلَ له بعد الالتحاء: غلامٌ، فهو مجازٌ، ولم يُسمَّ الغلام، وقِيلَ: هو ابن مسعودٍ، ويكون سمَّاه غلامًا مجازًا، وحينئذٍ فقول أنسٍ: «غلامٌ منَّا» أي: مِنَ الصَّحابة أو من خدمه ﵊، وأمَّا رواية الإسماعيليِّ التي فيها: «من الأنصار»، فلعلَّها من تصرُّف الرَّاوي حيث رأى في الرِّواية «منَّا»، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى فقال: «من الأنصار»، أو: من إطلاق الأنصار على جميع الصَّحابة ﵃ وإن كان العرف خصَّه بالأوس والخزرج، وقِيلَ: أبو هريرة، وقد وُجِدَ (٢) لذلك شاهدٌ، وسمَّاه (٣) أنصاريًّا مجازًا، لكن يبعده أنَّ إسلام أبي هريرة بعد بلوغ أنسٍ، وأبو هريرة كبيرٌ، فكيف يقول أنسٌ -كما في «مسلمٍ» -: «وغلام نحوي» أي: مقاربٌ لي في السِّنِّ؟ ووقع في رواية الإسماعيليِّ من طريق عاصم بن عليٍّ: «فأتبعه (٤) وأنا غلامٌ» بتقديم الواو فتكون حاليَّةً، لكن تعقَّبه الإسماعيليُّ بأنَّ الصَّحيح: «أنا وغلامٌ» بواو العطف (مَعَنَا) بفتح العين، وقد تُسكَّن (إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة: إناءٌ

стр. 898

صغيرٌ من جلدٍ كالسَّطيحة مملوءةٌ (مِنْ مَاءٍ) قال هشامٌ: (يَعْنِي) أنسٌ: (يَسْتَنْجِي (١) بِهِ) رسول الله ﷺ ، وقد تعقَّب الأَصيليُّ البخاريَّ ﵀ في استدلاله بحديث الباب على الاستنجاء بالماء، قال: لأنَّ قوله هنا: «يستنجي به» ليس هو من قول أنسٍ، إنَّما هو من قول أبي الوليد هشامٍ الرَّاوي، وقد رواه سليمان بن حربٍ عن شعبةَ فلم يذكرها (٢)، فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه. انتهى. وزعم بعضهم أنَّ قوله: «يستنجي به» مُدرَجٌ (٣) من قول عطاءٍ الرَّاوي عن أنسٍ فيكون مُرسَلًا، وحينئذٍ فلا حجَّة فيه، وهذا يردُّه ما عند الإسماعيليِّ من طريق عمرو بن مرزوقٍ عن شعبةَ: فانطلقت أنا وغلامٌ من الأنصار معنا إداوةٌ فيها ماءٌ يستنجي (٤) منها النَّبيُّ ﷺ ، ولـ «مسلمٍ» (٥) من طريق خالدٍ الحذَّاء عن عطاءٍ عن أنسٍ: «فخرج علينا وقد استنجى بالماء»، وللمؤلِّف من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: «إذا تبرَّز لحاجته أتيته بماءٍ فيغسل (٦) به» [خ¦٢١٧] وعند ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث إبراهيم بن جريرٍ عن أبيه: «أنَّه ﷺ دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جريرٌ بإداوةٍ من ماءٍ فاستنجى بها»، وفي «صحيح ابن حِبَّانَ» من حديث عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائطٍ قطُّ إلَّا مسَّ (٧) ماءً»، وعند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ-: أنَّها قالت: «مُرْنَ أزواجكنَّ أن (٨) يغسلوا أثر الغائط والبول؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يفعله»، وهذا يردُّ على من كره الاستنجاء بالماء، ومن نفى وقوعه مِنَ النَّبيِّ ﷺ متمسِّكًا بما رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ (٩) عن حذيفة بن اليمان: أنَّه سُئِل عنِ الاستنجاء بالماء فقال: «إذًا لا يزال في يده نتنٌ»، وعن نافعٍ، عنِ ابن عمر ﵄: «كان

стр. 899

لا يستنجي بالماء»، وعنِ الزُّهريِّ قال: ما كنَّا نفعله، وعن سعيد بن المُسَيَّب: أنَّه سُئِلَ عنِ الاستنجاء بالماء فقال: «إنَّه وضوء النِّساء»، ونقل ابن التِّين عن مالكٍ: أنَّه أنكر أن يكون النَّبيُّ ﷺ استنجى بالماء، وعن ابن حبيبٍ من المالكيَّة (١): أنَّه منع مِنَ الاستنجاء بالماء لأنَّه مطعومٌ، وقال بعضهم: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسُّنَّة قاضيةٌ عليهم، استعمل النَّبيُّ ﷺ الأحجار وأبو هريرة معه، ومعه إداوةٌ من ماءٍ، والذي عليه جمهور السَّلف والخَلَف ﵃ أجمعين: أنَّ الجمع بين الماء والحجر أفضل، فيقدِّم الحجر لتخفيف (٢) النَّجاسة وثقل (٣) مُباشرَتها بيده، ثمَّ يستعمل الماء، وسواءٌ فيه الغائط والبول، كما قاله ابن سراقة وسليمٌ الرَّازي، وكلام القفَّال الشَّاشيِّ في «محاسن الشَّريعة» يقتضي تخصيصه بالغائط، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النَّجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين فقط، والخنثى المُشكِل يتعيَّن فيه الماء على المذهب، ويُشترَط في الحجر الطَّهارة، إلَّا في الجمع بينه وبين الماء فلا (٤) كما نقله صاحب «الإعجاز» عن الغزاليِّ، والله تعالى أعلم (٥). (١٦) هذا (بابُ مَنْ حُمِلَ) بضمِّ الحاء وكسر الميم خفيفةً (مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء، أي: ليتطهَّر به، وفي رواية ابن عساكر: «لطَهور» بفتح الطَّاء وحذف الضمير (وَقَالَ: أَبُو الدَّرْدَاءِ) عويمر بن مالك بن عبد الله بن قيسٍ، ويُقَال: عويمر بن يزيد بن قيسٍ الأنصاريُّ، قاضي دمشق في خلافة

стр. 900

عثمان ﵄، المُتوفَّى بها سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين، يخاطب علقمة بن قيسٍ ومَنْ سأله من العراقيِّين عن أشياءَ (١) لمَّا كان بالشَّام ممَّا وصله المؤلِّف في «المناقب» [خ¦٣٧٤٢]: (أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ) عبد الله بن مسعود ﵁ (وَالطَّهُورِ) بفتح الطَّاء (وَالوِسَادِ؟) (٢) بكسر الواو، أي: صاحب نعلَي رسول الله ﷺ ومائه الذي يتطهَّر به ومخدَّته، والإسناد إليه مجازٌ لأجل المُلابَسَة؛ لأنَّه كان يخدم النَّبيَّ ﷺ ، أي: لِمَ لا تسألون ابن مسعودٍ ﵁ وهو في العراق بينكم؟! وكيف تحتاجون معه إلى أهل الشَّام أو إلى مثلي؟! ١٥١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الرَّاء آخره مُوحَّدَةٌ، الواشحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) البصريّ التَّابعيّ، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «عن أبي معاذٍ هو عطاء بن أبي ميمونة» (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁، وفي رواية الأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» حال كونه (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ﷺ ، وفي روايةٍ: «كان النَّبيُّ» (¬ ﷺ إِذَا خَرَجَ) من بيته، أو من بين النَّاس (لِحَاجَتِهِ) البول أو الغائط (تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا) أي: مِنَ الأنصار، كما صرَّح به الإسماعيليُّ في روايته، أو من قومنا، أو من خدمه ﵊، كما مرَّ [خ¦١٥٠] (مَعَنَا إِدَاوَةٌ) مملوءةٌ (مِنْ مَاءٍ) فإن قلت: «إذا» للاستقبال، وخرج للمضيِّ، فكيف يصحُّ هنا إذِ الخروج قد وقع؟ أُجِيب بأنَّ «إذا» هنا لمُجرَّد الظَّرفيَّة، فيكون المعنى: تبعته حين (٣) خرج، أو هو (٤) حكايةٌ للحال الماضية.

стр. 901

(١٧) هذا (بابُ حَمْلِ العَنَزَةِ) بفتح العين والنُّون (١) والزَّاي: عصا أقصر من الرُّمح (٢) (مَعَ المَاءِ فِي الاِسْتِنْجَاءِ). ١٥٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف (٣) قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة وتشديد المُعجَمَة، المُلقَّب ببُندار (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المُلقَّب غُنَدر (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) البصريِّ التَّابعيِّ أنَّه (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ يَدْخُلُ الخَلَاءَ) بالمدِّ، أي: للتَّبرُّز (٤) (فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً) مملوءةً (مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً) بالنَّصب عطفًا على «إداوةً»، وكان أهداها له ﵊ النَّجاشيُّ، كما في «طبقات ابن سعدٍ» و «مفاتيح العلوم» للخوارزميِّ، والمُرَاد بـ «الخلاء» هنا: الفضاء، كما في

стр. 902

الرِّواية الأخرى: «كان إذا خرج لحاجته» [خ¦٥٠٠] ولقرينة حمل العنزةٍ مع الماء؛ فإنَّ الصَّلاة إليها إنَّما تكون حيث لا سترة غيرها، ولأنَّ الأخلية المُتَّخَذَة في البيوت إنَّما يتولَّى خدمته فيها في العادة أهله (يَسْتَنْجِي) ﵊ (بِالمَاءِ) وينبش بالعنزة الأرض الصَّلبة عند قضاء الحاجة؛ لِئلَّا يرتدَّ عليه الرَّشاش، أو يصلِّي إليها في الفضاء، أو يمنع بها ما يعرض من الهوامِّ، أو يركزها بجنبه لتكون إشارةً إلى منع من يَروم المرور بقربه، لا ليستتر بها عند قضاء الحاجة لأنَّ ضابط هذا ما يستر الأسافل، والعنزة ليست كذلك. (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بن جعفرٍ (النَّضْرُ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المُعجَمَة، ابن شُميلٍ -بضمِّ الشِّين المُعجَمَة- المازنيُّ البصريُّ، من أتباع التَّابعين، المُتوفَّى آخر سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئتين (وَشَاذَانُ) بالشِّين والذَّال المُعجَمَتين آخره نونٌ، لقبُ الأسود بن عامرٍ الشَّاميِّ أو البغداديِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ ومئتين (عَنْ شُعْبَةَ) فأمَّا مُتابَعَة الأوَّل: فموصولةٌ عند النَّسائيِّ، والثَّانية: عند المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٥٠٠] وزاد في رواية كريمة فقط وفي «اليونينيَّة» سقوطها للأربعة: (العَنَزَةُ: عَصًا عَلَيْهِ زُجٌّ) بضمِّ الزَّايِ المُعجَمَة وبالجيم المُشدَّدة، وهو: السِّنان أقصر من الرُّمح. (١٨) هذا (بابُ النَّهْيِ عَنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ). ١٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (١)، وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثني» (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ)

стр. 903

بضمِّ (١) الميم وبالذَّال المُعجَمَة في الأوَّل، وفتح الفاء والضَّاد المُعجَمَة في الثَّاني، البصريُّ الزَّهرانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابن أبي عبد الله (هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ) بفتح الدَّال وسكون السِّين المُهمَلَتين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وبالهمز من غير نونٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، الطَّائيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) السّلميِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين (عَنْ أَبِيهِ) وفي روايةٍ: «عن أبي قتادة» بدل قوله: «عن أبيه»، واسم أبي قتادة الحارث، أوِ النُّعمان، أو عمرو بن ربعيٍّ الأنصاريُّ، فارس رسول الله ﷺ ، شهد أُحُدًا وما بعدها، واختُلِف في شهوده بدرًا، له في «البخاريِّ» ثلاثةَ عَشَرَ حديثًا، تُوفِّيَ بالمدينة أو بالكوفة سنة أربعٍ (٢) وخمسين ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) ماءً أو غيره (فَلَا يَتَنَفَّسُْ) بالجزم على النَّهيِ كالفعلين اللَّاحقين، والرَّفع على النَّفي (فِي الإِنَاءِ) أي: داخله، وحذفُ المفعول يفيد العموم ولذا قُدِّر بـ «ماءٍ» أو غيره، وهذا النَّهيُ للتَّأديب لإرادة المُبالَغَة في النَّظافة؛ لأنَّه ربَّما (٣) يخرج منه ريقٌ (٤) فيخالط الماء، فيعافه الشَّارب، وربَّما يُروَّح الماءُ (٥) من بخارٍ رديءٍ بمعدته فيفسد الماء للطافته، فيُسَنُّ (٦) أن يُبِيْنَ الإناء عن فمه (٧) ثلاثًا مع التَّنفُّس في كلِّ مرَّةٍ، ويأتي مزيدٌ لذلك -إن شاء الله تعالى- بعون الله في «كتاب الأشربة» [خ¦٥٦٣٠] (وَإِذَا أَتَى (٨) الخَلَاءَ) فبال، كما فسَّرته الرِّواية الآتية [خ¦١٥٤] (فَلَا يَمَسَُِّ ذَكَرَهُ) وكذا دبره (بِيَمِينِهِ) حال (٩) البول والغائط،

стр. 904

والفاء في «فلا» جواب الشَّرط، كهي في السَّابقة، ويجوز في سين «يمسَّ» فتحها، لخفَّته، وكسرها على (١) الأصل في تحريك السَّاكن، وفكُّ الإدغام، وإنَّما لم يظهرِ الجزمُ فيها للإدغام، فإذا زال ظهر (وَلَا يَتَمَسَّحُْ بِيَمِينِهِ) تشريفًا لها عن مماسَّة ما فيه أذًى أو مُباشَرَته، وربَّما يتذكَّر عند تناوله (٢) الطَّعام ما باشرته يمينه من الأذى فينفر طبعه عن تناوله، والنَّهي فيها (٣) للتَّنزيه عند الجمهور كما صرَّحوا به، وعبارة «الرَّوضة»: يُستحَبُّ باليسار، وكلامه في «الكافي» يُفهِم أنَّ الاستنجاء بها حرامٌ، فإنَّه قال: لوِ استنجى بيمينه صحَّ كما لو (٤) توضَّأ من إناء فضَّةٍ، وإنَّما خصَّ الرِّجال بالذِّكر لكون الرِّجال في الغالب هم المُخاطَبون، والنِّساء شقائق الرِّجال في الأحكام إلَّا ما خُصَّ (٥)، وقد استُشكِل ما ذكر من النَّهيِ عنِ المسِّ والاستجمار باليمين لأنَّه إذا استجمر باليسار استلزم مسَّ الذَّكَر باليمين، وإذا مسَّ باليسار استلزم الاستجمار باليمين، وكلاهما منهيٌّ عنه، وأُجِيب بأنَّ التَّخلُّص من ذلك ما قاله إمام الحرمين، والبغويُّ في «تهذيبه»، والغزاليُّ في «وسيطه»: أنَّه يمرُّ العضو بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه، وهي قارَّةٌ غير متحرِّكةٍ، وحينئذٍ فلا يُعَدُّ مستجمرًا باليمين ولا ماسًّا بها، فهو كمن صبَّ الماء بيمينه على يساره حالة الاستنجاء، ومُحصَّلَه: أنَّه لا يجعل يمينه محرِّكةً للذَّكَر ولا للحجر، ولا يستعين بها إلَّا لضرورةٍ، كما إذا استنجى بالماء أو بحجرٍ لا يقدر على الاستنجاء به (٦) إلَّا بمسكه بها، قاله ابن الصَّبَّاغ. ولمَّا فرغ المؤلِّف (٧) من ذكر ما ترجم له -وهو النَّهيُ عنِ الاستنجاء باليمين- شَرَعَ يَذْكُر ترجمة النَّهيِ عن مسِّ الذَّكر بها، فقال:

стр. 905

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (١) (لَا يُمْسِكُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي غيرها (٢) بالجزم، وفي نسخةٍ بالفرع كأصله: «لا يمسُّ» (ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ) فإن قلت: حكم هذه التَّرجمة قد مرَّ في الحديث السَّابق، فما فائدة هذه التَّرجمة؟ فالجواب: أنَّ فائدتها: اختلاف الإسناد مع ما وقع في لفظ المتن من الخلاف الآتي في (٣) بيانه، وتحرِّيه على عادته في تعدُّد التَّراجم بتعدُّد الأحكام المجموعة في الحديث الواحد، كما في هذا. ١٥٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، إمام أهل الشَّام (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) أبي (٤) قتادة، وقد صرَّح ابن خزيمةَ في روايته بسماع يحيى له من عبد الله بن أبي قتادة، فحصل الأمن من التَّدليس (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) بنون التَّوكيد، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «فلا يأخذ» بإسقاطها، وفي الرِّواية السَّابقة: «إذا أتى الخلاء فلا يمسَّ ذَكَرَهُ بيمينه» [خ¦١٥٣] (وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة بعد الجيم على النَّهي، وفي رواية الأربعة (٥): «ولا يستنجي» بإثباتها على النَّفي، وهو مفسِّرٌ لقوله في الرِّواية السَّابقة: «ولا يتمسَّح بيمينه»، ولفظ: «لا يستنجي» أعمُّ من أن يكون بالقُبل أو بالدُّبر، وهو يردُّ على الطِّيبيِّ حيث قال في الرِّواية السَّابقة: «ولا يتمسَّح بيمينه»: مُختَصٌّ بالدُّبر (وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ) جملةٌ استئنافيَّةٌ على أنَّ «لا»: نافيةٌ، أو معطوفةٌ على

стр. 906

أنَّها: ناهيةٌ، ولا يلزم من كون المعطوف عليه مُقيَّدًا بقيدٍ أن يكون المعطوف مُقيَّدًا به لأنَّ التَّنفُّس لا يتعلَّق بحالة البول، وإنَّما هو حكمٌ مُستقِلٌّ. (٢٠) هذا (بابُ الاِسْتِنْجَاءِ بِالحِجَارَةِ). ١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي الوليد (المَكِّيُّ) الأزرقيُّ، جدُّ أبي الوليد، محمَّد بن عبد الله، صاحب «تاريخ مكَّة»، المُتوفَّى سنة أربعَ عشرةَ أو اثنتين وعشرين ومئتين قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو (١) بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو) بكسر عين «سعِيدٍ» (المَكِّيُّ) القرشيُّ الأمويُّ (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي، الثِّقة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: أتْبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بقطع الهمزة في (٢) الرُّباعيِّ، أي: لحقته، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]

стр. 907

وبهمزة وصلٍ وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: مشيت وراءه (وَ) قد (خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) جملةٌ وقعت حالًا، فلا بدَّ فيها (١) من «قد» إمَّا ظاهرةً، وإمَّا (٢) مُقدَّرَةً (فَكَانَ) ﵊، بفاء العطف، ولغير أبي (٣) ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «وكان» (لَا يَلْتَفِتُ) وراءه، وهذه كانت عادته ﵊ في مشيه (فَدَنَوْتُ) أي: قربت (مِنْهُ) لأستأنس به، كما في رواية الإسماعيليِّ، وزاد: فقال: من هذا؟ فقلت: أبو هريرة (فَقَالَ: ابْغِنِي) بهمزة وصلٍ مِنَ الثُّلاثيِّ، أي: اطلب لي، يقال: بَغَيْتُكَ الشَّيء، أي: طلبتُه لك، وبهمزة قطعٍ إذا كان من المَزِيد، أي: أَعِنِّي على الطَّلب، يقال: أبغيتُك الشَّيءَ، أي: أعنتُك على طلبه، قال العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ-: وكلاهما روايتان، وللأَصيليِّ: «فقال: أبغ لي» بهمزة قطعٍ وباللَّام بعد الغَيْن بدل «النُّون»، وللإسماعيليِّ: «ائتني» (أَحْجَارًا): نصبُ مفعولٍ ثانٍ لـ «أَبغني» (أَسْتَنْفِضُْ بِهَا) بالنُّون والفاء المكسورة، والضَّاد المُعجَمَة مجزومٌ جوابًا للأمر، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، ويجوز رفعه على الاستئناف، والاستنفاض: الاستخراج، ويُكنَّى به عنِ الاستنجاء، كما قاله المطرِّزيُّ، وفي «القاموس»: استنفضه: استخرجه، وبالحجر: استنجى (أَوْ) قال ﵊ (نَحْوَهُ) بالنَّصب

стр. 908

مفعول «قال» أي: قال نحو هذا اللَّفظ، كأستنجي وأستنفض (١)، والتَّردُّد من بعض رواته (وَلَا تَأْتِنِي) بالجزم بحذف حرف العلَّة على النَّهي، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تأتيني» بإثباته على النَّفي، وفي روايةٍ في الفرع كأصله: «ولا تأتي» (٢) (بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ) لأنَّهما مطعومان للجنِّ، كما عند المؤلِّف في «المبعث» [خ¦٣٨٦٠]: أنَّ أبا هريرة ﵁ قال للنَّبيِّ ﷺ لمَّا أن فرغ: ما بالُ العظم والرَّوث؟ قال: «هما من طعام الجنِّ»، وفي حديث أبي داود عن ابن مسعودٍ: أنَّ وفد الجنِّ قدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمَّد، انْهَ أمَّتك عن الاستنجاء بالعظم والرَّوث، فإنَّ الله تعالى جعل لنا فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، وقال: «إنَّه زاد إخوانكم من الجنِّ»، وقِيلَ: النَّهيُ في العظم لأنَّه لزجٌ فلا يتماسك لقطع النَّجاسة، وحينئذٍ فيلحق به: كلُّ ما في معناه كالزُّجاج الأملس، أو لأنَّه لا يخلو غالبًا من بقيَّة دسمٍ تعلَّق به، فيكون مأكولًا للنَّاس، ولأنَّ الرَّوث نجسٌ فيزيد ولا يُزيل، ويلحق به: كلُّ نجسٍ ومتنجِّسٍ، فلو حُرِقَ (٣) العظم وخرج عن حال العظام، فوجهان: أصحُّهما ما (٤) في «المجموع»: المنع، ويلحق بالعظم: كلُّ مطعومٍ للآدميِّ لحرمته، فإنِ (٥) اختصَّ بالبهائم، قال الماورديُّ: لم يَحْرُم، ومنعه ابن الصَّبَّاغ، والغالب كالمُختَصِّ، أوِ استويا فوجهان، وقد نبَّه في الحديث باقتصاره في النَّهيِ على العظم والرَّوث على أنَّ ما سواهما يجزئ (٦)، ولو كان ذلك مُختَصًّا بالأحجار -كما يقوله (٧) بعض الحنابلة والظَّاهريَّة- لم يكن لتخصيص هذين بالنَّهيِ معنًى،

стр. 909

وإنَّما خُصَّا بالذِّكر لكثرة وجودهما. قال أبو هريرة: (فَأَتَيْتُهُ) ﵊ (بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ) أي: في طرف (ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا) بتاءٍ بعد العَيْن السَّاكنة، وفي روايةٍ: «فوضعها» (إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة»: «واعترضت» (عَنْهُ) بزيادة تاءٍ بعد العَيْن (فَلَمَّا قَضَى) ﷺ حاجته (أَتْبَعَهُ) (١) بهمزة قطعٍ، أي: ألحقه (٢) (بِهِنَّ) أي: أتبع المحلَّ بالأحجار، وكنَّى به عنِ الاستنجاء، واستنبط منه مشروعيَّة الاستنجاء، وهل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ؟ وبالأوَّل قال الشَّافعيُّ وأحمد رحمهما الله تعالى لأمره ﵊ بالاستنجاء بثلاثة أحجارٍ، وكلُّ ما فيه تعدُّدٌ يكون واجبًا كولوغ الكلب، وقال مالكٌ وأبو حنيفة والمزنيُّ من أصحابنا (٣) الشَّافعيَّة: هو سُنَّةٌ، واحتجُّوا بحديث أبي هريرةَ عند أبي داودَ مرفوعًا: «منِ استجمر فلْيُوْتِر، من فعل فقد أحسنَ، ومن لا فلا حرج … » الحديثَ، قالوا: وهو يدلُّ على انتفاء (٤) المجموع لا الإيتار وحده (٥)، وأن يكون قبل الوضوء اقتداءً به ﵊، وخروجًا من الخلاف، فإنَّه شرطٌ عند أحمد، وإن أخَّره بعد التَّيمُّم لم يُجْزِئه (٦). (٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول، وثبت في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ما بعد الباب.

стр. 910

١٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ المكيُّ (١) الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيِّ، بفتح السِّين المُهمَلَة وكسر المُوحَّدة التَّابعيِّ، وما ذُكِر (٢) من كون زهيرٍ سمع من أبي إسحاق بأخَرةٍ لا يقدح لثبوت سماعه منه هذا الحديث قبل الاختلاط بطرقٍ متعدِّدةٍ (قَالَ) أي: أبو إسحاق (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بن عبد الله بن مسعود (ذَكَرَهُ) لي (وَلَكِنْ) ذكره لي، أو (٣) حدَّثني به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين، أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنَّما أرويه عن عبد الرَّحمن بن الأسود (عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيدَ النَّخعيِّ الكوفيِّ، صاحب ابن مسعودٍ، وقد اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، وابن مغولٍ (٤) وغيره عنه (٥) عن الأسود عن أبيه عن عبد الله، من غير ذكر عبد الرَّحمن، ورواه زكريَّا بن أبي زائدة عنه، عن عبد الرَّحمن بن يزيد، عنِ الأسود، ومعمرٌ عنه، عن علقمة، عن عبد الله، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ومن ثمَّ انتقده الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف، لكنَّه (٦) قال: أحسنها سياقًا الطَّريق التي أخرجها البخاريُّ، لكن في النَّفس منه شيءٌ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق، وأُجِيب بأنَّ الاختلاف على الحفَّاظ لا يوجب الاضطراب إلَّا مع استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ومع الاستواء لا بدَّ أن يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين،

стр. 911

وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأنَّ الرِّوايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ غير طريق زهيرٍ وإسرائيل، مع أنَّه يمكن ردُّ أكثر الطُّرق إلى رواية زهيرٍ، وقد تابع زهيرًا يوسفُ بنُ إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهيرٍ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة بتقدير المُوحَّدة، أي: الأسودَ (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ) أي: الأرض المطمئنَّة لقضاء حاجته، فالمُرَاد به: معناه اللُّغويُّ (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أي: فأمرني بإتيان ثلاثة أحجارٍ، وفي طلبه الثَّلاثةَ دليلٌ على اعتبارها، وإلَّا لَمَا طلبها، وفي حديث سلمان: نهانا رسول الله ﷺ أن نكتفيَ بدون ثلاثة أحجارٍ كما (١) رواه مسلمٌ وأحمد، قال عبد الله بن مسعود (٢) ﵁: (فَوَجَدْتُ) أي: أصبت (حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ) أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ) بالضَّمير المنصوب، أي: الحجرَ، ولأبي ذَرٍّ: «فلم أجد» بحذفه (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زاد ابن خزيمة في روايةٍ له في هذا الحديث: أنَّها كانت روثة حمارٍ (فَأَتَيْتُهُ) ﵊ (بِهَا) أي: بالثَّلاثة (فَأَخَذَ) ﵊ (الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) بكسر الرَّاء، أي: رِجْسٌ، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه في هذا الحديث، أو طعام الجنِّ، وعُزِيَ للنَّسائيِّ، أو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، قاله الخطَّابيُّ، وذكَّر إشارة (٣) الرَّوثة باعتبار تذكير الخبر، على حدِّ قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وفي بعض النُّسخ: «هذه ركسٌ» على الأصل، فإن قلت: ما وجه إتيانه بالرَّوثة بعد أمره ﵊ له بالأحجار؟ أُجِيب بأنَّه قاس الرَّوث على الحجر بجامع الجمود، فقطع ﷺ قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه

стр. 912

إلَّا لضرورة عدم المنصوص عليه، وزاد في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبوي ذَرٍّ والوقت (١): (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاقَ السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق بن (٢) أبي إسحاق الكوفيِّ الحافظ، المُتوفَّى في زمن أبي جعفرٍ المنصور، أو سنة سبعٍ وخمسين ومئةٍ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن الأسود بن (٣) يزيد (٤)، أي: بالإسناد السَّابق، وأراد المؤلِّف بهذا التَّعليق الرَّدَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاقَ دلَّس هذا الخبر، وفي ذكر مبحث ذلك طولٌ يخرج عن غرض الاختصار، وقد استدلَّ الطَّحاويُّ بقوله: «وألقى الرَّوثة» على عدم اشتراط الثَّلاث في الاستنجاء، وعَلَّل (٥) بأنَّه لو كان مشترطًا (٦) لطلب ثالثًا، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وداودَ، وأُجِيب بأنَّ في رواية أحمد في «مُسنَده» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ أثباتٌ عن ابن مسعودٍ في هذا الحديث: «فألقى الرَّوثة»، وقال: «إنَّها ركسٌ، ائتني بحجرٍ»، أو أنَّه ﵊ اكتفى بطرف أحد الحجرين عنِ الثَّالث لأنَّ المقصود بالثَّلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحاتٍ، وذلك حاصلٌ ولو بواحدٍ له ثلاثة أطرافٍ (٧)، وتأتي بقيَّة المباحث قريبًا إن شاء الله تعالى بحمد الله وعونه (٨). (٢٢) هذا (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً) لكلِّ عضوٍ.

стр. 913

١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكَنْدِيُّ أو الفِرْيَابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، أوِ الثَّوريُّ، وجزم الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ بأنَّ المُرَاد محمَّدُ بن يوسف الفريابيُّ لا البيكنديُّ، وسفيان الثَّوريُّ لا ابن عيينة، والتَّردُّد فيهما للكِرمانيِّ، وأقرَّه العينيُّ عليه (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) التَّابعيِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، والسِّين المُهمَلَة المُخفَّفة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فغسل كلَّ عضوٍ من أعضاء الوضوء (مَرَّةً مَرَّةً) بالنَّصب فيهما على المفعول المُطلَق المبيِّن للكميَّة، وقِيلَ: على الظَّرفيَّة، أي: توضَّأ في زمانٍ واحدٍ، وقِيلَ: على المصدر، أي: توضَّأ مرَّةً، مِنَ التَّوضُّؤ، أي: غسل الأعضاء غسلةً واحدةً. (٢٣) [هذا] (بابُ الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) لكلِّ عضوٍ أيضًا.

стр. 914

١٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثني» (حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى) بتصغير الأوَّل، ابن حُمران -بضمِّ الحاء المُهمَلَة- الطَّائيُّ القومسيُّ -بالقاف والسِّين المُهمَلَة- الدَّامغانيُّ البسطاميُّ، المُتوفَّى بنيسابورَ سنة سبعٍ وأربعين ومئتين، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «الحسين بن عيسى» (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلمٍ المؤدِّب المعلِّم المؤذِّن البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بعد المئتين سنة سبعٍ أو ثمانٍ أو غير ذلك (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية الأربعة: «أخبرنا» (فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ، واسمه: عبد الملك (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح العَيْن في الأوَّل، وفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الزَّايِ في الثَّاني (١)، المدنيِّ الأنصاريِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وثلاثين ومئةٍ، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أبي بكر بن محمَّد بن عمرٍو» بزيادة: «ابن محمَّدٍ» بين أبي بكرٍ وابن عمرٍو (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بتشديد المُوحَّدة بعد العَيْن، ابن يزيد الأنصاريِّ، المُختَلف في صحبته (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن عبد ربِّه، صاحب رؤيا الأذان ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ) فغسل أعضاء الوضوء (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالنَّصب (٢) فيهما على المفعول المُطلَق كالسَّابق. (٢٤) هذا (بابُ الوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) لكلِّ عضوٍ.

стр. 915

١٥٩ - ١٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العَيْن، سبط عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ) التَّابعيَّ (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر ابن شهابٍ (أَنَّ) بفتح الهمزة، بتقدير الباء (حُمْرَانَ) بضمِّ (١) الحاء المُهمَلَة وسكون الميم وبالرَّاء، ابن أَبَان -بفتح الهمزة والمُوحَّدة المُخفَّفة- ابن خالدٍ (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفَّان ﵁، المُتوفَّى سنة
следующие страницы →