← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

كقولك: خلطت الماء واللَّبن، فكلٌّ مخلوطٌ ومخلوطٌ به الآخر، ولو قلت: خلطت الماء باللَّبن؛ كان الماء مخلوطًا واللَّبن مخلوطًا به فإذا قلت: بالواو جعلت الماء واللَّبن مخلوطين ومخلوطًا بهما، كأنَّك قلت: خلطت الماء باللَّبن واللَّبن بالماء (١)، وهو استعارةٌ عن الجمع بينهما (﴿عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبٌ، وإنَّما عبّر بها؛ للإشعار بأنَّ ما يفعله تعالى ليس إلَّا على سبيل التَّفضُّل منه (٢) سبحانه، حتَّى لا يتَّكل المرء بل يكون على خوفٍ وحذرٍ، والمعنى: عسى الله أن يقبل توبتهم، فإن قلت: كيف قال: ﴿أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يسبق للتَّوبة ذكرٌ؟ أجِيبَ بأنَّه مدلولٌ عليها بقوله: ﴿اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ قاله في «الأنوار» كـ «الكشَّاف» (﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]) وسقط قوله: «﴿خَلَطُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: «الآيةَ» قال ابن كثيرٍ (٣): وهذه الآية وإن كانت في أناسٍ معيَّنين إلَّا أنَّها عامَّةٌ في كلِّ المذنبين الخطَّائين، وقد قال مجاهدٌ: نزلت في أبي لُبابة لمَّا قال لبني قريظة: «إنَّه الذَّبْحُ (٤) وأشار بيده إلى حلقه» قال ابن عبَّاسٍ: «في أبي لبابةَ وجماعةٍ من أصحابه، تخلَّفوا عن غزوة تبوك» وقال بعضهم: أبو لبابة وخمسةٌ معه، وقيل: وسبعةٌ، وقيل: وتسعةٌ، فلمَّا رجع النَّبيُّ ﷺ من غزوته؛ ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلُّهم إلَّا رسول الله ﷺ ، فلما أنزل الله الآية أطلقهم ﷺ ، وعفا عنهم. ٤٦٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُؤَمَِّلٌ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية

стр. 8507

مشدَّدةً وقد تُكسَر بينهما همزةٌ مفتوحةٌ و (١) آخره لامٌ، زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ: «هو ابن هشامٍ» وهو اليشكريُّ، بتحتيَّةٍ ومعجمةٍ، أبو هشامٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُليَّة اسم أمِّه، الأسديُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بفتح العين المهملة وسكون الواو آخره فاء، ابن أبي جَميلة -بفتح الجيم- الأعرابيُّ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَنَا) في حكاية منامه الطَّويل: (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ) بهمزةٍ ممدودةٍ ففوقيَّةٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ، أي: ملَكان (فَابْتَعَثَانِي) من النَّوم (فَانْتَهَيَا) وأنا معهما، ولغير أبي ذَرٍّ: «فانتهينا» (٢) (إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ) من (٣) (ذَهَبٍ وَلَبِنِ) من (٤) (فِضَّةٍ) بكسر الموحَّدتين من «لَبِنٍ» (فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ؛ شَطْرٌ): نصفٌ (مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ) أي: نصف (كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَا) الملَكان (لَهُمُ) للرِّجال: (اذْهَبُوا، فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) بفتح الهاء (فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُم، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَا) الملكان (لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَا: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ) قيل: الصَّواب حسنًا وقبيحًا، لكن «كان»: تامَّةٌ، و «شطرٌ»: مبتدأٌ، و «حسنٌ»: خبره، والجملة: حالٌ بدون الواو، وهو فصيحٌ؛ كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] قاله الكِرمانيُّ وغيره (٥) (فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ) كذا أورده مختصرًا هنا، ويأتي بتمامه إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]. (١٦) (باب قوله) تعالى (﴿مَا كَانَ﴾) أي: ما ينبغي (﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]) لأنَّ النَّبوَّة والإيمان يمنعان من ذلك، وسقط «باب» وتاليه لغير أبي ذَرٍّ.

стр. 8508

٤٦٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن نصرٍ أبو إبراهيم السَّعديُّ المروزيُّ، وقيل: البخاريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) ابن همامٍ الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (مَعْمَرٌ) بسكون (١) العين، ابن راشدٍ البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَِّبِ) بفتح التَّحتيَّة وقد تُكسَر (عَنْ أَبِيهِ) المسيَِّب بن حزنٍ أنَّه (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علاماتها (دَخَلَ النَّبِيُّ) ولغير أبي ذَرٍّ: «دخل عليه النَّبيُّ» (¬ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشامٍ (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) المخزوميُّ، أسلم عام الفتح (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ عَمِّ) أي: يا عمِّي (٢)؛ وحُذِفت ياء الإضافة للتَّخفيف (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وجواب الأمر قوله: (أُحَاجُّ) بضمِّ الهمزة وتشديد الجيم (٣) آخره (لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، أي: أَتُعرِض (٤) (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) أبيك؟! (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا أبى أن يقول كلمة الإخلاص: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر إبراهيم لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بضمِّ الهمزة وسكون النُّون مبنيًّا للمفعول (فَنَزَلَتْ) في أبي طالبٍ آية: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]) لموتهم على الشِّرك، وقيل: إنَّ سبب نزولها ما في مسلمٍ و «مسند أحمد» و «سنن أبي داود» والنَّسائيِّ وابن ماجه: عن أبي هريرة ﵁ «أتى رسول الله ﷺ قبر أمِّه، فبكى

стр. 8509

وأبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ : استأذنت ربِّي في (١) أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنَّها تذكِّر الآخرة» قال في «الكشَّاف»: وهذا أصحُّ؛ لأنَّ موت أبي طالبٍ كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة، وتعقَّبه صاحب «التقريب» -فيما حكاه الطِّيبيُّ- بأنَّه يجوز أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يستغفر (٢) لأبي طالبٍ إلى حين نزولها، والتَّشديد مع الكفَّار إنَّما ظهر في هذه السُّورة، قال في «فتوح الغيب»: وهذا هو الحقُّ، ورواية نزولها في أبي طالبٍ هي الصَّحيحة، وسقط قوله: «﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: «الآيةَ». (١٧) (باب قَوْله) : (﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ﴾) من إذنه للمنافقين في التَّخلُّف في غزوة تبوك، والأحسن أن يكون من قبيل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقيل: هو بعثٌ على التَّوبة على سبيل التَّعريض؛ لأنَّه ﷺ ممَّن يستغني عن التَّوبة، فوُصِفَ بها ليكون بعثًا للمؤمنين على التَّوبة على سبيل التَّعريض، وإبانةً لفضلها (﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾) أي: وتاب عليهم حقيقةً؛ لأنَّه لا ينفكُّ الإنسان عن الزَّلات، أو كانوا يتوبون عن وساوس تقع في قلوبهم (﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾) حقيقةً بأن خرج أوَّلًا وتبعوه، أو مجازًا عن اتِّباعهم أمره ونهيه (﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾) في وقت الشِّدَّة الحاصلة لهم في غزوة تبوك، أي: من (٣) عسرة الزَّاد والماء والظَّهر والقيظ وبُعْد الشُّقَّة (٤)؛ إذ السَّفرة (٥) كلُّها تبعٌ لتلك السَّاعة، وبها يقع الأجر على الله تعالى، وإن كان عُرْف السَّاعة لِما قلَّ من الزَّمن؛ كالقطعة من النَّهار؛ كساعات الرَّواح إلى الجمعة، فالمراد بها (٦): من وقت الخروج إلى

стр. 8510

العود، رُوِيَ: أنَّه لمَّا نفد (١) زادهم؛ كان النَّفر منهم يمصُّون التَّمرة تداولًا بينهم، وأنَّهم (٢) عطشوا حتَّى نحروا بعض إبلهم فشربوا عصارة ما في كروشها، حتَّى استسقى لهم ﷺ ، فأمطرت عليهم سحابةٌ لم تتجاوزهم، وكان الرَّجلان والثَّلاثة يتعقَّبون البعير الواحد (﴿مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾) عن الثَّبات على الإيمان، أو اتِّباع (٣) الرَّسول؛ لِمَا نالهم من المشقَّة والشِّدَّة (﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾) تكريرٌ للتَّوكيد من حيث المعنى، فيكون الضَّمير للنَّبيِّ ﷺ والمهاجرين والأنصار، ويجوز أن يكون الضَّمير للفريق المذكور في قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ لصدور الكيدودة منهم (﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]) حين (٤) تاب عليهم، وسقط قوله: «﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ (٥)، وقال بعد قوله: ﴿اتَّبَعُوهُ﴾: «الآيةَ». ٤٦٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر بن (٦) الطَّبريِّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي (٧)) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (قَالَ أَحْمَدُ) هو ابن صالحٍ شيخ المؤلِّف المذكور. (وحَدَّثَنَا) أيضًا (عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة والسِّين

стр. 8511

المهملة (١)، ابن خالد بن يزيد الأيليُّ، ابن أخي يونس قال: (حَدَّثَنَا) عمِّي (٢) (يُونُسُ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ كَعْبٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله، ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا أبي (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ الشَّاعر، قال في «فتح الباري»: والحاصل: أنَّ أحمد بن صالحٍ روى هذا الحديث عن شيخين عن يونس، لكنْ (٣) فرَّقهما؛ لاختلاف الصِّيغة، ثمَّ ظاهره: أنَّ السَّند بينهما متَّحدٌ، وليس كذلك؛ لأنَّ في رواية ابن وهب أنَّ شيخ ابن شهابٍ هنا هو عبد الرَّحمن بن كعبٍ كما في رواية عنبسة، وليس كذلك، بل هو في رواية عبد الرَّحمن (٤) بن عبد الله بن كعبٍ، كذلك أخرجه النَّسائيُّ عن سليمان بن مهران (٥) عن ابن وهبٍ، ولعلَّ البخاريَّ بناه على أنَّ عبد الرَّحمن نُسِبَ لجدِّه، فتتَّحد الرِّوايتان، نبَّه على ذلك الحافظ أبو عليٍّ الصَّدفيُّ فيما قرأته بخطِّه بهامش نسخته، وقد أفرد البخاريُّ رواية ابن وهبٍ بهذا الإسناد في «النَّذر» [خ¦٦٦٩٠] فوقع في رواية أبي ذَرٍّ: «عبد الرَّحمن بن كعبٍ»، وإنَّما أخرج النَّسائيُّ بعض الحديث، وقد وجدت بعض الحديث أيضًا في «سنن أبي داود» عن سليمان بن داود شيخ البخاريِّ فيه، كما في «النَّسائيِّ»، وعن أبي الطَّاهر بن السَّرَّاج عن ابن وهبٍ كذلك. انتهى. وقد (٦) تعقَّبه تلميذه شيخنا الحافظ أبو الخير السَّخاويُّ رحمه الله تعالى، فيما وُجِدَ بخطِّه في حاشية نسخته من «فتح الباري»: بأنَّ البخاريَّ قد أخرج حديث عنبسة في «وفود الأنصار» [خ¦٣٨٨٩] فيما مضى، ووقع هناك عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكٍ، وأخرج حديث ابن وهبٍ في «النذر» [خ¦٦٦٩٠] فيما سيأتي، ووقع أيضًا فيه كذلك، وحينئذٍ فسندهما متَّحدٌ، وكذا (٧) رأيت الدِّمياطيَّ ألحق هنا في نسخته ممَّا صُحِّح عليه: عبد الله في نسب عبد الرَّحمن، وكذا ثبت عبد الرَّحمن بن عبد الله بن

стр. 8512

كعبٍ (١) في «سنن أبي داود»، حسبما ثبت في رواية اللُّؤلؤيِّ وابن داسة (٢) عنه عن شيخه ابن السَّرَّاج وسليمان بن داود المهريِّ (٣)، كلاهما عن ابن وهبٍ. نعم قيل: إنَّ الَّذي في رواية ابن داسة (٤) عبدُ الله بن عبد الله بن كعبٍ؛ وهو وَهَمٌ؛ لأنَّ عبد الله الأوَّل إنَّما هو عبد الرَّحمن، وأمَّا روايته فهي كما مرَّ في روايتَي ابن السُّنِّيِّ وابن الأحمر عن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالكٍ بدونها (٥)، وحينئذٍ فهذا خلافُ ما اقتضاه كلام شيخنا من اتِّحاد (٦) سند (٧) أبي داود والنَّسائيِّ، ثمَّ إنَّ قوله (٨): سليمان بن مهران، سهوٌ، إمَّا من الكاتب أو من غيره، فإنَّما هو ابن داود. انتهى. (وَكَانَ) أي: عبد الله (قَائِدَ كَعْبٍ) أبيه (مِنْ) بين (بَنِيهِ) «بني» بفتح (٩) الموحَّدة وكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة (حِينَ عَمِيَ) وكان أبناؤه أربعةً: عبد الله وعبد الرَّحمن ومحمَّدٌ وعبيد الله (١٠) (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ) الطَّويل -في قصَّة توبته المسوق هنا مختصرًا مقتصرًا على المحتاج منه كالوصايا [خ¦٢٧٥٧]- المنزل (١١) فيه قوله تعالى: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]) زاد في نسخةٍ: «﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾» (قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ): يا رسول الله (إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ) أن أُخرِج (مِنْ) جميع (مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) بنصب

стр. 8513

«صدقةً» أي: لأجل التَّصدُّق، أو حالًا بمعنى: متصدِّقًا، و «إلى» بمعنى: اللَّام، أي: صدقةً خالصةً لله ولرسوله (١)، ولأبي ذَرٍّ: «وإلى رسوله» (فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : اَمْسِكْ) عليك (بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ) من أن تضرَّر (٢) بالفقر وتجرَّع الصَّبر على الإضاقة. (١٨) (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾) أي: وتاب على الثَّلاثة، فهو نسقٌ ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ أو على الضَّمير في ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أي: ثمَّ تاب عليهم وعلى الثَّلاثة؛ ولذا كرَّر حرف الجرِّ، و «الثَّلاثة» هم كعب بن مالكٍ الأسلميُّ (٣)، وهلال بن أميَّة الواقفيُّ، ومرارة بن الرَّبيع العمريُّ (﴿الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾) تخلَّفوا عن غزوة تبوك، أو خُلِّف أمرهم؛ فإنَّهم المرجون (﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾) برحبها، أي: مع سعتها لشدَّة حيرتهم وقلقهم (﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾) فلم (٤) تتَّسع لصبر ممّا نزل بها من الهمِّ والإشفاق (﴿وَظَنُّواْ﴾) علموا (﴿أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ﴾) أن (٥) لا مفرَّ من عذاب الله (﴿إِلاَّ إِلَيْهِ﴾) بالتَّوبة والاستغفار، والاستثناء من العامِّ المحذوف، أي: لا (٦) ملجأ لأحدٍ إلَّا إليه (﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾) رجع عليهم بالقبول والرَّحمة كرَّةً بعد أخرى (﴿لِيَتُوبُواْ﴾) ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا، أو ليتوبوا أيضًا فيما يُستقبل كلَّما فرطت منهم زلَّةٌ؛ لأنَّهم علموا بالنُّصوص الصَّحيحة أنَّ طريان الخطيئة يستدعي تجدُّد التَّوبة (﴿إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾) على

стр. 8514

من تاب ولو عاد في اليوم مئة مرَّةٍ؛ كما رُوِي «ما أصرَّ مَن استغفر ولو عاد في اليوم مئة مرَّةٍ» (﴿الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]) به بعد التَّوبة، وسقط قوله: «﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿رَحُبَتْ﴾: «الآيةَ». ٤٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابن النَّضر النَّيسابوريُّ، أو (١) ابن إبراهيم البوشنجيُّ، أو ابن يحيى الذُّهليُّ، وبالأوَّلَين قال الحاكم، وبالأخير أبو عليٍّ الغسَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله بن أبي شعيبٍ مسلمٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وقع في رواية ابن السَّكن: «حدَّثني أحمد بن أبي شعيبٍ» من غير ذكر «محمَّد» المختلف فيه،

стр. 8515

والأوَّل هو المشهور وإن كان أحمد بن أبي شعيب من مشايخ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة بينهما عينٌ ساكنةٌ وآخره نونٌ، الجَزَريُّ -بالجيم والزَّاي والرَّاء- قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريُّ أيضًا: (أَنَّ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (حَدَّثَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهْوَ) أي: كعبٌ (أَحَدُ الثَّلَاثَةِ) هو وهلال بن أميَّة ومرارة بن الرَّبيع (١) (الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ) بكسر الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، مجهولُ تاب يتوب توبةً (أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةِ العُسْرَةِ) بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين؛ وهي غزوة تبوك (وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: فَأَجْمَعْتُ صِدْقَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «صدقي رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أي: بعد أن بلغه أنَّه ﵊ توجَّه قافلًا من الغزو، واهتمَّ لتخلُّفه من غير عذرٍ، وتفكَّر بما (٢) يخرج به من سخط الرَّسول، وطفق يتذكَّر الكذب لذلك، فأزاح الله عنه الباطل، فأجمع على الصِّدق، أي: جزم به وعقد عليه قصده، وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا في رمضان (ضُحًى) وسقطت هذه اللَّفظة من كثيرٍ من الأصول (وَكَانَ) ﵊ (قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ) فيه (رَكْعَتَيْنِ) قبل أن يدخل منزله (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: بعد أن اعترف بين يديه أنَّه تخلَّف من غير عذرٍ، وقوله ﵊ له: «قم حتَّى يقضيَ الله فيك» [خ¦٤٤١٨] (عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ) هلال ومرارة (٣) لكونهما تخلَّفا من غير عذرٍ واعترفا كذلك (وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا) وهم الَّذين اعتذروا إليه وقَبِل منهم (٤) علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا (فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا) أيُّها الثَّلاثة، قال كعبٌ: (فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ، فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ) بكسر لام «يصلِّي»، وفي نسخةٍ «يُصلَّى» بفتحها، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ولا يسلِّم علَيَّ» بدل «يصلِّي» وفي نسخةٍ حكاها القاضي عياضٌ عن بعض الرُّواة: «ولا يسلِّمني» والمعروف أنَّ فعل السَّلام إنَّما يتعدَّى بـ «على»، وقد يكون إتباعًا لـ «يكلِّمني» قال القاضي: أو يرجع إلى قول من فسَّر السَّلام بأنَّ معناه: إنَّك مسلَّمٌ منِّي، قال في «المصابيح»: وسقطت «ولا يسلِّمني» للأَصيليِّ، كذا قال، فليُحرَّر (فَأَنْزَلَ اللهُ) (تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ (٥) مِنَ اللَّيْلِ) بعد مضيِّ خمسين ليلةً من النَّهي عن كلامهم (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله تعالى عنها، والواو للحال (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أي: ذات اعتناءٍ، ولأبي ذَرٍّ عن

стр. 8516

الكُشْميهَنيِّ: «مُعِيْنَة» (١) بضمِّ الميم وكسر العين فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فنونٍ مفتوحةٍ، أي: ذات إعانةٍ (فِي أَمْرِي) (٢) قال العينيُّ: وليست بمشتقَّةٍ من العون كما قاله بعضهم؛ يريد: الحافظ ابن حجرٍ، وقد رأيت في هامش الفرع ممَّا عزاه لـ «اليونينية»، ورأيته فيها (٣) عن عياضٍ: «مَعْنية» يعني: بفتح الميم وسكون العين، كذا عند الأَصيليِّ، ولغيره: «مُعِينة» (٤) بضمِّ الميم، أي: وكسر العين من العون، قال: والأوَّل أليق بالحديث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلَا) بهمزة الاستفهام (أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، منصوبٌ بـ «إذًا» من الحَطْم بالحاء والطَّاء المهملتين؛ وهو الدَّوْس، وللمستملي والكُشْميهَنيِّ: «يخطَفَكم» بفتح ثالثه (٥) والنَّصب، من الخَطْف؛ بالخاء المعجمة والفاء، وهو مجازٌ عن الازدحام (فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ) بإثبات النُّون بعد الواو، وللأَصيليِّ: «فيمنعوكم» بحذفها (سَائِرَ اللَّيْلَةِ) أي باقيها (حتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الفَجْرِ؛ آذَنَ) بمدِّ الهمزة، أي: أعلم (بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ) ﵊ (إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ) شُبِّه به دون الشَّمس؛ لأنَّه يملأ الأرض بنوره، ويُؤنِسُ كلَّ من شاهده، ومجمع النُّور من غير أذًى، ويُتمكَّن من النَّظر إليه بخلاف

стр. 8517

الشَّمس؛ فإنَّها تكلُّ البصر، فلا يتمكَّن البصر من رؤيتها (١) والتَّقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد في كثير من كلام البلغاء من التَّشبيه بالقمر من غير تقييدٍ، وقد كان كعبٌ قائل هذا من شعراء الصَّحابة، فلا بدَّ في التَّقييد بذلك من حكمةٍ، وما قيل في ذلك من الاحتراز (٢) من السَّواد الَّذي في القمر ليس بقويٍّ؛ لأنَّ المراد بتشبيهه (٣) ما في القمر من الضِّياء والاستنارة، وهو في تمامه لا يكون فيها أقلَّ ممَّا (٤) في القطعة المجرَّدة، فكأنَّ التَّشبيه وقع على بعض الوجه، فناسبَ أن يشبَّه ببعض (٥) القمر (وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ) بلفظ النِّداء، ومعناه: الاختصاص (الَّذِينَ خُلِّفُوا) ولأبي ذَرٍّ: «خلفنا» (عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول كالسَّابق (مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا) ووكَّل سرائرهم (٦) إلى الله ، وليس المراد التخلُّف (٧) عن الغزو، بل التَّخلُّف عن حكم أمثالهم من المتخلِّفين عن الغزو الَّذين اعتذروا وقُبِلُوا (حِينَ أَنْزَلَ اللهُ) (لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ) بتخفيف ذال «كَذَبوا» ونصب «رسولَ»؛ لأنَّ «كَذَبَ» يتعدَّى بدون الصِّلة (فَاعْتَذَرُوا بِالبَاطِلِ؛ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللهُ : ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾) أي: في التَّخلُّف (﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾) من الغزو (﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾) بالمعاذير الكاذبة (﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾) لن نصدِّقكم أنَّ لكم عذرًا (﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الاية [التوبة: ٩٤]) يعني: إن تبتم وأصلحتم؛ رأى الله عملكم وجازاكم (٨) عليه، وذِكْرُ الرَّسولِ لأنَّه شهيدٌ عليهم (٩) ولهم، وسقط قوله: «الآيةَ» لأبي ذَرٍّ. وهذا الحديث قطعةٌ من حديث كعبٍ، وقد ذكره المؤلِّف تامَّا في «المغازي» [خ¦٤٤١٨].

стр. 8518

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]) الَّذين صدقت نيَّاتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجوا إلى الغزو بإخلاصٍ، أو الخطاب للمنافقين، أي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ في العلانية اتَّقوا الله، وكونوا مع الَّذين صدقوا وأخلصوا النِّيَّة. وعن ابن عمر فيما ذكره (١) ابن كثيرٍ ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] مع محمَّدٍ وأصحابه، وسقط التَّبويب لغير أبي ذَرٍّ. ٤٦٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ، ونسبه لجدِّه قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ المجتهد (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ) أباه (٢) (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) (٣) ولأبي ذَرٍّ: «عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ» (وَكَانَ) عبد الله (قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) زاد في السَّابقة [خ¦٤٦٧٦]: «من بنيه حين عمي» (قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ) عن خبره (حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ) وإخباره الرَّسولَ ﵊ بالصِّدق من شأنه بأنَّه لم يكن له عذرٌ في التَّخلُّف: (فَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللهُ) بالموحَّدة السَّاكنة، أي: أنعم الله عليه (فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا (٤) تَعَمَّدْتُ مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذَرٍّ: «مُذْ» (ذَكَرْتُ ذَلِكَ) القول الصِّدق (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿لَقَد

стр. 8519

تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «﴿وَالأَنصَارِ﴾» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]). (٢٠) (باب قوله) (١): (﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾) يعني: محمَّدًا (﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾) من جنسكم، صفةٌ لـ «رسولٌ» أي: من صميم العرب، وقرأ ابن عبَّاسٍ وأبو العالية وابن محيصن ومحبوبٌ عن أبي عمرٍو ويعقوب من بعض طرقه، وهي قراءته ﷺ (٢) وفاطمة وعائشة: بفتح الفاء، أي: من أشرفكم، وقال الزَّجَّاج: هي مخاطبةٌ (٣) لجميع العالم، والمعنى: لقد جاءكم رسولٌ من البشر، وإنَّما كان من الجنس؛ لأنَّ الجنس إلى الجنس أميل، ثمَّ رتَّب عليه صفاتٍ أخرى لتعداد المنن على المرسل إليهم فقال: (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾) أي: شديد شاقٌّ (﴿مَا عَنِتُّمْ﴾) أي: عَنَتُكم، أي: إثمكم وعصيانكم، فـ ﴿مَا﴾: مصدريَّةٌ، وهي مبتدأٌ (٤)، و «عزيزٌ»: خبرٌ مقدَّمٌ، ويجوز أن يكون ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ فاعلًا بـ ﴿عَزِيزٌ﴾ و ﴿عَزِيزٌ﴾: صفةٌ لـ ﴿رَسُولٌ﴾ ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولةً، أي: يعزُّ عليه الَّذي عنتُّموه، أي: عنتُّم بسببه، فحُذِفَ العائد على التَّدريج، كقوله: يَسرُّ المرءَ ما ذهبَ اللَّيالي … وكانَ ذهابُهنَّ له ذَهابا أي: يسرُّه ذهابُ اللَّيالي (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾) أن تدخلوا الجنَّة (﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] مِنَ الرَّأْفَةِ) وهي أشدُّ الرَّحمة، ولم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحدٍ غير نبيِّنا ﷺ ، قاله الحسين بن الفضل، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿حَرِيصٌ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿عَنِتُّمْ﴾: «الآيةَ».

стр. 8520

٤٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ السَّبَّاقِ) بالسِّين المهملة والموحَّدة المشدَّدة المفتوحتين وبعد الألف قافٌ، عُبيدٌ المدنيُّ الثَّقفيُّ أبو سعيدٍ: (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ) لرسول الله ﷺ (قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق في خلافته، قال الحافظ أبو الفضل: ولم أقف على اسم الرَّسول إليه بذلك (١) (مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ) ظرف زمانٍ، أي: أيَّامَ، والمراد: عقب مقاتلة الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم مسيلمة الكذَّاب سنة

стр. 8521

إحدى عشرة، بسبب ادِّعائه النُّبوَّة، وارتداد كثيرٍ من العرب، وقتل كثيرٍ من الصَّحابة (وَعِنْدَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ ثمَّ مهملةٍ فراءٍ مشدَّدةٍ مفتوحاتٍ، أي: اشتدَّ وكثر (يَوْمَ) القتال الواقع في (اليَمَامَةِ بِالنَّاسِ) قيل: قُتِل بها من المسلمين ألفٌ ومئةٌ، وقيل: ألفٌ وأربع مئةٍ، منهم سبعون جمعوا القرآن، أي: مجموعهم، لا أنَّ كل فردٍ جمعه (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ) أي: يكثر (بِالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ) الَّتي يقع فيها (١) القتال مع الكفَّار (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ (٢)، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ) أنت (القُرْآنَ) ولأبي ذَرٍّ: «أن يُجمَع القرآنُ» بضمِّ أوّل «يُجمَع» مبنيًّا للمفعول (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ): ولأبي ذَرٍّ: «فقلت» (لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ: هُوَ) أي: جمع القرآن (وَاللهِ خَيْرٌ) من تركه، وهو ردٌّ لقوله: «كيف أفعل (٣) شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟» وإنَّما لم يجمعه رسول الله ﷺ لِمَا كان (٤) يترقَّبه من النَّسخ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ) في جمع القرآن (حَتَّى شَرَحَ اللهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ) إذ هو من النُّصح لله ولرسوله ولكتابه، وأذن فيه ﵊ بقوله في حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ (٥): «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن» وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل، فلا يتوجَّه اعتراض الرَّافضة على الصِّدِّيق (قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ): قال أبو بكرٍ ذلك (وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ) ولأبي ذَرٍّ: «جالس عنده» (٦) (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ) يا زيدُ (رَجُلٌ شَابٌّ) أشار إلى نشاطه وقوّته فيما يُطلَب منه، وبُعدْه عن النِّسيان (عَاقِلٌ) تعي المراد (وَلَا نَتَّهِمُكَ) بكذبٍ ولا نسيانٍ، والَّذي لا يُتَّهَم تركن النَّفس إليه، وسقطت «الواو» لأبي ذَرٍّ (كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: فهو أكثر ممارسةً له من غيره، فجمْعُ هذه الخصوصيَّات الأربعة فيه يدلُّ على أنَّه أَولى بذلك ممَّن لم تجتمع فيه (فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ،

стр. 8522

فَاجْمَعْهُ) وقد كان القرآن كلُّه كُتِب في العهد النَّبويِّ، لكن (١) غير مجموعٍ في موضعٍ واحدٍ، ولا مرتَّب السُّور، قال زيد: (فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أي: أبو بكرٍ (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ أَثْقَل عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ) قال ذلك خوفًا من التَّقصير في إحصاء ما أُمِرَ بجمعه (قُلْتُ) للعمَرَين: (كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ؟ فَقَالَ) لي (٢) (أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) لِمَا في ذلك من المصلحة العامَّة (فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ) ممَّا عندي وعند غيري (مِنَ الرِّقَاعِ) بكسر الرَّاء (٣): جمع رقعةٍ، من أديمٍ أو ورقٍ أو نحوهما (٤) (وَالأَكْتَافِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة؛ جمْع كتفٍ: عظمٌ عريضٌ في أصل كتف الحيوان، يُنشَّف (٥) ويُكتَب فيه (وَالعُسُبِ) بضمِّ العين والسِّين المهملتين آخره موحَّدةٌ؛ جمع عسيبٍ؛ وهو جريد النَّخل، يكشطون خوصه ويكتبون في طرفه (٦) العريض (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الَّذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملًا (٧) في حياته ﷺ ، كأبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ، فيكون ما في الرِّقاع والأكتاف وغيرهما تقريرًا على تقريرٍ (حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) هو ابن ثابت بن الفاكه الخطميُّ ذو الشَّهادتَين (لَمْ أَجِدْهُمَا) أي: الآيتين (مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ) كذا بالنَّصب على كشطٍ في الفرع كأصله (٨)، وفي فرعٍ آخرَ غيرِه بالجرِّ، أي: لم أجدهما مع غير خزيمة مكتوبتَين (٩)، فالمراد بالنَّفي: نفي وجودهما مكتوبتَين (١٠) لا نفي كونهما محفوظتَين (١١) (﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم … ﴾ إِلَى آخِرِها)،

стр. 8523

وسقط لأبي ذَرٍّ ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ (وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا القُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما. (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا في روايته (١) عن الزُّهريِّ (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ (٢) العين وفتح (٣) الميم، ابن فارسٍ البصريُّ العبديُّ فيما وصله أحمد و (٤) إسحاق في «مسنديهما» عنه (وَ) تابعه أيضًا (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، فيما وصله المؤلِّف في «فضائل القرآن» [خ¦٤٧٠١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٦٩٨٩] كلاهما (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما وصله أبو القاسم البغويُّ في «فضائل القرآن»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ فزاد اللَّيث فيه شيخًا آخر عن الزُّهريِّ (وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) وهو ابن أوس بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النَّجار بلفظ الكنية، فخالف السَّابق (وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل فيما وصله المؤلِّف في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٦]: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا (٥) ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، وقال: (مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بلفظ الكنية (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع موسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعدٍ المذكور على قوله (٦): «أبي خزيمة» بالكنية، وهذه وصلها أبو بكر بن أبي داود في «كتاب المصاحف» وغيره (وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ) محمَّد بن عبيد الله المدنيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦٧١٩١]: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعدٍ المذكور (وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بالشَّكِّ، والتَّحقيقُ كما قال (٧) في «فتح الباري»: إنَّ آية التَّوبة مع أبي خزيمة بالكنية، وآية (٨) الأحزاب مع خزيمة. وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «فضائل القرآن».

стр. 8524

وعند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطبٍ: «فجاء خزيمة بن ثابتٍ فقال: إنِّي رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قالوا: وما هما؟ قال: تلقَّيت من رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ (١)﴾ إلى آخر السُّورة (٢)، فقال عثمان: وأنا أشهد، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن» وعن أبي العالية عن أُبيِّ بن كعبٍ عند عبد الله ابن الإمام أحمد: «أنَّهم جمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكرٍ، وكان رجالٌ يكتبون (٣) ويُملي عليهم أُبيُّ بن كعبٍ، فلمَّا انتهوا إلى هذه الآية ﴿ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون﴾ [التوبه: ١٢٧] فظنُّوا أنَّ هذا آخر ما نزل (٤) من القرآن، فقال لهم أبيُّ بن كعبٍ: إنَّ رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ (٥)﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]» وعند أحمد قال: «أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى عمر بن الخطَّاب، فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري، والله إنِّي أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ ، ووعيتهما، وحفظتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ » (٦).

стр. 8525

(((١٠))) (بسم الله الرحمن الرحيم. سورة يُونُسَ) مكيَّةٌ، وهي مئةٌ وتسع آياتٍ، وقدَّم أبو ذَرٍّ السُّورة على البسملة. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، وفي نسخةٍ: «باب: وقال ابن عبَّاسٍ» (١) فيما (٢) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عنه: (﴿فَاخْتَلَطَ﴾ [يونس: ٢٤]) زاد أبو ذَرٍّ والوقت: «﴿بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾» أي: (فَنَبَتَ بِالمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ) ممَّا يأكل النَّاس من الحنطة والشَّعير وسائر حبوب الأرض. (وَ ﴿قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا﴾) حين (٣) قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزيرٌ ابن الله، وقالت (٤) النَّصارى: عيسى ابن الله، وسقطت الواو في بعض النُّسخ موافقةً للفظ التَّنزيل (﴿سُبْحَانَهُ﴾) تنزيهًا (٥) له عن اتِّخاذ الولد (﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]) عن كلِّ شيءٍ، فهو علَّةٌ للتَّنزيه عن اتِّخاذ الولد، وسقط «﴿وَقَالُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وليس فيه حديثٌ مسوقٌ، فيحتمل إرادته؛ لتخريج ما (٦) يناسب ذلك، فبيَّض له ولم يتيسَّر له إيراده هنا. (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) أبو أسامة مولى (٧) عمر بن الخطَّاب ممَّا وصله ابن جريرٍ (٨): (﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]) هو (مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) وأخرج الطَّبريُّ (٩) من طريق الحسن أو قتادة قال: «محمَّدٌ شفيعٌ (١٠) لهم» ووصله ابن مردويه من حديث عليٍّ، ومن حديث (١١) أبي سعيدٍ بإسنادين ضعيفين.

стр. 8526

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ فيما (١) وصله الفريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قال: (خَيْرٌ) ورجَّحه ابن جريرٍ لقولِ العرب: لفلانٍ قدمُ صدقٍ (٢) في كذا، أي: قدَّمَ فيه خيرًا، أو قَدَمُ سَوءٍ في كذا؛ إذا (٣) قدَّم فيه شرًّا. (يُقَالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [يونس: ١]) قال أبو عُبيدة: (يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) وأراد: أنَّ معنى «تلك» هذه (وَمِثْلُهُ) من حيث صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة، كما أنَّ في الأوَّل صرف اسم الإشارة عن الغائب إلى الحاضر: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] المَعْنَى: بِكُمْ) قال في «الكشَّاف» -وتبعه البيضاويُّ واللَّفظ للأوَّل-: وفائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة المبالغةُ، كأنَّه يذكر لغيرهم حالهم؛ ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتَّقبيح، وسقط قوله: «يُقال (٤) … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ. (﴿دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ٢٠٩]) ولأبي ذَرٍّ: «يُقال: دعواهم» قال أبو عبيدة: (دُعَاؤُهُمْ) في الجنَّة: اللَّهم إنَّا نسبِّحك تسبيحًا (﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]) قال أبو عُبيدة: (دَنَوْا مِنَ الهَلَكَةِ) زاد غيره: وسُدَّت عليهم مسالك الخلاص (٥)؛ كمَن أحاط به العدوُّ (﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]) أي: من جميع جوانبه.

стр. 8527

((فَاتَّبَعَهُمْ)) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة (وَأَتْبَعَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الفوقيَّة (وَاحِدٌ) في المعنى، والوصل والقطع، والتَّخفيف والتَّشديد، وبه قرأ الحسن؛ يريد قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ (١) [يونس: ٩٠]. (﴿وَعَدْوًا﴾ (٢)) يريد قوله تعالى: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠] (مِنَ العُدْوَانِ) أي: لأجل البغي والعدوان. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ وعبد بن حميد من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه في قوله تعالى: (﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١]): هو (قَوْلُ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ (٣): اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ) وفي الفرع: «له فيه» وليس «له» في أصله (٤) (وَالعَنْهُ. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]: لأُهْلِكُ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ) بضمِّ همزة «أُهلِكَ» ودال «دُعِيَ» مبنيَّين للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «لأهلك من دعا عليه» بفتحهما (وَلأَمَاتَهُ) قال في «فتوح الغيب»: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ﴾ متضمِّنٌ (٥) معنى نفي التَّعجيل؛ لأنَّ «لو» لتعليق ما امتنع بامتناع غيره؛ يعني: لم يكن التَّعجيل ولا قضاء العذاب، فيلزم من ذلك حصول المهلة (٦)، وهذا لطفٌ من الله (٧) تعالى بعباده ورحمةٌ (٨)، وفي حديث مسلمٍ عن جابرٍ مرفوعًا: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعةً يسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم» ففيه النَّهي عن ذلك.

стр. 8528

(﴿لِّلَّذِينَ (١) أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]) قال مجاهدٌ -فيما وصله الفريابيُّ-: وعدٌ (٢)، أي: (مِثْلُهَا حُسْنَى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾) أي: (مَغْفِرَةٌ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «ورضوانٌ» (وَقالَ غَيْرُهُ) قيل: هو أبو قتادة: (النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ) تعالى، وقد رواه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وغيرهما من حديث صهيبٍ مرفوعًا، ورُوِيَ عن الصِّدِّيق وحذيفة وابن عبَّاسٍ وغيرهم من السَّلف والخلف. (﴿الْكِبْرِيَاء﴾) قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء﴾ [يونس: ٧٨]: هو (المُلْكُ) بضمِّ الميم؛ لأنَّ النَّبيَّ إذا صُدِّق؛ صارت مقاليد أمَّته وملكهم إليه. (٢) (﴿وَجَاوَزْنَا﴾) وفي نسخةٍ: «باب: ﴿وَجَاوَزْنَا﴾» (﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾) بحر القَلْزَمِ حافظين لهم، وكانوا فيما قيل: ست مئة ألفٍ وعشرين (٣) ألف مقاتلٍ، لا يعدُّون فيهم ابن عشر سنين لصغره ولا ابن ستِّين لكبره (﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾) أي: أدركهم (﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾) عند شروق (٤) الشَّمس، وكانوا فيما قيل: ألف ألفٍ وست مئة ألفٍ، وفيهم مئة ألف حصانٍ أدهمَ ليس فيها أنثى، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما رواه ابن مردويه بسنده-: كان مع فرعون سبعون قائدًا، مع كلِّ قائدٍ سبعون ألفًا، وكان فرعون في الدُّهم، وهارون على مقدِّمة بني إسرائيل، وموسى في السَّاقة، فلمَّا قربت مقدِّمة فرعون منهم؛ قال بنو إسرائيل لموسى: هذا البحر أمامنا، إن دخلناه غرقنا، وفرعون خلفنا، إن أدرَكَنا قتلَنا، قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فأوحى الله إليه ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] وصار اثني عشر طريقًا لكلٍّ سبطٍ واحدٌ، وأمر الله الرِّيح فنشَّفت أرضه، وتخرَّق الماء بين الطُّرق (٥) كهيئة الشَّبابيك؛ ليرى كلُّ قومٍ الآخرين؛ لئلَّا يظنُّوا أنَّهم هلكوا،

стр. 8529

وجاوزتْ بنو إسرائيل البحر، فلمَّا خرج آخرهم منه؛ انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من النَّاحية الأخرى، فلمَّا رأى ذلك هاله وأحجم، وهاب وهمَّ بالرُّجوع، وهيهاتَ ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] نَفَذَ القدر، واستُجِيبَت الدَّعوة، وجاء جبريل على فرسٍ أنثى وخاض البحر، فلمَّا شمَّ أدهم فرعون ريح فرس جبريل اقتحمَ وراءه، ولم يملك فرعون من أمره شيئًا، واقتحمت الخيول خلفه في البحر، وميكائيل في ساقتهم يسوقُهم، ولا يترك أحدًا منهم إلَّا ألحقه بهم، فلمَّا تكاملوا وهمَّ أوَّلهم بالخروج منه؛ أمر الله القادر القاهر البحرَ فانطبق عليهم، فلم ينجُ منهم أحدٌ، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت (١) الأمواج فوق فرعون (﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾) وغشيته سكرات الموت (﴿قَالَ﴾) وهو كذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها: (﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]) وما علم اللَّعين أنَّ التَّوبة عند المعاينة غير نافعةٍ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] ولذا قال الله تعالى في جواب فرعون: ﴿آلآنَ﴾ أي: أتؤمن وقت الاضطرار ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾؟ [يونس: ٩١] وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد وغيره مرفوعًا: «لمَّا قال فرعون: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فَدَسستُهُ (٢) في فِيْهِ مخافةَ أن تناله الرَّحمة» ورواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ، و «حال البحر»: هو طينه الأسود، والمعنى: لو رأيتني لرأيتَ أمرًا عجيبًا، يبهَُتُ الواصف عن كُنْهِه، فإنِّي لمَّا شاهدت تلك الحالة بُهِتُّ غضبًا على عدوِّ الله لادِّعائه تلك العظمة، فعمدت (٣) إلى حال البحر فأدسُّه في فِيْهِ مخافةَ أن تدركه الرَّحمة لسعتها. والحاصل: أنَّه إنَّما فعل ذلك غضبًا لله، وعلمًا منه أنَّه لا ينفعه الإيمان لا أَنَّه (٤) كره إيمانه، لأنَّ كراهة الإيمان من الكافر كفرٌ، لكن قال أبو منصورٍ الماتريديُّ في «التَّأويلات»: الرِّضا بالكفر ليس بكفرٍ مطلقًا (٥)، إنَّما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسه لا بكفر غيره، ويؤيِّده قصَّةُ ابن أبي

стр. 8530

سرحٍ المرويَّةُ في «سنن أبي داود» و «النَّسائيِّ»: لمَّا جاء يوم الفتح بين يدي النَّبيِّ ﷺ ، وطلب المبايعة ثلاث مرَّاتٍ، وكلُّ ذلك يأبى ثمَّ بايعه، ثمَّ أقبل على أصحابه؛ فقال: «أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا حين رآني كففت عن بيعته فيقتله … » الحديثَ، وقيل: إنَّما قصد فرعونُ بقوله الخلاصَ، أو لأنَّه كان لمجرَّد التَّعليق (١)؛ كما قال: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] فكأنَّه قال: لا أعرفه، فكيف يزول كفرُه بهذا التَّقليد؟! وقد رُوِيَ: أنَّ جبريل استفتاه: ما قولك في عبدٍ لرجلٍ نشأ في ماله ونعمته فكفرَ نعمته (٢)، وجحد حقَّه، وادَّعى السِّيادة دونه؟ فكتب: يقول الوليد بن مصعبٍ: جزاءُ العبد الخارج على (٣) سيِّده الكافر نعماه أن يغرق في البحر، فلمَّا ألجمه (٤) الغرق؛ ناوله جبريل خطَّه فعرفه، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ … » إلى آخره وقال: «إلى قوله: ﴿وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾» (﴿نُنَجِّيكَ﴾ [يونس: ٩٢]) بسكون النُّون وتخفيف الجيم؛ من «أنجى» وهي قراءة يعقوب، وفي نسخةٍ: «﴿نُنَجِّيكَ﴾» بتخفيف الجيم، أي: (نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ؛ وَهْوَ) أي: النَّجوة (النَّشَزُ) بفتح النُّون والمعجمة آخره زايٌ؛ وهو (المَكَانُ المُرْتَفِعُ) وقرأ ابن السَّمَيْفَع: (ننحِّيك) بالحاء المهملة المشدَّدة، أي: نلقيك بناحيةٍ ممَّا يلي البحر ليراك بنو إسرائيل، قال كعبٌ: رماه إلى السَّاحل كأنَّه ثورٌ، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا خرج موسى ﵊ وأصحابه؛ قال من تخلَّف من قوم فرعون: ما غرق فرعون: وقومه، ولكنَّهم في خزائن البحر يتصيَّدون، فأوحى الله تعالى إلى البحر أنِ الفظْ فرعون عريانًا، فلفَظَه عريانًا أصلعَ أخينس قصيرًا، ومن طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ (٥):

стр. 8531

﴿بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] قال: بجسدك، ومن طريق أبي صخرٍ المدنيِّ قال: البدن: الدِّرع الَّذي كان عليه، قيل: وكانت له درعٌ من ذهبٍ يُعرَف بها، وكان في أنفسهم أنَّ فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق. ٤٦٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر (١) بن أبي وحشيَّة، واسمه: إياس اليشكريُّ البصريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ) فأقام بها إلى عاشوراء من السَّنة الثَّانية (وَ) إذا (اليَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ) فسألهم (فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ) وفي روايةٍ: «فقال لهم: ما هذا اليوم الَّذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا (٢)). ومطابقته (٣) للتَّرجمة في روايةِ: «أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون وقومه» كما لا يخفى، وسبق حديث الباب في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٤] بنحوه (٤).

стр. 8532

(((١١))) (سورة هُودٍ ﵊ مئةٌ وثلاثٌ وعشرون آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى حكايةً عن لوطٍ ﵊ حين جاءته الملائكة في صورة غلمان، وظنَّ أنَّهم أناسٌ فخاف عليهم أن يقصدهم قومُه فيعجزَ عن مدافعتهم: ﴿هَذَا يَوْمٌ﴾ (﴿عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]) أي: (شديدٌ) وفي قوله: (﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]) أي: (بَلَى) أي: حقًّا أنَّهم في الآخرة هم الأخسرون. (وَقَالَ غَيْرُهُ) في قوله تعالى: (﴿وَحَاقَ﴾ [هود: ٨]) أي: (نَزَلَ) بهم وأصابهم (يَحِيقُ) أي: (يَنْزِلُ). وفي قوله تعالى: (﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ [هود: ٩] يَؤُوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ) والمعنى: ولَئِن أذقنا الإنسان حلاوة نعمةٍ يجد لذَّتها، ثمَّ سلبناها منه؛ إنَّه لقطوعٌ رجاءه من فضل الله؛ لقلَّة صبره وعدم ثقته به، كفورٌ لأنَّ الوصف باليؤوس لا يليق إلَّا بالكافر، فإنَّه يقع في اليأس إذا سُلِبَت نعمته، والمسلمُ (١) يثق بالله أن يعيدها أحسن ما كانت. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله تعالى: ﴿فَلَا (٢)﴾ (﴿تَبْتَئِسْ﴾ [هود: ٣٦]) أي: لا (٣) (تَحْزَنُ) وهذا وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ؛ كقوله (٤) في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَافْتِرَاءٌ) بالفاء، والَّذي في أكثر الفروع المقابَلة على «اليونينيَّة»: «وامتراءٌ» (فِي الحَقِّ) بالميم (﴿لِيَسْتَخْفُواْ (٥) مِنْهُ﴾ [هود: ٥]) أي: (مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وهذه الألفاظ المفسَّرة

стр. 8533

كلُّها من البسملة إلى هنا ثابتةٌ في رواية الأبوين، ومقدَّمةٌ عندهما ومؤخَّرةٌ في رواية غيرِهما (١) عن تاليها. (وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، عمرو بن شرحبيل الهَمْدانيُّ التَّابعيُّ في قوله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ﴾ (الأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالحَبَشِيَّةِ) بالتَّحتيَّة المشدَّدة، والَّذي في «اليونينيَّة» بإسقاطها (٢)، وهذا ذكره المؤلِّف في ترجمة إبراهيم من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٨ - ٥١٥٢]. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]) أي: (مَا ظَهَرَ لَنَا) من غير تعمُّق. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] (الجُودِيُّ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ) الَّتي (٣) بين دجلة والفرات قرب الموصل، تشامخت الجبال يومئذٍ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله ، فلم يغرق، وقال قتادة: استوت عليه شهرًا؛ يعني: حتَّى نزلوا منها. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (٤): (﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ﴾ [هود: ٨٧]) (٥) باللَّام (يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤]: أَمْسِكِي) عن المطر (﴿عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]) أي: (شَدِيدٌ) (٦) ولأبي ذَرٍّ: «وقال ابن عبَّاسٍ: عصيبٌ: شديدٌ (٧)» (﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]) أي: (بَلَى، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]: نَبَعَ المَاءُ) فيه وارتفع، كالقدر يفور، والتَّنُّور: تنُّور الخبز، وابتداء النُّبوع منه (٨) خارقٌ للعادة، وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، وقيل: في غيرهما (وَقَالَ عِكْرِمَةُ): التَّنُّور: (وَجْهُ الأَرْضِ) وقيل: هو (٩) أشرف موضعٍ فيها.

стр. 8534

(١) (﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾) مضارعُ ثَنَى يَثْنِي ثنيًا، أي: طوى وانحرف، و ﴿صُدُورَهُمْ﴾: مفعولٌ، والمعنى: يُحرفون صدورهم ووجوههم عن الحقِّ وقبوله (﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾) اللَّام متعلِّقةٌ بـ ﴿يَثْنُونَ﴾ كما قاله الحوفيُّ وغيره، والمعنى: إنَّهم يفعلون ثني الصُّدور لهذه العلَّة، وقال الزَّمخشريٌّ ومن تبعه: متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: ويريدون ليستخفوا من الله فلا يُطْلِع رسوله والمؤمنين على أزورارهم، ونظيرُ إضمار «يريدون» -لعود المعنى إلى إضماره- الإضمارُ في قوله: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] معناه: فضرب فانفلق، لكن قال في «الدُّرِّ»: ليس المعنى الَّذي يقودنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا؛ لأنَّ ثمَّ لا بدَّ من حذف معطوفٍ عليه (١) يضطرُّ العقل إلى تقديره؛ لأنَّه ليس من لازم الأمر بالضَّرب انفلاقُ البحر، فلا بدَّ أن يُتَعقَّل «فضرب فانفلق» وأمَّا في هذه فالاستخفاء علَّةٌ صالحةٌ لثنيهِم صدورَهم، فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادة، قال في «فتوح الغيب»: شبَّهه (٢) بقوله: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ [الشعراء: ٦٣] في مجرَّد إرادة التَّقدير؛ ليستقيم المعنى، ورُوِي عنه في «الحاشية»: ثَنيُ (٣) الصَّدر بمعنى الإعراض إظهارٌ (٤) للنِّفاق، فلم يصحَّ أن تتعلَّق به لام التَّعليل، فوجب إضمار ما يصحُّ تعلُّقها به من شيءٍ يستوي معه المعنى، فلذلك قدَّر: ويريدون ليستخفوا من الله، أي: يظهرون النِّفاقَ (٥) ويريدون مع ذلك أن يستخفوا منه (﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ﴾) يجعلونها أغشيةً وأغطيةً، والنَّاصب

стр. 8535

للظَّرف مضمرٌ، قدَّره في «الكشَّاف» بـ «يريدون» أي: يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم كراهة أن يسمعوا القرآن، أو النَّاصب له قوله: (﴿يَعْلَمُ﴾) أي: ألا يعلم (﴿مَا يُسِرُّونَ﴾) في قلوبهم (﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾) بأفواههم، فلا تفاوتَ في علمه بين سرِّهم وعلنهم (﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]) بأسرار ذوات الصُّدور. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير عكرمة: (﴿وَحَاقَ﴾ [هود: ٨]) أي: (نَزَلَ، يَحِيقُ: يَنْزِلُ، يَؤوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ) بسكون السِّين (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَبْتَئِسْ﴾ [هود: ٣٦]) بفوقيَّتَين مفتوحتَين بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ، أي: (تَحْزَنْ ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَامْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ [هود: ٥]) أي: (مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا). ٤٦٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ) بالصَّاد المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، الزَّعفرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن محمَّدٍ الأعورُ (قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) المخزوميُّ (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (يَقْرَأُ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي) [هود: ٥]) بفتح الفوقيَّة والنُّون الأولى بينهما مثلَّثةٌ ساكنةٌ وبعد الواو السَّاكنة نونٌ أخرى مكسورةٌ ثمَّ ياءٌ تحتيَّةٌ، مضارعُ: اثنونىَ، على وزن: افْعَوْعَلَ، يَفْعَوْعِلُ (١)، كاعْشَوْشَبَ يَعْشوشِبُ، من الثَّني؛ وهو بناء مبالغةٍ؛ لتكرير العين ((صُدُورُهُمْ)) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذَرٍّ: «يثنوني» بالتَّحتيَّة بدل الفوقيَّة «﴿صُدُورَهُمْ﴾» بالنَّصب (قَالَ) أي: محمَّد بن عبَّادٍ: (سَأَلْتُهُ (٢) عَنْهَا، فَقَالَ: أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ) من الحياء،

стр. 8536

ولأبي ذَرٍّ: «يستخفون» من الاستخفاء (أَنْ يَتَخَلَّوْا) أي أن يدخلوا في الخلاء (فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ، فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ) بعوراتهم مكشوفاتٍ، فيميلون (١) صدورهم ويغطُّون رؤوسهم استخفاءً (فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ): ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] الآيةَ إلى آخرها. ٤٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) بالواو عطفًا (٢) على مقدَّرٍ، أي: أخبرني غير محمَّد بن عبَّادٍ ومحمَّد بن عبَّادٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قرأ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي)) بفتح الفوقيَّة والنُّون الأولى وكسر الثَّانية، كذا في الفرع وأصله (٣) وبعدها تحتيَّةٌ ((صُدُورُهُمْ)) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: «يَثنُونَ» بضمِّ النُّون الأولى وفتح الثَّانية وإسقاط التَّحتيَّة بعدها (٤) «صدورَهم» نصبٌ على المفعوليَّة، قال محمَّد بن عبَّادٍ: (قُلْتُ: يَا أَبَا العَبَّاسِ) هي كنية عبد الله بن عبَّاسٍ (مَا تَثْنَوْنِي) بفتح النُّون الأولى وبعد الثَّانية تحتيَّةٌ (صُدُورُهُمْ) بالرَّفع؟ (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي) وفي نسخةٍ: «فيستحيي» بمثنَّاتَين تحتيَّتَين (أَوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي) من كشف عورته (فَنَزَلَتْ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥]) ولأبي ذَرٍّ: «(تثنوني)» بفتح الفوقيَّة والنُّون «(صُدُورُهُمْ)» رفعٌ.

стр. 8537

٤٦٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ﴾) بالتَّحتيَّة المفتوحة وضمِّ النُّون الأولى وفتح الأخرى من غير تحتيَّةٍ (﴿صُدُورَهُمْ﴾) نصبٌ على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ: «(يَثنُوني)» بإثبات التَّحتيَّة بعد النُّون وضمِّ (١) النُّون الأولى (٢) «صدورَهم» بالنَّصب، والتَّأنيث مجازيٌّ، فجاز تذكير الفعل باعتبار تأويل (٣) فاعله بالجمع، وتأنيثُه باعتبار تأويله بالجماعة، وفي بعض الحواشي الموثوق بها وهو في «اليونينية» (٤): قال الحَمُّويي: يُروَى عن ابن عبَّاسٍ ثلاثة أوجهٍ: ﴿يَثْنُونَ﴾ أي: بالتَّحتيَّة (٥) وضمِّ النُّون الأولى وفتح الثَّانية؛ وهي قراءة الجمهور، و «(يثنُوني)» أي: بالتَّحتيَّة وضمِّ النُّون الأولى وبعد الثَّانية تحتيَّةٌ، و «(تثنَوني)» أي: بالفوقيَّة وفتح النُّون الأولى وتحتيَّةٌ بعد الثَّانية (﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥] وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير عمرو بن دينارٍ، فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (﴿يَسْتَغْشُونَ﴾) أي: (يُغَطُّونَ رُؤُوسَهُمْ) قال الحافظ ابن حجرٍ: وتفسير التَّغشِّي (٦) بالتَّغطية متَّفقٌ عليه، وتخصيص ذلك بالرَّأس يحتاج إلى توقيفٍ، وهو مقبول من ابن عبَّاسٍ. وقوله في قصَّة لوطٍ: (﴿سِيءَ بِهِمْ﴾) أي: (سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧]) أي: (بِأَضْيَافِهِ) فالضَّمير الأوَّل للقوم، والثَّاني للأضياف، فاختلف الضَّميران، والأكثرون على اتِّحادهما كما مرَّ قريبًا (٧).

стр. 8538

وقوله تعالى للوطٍ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ (﴿بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]) أي: (بِسَوَادٍ) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ، وقال قتادة -فيما وصله عبد الرَّزَّاق-: بطائفةٍ من اللَّيل. (﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]) ولغير أبي ذَرٍّ: «وقال مجاهدٌ: أنيب»: (أَرْجِعُ) زاد في نسخةٍ: «إليه» وسقط لغير أبوي ذَرٍّ والوقت «﴿إِلَيْهِ﴾» الأولى. (٢) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]) قبل خلق السَّموات والأرض، وعن ابن عبَّاسٍ: وكان الماء على متن الرِّيح. ٤٦٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عن رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بفتح الهمزة في الأولى وضمِّها في الثَّانية، وجزم الأوَّل بالأمر والثَّاني بالجواب (وَقَالَ: يَدُ اللهِ مَلأَى)

стр. 8539

كنايةٌ عن خزائنه الَّتي لا تنفذ بالعطاء، أي: (لَا يَغِيضُهَا) بفتح التَّحتيَّة وكسر (١) الغين وبالضَّاد المعجمتَين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: لا ينقصها (نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بنصبهما على الظَّرفية، و «سحَّاء» بسينٍ وحاءٍ مشدَّدةٍ مهملتَين ممدودًا، يقال: سحَّ يسحُّ فهو ساحٍ وهي سحَّاء، وهي فَعْلاء لا «أَفْعل» لها كهَطْلاء، ويُروَى: «سَحًّا» بالتَّنوين على المصدر، أي: دائمة الصَّبِّ والهطل بالعطاء، ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها، فجعلها كالعين الَّتي (٢) لا يغيضها الاستقاء (٣) ولا ينقصها الامتياح (٤) قاله ابن الأثير. ولفظ «بيده» حكمُه حكمُ سائر المتشابهات تأويلًا وتفويضًا (وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (٥) (مَا أَنْفَقَ) أي: الَّذي (٦) أنفقه (مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذَرٍّ: «مُذْ» (خَلَقَ السَّمَاءَ (٧) وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الغين وبالضَّاد المعجمتَين، لم ينقص (مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ وَبِيَدِهِ المِيزَانُ) كنايةٌ عن العدل بين الخلق (يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) من باب مراعاة النَّظير، أي: يخفض من يشاء، ويرفع من يشاء، ويوسع الرِّزق على من يشاء، ويقتره على من يشاء. وهذا الحديث أخرجه في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١١] [خ¦٧٤١٩] والنَّسائيُّ في «التَّفسير» ببعضه. (﴿اعْتَرَاكَ﴾ [هود: ٥٤]) من باب (افْتَعَلْتَ) وفي رواية عن الكُشْميهَنيِّ أيضًا: «افتعلك» بكاف الخطاب من باب الافتعال، قال العينيُّ: والصَّواب أن يُقال: اعترى افتعل، فلا يحتاج لكاف الخطاب في الوزن (مِنْ عَرَوْتُهُ، أَيْ: أَصَبْتُهُ)، قال الجوهريُّ: عروتُ الرَّجل أعروه عروًا؛ إذا ألممتَ به، وأتيتَه طالبًا، فهو معروٌّ، وفلانٌ تعروه الأضياف وتعتريه أي: تغشاه (وَمِنْهُ) أي: ومن هذا الأصل قولهم: فلانٌ (يَعْرُوهُ) أي: يصيبه (وَاعْتَرَانِي) أي: تغشَّاني.

стр. 8540

(﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] أَيْ: فِي مُِلْكِهِ) بضمِّ الميم في الفرع، وفي «اليونينيَّة» بكسرها (وَسُلْطَانِهِ) فهو مالكٌ لها قادرٌ عليها، يصرفها على ما يريد بها، وهذا كلُّه من قوله: «﴿اعْتَرَاكَ﴾ … » إلى هنا ثابتٌ في رواية الكُشْميهَنيِّ فقط (١). (عَنِيدٌ) بالياء في قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] (وَعَنُودٌ) بالواو (وَعَانِدٌ) بالألف (وَاحِدٌ) قال أبو عبيدة: (هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) وقال غيره: هو من عَنَد عندًا وعنودًا؛ إذا طغى، والمعنى: عصوا مَن دعاهم إلى الإيمان، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفران. (﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ [هود: ١٨]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهُ: شَاهِدُ؛ مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذَرٍّ فقط، وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى، والمراد بـ ﴿الأَشْهَادُ﴾ هنا: الملائكة والنَّبيُّون والمؤمنون، وعن قتادة: الخلائق؛ وهو أعمُّ، وقيل: الجوارح. (﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ [هود: ٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا) يقال: (أعْمَرْتُهُ الدَّارَ، فَهْيَ عُمْرَى) أي: (جَعَلْتُهَا لَهُ) ملكًا مدَّة عمره، وهذا تفسير أبي عبيدة، وقيل: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أقدركم على عمارتها وأمركم (٢) بها، وقوله: (﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠]) قال أبو عبيدة: ﴿نَكِرَهُمْ (٣)﴾ أي: الثُّلاثيُّ المجرَّد (وَأَنْكَرَهُمْ (٤)) الثُّلاثي المزيد فيه (وَاسْتَنْكَرَهُمْ (٥)) الَّذي هو (٦) من باب: الاستفعال؛ كلُّها (وَاحِدٌ) في المعنى؛ وهو الإنكار، وذلك أنَّ (٧) الخليل ﵊ لمَّا جاءه الرُّسل -وهم جبريل ومَن معه من الملائكة- وجاء بعجلٍ مشويٍّ، ورأى أيديهم لا تصل إليه؛ أنكر ذلك، وخاف أن يريدوا به مكروهًا، فقالوا له (٨): لا تخف، إنَّا ملائكةٌ مرسلةٌ

стр. 8541

بالعذاب إلى قوم لوطٍ ﵊، وإنَّما لم نمدَّ أيدينا إليه لأنَّا لا نأكل. (﴿حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] كَأَنَّهُ) أي: مجيدٌ على وزن: (فَعِيلٌ، مِنْ) صيغة (مَاجِدٍ) والتَّعبير بـ «كأنَّ» فيه شيءٌ، فإنَّه بوزن: فعيل من غير شكٍّ، وقال القشيريُّ: قيل: هو بمعنى العظيم الرَّفيع القدر (١)، فهو فَعِيلٌ بمعنى: مَفْعُول، وقيل: معناه الجزيل العطاء، فهو فعيلٌ بمعنى: فَاعِل، و ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: (مَحْمُودٌ) لفعل (٢) ما يُستَحقُّ به الحمدُ، ويوصل العبد إلى مراده، فلا يبعد أن يرزق الولد في إبَّان الكِبَر؛ وهو مأخوذٌ (مِنْ حَمِدَ) بفتح الحاء، وفي نسخةٍ: «حُمِدَ» بضمِّها مبنيًّا للمجهول (٣)، فهو حامدٌ. (سِجِّيلٌ) يريد قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] قال أبو عبيدة: هو (الشَّدِيدُ الكَبِيرُ) بالموحَّدة، من الحجارة الصُّلبة، واستشكله السَّفاقسيُّ -كابن قتيبة-: بأنَّه لوكان معنى (٤) السِّجيل: الشَّديد لَمَا دخلت عليه ﴿مِّن﴾، وكان يُقال: حجارةً سجِّيلًا؛ لأنَّه لا يقال: حجارةٌ من شديدٍ، وأُجِيَب باحتمال حذف الموصوف، أي: وأرسلنا عليهم حجارةً كائنة من شديدٍ كبيرٍ (٥)، أي: من حجرٍ قويٍّ شديدٍ صُلْبٍ (سِجِّيلٌ) باللَّام (وَسِجِّينٌ) بالنُّون بمعنًى واحدٍ (وَاللاَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ) من حيث إنَّهما من حروف الزَّوائد، وكلٌّ منهما يُقلَب عن الآخر. (وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ) العامريُّ العجلانيُّ الشَّاعر المخضرم ممَّا (٦) يشهد لذلك: (وَرَجْلَةٍ) بفتح الرَّاء وسكون الجيم والجرِّ، أي: ورُبَّ رَجْلَةٍ؛ جمع راجلٍ، خلاف الفارس (يَضْرِبُونَ

стр. 8542

البَيْضَ) بفتح الموحَّدة في الفرع جمع بيضةٍ؛ وهي الخوذة، أي: يضربون مواضع البيض؛ وهي الرُّؤوس، وفي نسخةٍ «البِيضَ» بكسر الموحَّدة؛ جمع أبيض؛ وهو السَّيف، أي: يضربون بالبيض على نزع الخافض (ضَاحِيَةً) بالضَّاد المعجمة، أي: في وقت الضَّحوة، أو ظاهرة (١) (ضَرْبًا تَوَاصَى) بحذف إحدى التَّاءين؛ إذ أصله: تتواصى (بِهِ الأَبْطَالُ) أي: الشُّجعان (سِجِّينَا) بكسر السِّين وتشديد الجيم وبالنُّون، أي: شديدًا. (٣) باب (٢) (﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]) أي: وأرسلنا (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ) أخاهم شعيبًا (لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ) بناه مَدْين (٣) فسُمِّيَ باسمه، فهو على حذف مضافٍ (وَمِثْلُهُ) في ذلك: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]) أي: (واسْأَلِ العِيرَ؛ يَعْنِي: أَهْلَ القَرْيَةِ وَالعِيرِ) ولأبي ذَرٍّ: «وأصحاب العير» وكان (٤) أهل قرية شعيبٍ مطفِّفين، فأمرهم بالتَّوحيد أوَّلًا لأنه الأصل، ثمَّ أَن يوفوا حقوق النَّاس ولا ينقصوهم. (﴿وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]) يريد قول شعيبٍ لمَّا قال له قومه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]

стр. 8543

﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] (يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ) أي: جعلتم أمر الله خلف ظهوركم (١)، تعظِّمون أمر رهطي وتتركون تعظيم الله تعالى، ولا تخافونه (وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ) أي: حاجة زيدٍ مثلًا (ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي) ولأبي ذَرٍّ: «لحاجتي» «باللَّام» بدل: «الموحَّدة»، كأنَّه استخفَّ بها (وَجَعَلْتَنِي) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٢): «وجعلني» بإسقاط الفوقيَّة (ظِهْرِيًّا) أي: خلف ظهرك (وَالظِّهْرِيُّ هَهُنَا: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) عند الحاجة إن احتجت، لكنَّ هذا لا يصحُّ أن يفسَّر به ما (٣) في القرآن، فحذْفُه (٤) ههنا -كما لأبي ذَرٍّ- أَوْجَهُ. (﴿أَرَاذِلُنَا﴾) يريد قول قوم نوحٍ ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: (سُقَاطُنَا (٥)) بضمِّ السِّين وتخفيف (٦) القاف وهو الَّذي في «اليونينيَّة» (٧) وفي بعضها: «سقَّاطنا» بتشديدها (٨)، وفي نسخةٍ: «أسقاطنا» (٩) أي: أَخِسَّاؤنا، وهذا كُلُّه من قوله: «﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ … » إلى هنا ثابتٌ للكشميهنيِّ فقط، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾». (﴿إِجْرَامِي﴾) يريد قوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود: ٣٥] (هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ: أَجْرَمْتُ) بالهمزة (وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ): من: (جَرَمْتُ) ثلاثيٌّ مجرَّدٌ، والمعنى: إن صحَّ أنِّي (١٠) افتريته، فعليَّ وبالُ إجرامي، وحيث لم يصحَّ؛ فأنا بريءٌ من نسبة الافتراء إليَّ، و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [هود: ٣٥] منقطعةٌ تفيد الإضراب عن النُّصح، فيكون نسبة الافتراء إلى نوحٍ، وذهب بعضهم إلى أنَّه

стр. 8544

اعتراضٌ خوطب به النَّبيُّ ﷺ ، وسقط لفظ «هو» الَّذي بعد ﴿إِجْرَامِي﴾ لأبي ذَرٍّ. (﴿الْفُلْكِ﴾) بضمِّ الفاء وسكون اللَّام (وَالفَلَكُ وَاحِدٌ) بفتحتَين، كذا في الفرع وأصله (١)، وفي نسخةٍ: «الفُلْك والفُلَك» بضمِّ الفاء فيهما، وإسكان اللَّام في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، وفي نسخةٍ: «الفَلَك والفُلْك» (٢) بفتحتَين في الأولى (٣) وبضمٍّ ثمَّ سكونٍ في الثَّانية (٤)، ورجَّحه السَّفاقسيُّ وقال: الأوَّل واحدٌ، والثَّاني: جمعٌ؛ مثل: أَسَد وأُسْد، وفي أخرى: «الفُلْك والفُلْك» بضمٍّ ثمَّ سكونٍ فيهما جميعًا، وصوَّبه القاضي عياضٌ، والمراد: أنَّ الجمع والواحد بلفظٍ واحدٍ وفي التَّنزيل، في المفرد: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وفي الجمع: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] (وَهْيَ السَّفِينَةُ) في الواحد (وَالسُّفُنُ) في الجمع، واللَّفظ وإن كان واحدًا لكنَّه مختلفٌ فيجب (٥) التَّقدير، فضمَّة «فُلْك» للواحد كضمَّة قُفْل، وضمَّة «فُلْك» للجمع كضمَّة أُسْد. (﴿مَجْرَاهَا﴾) بضمِّ الميم يريد قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا﴾ (٦) [هود: ٤١] أي: (مَدْفَعُهَا) بفتح الميم، وفي بعض النُّسخ (٧): «موقفها» بالواو والقاف والفاء، وعُزِيَ لرواية القابسيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، لم أره في شيءٍ من النُّسخ، وهو فاسد المعنى (وَهْوَ) أي: مجراها (٨) (مَصْدَرُ: أَجْرَيْتُ وَأَرْسَيْتُ) أي: (حَبَسْتُ، وَيُقْرَأُ) بالتَّحتيَّة، ولأبي ذَرٍّ:

стр. 8545

«وتُقرأ» بالفوقيَّة: (مَرْسَاهَا) بفتح الميم (مِنْ: رَسَتْ هِيَ) أي: السَّفينة، أي: ركدت واستقرَّت (وَ ﴿مَجْرَاهَا﴾) بفتح الميم (مِنْ: جَرَتْ (١) هِيَ) وفتح الميمين؛ وهي قراءة المطوِّعيِّ عن الأعمش (وَ) يُقرأ أيضًا: (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) بضمِّ الميم وياءٍ ساكنةٍ فيهما بدل الألف مع كسر الرَّاء والسِّين؛ وهي قراءة الحسن، والمعنى (٢): اللهُ مجريها ومرسيها، وهي مأخوذةٌ (مِنْ: فُعِلَ بِهَا) بكسر ميم «مِن» وضمِّ فاء «فُعِل» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «و (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) (٣)» بضمِّ الميمين، وهي قراءة الحِرْمِيَّين والبصريِّ والشَّامي وأبي بكرٍ، وقرأ حفصٌ والأخوان: بفتح الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني، فالفتح من الثُّلاثيِّ والضَّمِّ من الرُّباعيِّ (الرَّاسِيَاتُ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿رَّاسِيَاتٍ﴾» (ثَابِتَاتٌ) يريد قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] وذكْره استطرادٌ (٤) لذكر ﴿مُرْسَاهَا﴾. (٤) (باب قوله) : (﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]) وسقط لأبي ذَرٍ «﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» (وَاحِدُ الأَشْهَادِ) ولأبي ذَرٍّ: «واحدةُ الأشهاد» (شَاهِدٌ) بتاء التَّأنيث في الفرع، والَّذي في «اليونينيَّة»: «واحدُهُ» بضمِّ الدَّال والهاء «شاهدٌ» (٥) (مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) وقد ثبت ذكر هذا بلفظ: «﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ واحدها: شاهدٌ؛ مثل: صاحبٍ وأصحابٍ» في رواية أبي ذَرٍّ في غير هذا الموضع قريبًا.
следующие страницы →