← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

بالعذاب إلى قوم لوطٍ ﵊، وإنَّما لم نمدَّ أيدينا إليه لأنَّا لا نأكل. (﴿حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] كَأَنَّهُ) أي: مجيدٌ على وزن: (فَعِيلٌ، مِنْ) صيغة (مَاجِدٍ) والتَّعبير بـ «كأنَّ» فيه شيءٌ، فإنَّه بوزن: فعيل من غير شكٍّ، وقال القشيريُّ: قيل: هو بمعنى العظيم الرَّفيع القدر (١)، فهو فَعِيلٌ بمعنى: مَفْعُول، وقيل: معناه الجزيل العطاء، فهو فعيلٌ بمعنى: فَاعِل، و ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: (مَحْمُودٌ) لفعل (٢) ما يُستَحقُّ به الحمدُ، ويوصل العبد إلى مراده، فلا يبعد أن يرزق الولد في إبَّان الكِبَر؛ وهو مأخوذٌ (مِنْ حَمِدَ) بفتح الحاء، وفي نسخةٍ: «حُمِدَ» بضمِّها مبنيًّا للمجهول (٣)، فهو حامدٌ. (سِجِّيلٌ) يريد قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] قال أبو عبيدة: هو (الشَّدِيدُ الكَبِيرُ) بالموحَّدة، من الحجارة الصُّلبة، واستشكله السَّفاقسيُّ -كابن قتيبة-: بأنَّه لوكان معنى (٤) السِّجيل: الشَّديد لَمَا دخلت عليه ﴿مِّن﴾، وكان يُقال: حجارةً سجِّيلًا؛ لأنَّه لا يقال: حجارةٌ من شديدٍ، وأُجِيَب باحتمال حذف الموصوف، أي: وأرسلنا عليهم حجارةً كائنة من شديدٍ كبيرٍ (٥)، أي: من حجرٍ قويٍّ شديدٍ صُلْبٍ (سِجِّيلٌ) باللَّام (وَسِجِّينٌ) بالنُّون بمعنًى واحدٍ (وَاللاَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ) من حيث إنَّهما من حروف الزَّوائد، وكلٌّ منهما يُقلَب عن الآخر. (وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ) العامريُّ العجلانيُّ الشَّاعر المخضرم ممَّا (٦) يشهد لذلك: (وَرَجْلَةٍ) بفتح الرَّاء وسكون الجيم والجرِّ، أي: ورُبَّ رَجْلَةٍ؛ جمع راجلٍ، خلاف الفارس (يَضْرِبُونَ

стр. 8542

البَيْضَ) بفتح الموحَّدة في الفرع جمع بيضةٍ؛ وهي الخوذة، أي: يضربون مواضع البيض؛ وهي الرُّؤوس، وفي نسخةٍ «البِيضَ» بكسر الموحَّدة؛ جمع أبيض؛ وهو السَّيف، أي: يضربون بالبيض على نزع الخافض (ضَاحِيَةً) بالضَّاد المعجمة، أي: في وقت الضَّحوة، أو ظاهرة (١) (ضَرْبًا تَوَاصَى) بحذف إحدى التَّاءين؛ إذ أصله: تتواصى (بِهِ الأَبْطَالُ) أي: الشُّجعان (سِجِّينَا) بكسر السِّين وتشديد الجيم وبالنُّون، أي: شديدًا. (٣) باب (٢) (﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]) أي: وأرسلنا (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ) أخاهم شعيبًا (لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ) بناه مَدْين (٣) فسُمِّيَ باسمه، فهو على حذف مضافٍ (وَمِثْلُهُ) في ذلك: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]) أي: (واسْأَلِ العِيرَ؛ يَعْنِي: أَهْلَ القَرْيَةِ وَالعِيرِ) ولأبي ذَرٍّ: «وأصحاب العير» وكان (٤) أهل قرية شعيبٍ مطفِّفين، فأمرهم بالتَّوحيد أوَّلًا لأنه الأصل، ثمَّ أَن يوفوا حقوق النَّاس ولا ينقصوهم. (﴿وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]) يريد قول شعيبٍ لمَّا قال له قومه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]

стр. 8543

﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] (يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ) أي: جعلتم أمر الله خلف ظهوركم (١)، تعظِّمون أمر رهطي وتتركون تعظيم الله تعالى، ولا تخافونه (وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ) أي: حاجة زيدٍ مثلًا (ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي) ولأبي ذَرٍّ: «لحاجتي» «باللَّام» بدل: «الموحَّدة»، كأنَّه استخفَّ بها (وَجَعَلْتَنِي) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٢): «وجعلني» بإسقاط الفوقيَّة (ظِهْرِيًّا) أي: خلف ظهرك (وَالظِّهْرِيُّ هَهُنَا: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) عند الحاجة إن احتجت، لكنَّ هذا لا يصحُّ أن يفسَّر به ما (٣) في القرآن، فحذْفُه (٤) ههنا -كما لأبي ذَرٍّ- أَوْجَهُ. (﴿أَرَاذِلُنَا﴾) يريد قول قوم نوحٍ ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: (سُقَاطُنَا (٥)) بضمِّ السِّين وتخفيف (٦) القاف وهو الَّذي في «اليونينيَّة» (٧) وفي بعضها: «سقَّاطنا» بتشديدها (٨)، وفي نسخةٍ: «أسقاطنا» (٩) أي: أَخِسَّاؤنا، وهذا كُلُّه من قوله: «﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ … » إلى هنا ثابتٌ للكشميهنيِّ فقط، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾». (﴿إِجْرَامِي﴾) يريد قوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود: ٣٥] (هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ: أَجْرَمْتُ) بالهمزة (وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ): من: (جَرَمْتُ) ثلاثيٌّ مجرَّدٌ، والمعنى: إن صحَّ أنِّي (١٠) افتريته، فعليَّ وبالُ إجرامي، وحيث لم يصحَّ؛ فأنا بريءٌ من نسبة الافتراء إليَّ، و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [هود: ٣٥] منقطعةٌ تفيد الإضراب عن النُّصح، فيكون نسبة الافتراء إلى نوحٍ، وذهب بعضهم إلى أنَّه

стр. 8544

اعتراضٌ خوطب به النَّبيُّ ﷺ ، وسقط لفظ «هو» الَّذي بعد ﴿إِجْرَامِي﴾ لأبي ذَرٍّ. (﴿الْفُلْكِ﴾) بضمِّ الفاء وسكون اللَّام (وَالفَلَكُ وَاحِدٌ) بفتحتَين، كذا في الفرع وأصله (١)، وفي نسخةٍ: «الفُلْك والفُلَك» بضمِّ الفاء فيهما، وإسكان اللَّام في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، وفي نسخةٍ: «الفَلَك والفُلْك» (٢) بفتحتَين في الأولى (٣) وبضمٍّ ثمَّ سكونٍ في الثَّانية (٤)، ورجَّحه السَّفاقسيُّ وقال: الأوَّل واحدٌ، والثَّاني: جمعٌ؛ مثل: أَسَد وأُسْد، وفي أخرى: «الفُلْك والفُلْك» بضمٍّ ثمَّ سكونٍ فيهما جميعًا، وصوَّبه القاضي عياضٌ، والمراد: أنَّ الجمع والواحد بلفظٍ واحدٍ وفي التَّنزيل، في المفرد: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وفي الجمع: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] (وَهْيَ السَّفِينَةُ) في الواحد (وَالسُّفُنُ) في الجمع، واللَّفظ وإن كان واحدًا لكنَّه مختلفٌ فيجب (٥) التَّقدير، فضمَّة «فُلْك» للواحد كضمَّة قُفْل، وضمَّة «فُلْك» للجمع كضمَّة أُسْد. (﴿مَجْرَاهَا﴾) بضمِّ الميم يريد قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا﴾ (٦) [هود: ٤١] أي: (مَدْفَعُهَا) بفتح الميم، وفي بعض النُّسخ (٧): «موقفها» بالواو والقاف والفاء، وعُزِيَ لرواية القابسيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، لم أره في شيءٍ من النُّسخ، وهو فاسد المعنى (وَهْوَ) أي: مجراها (٨) (مَصْدَرُ: أَجْرَيْتُ وَأَرْسَيْتُ) أي: (حَبَسْتُ، وَيُقْرَأُ) بالتَّحتيَّة، ولأبي ذَرٍّ:

стр. 8545

«وتُقرأ» بالفوقيَّة: (مَرْسَاهَا) بفتح الميم (مِنْ: رَسَتْ هِيَ) أي: السَّفينة، أي: ركدت واستقرَّت (وَ ﴿مَجْرَاهَا﴾) بفتح الميم (مِنْ: جَرَتْ (١) هِيَ) وفتح الميمين؛ وهي قراءة المطوِّعيِّ عن الأعمش (وَ) يُقرأ أيضًا: (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) بضمِّ الميم وياءٍ ساكنةٍ فيهما بدل الألف مع كسر الرَّاء والسِّين؛ وهي قراءة الحسن، والمعنى (٢): اللهُ مجريها ومرسيها، وهي مأخوذةٌ (مِنْ: فُعِلَ بِهَا) بكسر ميم «مِن» وضمِّ فاء «فُعِل» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «و (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) (٣)» بضمِّ الميمين، وهي قراءة الحِرْمِيَّين والبصريِّ والشَّامي وأبي بكرٍ، وقرأ حفصٌ والأخوان: بفتح الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني، فالفتح من الثُّلاثيِّ والضَّمِّ من الرُّباعيِّ (الرَّاسِيَاتُ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿رَّاسِيَاتٍ﴾» (ثَابِتَاتٌ) يريد قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] وذكْره استطرادٌ (٤) لذكر ﴿مُرْسَاهَا﴾. (٤) (باب قوله) : (﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]) وسقط لأبي ذَرٍ «﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» (وَاحِدُ الأَشْهَادِ) ولأبي ذَرٍّ: «واحدةُ الأشهاد» (شَاهِدٌ) بتاء التَّأنيث في الفرع، والَّذي في «اليونينيَّة»: «واحدُهُ» بضمِّ الدَّال والهاء «شاهدٌ» (٥) (مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) وقد ثبت ذكر هذا بلفظ: «﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ واحدها: شاهدٌ؛ مثل: صاحبٍ وأصحابٍ» في رواية أبي ذَرٍّ في غير هذا الموضع قريبًا.

стр. 8546

٤٦٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (وَهِشَامٌ) هو ابن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الرَّاء آخره زايٌ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (يَطُوفُ) بالكعبة (إِذْ عَرَضَ) له (رَجُلٌ) لم يُسمَّ (فَقَالَ) له: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ) وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «قال» (هل (١) سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّجْوَى؟) الَّتي تكون في القيامة بين الله تعالى وبين المؤمنين (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُدْنَى المُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ) بضمِّ الياء وفتح النُّون من: «يُدنى» مبنيًّا للمفعول، أي: يقرب منه (وَقَالَ هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ: (يَدْنُو المُؤْمِنُ) بفتح الياء وضمِّ النُّون، أي: يقرب من ربِّه (حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ) ربُّه (كَنَفَهُ) بنونٍ مفتوحةٍ، أي: جانبه، والدُّنوُّ والكنف مجازان، والمراد: السَّتر والرَّحمة (فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فيقرِّره» بنصب الرَّاء، يقول له: (تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ يَقُولُ) العبد: (أَعْرِفُ رَبِّ، يَقُولُ (٢): أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ (٣)) بحذف أداة النِّداء من الأولى، وهي والمنادى في الثَّانية (فَيَقُولُ) الله جلَّ وعلا: (سَتَرْتُهَا) أي: عليك (فِي الدُّنْيَا، وَأَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ) بضمِّ المثنَّاة (٤) الفوقيَّة وفتح الواو (٥) مبنيًّا للمفعول من الطَّيِّ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ثمَّ يُعطَى» من الإعطاء مبنيًّا للمفعول «صحيفةَ (٦)» نصبٌ على المفعوليَّة، أي: يُعطى هو صحيفةَ حسناته (وَأَمَّا الآخَرُونَ) بالمدِّ وفتح الخاء المعجمة (أو الكُفَّارُ) بالشَّكِّ

стр. 8547

من الرَّاوي (فَيُنَادَى) بالتَّحتيَّة وفتح الدَّال (عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ) زاد أبو ذَرٍّ: «﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾» [هود: ١٨] وهذا وعيدٌ شديدٌ. (وَقَالَ شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحوي مما وصله ابن مردويه: (عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ) أي: عن (١) ابن عمر. وهذا الحديث سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٤١]. (٥) (باب قوله) : (﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾) ﴿وَكَذَلِكَ﴾: خبرٌ مقدَّمٌ، و ﴿أَخْذُ﴾: مبتدأٌ مؤخَّرٌ، والتَّقدير: ومثلُ ذلك الأخذِ -أي: أخذِ ربِّك (٢) الأمم السَّالفة- أخذُ ربِّك، و ﴿إِذَا﴾: ظرفٌ ناصبه المصدر قبله، والمسألة من باب التَّنازع، فإنَّ الأخذ يطلب القرى، و ﴿أَخْذُ﴾ الفعل أيضًا يطلبها، فالمسألة من إعمال الثَّاني للحذف (٣) من الأوَّل (﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾) جملةٌ حاليَّةٌ (﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]) وجيعٌ (٤) صعبٌ على المأخوذ، وفيه تحذيرٌ عظيمٌ عن الظُّلم، كفرًا كان أو غيره، لغيره أو لنفسه (٥)، ولكلِّ أهل قريةٍ ظالمةٍ. (﴿الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]) قال أبو عبيدة: (العَوْنُ المُعِينُ) بضمِّ الميم وكسر العين، فسَّر ﴿الْمَرْفُودُ﴾ بالمعين، قال في «المصابيح»: وفيه نظرٌ، وقال البرماويُّ: والوجه: المُعَان، ثمَّ وجَّهه كالكِرمانيِّ: بأن يكون الفاعل فيه بمعنى المفعول، أو يكون من باب: ذي كذا، أي: عون ذي إعانةٍ، وفي نسخةٍ: «المُعَان» بالألف بدل المعين (رَفَدْتُهُ) أي: (أَعَنْتُهُ).

стр. 8548

وقوله تعالى: ﴿وَلَا﴾ (﴿تَرْكَنُواْ﴾) ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [هود: ١١٣] أي: لا (تَمِيلُوا) إليهم أدنى ميلٍ، فإنَّ الرُّكون هو الميل اليسير، كالتَّزيِّي بزيِّهم وتعظيم ذكرهم، أو لا ترضوا أعمالهم، روى عبد بن حميدٍ من طريق الرَّبيع بن أنسٍ: ﴿لَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ لا ترضوا أعمالهم، فمن استعان بظالمٍ؛ فكأنَّه قد (١) رضي بفعله، وإذا كان في الرُّكون إلى مَن وُجِدَ منه ما يُسمَّى ظلمًا هذا الوعيد الشَّديد، فما ظنُّك بالرُّكون إلى الموسومين بالظُّلم ثمَّ بالميل (٢) إليهم كلَّ الميل، ثمَّ بالظَّلم نفسه (٣) والانهماك فيه، أعاذنا الله من كلِّ مكروهٍ بمنِّه وكرمه. (﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ [هود: ١١٦]) أي: (فَهَلاَّ كَانَ) وهي في حرف ابن مسعودٍ، رواه عبد الرَّزَّاق، وسقط من «﴿تَرْكَنُواْ﴾ … » إلى هنا لأبي ذَرٍّ. (﴿أُتْرِفُواْ﴾ [هود: ١١٦]) أي: (أُهْلِكُوا) قال في «الفتح»: هو تفسيرٌ باللَّازم، أي: كان التَّرف سببًا لإهلاكهم. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]) الزَّفير: صوتٌ (شَدِيدٌ، وَ) الشَّهيق: (صَوْتٌ ضَعِيفٌ) وقال في «الأنوار»: الزَّفير: إخراج النَّفَسِ، والشَّهيق: ردُّه، وسقط لأبي ذَرٍّ قول ابن عبَّاس هذا … إلى آخره. ٤٦٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٤) صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو (٥) مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ؛ بالخاء والزَّاي المعجمتَين بينهما ألفٌ وآخره ميمٌ، الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء في الأوَّل، وضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء في الثَّاني، وهو جدُّ «بُرَيدٍ»، واسم

стр. 8549

أبيه: عبد الله بن أبي بردة (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (رضي الله تعالى عنه) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي) اللَّام للتَّأكيد، و «يملي» أي: يمهل (لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ؛ لَمْ يُفْلِتْهُ) بضمِّ أوَّله، أي: لم يخلِّصه أبدًا، لكثرة ظلمه بالشِّرك، فإن كان مؤمنًا؛ لم يخلِّصه مدَّةً طويلةً بقدر جنايته (قَالَ) أي: أبو موسى: (ثُمَّ قَرَأَ) ﷺ : (﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ (١) رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]) وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب»، والتَّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الفتن». (٦) (باب قوله) تعالى: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾) المفروضة (﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾) ظرفٌ لـ ﴿أَقِمِ﴾ قال في «الدُّرِّ»: ويضعف أن يكون ظرفًا للصَّلاة، كأنَّه قيل: أقم الصَّلاة الواقعة في هذين الوقتين، والطَّرف وإن لم يكن ظرفًا لكنَّه لمَّا أُضيفَ إلى الظَّرف؛ أُعرب بإعرابه؛ كقوله: أتيت أوَّل النَّهار وآخرَه ونصفَ اللَّيل؛ بنصب هذه كلِّها على الظَّرف لمَّا أُضيفَت إليه وإن كانت ليست موضوعةً للظَّرفيَّة (﴿وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾) نصبُ نسقٍ على ﴿طَرَفَيِ﴾ فينتصب على الظَّرف (٢)؛ إذ المراد به: ساعات اللَّيل القريبة، أو على المفعول به نسقًا على الصَّلاة، واختلف في طرفي النَّهار وزلف اللَّيل؛ فقيل: الطَّرف الأوَّل الصُّبح، والثَّاني الظُّهر والعصر، والزُّلف المغرب والعشاء وقيل: الطَّرف الأوَّل، الصُّبح والثَّاني العصر، والزُّلف المغرب والعشاء (٣) وليست الظُّهر في هذه الآية على هذا القول بل في غيرها، وقيل: الطَّرفان الصُّبح والمغرب، وقيل غير ذلك، وأحسنُها الأوَّل (﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾) أي: تكفِّرها (﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤])

стр. 8550

عظةٌ لمن يتَّعظ إذا وعظ (﴿وَزُلَفًا﴾) بفتح اللَّام، أي: (سَاعَاتٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ) واحدتُها: زلفةٌ، أي: ساعةٌ ومنزلةٌ (وَمِنْهُ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ) أي: لمجيء النَّاس إليها في ساعاتٍ من اللَّيل، أو لازدلافهم؛ يعني: لاقترابهم إلى الله، وحصول المنزلة لهم عنده فيها (الزُّلَفُ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ) فتكون بمعنى المنازل (وَأَمَّا زُلْفَى؛ فَمَصْدَرٌ مِنَ القُرْبَى) قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] (ازْدَلَفُوا) بالدَّال بعد الزَّاي (١)، أي: (اجْتَمَعُوا، أَزْلَفْنَا) أي: (جَمَعْنَا) قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعنا. ٤٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ) مصغَّرًا، ولغير أبي (٢) ذَرٍّ: «هو ابن زُرَيعٍ» قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديُّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَجُلًا) هو أبو اليسر كعبُ بن عمرٍو، وقيل: نبهان التَّمَّار، وقيل: عمرو بن غزيَّة (أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ) من الأنصار؛ كما عند ابن مردويه (قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) وعند مسلمٍ وأصحاب «السُّنن» من طريق سِمَاك بن حربٍ عن إبراهيم النَّخعيِّ عن علقمة والأسود عن ابن مسعودٍ: «جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي وجدت امرأةً في بستانٍ ففعلت بها كلَّ شيءٍ، غيرَ أنِّي لم أجامعها، قبَّلتها ولزمتها، فافعل بي ما شئت» (فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ) ﷺ ، والفاء عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: فذكر له، فسكت رسول الله ﷺ ، وصلَّى الرَّجل مع النَّبيِّ ﷺ ؛ كما في حديث أنسٍ فأنزل الله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]: قَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟) بفتح الهمزة للاستفهام، أي: أهذه الآية بأنَّ صلاتي مذهبةٌ لمعصيتي مختصَّةٌ بي أو عامَّةٌ للنَّاس كلِّهم؟ (قَالَ) ﵊: (لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي)

стр. 8551

واستنبط ابن المنذر منه: أنَّه لا حدَّ على مَن وُجد مع أجنبيَّةٍ في لحافٍ واحدٍ، وفيه عدم الحدِّ في القُبْلة ونحوها، وسقوط التَّعزير عمَّن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا. وهذا الحديث قد سبق في «باب الصَّلاة كفَّارةٌ» من (١) «المواقيت» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٢٦]. (((١٢))) (سورة يُوسُفَ) ﵊ مكِّيَّةٌ؛ وهي مئةٌ وإحدى عشرة آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذَرٍّ، وسقطت لغيره.

стр. 8552

(وَقَالَ فُضَيْلٌ) بضمِّ الفاء وفتح المعجمة، ابن عياض بن موسى الزَّاهد، المتوفَّى بمكَّة سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ، ممَّا وصله ابن المنذر ومسدَّد في «مسنده» (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر: (مُتْكًا) بضمِّ الميم وسكون الفوقية وتنوين الكاف من غير همزٍ، وهي قراءة ابن عبَّاسٍ وابن عمر ومجاهدٍ وقتادة والجحدريِّ: (الأُتْرُجُّ) بضمِّ الهمزة وسكون الفوقيَّة وضمِّ الرَّاء وتشديد الجيم، ولأبي ذَرٍّ: «الأترنج» بزيادة نونٍ بعد الرَّاء وتخفيف الجيم، لغتان، وأنشدوا: فَأَهْدَتْ متكَةً لِبني أبيها … تخبُّ بها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ والعَثَمثمة من النُّوق: الشَّديدة، والذَّكر: عثمثم، والعَثَمْثَم: الأسد، والوَقَاح: بالواو المفتوحة والقاف، النَّاقة الصُّلبة (قَالَ فُضَيْلٌ) هو ابن عياضٍ، فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق يحيى بن يمانٍ عنه: (الأُتْرُجُّ) أي: بتشديد الجيم، وسقط لأبي ذَرٍّ «قال فضيلٌ: الأترجُّ» (بـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ مُتْكًا) بضمِّ الميم وسكون التَّاء وتنوين الكاف من غير همزٍ. (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله في «مسنده» (عَنْ رَجُلٍ) لم يُسَمَّ (عَنْ مُجَاهِدٍ: (مُتْكًا)) بسكون التَّاء من غير همزٍ كالسَّابق: (كُلُّ شَيْءٍ) ولأبي ذَرٍّ: «قال: كلُّ شيءٍ» (قُطِعَ بِالسِّكِّينِ) كالأترجِّ وغيره من الفواكه، وأنشدوا (١): نَشْربُ الإثمَ بالصُّواع جهارًا … ونرى المُتْكَ بيننا مُستعارا قيل: وهو (٢) من: مَتَك؛ بمعنى: بتك الشَّيء، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكون الميم بدلًا من الباء، وهو بدلٌ مطَّردٌ في لغة قومٍ، ويحتمل أن تكون مادَّة أخرى وافقت هذه. (وَقَالَ قَتَادَةُ) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ (٣)﴾ (﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ [يوسف: ٦٨]) وزاد أبو ذَرٍّ «﴿لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾»

стр. 8553

أي: (عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) وصله ابن أبي حاتمٍ، والضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ ليعقوب، كما يرشد إليه قوله: ﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨]. (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) فيما رواه ابن منده وابن مردويه، ولأبي ذَرٍّ: «سعيد بن جبيرٍ»: (صُوَاعٌ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾»: (مَكُّوكُ الفَارِسِيِّ) بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى مضمومةً، مكيالٌ معروفٌ لأهل العراق؛ وهو (الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأَعَاجِمُ) وكان من فضَّةٍ، وزاد ابن إسحاق: مرصَّعًا بالجواهر، كان يُسقَى به الملِك، ثمَّ جُعِل صاعًا يُكال به. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله: ﴿لَوْلَا أَن﴾ (﴿تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]) أي: (تُجَهِّلُونِ) وقال الضَّحَّاك: تهرِّمون فتقولون: شيخٌ كبيرٌ قد ذهب عقله، وعند ابن مردويه عن ابن عبَّاسٍ في قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] لمَّا خرجت العير؛ هاجت ريحٌ فأتت يعقوبَ بريحِ يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ قال: لولا أن (١) تسفِّهون، قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيَّامٍ. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] (غَيَابَةٌ) بالرَّفع: (كُلُّ شَيْءٍ) مبتدأٌ، وفي نسخةٍ: «غيابةٍ» بالجرِّ والَّذي في «اليونينيَّة»: «غيابةٌ» بالرَّفع وبالفتح (٢): (غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا) في محلِّ جرٍّ صفةٌ لشيءٍ (٣)، و «شيئًا»: مفعولُ غيَّب (فَهْوَ غَيَابَةٌ) خبر المبتدأ، والمبتدأ إذا تضمَّن معنى الشَّرط؛ تدخل الفاء في خبره (وَالجُبُّ) بالجيم: (الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ) قاله أبو عبيدة، وسُمِّي به (٤) لكونه محفورًا في جبوب (٥) الأرض، أي: ما غَلُظ منها، والغَيَابة: قال الهرويُّ: شِبْهُ طاقٍ في البئر فويق الماء، يُغيَّب ما فيه عن (٦) العيون، وقال الكلبيُّ: تكون في قعر الجبِّ؛ لأنَّ أسفله واسعٌ ورأسه ضيِّقٌ، فلا يكاد النَّاظر يرى ما في جوانبه، والألف واللَّام في «الجُبُّ» للعهد، فقيل: هو جبُّ بيت المقدس، وقيل: بأرض الأُردن، وقيل: على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب.

стр. 8554

وقوله: ﴿وَمَا أَنتَ﴾ (﴿بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: ١٧]) أي: (بِمُصَدِّقٍ) لسوء ظنِّك بنا. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ (﴿أَشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢]) أي: (قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ) وهو ما بين الثَّلاثين والأربعين، وقيل: سنُّ الشَّباب، ومبدؤه (١) قبل بلوغ الحلم (يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ) أي: فيكون «أشدَّ» في المفرد والجمع بلفظٍ واحدٍ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا) أي: الأشدُّ (شَدٌّ) بفتح الشِّين من غير همزةٍ (٢)، وهو قول سيبويهِ والكسائيِّ. (وَالمُتَّكَأُ) بتشديد الفوقيَّة، وبعد الكاف همزةٌ على قراءة الجمهور، اسم مفعولٍ: (مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ) أي: لأجل شرابٍ … إلى آخره، (وَأَبْطَلَ) قول (الَّذِي قَالَ): إنَّ (٣) المتَّكأ هو (الأُتْرُجُّ) بتشديد الجيم للإدغام، ولأبي ذَرٍّ: «الأترنج» بالنُّون للفكِّ (وَلَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ الأُتْرُجُّ) أي: ليس مفسَّرًا في كلامهم به، وهذا أخذه من كلام أبي عبيدة، ولفظه: وزعم قومٌ أنَّه التُّرُنج (٤)؛ وهذا أبطل باطلٍ في الأرض. انتهى. وتعقب بما في «المحكم» حيث قال: المتَّكأ: الأترنج، ونقله الجوهريُّ في «صحاحه» عن الأخفش، وقال أبو حنيفة الدِّينوريُّ: بالضَّمِّ: الأُترنج، وبالفتح: السَّوسن، وعن أبي عليٍّ القاليِّ وابن فارسٍ في «مجمله» (٥) نحوه، وعند عبد بن حميدٍ: أنَّ ابن عبَّاسٍ كان يقرأ: مُتْكًا، مخفَّفةً، ويقول: هو الأترجُّ (فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ التاء (٦)، أي: على القائلين بأنَّه

стр. 8555

الأترجُّ (١)، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيما احْتُجَّ» بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل اللَّام (بِأَنَّهُ) ولأبي ذَرٍّ: «بأنَّ» (المُتَّكَأُ) بالتَّشديد والهمزة (مِنْ نَمَارِقَ) (٢) يعني: وسائد (فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ، فَقَالُوا) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وقالوا» (إِنَّمَا هُوَ المُتْكُ سَاكِنَةَ التَّاءِ) مخفَّفةً، و «ساكنةَ»: (٣) نصب (٤) (وَإِنَّمَا المُتْكُ) المخفَّف: (طَرَفُ البَظْرِ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة؛ وهو موضع الختان من المرأة (٥) (وَمِنْ ذَلِكَ) اللَّفظ (قِيلَ لَهَا) أي: للمرأة: (مَتْكَاءُ، وَابْنُ المَتْكَاءِ) بفتح الميم والتَّخفيف والمدِّ فيهما؛ وهي الَّتي لم تُختَن، ويقال (٦): البظراء (٧) أيضًا (فَإِنْ كَانَ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (أُتْرُجٌّ) بتشديد الجيم (فَإِنَّهُ) كان (بَعْدَ المُتَّكَأِ) وقيل: «المُتَّكأ» طعامٌ يُحَزُّ حَزًّا، وقال ابن عبَّاسٍ وسعيد بن جبيرٍ والحسن وقتادة ومجاهدٌ: ﴿مُتَّكَأً﴾ طعامًا (٨)، سمَّاه متَّكَأ (٩) لأنَّ أهل الطعام إذا جلسوا يتَّكئون على الوسائد، فسُمِّي الطَّعام متَّكَأً على الاستعارة، وقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾ (١٠) طعامٌ يحتاج إلى أن يقطع بالسِّكين؛ لأنَّه متى كان كذلك؛ احتاج الإنسان إلى أن يتَّكئ عليه عند القطع، وقد عُلِم ممَّا مرَّ أنَّ المُتْك المخفَّف يكون بمعنى: الأترجِّ (١١) وطرف البَظْر، وأنَّ المشدَّدة: ما يُتَّكَأُ عليه (١٢) من وسادةٍ، وحينئذٍ فلا تعارض بين النَّقلين كما لا يخفى، وكان الأَولى سياق قوله: «والمتَّكأ:

стр. 8556

ما اتَّكأت عليه» عَقِبَ قوله: «متَّكأٌ: كلُّ (١) شيءٍ قُطِع بالسِّكين» ويشبه أن يكون من ناسخٍ؛ كغيره ممَّا يقع غيرَ مرتَّبٍ. وقوله: ﴿قَدْ﴾ (﴿شَغَفَهَا﴾ [يوسف: ٣٠] يُقَالُ: بَلَغ إِلَى شِغَافِهَا) قال السَّفاقسيُّ: بكسر الشِّين المعجمة، ضبطه المحدِّثون في كتب اللُّغة بفتحها، وسقط لفظ «إلى» لأبي ذَرٍّ، وثبت له «بلغ» (٢) (وَهْوَ غِلَافُ قَلْبِهَا) وهو جلدةٌ رقيقةٌ، وزاد القاضي كغيره: حتَّى وصل إلى فؤادها حبًّا، وقال غيره: أحاط بقلبها مثل إحاطة الشِّغاف بالقلب؛ يعني: أنَّ اشتغالها بحبِّه صار حجابًا بينها وبين كلِّ ما سوى هذه المحبَّة، فلا يخطر ببالها سواه (وَأَمَّا (شَعَفَهَا)) بالعين المهملة؛ وهي قراءة الحسن وابن محيصن (فَمِنَ المَشْعُوفِ) وهو الَّذي أحرق قلبَه الحبُّ؛ وهو من شعف البعير إذا هَنأَه، أي: طلاه بالقطران فأحرقه، وقد كشف أبو عبيدٍ (٣) عن هذا المعنى فقال: الشَّعف، بالمهملة: إحراق الحبِّ القلبَ مع لذَّةٍ يجدها؛ كما أنَّ البعير إذا طُلِيَ بالقطران بلغ منه مثل ذلك، ثمَّ يسترجع إليه. وقوله: (﴿أَصْبُ﴾) ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] أي: (أَمِيلُ) إلى إجابتهنَّ، زاد أبو ذَرٍّ: «صَبَا: مَالَ». وقوله: (﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]) هي: (مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ) وقال قتادة فيما رواه عبد الرَّزَّاق: هي الأحلام الكاذبة، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿أَحْلَامٍ﴾» (٤) (وَالضِّغْثُ) بكسر الضَّاد وسكون الغين المعجمتين، وسقط الواو من قوله: «والضِّغث» لأبي ذَرٍّ (٥) (مِلْءُ اليَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ) جنسًا واحدًا أو أجناسًا مختلطةً، وخصَّه في «الكشَّاف» بما جُمِع من أخلاط النَّبات، فقال: وأصل الأضغاث ما جُمِع من أخلاط النَّبات وحُزِمَ (٦)، فاستعيرت لذلك، أي: استُعيرَت الأضغاث للتَّخاليط والأباطيل، والجامعُ: الاختلاطُ من غير تمييزٍ بين جيِّدٍ

стр. 8557

ورديءٍ، والإضافة في ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ بمعنى «مِن»، التَّقدير: أضغاثٌ من أحلامٍ (وَمِنْهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]) ممَّا هو ملء الكفِّ من الحشيش؛ وهو من جنسٍ واحدٍ، رُوِيَ: أنَّه أخذ عثكالًا من نخلةٍ (لَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]) الَّذي هو بمعنى: لا تأويلَ له (وَاحِدُهَا) أي: الأضغاث: (ضِغْثٌ). وقوله: (﴿وَنَمِيرُ﴾) يريد قوله: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ [يوسف: ٦٥] (مِنَ المِيرَةِ) بكسر الميم؛ وهي الطَّعام، أي: نجلب إلى أهلينا (١) الطَّعام (﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾) أي: (مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ) بسبب حضور أخينا؛ لأنَّه كان يكيل لكلِّ رجلٍ حملَ بعيرٍ، وقال مجاهدٌ -فيما رواه الفريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه-: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي: كيل حمارٍ، وأيَّده ابن خالويه: بأنَّ إخوة يوسف كانوا بأرض كنعان ولم يكن بها إبل (٢)، وقال ابن عادلٍ: وكونه البعير المعروف أصحُّ، وقوله: (﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٩]) أي: (ضَمَّ إِلَيْهِ) أخاه بنيامين إلى (٣) الطَّعام أو إلى المنزل، رُوِيَ: أنَّه أجلس كلَّ اثنين على مائدةٍ، فبقي بنيامين وحده، فقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لأُجلِسْتُ (٤) معه؟ فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدًا، فأجلَسَه معه على مائدته (٥) وجعل يؤاكله، فلما كان اللَّيل؛ أمر أن ينزل كلَّ اثنين منهم بيتًا، وقال: هذا لا ثاني له آخذه معي، فآواه إليه. (السِّقَايَةُ) يريد قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]: (مِكْيَالٌ) إناءٌ كان يوسف ﵊ يشرب به، فجعله (٦) مكيالًا؛ لئلَّا يكتالوا بغيره فيظلموا. قوله: ﴿فَلَمَّا﴾ (﴿اسْتَيْأَسُواْ﴾ [يوسف: ٨٠]) أي: (يَئِسُوا) من يوسف وإجابته إيَّاهم، وزيادة السِّين والتَّاء للمبالغة.

стр. 8558

قوله: (﴿وَلَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] مَعْنَاه الرَّجَاءُ) و ﴿رَّوْحِ اللّهِ﴾ تعالى بفتح الرَّاء: رحمته وتنفيسه، وعن قتادة: من فضل الله، وقيل: من فرج الله. وقوله: (﴿خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]) أي (اعْتَرْفُوا) وللكشميهنيِّ: «اعتزلوا» (نجيًّا) وهو الصَّواب، أي: انفردوا وليس معهم أخوهم (١)، أو خلا بعضهم إلى (٢) بعض يتشاورون ولا يخالطهم غيرهم، و ﴿نَجِيًّا﴾ حالٌ من فاعل ﴿خَلَصُواْ﴾ والنَّجيُّ: يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث (وَالجميعُ: أَنْجِيَةٌ) بالهمز (يَتَنَاجَوْنَ، الوَاحِدُ: نَجِيٌّ، والاِثْنَانِ وَالجميعُ: نجيٌّ) إمَّا لأنَّ النَّجيَّ «فعيل» بمعنى «مُفاعِل» كالعشير والخليط؛ بمعنى: المخالط والمعاشر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجيًا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقًا، يقال: هم خليطك وعشيرك، أي: مخالطوك ومعاشروك، وإمَّا لأنَّه صفةٌ على «فَعِيل» بمنزلة: صَدِيق، وبابه يوحَّد؛ لأنَّه بمنزلة المصادر، كالصَّهيل والوخيد (٣)، وإمَّا لأنَّه مصدرٌ؛ بمعنى: التَّناجي؛ كما قيل: النَّجوى بمعناه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] وحينئذٍ فيكون فيه التَّأويلات المذكورة في «عَدَل» وبابه (وَ) قد يُجمَع فيقال: (أَنْجِيَةٌ) بالهمزة (٤) كما مرَّ، قال: إنِّي إذا ما القَومُ كَانُوا أَنْجِيَةً وقال لبيد: وشَهِدتُ أنجيَةَ الأفاقةِ عاليًا … كَعْبي وأردافُ المُلُوكِ شهودُ وكان من حقِّه إذا جعل وصفًا؛ أن يُجمَع (٥) على «أفعلاء» كغنيٍّ وأغنياء وشقيٍّ وأشقياء، وقال البغويُّ: النَّجيُّ يصلح للجماعة كما قال ههنا، وللواحد كما قال: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] وإنَّما جاز للواحد والجمع؛ لأنَّه مصدرٌ جُعِل نعتًا كالعدل، ومثله: النَّجوى يكون اسمًا

стр. 8559

ومصدرًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي: متناجون (١) وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] قال في «المفاتح» (٢): وأحسنُ الوجوه أن يُقال: إنَّهم تمحَّضوا تناجيًا؛ لأنَّ مَن كمَّل حصول أمرٍ من الأمور فيه وُصِفَ بأنَّه صار عين ذلك الشَّيء، فلما أخذوا في التَّناجي إلى غاية الحدِّ (٣)؛ صاروا كأنَّهم في أنفسهم نفس التَّناجي وحقيقته، وسقط من قوله: «﴿اسْتَيْأَسُواْ﴾ يئسوا … » إلى آخره في رواية أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي، وثبت له عن الكُشْميهَنيِّ (٤) والمُستملي. قوله تعالى: ﴿تَالله﴾ (٥) (تفتأ) بالألف صورة الهمزة، ولأبي ذَرٍّ: «﴿تَفُتَؤُاْ﴾» بالواو؛ وهو جواب القسم على حذف «لا» وهي ناقصةٌ؛ بمعنى: (لَا تَزَالُ) ومنه قول الشَّاعر: تَاللهِ (٦) تبقى (٧) على الأيَّامِ ذو حَيَدٍ … بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ (٨) والآسُ أي: لا يبقى، وقوله: فقلتُ يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا ........................ ويدلُّ على حذفها: أنَّه لوكان مثبتًا؛ لاقترن بلام الابتداء ونون التَّوكيد عند البصريِّين، أو بأحدهما عند الكوفيِّين، وتقول: واللهِ أحبُّك، تريد: لا أحبُّك، وهو من التَّورية، فإنَّ كثيرًا من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثبات المحبَّة. وقوله: ﴿حَتَّى تَكُونَ﴾ (﴿حَرَضًا﴾ [يوسف: ٨٥]) أي: (مُحْرَضًا) بضمِّ الميم وفتح الرَّاء (يُذِيبُكَ الهَمُّ) والمعنى لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتَّى تموت من الهمِّ، والحرضُ في

стр. 8560

الأصل: مصدرٌ؛ ولذلك لا يثنَّى (١) ولا يُجمَع، تقول: هو حرضٌ، وهما حرضٌ (٢)، وهم حرضٌ، وهي حرضٌ، وهنَّ حرضٌ (٣). (تَحَسَّسُوا) يريد قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ (٤) اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ﴾ [يوسف: ٨٧] أي: (تَخَبَّرُوا) خبرًا من أخبار يوسف وأخيه، والتَّحسُّس: طلب الشَّيء بالحاسَّة. (مُزْجَاةٌ) بالرَّفع لأبي ذَرٍّ، ولغيره: «﴿ُّزْجَاةٍ﴾» بالجرِّ حكاية قولهِ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] أي: (قَلِيلَةٌ) بالرفع لأبي ذر، ولغيره: «قليلةٍ» بالجر، وقيل: رديئة. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ (﴿غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]) أي: عقوبة (عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ) بفتح الجيم وكسر اللَّام الأولى مشدَّدةً؛ من جلَّل الشَّيء؛ إذا عمَّه، صفةٌ لـ ﴿غَاشِيَةٌ﴾ (٥). (١) (باب قوله) جلَّ وعلا خطابًا ليوسف ﵊: (﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾) بالنُّبوَّة أو بسعادة الدَّارين (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾) سائر بنيه بالنُّبوَّة، وكرَّر ﴿عَلَى﴾ ليمكنَ العطفُ على الضَّمير المجرور (﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾) جدِّك وجدِّ أبيك بالرِّسالة (﴿مِن قَبْلُ﴾) أي: من قبلك (﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾ [يوسف: ٦]) بدلٌ من ﴿أَبَوَيْكَ﴾ أو عطف بيانٍ، وقيل: إتمام النِّعمة على إبراهيم بالخُلَّة، وعلى إسحاق بإخراج يعقوب والأسباط من صُلبه، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾» وقال بعد قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (٦): «الآيةَ».

стр. 8561

٤٦٨٨ - وبه قال: (قَالَ (١): حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ، وفي الفرع كأصله (٢): «وقال: حدَّثنا عبد الله بن محمَّد (٣)» بواو العطف قبل «قال»، وعند خلف في «الأطراف» كما نبَّه عليه في «الفتح»: «وقال عبد الله» قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أَولى، أي: لأنَّ الثَّاني يقتضي المذاكرة لا التَّحديث، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث التَّنوريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ (٤) عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الكَرِيمُ بْنُ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ) رفعٌ، خبرُ المبتدأ (٥)؛ وهو قوله: «الكريمُ» (بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) وقد جمع يوسف ﵊ مكارم الأخلاق، مع شرف النُّبوَّة، وكونه ابنًا لثلاثة أنبياء، وقد وقع قوله: «الكريم ابن الكريم … » إلى آخره موزونًا مقفًّى (٦)، وهو لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] إذ لم يقع هذا منه ﷺ قصدًا، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ، وسقط له «﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ (٧)﴾» [يوسف: ٦] وقال بعد قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾: «الآيةَ». وسبق الحديث عند المؤلِّف في «كتاب (٨) الأنبياء» [خ¦٣٣٨٢]. (٢) (باب قوله) جلَّ وعزَّ: (﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾) قيل: هم يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودنية ودانٍ ونفتالي وجاد وآشر (٩)، والسَّبعة الأوَّلون كانوا مَن

стр. 8562

لَيَا بنتِ خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سريَّتين: زُلْفة وبَلْهة، فلمَّا تُوفِّيت ليا تزوَّج أختها راحيل، فولدت له: بنيامين ويوسف، ولم يقم دليلٌ على نبوَّة إخوة يوسف، وذكر بعضهم: أنَّه أُوحِي إليهم بعد ذلك، ولم يذكر لذلك مستندًا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا لا ينهض (١) أن يكون دليلًا؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، ففيه أنَّه تعالى أَوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن لم يقم دليلٌ على أعيان هؤلاء أنَّهم أُوحِي إليهم، بل ظاهر ما في هذه السُّورة من أحوالهم وأفعالهم يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا أنبياء على ما (٢) لا يخفى (٣)، أي: في قصصهم وحديثهم (﴿آيَاتٌ﴾) علاماتٌ ودلائل على قدرة الله وحكمته في كلِّ شيءٍ، ولأبي ذَرٍّ: «﴿آيَةٍ﴾» بالتَّوحيد على إرادة الجنس؛ وهي قراءة ابن كثيرٍ (﴿لِّلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]) عن قصَّتهم أو على (٤) نبوَّة محمَّدٍ ﷺ ، وثبت لفظ: «باب قوله» لأبي ذَرٍّ عن المُستملي، وسقط لغيره. ٤٦٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة وبعد الدَّال المفتوحة هاءُ تأنيثٍ، ابن سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا؛ وهو العمريُّ، ولغير أبي ذرٍّ: «عبد الله» بفتح العين (٥) (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان

стр. 8563

المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه) أنَّه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ) قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ) فضيلةٌ خاصَّةٌ بيوسف ﵊ لم يشركه فيها أحدٌ، ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل من غيره مطلقًا (قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ) أي: عن أصول العرب الَّتي يُنسَبُون (١) إليها ويتفاخرون بها (تَسْأَلُونِي؟) ولأبي ذَرٍّ: «تسألونني» بنونين (قَالُوا: نَعَمْ) وإنَّما جعل الأنساب (٢) معادن لِمَا فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلةٌ لفيض الله تعالى على مراتب المعدنيَّات، ومنها غير قابلةٍ له، وشبَّههم بالمعادن لأنَّها أوعيةٌ للعلوم؛ كما أنَّ المعادن أوعيةٌ للجواهر (قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا) بضمِّ القاف، ولأبي ذَرٍّ: «فقِهوا» بكسرها، فالوضيعُ العالم خيرٌ من الشَّريف الجاهل؛ ولذا قيَّد بقوله: «إذا فقهوا» (تَابَعَهُ) أي: تابع عبدة (٣) (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين العمريِّ، وهذه المتابعة وصلها المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٣]. (٣) (بابُ قولِهِ) تعالى: (﴿قَالَ﴾) أي: يعقوب لبَنِيْه: (﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾) قبل هذه الجملة جملةٌ محذوفةٌ تقديرها (٤): لم يأكله الذِّئب بل سوَّلت (﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾) في شأنه (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: صبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ بي، أو خبرٌ حُذِفَ مبتدؤه، أي: أمري صبرٌ جميلٌ، ورُوِيَ مرفوعًا: «الصَّبر الجميل هو الَّذي لا شكوى فيه، فمَن بَثَّ لم يصبر»، ويدلُّ له: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ودلَّ قوله: ﴿جَمِيلٌ﴾ على أنَّ الصَّبر قسمان: جميلٌ؛ وهو أن يعرف أنَّ مُنزِل ذلك البلاء هو الله تعالى المالك الَّذي لا اعتراض

стр. 8564

عليه في تصرُّفه، فيستغرق قلبه في هذا المقام، ويكون مانعًا له من الشِّكاية، وغير الجميل: هو الصَّبر لسائر الأغراض لا لأجل الرِّضا بقضاء الله سبحانه، وثبت قوله: «﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾» لأبي ذَرٍّ، وقوله: «باب» ولفظ (١) «قوله» له عن المُستملي، وسقط لغيره (﴿سَوَّلَتْ﴾) أي: (زَيَّنَتْ) وسهَّلت، قاله ابن عبَّاس. ٤٦٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ، وسقط «ابن سعدٍ» لأبي ذَرٍّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ) المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا الحَجَّاجُ) بن منهالٍ السُّلميُّ الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ) بضمِّ النُّون مصغَّرًا لنمرِ الحيوان المشهور، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) ابن شهابٍ يقول: (سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَِّبِ) بفتح التَّحتيَّة وقد تُكسَر (وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) اللَّيثيُّ (وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل، ابن عُتبة بن مسعودٍ، أحدُ الفقهاء السَّبعة (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) مِسْطحٌ وحمنةُ وحسَّان وعبد الله بن أُبيٍّ وزيدُ بن رفاعة وغيرهم (مَا قَالُوا) من أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب، وسقط لأبي ذَرٍّ «ما قالوا» (فَبَرَّأَهَا اللهُ) تعالى من ذلك بما أنزله في سورة النُّور، قال الزُّهريُّ: (كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ) أي: بعضًا منه، ولا يضرُّ عدم التَّعيين إذ كلُّ ثقةٍ حافظٌ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لعائشة بعد أن أفاض النَّاس في قول أصحاب الإفك؛ كما بُسِطَ في غير ما موضعٍ كـ «باب تعديل النِّساء بعضهنَّ بعضًا» [خ¦٢٦٦١]

стр. 8565

وعقب غزوة أنمار [خ¦٤١٤١] (إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً) ممَّا نُسِب إليكِ (فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) تعالى منه (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ) أي: أتيتِه من غير عادةٍ (فَاسْتَغْفِرِي اللهَ (١)، وَتُوبِي إِلَيْهِ) منه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ لَا أَجِدُ مَثَلًا) وفي «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١]: «لا أجد لي ولكم مثلًا» (إِلَّا أَبَا يُوسُفَ) يعقوب عليهما الصلاة والسلام إذ قال: (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) وكأنَّها (٢) من شدَّة كربها لم تتذَكَّر (٣) اسم يعقوب (وَأَنْزَلَ اللهُ) : (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ) من سورة النُّور، وسقط لغير أبي (٤) ذرٍّ «﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾». ٤٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن إسماعيل المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابنُ عبد الرَّحمن السُّلميُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ) بالجيم والدَّال والعين المهملتَين (قَالَ: حَدَّثَتْنِي) بالإفراد أيضًا (أُمُّ رَُومَانَ) بضمِّ الرَّاء وتُفتَح، بنتُ عامرِ بن عويمر بن عبد شمسٍ، قال الحافظ أبو نُعيمٍ: بقيتُ بعد رسول الله ﷺ دهرًا طويلًا، وفيه تأييدٌ لتصريحه بسماع مسروقَ منها، فيكون الحديث متَّصلًا، وأمَّا قول ابن سعدٍ: إنَّها تُوفِّيت سنة ستٍّ ونزل

стр. 8566

النَّبيُّ ﷺ قبرها، وقول الخطيب: إنَّ مسروقًا لم يسمع منها؛ فقال الحافظ ابن حجرٍ: الرَّاجح: أنَّ مستند قائل ذلك إنَّما هو ما رُوِي عن عليِّ بن زيد بن جدعان -وهو ضعيفٌ-: أنَّ أمَّ رُومان ماتت سنة ستٍّ، وقد نبَّه البخاريُّ في تاريخَيه (١): «الأوسط» و «الصَّغير» على أنَّها روايةٌ ضعيفةٌ، فقال في «فضل مَن مات في خلافة عثمان» [خ¦٣٨٩٤]: قال عليُّ بن زيدٍ عن القاسم: ماتت أمُّ رُومان في زمن النَّبيِّ ﷺ سنة ستٍّ، قال البخاريُّ: وفيه نظرٌ، وحديث مسروق أَسْنَدُ، أي: أصحُّ إسنادًا، وقد جزم إبراهيم الحربيُّ (٢): بأنَّ مسروقًا إنَّما سمع من أمِّ رُومان في خلافة عمر، فقد ظهر أنَّ الَّذي وقع في «الصَّحيح» هو الصَّواب (-وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ-) رضي الله تعالى عنهما (٣) (قَالَتْ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الحُمَّى) في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨٨] «بينا أنا مع عائشة جالسةٌ؛ إذ ولجت علينا امرأةٌ من الأنصار وهي تقول: فَعَل الله بفلانٍ، وفَعَل بفلانٍ، قالت: فقلت: لِمَ؟ قالت: إنَّه نَمَىَ، ذِكْرَ الحديث، فقالت عائشة: أيُّ حديثٍ؟ فأخبَرَتْها، قالت: فسمعه أبو بكرٍ ﵁ ورسولُ الله ﷺ ؟ قالت: نعم، فخرَّتْ مغشيًّا عليها، فما أفاقت إلَّا وعليها حمَّى بنافضٍ» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَعَلَّ) الَّذي حصل لها (فِي حَدِيثٍ) أي: من أجل حديثٍ (تُحُدِّثَ) به في حقِّها؛ وهو حديث الإفك، و «تُحُدِّث»: بضمِّ أوّله مبنيًّا للمفعول (قَالَتْ) أمُّ رُومان: (نَعَمْ، وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: صفتي كصفة يعقوب ﵊ حيث صبر صبرًا جميلًا وقال: ﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ وسقط قوله: «﴿بَلْ (٤) سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ … » إلى «﴿جَمِيلٌ﴾» لغير أبي ذَرٍّ. (٤) (باب قوله) : (﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾) امرأة العزيز (﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾) بمصر (﴿عَن نَّفْسِهِ﴾)، وذلك أنَّه كان في غاية الجمال والبهاء والكمال، فدعاها ذلك إلى أن طلبت منه برفقٍ ولينِ

стр. 8567

قولٍ أنْ يواقعها، والمراودة: المصدر، والرِّيادة: طلب النِّكاح، يقال: راود فلانٌ جاريته على (١) نفسها، وراودته هي عن نفسه؛ إذا حاول كلُّ واحدٍ (٢) منهما الوطء، وتعدَّى هنا بـ ﴿عَن﴾ لأنَّه ضُمِّن معنى خادعَتْه، أي: خادعتْه عن نفسه، والمفاعلة هنا من واحدٍ؛ نحو: داويت المريض، ويحتمل أن تكون على بابها، فإنَّ كلًّا منهما كان يطلب من صاحبه شيئًا برفقٍ، هي تطلب منه الفعل، وهو يطلب منها التَّرك (﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾) قيل: كانت سبعةً، والتَّشديد للتَّكثير (﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]) ولأبي ذَرٍّ (٣): «﴿هَيْتَ﴾» بكسر الهاء، وهما (٤) لغتان (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بـ) اللُّغة (الحَوْرَانِيَّةِ) بالحاء المهملة: (هَلُمَّ) وهذا وصله ابن جريرٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، وقال أبو عبيد (٥) القاسم بن سلامٍ: وكان الكسائيُّ يقول: هي لغةٌ لأهل حَوْران، وقعت إلى أهل الحجاز، وسقط «لك» لأبي ذر (٦) (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ، أي: (تَعَالَهْ) بهاء السَّكت، وهذا وصله الطَّبريُّ وأبو الشَّيخ من طريقه، وقال السُّدِّيُّ: معرَّبةٌ من القبطيَّة؛ بمعنى: هلمَّ لك، وقال ابن عبَّاسٍ والحسن: من السِّريانيَّة، وقيل: من العبرانيَّة، والجمهور على أنَّها عربيَّةٌ، وقال مجاهدٌ: هي كلمة حثٍّ وإقبالٍ، أي: أقبل وبادر، ثمَّ هي في بعض اللُّغات تتعيَّن فعليَّتها، وفي بعضها اسميَّتها، وفي بعضها يجوز الأمران؛ كما ستعرفه من القراءات إن شاء الله تعالى. ٤٦٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، أبو جعفرٍ الدَّارميُّ المروزيُّ

стр. 8568

قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، و «عُمَر» بضمِّ العين، الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله تعالى عنه، وسقط لفظ «عبد الله» لأبي ذَرٍّ (﴿قَالَتْ (١) هَيْتَ لَكَ﴾) بفتح الهاء والفوقيَّة، ولأبي ذَرٍّ: «(هِيْتُ)» بكسر الهاء وضمِّ الفوقيَّة من غير همزٍ فيهما (قَالَ: وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهَا) بالنُّون لأبي ذَرٍّ، ولغيره: «يقرؤها» بالياء (كَمَا عُلِّمْنَاهَا) (٢) بضمِّ العين مبنيًّا للمفعول، وهذا قد أورده المؤلِّف مختصرًا، وقد أخرجه عبد الرَّزَّاق -كما قاله الحافظان (٣) ابن كثيرٍ وابن حجرٍ- عن الثَّوريِّ عن الأعمش بلفظ: «إنِّي سمعت القَرَأة (٤)، فسمعتهم متقاربين، فاقرؤوا كما عُلِّمتم، وإيَّاكم والتَّنطُّع والاختلاف، فإنَّما هو كقول (٥) الرَّجل: هلمَّ وتعال، ثمَّ قرأ: (وقالت هِيْتُ لك) [يوسف: ٢٣] فقلت: إنَّ ناسًا يقرؤونها: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: لأَنْ أقرأها كما عُلِّمتُ أحبُّ إليَّ» وكذا أخرجه ابن مردويه من طريق طلحة بن مصرفٍ عن أبي وائلٍ: أنَّ عبد الله (٦) ابن مسعودٍ قرأها: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٧) بالفتح، ومن طريق سليمان التَّيميِّ عن الأعمش بإسناده، لكن قال: بالضَّمِّ، وروى عبد بن حميدٍ من طريق أبي وائلٍ قال: قرأها عبد الله بالفتح، فقلت له: إنَّ النَّاس يقرؤونها بالضَّمِّ، فذكره. قال في «الفتح»: وهذا أقوى، وقراءة ابن مسعودٍ بكسر الهاء وبالضَّمِّ أو بالفتح (٨) بغير همزٍ، وروى عبد بن حميدٍ عن أبي وائلٍ: أنَّه كان يقرؤها كذلك، لكن (٩) بالهمز. انتهى. وفي هذه اللَّفظة خمس قراءاتٍ: فنافعٌ وابن ذكوان وأبو جعفر بكسر الهاء وياءٍ ساكنةٍ وتاءٍ مفتوحةٍ، وابنُ كثيرٍ بفتح الهاء وياءٍ ساكنةٍ وتاءٍ مضمومةٍ، وهشامٌ بهاءٍ مكسورةٍ وهمزةٍ ساكنةٍ وتاءٍ مفتوحةٍ أو

стр. 8569

مضمومةٍ، والباقون بفتح الهاء وياءٍ ساكنةٍ وتاءٍ مفتوحةٍ، وعن ابن مُحَيْصِنٍ فتحُ الهاء وسكون الياء وكسر التَّاء، وكسر الهاء والتَّاء بينهما ياءٌ ساكنةٌ، وكسر الهاء وسكون الياء وضمِّ التَّاء، وعن ابن عبَّاسٍ: (هُيِيْتُ) بضمِّ الهاء وكسر الياء، بعدها ياءٌ ساكنةٌ ثمَّ تاءٌ مضمومةٌ بوزن «حَيِيْتُ»، فهي أربعةٌ في الشَّاذِّ، فصارت تسعةً، فيتعيَّن كونها اسم فعلٍ في غير قراءة ابن عبَّاسٍ بزنة (١) «حَيِيْتُ»، وفي غير قراءةِ كسر الهاء (٢) سواءٌ كان ذلك بالياء أو بالهمز، فمَن فتح التَّاء؛ بناها على الفتح تخفيفًا؛ نحو: أينَ وكيفَ، ومَن ضمَّها؛ فتشبيهًا بـ «حيث»، ومَن كسر (٣)؛ فعلى أصل التقاء السَّاكنين، وتتعيَّن فعليَّتها في قراءة ابن عبَّاسٍ، فإنَّها فيها فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعول مسندٌ لضمير المتكلِّم؛ من: هيَّأتُ الشَّيء، ويحتمل الأمرين في قراءة مَن كسرَ الهاء وضمَّ التَّاء، فيحتمل أن تكون فيه (٤) اسم فعلٍ بُنيَتْ على الضَّمِّ كـ «حيث»، وأن تكون فعلًا مسندًا لضَّمير المتكلِّم، من هاء الرَّجل يَهِيءُ؛ كجاء يجيء. وقوله تعالى: ﴿أَكْرِمِي﴾ (﴿مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١]) أي: (مُقَامُهُ) بضمِّ الميم، قاله (٥) أبو عبيدة، وسقط هذا لغير أبي ذَرٍّ وأبي (٦) الوقت؛ كذا في الفرع (٧). (﴿وَأَلْفَيَا﴾ [يوسف: ٢٥]) أي: (وَجَدَا، ﴿أَلْفَوْا آبَاءهُمْ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿أَلْفَيْنَا﴾ (٨) [البقرة: ١٧٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله، ممَّا وصله الحاكم في «مستدركه» من طريق جريرٍ عن الأعمش في قوله تعالى في سورة الصافات: (﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]) بضمِّ التَّاء، كما تُقْرَأ (٩)

стр. 8570

(هيتُ) بالضَّمِّ، وعند ابن أبي حاتمٍ من طريق الأعمش عن أبي وائلٍ عن ابن مسعودٍ أنَّه قرأ ﴿بَلْ (١) عَجِبْتَ﴾ بالرَّفع، وعن سعيد بن جبيرٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ الله عجِبَ، وإذا ثبت الرَّفع (٢)؛ فليس لإنكاره معنًى، بل يُحمَل على ما يليق به تعالى. ٤٦٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبيحٍ، بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الموحَّدة آخره حاءٌ مهملةٌ مصغَّرًا (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (رضي الله تعالى عنه): ذكر (٣) (أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَؤُوا عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ: «على النَّبيِّ» (¬ ﷺ بِالإِسْلَامِ) زاد في «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠]: «دعا عليهم» (قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ) بفتح السِّين، أي: جَدْبٌ وقحطٌ (حَصَّتْ) بالحاء والصَّاد المشدَّدة المهملتَين، أي: أذهبتْ (كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ) زاد في «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠]: «والميتة» (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ) من ضعف بصره بسبب الجوع (قَالَ اللهُ) ، وفي «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠]: «فجاء أبو سفيان فقال: يا محمَّد جئت تأمر بصلة الرَّحم، وإنَّ قومك هلكوا، فادعُ الله تعالى» فقرأ: (﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قَالَ اللهُ) : (﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]) أي: إلى الكفر، وفي «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠] في «باب دعاء النَّبيِّ ﷺ : اجعلها سنين كسني يوسف» ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ … إلى قوله: ﴿عَائِدُونَ﴾ وفي «سورة الدُّخان» [خ¦٤٨٢١]: «فاستسقى فسُقُوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلمَّا أصابتهم الرَّفاهيَّة، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]» قال عبد الله: (أَفَيُكْشَفُ) بضمِّ الياء وفتح الشِّين مبنيًّا

стр. 8571

للمفعول (عَنْهُمُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ) الحاصل بسبب الجوع (وَمَضَتِ البَطْشَةُ) الكبرى يوم بدرٍ، وعن الحسن: البطشةُ الكبرى: يومُ القيامة. ووجه المناسبة بين الحديث والتَّرجمة في قوله: «فجاء أبو سفيان، فقال: يا محمَّد جئت تأمر بصلة الرَّحم، وإن قومك قد هلكوا فادعُ الله، فدعا»، ففيه أنَّه (١) عفا عن قومه كما عفا يوسف ﵊ عن امرأة العزيز. (٥) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ﴾) رسول المَلِك ليخرجه من السِّجن (﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾) أي: سله عن حقيقة شأنهنَّ؛ ليعلم براءتي عن تلك التُّهمة، وأراد بذلك حسم مادَّة الفساد عنه؛ لئلَّا ينحطَّ قدره عند الملك، ولعلَّ معظم غرضه ﵊ أَلَّا يقع خللٌ (٢) في الدَّعوة وإظهار النُّبوَّة، وقال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ولم يقل: فاسأله أن يفتِّش عن حالهنَّ؛ تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال، ولم يتعرَّض لامرأة العزيز مع ما صنعت به كرمًا ومراعاةً للأدب، وعبَّر بـ ﴿مَا﴾ الَّتي يُسأل بها عن حقيقة الشَّيء ظاهرًا (﴿إِنَّ رَبِّي﴾) العالم بخفيَّات الأمور (﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]) حين (٣) قلن: أطعْ مولاتَك، أو أنَّ كلَّ واحدةٍ منهنَّ طمعت فيه، فلمَّا لم تجد مطلوبها منه؛ طعنتْ فيه، ونسبتْه إلى القبيح، فرجع الرَّسول من عند يوسف إلى الملك، فدعا النِّسوة وامرأة العزيز، فلمَّا حضرن (﴿قَالَ﴾) لهنَّ (﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾) أي: ما شأنكنَّ (﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١]) هل وجدتنَّ منه ميلًا (٤) إليكنَّ؟ فنزَّهْنَه متعجِّباتٍ من كمال عفَّته؛ حيث (﴿قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥١]

стр. 8572

وَحَاشَ) بغير ألفٍ بعد الشِّين (وَحَاشَا) بها لفظًا (تَنْزِيهٌ) فتكون اسمًا، ويدلُّ له قراءةُ بعضهم: (حاشًا لله) بالتَّنوين (١) (وَاسْتِثْنَاءٌ) وذهب سيبويه وأكثر البصريِّين إلى أنَّها حرفٌ بمنزلة «إلَّا» لكنَّها تجرُّ المستثنى، وقوله: (﴿حَصْحَصَ﴾) أي: (وَضَحَ) الحقُّ (٢) بانكشاف ما يغمره؛ وهو معنى قول بعض المفسِّرين، وقيل: ظهر، من حصَّ شعره، أي: استأصل قطعه؛ بحيث ظهرتْ بشَرتُه، وهذا إنَّما قالته امرأة العزيز لمَّا علمت أنَّ هذه المناظرات والتَّفحُّصات إنَّما وقعت بسببها، وقيل: إنَّ النِّسوة أقبلن عليها يقرِّرنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فاعترفت، وهذه شهادةٌ جازمةٌ لمَّا راعى جانبها ولم يذكرها ألبتَّة، فعرفتْ أنَّه ترك ذكرها تعظيمًا لها، فكافأته على ذلك، فكشفت الغطاء واعترفت أنَّ الذَّنب كلَّه من جانبها، وأنَّه كان مبرَّأً عن الكلِّ، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ. ٤٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بفتح الفوقيَّة وكسر اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة دالٌ مهملةٌ؛ هو «سعِيدٌ» بكسر العين، ابن عيسى بن تليد المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ) المصريُّ العتقيُّ (٣) صاحب الإمام مالكٍ (عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، و «مضرَ» بضمِّ الميم وفتح المعجمة، ابنُ محمَّدٍ المصريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين، ابن يعقوب بن عبد الله، مولى قيس بن سعد (٤) بن عبادة الأنصاريِّ (٥)، الفقيه المقرئ،

стр. 8573

أحد الأئمَّة الأعلام (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ أحد الأعلام (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا) هو ابن أخي إبراهيم الخليل (١)، وكان ممَّن آمن وهاجر معه إلى مصر (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] (وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ) (٢)؛ ولأبي ذَرٍّ: «ولو لبثتُ في السِّجن (٣) لُبْثَ يوسف» بضمِّ اللام وسكون الموحَّدة، وكان قد لبث سبع سنين وسبعة أشهرٍ وسبعة أيَّامٍ وسبع ساعاتٍ؛ كما قيل (لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ (٤))؛ لأسرعتُ إلى الإجابة إلى الخروج من السِّجن، قال محيي السُّنَّة: إنَّه ﷺ وصفَ يوسف ﵊ بالأناة والصَّبر؛ حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول المَلِك، فعل كفعل (٥) المذنب حين يُعفى عنه مع طول لبثه في السِّجن، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] أراد أن يقيم الحجَّة في حبسهم (٦) إيَّاه ظلمًا، فقال ﷺ على سبيل التَّواضع، لا أنَّه صلوات الله وسلامه عليه كان في الأمر منه مبادرةً وعجلةً لو كان مكان يوسف ﷺ ، والتَّواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حقٍّ حقًّا (٧)، لكنَّه يوجب لصاحبه فضلًا، ويُكسِبه جلالًا وقدْرًا (وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) في «سورة البقرة» [خ¦٣٣٧٢] وغيرها، ونحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم؛ يعني: لو كان الشَّكُّ متطرِّقًا إلى الأنبياء؛ لكنت أنا أحقَّ به، وقد علمتم أنِّي لم أشكَّ، فإبراهيم ﷺ لم يشكَّ (إِذْ قَالَ لَهُ) ربُّه جلَّ وعلا: (﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾) بعد قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾؟ (﴿قَالَ بَلَى﴾) آمنت (﴿وَلَكِن﴾) سألتك (٨) أن تُريَني كيف

стр. 8574

الإحياء (﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) فلم يكن شكَّ في القدرة على الإحياء، بل أراد التَّرقِّي من علم اليقين إلى عين اليقين مع مشاهدة الكيفيَّة. (٦) (باب قوله) تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]) ليس في الكلام شيءٌ تكون «حتَّى» غايةً له؛ ولذا اختُلِفَ في تقدير شيءٍ يصحُّ تغييته (١) بـ «حتى» (٢) فقدَّره الزَّمخشريُّ: وما أرسلنا من قبلك إلَّا رجالًا فتراخى نصرهم حتَّى، وقدَّره القرطبيُّ: وما أرسلنا من قبلك يا محمَّدُ إلَّا رجالًا، ثمَّ لم نعاقب أمَّتهم بالعقاب حتَّى إذا … وقدَّره ابن الجوزيِّ: وما أرسلنا من قبلك إلَّا رجالًا، فدعَوا قومهم فكذَّبوهم، وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتَّى … ، قال في «اللُّباب»: وأحسنها الأوَّل. انتهى. ٤٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أويسٍ، أبو القاسم القرشيُّ الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ

стр. 8575

بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ لَهُ) أي: لعروة، وسقط لفظ «له» لأبي ذَرٍّ (وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] قَالَ) أي: عروة: (قُلْتُ) لها: (أَكُذِبُوا) بتخفيف المعجمة المكسورة بعد ضمِّ الكاف (١) (أَمْ كُذِّبُوا) بتشديدها؟ (قَالَتْ عَائِشَةُ: ﴿كُذِبُواْ﴾) مشدَّدةً، كما صُرِّح به في الثَّلاثة في رواية الإسماعيليِّ: تخفيفًا وتشديدًا، قال عروة: (قُلْتُ) لها: (فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، قَالَتْ) أي: عائشة: (أَجَلْ) تعني (٢): نعم (لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ) ولم يظنُّوا، قال عروة: (فَقُلْتُ لَهَا: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠]؟) بالتَّخفيف، فردَّت عليه حيث (٣) (قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا) وهذا ظاهره (٤) أنَّها أنكرت قراءة التَّخفيف؛ بناءً على أنَّ الضَّمير للرُّسل، ولعلَّها لم تبلغها، فقد ثبتت متواترةً في قراءة الكوفيِّين في آخرين، ووُجِّهت بأنَّ الضَّمير في ﴿وَظَنُّواْ﴾ عائدٌ على المرسَل إليهم؛ لتقدُّمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] والضَّميران (٥) في ﴿أَنَّهُمْ﴾ و ﴿كُذِبُواْ﴾ على الرُّسل، أي: وظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كُذِبوا، أي: كذَّبهم مَن أُرسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم، أو أنَّ الضَّمائر كلَّها ترجع إلى المرسل إليهم، أي: ظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كذَّبوهم فيما ادَّعوا من النُّبوَّة، وفيما يوعِدون به مَن لم يؤمن من العقاب، أو كذَّبهم المرسَل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكِرمانيِّ: لم تنكر عائشة القراءة، وإنَّما أنكرت التَّأويل خلاف الظَّاهر، قال عروة: (قُلْتُ) لها: (فَمَا هَذِهِ الآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ) أي: وصدَّقُوا الرُّسل (فَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ) فالضَّمائر كلُّها على قراءة التَّشديد عائدةٌ على الرُّسل، أي: وظَنَّ (٦) الرُّسل أنَّهم قد كذَّبهم أممهم فيما جاؤوا به؛ لطول البلاء عليهم (جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ

стр. 8576

عِنْدَ ذَلِكَ) وحصلت النَّجاة لمن تعلَّقت به مشيئته؛ وهم النَّبيُّ والمؤمنون، والظَّنُّ هنا بمعنى اليقين أو على حقيقته (١)؛ وهو رجحان أحد الطَّرفين. ٤٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (فَقُلْتُ) أي: لعائشة (٢): (لَعَلَّهَا ﴿كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] مُخَفَّفَةً؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ … نحوه) أي: فذكرت نحو حديث صالح بن كيسان، وقد ساقه المؤلِّف مختصرًا، وأورده أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» تامًّا، ولفظه عن عروة: أنَّه سأل عائشة … فذكره نحو السَّابقة.

стр. 8577

(((١٣))) (سورة الرَّعْدِ) مكِّيَّةٌ في قول ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ وابن جبيرٍ، مدنيَّةٌ في قول قتادةَ إلَّا: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وعنه: من أوَّلها إلى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١] وهي خمسٌ وأربعون آية. (بسم الله الرحمن الرحيم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وزاد واوًا قبل «قال ابن عبَّاس»: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] أي: (مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللهِ إِلَهًا غَيْرَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «إلهًا آخر غيره» (كَمَثَلِ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «إلى ظلِّ خياله» (فِي المَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ) أي: عليه، وهذا وصله ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ، ويجوز أن يُراد بالموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ المشركون، فالواو في ﴿يَدْعُونَ﴾ عائده، ومفعوله محذوفٌ؛ وهو الأصنام، والواو في ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ عائدٌ على مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ المحذوف، وعاد عليه الضَّمير كالعقلاء؛ لمعاملتهم إيَّاه معاملتهم، والتَّقدير: والمشركون الَّذين يدعون الأصنام لا تستجيب (١) لهم الأصنام إلَّا استجابةً كاستجابة الماء مَن (٢) بسط كفَّيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جمادٌ لا يشعر ببسط كفَّيه ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه، فوجهُ التَّشبيه: عدمُ قدرة المدعوِّ على تحصيل مراده، بل عدم العلم بحال الدَّاعي، أو شبَّهوه في عدم فائدة دعائهم بمَن بلغه (٣) العطش حتَّى كربه الموت، وكفَّاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه، رواه الطَّبريُّ من

стр. 8578

طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ: «أو كطالب الماء من البئر بلا دلوٍ ولا رشاءٍ، يمدُّ يده إليها (١)؛ ليرتفع الماء إليه» رواه الطَّبريُّ (٢) أيضًا (٣) من طريق أبي أيُّوب عن عليٍّ. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿سَخَّرَ﴾ [الرعد: ٢]) أي: (ذَلَّلَ) الشَّمس والقمر لِمَا يقصد منهما، كتذليل المركوب للرَّاكب، أو لنيل منافعهما، وسقط هذا لأبي ذرٍّ، وفي «اليونينيَّة»: «سخَّر ذلك» بكافٍ بعد اللَّام؛ وهي مصلَّحةٌ في الفرع لامًا؛ وهو (٤) الَّذي رأيته في النُّسخ المعتمدة كنسخة «آل ملك» (٥). (﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ (٦) [الرعد: ٤]) ومراده قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] أي: (مُتَدَانِيَاتٌ) في الأوضاع، مختلفةٌ باعتبار كونها طيِّبةً وسبخةً، رخوةً وصلبةً، صالحةً للزَّرع والشَّجر أو لأحدهما وغير صالحةٍ لشيءٍ، مع أنَّ تأثير الشَّمس وسائر الكواكب فيها على السَّواء، فلم يكن ذلك بسبب الاتِّصالات الفلكيَّة والحركات الكوكبيَّة، وكذلك أشجارها وزروعها مختلفةٌ جنسًا ونوعًا وطعمًا وطبعًا مع أنَّها تُسقَى (٧) بماءٍ واحدٍ، فلا بدَّ من مخصِّصٍ يخصِّصُ كلًّا منها بخاصِّيَّةٍ دون أخرى، وما ذلك إلَّا إرادةُ (٨) الفاعل المختار، وفي نسخةٍ هنا: «وقال مجاهدٌ: ﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ طيِّبها: عذبها، وخبيثها: السِّباخ» وهذا وصله أبو بكرِ بن المنذر من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ. (﴿الْمَثُلَاتُ﴾) في (٩) قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦] ولأبي ذَرٍّ: «وقال

стр. 8579

غيره: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾» (وَاحِدُهَا: مَثُلَةٌ) بفتح الميم وضمِّ المثلَّثة؛ كسَمُرَةٍ وسَمُرَات (وَهْيَ الأَشْبَاهُ وَالأَمْثَالُ) قاله (١) أبو عبيدة، وعند الطَّبريِّ من طريق معمرٍ عن قتادة قال: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: العقوبات، وقال ابن عبَّاسٍ: العقوبات المستأصِلات (٢)؛ كَمُثْلَة قطع (٣) الأذن والأنف ونحوهما، وسُمِّيت بذلك لِمَا بين العقاب والمعاقب (٤) من المماثلة؛ كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (وَقَالَ) تعالى: (﴿إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ [يونس: ١٠٢]). وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ﴾ (﴿بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]) أي: (بِقَدَرٍ) لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والعِنديَّةُ يحتمل أن يكون المراد بها أنَّه تعالى خصَّص كلَّ حادثٍ بوقتٍ معيَّنٍ وحالةٍ (٥) معيَّنةٍ بمشيئته الأزليَّة وإرادته السَّرمديَّة، وعند حكماء الإسلام: أنَّه تعالى وضع أشياء كليَّةً وأودع فيها قوًى وخواصَّ، وحرَّكها بحيث لزم (٦) من حركاتها المقدَّرة بالمقادير المخصوصة أحوالٌ جزئيَّةٌ متعيِّنةٌ، ومناسباتٌ مخصوصةٌ متقدِّرةٌ (٧)، ويدخل في هذه الآية أفعالُ العباد وأحوالهم وخواطرهم؛ وهي من أدلِّ الدَّلائل على بطلان قول المعتزلة. وقوله: ﴿لَهُ﴾ (﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١]) ولأبي ذَرٍّ: «يُقال: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾» أي: (مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ) يحفظونه في نومه ويقظته من الجنِّ والإنس والهوامِّ، من بين يديه ومن خلفه ليلًا ونهارًا (تُعَقِّبُ) في حفظه (الأُولَى مِنْهَا الأُخْرَى) فإذا صعدت ملائكة النَّهار عقَّبتها ملائكة اللَّيل، وبالعكس. وأخرج الطَّبريُّ من طريق كنانة العدويِّ: أنَّ عثمان سأل النَّبيَّ ﷺ عن عدد الملائكة

стр. 8580

الموكَّلين (١) بالآدميِّ، فقال: «لكلِّ آدميٍّ عشرةٌ باللَّيل وعشرةٌ بالنَّهار، واحدٌ عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان من بين يديه ومن خلفه، واثنان على جنبيه، وآخر قابضٌ على ناصيته، فإن تواضع رفعه، وإن تكبَّر وضعه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلَّا الصَّلاة على محمَّدٍ ﷺ ، والعاشر يحرسه من الحيَّة أن تدخل فاه» يعني: إذا نام (وَمِنْهُ) أي: ومن أصل المعقِّبات (قِيلَ: العَقِيبُ) الَّذي (٢) يأتي في (٣) أثر الشَّيء (يُقَالُ: عَقَّبْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قيل: العقيب» أي: عقَّبتُ (فِي إِثْرِهِ) بتشديد القاف في الفرع كأصله (٤)، وضبطه الدِّمياطيُّ (٥). قال الزَّمخشريُّ: وأصل ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف؛ كقوله: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] أي: المعتذرون، ويجوز «معِقِّباتٌ»؛ بكسر العين، وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: هذا وهمٌ فاحشٌ؛ فإنَّ التَّاء لا تُدغَم في القاف، ولا القاف في التَّاء، لا من كلمةٍ ولا من كلمتين، وقد نصَّ التَّصريفيُّون على أنَّ القاف والكاف كلٌّ منهما يُدغَم في القاف، ولا يُدغَمان في غيرهما، ولا يُدغم غيرُهما فيهما، وأمَّا تشبيهه بقوله تعالى: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعيَّن أن يكون أصله: المعتذرون (٦)، وأمَّا قوله: ويجوز: «معقبات» بكسر العين؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّه بناه على أنَّ أصله معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف، وقد بينَّا أنَّ ذلك وهمٌ فاحشٌ، والضَّمير في قوله (٧) ﴿لَهُ﴾ يعود على ﴿مِنَ﴾ (٨) المكرَّرة، أي: لمن أسرَّ القول ولمن جهر به، ولمن استخفى ولمن سرب، جماعةٌ (٩) من الملائكة يعقِّب بعضهم بعضًا، أو يعود على ﴿مِنَ﴾ الأخيرة، وهو قول
следующие страницы →