← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

عِنْدَ ذَلِكَ) وحصلت النَّجاة لمن تعلَّقت به مشيئته؛ وهم النَّبيُّ والمؤمنون، والظَّنُّ هنا بمعنى اليقين أو على حقيقته (١)؛ وهو رجحان أحد الطَّرفين. ٤٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (فَقُلْتُ) أي: لعائشة (٢): (لَعَلَّهَا ﴿كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] مُخَفَّفَةً؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ … نحوه) أي: فذكرت نحو حديث صالح بن كيسان، وقد ساقه المؤلِّف مختصرًا، وأورده أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» تامًّا، ولفظه عن عروة: أنَّه سأل عائشة … فذكره نحو السَّابقة.

стр. 8577

(((١٣))) (سورة الرَّعْدِ) مكِّيَّةٌ في قول ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ وابن جبيرٍ، مدنيَّةٌ في قول قتادةَ إلَّا: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وعنه: من أوَّلها إلى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١] وهي خمسٌ وأربعون آية. (بسم الله الرحمن الرحيم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وزاد واوًا قبل «قال ابن عبَّاس»: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] أي: (مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللهِ إِلَهًا غَيْرَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «إلهًا آخر غيره» (كَمَثَلِ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «إلى ظلِّ خياله» (فِي المَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ) أي: عليه، وهذا وصله ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ، ويجوز أن يُراد بالموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ المشركون، فالواو في ﴿يَدْعُونَ﴾ عائده، ومفعوله محذوفٌ؛ وهو الأصنام، والواو في ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ عائدٌ على مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ المحذوف، وعاد عليه الضَّمير كالعقلاء؛ لمعاملتهم إيَّاه معاملتهم، والتَّقدير: والمشركون الَّذين يدعون الأصنام لا تستجيب (١) لهم الأصنام إلَّا استجابةً كاستجابة الماء مَن (٢) بسط كفَّيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جمادٌ لا يشعر ببسط كفَّيه ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه، فوجهُ التَّشبيه: عدمُ قدرة المدعوِّ على تحصيل مراده، بل عدم العلم بحال الدَّاعي، أو شبَّهوه في عدم فائدة دعائهم بمَن بلغه (٣) العطش حتَّى كربه الموت، وكفَّاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه، رواه الطَّبريُّ من

стр. 8578

طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ: «أو كطالب الماء من البئر بلا دلوٍ ولا رشاءٍ، يمدُّ يده إليها (١)؛ ليرتفع الماء إليه» رواه الطَّبريُّ (٢) أيضًا (٣) من طريق أبي أيُّوب عن عليٍّ. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿سَخَّرَ﴾ [الرعد: ٢]) أي: (ذَلَّلَ) الشَّمس والقمر لِمَا يقصد منهما، كتذليل المركوب للرَّاكب، أو لنيل منافعهما، وسقط هذا لأبي ذرٍّ، وفي «اليونينيَّة»: «سخَّر ذلك» بكافٍ بعد اللَّام؛ وهي مصلَّحةٌ في الفرع لامًا؛ وهو (٤) الَّذي رأيته في النُّسخ المعتمدة كنسخة «آل ملك» (٥). (﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ (٦) [الرعد: ٤]) ومراده قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] أي: (مُتَدَانِيَاتٌ) في الأوضاع، مختلفةٌ باعتبار كونها طيِّبةً وسبخةً، رخوةً وصلبةً، صالحةً للزَّرع والشَّجر أو لأحدهما وغير صالحةٍ لشيءٍ، مع أنَّ تأثير الشَّمس وسائر الكواكب فيها على السَّواء، فلم يكن ذلك بسبب الاتِّصالات الفلكيَّة والحركات الكوكبيَّة، وكذلك أشجارها وزروعها مختلفةٌ جنسًا ونوعًا وطعمًا وطبعًا مع أنَّها تُسقَى (٧) بماءٍ واحدٍ، فلا بدَّ من مخصِّصٍ يخصِّصُ كلًّا منها بخاصِّيَّةٍ دون أخرى، وما ذلك إلَّا إرادةُ (٨) الفاعل المختار، وفي نسخةٍ هنا: «وقال مجاهدٌ: ﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ طيِّبها: عذبها، وخبيثها: السِّباخ» وهذا وصله أبو بكرِ بن المنذر من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ. (﴿الْمَثُلَاتُ﴾) في (٩) قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦] ولأبي ذَرٍّ: «وقال

стр. 8579

غيره: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾» (وَاحِدُهَا: مَثُلَةٌ) بفتح الميم وضمِّ المثلَّثة؛ كسَمُرَةٍ وسَمُرَات (وَهْيَ الأَشْبَاهُ وَالأَمْثَالُ) قاله (١) أبو عبيدة، وعند الطَّبريِّ من طريق معمرٍ عن قتادة قال: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: العقوبات، وقال ابن عبَّاسٍ: العقوبات المستأصِلات (٢)؛ كَمُثْلَة قطع (٣) الأذن والأنف ونحوهما، وسُمِّيت بذلك لِمَا بين العقاب والمعاقب (٤) من المماثلة؛ كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (وَقَالَ) تعالى: (﴿إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ [يونس: ١٠٢]). وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ﴾ (﴿بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]) أي: (بِقَدَرٍ) لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والعِنديَّةُ يحتمل أن يكون المراد بها أنَّه تعالى خصَّص كلَّ حادثٍ بوقتٍ معيَّنٍ وحالةٍ (٥) معيَّنةٍ بمشيئته الأزليَّة وإرادته السَّرمديَّة، وعند حكماء الإسلام: أنَّه تعالى وضع أشياء كليَّةً وأودع فيها قوًى وخواصَّ، وحرَّكها بحيث لزم (٦) من حركاتها المقدَّرة بالمقادير المخصوصة أحوالٌ جزئيَّةٌ متعيِّنةٌ، ومناسباتٌ مخصوصةٌ متقدِّرةٌ (٧)، ويدخل في هذه الآية أفعالُ العباد وأحوالهم وخواطرهم؛ وهي من أدلِّ الدَّلائل على بطلان قول المعتزلة. وقوله: ﴿لَهُ﴾ (﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١]) ولأبي ذَرٍّ: «يُقال: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾» أي: (مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ) يحفظونه في نومه ويقظته من الجنِّ والإنس والهوامِّ، من بين يديه ومن خلفه ليلًا ونهارًا (تُعَقِّبُ) في حفظه (الأُولَى مِنْهَا الأُخْرَى) فإذا صعدت ملائكة النَّهار عقَّبتها ملائكة اللَّيل، وبالعكس. وأخرج الطَّبريُّ من طريق كنانة العدويِّ: أنَّ عثمان سأل النَّبيَّ ﷺ عن عدد الملائكة

стр. 8580

الموكَّلين (١) بالآدميِّ، فقال: «لكلِّ آدميٍّ عشرةٌ باللَّيل وعشرةٌ بالنَّهار، واحدٌ عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان من بين يديه ومن خلفه، واثنان على جنبيه، وآخر قابضٌ على ناصيته، فإن تواضع رفعه، وإن تكبَّر وضعه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلَّا الصَّلاة على محمَّدٍ ﷺ ، والعاشر يحرسه من الحيَّة أن تدخل فاه» يعني: إذا نام (وَمِنْهُ) أي: ومن أصل المعقِّبات (قِيلَ: العَقِيبُ) الَّذي (٢) يأتي في (٣) أثر الشَّيء (يُقَالُ: عَقَّبْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قيل: العقيب» أي: عقَّبتُ (فِي إِثْرِهِ) بتشديد القاف في الفرع كأصله (٤)، وضبطه الدِّمياطيُّ (٥). قال الزَّمخشريُّ: وأصل ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف؛ كقوله: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] أي: المعتذرون، ويجوز «معِقِّباتٌ»؛ بكسر العين، وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: هذا وهمٌ فاحشٌ؛ فإنَّ التَّاء لا تُدغَم في القاف، ولا القاف في التَّاء، لا من كلمةٍ ولا من كلمتين، وقد نصَّ التَّصريفيُّون على أنَّ القاف والكاف كلٌّ منهما يُدغَم في القاف، ولا يُدغَمان في غيرهما، ولا يُدغم غيرُهما فيهما، وأمَّا تشبيهه بقوله تعالى: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعيَّن أن يكون أصله: المعتذرون (٦)، وأمَّا قوله: ويجوز: «معقبات» بكسر العين؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّه بناه على أنَّ أصله معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف، وقد بينَّا أنَّ ذلك وهمٌ فاحشٌ، والضَّمير في قوله (٧) ﴿لَهُ﴾ يعود على ﴿مِنَ﴾ (٨) المكرَّرة، أي: لمن أسرَّ القول ولمن جهر به، ولمن استخفى ولمن سرب، جماعةٌ (٩) من الملائكة يعقِّب بعضهم بعضًا، أو يعود على ﴿مِنَ﴾ الأخيرة، وهو قول

стр. 8581

ابن عبَّاسٍ، قال ابن عطيَّة: فالمعقِّبات على هذا: حرسُ الرَّجل الَّذين يحفظونه، قالوا (١): والآية على هذا في الرُّؤساء الكفَّار، واختاره الطَّبريُّ في آخرين، إلَّا أنَّ الماورديَّ ذكر على هذا التَّأويل: أنَّ الكلام نفيٌ والتَّقدير: لا يحفظونه، وهذا ينبغي أَلَّا يُسمَع ألبتَّة، كيف يُبرَز كلامٌ موجبٌ ويراد به نفيٌ؟! وحَذْفُ «لا» إنَّما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعًا في جواب قسمٍ؛ نحو: ﴿تَالله تَفْتَأُ﴾ [يوسف: ٨٥] وقد تقدَّم تحريره، وإنَّما معنى الكلام كما -قال المهدويُّ-: يحفظونه من أمر الله في زعمه وظنِّه. انتهى. و ﴿مِنَ﴾: إمَّا للسَّبب، أي: بسبب أمر الله: أو على بابها، قال أبو البقاء: من أمر الله من الجنِّ والإنس، وذكر الفرَّاء: أنَّه على التَّقديم والتَّأخير، أي: له (٢) معقِّباتٌ مِنْ (٣) أمر الله يحفظونه، لكن قال في «الدُّرِّ»: والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه، وأخرج الطَّبريُّ من طريق سعيد بن جبيرٍ قال: حفظهم إيَّاه من أمر الله. (﴿الْمِحَالِ﴾) يريد قوله (٤): ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] هو (العُقُوبَةُ)، قاله (٥) أبو عبيدة. وقوله تعالى: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء﴾ [الرعد: ١٤] لِيَقْبِضَ عَلَى المَاءِ) فلا يحصل منه على (٦) شيءٍ، قال: فَأَصْبحتُ ممَّا كان بَيْني وبَيْنها … مِنَ الوُدِّ مِثلَ القَابضِ الماءَ بِاليدِ والمعنى: أنَّ الَّذي يبسط يده إلى الماء ليقبضه؛ كما لا يَنتفِع به كذلك المشركون الَّذين يعبدون مع الله آلهةً غيره لا ينتفعون بها (٧) أبدًا، وقد مرَّ قريبًا مزيدٌ لهذا. وقوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ (﴿رَّابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] مِنْ رَبَا يَرْبُو) أي: إذا زاد، وقال الزَّجَّاج: طافيًا فوق الماء، والزَّبد: وَضَرُ الغليان وخُبْثه، أو ما يحمله السَّيل من غثاءٍ ونحوه (﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ

стр. 8582

مِّثْلُهُ﴾ المَتَاعُ: مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ) كالأواني وآلات الحرث والحرب (﴿جُفَاء﴾ [الرعد: ١٧]) قال أبو عمرو بن العلاء: (أَجْفَأَتِ القِدْرُ) ولأبي ذَرٍّ: «يقال: أجفأتِ القِدْرُ» (١) (إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ، ثُمَّ تَسْكُنُ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ) وذلك أنَّ هذا الكلام ضربه للحقِّ وأهله، الشَّامل للقرآن وغيره، والباطل وحزبه فقوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء﴾ [الرعد: ١٧] مَثَلٌ للقرآن، والأودية مَثَل للقلوب، أي: أنزل القرآن فاحتملت منه القلوب على قدر اليقين، فالقلب الَّذي يأخذ منه ما يُنتفَع به فيحفظه ويتدبره تظهر عليه ثمرته، ولا يخفى أنَّ بين القلوب في ذلك تفاوتًا عظيمًا، وقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [الرعد: ١٧] فهو مَثَلُ الباطل في قلَّة نفعه وسرعة زواله. (﴿الْمِهَادُ﴾) في قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨] هو (الفِرَاشُ) وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ، ثابتٌ لغيره. (﴿وَيَدْرَؤُونَ﴾) في قوله: ﴿وَيَدْرَؤُونَ﴾ [الرعد: ٢٢] أي: (يَدْفَعُونَ) السَّيِّئة بمقابلتها بالحسنة، وهذا وصف سيِّدنا رسول الله ﷺ في التَّوراة، فيندرج تحته الدَّفع بالحسن من الكلام، والوصل في مقابلة قطع الأرحام وغيرهما (٢) من أخلاق الكرام، وتغيير (٣) منكرات أفعال اللِّئام (دَرَأْتُهُ عنِّي) أي: (دَفَعْتُهُ) وسقط لغير أبي (٤) ذَرٍّ «عنِّي». (﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] (أَيْ: يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فأضمر القول ههنا؛ لأنَّ في الكلام دليلًا عليه، والقول المضمر حالٌ من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ أي: يدخلون قائلين: سلامٌ عليكم؛ بالبشارة (٥) بدوام السَّلامة. (﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]) أي: (تَوْبَتِي) ومرجعي، فيثيبني على المشاقِّ، أو إليه أتوب عن (٦) سالف خطيئتي، ولأبي ذَرٍّ: «والمتاب: إليه توبتي».

стр. 8583

وقوله: (﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ [الرعد: ٣١]) أي: (لَمْ) ولأبي ذَرٍّ: «أفلم (١)» ((يَتَبَيَّنْ)) وبها قرأ عليٌّ وابن عبَّاسٍ وغيرهما، وردَّه الفرَّاء بأنَّه لم يسمع «يئستُ» بمعنى: علمتُ، وأُجِيبَ بأنَّ مَن حفظ حجَّةٌ على مَن لم يحفظ، ويدلُّ على ذلك قراءة عليٍّ وغيره كما مرَّ، وقد قال القاسم بن معنٍ (٢)؛ وهو من ثقات الكوفيِّين: هي لغة هوازن، وقال ابن الكلبيِّ: هي لغة حيٍّ من النَّخع، ومنه قول رباح بن عديٍّ: أَلَمْ يَيْئَسِ الأَقْوامُ أنِّي أنا ابنُه … وَإِنْ كُنتُ عن أرضِ العشيرةِ نائيًا وقول سُحَيْم الرِّياحي: أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَيْسرُونَنِي … ألم تَيْئَسوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ والمعنى: أفلم يعلم المؤمنون أنه لو تعلَّقت مشيئة الله تعالى على وجه الإلجاء بإيمان النَّاس جميعًا؛ لآمنوا. (﴿قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]) أي: (دَاهِيَةٌ) تقرعهم وتقلقلهم. (﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ [الرعد: ٣٢]) أي: (أَطَلْتُ) للَّذين كفروا المدَّة بتأخير العقوبة (مِنَ المَلِيِّ) بفتح الميم وكسر اللَّام وتشديد التَّحتيَّة. قال في «الصَّحاح»: الطَّويل (٣) من الدَّهر، يُقال: أقام مليًّا من الدَّهر، قال تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: طويلًا، ومضى مليٌّ من النَّهار، أي: ساعةٌ طويلةٌ (وَالِملَاوَةُ) بكسر الميم، ولأبي ذَرٍّ: «والمُلاوة» (٤) بضمِّها، يقال: أقمت عنده ملاوةً من الدَّهر، أي: حينًا وبرهةً (وَمِنْهُ: ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]) كما مرَّ (وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الأَرْضِ) وهو

стр. 8584

الصَّحراء: (مَلًى) بفتح الميم مقصورًا؛ كما في «اليونينيَّة» وفرعها لأبي ذَرٍّ، وفي أصل «اليونينيَّة»: «ملى، كذا» (١) (مِنَ الأَرْضِ) وسقط لأبي ذَرٍّ «من الأرض» الثَّاني. (﴿أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤]) أي: (أَشَدُّ مِنَ المَشَقَّةِ) قاله أبو عبيدة. (﴿مُعَقِّبَ﴾: مُغَيِّرٌ) يريد قوله: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] أي: لا مغيِّر لإرادته، ولا يعقِّبه أحدٌ بالرَّدِّ والإبطال. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُهَا (٢) وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ) وهذا قد ثبت في نسخةٍ قبل قوله: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ كما مرَّ. (﴿صِنْوَانٌ﴾ [الرعد: ٤]) جمع: صنو، كقِنوان جمع: قنو: (النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ) وفي الحديث: «عمُّ الرَّجل صنوُ أبيه» أي: يجمعهما أصلٍ واحدٍ (﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤]) النَّخلة (وَحْدَهَا ﴿بِمَاء وَاحِدٍ﴾ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ) قال الحسن: هذا مَثَلٌ ضربه الله لقلوب بني آدم، فقلبٌ يرقُّ فيخشع ويخضع، وقلبٌ يسهو ويلهو، والكلُّ (أَبُوهُمْ وَاحِدٌ). وقوله: (السَّحَابُ الثِّقَالُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] أي: (الَّذِي فِيهِ المَاءُ) قال (٣): والسَّحاب: اسمُ جنسٍ، والواحد: سحابةٌ، والثِّقال جمع: ثقيلة؛ لأنَّك تقول: سحابةٌ ثقيلةٌ وسحابٌ ثقالٌ، كما (٤) تقول: امرأةٌ كريمةٌ ونساءٌ كرامٌ، وقال أبو (٥) عليٍّ: السَّحاب: غربال الماء. وقوله تعالى: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ [الرعد: ١٤]) زاد أبو ذَرٍّ: «﴿إِلَى الْمَاء﴾» أي: (يَدْعُو المَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بيده فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا) إذ لا إشعارَ له به، وهذا وصله الفريابيُّ والطَّبريُّ من طرقٍ عن مجاهدٍ؛ وهو مَثَلُ الَّذين يدعون آلهةً غير الله، وسبق غير (٦) هذا في موضعين من هذه السُّورة

стр. 8585

(سَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿فَسَالَتْ﴾» [الرعد: ١٧] (﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلأُ بَطْنَ وَادٍ) ولأبي ذَرٍّ: «كلُّ وادٍ بحسبه، فهذا كبيرٌ يسع كثيرًا من الماء، وهذا صغيرٌ يسع بقدره» (﴿زَبَدًا رَّابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] زَبَدُ السَّيْلِ) ولأبي ذَرٍّ: «الزَّبد زبد السَّيل» ولأبي ذَرٍّ: «﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾» أي: وممَّا (١) تُوقدون عليه من الذَّهب والفضَّة والحديد وغيرها زبدٌ مثل زبد الماء؛ هو (خَبَثُ الحَدِيدِ وَالحِلْيَةِ) وقوله: «﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾» ثابتٌ لأبي ذَرٍّ، وسبق ما في ذلك من البحث قريبًا. (١) (باب قوله (٢): ﴿اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾) أي: الَّذي تحمله أو حملها، فعلى الموصوليَّة؛ فالمعنى: أنَّه تعالى يعلم ما تحمله من الولد؛ أهو ذكرٌ أم أنثى؟ وتامٌّ أم ناقصٌ؟ وحسنٌ أم قبيحٌ؟ وطويلٌ أم قصيرٌ؟ أو غير ذلك من الأحوال (﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]) (غِيضَ) أي: (نُقِصَ) بضمِّ النُّون وكسر القاف، سواءٌ كان لازمًا أو متعدِّيًا، يُقال: غاض الماء وغِضْتُه أنا والمعنى: وما تغيضه الأرحام وما تزداد، أي: تأخذه زائدًا (٣)، والمعنى: يعلم ما تُنقصه وما تزداده في الجثَّة والمدَّة والعدد، فإنَّ الرَّحم قد تشتمل على واحدٍ وعلى اثنين و (٤) ثلاثةٍ وأربعةٍ، يُروى أنَّ شريكًا كان رابعَ أربعةٍ في بطنٍ أمِّه، وعن الشَّافعيِّ: أنَّ شيخًا باليمن أخبره: أنَّ امرأة ولدت بطونًا، في كلِّ بطنٍ خمسةٌ، وعن العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ ممَّا ذكره ابن كثيرٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ يعني: السِّقط ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يقول: وما زاد الرَّحم في الحمل على ما غاضت حتَّى ولدته تمامًا (٥)، وذلك أنَّ من النِّساء مَنْ تحملُ عشرة أشهرٍ، ومن تحمل تسعةَ أشهرٍ، ومنهنَّ من تزيد في الحمل ومنهنَّ من تنقص، وأقصى مدَّة الحمل أربع سنين عندنا، وخمسٌ عند مالكٍ، وسنتان عند أبي حنيفة، وقال الضَّحَّاك: وضعتني أمِّي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نَبَتَتْ ثنيتيَّ. انتهى. وأقول: في سنة ثمانٍ وثمانين (٦) وثمان مئةٍ غرَّة يوم السَّبت مستهلَّ جمادى

стр. 8586

الأولى ولدت ابنتي (١) زينب -وفَّقها الله تعالى لكلِّ خيرٍ وأحسنَ عواقبها وجعل لها الذُّرِّيَّة الصَّالحة -لتسعة أشهرٍ من ابتداء حملها، وقد نبتت ثنيَّتُها ثمَّ سقطت بعد نحو سبعة أشهرٍ، وقال مكحولٌ: الجنين في بطن أمِّه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمُّ، وإنَّما يأتيه رزقه في بطن أمَّه من دم حيضها، فمِن ثمَّ لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهلَّ، واستهلاله استنكارٌ لمكانه، فإذا قُطِعَت سرَّته حوَّل الله رزقه إلى ثدي أمِّه، حتَّى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمَّ، ثمَّ يصير طفلًا يتناول الشَّيء بكفِّه فيأكله (٢)، فإذا بلغ؛ قال: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ يقول مكحولٌ: يا (٣) ويحك (٤) غذَّاك وأنت في بطن أمِّك وأنت طفلٌ صغيرٌ، حتَّى إذا اشتددتَ وعقلت؛ قلت: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ ثمَّ قرأ مكحولٌ: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]. انتهى. والإسناد إلى الرَّحم لا يخفى أنَّه مجازيٌّ؛ إذ الفاعل حقيقةً هو الله تعالى، وكلُّ كائنٍ بقدرٍ معيَّنٍ عند الله تعالى، لا يجاوز ولا ينقص عنه. ٤٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين آخره نونٌ، ابن عيسى القزَّاز، بالقاف والزَّاي المشدَّدة وبعد الألف زايٌ أخرى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) قال أبو مسعودٍ: تفرَّد به إبراهيم (٥) بن المنذر، وهو غريبٌ عن مالكٍ، قال في «الفتح»: قد أخرجه الدَّارقطنيُّ من رواية عبد الله بن جعفرٍ البرمكيِّ عن معنٍ، ورواه أيضًا من

стр. 8587

طريق القعنبيِّ عن مالكٍ لكنَّه اختصره، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن (١) القاسم عن مالكٍ، قال الدَّارقطنيُّ (٢): ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، فوهم فيه إسنادًا ومتنًا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ) بوزن: مصابيح، ولأبي ذَرٍّ: «مفاتِح» بوزن: مَسَاجِد؛ جمع مَفْتَح بفتح الميم، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ (٣) إِلَّا اللهُ) ذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي الزَّائد، أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) أي: ما تُنقِصه (٤) (إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ (٥) إِلَّا اللهُ) أي: إلَّا عند أمر الله به، فيعلم حينئذٍ كالسَّابق إذا أمر تعالى به (وَلَا تَدْرِي (٦) نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: في بلدها أم في غيرها (٧)؛ كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت (وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ) أحدٌ (إِلَّا اللهُ) إلَّا من ارتضى من رسولٍ، فإنَّه يطلعه على ما يشاء من غيبه، والوليُّ التَّابع له يأخذ عنه، وقد سبق شيءٌ من فوائد هذا الحديث في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] فالتَفِتْ إليه «كالاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي الإلمام بشيءٍ منه إن شاء الله تعالى في آخر «سورة لقمان» [خ¦٤٧٧٧] وبالله المستعان. (((١٤))) (سورة إِبْرَاهِيمَ) مكِّيَّةٌ، وهي إحدى وخمسون آيةً.

стр. 8588

(بسم الله الرحمن الرحيم. بابٌ) وسقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وكذا «باب». (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله (١) عنهما في قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ (﴿هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]) أي: (دَاعٍ) يدعوهم إلى الصَّواب ويهديهم إلى الحقِّ، والمراد: نبيٌّ مخصوصٌ بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالب عليهم، والظَّاهر: أنَّ وقوع ذلك هنا من ناسخٍ (٢). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (صَدِيدٌ) من قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]: هو (قَيْحٌ وَدَمٌ) (٣) وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي روايةٍ عنه: ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدَّم، وقيل: ما يخرج من فروج الزُّناة، وهل الصَّديد نعتٌ أم لا؟ فقيل: نعتٌ لـ ﴿مَّاء﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أنَّه على حذف أداة التَّشبيه، أي: ماءٌ مثل صديدٍ، وعلى هذا فليس الماء الَّذي يشربونه صديدًا، بل مثله في النَّتَن والغلظ والقذارة؛ كقوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] والثَّاني: إنَّ الصَّديد لمَّا كان يشبه الماء؛ أُطلِق عليه ماء، وليس هو بماءٍ حقيقةً، وعلى هذا فيشربون نَفْس الصَّديد المشبَّه بالماء، وإلى كونه صفةً ذهب الحوفيُّ وغيره، وفيه نظرٌ؛ إذ ليس بمشتَقٍّ إلَّا على قول (٤) من فسَّره بأنَّه صديدٌ بمعنى: مصدود، أخذه من الصَّدِّ وكأنَّه لكراهته مصدودٌ عنه، أي: يمتنع عنه كلُّ أحدٍ (٥)، ويدلُّ عليه ﴿َتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتكلَّف جرعه، وكذا ﴿وَلَا يَكَادُ﴾ [إبراهيم: ١٧] وسقط «وقال مجاهدٌ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ.

стр. 8589

(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان ممَّا وصله في «تفسيره» والطَّبريُّ (١) أيضًا: (﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠]) أي: (أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) أي: بوقائعه (٢) الَّتي وقعت على الأمم الدَّارجة. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في (٣) قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُم﴾ (﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]) أي: (رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وفي ﴿مِّن﴾ قولان؛ قيل: زائدةٌ في المفعول الثَّاني، وهذا إنَّما يأتي على قول الأخفش، وقيل: تبعيضيَّةٌ، أي: آتاكم بعض (٤) ما سألتموه، نظرًا لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوفٌ، أي: وآتاكم شيئًا من كلِّ ما سألتموه، وهو رأي سيبويه. (﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣]) قال مجاهدٌ فيما وصله عبد بن حميدٍ: (يَلْتَمِسُونَ) ولأبي ذَرٍّ: «تبغونها: تلتمسون (٥)» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة فيهما (٦) (لَهَا عِوَجًا) أي: زيغًا ونكوبًا (٧) عن الحقِّ ليقدحوا فيه، وأشار بقوله: «لها» إلى الأصل، ولكنَّه حذف الجارَّ وأوصل الفعل، والإضلال (٨) يكون بالسعي في صدِّ الغير، وبإلقاء الشَّكِّ والشُّبهات في المذهب الحقِّ، ويحاول تقبيح الحقِّ بكلِّ ما يقدر عليه، وهذا النِّهاية. (﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]) أي: (أَعْلَمَكُمْ: آذَنَكُمْ) بمدِّ الهمزة، والمعنى: آذن إيذانًا بليغًا؛ لِمَا في «تَفَعَّل» من التَّكلُّف، وفي رواية أبي ذَرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «أعلمكم ربُّكم» أي: إن شكرتم نعمتي من الإنجاء وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال؛ لأزيدنَّكم النِّعم (٩)، وإن جحدتموها فإنَّ عذابي بسلبها في الدُّنيا والنَّار في العقبى في غاية الشِّدَّة. (رَدُّوا) يريد قوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ﴾ (﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) قال أبو عبيدة: (هَذَا مَثَلٌ) ومعناه: (كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) من الحقِّ، ولم يؤمنوا به، قال في «الفتح»: وقد تعقَّبوا كلام أبي عبيدة

стр. 8590

بأنَّه لم يسمع من العرب: ردَّ يده في فِيْهِ؛ إذا تَرَكَ الشَّيء الَّذي كان يفعله. انتهى. وهذا الَّذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش، وأنكره القتيبيُّ، ولفظه كما في «اللُّباب»: لم يسمع أحدٌ يقول: ردَّ يده إلى فِيْه؛ إذا تَرَكَ ما أُمر به، وأُجيبَ بأنَّ المثبِتَ مقدَّمٌ على النافي، قال في «الدُّرِّ»: والضَّمائر الثَّلاثة يجوز أن تكون للكفَّار، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواههم من الغيظ؛ كقوله تعالى: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] فـ «في» (١) على (٢) بابها من الظَّرفيَّة، أو فردُّوا أيديهم على أفواههم ضحكًا واستهزاء، فـ «في» بمعنى «على» أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كفرنا، فـ «في» بمعنى «إلى» وأن يكون الأوَّلان للكفَّار والأخير للرُّسل، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواه الرُّسل، أي: أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسُّكوت. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ﴾ (﴿مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤]) قال ابن عبَّاسٍ: (حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) يوم القيامة للحساب. وقوله: (﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ [إبراهيم: ١٦]) أي: من (قُدَّامِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قدَّامَه جهنَّم» بنصب ميم قدَّامَه، وهذا قول الأكثر؛ وهو من الأضداد، وعليه قوله: عسى الكربُ الَّذي أَمْسَيتَ فيه … يَكُونُ وراءه فَرجٌ قَرِيبُ أي: قدَّامه، وقول الآخر:

стр. 8591

أليسَ وَرائِي إنْ تراختْ منيّتي … لزوم العَصا تُحْنى عليها الأَضالِعُ (١) وقيل: بعد موته. وقوله تعالى: (﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: تَابِعٌ؛ مِثْلُ: غَيَبٍ وَغَائِبٍ) وخدمٍ (٢) وخادمٍ، أي: يقول الضُّعفاء للَّذين استكبروا -أي: لرؤسائهم الَّذين استتبعوهم-: إنَّا كنَّا لكم تبعًا في التَّكذيب للرُّسل والإعراض عنهم. وقوله تعالى: (﴿مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]) يقال: (اسْتَصْرَخَنِي) أي: (اسْتَغَاثَنِي) فكأنَّ همزته للسَّلب، أي: أزال صراخي (يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) والمعنى: ما أنا بمغيثكم من العذاب، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ … » إلى آخره (٣). (﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] مَصْدَرُ: خَالَلْتُهُ (٤) خِلَالًا) قال طَرَفة: كُلُّ خليلٍ كنتَ خاللتَهُ … لا تركَ اللهُ له واضحةً (وَيَجُوزُ (٥) أَيْضًا؛ جَمْعُ: خُلَّةٍ وَخِلَالٍ) كبُرْمَةٍ وبرامٍ، وهذا قاله الأخفش، والجمهور على الأوَّل، والمخاللة: المصاحبة. (﴿اجْتُثَّتْ﴾) من قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي: (اسْتُؤْصِلَتْ) وأُخِذَت جثَّتها بالكليَّة، قال لقيطٌ الإيادي: هذا الخلاءُ الَّذي يجتثُّ أصلَكُمُ … فمَن رأى مثلَ ذا آتٍ ومَن سمِعَا (١) (باب قوله) تعالى: (﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾) مثمرةٍ طيِّبةٍ الثِّمار؛ كالنَّخلة وشجرة التِّين والعنب

стр. 8592

والرُّمَّان (﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾): راسخٌ في الأرض ضاربٌ بعروقه فيها آمنٌ من (١) الانقطاع والزَّوال (﴿وَفَرْعُهَا (٢)﴾): أعلاها (﴿فِي السَّمَاء﴾) لأنَّ ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، ومتى ارتفعت كانت بعيدةً عن عفونات الأرض، فثمارها نقيَّةٌ طاهرةٌ عن جميع الشَّوائب (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾) تعطي ثمرها (﴿كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]) أَقَّتَهُ الله تعالى لأثمارها، وقال الرَّبيع بن أنسٍ البكري (٣): ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ أي: غدوةً وعشيَّةً؛ لأنَّ ثمر النَّخل يُؤكَل أبدًا ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، إمَّا تمرًا أو رطبًا أو بسرًا؛ كذلك عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره، وبركةُ إيمانه لا تنقطع أبدًا، بل تتَّصل إليه في كلِّ وقتٍ، والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً﴾ [إبراهيم: ٢٤] للتَّقرير (٤)، وفائدته: الإيقاظ له، أي: ألم تعلم، والكلمة الطيِّبة كلمة التَّوحيد، أو كلُّ كلمةٍ حسنةٍ؛ كالحمد والاستغفار والتَّهليل، وعن ابن عبَّاسٍ: هي شجرةٌ في الجنَّة، أصلها ثابتٌ في الأرض وأعلاها في السَّماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخٌ في قلب المؤمن بالمعرفة والتَّصديق، فإذا تكلَّم بها عرجت، ولا تُحجَب حتَّى تنتهيَ إلى الله تعالى، قال : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وسقط قوله: «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ، وله: «﴿وَفَرْعُهَا﴾ … » إلى آخره وقال بعد قوله: ﴿ثَابِتٌ﴾: «الآيةَ». ٤٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٥)، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) القرشيُّ الهباريُّ،

стр. 8593

اسمه: عبد الله، و «عُبيد» لقبٌ غلَبَ عليه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ) ولأبي ذَرٍّ: «شبه» (أَوْ كَالرَّجُلِ المُسْلِمِ) شكٌّ من (١) الرَّاوي (لَا يَتَحَاتُّ) بتشديد الفوقيَّة آخره، أي: لا (٢) يتناثر (وَرَقُهَا، وَلَا وَلَا وَلَا) ذكر ثلاث صفاتٍ أُخَرَ للشَّجرة، لم يبيِّنها الرَّاوي، واكتفى بذكر كلمة «لا» ثلاثًا، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرُها ولا يُعدَم فَيئُها ولا يبطل نفعُها (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾) وقتٍ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ (٣) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ) هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ (٤) يَقُولُوا) أي: الحاضرون، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يقولا» أي: العمران (شَيْئًا؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ) والحكمةُ في تمثيل الإسلام (٥) بالشَّجرة: أَنَّ (٦) الشَّجرة لا تكون شجرةً إلَّا بثلاثة أشياء: عِرْقٍ راسخٍ، وأصلٍ قائمٍ، وفرعٍ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتمُّ إلَّا بثلاثة أشياء: تصديقٍ بالقلب، وقولٍ باللسان، وعملٍ بالأبدان (فَلَمَّا قُمْنَا؛ قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُْ) بسكون الهاء مصحَّحًا عليها في الفرع وأصله (٧)، وفي غيرهما بضمِّها (وَاللهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ) أي: عمر: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟) بحذف إحدى

стр. 8594

التَّاءين (قَالَ) أي: ابن عمر: قلت: (لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ) بحذف إحدى التَّاءين أيضًا (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي: «من حمر النَّعَم» كما في الرِّواية الأخرى، وقد وضَّح أنَّ المراد بالشَّجرة في الآية النَّخلةُ، لا شجرة الجوز الهنديِّ، نعم أخرج ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ في الآية قال: «هي شجرة جوز الهند، لا تتعطَّل من ثمرةٍ، تحمل كلَّ شهرٍ». انتهى. ونفْع النَّخلة موجودٌ في جميع أجزائها، مستمرٌّ في جميع أحوالها، فمِن حينِ تطلع إلى حين تيبس تُؤكَل أنواعًا، ثمَّ يُنتفَع بجميع أجزائها حتَّى النَّوى في علف الإبل والليف في الحبال وغير ذلك ممَّا لا يخفى. وقد سبق هذا الحديث في «كتاب العلم» [خ¦١٣١]. (٢) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) كلمة التَّوحيد: لا إله إلَّا الله؛ لأنَّها رسخت في القلب بالدَّليل، أي: يديمهم الله عليها كما اطمأنَّت إليها نفوسهم في الدُّنيا، والجمهور على أنَّها نزلت في سؤال المكلَّفين في القبر، فيلقِّن اللهُ المؤمنَ كلمة الحقِّ عند السُّؤال، فلا يَزِلُّ، وسقط «بابٌ» لغير أبي ذَرٍّ. ٤٦٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ، الحضرميُّ، أبو الحارث الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ) بسكون عين «سعْد» وضمِّها في «عُبيدة» مصغَّرًا غير مضافٍ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ) أي: بعد إعادة روحه إلى جسده عن ربِّه ودينه ونبيِّه (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ) : (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾) الَّذي ثبت بالحجَّة عندهم (﴿فِي الْحَيَاةِ

стр. 8595

الدُّنْيَا﴾) قبل الموت (١)، كما ثبَّت (٢) الَّذين فتنهم أصحابُ الأخدود، والَّذين نُشِروا بالمناشير (﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾) في القبر بعد إعادة روحه في جسده وسؤال الملكَين له، وإنَّما حصل لهم الثَّبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدُّنيا على هذا القول، ولا يخفى أنَّ كلَّ شيءٍ كانت المواظبة عليه أكثر؛ كان رسوخه في القلب أتمَّ، ثبَّتنا الله بالقول الثَّابت في الحياة الدُّنيا وفي (٣) الآخرة بمنِّه وكرمه، وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في القبر عند السُّؤال ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ عند البعث إذا سُئِلوا عن معتقدهم في الموقف، فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة. وهذا الحديث قد سبق في «باب ما جاء في عذاب القبر» من «الجنائز» [خ¦١٣٦٩]. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ لغير أبي ذَرٍّ، في قوله تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]) قال أبو عبيدة: (أَلَمْ تَعْلَمْ) ولأبي ذَرٍّ: «ألم تر (٤)» (كَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]) إذ الرُّؤية بالأبصار غير حاصلةٍ، إمَّا لتعذُّرها (٥) أو لتعسُّرها (٦) عادةً، وفي الآية حذف مضافٍ، أي: غيَّروا شكر نعمة الله كفرًا بأن وضعوه مكانه، وقولُ صاحب «الأنوار» -كالكشَّاف-: «أو بدَّلوا نَفْسَ النِّعمة كفرًا، فإنَّهم لمَّا كفروها؛ سُلِبت منهم، فصاروا تاركين لها محصِّلين الكفر بدلها» تُعُقِّب بأنَّه ليس بقويٍّ؛ لأنَّه يقتضي حدوث الكفر حينئذٍ، وهم قد كانوا كفَّارًا من قبل، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ فيه.

стр. 8596

(البَوَارُ) في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] هو (الهَلَاكُ) قال: فَلَمْ أَرَ مِثْلَهَم أَبْطَالَ حَربٍ … غداةَ الرَّوعِ إِذْ خِيْفَ البَوارُ وأصله من الكساد؛ كما قيل: كسد حتَّى فسد، ولمَّا كان الكساد يؤدِّي إلى الفساد والهلاك؛ أُطْلِق عليه البوار، والفعل منه: (بَارَ يَبُورُ بَوْرًا) بفتح الموحَّدة وسكون الواو (﴿قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨]) أي: (هَالِكِينَ) قاله أبو عبيدة وغيره، ويحتمل أن يكون ﴿بُورًا﴾ مصدرًا وُصِفَ به الجمع، وأن يكون جمع بائرٍ في المعنى، ومن وقوع البور على الواحد قولُه: يَا رَسُولَ المليكِ إنَّ لِسَاني … رَاتقُ ما فتقتَ إِذْ أنا بُورُ وثبت قوله: «﴿قَوْمًا بُورًا﴾» لأبي ذرٍّ (١). ٤٧٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما يقول في قوله تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قَالَ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ) وعند الطَّبريِّ (٢) من طريقٍ أخرى عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه سأل عمر عن هذه الآية فقال: «مَن هم؟ قال: هم الأفجران من بني مخزومٍ وبني أميَّة أخوالي وأعمامك؛ فأمَّا أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدرٍ، وأمَّا أعمامك فأملى الله لهم إلى حينٍ» والمراد -كما في «الفتح» - بعض بني أميَّة وبني مخزومٍ، فإن بني مخزومٍ لم يُستأصلوا يوم بدرٍ، بل المراد بعضهم كأبي جهلٍ من بني مخزومٍ، وأبي سفيان من بني أميَّة، وعنده أيضًا من وجهٍ آخر ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «هم جبلة بن الأيهم والَّذين اتَّبعوه من العرب، فلحقوا بالرُّوم» قال الحافظ ابن كثيرٍ: والمشهور الصَّحيح عن ابن عبَّاسٍ هو القول الأوَّل، وإن كان المعنى يعمُّ جميع الكفَّار؛ فإنَّ الله تعالى بعث محمَّدًا ﷺ رحمةً للعالمين ونعمةً للنَّاس.

стр. 8597

وهذا الحديث ذكره في «غزوة بدر» [خ¦٣٩٧٧]. (((١٥))) (سورة الحِجْرِ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «تفسير سورة الحجر» وهي مكِّيَّةٌ، وآيها تسعٌ وتسعون، وزاد أبو ذَرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ فيما وصله الطَّبريُّ من طرقٍ عنه في قوله تعالى: ﴿هَذَا﴾ (﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]) معناه (١): (الحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللهِ، وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ) لا يعرِّج على شيءٍ، وقال الأخفش: عليَّ الدَّلالة على الصِّراط المستقيم، وقال غيرهما أي: مَن مرَّ عليه مرَّ عليَّ، أي: على رضواني وكرامتي، وقيل: ﴿عَلَيَّ﴾ بمعنى: إليَّ، وهذا إشارةٌ إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين، وقيل: إلى انتفاء تزيينه وإغوائه. وقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ (﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]) أي: (عَلَى الطَّرِيقِ) الواضح، والإمام: اسمٌ لِمَا يُؤتَمُّ به، قال الفرَّاء والزَّجَّاج: إنَّما جُعِل الطَّريقُ إمامًا لأنه يُؤَمُّ ويُتبَع، قال ابن قتيبة: لأنَّ المسافر يأتمُّ به حتَّى يصير (٢) إلى الموضع الَّذي يريده، و ﴿مُّبِينٍ﴾ أي: في نفسه أو مبين لغيره؛ لأنَّ الطَّريق يهدي إلى المقصد، وضمير التَّثنية في ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ الأرجح أنَّه لقريتي قوم لوطٍ وأصحاب الأيكة؛ وهم قوم شعيبٍ لتقدُّمهما ذِكْرًا، وقوله تعالى: «﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ على الطَّريق» ثابتٌ لأبي ذَرٍّ عن المُستملي (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله:

стр. 8598

(﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]) معناه: (لَعَيْشُكَ) والعَمْر والعُمْر بفتح العين وضمِّها واحدٌ؛ وهما مدَّة الحياة، ولا يُستعمَل في القَسَم إلَّا بالفتح، وفي هذه الآية شرفُ نبيِّنا (١) محمَّدٍ ﷺ ؛ لأنَّ الله تعالى أقسم بحياته، ولم يفعل ذلك لبشرٍ سواه على ما نُقِل عن ابن عبَّاسٍ، أو الخطاب هنا للوطٍ ﵊، قالت الملائكة له ذلك، والتَّقدير: لعَمْرك قسمي، والقَسَم بالعمر في القرآن وأشعار العرب وفصيح كلامها (٢) في غير موضعٍ؛ وهو من الأسماء اللَّازمة للإضافة فلا يقطع عنها، ويضاف لكلِّ (٣) شيءٍ، لكن منعَ (٤) بعضُ أصحاب المعاني فيما ذكره الزَّهراويُّ إضافتَه إلى الله؛ لأنَّه لا يُقال: لله تعالى عُمْرٌ، وإنَّما هو بقاءٌ أزليٌّ، وقد سُمِع إضافته إلى الله تعالى قال: إِذَا رَضِيتْ عَلَيَّ بَنُو قُشيرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاها ومنع بعضُهم إضافتَه إلى ياء المتكلِّم، قال: لأنَّه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النَّابغة: لَعَمْرِي وما عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ … لقد نطقتْ بطلًا عليَّ الأقارعُ (﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ) قيل: لأنَّهم سلَّموا ولم يكن من عادتهم، وقيل: لأنَّهم كانوا على صورة الشَّباب المُرْد، فخاف هجوم القوم، فقال هذه الكلمة؛ يعني: تُنكِرُكم نفسي وتَنْفِرُ عنكم، فقالت الملائكة: ما جئناك بما تنكِر بل جئناك بما يسرُّك، ويشفي لك من عدوِّك؛ وهو العذاب الَّذي توعَّدتهم (٥) به فيمترون فيه، وسقط قوله: «﴿لَعَمْرُكَ﴾ … » إلى هنا لأبي ذَرٍّ إلَّا في رواية المُستملي. (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]) أي: (أَجَلٌ) أي: إنَّ الله تعالى لا يهلك أهل قريةٍ إلَّا ولها أجلٌ مقدَّرٌ كُتِب في اللَّوح المحفوظ (٦) أو كتابٍ مختصٍّ به.

стр. 8599

(﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا﴾ [الحجر: ٧]) أي: (هَلاَّ تَأْتِينَا) يا محمَّدُ بالملائكة؛ لتصديق دعواك إن كنت صادقًا، أو لتعذيبنا على تكذيبك؛ كما جاءت الأمم السَّابقة (١)، فإنَّا نصدِّقُك حينئذٍ، فقال الله تعالى: ما تنزَّل (٢) الملائكةُ إلَّا تنزيلًا ملتبسًا (٣) بالحقِّ، أي: الوجه الَّذي قدَّرناه واقتضته حكمتنا، ولا حكمة في إتيانكم؛ فإنَّكم لا تزدادون إلَّا عنادًا، وكذا لا حكمةَ في استئصالكم مع أنَّه سبقت كلمتنا بإيمان بعضكم أو أولادكم، وسقط لفظ «﴿تَأْتِينَا﴾» لأبي ذَرٍّ في غير روايته عن المُستملي (٤). (﴿شِيَعِ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠] معناه: (أُمَمٌ) قاله أبو عبيدة (وَ) يقال (لِلأَوْلِيَاءِ أَيْضًا: شِيَعٌ) وقال غيره: شيعٌ؛ جمع شيعة؛ وهي الفرقة المتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ؛ مِن شاعه إذا تبعه (٥)، ومفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾ في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ محذوفٌ، أي: أرسلنا رسلًا (٦) من قبلك دلَّ الإرسال عليهم، وفيه تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ حيث نسبوه إلى الجنون، أي: عادة هؤلاء مع الرُّسل ذلك. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى في سورة هودٍ: ﴿وَجَاءهُ قَوْمُهُ﴾ (﴿يُهْرَعُونَ﴾ [هود: ٧٨]) أي: (مُسْرِعِينَ) إليه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ (﴿لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]) أي: (لِلنَّاظِرِينَ) قال ثعلبٌ: الواسم: النَّاظر إليك من قرنك إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبُّت الَّذي هو الأصل في التَّوسُّم، وقال الزَّجَّاج: حقيقة المتوسِّمين في اللُّغة المتثبِّتين في نظرهم، حتَّى يعرفوا سمة الشَّيء وعلامَته؛ وهو استقصاء وجوه التَّعرُّف (٧)، قال: أَوَكلَّما وَردتْ عُكاظَ قبيلةٌ … بعثتْ إليَّ عريفَها يتوسَّمُ

стр. 8600

وقال مجاهدٌ: معنى الآية: للمتفرِّسين، وقال قتادة: للمعتبرين، وقال مقاتلٌ: للمتفكِّرين، والمراد: صيحة العذاب الَّذي أخذ قوم لوطٍ داخلين في شروق الشَّمس، رفع جبريل ﵊ مدينتهم إلى السَّماء ثمَّ قَلَبها، وسقط قوله: «وقال ابن عبَّاسٍ … » إلى «للنَّاظرين» لأبي ذَرٍّ. وقوله تعالى: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا﴾ (﴿سُكِّرَتْ﴾ [الحجر: ١٥]) بتشديد الكاف، أي: (غُشِّيَتْ) بضمِّ الغين وتشديد الشِّين المكسورة المعجمتَين، وقيل: سُدَّت؛ يعني: لو فتحنا على هؤلاء المقترحين بابًا من السَّماء فظلُّوا فيه (١) صاعدين إليها مشاهدين لعجائبها، أو مشاهدين لصعود (٢) الملائكة؛ وهو جوابٌ لقوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] لقالوا لشدَّة عنادهم: إنَّما غُشِّيت أو سُدَّت أبصارنا بالسِّحر، وسقط من قوله: «وقال مجاهدٌ … » إلى هنا للحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء﴾ (﴿بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]) أي: (مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالقَمَرِ) قال عطيَّة: هي قصورٌ في السَّماء عليها الحرس. وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ (﴿لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]) أي: (مَلَاقِحَ) و (مُلْقَِحَةً) بفتح القاف وكسرها (٣)، جمعَه؛ لأنَّه مِن: ألقح يلقح، فهو ملقحٌ، فحقُّه مَلاقِح، فحُذِفَت الميم تخفيفًا، وهذا قول أبي عبيدة، قال الجوهريُّ: ولا يُقال: ملاقح، وهو من النَّوادر، وقيل: لواقح؛ جمع لاقحٍ، يقال: لقحت الرِّيح إذا حملت الماء، وقال الأزهريُّ: حوامل تحمل السَّحَاب؛ كقولك: ألقحت النَّاقة فلقحت؛ إذا حملت الجنين في بطنها، فشُبِّهت الرِّيح بها، قال: إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوانٌ مضرَّةٌ … ضَروسٌ يهرُّ الناسَ أنيابُها عصلُ (٤) قال ابن عبَّاسٍ: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] الشَّجر والسَّحاب، وقال عبيد بن عميرٍ (٥): يبعث الله الرِّيح المبشِّرة فتقمُّ الأرض قمًّا (٦)، ثمَّ يبعث المثيرة فتثير السَّحاب، ثمَّ يبعث المؤلِّفة فتؤلِّف السَّحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركامًا، ثمَّ يبعث اللَّواقح فتلقِّح الشَّجر،

стр. 8601

وقال أبو بكر بن عيَّاشٍ: لا تقطر قطرة من السَّماء إلَّا بعد أن تعمل الرِّياح الأربعة فيه، فالصَّبا تهيِّجه، والشَّمال تجمعه، والجنوب تُذرُّه، والدَّبور تفرِّقه. وقوله: ﴿مِّنْ﴾ (﴿حَمَإٍ﴾ [الحجر: ٢٦]): هو (جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ) بفتح الحاء وسكون الميم (وَهْوَ الطِّينُ المُتَغَيِّرُ) الَّذي اسودَّ من طول مجاورة الماء. (وَالمَسْنُونُ): هو (المَصْبُوبِ) لييبس، كأنَّه أفرغ الحمأ فصوَّر فيه تمثال إنسانٍ أجوف فيبس، حتَّى إذا نُقِر صَلْصَلَ، ثمَّ غيَّره بعد ذلك طورًا بعد طورٍ، حتَّى سواه ونفخ فيه من روحه. ﴿لَا﴾ (﴿تَوْجَلْ﴾ [الحجر: ٥٣]) أي: لا (تَخَفْ) وكان خوفه من توقُّع مكروهٍ؛ حيث دخلوا (١) بغير إذنٍ في غير وقت الدُّخول. (﴿دَابِرَ﴾) في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء﴾ [الحجر: ٦٦] أي: (آخِرَ) ﴿هَؤُلاء مَقْطُوعٌ﴾ مستأصلٌ؛ يعني: يُستأصَلون عن آخرهم حتَّى لا يبقى منهم أحدٌ. (﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]) قال أبو عبيدة: (الإِمَامُ: كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ) وسبق فيه زيادةٌ، حيث ذكر في هذه السُّورة فالتفت إليه، وسقط قوله: «﴿لَبِإِمَامٍ﴾ … » إلى (٢) هنا للحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ. (﴿الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣]) أي: أخذتهم (الهَلَكَةُ) (٣) وزاد أبو ذَرٍّ هنا: «باب قوله» جلَّ وعلا. (١) (﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨]) الاستثناء منقطعٌ، أي: لكن من استرق السَّمع، أو متَّصلٌ والمعنى: أنَّها لم تحفظ منه، ومحلُّ الاستثناء على الوجهين نصبٌ، ويجوز أن يكون في محلِّ جرٍّ بدلًا من ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ [الحجر: ١٧] أو رفعٌ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ من قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ [الحجر: ١٨] فيكون منقطعًا، واستراقهم: اختلاسهم سرًّا (﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾): شعلةٌ من نارٍ تظهر للنَّاظر

стр. 8602

على شكل العمود، وتُطلَق للكوكب والسِّنان لِمَا فيهما من البريق. ٤٧٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو (١) ابن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) لم يقل: «سمعت» بدل: «يبلغ»، لاحتمال الواسطة، أو نسي كيفية التَّحمُّل، أنَّه (قَالَ: إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ) أي: إذا حكم الله بأمرٍ من الأمور (فِي السَّمَاءِ) ولأبي ذَرٍّ: «إذا قُضِيَ» بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول «الأمرُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل (ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا)

стр. 8603

بضمِّ الخاء وسكون الضَّاد المعجمتَين، مصدرٌ بمعنى: خاضعين، أي: منقادين طائعين (لِقَوْلِهِ) تعالى، (كَالسِّلْسِلَةِ) أي: القول المسموع يشبه صوت وقع السِّلسلة (عَلَى صَفْوَانٍ) بسكون الفاء (١) وهو الحجرُ الأملس (٢)، ولأبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «كأنَّه سلسلةٌ» وللأَصيليِّ أيضًا: «كأنَّها (٣)»، وفي حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا عند ابن مردويه: «إذا تكلَّم الله بالوحي؛ يسمع أهل السَّموات صلصلةً كصلصلة السِّلسلة على الصَّفوان، فيفزعون، ويرون أنَّه من أمر السَّاعة». (قَالَ عَلِيٌّ) قال الكِرمانيُّ: هو ابن المدينيِّ شيخ المؤلِّف: (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير سفيان ابن عيينة، ولم يعرف الحافظ ابن حجرٍ هذا الغير: (صَفَوَانٍ) بفتح الفاء (يَنْفُذُهُمْ) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الفاء بعدها ذالٌ معجمةٌ (ذَلِكَ) القول، والضَّمير في «ينفذهم» إلى الملائكة، أي: ينفذ الله القول إليهم (فَإِذَا ﴿فُزِّعَ﴾) أي: أُزيل الخوف (﴿عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا﴾) أي: الملائكة: (﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾) أي: المقرَّبون من الملائكة؛ كجبريل وميكائيل مجيبين (لِلَّذِي قَالَ) يسأل (٤): قال الله القول (﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]) وفي حديث النَّوَّاس بن سمعان عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «إذا تكلَّم الله بالوحي؛ أخذت السَّماء رجفةٌ شديدةٌ من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهل السَّماء؛ صعقوا وخرُّوا سُجَّدًا، فيكون أوَّلهم يرفع رأسه جبريل، فيكلِّمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به على الملائكة، كلَّما مرَّ بسماءٍ؛ سأله (٥) أهلها: ماذا قال ربُّنا؟ قال: الحقَّ، فينتهي به حيث أمرَ» (فَيَسْمَعُهَا) أي: تلك الكلمة؛ وهي القول الَّذي قاله الله (مُسْتَرِقُو السَّمْعِ) بحذف النُّون للإضافة ولأبي ذرٍّ: «مسترقُ السمعِ» بحذف الواو على الإفراد (٦) (وَمُسْتَرِقُو

стр. 8604

السَّمْعِ) (١) ولأبي ذَرٍّ: «ومسترق السَّمع» (٢) بالإفراد (٣) مبتدأٌ، خبرُه (هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ) بن عيينة كيفيَّة المستمعين- بركوب بعضهم على بعض (بِيَدِهِ، وَفَرَّجَ) ولأبي ذَرٍّ: «ففرَّج» «بالفاء» بدل: «الواو» (بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى، نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ) والجملة اعتراضٌ بين قوله: «فوق آخر» وبين قوله: (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ المُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا) أي: بالكلمة (إِلَى صَاحِبِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «يُرمَى» بالبناء للمجهول «به (٤)» بالتَّذكير (فَيُحْرِقَهُ) بالنَّصب: عطفًا على السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: «فيحرقُه» بالرَّفع (وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ) الشِّهاب (حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا) ولأبي ذَرٍّ: «حتَّى يُرمَى بها» بضمِّ الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ) بالرَّفع (مِنْهُ) ولأبي ذَرٍّ: «أسفلَ» بالنَّصب على الظَّرفيَّة، وقوله: «إلى الَّذي هو أسفل» بدلٌ من سابقه (حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (حَتَّى تَنْتَهِيَ (٥) إِلَى الأَرْضِ-) جملةُ اعتراضٍ (فَتُلْقَى) بضمِّ التَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: الكلمة (عَلَى فَمِ السَّاحِرِ) وهو المنجِّم (فَيَكْذِبُ مَعَهَا) أي: مع تلك الكلمة الملقاة (مِئَةَ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون المعجمة (فَيَصْدُقُ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الصَّاد، ولأبي ذَرٍّ: «فيُصدَّق» (٦) مبنيًّا للمفعول: السَّاحر في كذباته (فَيَقُولُونَ) أي: السَّامعون منه: (أَلَمْ يُخْبِرْنَا) السَّاحر، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ألم يخبرونا» أي: السَّحرة، فيكون لفظ المفرد في الأوَّل للجنس (يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا؟) كنايةٌ عن الخرافات الَّتي أخبر بها السَّاحر (فَوَجَدْنَاهُ)

стр. 8605

أي: الخبر الَّذي أخبر به (حَقًّا؛ لِلْكَلِمَةِ) أي: لأجل الكلمة (الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ). وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٠] أيضًا وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٨١] وأبو داود في «الحروف» (١)، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، وأخرجه ابن ماجه في «السُّنَّة». وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ قال (٢): (إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ، وَزَادَ) على قوله: «فم (٣) السَّاحر» (الكَاهِنِ) وسقط لغير أبي ذر الواو من قوله: «والكاهن» (٤). (وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا عليُّ بن عبد الله» أي: المدينيُّ قال: حدَّثنا سفيان (فَقَالَ) في حديثه: (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) يقول: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ، وَقَالَ: عَلَى فَمِ السَّاحِرِ) كالرِّواية السَّابقة، لكنَّه في هذه صرَّح هنا بالتَّحديث والسَّماع، قال عليُّ بن عبد الله: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (أأنت سمعت عمرًا؟) ثبت لأبي ذَرٍّ «أأنت سمعت عمرًا؟» وسقط لغيره (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁؟ (قَالَ: نَعَمْ) قال عليُّ بن المدينيِّ: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا) لم أعرف اسمه (رَوَى عَنْكَ: عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَرْفَعُهُ) أي: الحديثَ أبو هريرة إلى النَّبيِّ ﷺ (أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فُزِّعَ﴾ [سبأ: ٢٣]) بالزَّاي والعين المهملة، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «(فُرِّغ)» بالرَّاء والغين المعجمة مبنيًّا للمفعول فيهما (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (هَكَذَا) بالرَّاء والمعجمة، أو بالعكس، والظَّاهر: الأوَّل (قَرَأَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا) بالرَّاء (أَمْ لَا؟ قَالَ سُفْيَانُ: وَهْيَ) بالرَّاء (قِرَاءَتُنَا) وهي قراءة الحسن أيضًا، أي: حتَّى إذا أفنى (٦) الله الوجل، أو انتفى بنفسه.

стр. 8606

(٢) (باب قوله) : (﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ﴾): وادي ثمود بين المدينة والشَّأم (﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]) صالحًا، ومَن كذَّب واحدًا من المرسلين (١)؛ فكأنَّما كذَّب الجميع، أو صالحًا ومن معه من المؤمنين، وسقط قوله: «باب قوله (٢)» لغير أبي ذَرٍّ. ٤٧٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وبعد العين المهملة السَّاكنة نونٌ؛ ابن يحيى القزَّاز، أبو عيسى المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويِّ مولاهم أبي (٣) عبد الرَّحمن المدنيِّ، مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لأَصْحَابِ الحِجْرِ) أي: لأصحابه ﵊ الَّذين قدموا الحجر لمَّا مروا به معه في حال توجُّههم (٤) إلى تبوك: (لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ القَوْمِ) المعذَّبين في ديارهم (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) من الخوف (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ) أي: خشية أن يصيبكم (مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ) من العذاب؛ لأنَّ مَن دخل عليهم ولم يبكِ اعتبارًا بأحوالهم؛ فقد شابههم في الأعمال (٥) ودلَّ على قساوة قلبه، فلا يأمن أن يجرَّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه مثلُ ما أصابهم. وهذا الحديث قد (٦) مرَّ في «باب الصَّلاة في مواضع الخسف» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٣٣].

стр. 8607

(٣) (باب قَوْله) تعالى: (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾) صيغة جمعٍ، واحدُه: مثنَاةٌ، والمثنَاة: كلُّ شيءٍ يُثنَى؛ من قولك: ثنَيْتُ الشَّيء ثنيًا، أي: عطفتُهُ وضممت إليه آخر، والمراد سبعٌ من الآيات أو من السُّور، أو من الفوائد، ليس في اللَّفظ ما يعيِّن أحدها (﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]) من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ إذ المراد بـ «السَّبع» إمَّا الفاتحة أو السُّور الطوال، أو مِن عطف بعض الصِّفات على بعضٍ، أو الواو مقحمة. ٤٧٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (١) (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، بندار العبديُّ البصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو (٣) لقبُ محمَّدِ بن جعفرٍ الهذليِّ البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الموحَّدة الأولى مصغَّرًا، الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى) بضمِّ الميم وفتح العين واللَّام المشدَّدة، واسمه: الحارث أو رافعٌ أو أوسٌ الأنصاريّ أنَّه (قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: في المسجد (وَأَنَا أُصَلِّي، فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ) بمدِّ الهمزة (حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ) بحذف ضمير النَّصب (فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن تأتيني» (فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]) زاد أبو ذَرٍّ هنا:

стр. 8608

«﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾» فيه وجوب إجابته ﵊، ونصَّ جماعةٌ من الأصحاب على عدم بطلان الصَّلاة، وفيه بحثٌ سبق في «البقرة» [خ¦٤٤٧٤] فالتَفت إليه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ وسقطا لأبي ذَرٍّ (أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ) فيه جواز تفضيل بعض القرآن على بعضٍ، واستُشكِلَ، وأُجِيَب بأنَّ التَّفضيل إنَّما هو من حيث المعاني لا من حيث الصِّفة، فالمعنى: أنَّ ثواب بعضه أعظم من بعضٍ (قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ؟، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ) زاد غير أبي ذَرٍّ: «من المسجد» (فَذَكَّرْتُهُ) بذلك (١)؛ بتشديد الكاف (فَقَالَ): هي (﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) يعني: الفاتحة (هِيَ السَّبْعُ) لأنَّها سبع آياتٍ بالبسملة (المَثَانِي) لأنَّها تُثنَّى كلَّ ركعةٍ، أو غير ذلك ممَّا مرَّ بالبقرة (وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) وسبق الحديث بـ «البقرة» [خ¦٤٤٧٤]. ٤٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدٌ) هو ابن أبي سعيدٍ كيسان (المَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمُّ القُرْآنِ) مبتدأٌ، خبرُه: (هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ) عُطِفَ على «أمُّ القرآن» لا على «السَّبع المثاني» وإفراد الفاتحة بالذِّكر في الآية مع كونها جزءًا من القرآن يدلُّ على مزيد اختصاصها بالفضيلة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».

стр. 8609

(٤) (قَوْلُهُ) ولأبي ذَرٍّ: «باب قوله» : (﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]) نعتٌ لـ ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ أو بدلٌ منه، أو بيانُ (﴿المُقْتَسِمِينَ﴾) أي: (الَّذِينَ حَلَفُوا) جعله من القسَم لا من القِسمة، أي: مثل ما أنزلنا (١) على الرَّهط الَّذين تقاسموا على أن يبيِّتوا صالحًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالُوا (٢) تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] قال في «الكشَّاف»: والاقتسام بمعنى التَّقاسم، ولعلَّ المؤلِّف اعتمد في هذا القول على ما رواه الطَّبريُّ (٣) عن مجاهدٍ: أنَّ المراد بقوله: ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ قومُ صالحٍ الَّذين تقاسموا على هلاكه (٤) (وَمِنْهُ) أي: من معنى: المقتسمين (﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١] أَيْ: أُقْسِمُ) فـ «لا» مقحمةٌ (وَتُقْرَأُ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾) بغير مدٍّ؛ وهي قراءة ابن كثيرٍ، على أنَّ اللَّام جوابٌ لقسمٍ مقدَّرٍ، تقديره: لأنا (٥) أقسم، أو والله لأنا أقسم (﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١]) ولأبي ذَرٍّ: «﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾» أي: (حَلَفَ لَهُمَا) أي حلف إبليس لآدم وحوَّاء (وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ) فليس هو من باب المفاعلة (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما أخرجه الفريابيُّ: (﴿قَاسَمُوا﴾) ﴿بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] أي: (تَحَالَفُوا) وقد مرَّ، والجمهور على أنَّه من القسمة.

стр. 8610

٤٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِا) ولغير أبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء مصغَّرًا، ابن بُشَيرٍ بضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة، الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة إياس اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قوله تعالى: (﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] قَالَ: هُمْ أَهْلُ الكِتَابِ، جَزَّؤُوْهُ) وفي نسخةٍ: «الَّذين جزَّؤوه» (١) (أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ) ممَّا وافق التَّوراة (وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ) ممَّا خالفها. ٤٧٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ) بفتح الظَّاء المعجمة وسكون الموحَّدة، حُصَين بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين مصغَّرًا، ابن جندبٍ المَذْحِجِيُّ؛ بفتح الميم وإسكان المعجمة وكسر المهملة وبالجيم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] قَالَ: آمَنُوا بِبَعْضٍ، وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ): هم (٢) (اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا: ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ الَّذين اقتسموا طرق مكَّة، يصدُّون النَّاس عن الإيمان برسول الله ﷺ ، قيل: يقرب عددهم من أربعين، وقيل: كانوا خمسةً؛ الأسود بن عبد يَغوث، والأسود بن المطَّلب، والعاص بن وائلٍ، والحارث بن قيسٍ، والوليد بن المغيرة، وقيل غير ذلك. (٥) (باب قوله) تعالى: (﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] قَالَ سَالِمٌ) هو ابن عبد الله

стр. 8611

ابن عمر بن الخطَّاب، ممَّا وصله إسحاق بن إبراهيم البستيُّ والفريابيُّ وعبدُ بن حميدٍ: (﴿الْيَقِينُ﴾): هو (المَوْتُ) لأنَّه أمرٌ متيقَّنٌ؛ وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ أيضًا، فإن قيل: ما الفائدة في هذا التَّوقيت مع أنَّ كلَّ واحدٍ يعلم أنَّه إذا مات؛ سقطت عنه العبادات؟ أُجِيبَ بأنَّ المراد واعبد ربَّك في جميع زمانِ حياتِك، ولا تخلُ لحظةٌ من لحظات الحياة من العبادات، وروى جبيرُ بن نفيرٍ مرسلًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أُوحِيَ إليَّ أن أجمع المال وأكون من التَّاجرين، ولكن أُوحِيَ إليَّ أن سبِّح (١) ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾»، رواه البغويُّ في «شرح السُّنَّة»، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ؛ كقوله: «﴿الْيَقِينُ﴾» من قوله: «﴿الْيَقِينُ﴾: الموت». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ (٢).

стр. 8612

(((١٦))) (سورة النَّحْلِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «باب تفسير سورة النَّحل» (١) (﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]) من ربِّك هو (جِبْرِيلُ) قاله ابن مسعودٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ، وأُضيفَ جبريل إلى القدس؛ وهو الطُّهر، كما تقول (٢): حاتمُ الجودِ، وزيدُ الخيرِ، والمراد: الرُّوح المقدَّس، قاله الزَّمخشريُّ، ثمَّ استشهد المؤلِّف لقوله: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: جبريل بقوله: (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]) وهو يردُّ ما رواه الضَّحَّاك: أنَّ ابن عبَّاسٍ -فيما رواه ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ ضعيفٍ- قال: روح القدس: الاسم الَّذي كان عيسى ﵊ يُحيي به الموتى. وقوله: ﴿وَلَا تَكُ﴾ (﴿فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧] يُقَالُ: أَمْرٌ ضَيْقٌ) بسكون التَّحتيَّة (وَضَيِّقٌ) بتشديدها (مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ) لغتان، وكَسَر الضَّادَ ابنُ كثيرٍ، وفَتَحها غيرُه، فقيل: هما بمعنى في هذا المصدر؛ كالقَول والقيل؛ وقيل: المفتوح مخفَّفٌ؛ مِن ضَيْق، كمَيْتٍ في ميِّتٍ، قال في «اللُّباب»: هذا من الكلام المقلوب؛ لأنَّ الضَّيق صفةٌ، والصِّفة تكون حاصلةً في الموصوف، ولا يكون الموصوف حاصلًا في الصِّفة، فكأنَّ المعنى: ولا يكن الضَّيق فيك، إلَّا أنَّ الفائدة في قوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧] هو أنَّ الضَّيق إذا عَظُم وقوي (٣) صار كالشَّيء المحيط بالإنسان من كلِّ الجوانب، وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللَّفظ هذا المعنى. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ [النحل: ٤٨]) أي: (تَتَهَيَّأْ) كذا نُقِل، والصَّواب: تتميَّل. وقوله تعالى: (﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ [النحل: ٦٩]) قال مجاهدٌ فيما رواه (٤) الطَّبريُّ: (لا يَتَوعَّرُ) بالعين المهملة (عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ) و ﴿ذُلُلاً﴾: جمع ذَلول، ويجوز أن يكون حالًا من السُّبل، أي: ذلَّلها لها الله تعالى؛ كقوله (٥): ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] وأن يكون حالًا

стр. 8613

من فاعل «اسلكي» أي: مطيعةٌ منقادةٌ؛ بمعنى: أنَّ أهلها ينقلونها من مكانٍ إلى مكانٍ، ولها يعسوبٌ إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، وانتصاب ﴿سُبُلَ﴾ مفعولًا به، أي: اسلكي في طلب (١) تلك الثَّمرات سبل ربِّك؛ الطَّرق الَّتي أفهمك وعلَّمك في عمل العسل، أو على الظَّرفية، أي: فاسلكي ما أكلتِ في سبل ربِّك، أي: في مسالكه الَّتي يحيل فيها بقدرته النَّور ونحوه عسلًا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ (٢): (﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ [النحل: ٤٦]) أي: (اخْتِلَافِهِمْ) وقال غيره: في أسفارهم، وقال ابن جريج: في إقبالهم وإدبارهم. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (﴿تَمِيدَ﴾) من قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ (٣)﴾ [النحل: ١٥] أي: (تَكَفَّأُ) -بتشديد الفاء- وتتحرَّك وتميل بما عليها من الحيوان، فلا يهنأ لهم عيشٌ بسبب ذلك، قال الحسن -فيما رواه عبد الرَّزَّاق-: لمَّا خُلِقَت الأرض؛ كانت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرَّةٍ على ظهرها أحدًا، فأصبحوا وقد خُلِقَت الجبال، فلم تدرِ الملائكة ممَّ خُلِقَت الجبال، وفي حديث أنسٍ مرفوعًا (٤) عند التِّرمذي نحوُه. (﴿مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]) قال مجاهدٌ فيما وصله (٥) الطَّبريُّ: (مَنْسِيُّونَ) فيها. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾) زاد أبو ذَرٍّ «﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾» [النحل: ٩٨] (هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ قَبْلَ القِرَاءَةِ) وهذا قاله أبو عبيدة، وقال ابن عطيَّة: فإذا وصلت بين الكلامين، والعرب تستعملها في مثل هذا، وتقدير الآية: فإذا (٦) أخذت في قراءة القرآن؛ فاستعذ، وقال في «الأنوار» - «كالكشَّاف» - أي: فإذا أردت قراءة القرآن فأضمر الإرادة، قال الزَّمخشريُّ: لأنَّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصلٍ وعلى حسبه، فكان منه بسببٍ قويٍّ وملابسةٍ ظاهرةٍ، وهذا مذهب الجمهور من القُرَّاء وغيرهم، قال الشَّيخ

стр. 8614

بهاء الدِّين السُّبكيُّ في «شرح التَّلخيص»: وعليه سؤالٌ؛ وهو أنَّ الإرادة إن أُخِذَت مطلقًا؛ لزم استحباب الاستعاذة بمجرَّد ذلك، وإن أُخِذَت الإرادة بشرطٍ اتِّصالها بالقراءة استحال تحقُّق العلم بوقوعها، ويمتنع حينئذٍ استحباب الاستعاذة قبل القراءة، قال في «المصابيح»: بقي عليه قسمٌ آخر باختياره يزول الإشكال؛ وذلك أنَّا لا نأخذ الإرادة مطلقًا، ولا نشترط اتِّصالها بالقراءة، وإنَّما نأخذها مقيَّدةً بألَّا يعِنَّ له (١) صارفٌ عن القراءة، فلا يلزم حينئذٍ استحباب الاستعاذة بعد طروء العزم على عدم القراءة، ولا يلزم أيضًا استحالة تحقُّق العلم بوقوعها، فزال الإشكال ولله الحمد. (وَمَعْنَاهَا) أي: الاستعاذةِ: (الاِعْتِصَامُ بِاللهِ) من وساوس الشَّيطان، والجمهور على أنَّ الأمر بها (٢) للاستحباب، والخطاب للرَّسول، والمراد منه الكلُّ لأنَّ الرَّسول إذا كان محتاجًا للاستعاذة عند القراءة؛ فغيره أَولى. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]) أي: (تَرْعَوْنَ) من سامَت الماشية أو أَسَامَها صاحبها. (﴿شَاكِلَتِهِ﴾) في سورة الإسراء [الآية: ٨٤] أي: على (نَاحِيَتِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «على (٣) نيته» بدل: «ناحيته»، أي: الَّتي تشاكل حاله في الهدى والضَّلال، وذكْر هذا هنا لعلَّه من ناسخٍ (٤)، وقوله: ﴿وَعَلَى اللّهِ﴾ (﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]: البَيَانُ) للطَّريق الموصل إلى الحقِّ؛ رحمةً منه وفضلًا. (الدِّفْءُ) في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]: (مَا اسْتَدْفَأْتَ) به ممَّا يقي البرد. (﴿تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦]) تردُّونها من (٥) مراعيها أو من مراحها (بِالعَشِيِّ وَ ﴿َسْرَحُونَ﴾)

стр. 8615

تخرجونها (١) (بِالغَدَاةِ) إلى المرعى. (﴿بِشِقِّ﴾) ﴿الأَنفُسِ﴾ [النحل: ٧] (يَعْنِي: المَشَقَّةَ) والكلفة. (﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]) أي: (تَنَقُّصٍ) شيئًا بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالهم حتَّى يهلكوا مِن: تخوَّفتُه إذا تنقَّصتَه (٢). ورُوِيَ بإسنادٍ فيه مجهولٌ: عن عمر أنَّه قال على المنبر: «ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخٌ من هذيلٍ فقال: هذه لغتنا؛ التَّخوُّف: التَّنقُّص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبيرٍ (٣) يصف ناقته (٤): تَخوَّف الرَّحلُ منها تامكًا قَرِدًا (٥) … كما تَخوَّف عودَ النَّبعة (٦) السَّفَنُ فقال عمر: أيُّها النَّاس؛ عليكم بديوانكم لا يضلُّ (٧)، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهليَّة (٨)؛ فإنَّ فيه تفسير كتابكم». وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي﴾ (﴿الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦] وَهْيَ) أي: الأنعام (تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَكَذَلِكَ النَّعَمُ) تُذكَّر وتُؤنَّث (الأَنْعَامُ): هي (٩) (جَمَاعَةُ النَّعَمِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «وكذلك النَّعم للأنعام» بحرف الجرِّ: «جماعةُ النَّعم» ومعنى ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي: دلالةً يعبر بها من الجهل إلى العلم،
следующие страницы →