← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

ابن عمر بن الخطَّاب، ممَّا وصله إسحاق بن إبراهيم البستيُّ والفريابيُّ وعبدُ بن حميدٍ: (﴿الْيَقِينُ﴾): هو (المَوْتُ) لأنَّه أمرٌ متيقَّنٌ؛ وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ أيضًا، فإن قيل: ما الفائدة في هذا التَّوقيت مع أنَّ كلَّ واحدٍ يعلم أنَّه إذا مات؛ سقطت عنه العبادات؟ أُجِيبَ بأنَّ المراد واعبد ربَّك في جميع زمانِ حياتِك، ولا تخلُ لحظةٌ من لحظات الحياة من العبادات، وروى جبيرُ بن نفيرٍ مرسلًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أُوحِيَ إليَّ أن أجمع المال وأكون من التَّاجرين، ولكن أُوحِيَ إليَّ أن سبِّح (١) ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾»، رواه البغويُّ في «شرح السُّنَّة»، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ؛ كقوله: «﴿الْيَقِينُ﴾» من قوله: «﴿الْيَقِينُ﴾: الموت». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ (٢).

стр. 8612

(((١٦))) (سورة النَّحْلِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «باب تفسير سورة النَّحل» (١) (﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]) من ربِّك هو (جِبْرِيلُ) قاله ابن مسعودٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ، وأُضيفَ جبريل إلى القدس؛ وهو الطُّهر، كما تقول (٢): حاتمُ الجودِ، وزيدُ الخيرِ، والمراد: الرُّوح المقدَّس، قاله الزَّمخشريُّ، ثمَّ استشهد المؤلِّف لقوله: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: جبريل بقوله: (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]) وهو يردُّ ما رواه الضَّحَّاك: أنَّ ابن عبَّاسٍ -فيما رواه ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ ضعيفٍ- قال: روح القدس: الاسم الَّذي كان عيسى ﵊ يُحيي به الموتى. وقوله: ﴿وَلَا تَكُ﴾ (﴿فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧] يُقَالُ: أَمْرٌ ضَيْقٌ) بسكون التَّحتيَّة (وَضَيِّقٌ) بتشديدها (مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ) لغتان، وكَسَر الضَّادَ ابنُ كثيرٍ، وفَتَحها غيرُه، فقيل: هما بمعنى في هذا المصدر؛ كالقَول والقيل؛ وقيل: المفتوح مخفَّفٌ؛ مِن ضَيْق، كمَيْتٍ في ميِّتٍ، قال في «اللُّباب»: هذا من الكلام المقلوب؛ لأنَّ الضَّيق صفةٌ، والصِّفة تكون حاصلةً في الموصوف، ولا يكون الموصوف حاصلًا في الصِّفة، فكأنَّ المعنى: ولا يكن الضَّيق فيك، إلَّا أنَّ الفائدة في قوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧] هو أنَّ الضَّيق إذا عَظُم وقوي (٣) صار كالشَّيء المحيط بالإنسان من كلِّ الجوانب، وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللَّفظ هذا المعنى. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ [النحل: ٤٨]) أي: (تَتَهَيَّأْ) كذا نُقِل، والصَّواب: تتميَّل. وقوله تعالى: (﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ [النحل: ٦٩]) قال مجاهدٌ فيما رواه (٤) الطَّبريُّ: (لا يَتَوعَّرُ) بالعين المهملة (عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ) و ﴿ذُلُلاً﴾: جمع ذَلول، ويجوز أن يكون حالًا من السُّبل، أي: ذلَّلها لها الله تعالى؛ كقوله (٥): ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] وأن يكون حالًا

стр. 8613

من فاعل «اسلكي» أي: مطيعةٌ منقادةٌ؛ بمعنى: أنَّ أهلها ينقلونها من مكانٍ إلى مكانٍ، ولها يعسوبٌ إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، وانتصاب ﴿سُبُلَ﴾ مفعولًا به، أي: اسلكي في طلب (١) تلك الثَّمرات سبل ربِّك؛ الطَّرق الَّتي أفهمك وعلَّمك في عمل العسل، أو على الظَّرفية، أي: فاسلكي ما أكلتِ في سبل ربِّك، أي: في مسالكه الَّتي يحيل فيها بقدرته النَّور ونحوه عسلًا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ (٢): (﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ [النحل: ٤٦]) أي: (اخْتِلَافِهِمْ) وقال غيره: في أسفارهم، وقال ابن جريج: في إقبالهم وإدبارهم. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (﴿تَمِيدَ﴾) من قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ (٣)﴾ [النحل: ١٥] أي: (تَكَفَّأُ) -بتشديد الفاء- وتتحرَّك وتميل بما عليها من الحيوان، فلا يهنأ لهم عيشٌ بسبب ذلك، قال الحسن -فيما رواه عبد الرَّزَّاق-: لمَّا خُلِقَت الأرض؛ كانت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرَّةٍ على ظهرها أحدًا، فأصبحوا وقد خُلِقَت الجبال، فلم تدرِ الملائكة ممَّ خُلِقَت الجبال، وفي حديث أنسٍ مرفوعًا (٤) عند التِّرمذي نحوُه. (﴿مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]) قال مجاهدٌ فيما وصله (٥) الطَّبريُّ: (مَنْسِيُّونَ) فيها. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾) زاد أبو ذَرٍّ «﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾» [النحل: ٩٨] (هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ قَبْلَ القِرَاءَةِ) وهذا قاله أبو عبيدة، وقال ابن عطيَّة: فإذا وصلت بين الكلامين، والعرب تستعملها في مثل هذا، وتقدير الآية: فإذا (٦) أخذت في قراءة القرآن؛ فاستعذ، وقال في «الأنوار» - «كالكشَّاف» - أي: فإذا أردت قراءة القرآن فأضمر الإرادة، قال الزَّمخشريُّ: لأنَّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصلٍ وعلى حسبه، فكان منه بسببٍ قويٍّ وملابسةٍ ظاهرةٍ، وهذا مذهب الجمهور من القُرَّاء وغيرهم، قال الشَّيخ

стр. 8614

بهاء الدِّين السُّبكيُّ في «شرح التَّلخيص»: وعليه سؤالٌ؛ وهو أنَّ الإرادة إن أُخِذَت مطلقًا؛ لزم استحباب الاستعاذة بمجرَّد ذلك، وإن أُخِذَت الإرادة بشرطٍ اتِّصالها بالقراءة استحال تحقُّق العلم بوقوعها، ويمتنع حينئذٍ استحباب الاستعاذة قبل القراءة، قال في «المصابيح»: بقي عليه قسمٌ آخر باختياره يزول الإشكال؛ وذلك أنَّا لا نأخذ الإرادة مطلقًا، ولا نشترط اتِّصالها بالقراءة، وإنَّما نأخذها مقيَّدةً بألَّا يعِنَّ له (١) صارفٌ عن القراءة، فلا يلزم حينئذٍ استحباب الاستعاذة بعد طروء العزم على عدم القراءة، ولا يلزم أيضًا استحالة تحقُّق العلم بوقوعها، فزال الإشكال ولله الحمد. (وَمَعْنَاهَا) أي: الاستعاذةِ: (الاِعْتِصَامُ بِاللهِ) من وساوس الشَّيطان، والجمهور على أنَّ الأمر بها (٢) للاستحباب، والخطاب للرَّسول، والمراد منه الكلُّ لأنَّ الرَّسول إذا كان محتاجًا للاستعاذة عند القراءة؛ فغيره أَولى. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]) أي: (تَرْعَوْنَ) من سامَت الماشية أو أَسَامَها صاحبها. (﴿شَاكِلَتِهِ﴾) في سورة الإسراء [الآية: ٨٤] أي: على (نَاحِيَتِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «على (٣) نيته» بدل: «ناحيته»، أي: الَّتي تشاكل حاله في الهدى والضَّلال، وذكْر هذا هنا لعلَّه من ناسخٍ (٤)، وقوله: ﴿وَعَلَى اللّهِ﴾ (﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]: البَيَانُ) للطَّريق الموصل إلى الحقِّ؛ رحمةً منه وفضلًا. (الدِّفْءُ) في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]: (مَا اسْتَدْفَأْتَ) به ممَّا يقي البرد. (﴿تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦]) تردُّونها من (٥) مراعيها أو من مراحها (بِالعَشِيِّ وَ ﴿َسْرَحُونَ﴾)

стр. 8615

تخرجونها (١) (بِالغَدَاةِ) إلى المرعى. (﴿بِشِقِّ﴾) ﴿الأَنفُسِ﴾ [النحل: ٧] (يَعْنِي: المَشَقَّةَ) والكلفة. (﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]) أي: (تَنَقُّصٍ) شيئًا بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالهم حتَّى يهلكوا مِن: تخوَّفتُه إذا تنقَّصتَه (٢). ورُوِيَ بإسنادٍ فيه مجهولٌ: عن عمر أنَّه قال على المنبر: «ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخٌ من هذيلٍ فقال: هذه لغتنا؛ التَّخوُّف: التَّنقُّص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبيرٍ (٣) يصف ناقته (٤): تَخوَّف الرَّحلُ منها تامكًا قَرِدًا (٥) … كما تَخوَّف عودَ النَّبعة (٦) السَّفَنُ فقال عمر: أيُّها النَّاس؛ عليكم بديوانكم لا يضلُّ (٧)، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهليَّة (٨)؛ فإنَّ فيه تفسير كتابكم». وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي﴾ (﴿الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦] وَهْيَ) أي: الأنعام (تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَكَذَلِكَ النَّعَمُ) تُذكَّر وتُؤنَّث (الأَنْعَامُ): هي (٩) (جَمَاعَةُ النَّعَمِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «وكذلك النَّعم للأنعام» بحرف الجرِّ: «جماعةُ النَّعم» ومعنى ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي: دلالةً يعبر بها من الجهل إلى العلم،

стр. 8616

وذكَّر الضَّمير ووحَّده هنا في قوله: ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] للَّفظ، وأنَّثه في سورة المؤمنين للمعنى؛ فإنَّ الأنعام اسمُ جمعٍ؛ ولذلك عدَّه سيبويه في المفردات المبنيَّة على «أفعالٍ» كأخلاقٍ، ومَن قال: إنَّه جمع نَعَمٍ؛ جعل الضَّمير للبعض؛ فإنَّ اللَّبن لبعضها دون جميعها، أو لواحده، أو له (١) على المعنى، فإنَّ المراد به الجنس، قاله في «الأنوار». (﴿أَكْنَانًا﴾): يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١] (وَاحِدُهَا: كِنٌّ) بكسر الكاف (مِثْلِ: حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ) بكسر الحاء المهملة (٢)، أي: جعل مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها (٣)، وهذا ثابتٌ لأبي ذَرٍّ (٤). (﴿سَرَابِيلَ﴾) هي (٥) (قُمُصٌ) بضمِّ القاف والميم؛ جمع (٦): قميص (﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾) أي: والبرد، وخُصَّ الحرُّ بالذِّكر اكتفاءً بأحد (٧) الضِّدين عن (٨) الآخر، أو لأنَّ (٩) وقاية الحرِّ كانت عندهم أهمَّ، ولأبي ذَرٍّ هنا: «والقانت: المطيع» قاله ابن مسعود فيما رواه ابن مردويه، وفي رواية أبي ذَرٍّ في نسخةٍ آخرة (١٠) بعد قوله: «وقال ابن مسعودٍ: الأمة: معلِّم الخير»، وهي الأَولى

стр. 8617

(وَأَمَّا ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ فَإِنَّهَا الدُّرُوعُ [النحل: ٨١]) والسِّربال: يعمُّ كلَّ ما لُبِسَ من قميصٍ أو درعٍ أو جوشنٍ أو غيره. (﴿دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]) قال أبو عبيدة: (كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ فَهْوَ دَخَلٌ) بفتح الخاء، وقيل: الدَّخل والدَّغل: الغشُّ والخيانة، وقيل: الدَّخل: ما أُدخِل في الشَّيء على فسادٍ، وقيل: أن يُظهر الوفاء ويُبطن الغدر والنقض. (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ بإسنادٍ صحيحٍ في قوله تعالى: (﴿وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]: مَنْ وَلَدَ الرَّجُلُ) أي: وَلَد وَلَده أو بناتِه، فإنَّ الحافد هو المسرع في الخدمة، والبنات يخدمن في البيوت أتمَّ خدمةٍ، أو هم البنون أنفسهم، والعطف لتغاير الوصفين، أي: جعل لكم بنين خدمًا، وقيل: الحفدة: الأصهار، قال: فَلَوْ أَنَّ نَفْسِي طاوعَتْني لأَصْبَحتْ … لها حَفَدٌ مما يُعَدُّ (١) كثيرُ ولكنَّها نفسٌ عَلَيَّ أبيَّةٌ … عَيوفٌ لأصهارِ اللِّئامِ قَذورُ (السَّكَرُ) في قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧]: (مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا) أي: من (٢) ثمرات النَّخيل والأعناب، أي: من عصيرهما، و «السَّكر» مصدرٌ سُمِّي به الخمر؛ يقال: سَكَر يَسْكُر سَكْرًا وسَكَرًا (٣) نحو: رشَد يَرشُد رَشْدًا ورشَدًا، قال: وجَاؤُونَا لَهُمْ سَكَرٌ عَلَيْنا … فأجلى اليومَ والسَّكرانُ صَاحي (وَالرِّزْقُ الحَسَنُ) في قوله تعالى: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]: (مَا أَحَلَّ اللهُ) ولأبي ذَرٍّ: «ما أُحِلَّ» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به؛ وهو كالتَّمر والزَّبيب والدِّبس والخلِّ، والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالَّةٌ على كراهتها، وإلَّا فجامعةٌ بين العتاب والمنَّة.

стр. 8618

(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ: (عَنْ صَدَقَةَ) أبي الهذيل -لا صدقةَ ابن الفضل- المروزيِّ، أي: عن السُّدِّيِّ؛ كما عند ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: (﴿أَنكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]) قال: (هِيَ) امرأةٌ تُسمَّى (١) (خَرْقَاءُ) كانت بمكَّة (كَانَتْ إِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ) وفي «تفسير مقاتل»: أنَّ اسمها رَيْطَة بنت عمرِو بن كعب بن سعد بن زيد (٢) مناة بن تميمٍ، وعند البلاذُريِّ: أنَّها والدة أسد بن عبد العُزَّى بن قصيٍّ، وأنَّها بنت سعد بن تميم بن مرَّة، وعند غيره: وكان بها وسوسةٌ، وأنَّها اتَّخذت مغزلًا بقدر ذراعٍ، وصنارةً مثل الأصبع، وفلكةً عظيمة على قدرهما (٣)، وفي «غرر التِّبيان»: أنَّها كانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى نصف النَّهار، ثم تأمرهنَّ بنقض ذلك كلِّه، فهذا كان دأبها، والمعنى: أنَّها لم تكفَّ عن العمل، ولا حين عملت كفَّت عن النَّقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد، لا كففتم (٤) عن العهد، ولا حين عهدتم وفَّيتم به (٥) وَ ﴿أَنكَاثًا﴾ نصبٌ على الحال من غزلها، أو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿نَقَضَتْ﴾ فإنَّه بمعنى: صيَّرت. (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) فيما وصله الحاكم والفريابيُّ: (الأُمَّةُ) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] هو (مُعَلِّمُ الخَيْرِ) وفي «الكشَّاف» وغيره: أنَّه بمعنى: مأموم، أي: يؤمُّه النَّاس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى: مؤتمٌّ به: قال في «الأنوار»: فإنَّ النَّاس كانوا يؤمُّونه للاستفادة (٦) ويقتدون بسيرته لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فهو رئيس الموحِّدين وقدوة المحقِّقين ﷺ (وَالقَانِتُ) هو (المُطِيعُ) كما فسَّره به (٧) ابن مسعودٍ، أو

стр. 8619

هو القائم بأمر الله. وسبق ذكر هذا (١) قريبًا، وهذا ثابتٌ لأبي ذَرٍّ (٢). (١) (باب قوله تعالى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]) أي: أَرْدَئه، أو تسعون سنةً (٣)، أو ثمانون، أو خمسٌ وتسعون، أو خمسٌ وثمانون، أو خمسٌ وسبعون، وروى ابن مردويه من حديث أنسٍ: أنَّه مئة سنةٍ. ٤٧٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللهِ الأَعْوَرُ) النَّحويُّ البصريُّ (عَنْ شُعَيْبٍ) هو ابن الحَبْحَاب؛ بحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ وبعد الألف موحَّدةٌ (٤) أخرى (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) أي: في حقوق المال (وَ) من (الكَسَلِ) وهو التَّثاقل عمَّا لا ينبغي التَّثاقل عنه، ويكون لعدم انبعاث النَّفس للخير مع ظهور الاستطاعة (وَ) من (أَرْذَلِ العُمُرِ) أي: أخسِّه وهو الهرم الَّذي يشابه الطُّفوليَّة في نقصان القوَّة والعقل، وإنَّما استعاذ (٥) منه؛ لأنَّه من الأدواء الَّتي لا دواء لها، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق السُّدِّيِّ قال: أرذل العمر هو الخَرَف، والحاصل: أنَّ كبر السِّنِّ ربما يُورِث نقص العقل وتخابط الرَّأي، وغير ذلك مما يسوء به الحال (وَ) أعوذ بك من (عَذَابِ القَبْرِ) الإضافة هنا من إضافة المظروف إلى ظرفه، فهو على تقدير «في» أي: من العذاب في القبر، والأحاديث الصَّحيحة في إثباته متظاهرةٌ، فالإيمان به

стр. 8620

واجبٌ (وَ) من (فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) في حديث أبي أُمامة عند أبي داود وابن ماجه: «خطبنا رسول الله ﷺ … »، فذكر الحديثَ، وفيه: «أنَّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذريَّة آدم أعظم من فتنة الدَّجال» (وَ) من (فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ) أي: زمان الحياة والموت؛ وهو من أوَّل النَّزع وهَلُمَّ جرًّا، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، واستعملت في الشَّرع في اختبار كشف ما يُكرَه، يقال: فتنت الذَّهب؛ إذا أدخلته النَّار لتختبر جودته، و «فتنة المحيا»: هو (١) ما يُعرَض للإنسان في مدَّة حياته من الافتتان بالدُّنيا وشهواتها، وأعظمُها -والعياذ بالله تعالى- أمرُ الخاتمة عند الموت، و «فتنة الممات» (٢): قيل: كسؤال الملكَين ونحو ذلك ممَّا يقع في القبر، والمراد: من شرِّ سؤالهما، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالةَ، فلا يُدعى برفعه، فيكون عذاب القبر مسببًّا عن ذلك، والسَّبب غير المسبب، وقيل: المراد: الفتنةُ قبيل الموت، وأُضِيفَت إليه لقربها (٣) منه، وكان ﷺ يتعوَّذ من المذكورات؛ دفعًا عن أمَّته وتشريعًا لهم ليبين لهم صفة المهمِّ (٤) من الأدعية، جزاه الله عنَّا ما هو أهله. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الدَّعوات». (((١٧))) (٥) (سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ) مكِّيَّةٌ، قيل: إلَّا قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آياتٍ، وهي مئةٌ وعشر آياتٍ، وزاد أبو ذَرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت لغيره. ٤٧٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ)

стр. 8621

عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) النَّخعيَّ الكوفيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁ قَالَ فِي) سورة (بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ) سورة (الكَهْفِ وَ) سورة (مَرْيَمَ) وزاد في «سورة الأنبياء» [خ¦٤٧٣٩] و «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩٣]: «وطه والأنبياء» (إِنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقيَّة؛ جمع عتيقٍ، والعرب تجعل كلَّ شيءٍ بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، و «الأُوَّل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو المخفَّفة، والأوَّليَّة باعتبار حفظها، أو باعتبار نزولها؛ لأنَّها مكِّيَّاتٌ (١)، ومراده (٢): تفضيل هذه السُّور لِمَا يتضمَّن مفتَتَح كلٍّ منها بأمرٍ غريبٍ وقع في العالم خارق للعادة؛ وهو الإسراء وقصَّة أصحاب (٣) الكهف وقصَّة مريم، قاله الكِرمانيُّ (وَهُنَّ (٤) مِنْ تِلَادِي) بكسر الفوقيَّة وتخفيف اللَّام وبعد الألف دالٌ مهملةٌ فتحتيَّةٌ، ممَّا حفظته قديمًا، ضدُّ (٥) الطَّارف، ومراده: أنَّهن من أوَّل ما تعلَّم من القرآن، وأنَّ لهنَّ فضلًا لِمَا فيهنَّ من القصص وأخبار الأنبياء والأمم كما مرَّ، وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد: «كان رسول الله ﷺ يقرأ كلَّ ليلةٍ (٦) بني إسرائيل والزُّمر». (﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ ابن أبي طلحة عنه معناه (٧): (يَهُزُّونَ) رؤوسهم، ومن طريق العوفيِّ عنه: يحرِّكونها استهزاءً، ولغير أبي ذَرٍّ: «قال ابن عبَّاسٍ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ (٨)﴾: يهزُّون» (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ: (نَغَضَتْ سِنُّكَ) بفتح الغين المعجمة، ولأبي ذَرٍّ: «نغضت» بكسرها (أَيْ: تَحَرَّكَتْ) قاله أبو عبيدة، وزاد: «وارتفعت من أصلها».

стр. 8622

(٢) (﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]) قال أبو عبيدة أي: (أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ) والمرَّتين في الآية: أولاهما: قتل زكريَّا وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله، والآخرة: قتل يحيى بن زكريَّا وقصد قتل عيسى ابن مريم (وَالقَضَاءُ) يأتي (عَلَى وُجُوهٍ) كثيرةٍ (﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣]) أي: (أَمَرَ رَبُّكَ) أمرًا مقطوعًا به، وسقط لفظ «ربُّك» لأبي ذَرٍّ (وَمِنْهُ الحُكْمُ) كقوله تعالى: (﴿رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ (١) [يونس: ٩٣]) أي: يحكم بينهم (وَمِنْهُ الخَلْقُ) كقوله تعالى: (﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]) زاد أبو ذَرٍّ: «خلقهنَّ». (﴿نَفِيرًا﴾) في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] قال أبو عبيدة: أصلُه (مَنْ يَنْفُِرُ مَعَهُ) أي: مع الرَّجل من قومه وعشيرته، وقيل: جمع نفرٍ؛ وهم المجتمعون للذَّهاب إلى العدوِّ، وفاءُ «ينفُِر» بالكسر والضَّمِّ. (﴿مَّيْسُورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]: (ليِّنًا) ابتغاء رحمة الله

стр. 8623

برحمتك عليهم، وثبتت هذه هنا لأبي ذَرٍّ، وتأتي بعدُ إن شاء الله تعالى. (﴿وَلِيُتَبِّرُواْ﴾) أي: (يُدَمِّرُوا ﴿مَا عَلَوْاْ (١)﴾ [الإسراء: ٧]) من التَّدمير؛ وهو الإهلاك، أي: ليهلكوا ما غلبوه واستولوا عليه. (﴿حَصِيرًا﴾) في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي: (مَحْبِسًا) بفتح الميم وكسر الموحَّدة، لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد (مَحْصَرًا) بفتح الميم والصَّاد المهملة: اسمٌ لموضع الحصر. (﴿حَقَّ﴾) ﴿عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] أي: (وَجَبَ) عليها كلمة العذاب السَّابقة (﴿مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]) أي: (لَيِّنًا) وسبق قريبًا. (﴿خِطْأً﴾) من قوله: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً﴾ [الإسراء: ٣١] أي: (إِثْمًا؛ وَهْوَ) أي: الخطأ: (اسْمٌ مِنْ «خَطِئْتُ»، وَالخَطَأُ مَفْتُوحٌ: مَصْدَرُهُ مِنَ الإِثْمِ، خَطِئْتُ) بكسر الطَّاء (٢) (بِمَعْنَى: أَخْطَأْتُ) كذا قاله أبو عبيدة، وتبعه المؤلِّف رحمهما الله، وتُعُقِّب بأنَّ جعله ﴿خِطْأً﴾ بكسر الخاء اسمُ مصدرٍ ممنوعٌ، وإنَّما هو مصدر خَطِئَ يخطأ، كأَثم يأثَم إثمًا؛ إذا تعمَّد الذَّنب، وبأنَّ دعواه أنَّ ﴿خِطْأً﴾ المفتوحَ الخاءِ والطَّاءِ -وبها قرأ ابن ذكوان- مصدرٌ بمعنى الإثم ليس كذلك، وإنَّما هو اسم مصدرٍ من: أخطأ يخطئ إخطاءً؛ إذا لم يُصِبْ، والمعنى فيه: أنَّ قتلهم كان غير صوابٍ، وبأنَّ قوله: «خَطِئتُ» بمعنى: «أخطأت» خلافُ قول أهل اللُّغة (٣): خَطِئ: أثم وتعمَّد الذنب، وأَخطَأ؛ إذا لم يتعمَّد. (﴿تَخْرِقَ﴾) في قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أي: لن (تَقْطَعَ) الأرض لشدَّة وطأتك، وسقط هذا لأبي ذَرٍّ.

стр. 8624

(﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] مَصْدَرٌ مِنْ (١): نَاجَيْتُ، فَوَصَفَهُمْ بِهَا) أي: بالنَّجوى، فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغةً، أو على حذف مضافٍ، أي: ذوو (٢) نجوى، ويجوز أن يكون جمع نجيٍّ؛ كقتيلٍ وقتلى (وَالمَعْنَى: يَتَنَاجَوْنَ). وقوله: (﴿وَرُفَاتًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] أي: (حُطَامًا) وقال الفرَّاء: هو التُّراب، ويؤيِّده أنَّه قد تكرَّر في القرآن ﴿تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [المؤمنون: ٨٢]. (﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾) أي: (اسْتَخِفَّ) الَّذي استطعت استفزازه منهم (﴿بِخَيْلِكَ﴾: الفُرْسَانِ) بالجرِّ، فالخيل: الخيَّالة، ومنه قوله ﵊: «يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي» (وَالرَّجْلُ) بفتح الرَّاء وسكون الجيم، يريد قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] ولأبي ذَرٍّ: «والرِّجال» بكسر الرَّاء وتخفيف الجيم: هو (الرَّجَّالَةُ) بفتح الرَّاء وتشديد الجيم (وَاحِدُهَا: رَاجِلٌ) ضدُّ الفارس (مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ)، قاله أبو عبيدة. (﴿حَاصِبًا﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] هو (٣) (الرِّيحُ العَاصِفُ) أي: الشَّديد، ولم يؤنِّثه لأنَّه مجازيٌّ (وَالحَاصِبُ أَيْضًا: مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) أي: (يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ) بضمِّ الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (وَهْوَ) أي: الشَّيء الَّذي يُرمى به، ولأبي ذَرٍّ: «وهم»، أي: القوم الَّذين يرمون فيها (حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ) أي: (ذَهَبَ) فيها (وَالحَصَبُ) محرَّكًا: (مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصْبَاءِ وَالحِجَارَةِ) قال العينيُّ: لم يُرِد بالاشتقاق الاشتقاقَ المصطَلَح عليه؛ أعني: الاشتقاق الصَّغير لعدم صدقه عليه، وتفسير الحصباء بالحجارة هو من تفسير الخاصِّ بالعامِّ، قالوا: والحصب: الرَّمي بالحصباء؛ وهي الحجارة الصِّغار، قال الفرزدق: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّامِ تضربُهم … حصباءُ مثلُ نَديفِ القُطنِ مَنْثورُ

стр. 8625

ولغير أبي ذَرٍّ: «والحصباء والحجارة» بزيادة واو. (﴿تَارَةً﴾) في قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً (١)﴾ [الإسراء: ٦٩] أي: (مَرَّةً) فهي مصدرٌ (وَجَمَاعَتُهُ) أي: لفظ «تارةً»: (تِيَرَةٌ) بكسر الفوقيَّة وفتح التَّحتيَّة (وَتَارَاتٌ) قال الشَّاعر: وَإِنْسانُ عَيْني يَحْسِرُ الماءَ تارةً … فيبدو وَتَاراتٍ يَجمُّ فَيَغْرقُ وألفها يحتمل أن تكون عن واوٍ أو ياءٍ (٢)، قال الرَّاغب: وهو فيما قيل من تَارَ الجرح؛ بمعنى: اِلتأمَ. (﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾) في قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي: (لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ) أي: بالإغواء، وقيل: لأستولينَّ عليهم استيلاء من جعل في حنك الدَّابة حبلًا يقودها، فلا تأبى ولا تشمس عليه (يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ) أي: (اسْتَقْصَاهُ) وعن مجاهدٍ فيما رواه سعيد بن منصورٍ ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأحتوينَّ، قال: يعني: شبه الزِّناق، وقال ابن زيدٍ: لأُضِلَّنَّهم، وكلُّها متقاربةٌ. (﴿طَآئِرَهُ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]: هو (حَظُّهُ) بالحاء المهملة والظَّاء المعجمة، وقال ابن عبَّاسٍ: «خيره وشرُّه مكتوبٌ عليه لا يفارقه» وقال الحسن -فيما رواه السَّمرقنديُّ-: عمله. زاد في «الأنوار»: وما قُدِّر له، كأنَّه طير إليه من عُشِّ الغيب، والمعنى: أنَّ عمله لازمٌ له لزوم القلادة أو الغلِّ (٣) لا ينفك عنه، وخصَّ العنق حيث قال: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ من بين سائر الأعضاء؛ لأنَّ الَّذي عليه إمَّا أن يكون خيرًا يَزِينه، أو شرًّا يَشِينه، وما يزيِّن يكون كالطَّوق والحُليِّ، وما يشين يكون كالغلِّ. (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن عيينة في «تفسيره» في قوله: ﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] وقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]: (كُلُّ سُلْطَانٍ) ذُكِرَ (فِي القُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ) فمعنى: ﴿سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ حجَّةٌ ينصرني على مَن خالفني، و ﴿جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ حجَّةً يتسلَّط بها على المؤاخذة بمقتضى القتل.

стр. 8626

(﴿وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ﴾ [الإسراء: ١١١]) أي: (لَمْ يُحَالِفْ) بالحاء المهملة، أي: لم يوالِ (أَحَدًا) من أجل مذلَّةٍ به ليدفعها بموالاته. (٣) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾) محمَّدٍ ﷺ بجسده وروحه يقظةً (﴿لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]) مسجد مكَّة بعينه؛ لحديث أنسٍ المرويِّ في «الصَّحيحين» وسَرَى وأسرى بمعنًى، وقال: ﴿لَيْلاً﴾ بلفظ التَّنكير، قال الزَّمخشري: ليفيد تقليل مدَّة الإسراء، وأنَّه أُسرِيَ به في بعض اللَّيل من مكَّة إلى الشَّام مسيرة أربعين ليلةً، فدلَّ على (١) أنَّ التَّنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: (من اللَّيل) أي: بعضه؛ كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]. انتهى. قال صاحب «الدُّرِّ»: فيكون سرى وأسرى؛ كسقى وأسقى، والهمزة ليست للتَّعدية، وإنَّما المعدِّي الباءُ في ﴿بِعَبْدِهِ﴾ وقد تقرَّر أنَّها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور خلافًا للمبرِّد، وزعم ابن عطيَّة: أنَّ مفعول ﴿أَسْرَى﴾ محذوفٌ، وأنَّ التَّعدية بالهمزة، أي: أسرى الملائكةَ بعبده؛ لأنَّه يقلق (٢) أن يُسنِد

стр. 8627

«أسرى» وهو بمعنى «سرى» إلى الله تعالى؛ إذ هو (١) فعلٌ يقتضي النُّقلة؛ كمشى وانتقل، فلا يحسن إسناد شيءٍ من هذا مع وجود مندوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشَّريعة (٢) شيءٌ من ذلك تأوَّلناه؛ نحو: «أتيته هرولةً» قال شهاب الدِّين (٣): وهذا كلُّه إنَّما بناه اعتقادًا على أنَّ التَّعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وهذا شيءٌ ذهب إليه المبرِّد، فإذا قلت: قمت بزيد؛ لزم منه قيامك وقيام زيدٍ عنده، وهذا ليس كذلك، التبستْ عنده باءُ التَّعدية بباء الحال، فباء الحال تلزم فيها (٤) المشاركة؛ إذ المعنى: قمت ملتبسًا بزيدٍ، وباء التَّعدية مرادفةٌ للهمزة، فقمت بزيدٍ والباء للتَّعدية؛ كقولك: أقمت زيدًا، ولا يلزم من إقامتك هو أن تقوم أنت، وأيضًا فموارد القرآن في ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة ووصلها تقتضي أنَّهما بمعنًى واحدٍ، ألا ترى أنَّ قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: ٨١] و ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧] قرئ بالقطع والوصل، ويبعد مع القطع تقدير مفعولٍ محذوفٍ؛ إذ لم يصرَّح به في موضعٍ فيستدلُّ بالمصرَّح على المحذوف، قاله أبو حيَّان، وقد تقدَّم الرَّدُّ على هذا المذهب، وقال صاحب «فتوح الغيب»: ويمكن أن يُراد بالتَّنكير في ﴿لَيْلاً﴾ التَّعظيم والتَّفخيم، والمقام يقتضيه، ألا ترى كيف افتتح السُّورة بالكلمة المنبئة عنه، ثمَّ وصف المسرَى به (٥) بالعبوديَّة، ثمَّ أردف تعظيم المكانين بالحَرَام وبالبركة لِمَا حوله تعظيمًا للزَّمان، ثمَّ تعظيم الآيات بإضافتها إلى صيغة التَّعظيم، وجَمَعَها ليشمل جميع أنواع الآيات، وكلُّ ذلك شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، والمعنى: ما أعظمَ شأن مَن أسرى بمَن حُقِّق له مقام العبوديَّة، وصُحِّح استئهاله للعناية السَّرمديَّة، أي: ليلٌ له شأنٌ جليلٌ، ليلٌ (٦) دنا فيه الحبيب من المحبوب، وفاز في مقام الشُّهود بالمطلوب ﴿فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ فحينئذٍ ينطبق عليه التَّعليل بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] أي: السَّميع بأحوال ذلك العبد، والبصير بأفعاله العالم بكونها مهذَّبةً خالصةً عن شوائب الهوى، مقرونةً بالصِّدق والصَّفا، مستأهلةً

стр. 8628

للقرب (١)، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ. ٤٧٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (ح) مهملةٌ لتحويل السَّند، قال المؤلف بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو (٢) جعفر المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بن خالد بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد (٣) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) من المسجد الحرام وهو (بِإِيلِيَاءَ) بكسر الهمزة واللَّام بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ ممدودًا، بيت المقدس (بِقَدَحَيْنِ) أحدهما: (مِنْ خَمْرٍ، وَ) الآخر: (من لَبَنٍ، فَنَظَرَ) ﵊ (إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ) وترك الخمر، وإسقاط إناء العسل المذكور في الرِّوايات الأخرى اختصارٌ من الرَّاوي أو نسيانٌ، ولا تنافيَ في ذلك (قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال» (جِبْرِيلُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ) الإسلاميَّة (لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ؛ غَوَتْ أُمَّتُكَ) بحذف اللَّام من «لَغَوَتْ»، قال ابن مالكٍ فيما نقله (٤) عنه في «المصابيح»: يظنُّ بعض النَّحويين أنَّ لام (٥) جواب «لو» -في نحو: لو فعلتَ؛ لفعلتُ- لازمةٌ، والصَّحيح: جواز حذفها في أفصح الكلام؛ نحو: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧].

стр. 8629

وهذا الحديث (١) أخرجه المؤلَّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٥٧٦]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ فيه. ٤٧١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ) في (٢) خبر الإسراء؛ كما سيأتي إن شاء الله قريبًا، وللحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «كذَّبتني» بتاء التَّأنيث (قُمْتُ فِي الحِجْرِ) بكسر الحاء وسكون الجيم، الَّذي أكثره من الكعبة، وكانوا سألوه أن ينعت لهم المسجد الأقصى، وفيهم مَن رآه وعرفه (فَجَلَّى اللهُ) بالجيم وتشديد اللَّام، أي: كشف (لِي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ) أي: شرعت وأخذت (أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) أي: علاماته (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) زاد في حديث ابن عبَّاسٍ عند النَّسائيِّ: فقال القوم: أمَّا النَّعتُ فقد أصاب (زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ فقال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ: (لَمَّا كَذَّبَنِي) ولأبي ذَرٍّ: «كذَّبتني» (قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث السَّابق (٣) وهذه الرِّواية (٤) وصلها الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن يعقوب. (﴿قَاصِفا﴾) ﴿مِّنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩] هو (رِيحٌ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ) تمرُّ به؛ من «قَصَفَ» متعدِّيًا، وهذه ساقطةٌ لأبي ذَرٍّ.

стр. 8630

(٤) (﴿كَرَّمْنَا﴾) ولأبي ذَرٍّ: «باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]» كرَّمنا (وَأَكْرَمْنَا وَاحِدٌ) وهو مِن «كَرُم» بالضَّمِّ؛ كشَرُفَ، والمعنى: جعلنا لهم كَرَمًا، أي: شَرَفًا وفضلًا، وهذا كرمُ نفيِ النُّقصانِ لا كرم المال، وتكريمهم -كما قال في «الأنوار» - بحسن الصُّورة، والمزاج الأعدل، واعتدال القامة، والتَّمييز (١) بالعقل، والإفهام بالنُّطق والإشارة والخطِّ، والهَدْي إلى أسباب المعاش والمعاد، والتَّسلُّط على ما في الأرض، والتَّمكُّن من الصِّناعات إلى ما يعود عليهم بالمنافع … إلى غير ذلك ممَّا يقف الحصر دون إحصائه، واستُدِلَّ بالآية على طهارة ميتة الآدميِّ؛ لأنَّ قضيَّة تكريمه ألَّا يُحكَم بنجاسته بالموت؛ كما نصَّ عليه في «الأمِّ»، ولأنَّه ﷺ قبَّل عثمان بن مظعونٍ بعد موته ودموعُه تجري على خدِّه، فلو كان نجسًا لَمَا قبَّله مع ظهور رطوبته، ولأنَّا تُعُبِّدنا بغسله، والنَّجِس لا يُتَعَبَّد بغسله؛ لأنَّ غسله يزيد النَّجاسة، وسواءٌ المسلم والكافر، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد نجاسة الاعتقاد، أو اجتنابهم كالنَّجس لا نجاسة الأبدان. (﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ [الإسراء: ٧٤] أي لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنةٍ لأذقناك (عَذَابَ الحَيَاةِ (٢)) أي: (وَعَذَابَ المَمَاتِ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾» بدل «وعذاب الممات» (٣)،

стр. 8631

أي: ضعف ما يُعذَّب به في الدَّارين بمثل هذا الفعل غيرك؛ لأنَّ خطأ الخطير أخطر، وكان أصل الكلام: عذابًا ضعفًا في الحياة، وعذابًا ضعفًا في الممات؛ بمعنى: مضاعفًا، ثمَّ حذف الموصوف، وأقيمت الصِّفة مُقامه، ثمَّ أُضِيفَت الصِّفة إضافةَ الموصوف، فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات؛ كما لو قيل: لأذقناك أليمَ الحياة وأليم الممات، وفي قوله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٧٤]: تصريحٌ بأنَّه ﷺ ما همَّ بإجابتهم مع قوَّة الدَّاعي إليها، وفيه تخويفٌ لأمَّته؛ لئلَّا يركن أحدٌ من المسلمين إلى أحدٍ من المشركين، فافهم واعمل. (﴿خِلافَكَ﴾ وَ ﴿خِلافَكَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والأُولى؛ بكسر الخاء وفتح اللَّام وألفٍ بعدها، وهي قراءة ابن عامرٍ وحفصٍ وحمزة والكسائيِّ، والأخرى بفتحٍ فسكون، وهما (سَوَاءٌ) في المعنى، أي: لا يبقون بعد خروجك من مكَّة إلَّا زمنًا قليلًا، وقد كان كذلك، فإنَّهم أُهلِكوا ببدرٍ بعد هجرته بسنةٍ. (﴿وَنَأَى﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى﴾ [الإسراء: ٨٣] قال أبو عبيدة أي: (تَبَاعَدَ) ومنه: النُّؤي لحفرةٍ (١) حول الخباء تباعد الماء عنه، وقرأ ابن ذكوان بتقديم الألف على الهمزة بوزن: شاء، مِن: ناء ينوء؛ إذا نهض، وأظنُّها رواية غير أبي ذَرٍّ في البخاريِّ. (﴿شَاكِلَتِهِ﴾) في قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] قال ابن عبَّاس فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه (٢)، أي: على (نَاحِيَتِهِ) وزاد أبو عبيدة: و «خليقته» (وَهْيَ) أي: الشَّاكلة مشتقَّةٌ (مِنْ شَكْلِهِ) بفتح الشِّين؛ وهو المِثْل، قال امرؤ القيس: حَيِّ الحُمولَ بِجَانِبِ العَزلِ … إِذْ لا يُلائِمُ شَكْلها شَكْلِي أي: لا يلائم مثلها مثلي، ولأبي ذَرٍّ: «مِن: شَكَلتُه» إذا قيَّدتَه، قال في «الدُّرِّ»: والشَّاكلة

стр. 8632

أحسنُ ما قيل فيها ما قاله في «الكشَّاف»: إنَّها مذهبه الَّذي يشاكل حاله في الهدى والضَّلالة؛ من قولهم: طريقٌ ذو شواكل؛ وهي الطُّرق الَّتي تشعَّبت منه، والدَّليل عليه قوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٤] وقال الرَّاغب: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي: سجيَّته الَّتي قيَّدتْه، من شكلت الدَّابة، وذلك أنَّ سلطان السَّجيَّة على الإنسان قاهرٌ. (﴿صَرَّفْنَا﴾ [الإسراء: ٨٩]) ﴿لِلنَّاسِ﴾ قال أبو عبيدة أي: (وَجَّهْنَا) وبيَّنا، وفي مفعوله وجهان: أحدهما أنَّه مذكورٌ، و «في»: مزيدة، أي: ولقد صرفنا هذا القرآن، الثَّاني أنَّه محذوفٌ، أي: ولقد صرَّفنا أمثاله ومواعظه وقصصه وأخباره وأوامره. (﴿قَبِيلاً﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] قال أبو عبيدة أي: (مُعَايَنَةً وَمُقَابَلَةً) أو معناه: كفيلًا بما تدَّعيه (وَقِيلَ: القَابِلَةُ): المرأة التي تتولَّى ولادة المرأة (لأَنَّهَا مُقَابِلَتُهَا، وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا) أي: تتلقَّاها عند الولادة، قال الأعشى: كَصَرْخَةِ حُبلى بشَّرتْها قبيلُها .......................... أي: قابلتها. (﴿خَشْيَةَ الإِنفَاقِ﴾) في قوله: ﴿إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] يقال (١): (أَنْفَقَ الرَّجُلُ) أي: (أَمْلَقَ) والإملاق: الفاقة (وَنَفَِقَ الشَّيْءُ) بكسر الفاء مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (٢)، أي: (ذَهَبَ) وفي حاشيةٍ موثوقٍ بها في «اليونينيَّة» (٣): «نَفَقَ الشَّيءُ» بفتح الفاء هي اللُّغة الفصحى، ويقال: بكسرها وليست بالعالية، وفي «الصَِّحاح»: أنفق الرَّجل، أي: افتقر وذهب ماله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ﴾. (﴿قَتُورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] قال أبو عبيدة أي: (مُقَتِّرًا) مِن الإقتار، أي: بخيلًا، يريد: أنَّ في طبعه ومنتهى نظره أنَّ الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسكَ خشية الفقر.

стр. 8633

(﴿لِلأَذْقَانِ﴾) في قوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١)﴾ [الإسراء: ١٠٧] هي (مُجْتَمَعُ اللَِّحْيَيْنِ) اسم مكانٍ؛ بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية، أي: محلُّ اجتماع اللَّحيين؛ بفتح اللَّام وقد تُكسَر، تثنية لَحْي (٢)؛ وهو العظم الَّذي عليه الأسنان (وَالوَاحِدُ ذَقَنٌ) بفتح المعجمة والقاف، والمعنى: يسقطون على وجوههم تعظيمًا لأمر الله وشكرًا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثة محمَّدٍ ﷺ على فترةٍ من الرُّسل وإنزال القرآن عليه، قاله القاضي، وسقط واو «والواحد» لأبي ذَرٍّ (٣). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نُجيحٍ عنه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء﴾ (﴿مَّوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣]) أي: (وَافِرًا) مكمَّلًا (٤)، والمراد: جزاؤك وجزاؤهم لكنَّه غَلَّبَ المخاطب على الغائب. (﴿تَبِيعًا﴾) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أي (ثَائِرًا) أي: طالبًا للثأر منتقمًا، وهذا تفسير مجاهدٍ وصله عنه الطَّبريُّ (٥) من الطَّريق السَّابق (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما (٦) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿تَبِيعًا﴾ أي: (نَصِيرًا). وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا﴾ (﴿خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧]) أي: (طَفِئَتْ) بفتح الطَّاء وكسر الفاء وفتح الهمزة، قالوا: خبتِ النَّارُ؛ إذا سكن لهبها والجمر على حاله، وخمدت النَّار (٧) إذا سكن الجمر وضعف (٨) وهمدت إذا طُفِئَت جملةً، والمعنى: كلَّما أكلت النَّار جلودهم ولحومهم؛ زدناهم سعيرًا، أي: توقُّدًا بأن تُبدَّل (٩) جلودهم ولحومهم، فترجع ملتهبةً مستعرةً، كأنَّهم لَمَّا

стр. 8634

كذَّبوا بالإعادة بعد الإفناء؛ جزاهم الله بألَّا يزالوا على الإعادة والإفناء. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ (١) من طريق عطاءٍ عنه في قوله تعالى: (﴿وَلَا تُبَذِّرْ﴾ [الإسراء: ٢٦]) أي: (لَا تُنْفِقْ فِي البَاطِلِ) وأصل التَّبذير: التَّفريق، ومنه: البذر لأنَّه يُفرِّق في الأرض للزِّراعة، قال: تَرائبُ يستضيءُ (٢) الحَلْيُ فيها … كَجَمرِ النَّارِ بُذِّر في الظَّلامِ ثمَّ غلب في الإسراف في النَّفقة، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «خَبَت: طُفِئَت». وقال ابن عبَّاس: (﴿ابْتِغَاء رَحْمَةٍ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ﴾ [الإسراء: ٢٨] قال ابن عبَّاسٍ فيما رواه الطَّبريُّ أي: ابتغاء (رِزْقٍ) من الله ترجوه أن يأتيك. (﴿مَثْبُورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، قال ابن عبَّاسٍ أي: (مَلْعُونًا) وقال مجاهدٌ: هالكًا، ولا ريب أنَّ الملعون هالكٌ. (﴿لَا تَقْفُ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ أي: (لَا تَقُلْ) ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] تقليدًا ورجمًا بالغيب، وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ. (﴿فَجَاسُواْ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥] أي: (تَيَمَّمُوا) أي: قصدوا وسطها للقتل والإغارة. (يُزْجِي الفُلْكَ) في قوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [الإسراء: ٦٦] أي: (يُجْرِي الفُلْكَ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ. (﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ أي: (لِلْوُجُوهِ) وعن معمرٍ عن الحسن: لِلِّحى؛ وهذا موافقٌ لِمَا مرَّ في تفسيره قريبًا.

стр. 8635

(٤ م) (باب قَوْله) جلَّ وعلا: (﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾) أي: أهلها (﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ الاية [الإسراء: ١٦]) واختُلِفَ في متعلَّق الأمر هنا؛ فعن ابن عبَّاسٍ وغيره: أنَّه (١) أمرْنا متنعِّميها (٢) بالطَّاعة، أي: على لسان رسولٍ بعثناه إليهم ففسقوا، وردَّه في «الكشَّاف» ردًّا شديدًا، وأنكره إنكارًا بليغًا في كلامٍ طويلٍ، حاصلُه: أنَّه حذف ما لا دليل عليه؛ وهو غير جائزٍ، وقدَّر «هو» متعلَّق الأمر (٣): الفسق، أي: أمرناهم بالفسق ففعلوا، والأمر مجازٌ؛ لأنَّ حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فبقي (٤) أن يكون مجازًا، ووجه المجاز: أنَّه صبَّ عليهم النِّعمة صبًّا، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتِّباع الشَّهوات، فكأنَّهم مأمورون بذلك؛ لتسَبُّب إبلاءِ النِّعمة فيه، وإنَّما خوَّلهم إيَّاها ليشكروا، فآثروا الفسوق، فلمَّا فسقوا؛ حقَّ عليهم (٥) القول -وهي كلمة العذاب- فدمَّرهم، وأجاب في «البحر»: بأنَّ قوله: لأنَّ حذف ما لا دليل عليه غير جائزٍ: تعليلٌ لا يصحُّ فيما نحن بسبيله، بل ثمَّ ما يدلُّ على حذفه؛ لأنَّ حذف الشَّيء تارةً يكون لدلالة موافقِهِ عليه، ومنه ما مُثِّل به هو في قوله في جملةِ هذا المبحث (٦): أمرته فقام، وأمرته فقرأ، وتارةً يكون لدلالة خلافه أو ضدِّه أو نقيضه، فمِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] أي: ما سكن وما تحرَّك، و ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وتقول: أمرته فلم يُحسِنْ، فليس المعنى أمرته بعدم الإحسان فلم يحسن، بل المعنى أمرته بالإحسان فلم يحسن، وهذه الآية مِن هذا القبيل، يستدلُّ على حذف النَّقيض بإثبات نقيضه، ودلالة النَّقيض على النَّقيض؛ كدلالة النَّظير على النَّظير، وهذا الباب مع ما ذكره من

стр. 8636

قوله: «﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾ … » إلى آخره ثابتٌ عن أبي ذَرٍّ بهامش الفرع هنا، وبعد قوله السَّابق: «﴿مَثْبُورًا﴾: ملعونًا» ونبَّه محرِّره ومقابله العلامَّة محمَّدٌ المزيُّ أنَّه وُجِدَ كذا في الموضعين من «اليونينيَّة». ٤٧١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَقُولُ لِلْحَيِّ) أي: للقبيلة (إِذَا كَثُرُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ أَمِرَ) بفتح الهمزة وكسر الميم (بَنُو فُلَانٍ) وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (وَقَالَ) أي: الحميديُّ عن سفيان: (أَمِرَ) بكسر الميم كالأوَّل، كذا في فرعين «لليونينيَّة» كـ «الأصل» (١)، وقال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: إنَّ الأُولى بكسر الميم، والثَّانية بفتحها، وهما لغتان صحيحتان (٢)، وبالفتح قرأ الجمهور الآية، وقرأها ابن عبَّاسٍ بالكسر، ويعقوب بمدِّ الهمزة وفتح الميم، ومجاهدٌ بتشديد الميم (٣) من الإمارة، والحاصل: أَنَّ سياق المؤلِّف لحديث ابن مسعودٍ؛ لينبِّه على أنَّ معنى ﴿أَمَرْنَا﴾ [الإسراء: ١٦] في الآية: كثَّرنا مترفيها؛ وهي لغةٌ حكاها أبو حاتمٍ، ونقلها الواحديُّ عن أهل اللُّغة، وقال أبو عبيدة: مَن أنكرها لم يُلتفت إليه لثبوتها في اللُّغة. (٥) (باب) قوله تعالى: (﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾) بنصب ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ على الاختصاص، أو على البدل مِن ﴿وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٢] أي: لا تتَّخذوا من دوني وكيلًا (٤) ذرِّيَّة مَن حملنا مع نوحٍ (٥)

стр. 8637

(﴿إِنَّهُ﴾) أي: إنَّ نوحًا (﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]) قال الحافظ ابن كثيرٍ: وقد ورد في الحديث والأثر عن السَّلف: أنَّ نوحًا ﵇ كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كلِّه؛ فلهذا (١) سُمِّي عبدًا شكورًا، وصحَّح ابن حبَّان من حديث سلمان: «كان نوحٌ إذا طعم أو لبس؛ حمد الله، فسُمِّي عبدًا شكورًا» وله شاهدٌ عند ابن مردويه من حديث معاذ بن أنسٍ، وفيه تهييجٌ على الشُّكر على النِّعم، لا سيَّما نعمة الإسلام ومحمَّدٍ ﷺ ، وسقط «باب» لغير أبي ذَرٍّ.

стр. 8638

٤٧١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ أيضًا قال (١): (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المشدَّدة يحيى بن سعيد بن حيَّان (التَّيْمِيُّ) تيم الرَّباب، الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ (بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذَرٍّ: «عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ أُتي» (بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) قال السَّفاقسيُّ: الصَّواب: «فرفعت إليه الذِّراع» (وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) لزيادة لذَّتها (فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) بالسِّين المهملة فيهما، أي: أخذ منها بأطراف أسنانه، ولأبي ذَرٍّ: «فنهش منها نهشةً» بالمعجمة، أي: بأضراسه أو بجميع أسنانه (ثُمَّ قَالَ) إعلامًا لأمَّته بقدره عند الله ليؤمنوا به كغيره ممَّا جاء به من الواجبات: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) آدمَ وجميعِ ولده (يَوْمَ القِيَامَةِ) وتخصيصه بـ «القيامة» يلزم منه ثبوت سيادته في الدُّنيا بطريق الأَولويَّة، ونهيه عن التَّفضيل على طريق التَّواضع (وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟) ولأبي ذَرٍّ: «ممَّ ذاك» بالألف بدل اللَّام (يُجْمَعُ النَّاسُ) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، وللكشميهنيِّ والمُستملي: «يجمع اللهُ النَّاس» (الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أرضٍ واسعةٍ مستويةٍ

стр. 8639

(يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي) بضمِّ الياء؛ مِن الإسماع (وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ) بفتح الياء وسكون النُّون والذَّال المعجمة، أي: يحيط بهم لا يخفى عليه منهم شيءٌ؛ لاستواء الأرض وعدم الحجاب (وَتَدْنُو الشَّمْسُ) وفي «الزُّهد» لابن المبارك، و «مصنَّف ابن أبي شيبة» واللَّفظ له بسندٍ جيِّدٍ عن سلمان قال: «تُعطَى الشَّمس يوم القيامة حرَّ عشر سنين (١)، ثمَّ (٢) تدنو من جماجم النَّاس حتَّى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتَّى يرشح العرق في الأرض قامةً، ثمَّ يرتفع حتَّى يغرغر الرَّجل» زاد ابن المبارك في روايته: «ولا يضرُّ حرُّها يومئذٍ مؤمنًا ولا مؤمنةً» (فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟) بفتح همزة «أَلا» وتخفيف لامها في الموضعين، وهي للعرض والتَّحضيض (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال الكِرمانيُّ: الإضافة إلى الله تعالى؛ لتعظيم المضاف وتشريفه (وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ) وزاد في رواية همام في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٤٠]: «وأسكنك جنَّته، وعلَّمك أسماء كلِّ شيءٍ» (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) حتى يريحنا ممَّا نحن فيه (أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) بتخفيف لام «أَلَا ترى» في الموضعين، وتحريك غين «بَلَغَنَا» وسقط للحَمُّويي والمُستملي لفظة «إلى» الأخيرة (٣) (فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا يغضب» (بَعْدَهُ مِثْلَهُ) والمرادُ من الغضب -كما قال الكِرمانيُّ- لازمُه، وهو إرادة إيصال العذاب، وقال النَّوويُّ: المراد بغضب الله ما يظهر من انتقامه فيمن عصاه، وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال الَّتي لم يكن ولا يكون مثلها (وَإِنَّهُ نَهَانِي) ولأبي ذَرٍّ: «وأنَّه قد نهاني» (عَنِ الشَّجَرَةِ) أي عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) وأكلتها (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) كرَّرها ثلاثًا، أي: هي الَّتي تستحقُّ أن يشفع لها؛ إذ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين؛ فالمراد بعضُ لوازمه،

стр. 8640

أو «نفسي»: مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ) بيانٌ لقوله: «اذهبوا إلى غيري» (فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ (١) أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) واستُشكِلَت هذه الأوليَّة (٢) بأنَّ آدم نبيٌّ مرسلٌ، وكذا شيثٌ وإدريس، وهم قبل نوح، وأُجِيبَ بأنَّ الأوَّليَّة مقيَّدةٌ بأهل الأرض؛ لأنَّ آدم ومن ذُكِر معه لم يرسَلُوا إلى أهل الأرض (٣)، ويُشكِل عليه حديث جابرٍ: «وكان النَّبيُّ يُبعَث إلى قومه خاصَّةً» [خ¦٣٣٥] [خ¦٤٣٨] وأُجِيبَ بأنَّ بعثته إلى أهل الأرض باعتبار الواقع؛ لصدق أنَّهم قومه، بخلاف بعثة نبيِّنا ﷺ لقومه وغيرهم، أو الأوَّليَّة مقيَّدةٌ بكونه أهلك قومه، أو أنَّ الثَّلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلًا، لكن في «صحيح ابن حبَّان» من حديث أبي ذَرٍّ ما يقتضي أنَّه كان مرسَلًا، والتَّصريح بإنزال الصُّحف على شيثٍ (وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ) أي: في القرآن في سورة بني إسرائيل (عَبْدًا شَكُورًا) وهذا موضع التَّرجمة (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي ولأبي ذَرٍّ: «فيقول: ربي » (٤) (قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «قد كان» (لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي) هي الَّتي أغرق (٥) بها أهل (٦) الأرض؛ يعني: أنَّ له دعوةً واحدةً محقَّقة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخشي أن يطلب فلا يُجاب، وفي حديث أنسٍ عند الشَّيخين [خ¦٧٤٤٠]: «ويذكر خطيئته الَّتي أصاب سؤاله ربَّه بغير علمٍ» فيحتمل أن يكون اعتذر بأمرين: أحدهما أنَّه

стр. 8641

استوفى دعوته المستجابة، وثانيهما: سؤاله ربَّه بغير علمٍ؛ بحيث ﴿قَالَ رَبِّ (١) إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا؛ أي هي الَّتي (٢) تستحقُّ أن يشفع لها (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) زاد في رواية أنسٍ [خ¦٧٤٤٠]: «خليل الرَّحمن» (فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ (٣) الأَرْضِ) لا ينفي وصف نبيِّنا ﷺ بمقام الخُلَّة الثَّابت له على وجهٍ أعلى من إبراهيم (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟) من الكرب (فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ) بفتحاتٍ (فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ) يحيى بن سعيدٍ التَّيميُّ الرَّاوي عن أبي زرعة (فِي الحَدِيثِ) واختصرهنَّ من دونه؛ وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لسارة: هي أختي، والحقُّ أنَّها معاريضُ، لكنْ لمَّا كانت صورتها صورةَ كذبٍ؛ سمَّاها به وأشفق منها؛ استقصارًا لنفسه عن مقام الشَّفاعة مع وقوعها؛ لأنَّ مَن كان بالله أعرف وأقرب منزلة كان أعظم خطرًا وأشدَّ خشيةً. قاله البيضاويُّ (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ) بالإفراد (وَبِكَلَامِهِ (٤) عَلَى النَّاسِ) عامٌّ مخصوصٌ على ما لا يخفى، فقد ثبت أنَّه تعالى كلَّم نبيَّنا ﷺ ليلة المعراج، ولا يلزم من قيام وصف التَّكليم (٥) به (٦) أن يُشتَقَّ له منه اسم الكليم كموسى؛ إذ هو وصفٌ غلب على موسى؛ كالحبيب (٧) لنبيِّنا محمَّد (٨) ﷺ وإن كان شارك الخليل في الخُلَّة على وجهٍ أكمل منه (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي

стр. 8642

و (١) الكُشْميهَنيِّ: «أَمَا» «بميمٍ مخفَّفةٍ» بدل: «اللَّام»، (تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ) من الكرب؟ (فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ (٢) قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا) بضمِّ الهمزة وسكون الواو؛ يريد: قَتْله القبطيَّ المذكورَ في آية القَصص، وإنَّما استعظمه واعتذر به؛ لأنَّه لم يؤمر بقتل الكفَّار، أو لأنَّه كان مأمونًا (٣) فيهم، فلم يكن له اغتياله، ولا يقدح في عصمته لكونه خطأً، وعدَّه من عمل الشَّيطان في الآية، وسمَّاه ظلمًا، واستغفر عنه (٤) على عادتهم في استعظام محقَّراتٍ فرطت منهم (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مريم» (فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي: أوصلها إليه، وحصلها (٥) فيها (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: وذو (٦) روحٍ صدر منه، لا بتوسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادَّة له (وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ) حال كونك (صَبِيًّا) أي: طفلًا، و «المهد»: مصدرٌ سُمِّي به ما يمهَّد للصَّبيِّ من مضجعه، وسقط «صبيًّا» لأبي ذَرٍّ (اشْفَعْ لَنَا) أي: إلى ربِّك حتَّى يريحنا ممَّا نحن فيه (أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟) من الكرب (فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ) زاد أبو ذَرٍّ: «قط» (وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا) وفي رواية أحمد والنَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: «إنِّي اتَّخذت إلهًا من دون الله»، وفي رواية ثابتٍ عند سعيد بن منصورٍ نحوه، وزاد: «وإن يغفر لي اليوم حسبي» (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) زاد في حديث أنسٍ الطَّويل في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٦٥] «فقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ¬) سقطت التَّصلية في الموضعين لأبي ذَرٍّ (فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ (٧) أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ (٨)، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) يعني: أنَّه غير مؤاخذٍ بذنبٍ

стр. 8643

ولو وقع، قال في «فتح الباري»: ويُستفاد من قول عيسى في حقِّ نبيِّنا هذا، ومن قول موسى: «إنِّي قتلت نفسًا» «وإن يغفر لي اليوم حسبي» مع أنَّ الله قد غفر له بنصِّ القرآن، التَّفرقةُ بين من وقع منه شيءٌ ومن لم يقع منه شيءٌ أصلًا، فإنَّ موسى مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك (١)، أو رأى في نفسه تقصيرًا عن مقام الشَّفاعة مع وجود ما صدر منه، بخلاف نبينا ﷺ في ذلك كلِّه، ومن ثمَّ احتجَّ عيسى بأنَّه صاحب الشَّفاعة؛ لأنَّه غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ بمعنى: أنَّ الله أخبر أَلَّا يؤاخذه بذنبٍ ولو وقع منه، قال: وهذا من النَّفائس الَّتي فتح الله بها في «فتح الباري» فله الحمد، وقال القاضي عياضٌ: ويحتمل أنَّهم علموا أنَّ صاحبها محمَّدٌ (٢) ﷺ معيَّنًا، وتكون إحالة كلِّ واحدٍ منهم على الآخر على تدريج الشَّفاعة في ذلك إليه ﷺ ؛ إظهارًا لشرفه في ذلك المقام العظيم (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ) من الكرب؟ (فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي زاد في حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق عند أبي عوانة «قدر جمعة» (ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي) وفي حديث أُبيِّ بن كعبٍ عند أبي يَعلى رفعه: «يعرِّفني (٣) الله نفسه، فأسجد له سجدةً يرضى بها عنِّي، ثمَّ أمتدحه بمدحةٍ (٤) يرضى بها عنِّي» (ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ) بسكون الهاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) مبنيٌّ للمفعول؛ مِن التَّشفيع، أي: تُقبَل شفاعتك (فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ) مرَّتين، ولأبي ذَرٍّ: «أمَّتي يا رب» فزاد ثالثةً (فَيُقَالُ (٥): يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ) بكسر الخاء: أمرٌ مِن الإدخال، أي: الجنَّةَ (مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ) وهم سبعون ألفًا، وهم أوَّل من يدخلها

стр. 8644

(وَهُمْ) أيضًا (شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ) بكسر الميم من «مِصراعين» وهما جانبا الباب (كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ) بكسر الحاء المهملة وفتح التَّحتيَّة بينهما ميمٌ ساكنةٌ آخره راءٌ، أي: صنعاء؛ لأنَّها بلد حِمْيَر (أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى) بضمِّ الموحَّدة: مدينةٌ بالشَّام، بينها وبين دمشق ثلاث مراحل، والشَّكُّ من الرَّاوي. وهذا الحديث قد مرَّ باختصارٍ في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٠]. (٦) (باب قوله) تعالى: (﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]): كتابًا مزبورًا، أي: مكتوبًا، أو هو اسمٌ للكتاب الَّذي أُنزِل عليه، وهو مئةٌ وخمسون سورةً، ليس فيها (١) حكمٌ ولا حلالٌ ولا حرامٌ، بل كلُّها تسبيحٌ وتقديسٌ وتحميدٌ وثناءٌ على الله ومواعظ، ونَكَّرَه هنا لدلالته على التَّبعيض، أي: زبورًا من الزَّبر، أو (٢) زبورًا فيه ذكرُ النَّبيِّ ﷺ ، فأُطلق على القطعة منه زبورٌ؛ كما يطلق على بعض القرآن، وفيه تنبيهٌ على وجه تفضيل نبيِّنا ﷺ ؛ وهو أنَّه خاتم النبيِّين وأمَّته خير الأُمم، المدلول عليه بما كتب في الزُّبور، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ. ٤٧١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ نصرِ بنِ إبراهيمَ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، السعديُّ المروزيُّ، وقيل: البخاريُّ

стр. 8645

قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه) بفتح الموحَّدة المشدَّدة، وسقط لغير أبي ذر «ابن مُنبِّه» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خُفِّفَ) بضمِّ الخاء وتشديد الفاء مكسورةً مبنيًّا للمفعول (عَلَى دَاوُدَ) ﵇ (القِرَاءَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القرآنُ»، وقد يطلق على القراءة، والأصل فيه: الجمع، وكل شيءٍ جمعتَه فقد قرأتَه، وسمِّي القرآنُ قرآنًا؛ لأنَّه جمع الأمر والنهي وغيرهما، وقيل: المراد الزبور والتوراة، وكان الزبور ليس فيه أحكام كما مرَّ، بل كان اعتمادُهم في الأحكام على التوراة، كما أخرجه ابن أبي حاتم وغيرُه، وقرآنُ كلِّ نبيٍّ يُطلقُ على كتابه الذي أُوحي إليه، وإنَّما سمَّاه قرآنًا للإشارة إلى وقوع المعجزة به، كوقوع المعجزة بالقرآن، فالمراد به مصدر القراءة لا القرآن المعهود لهذه الأمة (فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ لِتُسْرَجَ (١)) بالإفراد، وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١٧]: «بدوابِّه» بالجمع، فالإفراد على الجنس أو ما يختصُّ بركوبه، وبالجمع ما يُضاف إليها ممَّا يركبه أتباعه (فَكَانَ) داودُ (يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ) الذي سُرِج؛ من الإسراج (يَعْنِي: القُرْآنَ) وفيه: أنَّ البركةَ قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير، فمن ذلك: أنَّ بعضهم كان يقرأُ أربعَ خَتَمَاتٍ بالليل وأربعًا بالنهار، وقد أُنبئت عن الشيخ أبي الطاهر المقدسيِّ أنَّه كان (٢) يقرأ في اليوم والليلة خمسَ عشرةَ (٣) ختمةً، وهذا الرجل قد رأيتُه بحانوته بسوق القماش

стр. 8646

في الأرض المقدَّسة سنة سبع وستين وثمان مئة، وقرأت في «الإرشاد»: أنَّ الشيخ نجم الدين الأصبهانيَّ رأى رجلًا من اليمن بالطواف ختم ختمةً (١) في شوط، أو (٢) أسبوع (٣)، شكَّ، وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلَّا بالفيض الربَّانيِّ والمدد الرحمانيِّ. وهذا الحديث قد مرَّ في «أحاديث الأنبياء» عليهم الصلاة والسلام [خ¦٣٤١٧]. (٧) هذا (بابٌ) بالتنوين، في قوله تعالى: (﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾) أي: زعمتموهم آلهةً، فمفعولا الزعمِ حُذِفا اختصارًا (﴿مِّن دُونِهِ﴾) كالملائكة والمسيح وعُزير (﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾) فلا يستطيعون (﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ﴾) كالمرضِ والفقرِ والقَحْط (﴿وَلَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦]) أي: ولا أن يحوِّلوه إلى غيرِكم، وسقط قوله: «﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿مِّن دُونِهِ﴾: «الآيةَ». ٤٧١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٤)، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابنِ بحرٍ الباهليُّ الصيرفيُّ البصريُّ (٥) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطانُ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) هو الأعمشُ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخَعيِّ

стр. 8647

(عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبدِ الله بن سَخْبَرةَ الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ ﵁: أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿إِلَى رَبِّهِمُ﴾) فيه حذفٌ بيَّنه في رواية النَّسائيِّ من هذا الوجه فقال: عن عبد الله في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ﴾ (﴿الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]) أي: القُربة، كما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة (قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الجِنِّ) استشكله السفاقسيُّ من حيث إنَّ الناس ضدُّ الجِنَّ، وأجيبَ بأنَّه (١) على قول مَن قال: إنَّه مِن «ناسَ» إذا تحرَّكَ، وقال الجوهريُّ في «صحاحه»: والناس قد يكون من الإنس والجن، فهو صريحٌ في استعمال ذلك، ولئن سلَّمنا أنَّ الجِنَّ لا يُسَمَّون ناسًا، فهذا يكون مِنَ المشاكلة؛ نحو: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] على ما تقرَّر في علم البديع (فَأَسْلَمَ الجِنُّ، وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ) الإنسُ العابدونَ (بِدِينِهِمْ) ولم يُتابعوا المعبودين في إسلامِهِم، والجنُّ لا يرضونَ بذلك لكونهم أسلموا، وزاد الطبريُّ من وجهٍ آخرَ عن ابن مسعودٍ: «والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم» (زَادَ الأَشْجَعِيُّ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وبالجيم والعين المهملة؛ عُبيدُ الله مصغَّرًا، الكوفيُّ المتوفَّى سنةَ ثنتين وثمانين ومئة في روايته (عَنْ سُفْيَانَ) الثوريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ: (﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾) وبهذه الزيادة تقع المطابقة بين الحديث والترجمة. (٨) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿أُولَئِكَ﴾) الأنبياءُ كعيسى (﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾) أي: يدعونهم المشركون لكشف ضرِّهِم، أو يدعونهم آلهة، فـ ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأٌ، والموصولُ نعتٌ، أو (٢) بيانٌ، أو بدلٌ، والمرادُ باسم الإشارة: الأنبياءُ الذين عُبدوا من دون الله، وبالواو: العُبَّاد لهم (٣)، ومفعولا

стр. 8648

﴿يَدْعُونَ﴾ محذوفان، كالعائد على الموصول، والخبرُ جملةُ (﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] (١)) القُربة بالطاعة، أو الخبرُ نفسُ الموصول، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾: حالٌ مِن فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾ أو بدلٌ منه (الآيَةَ) وسقط لغير أبي ذر «باب قوله». ٤٧١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بموحَّدةٍ مكسورةٍ فشينٍ معجمة ساكنة، أبو محمَّد الفرائضيُّ العسكريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الملقبُ بغُنْدَرٍ (٢) (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهرانَ الأعمشِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبدِ الله بنِ سَخْبَرةَ بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها موحَّدة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه قال (فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٣): «كان» (نَاسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٤): «كانوا يعبدون» (فَأَسْلَمُوا) وهذا طريقٌ آخرُ للحديث السابق، ذكره مختصرًا. (٩) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾) ليلةَ المِعراج (﴿إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]) أي: اختبارًا وامتحانًا؛ ولذا رجع ناسٌ عن دينهم؛ لأنَّ عقولَهم لم تحمِل ذلك، ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] وسقط لفظ «باب» لغير أبي (٥) ذرٍّ.

стр. 8649

٤٧١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾) وهذه الجملةُ من قوله: «حدَّثنا علي بن عبد الله … » إلى هنا، ساقطةٌ من الفرع المعتمد المقابل على «اليونينية» وقف «تنكزبغا» ثابتةٌ (١) في غيره من الفروع المعتمدة (قَالَ) أي: ابنُ عبَّاس: (هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ) لا منامٍ، وفيه ردٌّ صريحٌ على مَن أنكر مجيءَ المصدرِ مِن «رأى» البصريَّة على «رؤيا» كالحريريِّ وغيرِه، وقالوا: إنَّما يُقال في البصريَّة «رؤية»، وفي الحُلْميَّة «رؤيا» (أُرِيَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر الراء؛ مِنَ الإراءَةِ (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) ولم يصرِّح بالمرئيِّ، وعند سعيد بن منصور من طريق أبي مالك قال: هو ما أُري (٢) في طريقه إلى بيت المقدس (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾) عطفٌ على ﴿الرُّؤيَا﴾ و ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾ نَعْتٌ، زاد في نسخة: «﴿فِي القُرْآنِ﴾»: هي (شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) وكذا رواه أحمد وعبد الرزَّاق عن ابنِ عُيينةَ به: «رُوي أنَّه لمَّا سمع المشركون ذِكْرَها قالوا: إنَّ محمَّدًا يزعُمُ أنَّ الجحيم تحرق (٣) الحجارةَ ثمَّ يقولُ: تَنبتُ فيها الشجرة؟!» رواه بمعناه عبد الرزَّاق عن مَعْمَرٍ عن قَتادة، ولم يعلموا أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يحميَ وَبَرَ السمندل (٤) مِن أن تأكلَه النارُ، وأحشاءَ

стр. 8650

النعامة مِن أذى الجمر (١) وقِطعِ الحديدِ المحمَّاة التي تبتلِعُها؛ قادرٌ أن يخلُقَ في النارِ شجرةً لا تحرقُها، ولَعْنُهَا: في القرآن: قيل: هو مجازٌ؛ إذِ المرادُ: طاعِمُوها؛ لأنَّ الشجرةَ لا ذنبَ لها، وقيل: على الحقيقةِ، ولعنُها إبعادُها مِن رحمةِ الله؛ لأنَّها تخرجُ في أصلِ الجحيم؛ فإنَّه أبعدُ مكانٍ مِنِ الرحمةِ. (١٠) (بَاب قَوْله) تعالى: (﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه ابنُ المنذر عنِ ابن أبي نَجيح عنه في قوله: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: (صَلَاةَ الفَجْرِ) عبَّر عنها ببعضِ أركانِها، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذر. ٤٧١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ -بفتح النون- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين؛ هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرحمن بن عوفٍ، اسمُه عبدُ الله أو إسماعيلُ (وَابْنِ المُسَيَّبِ) بفتح التحتيَّة المشدَّدة؛ سعيدٍ؛ كلاهُما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) وسقط لفظ «قال» لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ (٢): (فَضْلُ صَلَاةِ الجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الوَاحِدِ) منفردًا (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً) وفي نسخة: «خمسَ» بفتح السين كذا في الفرع كأصله مصحَّحًا عليه (٣) أي: تزيد خمسَ درجات «وعشرينَ» بالياء،
следующие страницы →