← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

في الأرض المقدَّسة سنة سبع وستين وثمان مئة، وقرأت في «الإرشاد»: أنَّ الشيخ نجم الدين الأصبهانيَّ رأى رجلًا من اليمن بالطواف ختم ختمةً (١) في شوط، أو (٢) أسبوع (٣)، شكَّ، وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلَّا بالفيض الربَّانيِّ والمدد الرحمانيِّ. وهذا الحديث قد مرَّ في «أحاديث الأنبياء» عليهم الصلاة والسلام [خ¦٣٤١٧]. (٧) هذا (بابٌ) بالتنوين، في قوله تعالى: (﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾) أي: زعمتموهم آلهةً، فمفعولا الزعمِ حُذِفا اختصارًا (﴿مِّن دُونِهِ﴾) كالملائكة والمسيح وعُزير (﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾) فلا يستطيعون (﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ﴾) كالمرضِ والفقرِ والقَحْط (﴿وَلَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦]) أي: ولا أن يحوِّلوه إلى غيرِكم، وسقط قوله: «﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿مِّن دُونِهِ﴾: «الآيةَ». ٤٧١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٤)، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابنِ بحرٍ الباهليُّ الصيرفيُّ البصريُّ (٥) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطانُ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) هو الأعمشُ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخَعيِّ

стр. 8647

(عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبدِ الله بن سَخْبَرةَ الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ ﵁: أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿إِلَى رَبِّهِمُ﴾) فيه حذفٌ بيَّنه في رواية النَّسائيِّ من هذا الوجه فقال: عن عبد الله في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ﴾ (﴿الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]) أي: القُربة، كما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة (قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الجِنِّ) استشكله السفاقسيُّ من حيث إنَّ الناس ضدُّ الجِنَّ، وأجيبَ بأنَّه (١) على قول مَن قال: إنَّه مِن «ناسَ» إذا تحرَّكَ، وقال الجوهريُّ في «صحاحه»: والناس قد يكون من الإنس والجن، فهو صريحٌ في استعمال ذلك، ولئن سلَّمنا أنَّ الجِنَّ لا يُسَمَّون ناسًا، فهذا يكون مِنَ المشاكلة؛ نحو: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] على ما تقرَّر في علم البديع (فَأَسْلَمَ الجِنُّ، وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ) الإنسُ العابدونَ (بِدِينِهِمْ) ولم يُتابعوا المعبودين في إسلامِهِم، والجنُّ لا يرضونَ بذلك لكونهم أسلموا، وزاد الطبريُّ من وجهٍ آخرَ عن ابن مسعودٍ: «والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم» (زَادَ الأَشْجَعِيُّ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وبالجيم والعين المهملة؛ عُبيدُ الله مصغَّرًا، الكوفيُّ المتوفَّى سنةَ ثنتين وثمانين ومئة في روايته (عَنْ سُفْيَانَ) الثوريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ: (﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾) وبهذه الزيادة تقع المطابقة بين الحديث والترجمة. (٨) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿أُولَئِكَ﴾) الأنبياءُ كعيسى (﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾) أي: يدعونهم المشركون لكشف ضرِّهِم، أو يدعونهم آلهة، فـ ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأٌ، والموصولُ نعتٌ، أو (٢) بيانٌ، أو بدلٌ، والمرادُ باسم الإشارة: الأنبياءُ الذين عُبدوا من دون الله، وبالواو: العُبَّاد لهم (٣)، ومفعولا

стр. 8648

﴿يَدْعُونَ﴾ محذوفان، كالعائد على الموصول، والخبرُ جملةُ (﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] (١)) القُربة بالطاعة، أو الخبرُ نفسُ الموصول، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾: حالٌ مِن فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾ أو بدلٌ منه (الآيَةَ) وسقط لغير أبي ذر «باب قوله». ٤٧١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بموحَّدةٍ مكسورةٍ فشينٍ معجمة ساكنة، أبو محمَّد الفرائضيُّ العسكريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الملقبُ بغُنْدَرٍ (٢) (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهرانَ الأعمشِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبدِ الله بنِ سَخْبَرةَ بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها موحَّدة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه قال (فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٣): «كان» (نَاسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٤): «كانوا يعبدون» (فَأَسْلَمُوا) وهذا طريقٌ آخرُ للحديث السابق، ذكره مختصرًا. (٩) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾) ليلةَ المِعراج (﴿إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]) أي: اختبارًا وامتحانًا؛ ولذا رجع ناسٌ عن دينهم؛ لأنَّ عقولَهم لم تحمِل ذلك، ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] وسقط لفظ «باب» لغير أبي (٥) ذرٍّ.

стр. 8649

٤٧١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾) وهذه الجملةُ من قوله: «حدَّثنا علي بن عبد الله … » إلى هنا، ساقطةٌ من الفرع المعتمد المقابل على «اليونينية» وقف «تنكزبغا» ثابتةٌ (١) في غيره من الفروع المعتمدة (قَالَ) أي: ابنُ عبَّاس: (هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ) لا منامٍ، وفيه ردٌّ صريحٌ على مَن أنكر مجيءَ المصدرِ مِن «رأى» البصريَّة على «رؤيا» كالحريريِّ وغيرِه، وقالوا: إنَّما يُقال في البصريَّة «رؤية»، وفي الحُلْميَّة «رؤيا» (أُرِيَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر الراء؛ مِنَ الإراءَةِ (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) ولم يصرِّح بالمرئيِّ، وعند سعيد بن منصور من طريق أبي مالك قال: هو ما أُري (٢) في طريقه إلى بيت المقدس (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾) عطفٌ على ﴿الرُّؤيَا﴾ و ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾ نَعْتٌ، زاد في نسخة: «﴿فِي القُرْآنِ﴾»: هي (شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) وكذا رواه أحمد وعبد الرزَّاق عن ابنِ عُيينةَ به: «رُوي أنَّه لمَّا سمع المشركون ذِكْرَها قالوا: إنَّ محمَّدًا يزعُمُ أنَّ الجحيم تحرق (٣) الحجارةَ ثمَّ يقولُ: تَنبتُ فيها الشجرة؟!» رواه بمعناه عبد الرزَّاق عن مَعْمَرٍ عن قَتادة، ولم يعلموا أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يحميَ وَبَرَ السمندل (٤) مِن أن تأكلَه النارُ، وأحشاءَ

стр. 8650

النعامة مِن أذى الجمر (١) وقِطعِ الحديدِ المحمَّاة التي تبتلِعُها؛ قادرٌ أن يخلُقَ في النارِ شجرةً لا تحرقُها، ولَعْنُهَا: في القرآن: قيل: هو مجازٌ؛ إذِ المرادُ: طاعِمُوها؛ لأنَّ الشجرةَ لا ذنبَ لها، وقيل: على الحقيقةِ، ولعنُها إبعادُها مِن رحمةِ الله؛ لأنَّها تخرجُ في أصلِ الجحيم؛ فإنَّه أبعدُ مكانٍ مِنِ الرحمةِ. (١٠) (بَاب قَوْله) تعالى: (﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه ابنُ المنذر عنِ ابن أبي نَجيح عنه في قوله: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: (صَلَاةَ الفَجْرِ) عبَّر عنها ببعضِ أركانِها، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذر. ٤٧١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ -بفتح النون- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين؛ هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرحمن بن عوفٍ، اسمُه عبدُ الله أو إسماعيلُ (وَابْنِ المُسَيَّبِ) بفتح التحتيَّة المشدَّدة؛ سعيدٍ؛ كلاهُما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) وسقط لفظ «قال» لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ (٢): (فَضْلُ صَلَاةِ الجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الوَاحِدِ) منفردًا (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً) وفي نسخة: «خمسَ» بفتح السين كذا في الفرع كأصله مصحَّحًا عليه (٣) أي: تزيد خمسَ درجات «وعشرينَ» بالياء،

стр. 8651

أي: درجةً (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) لأنَّه وقتُ صعودِهِم بعملِ الليلِ، ومجيءِ (١) الطائفةِ الأُخرى لعملِ النهار، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في صلاة الفجر» (يَقُولُ) وفي «فضل صلاة الفجر في جماعة» من «كتاب الصلاة» [خ¦٦٤٨] من طريق شعيب عنِ الزُّهريِّ: «ثمَّ يَقُولُ» (أَبُو هُرَيْرَةَ) مستشهدًا لذلك: (اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾) أي: تشهَدُه ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار، رواه أحمدُ عنِ ابن مسعودٍ مرفوعًا، وفي «الأنوار»: أو (٢) شواهد القدرة من تبدُّلِ الظُّلمةِ بالضياء، والنومِ الذي هو أخو الموت بالانتباه، أو كثيرٌ مِنَ المصلين، أو مِن حقِّه أن يشهَدَه الجم الغفير. (١١) (بَاب قَوْله) تعالى: (﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]) يحمَدُه فيه الأوَّلون والآخرون، والمشهورُ: أنَّه مقامُ الشفاعة للناس ليريحهم اللهُ مِن كرب ذلك اليوم وشِدَّتِه. ٤٧١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحَّدة آخرُه نون، منصرفٌ وغيرُ منصرفٍ، أبو إسحاقَ الورَّاقُ الأزديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بالحاء والصاد المهملتين، سلَّامٌ -بتشديد اللَّام- ابنُ سُلَيم الحنفيُّ الكوفيُّ (عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ) العِجليِّ، بكسر العين المهملة وسكون الجيم، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثًا) بضمِّ الجيم وفتح المثلَّثة المخفَّفة منوَّنًا مقصورًا، جمع «جُثْوة» كـ «خُطْوة» (٣) و «خُطًا»، أي: جماعات (كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا، يَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، اشْفَعْ) أي: لنا، وزاد أبو ذرٍّ: «يا فلان اشفع» فيكون مرَّتين (٤) (حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ

стр. 8652

إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد في الرواية المعلَّقة في «الزكاة» [خ¦١٤٧٥]: «فيَشفَعُ ليُقضَى بين الخلق» (فَذَلِكَ) أي: مقامُ الشفاعة (يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللهُ المَقَامَ المَحْمُودَ) وفي المقام المحمود أقوالٌ أُخَر، تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «الرقاق» [خ¦٦٥٧٠]. ٤٧١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) بتشديد التحتيَّة آخره شين معجمة، الألهانيُّ الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، الحمصيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) ابنِ عبدِ الله بنِ الهُدَير -بالتصغير- التيميِّ المدنيِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أي: الأذان: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ) لِجَمْعِها العقائد بتمامها (وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ) الدائمةِ التي لا تُغيِّرُها مِلَّةٌ، ولا تَنسَخُها شريعةٌ (آتِ مُحَمَّدًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إيت محمَّدًا (١) ﷺ » (الوَسِيلَةَ) المنزلةَ العليَّةَ (٢) في الجنَّة، التي لا تنبغي إلَّا له (وَالفَضِيلَةَ) المرتبة الزائدة على سائر المخلوقين (وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ) بقولك تباركت وتعاليت: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] والموصول مع الصلِّة إمَّا بدلٌ مِنَ النكرة على طريق إبدال المعرفة من النكرة، أو صفةٌ لها على رأي الأخفش؛ لأنَّها وُصِفَت، وإنَّما نكِّرَ لأنَّه أفخمُ وأجزل، كأنَّه قيل: مقامًا وأيَّ مقام، يغبطه فيه (٣) الأوَّلون والآخرون، محمودًا تكِلُّ عن أوصافه ألسنةُ الحامدين، وتَشرُفُ به (٤) على جميع العالمين، تسأل فتعطى، وتَشْفَعُ فتُشَفَّع، وليس أحدٌ إلَّا تحت لوائك (حَلَّتْ) أي: وجبتْ (لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) الشاملة

стр. 8653

للأوَّلين والآخرين في خَلاصِهِم مِن كربِ يوم الدِّين، وتوصيلهم (١) إلى جنات النعيم، ولقاء الله رب العالمين، جعلنا الله منهم بمَنِّه وكرمه (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبدِ الله بنِ عمرَ، فيما وصله الإسماعيليُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). وهذا الحديث (٢) قد سبق في: «باب الدعاء عند الأذان» من «كتاب الصلاة» [خ¦٦١٤]. (١٢) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ﴾) الإسلامُ (﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾) أي: ذهب وهلك الشِّركُ، وقال قَتادة: الحقُّ القرآن، والباطلُ الشيطان، وقال ابن جُريج: الحقُّ الجهاد (٣)، والباطل الشِّرك، وقيل غير ذلك، والصوابُ تعميمُ اللفظ بالغاية (٤) الممكنة، فيكونُ التعبير (٥): جاء الشرعُ بجميع ما انطوى فيه، والباطل: كلُّ ما لا تنال به غايةٌ نافعةٌ (﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]) مضمحِلًّا ذاهبًا غيرَ ثابتٍ، قال: وَلَقْد شَفَى نَفْسِي وأَبْرأَ سُقْمَها … إِقْدَامهُ مِن آلَةٍ لَمْ تَزْهَقِ وقال أبو عبيدة: (يَزْهَقُ) بفتح أوّله وثالثه، معناه: (يَهْلِكُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، والمرادُ بهلكتِه: وُضوحُه، فيكون هالكًا لا يعمل به المحقُّ، وسقط لأبي ذر «﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾» وقال بعد: ﴿الْبَاطِلَ﴾: «الآية»، وسقط لغيره لفظ «باب». ٤٧٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بنُ الزبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابنُ عُيينةَ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبدِ الله، واسمُ أبي نَجِيح -بفتح النون وكسر الجيم- يسارٌ، ضدُّ اليمين (عَنْ مُجَاهِدٍ)

стр. 8654

هو ابنُ جَبْرٍ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبدِ الله بن سَخْبَرَةَ الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ) أي: عام الفتح (وَحَوْلَ البَيْتِ) أي: والحال أنَّ حول البيت (١) (سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِئَةِ نُصُْبٍ) بضمِّ النون والصاد، ولأبي ذرٍّ: «نَصْبٍ» بفتح النون وسكون الصاد، مجرور فيهما، وقد تسكَّنُ الصاد مع ضمِّ النون، قال في «فتح الباري» -كـ «تنقيح الزركشي» و «السفاقسي» واللفظ للأوَّل-: كذا للأكثر هنا بغير ألف، وكذا وقع في رواية سعيد بن منصورٍ، لكن وقع (٢) بلفظ صنم، والأوجهُ نصبهُ على التمييز؛ إذ لو كان مرفوعًا؛ لكان صفةً، والواحدُ لا يقع صفة للجمع. انتهى. قال في «المصابيح» -متعقِّبًا لِمَا قاله في «التنقيح» -: من ذلك هنا عددان كلٌّ منهما يحتاج إلى مميز، فالأول: مُمَيِّزُه منصوبٌ؛ يعني: ستون نُصُبًا، والثاني: مُمَيِّزُه مجرورٌ؛ يعني: ثلاث مئة نُصُبٍ، فإنْ عنى أنَّه مُمَيِّزٌ لكلا العددين فخطأٌ، والظاهرُ أنَّه مجرورٌ، كما وقع في بعض النسخ، تمييزٌ لثلاث مئة، ومُمَيِّزُ سِتُّونَ محذوفٌ؛ لوجود الدال عليه، وأمَّا قولُه: ولا وجه للرفع؛ إذ (٣) لو كان مرفوعًا لكانَ صفةً … إلى آخره؛ فلم ينحصر وجه الرفع فيما ذُكِرَ حتى يتعيَّنَ فيه الخطأُ لجواز أن يكون «نُصُبٌ» خبرَ مبتدأٍ (٤) محذوفٍ، أي: كلٌّ منها نُصُبٌ. انتهى. وقال العيني: النَّصْبُ واحدُ الأنصاب، قال الجوهريُّ: وهو ما يُعبَدُ مِن دون الله، وكذلك النُّصُب -بالضم- واحد الأنصاب، قال: وفي دعوى الأوجهية (٥) نظر؛ لأنَّه إنَّما يتَّجه إذا جاءتِ الروايةُ بالنصب على التمييز، وليستِ الرواية إلَّا (٦) بالرفع، فحينئذٍ الوجهُ أن يُقال: النصب ما نُصِبَ، أعم من أن يكون واحدًا أو جمعًا (٧)، وأيضًا هو في الأصل مصدر «نصبتُ الشيء»: إذا أقمتَه، فيتناول عموم الشيء. انتهى. ومرادُه: الاستدلالُ على

стр. 8655

كون النصب هنا جمعًا، فيصحُّ أن يكون صفةً للجمع، لكن قوله: «وليستِ الروايةُ إلَّا بالرفع» فيه نظرٌ فليُحرَّر، والذي رأيتُه في جملة من الفروع المعتمدة المقابلة على «اليونينية» المجمع عليها في الإتقان وتحرير الضبط بالجرِّ، ولم أرَ غيرَه في نسخةٍ، ومَن عَلِمَ حجَّةٌ على مَن لم يعلم، لكن قول الحافظ ابن حجر بعد ذكره ما مرَّ: أو هو منصوب، لكنَّه كُتِبَ بغير ألف على بعض اللغات يُدلُّ على أنَّه لم يثبتْ عندَه فيه روايةٌ فيَجْزِمَ بها، فتأمَّله. (فَجَعَلَ) ﵊ (يَطْعُنُهَا) بضمِّ العين (بِعُودٍ فِي يَدِهِ) وفي الفرع كأصله: فتح العين من «يطَعنها» أيضًا، لكن المعروف أنَّ المفتوح للطعن في القول (وَيَقُولُ: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]) الواو للعطف على «فجعل يطعُنها»، أو للحال (﴿جَاء الْحَقُّ﴾) أي: القرآنُ، أو التوحيدُ، أو المعجزاتُ الدالَّةُ على نبوَّته ﵊ (﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]) يجوزُ في ﴿مَا﴾ أن تكون نفيًا، وأن (١) تكون استفهامًا، ولكن يؤول معناها إلى النفي، ولا مفعول للفعلين؛ إذ المُرادُ: لا يوقع هذين الفعلين، كقوله: أَقْفَرَ من أهلهِ (٢) عبيدُ … أصبحَ لا يُبدي ولا يعيدُ أو حُذِفا (٣)، أي: ما يبدئ لأهله خبرًا (٤) ولا يعيده، والمعنى: ذهب الباطل وزهق، فلم (٥) تبقَ منه بقيةٌ تبدئ شيئًا أو تعيد. (١٣) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]) وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8656

٤٧٢١ - به قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة وآخره مثلَّثة، ابنِ طَلْقٍ، بفتح الطاء وسكون اللَّام، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهرانَ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ النَّخَعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابنِ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ) بفتح الحاء المهملة آخره مثلَّثة، وفي «العلم» [خ¦١٢٥] من وجه آخر: «في خَرِب المدينة» بخاء معجمة ثم موحَّدة آخره بدل المثلَّثة، وعند مسلمٍ: «في نخل» (وَهْوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبعد التحتيَّة الساكنة موحَّدة، عصًا من جريد النخل (إِذْ مَرَّ اليَهُودُ) رفعٌ على الفاعليَّة (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) الذي يحيا به بدنُ الإنسان ويدبره، أو جبريل أو القرآن أو الوحي، أو ملك يقوم وحده صفًّا يوم القيامة، أو ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، أو ملك له سبعون ألف لسان، أو خَلْقٌ كخلق بني آدم، يقال لهم: الروح، يأكلون ويشربون، أو سلوه عن كيفيَّة مسلك الرُّوح في البدن وامتزاجها (١) به، وعن (٢) ماهيتها، وهل هي متحيِّزة أم لا؟ وهل هي حالَّة في متحيِّز أم لا؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها … وغير ذلك من متعلَّقاتِها، قال الإمام فخر الدين: وليس في السؤال ما يخصِّصُ أحد (٣) هذه المعاني، إلَّا أنَّ الأظهر أنَّهم سألوه عن الماهيَّة، وهل الروح قديمة أو حادثة؟ (فَقَالَ) أي: بعضُهم: (مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ) بلفظ الفعل الماضي من غير همز، من الريب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي -كما قال في «فتح الباري» -: «ما رأَبُكم» بهمزة مفتوحة وضمِّ الموحَّدة؛ من الرَّأب؛ وهو الإصلاح، يقال فيه: رأب بين القوم: إذا

стр. 8657

أصلح بينهم، قال: وفي توجيهه هنا بُعْدٌ، وقال الخطَّابيُّ: الصواب: ما أَرَبُكم -بتقديم الهمزة وفتحتين- من الأَرَب؛ وهو الحاجة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا واضحُ المعنى لو ساعدتْهُ الرِّواية، نعم رأيته في رواية المسعوديِّ عن الأعمش عند الطَّبريِّ كذلك، وذكر ابن التِّين أنَّ (١) في رواية القابسي كرواية الحَمُّويي، لكن (٢) بتحتيَّة بدل الموحَّدة: «ما رأْيُكم» أي: بسكون الهمزة؛ من الرَّأي. انتهى. وهذا الذي حكاه عن رواية القابسي رأيتُه كذلك في فرع «اليونينيَّة» كأصله (٣) عن أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ) بالرَّفع على الاستئناف، ويجوزُ الجزمُ على النَّهي، وفي «العلم» [خ¦١٢٥]: «وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء» (تَكْرَهُونَهُ) إنْ لم يفسِّره؛ لأنَّهم قالوا: إنْ فسَّرَه فليس بنبي؛ وذلك أنَّ في التَّوراة: أنَّ الرُّوحَ ممَّا انفرد الله بعلمه، ولا يُطلِعُ عليه أحدًا من عباده، فإذا لم يفسِّرْه دلَّ على نبوَّته، وهم يكرهونها، وفيه قيام الحجَّة عليهم في نبوَّته (فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يردَّ عليه» (شَيْئًا) بالإفراد، أي: على السَّائل، وفي «العلم» [خ¦١٢٥]: «فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فَسَكَتَ» قال ابن مسعود: (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٦]: «فظننت» بدل: «فعلمت»، وإطلاقُ الظَّنِّ على العلم معروفٌ (فَقُمْتُ مَقَامِي) أي: في مقامي، أي: لِأَحولَ بينه وبين السَّائلين، أو فقمت عنه، أي: لئلَّا يتشوَّش بقُربي منه، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]: «فتأخَّرتُ عنه» (فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ) عليه ﷺ (قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾) قال البِرماويُّ وغيرُه: ظاهرُ السِّياق يقتضي أنَّ الوحي لم يتأخَّر، لكن في «مغازي ابن إسحاق»: أنَّه تأخَّر خمس عشرة ليلة، وكذا قال القاضي عياض: إنَّه ثبت كذلك في «مسلمٍ» أي: ما يقتضي الفورية، وهو وهم بيِّن؛ لأنه إنَّما جاء هذا القول عند انكشاف الوحي، وفي «البخاريِّ» في «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]: «فلمَّا صَعِدَ الوحيُ (٤)» وهو

стр. 8658

صحيحٌ، قال في «المصابيح»: هذه (١) الإطلاقات صعبةٌ في الأحاديث الصَّحيحة (٢)، لا سيَّما ما اجتمع على تخريجه الشيخان، ولا أدري ما هذا الوهم ولا كيف هو؟ و «لمَّا» حرف وجودٍ لوجود، أي: إنَّ مضمون الجملة الثانية وُجِدَ لأجل مضمون الأولى، كما تقول: لمَّا جاءني زيدٌ أكرمتُه، فالإكرام وُجِدَ لوجود المجيء، كذلك تلاوتُه ﵊ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الاية [الإسراء: ٨٥] كانت لأجل وجود إنزالها، ولا يضرُّ في ذلك كون الإنزال تأخَّر عن وقت السُّؤال، وأمَّا قوله: إنَّ هذا القول إنَّما كان بعد انكشاف الوحي؛ فمُسلَّمٌ إذ هو لا يتكلَّم بالمُنزَّل عليه في نفس وقت الإنزال، وإنَّما (٣) يتكلَّم به (٤) بعد انقضاء زمن الوحي، واتحادُ زمني (٥) الفعلين الواقعين في جملتي «لمَّا» غيرُ شرطٍ، كما إذا قلت: لمَّا جاءني زيدٌ أكرمتُه، فلا يُشترط في صِحَّة هذا الكلام أن يكون الإكرامُ والمجيءُ واقعين في زمن واحد، لا يتقدَّم أحدُهما على الآخر ولا يتأخَّر، بل هذا التركيب صحيحٌ إذا كان الإكرام متعقِّبًا للمجيء، فإن قلت: لعلَّه بناه على رأي الفارسيِّ ومَن تبعه في أنَّ «لمَّا» ظرفٌ بمعنى: حين، فيلزم أن يكونَ الفعلُ الثَّاني واقعًا في حين الفعل الأول؟ قلتُ: ليس مراد الفارسيِّ ولا غيرِه مِن كونها بمعنى «حين» ما فهمته من اتحاد الزمنين باعتبار الابتداء والانتهاء، ألا ترى أنَّه يصحُّ أن تقول: جئت حين جاء زيد، وإن كان ابتداءُ مجيئِكَ في آخرِ مجيءِ زيدٍ، ومنتهاهُ بعدَ ذلك، والمشاحة في مثل هذا والمضايقةُ فيه ممَّا لم تُبْنَ لغةُ العرب عليه. انتهى. (﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾) أي: ممَّا استأئر اللهُ بعلمه، فهو مِن أمر ربِّي لا مِن أمري، فلا أقولُ لكم ما هي، و «الأمر» بمعنى: الشَّأن، أي: معرفةُ الرُّوح مِن شأن الله لا مِن شأن غيره، ولا يلزمُ مِن عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيُه، فإنَّ أكثرَ حقائق الأشياء وماهيتِها مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيُها، ويؤيِّده قولُه تعالى: (﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ﴾) علمًا أو إيتاءً (﴿قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما أوتوا» بضمير الغائب، وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مرويَّةٌ عنِ

стр. 8659

الأعمش، مخالفةٌ للمصحف، ليست من طرق كتابي الذي جمعته في القراءات الأربعة عشر، وإنَّما رأيتها في كتب التَّفسير، قيل: وليس في الآية دلالة على أنَّ الله تعالى لم يُطلِع نبيَّه على حقيقة الروح، بل يَحتملُ أن يكون أطلعَه ولم يأمرْه أن يطلعَهُم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا، فالله أعلم، وقد قرَّر السهيليُّ -فيما ذكره ابن كثيرٍ-: أنَّ الرُّوح هي ذاتٌ لطيفة كالهواء، ساريةٌ في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وإنَّ الرُّوح التي ينفخُها الملَك في الجنين هي النفس بشرط اتِّصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفاتِ مدحٍ أو ذَمٍّ، فهي إمَّا نفسٌ مطمئنةٌ، أو أمَّارةٌ بالسُّوء، كما أنَّ الماء حياة الشجر، ثم يكتسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًّا، فإذا اتصل بالعنبة وعُصِر منها صار ماء مصطارًا وخمرًا (١)، ولا يقال له: ماءٌ حينئذٍ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس: روحٌ إلَّا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للرُّوح: نفسٌ إلَّا على هذا النحو، باعتبار ما تَؤُولُ إليه، فحاصل ما نقول: إنَّ الرُّوح هي أصل النَّفس ومادَّتها، والنَّفس مركَّبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي مِن وجه، لا من كل وجه وهذا معنى حسن. انتهى. ثمَّ إنَّ ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أنَّ هذه الآية مدنيَّة، وأنَّ نزولها إنَّما كان حين سأل اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أنَّ السُّورةَ كلَّها مكِّيَّةٌ، وقد يُجاب: باحتمال أن تكون نزلت مرَّةً ثانيةً بالمدينة، كما نزلت بمكَّة قبلُ (٢). وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» [خ¦١٢٥] وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٦] [خ¦٧٤٦٢] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (١٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]) سقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ.

стр. 8660

٤٧٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورَقيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء مصغَّرًا، ابنُ بُشير -مصغَّر- بشر الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفرُ بنُ أبي وحشيَّةَ الواسطيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ) يعني: في أوَّلِ الإسلام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مختفي» بإثبات التَّحتيَّة بعد الفاء (كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ) ولأبي ذَرٍّ: «سمعه» (المُشْرِكُونَ؛ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « » (لِنَبِيِّهِ) محمَّدٍ (¬ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ) أي: بقراءة صلاتِك، فهو على حذف المضاف (فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا القُرْآنَ) وللطبريِّ من وجهٍ آخر عن سعيد بن جُبير: «فقالوا له -أي: المشركون-: لا تجهرْ فتؤذي آلهتنا فنهجو إلهك» (﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾) أي (١): لا تخفضْ صوتَك (﴿بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ) وإنَّما حُذِفَ المضافُ؛ لأنَّه لا يلتبس، مِن قِبَلِ أنَّ الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصَّلاةُ أفعالٌ وأذكارٌ (﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾) الجهر ِوالمخافتةِ (﴿سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]) وسطًا.

стр. 8661

٤٧٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ) بفتح الطَّاء المهملة وسكون اللَّام ثمَّ قاف، و «غنَّام»: بالغين المعجمة والنُّون المشدَّدة وبعد الألف ميم، أبو محمَّد النَّخَعيُّ الكوفيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بنُ قُدامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) [الإسراء: ١١٠] أنها (قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ) أي: قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ … ﴾ إلى آخره، (فِي الدُّعَاءِ) مِن بابِ إطلاقِ الكُلِّ على الجُزْءِ؛ إذِ الدُّعاء مِن بعض أجزاء الصلاة، وأخرج الطَّبريُّ وابنُ خزيمةَ والحاكمُ من طريق حفص بن غياثٍ عن هشام الحديثَ، وزاد فيه: في التَّشهد وهو مخصِّصٌ لحديث عائشةَ؛ إذ ظاهرُه أعمُّ مِن أن يكون داخلَ الصَّلاة وخارجها، وعند ابن مردويه من حديث أبي هريرةَ: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى عند البيت رفعَ صوتَه بالدُّعاء فنزلت، أو مرادُه معناه (٣) اللُّغوي على ما لا يخفى. وهذا الحديث من أفراده.

стр. 8662

(((١٨))) (سُورَةُ الكَهْفِ) مكِّيَّةٌ قيل (١): إلَّا قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيةَ، وهي مئة وإحدى عشرة آية (٢). (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الحافظ ابن حجر: ثبتتِ البسملة لغير أبي ذَرٍّ. انتهى. أي: وسقطت له (٣)، والذي رأيتُه في الفرع كأصله (٤) ثبوتَها له فقط مصحَّحًا على علامته، فالله أعلم. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قوله تعالى: (﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ [الكهف: ١٧]) أي: (تَتْرُكُهُمْ) وروى عبد الرَّزَّاق عن قَتادة نحوَه، وقولُ مجاهدٍ هذا ساقطٌ عند أبي ذَرٍّ. (﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]) بضمِّ المثلَّثة (٥)، قال مجاهد -فيما وصله الفِريابيُّ- أي: (ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) وعن مجاهدٍ أيضًا: ما كان في القرآن «ثُمُر» بالضَّم؛ فهو المال، وما كان بالفتح؛ فهو النَّبات، وقال ابنُ عبَّاس: بالضم جميع المال؛ من الذَّهب والفضة والحيوان وغير ذلك، قال النابغة: مَهلًا فِداءً لكَ الأقوامُ كلُّهُمُ … وما أُثَمِّرُ مِن مَالٍ ومِن وَلَدِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي (٦): غير مجاهد: الثُّمُرُ بالضَّمِّ: (جَمَاعَةُ الثَّمَرِ) بالفتح.

стр. 8663

(﴿بَاخِعٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الكهف: ٦] قال أبو عُبيدَة: (مُهْلِكٌ) نفسَك إذا ولَّوا عنِ الإيمان. (﴿أَسَفًا﴾) أي: (نَدَمًا) كذا فسَّرَهُ أبو عُبيدة، وعن قَتادة: حزنًا، وعن غيرِه: فرطُ الحزن (١). (الكَهْفُ) في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ هو: (الفَتْحُ فِي الجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ) هو: (الكِتَابُ، مَرْقُومٌ) أي: (مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ) بسكون القاف، قيل: هو لوحٌ رصاصيٌّ أو حَجَريٌّ، رُقمت فيه أسماؤُهم وقصصُهُم، وجُعِلَ على باب الكهف، وقيل: الرَّقيمُ اسمُ الجبل، أو الوادي الذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم، أو كلبهم، وقيل غير ذلك، وقيل: مكانهم بين غضبان (٢) وأيلة (٣) دون فلسطين، وقيل غير ذلك ممَّا فيه تباين وتخالف، ولم ينبئنا الله ولا رسوله عن ذلك في أي الأرض هو؛ إذ لا فائدة لنا فيه، ولا غرضَ شرعيٌّ. (﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]) أي: (أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) على هجرِ الوطن والأهل والمال (٤)، والجراءةِ على إظهار الحقِّ، والرَّدِّ على دقيانوس الجبَّار، ومِن هذه المادة قولُه تعالى في سورة القصص: (﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]) أي: أم موسى، وذكره استطرادًا.

стр. 8664

(﴿شَطَطًا﴾) في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] أي: (إِفْرَاطًا) في الظلم ذا (١) بُعْدٍ عن الحقِّ. (الوَصِيدُ) في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] هو (الفِنَاءُ) بكسر الفاء تُجاه الكهف (جَمْعُهُ: وَصَائِدُ) كمساجد (وَوُصُدٌ) بضمَّتين (وَيُقَالُ: الوَصِيدُ) هو: (البَابُ) وهو مرويٌّ عنِ ابن عبَّاسٍ، وعن عطاءٍ: عتبة الباب، وقوله تعالى في الهمزة مما ذكره استطرادًا: (﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]) أي: (مُطْبَقَةٌ) يعني: النار على الكافرين، واشتقاقه من قوله: (آصَدَ البَابَ) بمدِّ الهمزة (وَأَوْصَدَ) أي: أطبقه، وحُذِفَ المفعولُ مِنَ الثَّاني للعلم به مِنَ الأوَّل. (﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] أي: (أَحْيَيْنَاهُمْ) قاله (٢) أبو عبيدة، والمراد: أيقظناهم من نومهم؛ إذِ النَّومُ أخو الموت، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ عبارةٌ عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، أي: لنعلم ذلك موجودًا، وإلَّا فقد كان الله تعالى عَلِمَ أيُّ الحزبين أحصى الأمد. (﴿أَزْكَى﴾) في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] معناه: (أَكْثَرُ) أي: أكثر أهلها طعامًا (وَيُقَالُ: أَحَلُّ) وهذا أولى؛ لأنَّ مقصودَهم إنَّما هو الحلالُ، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وقيل: المرادُ أحلُّ ذبيحةً، قاله (٣) ابن عبَّاس وسعيد بن جُبير، قيل: لأنَّ عامَّتهم كانوا مجوسًا، وفيهم قوم مؤمنون يُخفون إيمانَهم (وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا) أي: نماءً على الأصل. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُكُلَهَا﴾) سقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿الْكَهْفِ﴾ … » إلى هنا (٤) (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ [الكهف: ٣٣]) أي: (لَمْ تَنْقُصْ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، أي: من أكلها شيئًا يعهد في سائر البساتين، فإنَّ الثِّمار تتمُّ في عام، وتنقص في عام غالبًا. (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن جُبيرٍ ممَّا وصله ابنُ المنذر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (الرَّقِيمُ: اللَّوْحُ مِنْ

стр. 8665

رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ) فيه (أَسْمَاءَهُمْ، ثُمَّ طَرَحَهُ (١) فِي خِزَانَتِهِ) بكسر الخاء المعجمة، وسبب ذلك: أنَّ الفتيةَ طُلبوا فلم يَجِدُوهُم، فرُفع أمرُهم للملك، فقال: ليكونن لهؤلاء شأنٌ، فدعا باللوح وكتب ذلك (فَضَرَبَ اللهُ عَلَى آذَانِهِمْ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] (فَنَامُوا) نومةً لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يُصاح به فلا ينتبه. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاس -وسقط «وقال سعيد: عن ابن عبَّاس … » إلى هنا لأبي ذرٍّ- في قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]: مشتقٌّ مِن (وَأَلَتْ تَئِلُ) من باب فعَل يفعِل؛ بفتح العين في الماضي، وكسرها في المستقبل، أي: (تَنْجُو) (٢) يقال: وأل: إذا نجا، ووأل إليه: إذا لجأ إليه، والموئِل: الملجأ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْئِلًا﴾) أي: (مَحْرِزًا) بفتح الميم وكسر الراء بينهما حاء مهملة ساكنة. (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] أي: (لَا يَعْقِلُونَ) وهذا وصله الفِريابيُّ عن مجاهد، أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، و «الأعين» هنا كناية: عن البصائر؛ لأنَّ عين الجارحة لا نسبةَ بينها وبين الذِّكر، والمعنى: الذين فِكرُهم بينها وبين ذِكْري، والنظر في شرعي حجاب وعليها غطاء، وَ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لإعراضهم ونفارهم عن الحقِّ لغلبة الشقاء عليهم. (١) (بَابُ قَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٣): في قوله تعالى: (﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾) يريدُ الجِنسَ أو النضْرَ بن الحارثِ أو أُبيَّ بنَ خَلَف (﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ﴾) يتأتى منه الجدل (﴿جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) خصومةً ومماراةً بالباطل، وانتصابُه على التمييز؛ يعني: أنَّ جدل الإنسان أكثرُ

стр. 8666

من جَدَلِ (١) كلِّ شيءٍ، ونحوه ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وفي حديثٍ مرفوعٍ: «ما ضلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلَّا أوتوا الجَدَل». ٤٧٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ (عَنْ صَالِحٍ) هو (٢) ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، هو زينُ العابدين: (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ عَنْ) أبيه (عَلِيٍّ) بن أبي طالبٍ (٣) (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ) أي: أتاهما ليلًا (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» أي: لهما حثًّا وتحريضًا (أَلَا تُصَلِّيَانِ؟!) كذا ساقه مختصرًا، ولم يذكرِ المقصودَ منه هنا جريًا على عادته في التعمية وتشحيذ الأذهان، فأشار بطرفه إلى بقيته [خ¦١١٢٧] وهو قول عليٍّ: «فقلت: يا رسول الله أنفسُنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا (٤) ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعتُه وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه وهو يقول (٥): ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]» وهذا يدُلُّ على أنَّ المراد بـ ﴿الْإِنسَانُ﴾ الجنسُ، ففيه ردٌّ على مَن قال: المرادُ

стр. 8667

بـ ﴿الْإِنسَانُ﴾ هنا: الكافر، وليس في الآية مع قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] إشعارٌ بالتَّخصيص؛ لأنَّ ذلك صفةُ ذَمٍّ، ولا يستحقُّه إلَّا مَن هو له أهل وهمُ الكفَّارُ. وهذا الحديث قد مرَّ في «التَّهجد» في أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٢٧]. (﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾) في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] أي (١): (لَمْ يَسْتَبِنْ) لهم، فهو قولٌ بلا علم، وقد حُكي ثلاثةُ أقوالٍ في اختلاف الناس في عددهم؛ فمنهم مَن قال: ثلاثة رابعهم كلبهم، قيل: وهو قولُ اليهود، وقيل: -هو قول السَّيد من نصارى نجران وكان يعقوبيًّا-: وقال النَّصارى أو العاقب منهم: خمسة سادسهم كلبهم، وقد أتبعَ هذين القولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وقال المسلمونَ بإخبارِ الرَّسول ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و ﴿رَجْمًا﴾: يجوزُ كونُه مفعولًا مِن أجله، وكونُه في موضعِ الحال، أي: ظانِّين، وقوله «﴿رَجْمًا﴾ … » إلى آخره ساقطٌ لأبي ذَرٍّ. (يُقَالُ: ﴿فُرُطًا﴾) يريدُ قولَه تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] أي: (نَدَمًا) وهذا وصله الطَّبريُّ من طريق داود بن أبي هند بلفظ: ندامة، وقال أبو عبيدة: تضييعًا وإسرافًا، وسقط قوله: «يقال» لغير أبي ذَرٍّ. (﴿سُرَادِقُهَا﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] والضَّميرُ يرجعُ إلى النَّار، والمعنى: أنَّ سرادقَ النَّار (مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالحُجْرَةِ) بالرَّاء (الَّتِي تُطِيفُ بِالفَسَاطِيطِ) أي: تُحيطُ بها، والفساطيط: جمع فسطاط؛ وهي الخيمةُ العظيمةُ، والسرادق: الذي يُمَدُّ فوقَ صحنِ الدَّار ويُطيفُ به، وقيل: ﴿سُرَادِقُهَا﴾ دخانها، وقيل: حائط من نار. (﴿يُحَاوِرُهُ﴾) في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧] هو (مِنَ المُحَاوَرَةِ) وهي المراجعةُ.

стр. 8668

(﴿لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] أَيْ: لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي) كما كُتبتْ في مصحف أُبيٍّ بإثبات «أنا» (ثُمَّ حَذَفَ الأَلِفَ) التي هي صورة الهمزةِ والهمزةَ (وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الأُخْرَى) عند التقاء المثلين، وقوله: «ثمَّ حذَف (١) الألفَ» يَحتملُ أن يكونَ بنقل حركة الهمزة لنون «لكن»، أو حُذفت مِن غير نقلٍ على غيرِ قياسٍ، قال في «الدر»: والأوَّل أحسنُ الوجهين، وقال في «المصابيح»: قولُ بعضِهم: نُقلتْ حركةُ الهمزةِ إلى النُّون، ثمَّ حُذِفتْ على القياسِ في التَّخفيف، ثم سُكِّنتِ النُّون وأُدغمت؛ مردودٌ لأنَّ المحذوف لعلَّةٍ بمنزلة الثابت؛ ولهذا تقول: هذا قاضٍ بالكسر لا بالرَّفع؛ لأنَّ حذف الياء للسَّاكنين، فهي مقدَّرةُ الثبوت، فيمتنع الإدغام؛ لأنَّ الهمزة فاصلة في التقدير. (﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] يَقُوْلُ: بَيْنَهُمَا نَهَرًا) وهذه ساقطة لغير أبي ذَرٍّ. (﴿زَلَقًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] (لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ) لكونها أرضًا ملساء، بل يزلق عليها، وهذه ساقطة لأبي ذَرٍّ أيضًا. (﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾) بكسر الواو، ولأبي ذَرٍّ: «الوَلَايَةُ» بفتحِها، لغتانِ بمعنًى، أو (٢) الكسرُ مِنَ الإمارة، والفتح من النُّصرة، وبالكسر قرأ (٣) حمزة والكسائي، وهي (مَصْدَرُ الوَلِيِّ) ولأبي ذَرٍّ: «مصدر ولي» بغير ألف ولام، وفي رواية: «مصدر ولي الولي ولاء» قال في «الفتح»: والأوَّل أصوبُ، والمعنى: النُّصرة في ذلك المقامِ لله وحدَه، لا يقدرُ عليها غيرُه. (﴿عُقْبًا﴾) في قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] أي: (عَاقِبَةٌ وَعُقْبَى وَعُقْبَةٌ وَاحِدٌ؛ وَهْيَ الآخِرَةُ) وقرأ عاصمٌ وحمزةُ ﴿عُقْبًا﴾ بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: هما لغتانِ: كالقُدْس والقُدُس، أوِ الضَّمُّ الأصلُ، والسكونُ تخفيفٌ منه، وكلاهما (٤) بمعنى العاقبة، وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ.

стр. 8669

(﴿قُبُلًا﴾) بكسر القاف وفتح الموحَّدة (و ﴿قُبُلًا﴾) بضمِّهِما، وبه قرأ الكوفيُّونَ، وبالأوَّل الباقون (وَقَبَلًا) بفتحهما (اسْتِئْنَافًا) قال أبو عبيدة: قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥] أي: أوَّلًا، فإن فتحوا أوَّلها؛ فالمعنى استئنافًا، فقول السَّفاقسيِّ: لا أعرف هذا التفسير، إنَّما هو استقبالًا، وهو يعود على «قَبَلًا» بفتح القاف، يُقال عليه: قد عرفه أبو عبيدةَ، ومنَ عرف حُجَّةٌ على مَن لم يعرف، وفسَّر الجمهور الأوَّل بمعنى: عيان، والضَّمُّ بأنَّه جمعُ «قبيل» بمعنى: أنواع، وانتصابُه على الحال من الضمير أو ﴿الْعَذَابُ﴾. (﴿لِيُدْحِضُوا﴾ [الكهف: ٥٦]) أي: (لِيُزِيلُوا) بالجدال الحقَّ عن موضعه ويُبطلوه (الدَّحَضُ): بفتح الحاء، هو (الزَّلَقُ) الذي لا يثبت فيه خُفٌّ ولا حافرٌ، وسقط لأبي ذَرٍّ «الدَّحَضُ الزَّلَق». (٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾) نصبٌ بـ «اذكر» مقدَّرًا (﴿لِفَتَاهُ﴾) يوشع بن نون، وإنَّما قيل: فتاه لأنَّه كان يخدُمُه ويتبعه، أو كان يأخذُ منه العلمَ (﴿لَا أَبْرَحُ﴾) يجوزُ أن تكونَ ناقصةً فتحتاج إلى خبرٍ، أي: لا أبرح أسير، فحُذِفَ الخبر لدلالة حاله وهو السَّفر عليه، ولكن نصَّ بعضهم أنَّ حذف خبرِ هذا الباب لا يجوزُ ولو بدليلٍ إلَّا (١) لضرورةٍ، كقولِه: لهَفَي عَلَيْك كلهفةٍ من خائفٍ … يبغي جِوارَك حين لاتَ (٢) مُجيرُ ويجوزُ أن تكونَ تامَّةً فلا تحتاجُ إلى خبرٍ، والمعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ بمعنى: ألزمُ المسيرَ والطَّلبَ حتى أبلُغَ، كما تقول: لا أبرحُ المكان، قيل: فعلى هذا يحتاج إلى حذف مفعول به، فالحذف لا بد منه على التقديرينِ (﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾) المكانَ الذي وُعِدَ فيه موسى لقاءَ الخضر؛ وهو مُلتقى بحري فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، وقولُ القرطبي وغيرُه من المفسِّرين والشُّرَّاح نقلًا عن ابن عبَّاس -المرادُ بـ ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اجتماعُ موسى والخضر؛

стр. 8670

لأنَّهما بحرا عِلْمٍ، أحدُهما: في الشَّرعيَّات، والآخر: في الباطن وأسرار الملكوت- غيرُ ثابتٍ، ولا يقتضيه اللفظ، ولا ينفي عن موسى عِلمَ أسرار الملكوت كما لا يخفى، وقد قال الزَّمخشريُّ: إنَّه مِن بِدَعِ التَّفاسير (﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]) أي: (زَمَانًا) طويلًا (وَجَمْعُهُ: أَحْقَابٌ) أو (١) الحقبُ ثمانون سنة، أو سبعون، أو الدَّهر.

стр. 8671

٤٧٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ) بفتح النُّون وسكون الواو وبالفاء المفتوحة، و «البِكالي» بكسر الموحَّدة وتخفيف الكاف وتشدَّد، وهو الذي في «اليونينيَّة» وغيرها (١)، ابنَ فَضالة -بفتح الفاء والمعجمة- ابن امرأة كعب، ولأبي ذَرٍّ: «البَكالي» بفتح الموحَّدة (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وإنَّما هو موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرجَ الزَّجرِ والتَّحذير، لا القدْح (٢) في نوفٍ؛ لأنَّ ابن عبَّاس قال ذلك في حال غضبه، وألفاظُ الغضب تقع على غيرِ الحقيقة غالبًا، وتكذيبُه له لكونه

стр. 8672

قال غيرَ الواقع، ولا يلزمُ منه تعمُّدُه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) نصٌّ في أنَّ موسى صاحبُ بني إسرائيل، ففيه ردٌّ على نوف البَِكالي (فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم (فَقَالَ: أَنَا) أي: أعلمُ النَّاس، قاله بحسبِ اعتقاده؛ لأنَّه نبيُّ ذلك الزَّمان، ولا أحد في زمانه أعلمُ منه، فهو خبرٌ صادقٌ على المذهبين، على قول مَن قال: صِدقُ الخبر مطابقتُه لاعتقاد المخبر ولو أخطأ، وهذا في غاية الظهور، وعلى قول مَن قال: صِدُق الخبر مطابقتُه للواقع؛ فهو إخبارٌ عن ظنِّه الواقعِ له؛ إذ معناه: أنا أعلم في ظَنِّي واعتقادي، وهو كان يظنُّ ذلك قطعًا، فهو مطابقٌ للواقع، وهذا الذي قالوه (١) هنا أبلغ من قوله في «باب الخروج في طلب العلم» [خ¦٧٨]: «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلمُ منك؟ فقال: لا» فإنَّه نفى هناك علمه، وهنا على البَتِّ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل (لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ) فيقول نحو: اللهُ أعلم، كما قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وعتب اللهُ عليه لئلَّا يقتدي به فيه مَن لم يبلغْ كمالَه في تزكيةِ نفسِهِ وعلوِّ درجته من أمَّته فيهلِك؛ لِمَا تضمَّنَه مِن مدح الإنسان نفسه، ويورثه ذلك من الكِبْر والعُجْب والدَّعوى، وإنْ نُزِّه عن هذه الرذائل الأنبياءُ فغيرهم بمدرجة سبيلها (٢) ودَرْكِ ليلِها إلَّا مَن عصمَه الله، فالتحفُّظُ منها أَولى لنفسه وليُقتدى به، ولهذا قال نبينا ﷺ تحفُّظًا مِن مثل هذا ممَّا قد عَلِمَ به: «أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ» ووجه الرَّدِّ عليه فيما ظنَّه كما ظنَّ نبيُّنا ﷺ أنَّه لم يقع منه نسيانٌ في قِصَّة ذي اليدين (٣) (فَأَوْحَى اللهُ) (إِلَيْهِ) إلى موسى (٤): (إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ) هو الخضر ﵇، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عند مجمع البحرين» (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) بشيءٍ مخصوص، لا يقتضي أفضليَّتَه به على موسى، كيف وموسى ﵇ جُمِعَ له بين الرِّسالة والتكليم والتوراة، وأنبياءُ بني إسرائيل داخلون كلُّهم تحت شريعته، وغايةُ الخضرِ أن يكونَ كواحدٍ منهم (قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ

стр. 8673

لِي بِهِ؟) أي: كيف يتهيَّأ ويتيسَّرُ لي أن أظفر به؟ (قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا) مِنَ السَّمك (فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح الفوقيَّة؛ الزنبيل الكبير، ويُجمع على مكاتِل (فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف، أي: تغيَّبَ عن عينيك (فَهْوَ) أي: الخضر (ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (فَأَخَذَ) موسى (حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به (ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ (١)) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «معه فتاه» (يُوشَعَ بْنِ نُونٍ) بالصَّرف كـ «نوح» (حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ) التي عند مجمع البحرين (وَضَعَا رُؤُوْسَهُمَا فَنَامَا) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «وناما» (وَاضْطَرَبَ الحُوتُ) أي: تحرَّكَ (فِي المِكْتَلِ) لأنَّه أصابه مِن ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصخرة شيءٌ؛ إذ إصابتها مقتضيةٌ للحياة (فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي البَحْرِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾) أي: طريقَه (﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]) أي: مَسْلَكًا (وَأَمْسَكَ اللهُ عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ) أي: مثلَ عقدِ البناء، وعند مسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «فاضطرب الحوت في الماء، فجعل يلتئِمُ عليه حتى صار مثل الكوَّة» (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) موسى (نَسِيَ صَاحِبُهُ) يوشع (أَنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ) أي: بما كان مِن أمره (فَانْطَلَقَا) سائرين (بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا) بنصب الفوقيَّة (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ مُوسَىَ لِفَتَاهُ) يوشع: (﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾) بفتح الغين ممدودًا، أي: طعامَنا الذي نأكلُه أوَّل النَّهار (﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) أي: تعبًا، ومرادُه: السَّيرُ بقيةَ اليوم والذي يليه، وفي الإشارة بهذا إشعارٌ بأنَّ هذا المسير كان أتعبَ لهما ممَّا سبق، فإنَّ رجاءَ المطلوبِ يُقَرِّبُ البعيد، والخيبة تُبعِدُ القريبَ؛ ولذا (قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ) فألقى عليه الجوع والنَّصب (فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ) يوشع: (﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: فإنِّي نسيتُ أن أخبرَك بخبرِ الحوت، ونَسَبَ النِّسيانَ لنفسه؛ لأنَّ موسى كان نائمًا إذ ذاك، وكره يوشَعُ أن يوقظَه، ونسيَ أن يُعْلِمَهُ بعدُ لِمَا قدَّرَه (٢) اللهُ تعالى عليهما مِن الخُطا.

стр. 8674

............. … ومَنْ كُتبِتْ (١) عليه خُطًا مَشَاها (﴿وَمَا أَنسَانِيهُ﴾) أي: وما أنساني ذكرَه (﴿إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) نَسَبَه للشَّيطان تأدُّبًا مع الباري تعالى؛ إذ نسبةُ النُّقصِ للنَّفس والشَّيطان أليقُ بمقامِ الأدبِ (﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ (٢) عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]) يجوز أن يكون (٣) ﴿عَجَبًا﴾ مفعولًا ثانيًا لـ ﴿اتَّخَذَ﴾ أي: واتخذ سبيله في البحر سبيلًا عجبًا (٤): وهو كونه كالسَّرَب، والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ﴿اتَّخَذَ﴾ وفاعل ﴿اتَّخَذَ﴾ قيل: الحوت، وقيل: موسى، أي: اتَّخذ موسى سبيل الحوت في البحر عَجَبًا (قَالَ: فَكَانَ) دخول الحوت في الماء (لِلْحُوتِ سَرَبًا) مَسلكًا (وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا) وهو أنَّ أثرَه بقي إلى حيث سار، أو جمد الماء تحته، أو صار صخرًا، أو ضرب بذنبه فصار المكان يَبَسًا، وعند ابن أبي حاتم من طريق قتادة قال: عَجِبَ موسى أن تَسْرُب (٥) حوتٌ مملَّح في مِكْتَلٍ (فَقَالَ مُوسَى) ليوشع: (﴿ذَلِكَ﴾) الذي ذكرتَه مِن حياة الحوت ودخوله في (٦) البحر (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبُه؛ إذ هو آيةٌ على المطلوب (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] قَالَ: رَجَعَا) في الطَّريق الذي جاءا فيه (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا) قَصَصًا، أي: يتبعان آثارَ مسيرهما (٧) اتِّباعًا، قال صاحب «الكشف» -فيما حكاه الطِّيبيُّ عنه-: ﴿قَصَصًا﴾: مصدرٌ لفعلٍ مضمرٍ يدُلُّ عليه ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ إذ معنى: فارتدا على آثارهما واقتصا الأثر واحدٌ (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) أي: التي فعل فيها الحوت ما فعل، كما عند النَّسائيِّ في روايته، فذهبا يلتمسان الخَضِر (فَإِذَا رَجُلٌ) نائم (مُسَجًّى ثَوْبًا) بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منوَّنة (٨)، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «بثوبٍ» أي: مغطًّى كلُّه به،

стр. 8675

ولمسلمٍ: «مُسَجًّى ثوبًا مستلقيًا على القفا» ولعبد بن حُميد من طريق أبي العالية: «فوجده نائمًا في جزيرة من جزائر البحر ملتفًّا بكساءٍ» (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ) أي: بعد أن كشف وجهه، كما في الرِّواية الآتية [خ¦٤٧٢٦] هنا إن شاء الله تعالى: (وَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشدَّدة، أي: وكيف (١) (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وفي الرواية الآتية: «وهل بأرضي من سلام؟» وفيه دلالة: على أنَّ أهل تلك الأرض لم يكونوا مسلمين، أو كانت تحيَّتُهم غيرَه (قَالَ: أَنَا مُوسَى) في الآتية [خ¦٤٧٢٦] «قال: مَن أنت؟ قال: أنا موسى» (قَالَ) أي: الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ) أي: موسى: (نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي) وفي الرِّواية الآتية [خ¦٤٧٢٦]: «قال: ما شأنُك؟ قال: جئتُ لتعلِّمَني» (مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) قال أبو البقاء: ﴿رُشْدًا﴾ مفعولُ «تعلِّمني» ولا يجوزُ أن يكونَ مفعول «عُلِّمْتَ» لأنَّه لا عائدَ إذن على الموصول، أي: علمًا ذا رَشَدٍ (﴿قَالَ﴾) أي: الخضر لموسى: (﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]) نفى عنه استطاعةَ الصَّبر معه على وجوهٍ من (٢) التَّأكيد، وهو عِلَّةٌ لمنعه مِنِ اتِّباعه، فإنَّ موسى ﵊ لمَّا قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾ كأنَّه قال: لا لأنَّك لن تستطيع معي صبرًا، وعبَّر بالصيغة الدَّالَّةِ على استمرار النَّفي؛ لِمَا أطلعه الله عليه مِن أنَّ موسى لا يَصْبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع لمكان عصمته، قال الخضر ﵊: (يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ) جميعَه (أَنْتَ، وَأَنْتَ

стр. 8676

عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَ اللهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «علَّمَكَهُ الله» (لَا أَعْلَمُهُ) جميعَه، وهذا التَّقديرُ أو (١) نحوُه واجبٌ لا بدَّ منه، وقد غَفَلَ بعضُهم عن ذلك، فقال في مجموعٍ له لطيفٍ في الخصائص النَّبويَّة: إنَّ مِن خصائص نبينا ﷺ أنَّه جُمعتْ له الشَّريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلَّا إحداهما (٢)؛ بدليل قِصَّة موسى مع الخضر، وقولِه: «إنِّي على علم لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه» وهذا الذي قاله يلزمُ منه خلوُّ أُولي العَزْم عليهم الصلاة والسلام -غير نبيِّنا- من علم الحقيقة الذي لا ينبغي خلوُّ بعضِ آحادِ الأولياء عنه، وإخلاء الخضر ﵊

стр. 8677

عن (١) علم الشَّريعة الذي لا يجوز لآحاد المكلَّفين الخلوَّ عنه؟! وهذا لا يخفى ما فيه من الخطر العظيم، واحتجَّ لذلك بقوله: إنَّه أراد الجمع في الحكم والقضاء تمسُّكًا بحديث السَّارق في زمنه ﷺ ، قال: «اقتلوه» فقيل: إنَّما سرق، فقال: «اقطعوه» إلى أن أتى على قوائمه الأربع، ثم سَرَق في زمن الصِّدِّيق بفيه فأمر بقتله، قلت: وهو مرويٌّ عند الدَّارقطنيِّ من حديث جابر بلفظ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتي بسارق فقطع يده، ثم أُتي به ثانيًا فقطع رجله، ثم أُتي به ثالثًا فقطع يده، ثم أُتي به رابعًا فقطع رجله، ثم أتي به خامسًا فقتله، وفيه محمَّد بن يزيد بن سنان (٢)، وقال الدَّارقطنيُّ -فيما حكاه الحافظ ابن حجرٍ في «أمالي الرَّافعي» - إنَّه ضعيفٌ، قال: ورواه أبو داود والنَّسائي بلفظ: «جيء بسارقٍ إلى رسول الله ﷺ فقال: اقتلوه، فقالوا (٣): يا رسول الله إنَّما سرق، قال: اقطعوه فقُطع، ثم جيءَ به الثَّانية، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله؛ إنَّما سرق، قال: اقطعوه (٤) فذكره كذلك، قال: فجيء به الخامسة، فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النَّعَم فاستلقى على ظهره، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة»، وفي إسناده مصعب بن ثابت، وقد قال النسائيُّ: ليس بالقوي، وهذا الحديث منكر، ولا أعلم فيه حديثًا صحيحًا، ورواه النَّسائيُّ والحاكم عن الحارث بن حاطب الجُمَحيِّ، وأبو نُعيم في «الحلية» عن عبد الله بن زيد الجُهنِّي، وقال ابنْ عبد البَرِّ: حديثُ القتل منكرٌ لا أصلَ له، وقال الشَّافعيُّ: منسوخٌ، لا خلاف فيه عند أهل العلم. انتهى. وهذا لا دلالة فيه أصلًا على ما ادَّعاه من مراده على ما لا يخفى، ولئن سلَّمنا ذلك كان عليه أن يُلحق ذلك في مجموعه المذكور عقب قوله ذلك؛ ليَسْلَمَ من وَصْمَةِ الإطلاق؛ إذِ المراد لا يدفع الإيراد، لكنا لا نسلِّمُه، فتأمَّلْه.

стр. 8678

(فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ صَابِرًا﴾) على ما أرى منك غيرَ منكِرٍ عليك، وعلَّق الوعدَ بالمشيئة للتَّيمُّن، أو عِلمًا منه بشدَّة الأمر وصعوبته؛ فإنَّ مشاهدة الفساد شيءٌ لا يُطاق (﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]) أي: ولا أُخالفُك في شيءٍ (فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾) تُنكِرُه منِّي ولم تعلم وجه صِحَّتِه (﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]) حتى أبدأَك أنا به قبل أن تسألَني (﴿فَانطَلَقَا﴾) لمَّا توافقا، واشترط عليه ألَّا يسأله عن شيءٍ أنكرَه عليه حتى يبدأ به (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ) أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السفينة (أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا) أي: أصحاب السفينة (الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُ) أي: الخضر ومَن معه، ولأبي ذَرٍّ: «فحملوهم» (١) وله أيضًا: «فحُمِلُوا» أي: الثَّلاثة، وهو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النُّون؛ بغير أجرٍ إكرامًا للخضر (فَلَمَّا رَكِبَا) موسى والخضرُ (فِي السَّفِينَةِ) لم يَذكر يُوشَع؛ لأنَّه تابع غيرُ مقصودٍ بالأصالة (لَمْ يَفْجَأْ) موسى ﵊ بعد أن صارت السَّفينةُ في لجَّةِ البحرِ (إِلَّا وَالخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ) بفتح القاف وضمِّ الدَّال المهملة المخفَّفة (٢)، فانخرقت (فَقَالَ لَهُ مُوسَى) منكِرًا عليه بلسان الشَّريعة: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا) ولأبي ذرٍّ: «قد حملونا» (بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) قيل: اللَّام في «لِتُغرِقَ» للعلَّة، ورُجِّح كونَها للعاقبة؛ كقوله: ..................... … لِدُوا لِلْمَوْتِ وابنُوا لِلْخَرَابِ (﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]) عظيمًا أو مُنكَرًا (﴿قَالَ﴾) الخضرُ مُذَكِّرًا لِمَا مرَّ مِنَ الشَّرط: (﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]) استفهامٌ إنكاريٌّ (﴿قَالَ﴾) موسى للخضرِ: (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾) من وصيَّتِكَ. وفي هذا النِّسيان أقوالٌ:

стр. 8679

أحدُها: أنَّه على حقيقته لِمَا رأى فعلَه المؤدِّي إلى إهلاك الأموال والأنفس؛ فلِشدَّة غضبه لله نَسِيَ، ويؤيِّدُه قوله ﵊ في هذا الحديث قريبًا: «وكانت الأولى من موسى نسيانًا» [خ¦٤٧٢٦]. الثَّاني: أنَّه لم ينسَ ولكنَّه مِن المعاريض، وهو مرويٌّ عنِ ابن عبَّاس؛ لأنَّه إنَّما (١) رأى العهد في أن يسأل، لا في إنكار هذا الفعل، فلمَّا عاتبه الخضِر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ﴾ قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: في الماضي، ولم يقل: إنِّي نسيتُ وصيَّتَك. الثَّالث: أنَّ النِّسيان بمعنى التَّرك، وأطلقه عليه؛ لأنَّ النِّسيان سبب للترك؛ إذ هو من ثمراته، أي: لا تؤاخذني بما تركته ممَّا عاهدتك عليه، فإنَّ المرَّة الواحدة معفوٌّ عنها، ولا سيَّما إذا كان لها سببٌ ظاهرٌ. (﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]) لا تضايقني بهذا القدر فتعسُر مصاحبتُك، أو لا تكلِّفني ما لا أقدرُ عليه (قَالَ) أُبيُّ بن كعبٍ: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَكَانَتِ الأُولَى) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وكانت في الأولى» (مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمِّ العين (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ) أي: لموسى (الخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ) أي: مِن معلومه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في علم الله» (إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ) ونقصُ العصفورِ لا تأثيرَ له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، ولا ريبَ أنَّ علمَ الله لا يدخُلُه نقصٌ (ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ) بعد أنِ اعتذر موسى له، وسأله ألَّا (٢) يرهقَه مِن أمرِه عسرًا، وقَبِلَ عُذْرَه وأجاب سؤالَه وأدامه (٣) على الصحبة (٤) (فَبَيْنَا) بغير ميم

стр. 8680

(هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ؛ إِذْ بَصُرَ الخَضِرُ) بفتح الموحَّدة وضمِّ الصَّاد المهملة (غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ) قيل: اسمه جيسور، وقيل: حيسور، وقيل: حنسور (١)، وقيل: حيسون (٢) وقيل: شمعون، وقيل غير ذلك ممَّا لم يثبت، ولعلَّ المفسِّرين نقلوه من كتب أهل الكتاب (فَأَخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «برأسه فاقتلعه» (فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى) لمَّا شاهد ذلك منه منكِرًا عليه أشدَّ مِنَ الأوَّل: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بالألف والتَّخفيف، وهي قراءة الحِرْمِيَّيْنِ وأبي عمرٍو؛ اسم فاعل مِن «زكا» أي: طاهرةً مِنَ الذُّنوب، ووصفها بهذا الوصف؛ لأنَّه لم يرها أذنبت، أو لأنَّها صغيرة لم تبلغ الحِنْث، لكن قولُه: (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾) يردُّه؛ إذ لو كان لم يحتلم؛ لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس، وقرأَهُ الباقون بالتَّشديد مِن غير ألفٍ، أخرجوه إلى «فعيلة» للمبالغة؛ لأنَّ «فعيلًا» المحوَّل مِن فاعل يَدلُّ على المبالغة، وحكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى ﵊ لمَّا قال للخضر: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ غضب الخضرُ، واقتلعَ كَتِفَ الصَّبيِّ الأيسر، وقشرَ اللحمَ عنه، وإذا في عظم كَتِفِه (٣) مكتوبٌ: كافرٌ لا يُؤمنُ بالله أبدًا (﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]) منكرًا تُنكِرُه العقول، وتنفِرُ عنه النُّفوس، وهو أبلغ في (٤) تقبيح الشَّيء مِنَ الإِمْرِ، وقيل: بالعكس؛ لأنَّ الإِمْرَ هو الدَّاهيةُ العظيمة (﴿قَالَ﴾) الخضرُ: (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]) قال في «الكشاف»: فإن قلت: ما معنى زيادة ﴿لَكَ﴾؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض

стр. 8681

الوصية، والوسم بقِلَّة الصَّبر عند الكرَّة الثَّانية (قَالَ) أي: سفيانُ بنُ عُيينةَ، كما في «كتاب العلم» [خ¦١٢٢]: (وَهَذَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وهذه» (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى) لِمَا فيها من زيادة ﴿لَّكَ﴾ (﴿قَالَ﴾) موسى له: (﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ [الكهف: ٧٦]) أي: بعد هذه المرَّة، أو بعد هذه القِصَّة، فأعاد الضَّمير عليها وإن كانت لم يتقدَّم لها ذكر صريحٌ؛ حيث كانت في ضمن القول (﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) وإن طلبتُ صحبتكَ (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾) أي: قد أعذرت (١) إليَّ مرَّة بعد أُخرى، فلم يبقَ موضعٌ للاعتذار (﴿فَانطَلَقَا﴾) بعد المرَّتين الأولتين (٢) (﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾) قيل: هي أنطاكية أو أذربيجان أو الأبلّة أو بوقة أو ناصرة أو جزيرة الأندلس، قال في «الفتح»: وهذا الاختلاف قريبٌ من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدَّة التَّباين في ذلك يقتضي (٣) ألَّا يُوثق بشيءٍ من ذلك، وعند مسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «أهل قرية لئامًا» أي: بخلاء، فطافا المجالس (﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) واستضافوهم (﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا﴾) عرضُه خمسون ذِراعًا في مئة ذراعٍ بذراعهم، قاله الثَّعلبيُّ، وقال غيرُه: سُمكه مئتا ذِراع، وظله على وجه الأرض خمس مئة ذراع وعرضه خمسون (﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) إسنادُ الإرادة إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ فإنَّ الإرادة للجدار لا حقيقة لها، وقد كان أهلُ القرية يمرُّون تحته خائفين (قَالَ) في معنى ﴿يَنقَضَّ﴾: إنَّه (مَائِلٌ، فَقَامَ الخَضِرُ ﴿فَأَقَامَهُ﴾ بِيَدِهِ) أي: فردَّه إلى حالة الاستقامة، وهذا خارقٌ، ولأبي ذَرٍّ: «فقال الخضر بيده فأقامه» (فَقَالَ مُوسَى) لمَّا رأى مِن (٤) شدَّة الحاجة والاضطرار والافتقار إلى المطعم، وحرمان أصحاب الجدار لهم (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ) فاستطعمناهم واستضفناهم (فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾) بهمزة وصلٍ وتشديد الفوقيَّة وفتح الخاء، وهي قراءة غير أبي عمرو وابن كثير (﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]) أي: جُعلًا نستعينُ به في عشائِنا (﴿قَالَ﴾) الخضر له: (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) بإضافة الفِراق إلى البين إضافةَ المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨ - ٨٢]) أي: هذا

стр. 8682

التفسير، أي: المذكور (١) في الآية: ما ضقتَ به ذَرْعًا، ولم تصبر حتى أخبركَ به ابتداءً (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَدِدْنَا) بفتح الواو وكسر الدَّال الأولى وسكون الثَّانية (أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا) إذ لو صبرَ لرأى أعجب الأعاجيب. (قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بالسَّند السَّابق: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ)) بكسر اللام ((يَأْخُذُ كُلَّ سَفِيْنَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وَكَانَ يَقْرَأُ) أيضًا: ((وأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) [الكهف: ٨٠]) وهذه قراءةٌ شاذَّةٌ؛ لمخالفتها المصحف العثماني، لكنها كالتَّفسير. وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» [خ¦٧٤] [خ¦٧٨] [خ¦١٢٢] وأخرجه المؤلِّف في أكثر من عشرة مواضع من كتابه «الجامع» [خ¦٢٢٦٧] [خ¦٢٧٢٨] [خ¦٣٢٧٨] [خ¦٣٤٠٠] [خ¦٤٧٢٦] [خ¦٤٧٢٧] [خ¦٦٦٧٢] [خ¦٧٤٧٨]. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (قوله) : (﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾) أي: مجمع البحرين، و ﴿بَيْنِهِمَا﴾: ظرفٌ أُضيفَ إليه على الاتساع (﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]) نسي يوشعُ أنْ يَذْكُرَ لموسى ما رأى من حياة الحوت ووقوعه في البحر، ونسي موسى أن يطلبه ويتعرَّف حاله؛ ليشاهد منه تلك الأمارة التي جعلت لها، وذلك أنَّ موسى ﵇ وُعِدَ أنَّ لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما مَرَّ، وأنَّ فَقْدَ الحوتِ علامةٌ للقائه، فلمَّا بلغ الموعد؛ كان مِن حقِّهما أن يتفقدا أمر الحوت، أمَّا الفتى فلكونه كان خادمًا له وكان عليه أن يقدِّمه بين يديه، وأمَّا موسى فلكونه كان أميرًا عليه (٢) كان عليه أن يأمُرَه بإحضاره، فنسي كلُّ واحدٍ ما عليه، وإنَّما احتيج إلى التَّأويل؛ لأنَّ النِّسيان لا يتعلَّقُ بالذَّوات، كما سبق عن الرَّاغب في تعريفه النِّسيان: تركُ ضَبْطِ ما استَودع، إمَّا لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قَصْدٍ، حتى يحذف عن القلب ذكره، قاله في «فتوح الغيب» (﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ سَرْبًا) بسكون الرَّاء في الفرع كأصله (٣)، ولأبي ذَرٍّ: «﴿سَرَبًا﴾

стр. 8683

[الكهف: ٦١]» بفتحها، أي: (مَذْهَبًا، يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، وَمِنْهُ) أي: ومن «سربًا» قوله: (﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]) قال أبو عبيدة أي: سالك في سربه، أي: مذهبه، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ، وسقط له لفظ «قوله».

стр. 8684

٤٧٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ بالإفراد (١) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاءُ الصَّغيرُ الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) اليمانيُّ قاضيها (٢) (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملك بنَ عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ) بنِ هُرمز المكِّيُّ البصريُّ الأصل (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: فتستفاد (٣) زيادة أحدهما على الآخر مِنَ الإسناد الذي قبله، فإنَّ الأوَّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط، وهو أحد شيخي ابن جُريج فيه (وَغَيْرَهُمَا) هو مِن كلام ابن جريج، أي: وغير يَعلى

стр. 8685

وعمرو (قَدْ سَمِعْتُهُ) حالَ كونهِ (يُحَدِّثُهُ) أي: يحدِّث (١) الحديث المذكور (عَنْ سَعِيدٍ) وكان الأصلُ أن يقول: يحدِّث به، لكنَّه عدَّاه بغير الباء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يحدِّث» بحذف الضمير المنصوب، وقد عيَّن ابنُ جريجٍ بعضَ مَن أبهمَه في قوله: «وغيرهما» كعثمان بن أبي سليمان وروى شيئًا من هذه القصة عن سعيد بن جبير، من مشايخ ابن جريج: عبد الله بن عثمان بن خُثَيم (٢)، وعبد الله بن هرمز، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممَّن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السَّبيعيُّ، وروايتُه عند مسلمٍ وأبي داود وغيرهما، والحَكَم بن عُتيبة (٣) وروايتُه في «السِّيرة الكبرى» لابن إسحاق، كما نبَّه على ذلك في «الفتح»، وفي رواية أبي ذرٍّ: «عن سعيد بن جبير» أنَّه (قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) حالَ كونِه (فِي بَيْتِهِ) واللَّام في «لَعِندَ» للتَّأكيد (إِذْ قَالَ: سَلُونِي) قال سعيدُ بنُ جُبير: (قُلْتُ: أَيْ أَبَا عَبَّاسٍ) يعني: يا أبا عبَّاس، وهي كُنية عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ (جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، بِالكُوفَةِ رَجُلٌ قَاصٌّ) بتشديد الصَّاد المهملة، يقصُّ على النَّاس الأخبار من المواعظ وغيرها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إنَّ بالكوفة رجلًا قاصًّا» (يُقَالُ لَهُ: نَوْفٌ) بفتح النون وسكون الواو آخره فاء منونًا منصرفًا، في الفصحى؛ بطنٌ من العرب، وعلى تقدير أن يكون (٤) أعجميًّا؛ فمنصرف كنوح لسكون وسطه، واسمه فَضَالة، وهو ابنُ امرأة كعب الأحبار (يَزْعُمُ أَنَّهُ) أي: موسى صاحبَ الخضِر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المرسَلِ إليهم، والباء زائدة للتوكيد، وأُضيف إلى
следующие страницы →