← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

الوصية، والوسم بقِلَّة الصَّبر عند الكرَّة الثَّانية (قَالَ) أي: سفيانُ بنُ عُيينةَ، كما في «كتاب العلم» [خ¦١٢٢]: (وَهَذَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وهذه» (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى) لِمَا فيها من زيادة ﴿لَّكَ﴾ (﴿قَالَ﴾) موسى له: (﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ [الكهف: ٧٦]) أي: بعد هذه المرَّة، أو بعد هذه القِصَّة، فأعاد الضَّمير عليها وإن كانت لم يتقدَّم لها ذكر صريحٌ؛ حيث كانت في ضمن القول (﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) وإن طلبتُ صحبتكَ (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾) أي: قد أعذرت (١) إليَّ مرَّة بعد أُخرى، فلم يبقَ موضعٌ للاعتذار (﴿فَانطَلَقَا﴾) بعد المرَّتين الأولتين (٢) (﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾) قيل: هي أنطاكية أو أذربيجان أو الأبلّة أو بوقة أو ناصرة أو جزيرة الأندلس، قال في «الفتح»: وهذا الاختلاف قريبٌ من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدَّة التَّباين في ذلك يقتضي (٣) ألَّا يُوثق بشيءٍ من ذلك، وعند مسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «أهل قرية لئامًا» أي: بخلاء، فطافا المجالس (﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) واستضافوهم (﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا﴾) عرضُه خمسون ذِراعًا في مئة ذراعٍ بذراعهم، قاله الثَّعلبيُّ، وقال غيرُه: سُمكه مئتا ذِراع، وظله على وجه الأرض خمس مئة ذراع وعرضه خمسون (﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) إسنادُ الإرادة إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ فإنَّ الإرادة للجدار لا حقيقة لها، وقد كان أهلُ القرية يمرُّون تحته خائفين (قَالَ) في معنى ﴿يَنقَضَّ﴾: إنَّه (مَائِلٌ، فَقَامَ الخَضِرُ ﴿فَأَقَامَهُ﴾ بِيَدِهِ) أي: فردَّه إلى حالة الاستقامة، وهذا خارقٌ، ولأبي ذَرٍّ: «فقال الخضر بيده فأقامه» (فَقَالَ مُوسَى) لمَّا رأى مِن (٤) شدَّة الحاجة والاضطرار والافتقار إلى المطعم، وحرمان أصحاب الجدار لهم (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ) فاستطعمناهم واستضفناهم (فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾) بهمزة وصلٍ وتشديد الفوقيَّة وفتح الخاء، وهي قراءة غير أبي عمرو وابن كثير (﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]) أي: جُعلًا نستعينُ به في عشائِنا (﴿قَالَ﴾) الخضر له: (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) بإضافة الفِراق إلى البين إضافةَ المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨ - ٨٢]) أي: هذا

стр. 8682

التفسير، أي: المذكور (١) في الآية: ما ضقتَ به ذَرْعًا، ولم تصبر حتى أخبركَ به ابتداءً (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَدِدْنَا) بفتح الواو وكسر الدَّال الأولى وسكون الثَّانية (أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا) إذ لو صبرَ لرأى أعجب الأعاجيب. (قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بالسَّند السَّابق: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ)) بكسر اللام ((يَأْخُذُ كُلَّ سَفِيْنَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وَكَانَ يَقْرَأُ) أيضًا: ((وأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) [الكهف: ٨٠]) وهذه قراءةٌ شاذَّةٌ؛ لمخالفتها المصحف العثماني، لكنها كالتَّفسير. وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» [خ¦٧٤] [خ¦٧٨] [خ¦١٢٢] وأخرجه المؤلِّف في أكثر من عشرة مواضع من كتابه «الجامع» [خ¦٢٢٦٧] [خ¦٢٧٢٨] [خ¦٣٢٧٨] [خ¦٣٤٠٠] [خ¦٤٧٢٦] [خ¦٤٧٢٧] [خ¦٦٦٧٢] [خ¦٧٤٧٨]. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (قوله) : (﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾) أي: مجمع البحرين، و ﴿بَيْنِهِمَا﴾: ظرفٌ أُضيفَ إليه على الاتساع (﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]) نسي يوشعُ أنْ يَذْكُرَ لموسى ما رأى من حياة الحوت ووقوعه في البحر، ونسي موسى أن يطلبه ويتعرَّف حاله؛ ليشاهد منه تلك الأمارة التي جعلت لها، وذلك أنَّ موسى ﵇ وُعِدَ أنَّ لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما مَرَّ، وأنَّ فَقْدَ الحوتِ علامةٌ للقائه، فلمَّا بلغ الموعد؛ كان مِن حقِّهما أن يتفقدا أمر الحوت، أمَّا الفتى فلكونه كان خادمًا له وكان عليه أن يقدِّمه بين يديه، وأمَّا موسى فلكونه كان أميرًا عليه (٢) كان عليه أن يأمُرَه بإحضاره، فنسي كلُّ واحدٍ ما عليه، وإنَّما احتيج إلى التَّأويل؛ لأنَّ النِّسيان لا يتعلَّقُ بالذَّوات، كما سبق عن الرَّاغب في تعريفه النِّسيان: تركُ ضَبْطِ ما استَودع، إمَّا لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قَصْدٍ، حتى يحذف عن القلب ذكره، قاله في «فتوح الغيب» (﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ سَرْبًا) بسكون الرَّاء في الفرع كأصله (٣)، ولأبي ذَرٍّ: «﴿سَرَبًا﴾

стр. 8683

[الكهف: ٦١]» بفتحها، أي: (مَذْهَبًا، يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، وَمِنْهُ) أي: ومن «سربًا» قوله: (﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]) قال أبو عبيدة أي: سالك في سربه، أي: مذهبه، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ، وسقط له لفظ «قوله».

стр. 8684

٤٧٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ بالإفراد (١) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاءُ الصَّغيرُ الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) اليمانيُّ قاضيها (٢) (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملك بنَ عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ) بنِ هُرمز المكِّيُّ البصريُّ الأصل (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: فتستفاد (٣) زيادة أحدهما على الآخر مِنَ الإسناد الذي قبله، فإنَّ الأوَّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط، وهو أحد شيخي ابن جُريج فيه (وَغَيْرَهُمَا) هو مِن كلام ابن جريج، أي: وغير يَعلى

стр. 8685

وعمرو (قَدْ سَمِعْتُهُ) حالَ كونهِ (يُحَدِّثُهُ) أي: يحدِّث (١) الحديث المذكور (عَنْ سَعِيدٍ) وكان الأصلُ أن يقول: يحدِّث به، لكنَّه عدَّاه بغير الباء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يحدِّث» بحذف الضمير المنصوب، وقد عيَّن ابنُ جريجٍ بعضَ مَن أبهمَه في قوله: «وغيرهما» كعثمان بن أبي سليمان وروى شيئًا من هذه القصة عن سعيد بن جبير، من مشايخ ابن جريج: عبد الله بن عثمان بن خُثَيم (٢)، وعبد الله بن هرمز، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممَّن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السَّبيعيُّ، وروايتُه عند مسلمٍ وأبي داود وغيرهما، والحَكَم بن عُتيبة (٣) وروايتُه في «السِّيرة الكبرى» لابن إسحاق، كما نبَّه على ذلك في «الفتح»، وفي رواية أبي ذرٍّ: «عن سعيد بن جبير» أنَّه (قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) حالَ كونِه (فِي بَيْتِهِ) واللَّام في «لَعِندَ» للتَّأكيد (إِذْ قَالَ: سَلُونِي) قال سعيدُ بنُ جُبير: (قُلْتُ: أَيْ أَبَا عَبَّاسٍ) يعني: يا أبا عبَّاس، وهي كُنية عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ (جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، بِالكُوفَةِ رَجُلٌ قَاصٌّ) بتشديد الصَّاد المهملة، يقصُّ على النَّاس الأخبار من المواعظ وغيرها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إنَّ بالكوفة رجلًا قاصًّا» (يُقَالُ لَهُ: نَوْفٌ) بفتح النون وسكون الواو آخره فاء منونًا منصرفًا، في الفصحى؛ بطنٌ من العرب، وعلى تقدير أن يكون (٤) أعجميًّا؛ فمنصرف كنوح لسكون وسطه، واسمه فَضَالة، وهو ابنُ امرأة كعب الأحبار (يَزْعُمُ أَنَّهُ) أي: موسى صاحبَ الخضِر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المرسَلِ إليهم، والباء زائدة للتوكيد، وأُضيف إلى

стр. 8686

بني إسرائيل مع العلميَّة لأنَّه نُكِّر، بأن أُوِّلَ بواحدٍ مِنَ الأمَّة المسمَّاة به، ثمَّ أُضيف إليه، قال ابن جُريج: (أَمَّا عَمْرٌو) يعني: ابن دينارٍ (١) (فَقَالَ) في تحديثه (لِي) عن سعيدٍ: (قَالَ) أي (٢): ابن عبَّاسٍ: (قَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) يعني: نوفًا، وسقط لأبي ذَرٍّ «قال قد» (وَأَمَّا يَعْلَى) ابن مسلمٍ (فَقَالَ لِي) في تحديثه عن سعيدٍ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :) و (مُوسَى رَسُولُ اللهِ) وفي الفرع كأصله: «﵇» (قَالَ: ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْمًا) بتشديد الكاف، من التَّذكير، أي: وعظهم (حَتَّى إِذَا فَاضَتِ العُيُونُ) بالدموع (وَرَقَّتِ القُلُوبُ) لتأثير وعظِه في قلوبهم (وَلَّى) تخفيفًا لئلَّا يملُّوا، وهذا ليس في رواية سفيان [خ¦٤٧٢٥] فظهر أنَّه من رواية يَعلى بن مسلم عن عمرٍو، وقال (٣) العَوفيُّ عن ابن عبَّاس -فيما ذكره ابن كثير-: لمَّا ظَهَرَ موسى وقومُه على مصر؛ أمره الله أن يُذكِّرهم بأيَّام الله، فخطبهم فذكَّرهم إذ أنجاهمُ الله مِن آل فرعون، وذكَّرهم هلاكَ عدوِّهم، وقال: كلَّم الله موسى (٤) نبيُّكم تكليمًا، واصطفاه لنفسه، وأنزل عليه محبةً منه، وآتاكم من كلِّ ما سألتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهل الأرض (فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ) لموسى: (أَيْ رَسُولَ اللهِ؛ هَلْ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا) فإن قلت: هل بين هذا وبين قوله في رواية سفيان السَّابقة هنا [خ¦٤٧٢٥]: «فسُئل: أيُّ النَّاس أعلمُ؟ فقال: أنا» فرقٌ؟ أجيب بأنَّ بينهما فرقًا؛ لأنَّ رواية سفيان تقتضي الجزمَ بالأعلميَّة له، وهذه تنفي الأعلميَّة عن غيره عليه، فيبقى احتمالُ المساواة، قاله في «الفتح» (فَعَتَبَ) بفتح العين (عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَى اللهِ)

стр. 8687

في الرِّواية السَّابقة وغيرها [خ¦٤٧٢٥]: «فَعَتَبَ اللهُ عليه إذ لم يرُدَّ العِلمَ إليه» على التَّقديم والتَّأخير (قِيلَ: بَلَى) زاد في رواية الحرِّ بنِ قيس: «عبدنا خَضِرٌ» [خ¦٧٤] ولمسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «إنَّ في الأرض رجلًا هو أعلمُ منك» (قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ فَأَيْنَ) أي: فأين أجدُه؟ أو فأين هو؟ وللنَّسائيِّ: «فادلُلْنِي على هذا الرَّجل حتى أتعلَّمَ منه» ولأبي ذَرٍّ: «وأين» (قَالَ: بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ) بحرَي فارس والرُّوم، أو بحري المشرق والمغرب المحيطين بالأرض، أو العذب والملح (قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ اجْعَلْ لِي عَلَمًا أَعْلَمُ ذَلِكَ) المطلوب (مِنْهُ) وفي نسخة: «به» قال ابن جُريج: (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال» (لِي عَمْرٌو) هو ابن دِينارٍ: (قَالَ): العَلَمُ على ذلك المكانُ (حَيْثُ يُفَارِقُكَ الحُوتُ) فإنَّك تلقاه (وَقَالَ لِي يَعْلَى) بنُ مسلمٍ: (قَالَ: خُذْ نُونًا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خذ حوتًا» (مَيِّتًا) ولمسلمٍ في رواية أبي إسحاق: «فقيل له: تزوَّد حوتًا مالحًا، فإنَّه حيث تفقد الحوت» (حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ) أي: في الحوت (الرُّوحُ) بيانٌ لقوله: «حيث يفارقُك الحوت» (فَأَخَذَ) موسى (حُوتًا) ميتًا مملوحًا، وقيل: شِقُّ حوت مملَّح، ولابن أبي حاتم: أنَّ موسى وفتاه اصطاداه (فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، فَقَالَ لِفَتَاهُ: لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفَارِقُكَ الحُوتُ، قَالَ) فتاه: (مَا كَلَّفْتَ) أي: ما كلفتني (كَثِيرًا) بالمثلَّثة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «كبيرًا» بالموحَّدة (فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ) بالصَّرف، قال ابن جُريج: (لَيْسَتْ) تسمية الفتى (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابنُ جُبير (قَالَ: فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ) أي: موسى وفتاه تبعٌ له (فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ) حالَ كَونِه (فِي مَكَانٍ ثَرْيَانَ) بمثلَّثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتيَّة مفتوحة وبعد الألف نون، صفة لـ «مكان» مجرورٌ بالفتحة لا ينصرف؛ لأنَّه من «باب فَعْلان فَعْلَى» أو منصوبٌ حالًا مِنَ الضَّمير المستتر في الجارِّ والمجرور، ويجوزُ «ثريانًا» بالنَّصب حالًا كما مرَّ، وبالتَّنوين منصرفًا على لغة بني أسد؛ لأنَّهم يصرفون كلَّ صفةٍ على «فعلان»، ويؤنِّثونه بالتاء، ويستغنون فيه بـ «فَعْلانة» عن «فَعْلَى» (١)، فيقولون: «سَكْرانة» و «غَضْبانة» و «عطشانة» فلم تكن الزيادة عندَهم في «فَعْلان» شبيهة بألفي «حَمْراء» فلم تمنع من

стр. 8688

الصَّرف، وفي بعض الأصول: «ثريانٍ» بالجرِّ صفة لـ «مكان» وبالتَّنوين كما مرَّ، وهو مِنَ الثرى، قال في «النِّهاية»: يقال: مكان ثريان وأرض ثريا: إذا كان في ترابهما بَلَلٌ وندى (إِذْ تَضَرَّبَ الحُوتُ) بضاد معجمة وراء مشدَّدة «تَفَعَّل» أي: اضطرب وتحرَّك؛ إذ حَيِيَ في المِكْتَل (وَ) الحال أنَّ (مُوسَى نَائِمٌ) عند الصخرة (فَقَالَ فَتَاهُ) يوشعُ: (لَا أُوقِظُهُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ) سار (فنَسِيَ) بالفاء، ولغير أبي ذرٍّ: «نَسِيَ» بحذفِها (أَنْ يُخْبِرَهُ) بحياة الحوت (وَتَضَرَّبَ الحُوتُ) أي: اضطرب سائرًا من المِكْتَل (حَتَّى دَخَلَ البَحْرَ) وفي نسخة: «في البحر» (فَأَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ) عنِ الحوت (جِرْيَةَ البَحْرِ، حَتَّى كَأَنَّ أَثَرَهُ) نُصِبَ بـ «كأن» (١) (فِي حَجَرٍ) بفتح الحاء والجيم (٢) خبرُها (٣). قال ابنُ جُريج: (قَالَ لِي عَمْرٌو) هو ابنُ دِينارٍ: (هَكَذَا، كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي جَحَرٍ) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء المفتوحة (٤) على كشط (٥) في الفرع مصحَّحًا عليها، وفي «اليونينيَّة» وغيرها بتقديم المهملة وفتحهما (٦)، وفي نسخة بالفرع وأصله: «جُحر» بجيم مضمومة فمهملة ساكنة، قال ابنُ حجر: وهي أوضح (وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيانِهِمَا) يعني: الوسطى والتي بعدَها، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والتي» ولأبي ذرٍّ أيضًا: «وأَخَرَة تليانهما» بفتح الهمزة والخاء المعجمة والرَّاء؛ يعني: الوسطى (﴿لَقَدْ لَقِينَا﴾) فيه حذفٌ اختصَره، وقع مبيَّنًا في رواية سفيان [خ¦٤٧٢٥]: «فانطلقا بقيَّة يومهما وليلتهما، حتى إذا كان (٧) من الغد» قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ

стр. 8689

﴿آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا﴾ (﴿مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) تَعَبًا، ولم يجدْ موسى النَّصَبَ حتى جاوزَ المكان الذي أمر الله به (قَالَ) فتى موسى له (١): (قَدْ قَطَعَ اللهُ عَنْكَ النَّصَبَ) قال ابن جريج: (-لَيْسَتْ هَذِهِ عَنْ سَعِيدٍ) هو ابنُ جُبير- (أَخْبَرَهُ) بسكون المعجمة وموحَّدة مفتوحة؛ مِنَ الإخبار، أي: أَخبرَ يوشع موسى بقِصَّة تَضَرُّبِ الحوت وفَقْدِه، الذي هو علامةٌ على وجود الخَضِر (فَرَجَعَا) في الطريق الذي جاءا فيه يقُصَّان آثارَهما قَصَصًا، حتى انتهيا إلى الصخرة التي حَيِيَ الحوتُ عندها (فَوَجَدَا خَضِرًا) نائمًا في جزيرة من جزائر البحر، قال ابنُ جريج: (قَالَ لِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) بنِ جُبير بنِ مُطعِم، وهو ممَّن أخذ هذا الحديث عن سعيد بن جبير (٢): (عَلَى طُِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ) بكسر الطاء المهملة والفاء بينهما نون ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «طِنْفَسة» بفتح الفاء، ويجوزُ ضمُّ الطاء والفاء، وكلُّها لغات، أي: فرشٍ صغيرٍ أو بساطٍ له خَمْل (عَلَى كَبِدِ البَحْرِ) أي: وَسَطِه، وعند عبدِ بنِ حُميدٍ من طريق ابن المبارك عن ابن جُريج: «عن عثمان بن أبي سليمان قال: رأى موسى الخضِر على طِنْفِسة خضراء على وجه الماء» وعند ابن أبي حاتم من طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاس: أنَّه وجده في جزيرة في البحر (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (٣): (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بالإسناد السابق: (مُسَجًّى) بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منوَّنة، أي: مغطَّى كلُّه (بِثَوْبِهِ، قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وَطَرَفَهُ) الآخر (تَحْتَ رَأْسِهِ) وعند ابن أبي حاتم عن السُّدِّي: «فرأى الخضرَ وعليه جُبَّةٌ مِن صوفٍ وكِساءٍ مِن صوف، ومعه عصًا قد ألقى عليها طعامه» (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَكَشَفَ) الثوبَ (عَنْ وَجْهِهِ) زاد (٤) مسلمٌ في رواية أبي إسحاق: «وقال: وعليكم السَّلام» (وَقَالَ: هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَامٍ) لأنَّهم كانوا كفَّارًا، أو كانت تحيتُهم غيرَ السلام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «هل بأرضٍ» بالتَّنوين،

стр. 8690

ثم قال الخضرُ لموسى: (مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ) له: (مُوسَى (١) بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا شَأْنُكَ؟) أي: ما الذي جئت (٢) تطلب؟ (قَالَ: جِئْتُ) إليك (لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) أي: علمًا ذا رَشَدٍ (قَالَ) الخضرُ: يا موسى (أَمَا يَكْفِيكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ) بالتثنية (وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ) مِنَ الله على لسان جبريل، وهذه الزيادة ليست في رواية سفيان [خ¦٤٧٢٥] فالظاهر أنَّها مِن رواية يعلى بن مسلم (يَا مُوسَى إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ) أي: كلَّه (وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَهُ) أي: كلَّه، وتقدير هذا ونحوه متعيِّنٌ -كما قال في «الفتح» - لأنَّ الخضرَ كان يعرفُ مِن الحُكمِ الظَّاهرِ ما لا غِنى للمكلَّف عنه، وموسى كان يعرفُ مِنَ الحُكم الباطنِ ما يأتيه بطريقِ الوحي، وقال البِرماويُّ كالكِرمانيِّ: وإنَّما قال: لا ينبغي لي أن أعلمه؛ لأنَّه إن كان نبيًّا فلا يجبُ عليه تعلُّمُ شريعةِ نبيٍّ آخر، وإن كان وليًّا فلعلَّه مأمورٌ بمتابعة نبيٍّ غيرِه، وقوله: «يا موسى» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، ساقط لغيره (٣) (فَأَخَذَ طَائِرٌ) عصفورٌ (بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ) ماءً (وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فقال» أي: الخضرُ: (وَاللهِ مَا عِلْمِي وَمَا عِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ اللهِ، إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الطَّائِرُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ) وفي الرواية السابقة [خ¦٤٧٢٥] «ما علمي وعلمك من علم الله إلَّا مثلُ ما نَقَصَ هذا العصفورُ مِن هذا البحر» ولفظ النقص ليس على ظاهرِه، وإنَّما معناه: أنَّ علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما أخذَه العصفورُ بمنقاره إلى ماءِ البحر، وهذا على التقريب إلى الأفهام، وإلَّا فنسبةُ علمِهِما إلى علم الله أقلُّ. وروى النَّسائيُّ مِن وجهٍ آخرَ عنِ ابن عبَّاسٍ: «أنَّ الخضِرَ قال لموسى: أتدري ما يقولُ هذا الطائرُ؟ قال: لا، قال: يقولُ: ما عِلمُكُما الذي تعلمان (٤) في علم الله إلَّا مثلُ ما نقص مِنقاري مِن جميع هذا البحر» وظاهرُ هذه الرواية كما في «الفتح» أنَّ الطائرَ نَقَرَ في البحر عقب قول الخَضِرِ لموسى: يا موسى إنَّ لي علمًا … وفي رواية سفيان: أنَّ ذلك وقع بعد ما خرق السفينة، فيُجْمَعُ

стр. 8691

بأنَّ قولَه: «فأخذ طائر بمنقاره» معقب (١) بمحذوفٍ؛ وهو ركوبُهُما السفينةَ لتصريح سفيانَ بذكرِ السفينة (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ وَجَدَا مَعَابِرَ) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحَّدة مكسورة فراء، غيرُ منصرفٍ، أي: سُفُنًا (صِغَارًا) قال في «الفتح»: وجدا معابِرَ تفسيرٌ لقوله: «ركبا في السفينة» لا جواب «إذا» لأنَّ وجودَهُما المعابرَ كان قبلَ ركوبِهِما السفينةَ، وقال ابنُ إسحاقَ بسندِه إلى ابنِ عبَّاس فيما ذكره ابنُ كثيرٍ في «تفسيره»: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، يتعرَّضان الناس يلتمسان مَن يحملهما، حتى مرَّت بهما سفينةٌ جديدةٌ وثيقة، لم يَمُرَّ بهما مِنَ السفن شيءٌ (٢) أحسنُ ولا أجملُ (٣) ولا أوثقُ منها (تَحْمِلُ أَهْلَ هَذَا السَّاحِلِ إِلَى أَهْلِ هَذَا السَّاحِلِ الآخَرِ؛ عَرَفُوهُ) أي: أهلُ السفينة عرفوا الخضرَ (فَقَالُوا): هو (عَبْدُ اللهِ الصَّالِحُ، قَالَ) يَحتملُ أن يكون القائلُ يَعلى بن مسلم: (قُلْنَا لِسَعِيدٍ) هو ابنُ جُبير: (خَضِرٌ) أي: هو خضرٌ (قَالَ: نَعَمْ) هو خضرٌ (لَا نَحْمِلُهُ بِأَجْرٍ) أي: بأُجرةٍ (فَخَرَقَهَا) بأنْ قلعَ لوحًا من ألواحها بالقَدُوم (وَوَتَدَ فِيهَا وَتِدًا) بتخفيف (٤) الفوقيَّة الأولى مفتوحة وكسر الثَّانية مخفَّفة، ولأبي ذرٍّ: «وتد فيها» بإسقاط الواو الأولى، أي: جعل فيها وَتِدًا مكان اللوح الذي قلعَه (قَالَ مُوسَى) له: (﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾)؟ اللَّام للعاقبة (﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما رواه ابن جُريج عنه في قوله: ﴿إِمْرًا﴾: (مُنْكَرًا) ووصله عبدُ بن حُميد من طريق ابن أبي نَجيح عنه مثله، قيل: ولم يسمع ابن جُريج من مجاهد (﴿قَالَ﴾) الخضرُ: (﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾) أي: لِمَا ترى منِّي مِنَ الأفعال المخالفةِ لشريعتِك؛ لأنِّي على علمٍ مِن علم الله ما علَّمَكَهُ الله (٥)، وأنتَ على علمٍ مِن علم الله ما علَّمَنيه اللهُ، فكُلٌّ منَّا مكلَّفٌ بأمورٍ من الله دون صاحبه، قاله ابن كثير (كَانَتِ الأُولَى) في رواية سفيان قال: «قال رسول الله ﷺ : وكانت» بإثبات الواو (نِسْيَانًا) أي: من موسى (٦) حيث قال: لا تؤاخذني بما نسيتُ (وَالوُسْطَى) حيث قال: إنْ سألتُك عن شيءٍ بعدَها (شَرْطًا،

стр. 8692

وَالثَّالِثَةُ) حيث قال: لو شئتَ لاتَّخذتَ عليه أجرًا (عَمْدًا، ﴿قَالَ﴾) موسى (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾) أي: تركتُ مِن وصيَّتِك (﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾) أي: لا تشدِّد عليَّ (﴿لَقِيَا غُلَامًا﴾) في رواية سفيان السابقة [خ¦٤٧٢٥] «فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضرُ غلامًا» (﴿فَقَتَلَهُ﴾) الفاء للدلالة على أنَّه لمَّا لقيه قتلَه مِن غيرِ تَرَوٍّ واستكشافِ حالٍ، فالقتل تعقَّب اللقاء (قَالَ يَعْلَى) بنُ مسلم بالإسناد السابق: (قَالَ سَعِيدٌ) هو ابنُ جُبيرٍ: (وَجَدَ) أي: الخضر (غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا) منهم (كَافِرًا ظَرِيفًا) بالظاء المعجمة (فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ) بكسر المهملة (﴿قَالَ﴾) موسى مُنكِرًا عليه أشدَّ مِن الأُولى: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بحذف الألف والتشديد، وهي قراءةُ ابن عامرٍ والكوفيين (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ لَمْ تَعْمَلْ بِالحِنْثِ) بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة؛ لأنَّها لم تبلُغِ الحلم، وهو تفسيرٌ لقوله: ﴿زَكِيَّةً﴾ أي: أقتلت نفسًا زَكِيَّة لم تعمل (١) الحنث بغير نفس، ولأبي ذرٍّ: «لم تعمل الخبث» بخاء معجمة وموحَّدة مفتوحتين (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ولأبي ذر: «وابن عبَّاس» (٢) (قَرَأَهَا: ﴿زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]) بالتشديد (زَاكِيةً) بالتَّخفيف، والمشدَّدةُ أبلغُ؛ لأنَّ فعيلًا المحوَّل مِن فاعل يدُلُّ على المبالغة كما مرَّ (زَاكِيةً) أي: (مُسْلِمَةً) بضمِّ الميم وكسر اللَّام (كَقَوْلِكَ: غُلَامًا زَكِيًّا) بالتشديد، وهذا تفسيرٌ مِنَ الراوي، وأطلق ذلك موسى على حسب ظاهرِ حال الغُلام، لكن قال البِرماويُّ: وفي بعضها: «مُسَلَّمة» بفتح المهملة واللَّام المشددة، قال السفاقسيُّ: وهو أشبه؛ لأنَّه كان كافرًا (فَانْطَلَقَا، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) أن يَسقُطَ، والإرادةُ هنا على سبيل المجاز (﴿فَأَقَامَهُ﴾) الخضرُ (قَالَ سَعِيدٌ) من رواية ابن جُريج عن عمرو بن دينار عنه: (بِيَدِهِ) بالإفراد، أي: أقامه الخضرُ بيده (هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَهُ فَاسْتَقَامَ، قَالَ يَعْلَى) ابنُ مسلمٍ: (حَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدًا) يعني: ابنَ جُبير (قَالَ: فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ) بالإفراد أيضًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بيديه» بالتثنية (فَاسْتَقَامَ) وقيل: دعمَهُ بدِعامة تمنعُه مِنَ السُّقوط، أو

стр. 8693

هدمه وجعل (١) طينًا، وأخذ في بنائه إلى أن كَمُلَ وعاد كما كان، وكلُّها حكايات (٢) حالٍ، لا تثبتُ إلَّا بنقلٍ صحيحٍ، والذي دلَّ عليه القرآنُ الإقامةُ لا الكيفيَّة، وأحسنُ هذه الأقوال: أنَّه مسحه أو دفعَه بيده فاعتدل؛ لأنَّ ذلك أليقُ بحال الأنبياء وكرامات الأولياء، إلَّا أن يصحَّ عن الشارع أنَّه هدمه وبناه، فيُصار إليه (﴿لَوْ شِئْتَ﴾) أي: قال موسى للخَضِرِ: «قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيِّفونا -كما في رواية سفيان- لو شئت» (﴿لَاتَّخَذْتَ﴾) بتشديد التاء بعدَ وصلِ الهمزة (﴿عَلَيْهِ﴾) أي: على تسوية الجدار (﴿أَجْرًا﴾ قَالَ سَعِيدٌ: أَجْرًا نَأْكُلُهُ) أي: جُعلًا نأكلُ به، وإنَّما قال موسى ذلك؛ لأنه كان حصل له جُهدٌ كبيرٌ مِن فَقْدِ الطعام، وخَشِيَ أن يختلَّ قوامُ البُنية البشريَّة (﴿وَكَانَ وَرَاءهُم﴾) أي: (وَكَانَ) ولأبي ذرٍّ: «وكان وراءهم ملك وكان» (أَمَامَهُمْ، قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: (أَمَامَهُمْ مَلِكٌ)) وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مخالفةٌ للمصحف، لكنَّها مفسِّرةٌ؛ كقوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦] وقولِ لبيد: أَلَيْسْ وَرَائِي إِنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي … لزومُ العَصا تَحْنَى عَلَيْها الأَصَابعُ قال أبو عليٍّ (٣): إنَّما جاز استعمالُ «وراء» بمعنى «أمام» على الاتِّساع؛ لأنَّها جهةٌ مقابلةٌ لجهةٍ، وكانت كلُّ واحدةٍ مِنَ الجهتين وراءَ الأخرى؛ إذا (٤) لم يرد معنى المواجهة، والآية دالَّة على أنَّ معنى «وراء»: «أمام» لأنَّه لو كان بمعنى «خلف» كانوا قد جاوزوه، فلا يأخذُ سفينتَهم، قال ابن جُريج: (يَزْعُمُونَ عَنْ غَيْرِ سَعِيدٍ) يعني: ابن جُبير (أَنَّهُ) أي: الملِك الذي كان يأخذُ السُّفُن غصبًا اسمُه (هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ) بضمِّ الهاء وفتح الدال الأُولى، و «بُدَد»: بضمِّ الموحَّدة وفتح الدال الأولى أيضًا، مصروفٌ، ولأبي ذرٍّ: «بُدَدَ» غيرُ مصروفٍ (٥)، وحكى ابنُ

стр. 8694

الأثير: فتح هاء «هَدد» وباء «بَدد» قال الحافظ ابنُ كثير: وهو مذكورٌ في التوراة في ذرِّيَّة العيص بن إسحاق، وهو مِنَ الملوك المنصوص عليهم في التوراة (الغُلَامُ) بغير واو، وفي «اليونينيَّة»: «والغلام» (المَقْتُولُ اسْمُهُ يَزْعُمُونَ جَيْسُورٌ) بجيم مفتوحة فتحتيَّة ساكنة فسين مهملة وبعد الواو الساكنة راء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «حيسور» بالحاء بدل الجيم، وعند القابِسيِّ: «حنسور» بنون بدل التحتيَّة، وعند عبدوس: «حيسون» بنون بدل الراء (﴿مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]) وفي قراءة أُبيٍّ: (كُلَّ سفينةٍ صالحةٍ غَصْبًا) رواه النَّسائيُّ، وكان ابنُ مسعودٍ يقرأُ: (كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غَصبًا) (فَأَرَدْتُ إِذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أَنْ يَدَعَهَا لِعَيْبِهَا، فَإِذَا جَاوَزُوا) أي: جاوزوا الملِكَ (أَصْلَحُوهَا فَانْتَفَعُوا بِهَا) وبقيتْ لهم (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سَدُّوهَا بِقَارُورَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِالقَارِ) وهو الزفت، واستُشكل التعبيرُ بـ «القارورة»؛ إذ هي مِنَ الزُّجاج، وكيف يُمكن السَّدُّ به؟ فقيل: يَحتملُ أن توضَع قارورةٌ بقدرِ الموضعِ المخروقِ فيه، أو يُسحَقُ الزجاجُ ويُخلطُ بشيءٍ كالدقيق فيُسَدُّ به، وهذا قاله الكِرمانيُّ، قال في «الفتح»: ولا يخفى بُعْدُه قال: وقد وُجهت بأنَّها فاعولة مِنَ القار (﴿كَانَ أَبَوَاهُ﴾) يعني: الغلام المقتول (﴿مُؤْمِنَيْنِ﴾) بالتثنية للتغليب؛ يريد: أباه وأمه، فَغُلِّبَ المُذكَّرُ، كـ «القمرين» (١) (وَكَانَ) هو (كَافِرًا) طُبِعَ على الكفر، وهذا موافقٌ لمصحف أُبيٍّ، وقُوَّةُ الكلامِ تُشعر به؛ لأنَّه لو لم يكن الولد كافرًا؛ لم يكن لقوله: ﴿كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ فائدةٌ؛ إذ لا مدخَلَ لذلك في القِصَّة (٢) لولا هذه الفائدة، والمطبوعُ على الكفر الذي لا يُرجى إيمانُه كانَ قَتْلُه في تلك الشريعةِ واجبًا؛ لأنَّ أخذَ الجِزية لم يُشرع إلَّا في شريعتِنا، وكان أبواه قد عَطَفَا عليه (﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا﴾) أي: أن يغشاهما، وعظَّم نفسَه لأنَّه اختصَّ مِن عند الله بموهبةٍ لا يختصُّ بها إلَّا مَن هو مِن خواصِّ الحضرةِ، وقال بعضُهم: لمَّا ذكر العيب أضافه (٣) إلى نفسه، وأضاف الرحمةَ في قوله: ﴿أَرَادَ رَبُّكَ﴾ إلى الله تعالى، وعند القتل عظَّم نفسَه تنبيهًا على أنَّه من العظماء في علوم الحِكمة، ويجوز أن يكون ﴿فَخَشِينَا﴾ حكايةً لقول الله تعالى، والمعنى: أنَّ الله تعالى أعلمَه

стр. 8695

بحاله وأطلعَه على سرِّه، وقال له: اقتل الغلام؛ لأنَّا نكره -كراهية من خاف سوء العاقبة- أن يغشَى الغلامُ الوالدين المؤمنين (﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾) قال ابن جُريج: عن يَعلى بن مسلمٍ عن سعيد بن جُبير معناه: (أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ) فإنَّ حُبَّ الشَّيءِ يُعمي ويُصِمُّ، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾ أي: يغشاهما، وقال قَتادة: فَرِحَ به أبواه حين وُلد، وحزنا عليه حين قُتل، ولو بقي كان فيه هلاكُهُما، فليرضَ المرءُ بقضاء الله؛ فإنَّ قضاءَ الله (١) للمؤمِنِ فيما يكره خيرٌ له مِن قضائِه فيما يحبُّ، وصح في الحديث: «لا يقضي اللهُ للمؤمن قضاءً إلَّا كان خيرًا له» (﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ﴾) أي: أن يرزُقَهُما بدلَه ولدًا خيرًا منه (﴿زَكَاةً﴾) طهارةً مِنَ الذنوب والأخلاق الرديئة (﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾) (٢) وذكرَ هذا مناسبةً (لِقَوْلِهِ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بالتشديد (﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١]) أي: (هُمَا) أي: الأبوان (بِهِ) أي: بالولد الذي سيُرزَقانِه (أَرْحَمُ مِنْهُمَا بِالأَوَّلِ الَّذِي قَتَلَ خَضِرٌ) وقيل: رحمةً وعطفًا على والديه، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾» واقتصر على واحدٍة منهما (٣)، قال ابن جُريج: (وَزَعَمَ غَيْرُ سَعِيدٍ) أي: ابن جُبير (أَنَّهُمَا أُبْدِلَا جَارِيَةً) مكانَ المقتول، فولدت نبيًّا مِنَ الأنبياء، رواه النَّسائيُّ، ولابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيِّ قال: فولدت (٤) جاريةً فولدت نبيًّا، وهو الذي كان بعدَ موسى، فقالوا له: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] واسمُ هذا النَّبيِّ شمعون، واسمُ أمِّه حنة، وفي «تفسير ابن الكلبيِّ»: فولدت (٥) جاريةً ولدت عدَّة أنبياء، فهدى اللهُ بهم أُممًا، وقيل: عدَّةُ مِن جاء من ولدها مِن الأنبياء سبعونَ نبيًّا، وعند ابن مردويه من حديث أُبيِّ بنِ كعبٍ: أنَّها ولدتْ غلامًا، لكن إسناده ضعيف، كما قال (٦) في «الفتح» قال ابن جريج: (وَأَمَّا دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ) أي: ابنِ عروةَ الثَّقفيُّ التَّابعيُّ الصَّغير (فَقَالَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: إِنَّهَا جَارِيَةٌ) وهذا هو المشهورُ، ورُوي مثلُه عن يعقوبَ أخي (٧) داود ممَّا رواه الطَّبريُّ، وقال ابن جُريج: لمَّا قتلَه الخضِرُ كانت أُمُّه حاملًا بغلامٍ مسلمٍ، ذكره ابنُ كثير

стр. 8696

وغيره، ويستنبط من الحديث فوائدُ لا تَخفى على متأمِّلٍ، فلا نُطيل بها. (٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، وهو ثابت في رواية أبي ذَرٍّ، ساقطٌ لغيره (قوله (١): ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾) موسى وفتاهُ مَجْمَعَ البحرين (﴿قَالَ﴾) موسى (﴿لِفَتَاهُ﴾) يوشعَ: (﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾) ما نتعذى (٢) به (﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾) قيل: لم يعنِ موسى في سفره (٣) غير ما سَارَهُ مِنْ مَجمعِ البحرين، ويؤيِّدُه التقييدُ باسم الإشارة (﴿قَالَ﴾) يوشَعُ: (﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) يعني: الصخرة التي رَقَدَ عندَها موسى (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٢ - ٦٣]) أي: نسيتُ أن أخبرَك بما رأيتُ منه، وسقط قوله: «﴿قَالَ أَرَأَيْتَ﴾» لأبي (٤) ذرٍّ، وقال بعدَ ﴿نَصَبًا﴾: «إلى قوله: ﴿عَجَبًا﴾». (﴿صُنْعًا﴾) في قوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] أي: (عَمَلًا) وذلك لاعتقادهم أنَّهم على الحقِّ (﴿حِوَلًا﴾) في قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] أي: (تَحَوُّلًا) لأنَّهم لا يجدون أطيبَ منها، أوِ (٥) المراد به تأكيد الخلود، وسقط قوله: «﴿صُنْعًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (﴿قَالَ﴾) أي: موسى: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: أمر الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) بغير تحتيَّة بعد الغين، أي: نطلب؛ لأنَّه علامة على المطلوب (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]) أي: يتَّبعان آثار مسيرِهما اتباعًا.

стр. 8697

(﴿إِمْرًا﴾) في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] (وَ ﴿نُّكْرًا﴾) في قوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] معناهما (١): (دَاهِيَةً) وسقط قوله: «﴿إِمْرًا﴾» وواو «و ﴿نُّكْرًا﴾» لأبي ذرٍّ (٢) وقال أبو عبيدة: ﴿إِمْرًا﴾ داهية، و ﴿نُّكْرًا﴾ أي: عظيمًا، ففرَّق بينهما. (﴿يَنقَضَّ﴾) بتشديد الضاد في قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (يَنْقَاضُ كَمَا تَنْقَاضُ السِّنُّ) بألفٍ بعد القاف مع تخفيف الضاد المعجمة فيهما حكاه الحافظ شرف الدين اليونيني عن أئمة اللغة، قال: ونبهني عليه شيخُنا الإمام جمال الدِّين بن مالكٍ وقت قراءتي بين يديه، وهو الذي في «المشارق» للإمام أبي الفضل، ولأبي ذرٍّ -كما قاله البِرماويُّ والدمامينيُّ -: «يَنْقَاضُّ» بتشديد المعجمة فيهما، قال أبو البقاء: بوزن «يَحْمَارُّ» ومقتضى هذا التَّشبيه (٣) أن يكون وزنه «يفعالُّ»، والألف قراءة الزهريِّ، قال الفارسيُّ: هو من قولهم: قضتُه فانقاض، أي: هدمتُه فانهدم، قال في «الدر»: فعلى هذا يكون وزنه «ينفعل» (٤)، والأصل: انقيض، فأُبدلتِ الياءُ ألفًا، أي: فصار بعد الإبدال «انقاض» (٥)، و «السِّنُّ»: بالسِّين المهملة المكسورة والنون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «الشيء» بالشين المعجمة والتحتيَّة الساكنة والهمزة بدل السن (٦)، ومعنى ﴿يَنقَضَّ﴾: ينكسر، و «ينقاض»: ينقلع (٧) من أصله، وعن عليٍّ أنَّه قرأ: (ينقاص) بالصَّاد المهملة، قال ابن خالويه أي: انشقت طولًا (٨). (﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ [الكهف: ٧٧]) بالتخفيف في قوله: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (وَاتَّخَذْتَ) بالتَّشديدِ (وَاحِدٌ) في المعنى. (﴿رُحْمًا﴾) بضمِّ الرَّاء وسكون الحاء المهملة (٩) في قوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] (مِنَ

стр. 8698

الرُّحْمِ) بضمٍّ فسكون؛ وهو الرحمة، قال رُؤْبَة: يَا مُنزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إدْريسا … ومُنزِلَ اللَّعْنِ عَلَى إِبْلِيْسَا وفي نسخة: «مِن الرَّحِم» بفتح فكسر (وَهْيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنَ الرَّحْمَةِ) المفتوحة الراء التي هي رِقَّةُ القلب؛ لأنَّها تستلزمها غالبًا، من غير عكسٍ (وَنَظُنُّ) بالنون المفتوحة وضمِّ الظاء المعجمة، وفي نسخة: «ويُظَنُّ» بالتحتية المضمومة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ) أي: ﴿رُحْمًا﴾ مشتقٌّ (مِنَ الرَّحِيمِ) المشتقِّ مِنَ الرحمة (وَتُدْعَى مَكَّةُ) المشرَّفَةُ (أُمَّ) بنصب الميم (رُحْمٍ) بضمِّ فسكون (أَي: الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا) وفي حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «يُنزل الله في كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومئة رحمة؛ ستين للطائفين، وأربعين للمصلِّين، وعشرين للناظرين» رواه البيهقي بإسنادٍ حسن.

стр. 8699

٤٧٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ -بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة- (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ أيضًا: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) ابنِ أبي عمران ميمونٍ الهلاليُّ الكوفيُّ ثم المكِّيُّ، الإمام الحافظ الحجَّة، تغيَّر حفظه بأَخَرة، وربَّما دلَّس عنِ الثقات، وهو مِن أثبت الناس في عمرو بن دينار (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) المكِّيِّ الجُمحيِّ مولاهم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا) كذا في «اليونينيَّة»، وفي «الفرع»: «نوف» بغير ألفٍ (البِكَالِيَّ) بكسر الموحَّدة نسبةً إلى بني بِكال؛ بطنٍ من حمير، و «نوفَ»: بغير صرفٍ، وصرفُه أشهرُ كما مرَّ، ولأبي ذر: «البَكالي» بفتح الموحَّدة (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى نَبِيَّ اللهِ) المرسل إلى بني إسرائيل كذا في الفرع «موسى نبيِّ الله» والذي في «اليونينيَّة»: «يزعم أنَّ موسى نبيَّ (١) بني إسرائيل» (٢) (لَيْسَ بِمُوسَى الخَضِرِ) بل موسى آخر (فَقَالَ) ابن عبَّاس ﵄: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) يعني: نوفًا، وعبّر بذلك للزجر والتحذير، لا قدحًا فيه (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) يُذَكِّرُهم بنِعَمِ الله عليهم وعليه، ويَذكُر ما أكرمه الله به

стр. 8700

من رسالته وتكريمه وتفضيله (فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (أَنَا) أي: أعلمُ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ) كأنْ يقولَ: اللهُ أعلم (وَأَوْحَى إِلَيْهِ) بفتح الهمزة والحاء (بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي) كائنٌ (بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي: بشيءٍ مخصوصٍ، والعالمُ بالعِلم الخاص لا يلزمُ منه أن يكونَ أعلمَ من العالم بالعِلم العام (قَالَ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ) أي: إلى لقائه؟ (قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَاتَّبِعْهُ) بهمزة وصل وتشديد الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاتْبَعْهُ» بسكون الفوقية وفتح الموحَّدة، أي: اتْبَعْ أثرَ الحوت، فإنَّك ستلقى العبد الأعلم (قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) مجرورٌ بالإضافة منصرفٌ، كنوح على الفصحى (وَمَعَهُمَا الحُوتُ) المأمور به (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) التي عند مَجمع البحرين (فَنَزَلَا عِنْدَهَا، قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ -قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ بالإسناد السَّابق: (وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو) لعلَّ الغيرَ المذكورَ -كما قال في «الفتح» - قَتادةُ؛ لِمَا عندَ ابن أبي حاتم من طريقه (قَالَ-: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا) ولأبي الوقت والأَصيلي «له» (الحَيَاةُ) بتاء التأنيث آخره (لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ) من الحيوان (إِلَّا حَيِيَ) وعند ابن إسحاق: «من شرب منه خُلِّد، ولا يقاربه شيء ميت إلَّا حَيِيَ» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «لا تصيب» بالفوقيَّة، أي: العين شيئًا -أي: من الحيوان- إلَّا حَيِيَ (فَأَصَابَ الحُوتَ مِنْ) رشاش (مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ، قَالَ: فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ، فَدَخَلَ البَحْرَ) ولعلَّ هذه العين -إن ثبت النقل فيها- هي التي شرب منها الخضر فخُلِّد، كما قال به جماعةٌ كما مرَّ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا﴾ … الآيَةَ [الكهف: ٦٢]) أي: بعد أن (١) نسي الفتى أن (٢) يخبرَه بأنَّ الحوت حَيِيَ، وانطلاقهما سائرين بقيَّة يومهما وليلتهما، حتى كان مِنَ الغد قال له إذ ذاك: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ (قَالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ) فألقى اللهُ عليه

стр. 8701

الجوعَ والنَّصَبَ (قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: أنْ أُخبرَك بخبرِه (الآيَةَ) إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] (قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا) حتى انتهيا إلى الصخرة (فَوَجَدَا فِي البَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الحُوتِ) مفعولُ «وجدا» (فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا) إذ هو أمرٌ خارق (وَلِلْحُوتِ سَرَبًا) مسلكًا، وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ قال: رجع موسى فوجد الحوت، فجعل موسى يُقدِّم عصاه يفرِّج بها عنه الماء ويتْبع الحوت، وجعل الحوت لا يمسُّ شيئًا من البحر إلَّا يبس حتى يصير صخرة (قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ؛ إِذَا) والذي في «اليونينيَّة» (١): «إذْ» (هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى) مغطًّى (بِثَوْبٍ) وفي رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت (٢) كوَّة، فدخلها (٣) موسى على أثر الحوت فإذا هو بالخضِر» (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، قَالَ) الخَضِر بعد أن ردَّ السلام عليه وكشف الثوب عن وجهه: (وَأَنَّى) بهمزة ونون مشدَّدة مفتوحتين، أي: وكيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ) وأهلُها كفَّارٌ؟ أو لم يكن السلام تحيَّتَهُم (فَقَالَ) موسى بعد أن قال له الخضِر: مَن أنت؟ (أَنَا مُوسَى، قَالَ) الخضر: (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ) قال له موسى: (﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾) أي: عِلمًا ذا رَشَدٍ أسترشد به (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ) فكلٌّ منَّا مكلَّفٌ بأمورٍ مِنَ الله (٤) دون صاحبه (قَالَ) موسى: (بَلْ أَتَّبِعُكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هل» والأُولى أوضح (﴿قَالَ﴾) الخضِرُ: (﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾) تُنكره (٥) ابتداءً (﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾) حتى أبدأَكَ ببيانِه (﴿فَانطَلَقَا﴾ يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ (٦)، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ) ولأبي ذرٍّ:

стр. 8702

«بهم» أي: بموسى ويوشع والخضر (فَعُرِفَ (١) الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون وسكون الواو (-يَقُولُ: بِغَيْرِ أَجْرٍ-) أي: أُجرةٍ (فَرَكِبَا السَّفِينَةَ) ولم يذكر يوشع؛ لأنَّه تابعٌ غيرُ مقصودٍ بالأصالة (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فركبا في السفينة» (قَالَ: وَوَقَعَ (٣) عُصْفُورٌ) بضمِّ العين (عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ البَحْرَ) بنصبهما، ولأبي ذرٍّ: «في البحر» (فَقَالَ الخَضِرُ لِمُوسَى) ولأبي ذرٍّ: «يا موسى»: (مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِقْدَارُ) بالرَّفع (مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ) وفي روايةٍ: «ما نقص علمي وعلمك من علم الله» والعلمُ يُطلق ويُراد به المعلوم، وعلم الله لا يدخله نقصٌ، ونقصُ العُصفورِ لا تأثيرَ له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله: وَلَا عَيْبَ فيهم غَيرَ أن سيوفَهم … بِهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكَتَائبِ أي: لا عيب فيهم أصلًا (٤). (قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى) بالهمزة (إِذْ عَمَدَ الخَضِرُ) بفتح الميم (إِلَى قَدُومٍ) بفتح القاف وتخفيف الدال، أي: الآلة المعروفة (فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ (٥) لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ) بفتح الميم أيضًا (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ (٦)﴾ … الآيَةَ [الكهف: ٧١]). وسقط لأبي ذرٍّ «﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾» و «الآيةَ» (فَانْطَلَقَا) بعد أن خرجا من السفينة (إِذَا (٧) هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «فأخذ الخضر رأسَه» بحذف الجارِّ والنَّصبِ مفعولُ «أخذ» (فَقَطَعَهُ، قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال» (لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بالتشديد؛ طاهرةً (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾) قيل: وكان القتل في أُبُلَّة، بضمِّ

стр. 8703

الهمزة والموحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحة؛ مدينة قرب بصرة وعبَّادان (﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾) منكرًا (﴿قَالَ﴾) الخضر: (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾) وأتى بـ ﴿لَّكَ﴾ مع ﴿نُّكْرًا﴾ بخلاف ﴿إِمْرًا﴾ قيل: لأنَّ النُّكْر أبلغُ؛ لأنَّ معه القتلُ الحتْمُ، بخلاف خرقِ (١) السفينة؛ فإنَّه يمكن تدارُكُه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) أن (٢) يسقط (فَقَالَ) الخضِرُ (بِيَدِهِ هَكَذَا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ القَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) قال في «الأنوار»: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله: فلا تصاحبني، أو إلى الاعتراض الثالث، أو الوقت، أي: هذا الاعتراض سبب فِراقنا، أو هذا الوقت وقته (﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]) لكونه (٣) منكرًا من حيثُ الظاهرُ، وقد كانت أحكام موسى -كغيرِه من الأنبياء- مبنيَّةً على الظَّواهر؛ ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام؛ إذِ التَّصرُّف في أموال الناس وأرواحِهِم بغير حقٍّ حرامٌ في الشَّرع الذي شرعه الله لأنبيائه ﵈؛ إذ لم يكلِّفنا إلى الكشف عن البواطن؛ لِمَا في ذلك من الحَرَج، وأمَّا وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنَّه قد شُرع له أن يعمل بما كُشِفَ له من بواطن الأسرار، واطلع عليه من حقائق الأستار، فلمَّا عَلِمَ الخضرُ علمًا يقينًا أنَّه إن لم (٤) يعبِ السفينةَ بالخرق غصبها الملكُ؛ وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن مُلَّاكِها؛ إذ لو تركها ولم يَعِبْها فاتت بالكُلِّيَّة عليهم بأخذ الملك لها (٥)، وكذا قتل الغلام؛ فإنَّه علم بالوحيِ أنَّه إن لم يقتلْه تَبِعَه أبواه على الكفر لمزيد محبَّتِهِما له، فكانتِ المضرَّةُ بقتله أيسرَ مِن إبقائه، لا سيَّما والمطبوع على الكفر الذي لا يُرجى إيمانه كان قتلُه في شريعتهم واجبًا؛ لأنَّ أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم، وقد رزقَهُما الله خيرًا منه كما مرَّ، ولو ترك الجدار حتى يسقطَ ضاعَ مالُ أولئك الأيتام، فكانت المصلحةُ التَّامة في إقامته، ولعلَّ ذلك كان واجبًا عليه. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَدِدْنَا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى

стр. 8704

يُقَصَّ) بضمِّ أوله وفتح آخره مبنيًّا للمفعول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ)) غير معيبة ((غَصْبًا، وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا)) وقد سبق أنَّ «أمام» يُستعمل موضع «وراء»، فهي مفسِّرة للآية كما مرَّ، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] فيه إشعارٌ بأنَّ الغلام كان كافرًا، كما في هذه القراءة، لكنَّها -كقراءة (أمامهم) و (صالحة) - مِنَ الشَّواذِّ المخالفة لمصحف عثمان، والله الموفِّق. (٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، (قولُه) تعالى: (﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]) زاد أبو ذر (٢): «الآيةَ» أي: هل نخبركم بالأخسرين، ثم فسَّرَهم بقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤] أي: عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعةٍ مَشروعة، وهم يحسبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا، أي: يعتقدون أنَّهم على (٣) هدًى فَضَلَّ سَعْيُهُم، و «أعمالًا» نصب على التمييز، وجمع لأنَّه من أسماء الفاعلين، أو لتنوع (٤) أعمالهم، فليسوا مشتركين في عمل واحد، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤] تجنيس التصحيف؛ وهو أن يكون النقط فرقًا بين الكلمتين، وقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ استفهامٌ تقريري، وفي قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] الاستعارة؛ استعار الخسران الذي هو حقيقة في ضد الربح لكون أعمالهم الصالحة نفدت (٥) أجورها، واستعار الضلال الذي هو حقيقة في التِّيه عن الطريق المستقيم لإسقاط أعمالهم وإذهابها، وفي قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ الحذفُ، أي: قل هل نُنَبِّئُكُم بما يحلُّ بالأخسرين، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذر.

стр. 8705

٤٧٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بموحَّدة فمعجمة مشدَّدة، الملقب ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهُذليُّ البصريُّ المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابنِ مُرَّةَ» بضمِّ الميم وتشديد الراء، ابن عبد الله المراديِّ الأعمى الكوفيِّ (عَنْ مُصْعَبٍ) بضمِّ الميم وفتح العين بينهما مهملة ساكنة وآخره موحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «ابن سعد» بسكون العين؛ ابن أبي وقَّاص أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي) سعد بن أبي وقَّاص عن قوله تعالى: (﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هُمُ الحَرُورِيَّةُ؟) بفتح الحاء المهملة وضمِّ الراء الأولى وكسر الثانية بينهما واو ساكنة والمثناة التحتيَّة مشدَّدة بعدَها تاء تأنيث، نسبةً إلى حَرُوراءَ قريةٌ بقُرب الكوفة، كان ابتداءُ خروج الخوارج على عليٍّ منها، ولعلَّ سبب سؤال مصعب أباه عن ذلك: ما روى ابن مردويه من طريق القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل في هذه الآية قال: «أظنُّ أنَّ بعضَهم الحَرُوريَّة» وعند الحاكم من وجه آخر عن أبي الطفيل قال: «قال عليٌّ: منهم أصحاب النهروان» وذلك قبل أن يخرجوا، وأصله عند عبد الرزاق بلفظ «قام ابن الكوَّاء إلى عليٍّ فقال: ما الأخسرين أعمالًا؟ قال: ويلك، منهم أهل حروريا» (قَالَ) أي: سعد بن أبي وقَّاص: (لَا) ليس هم الحَرُورِيَّة (هُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) وللحاكم: «قال: لا، أولئك أصحاب الصوامع» ولابن أبي حاتم من طريق أبي خَميصَة -بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة- واسمه: عُبيد الله بن قيس، قال: «هم الرُّهبان الذين حَبَسُوا أنفسَهم في السواري» (أَمَّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا (١) مُحَمَّدًا ﷺ ، وَأَمَّا النَّصَارَى؛ كَفَرُوا) ولأبي ذرٍّ: «فكفروا» (بِالجَنَّةِ، وَقَالُوا: لَا طَعَامَ فِيهَا (٢) وَلَا شَرَابَ، وَالحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ

стр. 8706

بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَكَانَ سَعْدٌ) هو ابن أبي وقَّاص (يُسَمِّيهِمُ الفَاسِقِينَ) والصواب: الخاسرين، ووقع على الصواب كذلك عند الحاكم لقوله: (﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ﴾ [الكهف: ١٠٣]) ووجه خُسرانهم: أنَّهم تعبَّدوا على غير أصلٍ، فابتدعوا فخسروا الأعمار والأعمال، وعن عليٍّ: «إنَّهم كفرة (١) أهل الكتاب، كان أوائلهم على حقٍّ، فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم» وقيل: هم الصابئون، وقيل: المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم، وهذه الأقوالُ كلُّها تقتضي التخصيص بغير مخصَّصٍ، والذي يقتضيه التحقيق أنَّها عامَّة، فأمَّا قول عليٍّ: إنَّهم الحرورية؛ فمعناه: أنَّ الآية تشملُهم كما تشمل أهل الكتابين وغيرهم، لا أنَّها نزلت في هؤلاء على الخصوص، بل أعمُّ من ذلك؛ لأنَّها مكِّيَّة قبل خطاب أهل (٢) الكتاب ووجود الحروريَّة، وإنَّما هي عامَّةٌ في كلِّ مَن دان بدينٍ غير الإسلام، وكلِّ مَن راءى بعمله أو أقام على بدعة، فكلٌّ مِنَ الأخسرين، وقد قال ابن عطيَّة: ويُضعِّفُ قولَ مَن قال: إنَّ المراد أهل الأهواء والحرورية قولُه تعالى بعدَ ذلك: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] وليس في هذه الطوائف مَن يكفر بآيات الله، وإنَّما هذه صفة مشركي عبدةِ الأوثان. انتهى. فاتَّضح بهذا ما قلناه: إنَّ الآية عامَّةٌ. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في (٣) قوله تعالى: (﴿أُولَئِكَ﴾) إشارةٌ للأخسرين أعمالًا السابق ذكرهم (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾) بالقرآن، أو به وبالإنجيل، أو بمعجزات الرسول صلوات الله وسلامه عليه (﴿وَلِقَائِهِ﴾) بالبعث، أو بالنظر إلى وجه الله الكريم، أو لقاء جزائه، ففيه حذفٌ، وقد كذب اليهود بالقرآن والإنجيل، والنصارى بالقرآن، وقريش بلقاء الله والبعث (﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥]) بَطَلَتْ بكُفرهم وتكذيبهم، فلا ثواب لهم عليها (الآيَةَ) أي: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وهذا هو المراد لِمَا سيورده من الحديث.

стр. 8707

٤٧٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله الذُّهليُّ، نسبه إلى جدِّه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) شيخُ المؤلِّف -روى عنه هنا بالواسطة- قال: (أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِزاميُّ، بالحاء المهملة المكسورة والزاي، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن عبد الرَّحمن» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بنِ هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّهُ (١) لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ) في الطول أو في الجاه (السَّمِينُ) ولابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁: «الطويل العظيم الأكول الشروب» (يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) وعند ابن أبي حاتمٍ من طريق صالحٍ مولى التوأمة عن أبي هريرةَ مرفوعًا «فيُوزن بحبَّةٍ فلا يَزِنُها» (وَقَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ أو أبو هريرة: (اقْرَؤُوْا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾) أي: لا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا، أو لا نضع لهم ميزانًا تُوزن به أعمالهم؛ لأنَّ الميزان إنَّما يُنْصَبُ للذين خَلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، أو لا نقيم لأعمالهم وزنًا لحقارتِها، وفي هذه الآية من أنواع البديع التجنيس المغاير، وفيها أيضًا الاستعارة، فاستعار إقامَة الوزن الذي هو (٢) حقيقةٌ في اعتداله لعدم الالتفات إليهم وإعراض الله عنهم، كما استعار الحُبُوط في قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الذي هو حقيقة في البطلان لذهاب جزاء أعمالهم الصالحة، والحذف في ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: ثمرات أعمالهم؛ إذ ليس

стр. 8708

لهمٌ عمل فنُقيم لهم وزنًا، واستدل به على أنَّ الكفَّار لا يُحاسبون؛ لأنَّه إنَّما يُحاسبُ مَن له حسناتٌ وسيئات، والكافر ليس له في الآخرة حسناتٌ (١) فتوزن، ثم عطف المؤلِّف على سعيد ابن أبي مريم فقال: (وَعَنْ يَحْيَى ابْنِ (٢) بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، ونسبه إلى جدِّه، واسمُ أبيه عبد الله، وهو شيخ المؤلِّف أيضًا، روى عنه بالواسطة، والتقدير: حدَّثنا محمَّد بن عبد الله عن سعيد ابن أبي مريم وعن يحيى بن (٣) بكير (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِزاميِّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ الله ابنِ ذكوان (مِثْلَهُ) أي: الحديثَ السابق. وهذا الحديث قد أخرجه مسلمٌ في «التوبة» و «ذكر المنافقين». (((١٩))) باب سورة مريم (كهيعص) مكِّيَّة، وقال مقاتل: إلَّا آية السجدة فمدنيَّة، وهي ثمان وتسعون آية، واختُلف في معناها، فقيل: الكاف من «كريم»، والهاء من «هادي»، والياء من «حكيم»،

стр. 8709

والعين من «عليم»، والصاد من «صادق» قاله ابن عبَّاس فيما رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه، وروى الطَّبريُّ عنه: «أنَّ ﴿كهيعص﴾ من أسماء الله» وعن عليٍّ أنَّه كان يقول: «يا كهيعص اغفر لي» وعن قَتادة: اسم من أسماء القرآن، رواه عبد الرَّزَّاق، وسأل رجلٌ محمَّد بن علي المرتضى عن تفسيرها فقال: لو أخبرتُك بتفسيرها لمشيتَ على الماء لا يواري قدميك، ولأبي ذَرٍّ: «سورة كهيعص» وفي نسخة بفرع «اليونينية» كأصلها (١): «باب سورة مريم». (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذرٍّ بعد التَّرجمة، وسقطت لغيره. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]) ولأبي ذر: «أَبْصِرْ بِهِم وِأَسْمِعْ» على التقديم والتأخير، والأوَّلُ هو الموافق للفظ التنزيل (اللهُ يَقُولُهُ) جملةٌ اسميَّةٌ (وَهُمُ) أي: الكفَّار (﴿الْيَوْمَ﴾) نصب على الظَّرفيَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القوم» بالقاف (لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾) هو معنى قوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] قال في «الأنوار»: أوقع الظالمين موقع الضمير -أي: لكنهم اليوم- إشعارًا بأنَّهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم (يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ) أي: يوم القيامة (أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ) حين لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقول الزَّركشيِّ في «التنقيح»: يريد أنَّ قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أمرٌ بمعنى الخبر، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢) [البقرة: ١٨] تعقَّبه في «المصابيح»

стр. 8710

فقال: أظنُّه لم يفهم كلامَ ابن عبَّاس، ولذلك ساقه على هذا الوجه، وكونه أمرًا بمعنى الخبر لا يقتضي انتفاء سماعهم (١) وإبصارهم، بل يقتضي ثبوتَه، ثم هو ليس أمرًا بمعنى الخبر، بل هو لإنشاء التعجُّب، أي: ما أسمعهم وما أبصرهم، والأمرُ المفهوم منه بحسب الظاهر غير مراد، بل انمحى الأمر فيه (٢) وصار متمحِّضًا لإنشاء التعجُّب، ومرادُ ابن عبَّاسٍ أنَّ المعنى: ما أسمع الكفَّار وأبصرهم في الدار الآخرة، وإنْ كانوا في دار الدنيا لا يسمعون ولا يبصرون؛ ولذا (٣) قال: الكفَّارُ يومئذٍ أسمعُ شيءٍ وأبصرُه. انتهى. وأصحُّ الأعاريب فيه -كما في «الدر» - أنَّ فاعله هو المجرور بالباء، والباء زائدة، وزيادتُها لازمةٌ إصلاحًا للفظ؛ لأنَّ «أَفْعِل» أمرًا لا يكون فاعله إلَّا ضميرًا مستترًا، ولا يجوزُ حذف هذه الباء إلَّا مع «أنْ» و «أنَّ»، فالمجرور مرفوعُ المحلِّ، ولا ضمير في «أَفْعِل»، وقيل: بل هو أمرٌ حقيقةً، والمأمورُ هو رسولُ الله ﷺ ، والمعنى: أسمِعِ الناسَ وأبصِرْ بهم وبحديثهم ماذا يُصنَع بهم مِنَ العذاب؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية. (﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾) في قوله: ﴿يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] أي: (لَأَشْتِمَنَّكَ) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا. (﴿وَرِئْيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] قال ابن عبَّاس -فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عنه- أي: (مَنْظَرًا) بفتح المعجمة (وَقَالَ أَبُو وَائلٍ) شقيقُ ابنُ سَلَمَةَ في قوله حكاية عن مريم: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]: (عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ) بضمِّ النون وسكون الهاء وفتح التحتيَّة، أي: صاحبُ عقلٍ وانتهاءٍ عن

стр. 8711

فعل القبيح (حَتَّى قَالَتْ) إذ رأتْ جبريلَ ﵊: (﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]) وهذا وصله عبدُ بن حُميد من طريق عاصم، وسقط لغير الحَمُّويي، وذكره المؤلِّف في «باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾» [مريم: ١٦] من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٤٨ - ٥٢٧٣]. (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان فيما ذكره في «تفسيره» في قوله: (﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]) أي: (تُزْعِجُهُمْ) أي: الشياطينُ (إِلَى المَعَاصِي إِزْعَاجًا) وقيل: تُغريهم عليها بالتسويلات وتحبيبِ الشهوات. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ: (﴿إِدًّا﴾) في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أي: (عِوَجًا) بكسر العين وفتح الواو، وفي نسخة: «عُوْجًا» بضمِّ العين وسكون الواو، وفي أخرى: «لُدًّا» باللَّام المضمومة بدل الهمزة المكسورة، وقال ابن عبَّاسٍ وقَتادة: ﴿إِدًّا﴾: عظيمًا، وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ. (قَالَ (١) ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي: (عِطَاشًا) فإنَّ مَن يَرِدِ الماء لا يَرِدُه إلَّا لعطشٍ، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ. (﴿أَثَاثًا﴾ [مريم: ٧٤]) أي: (مَالًا). (﴿إِدًّا﴾) أي: (قَوْلًا عَظِيمًا) وقد مرَّ ذِكْرُه، لكنَّه فسَّره بغير الأوَّل، وقد مرَّ أنَّه عن ابن عبَّاسٍ وقَتادة. (﴿رِكْزًا﴾) في قوله: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] أي: (صَوْتًا) أي: خفيًّا، لا مطلق الصوت. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ، وسقط ذلك لغير أبي ذر (﴿غَيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: (خُسْرَانًا) وقيل: وادٍ في جهنَّم تستعيذُ منه أوديتُها، وقيل: (٢) شرًّا وكلَّ خسران (٣)، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ. (﴿وَبُكِيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] (جَمَاعَةُ بَاكٍ) قاله أبو عُبيدة، وأصله: «بُكُوي» على وزن «فُعُول» بواو وياء، كـ «قُعود» جمع قاعد، فاجتمعت الواو والياء

стр. 8712

وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فصار «بُكُيًّا» هكذا، ثم كسرت ضمة الكاف لمجانسة الياء بعدها، وهذا ليس بقياسه بل قياس جمعه على «فعلة» كقاض وقضاة، وغزاة ورماة، وقيل: ليس بجمع، وإنَّما هو مصدرٌ على «فُعول» نحو: جلس جلوسًا، وقعد قعودًا، والمعنى: إذا سمعوا كلام الله خرُّوا ساجدين لعظمته، باكين من خشيته، روى ابن ماجه من حديث سعيد مرفوعًا: «نزل القرآن بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»، وقال صالح المُرِّي: -بالراء المهملة المشدَّدة بعد ضمِّ الميم- قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: يا صالح، هذه القراءة، فأين البكاء؟ ويروى (١): أنَّه كان إذا قصَّ قال: هات جونة المسك والترياق المجرب؛ يعني: القرآن، ولا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف. (﴿صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]) في قوله: ﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ أي: هو مصدر (صَلِيَ) بكسر اللام (يَصْلَى) قاله أبو عُبيدة، والمعنى: احترق احتراقًا. (﴿نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] وَالنَّادِي) يريد قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وأن معناهما (وَاحِدٌ) أي (مَجْلِسًا) ومجتمعًا، وثبت «واحد» لأبي ذرٍّ (٢). (١) ﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾ ولأبي ذرٍّ: «باب قوله» : (﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]) هو من أسماء يوم القيامة، كما قاله ابن عبَّاسٍ وغيرُه.

стр. 8713

٤٧٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بالغين المعجمة والمثلَّثة آخره، النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثِ بنِ طَلْقِ بنِ معاويةَ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهرانَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوانُ السَّمَّان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) وفي نسخة: «قال النَّبيُّ» (١) (¬ ﷺ : يُؤْتَى بِالمَوْتِ) الذي هو عَرَض مِن الأعراض، جِسْمًا (كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ) بالحاء المهملة، فيه بياضٌ وسوادٌ، لكن سواده أقلُّ (فَيُنَادِي مُنَادٍ) لم يُسَمَّ: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة وفتح الراء وبعد الهمزة المكسورة موحَّدة مشدَّدة فواوٌ ساكنة فنونٌ آخره، أي: يمُدُّون أعناقَهم ويرفعون رؤوسَهم (وَيَنْظُرُونَ) وعند ابن حِبَّان في «صحيحه» وابن ماجه عن أبي هريرة: «فيطلعون خائفينَ أن يُخرجوا من مكانهم الذي هم فيه» (فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ) أي: وعرفه بما يُلقيه اللهُ في قلوبهم أنَّه الموت (ثُمَّ يُنَادِي) أي: المنادي (يَا أَهْلَ النَّارِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ) وعند ابن حِبَّان وابن ماجه: «فيطلعون فرِحينَ مستبشرينَ أن يُخرجوا من مكانهم الذي هم فيه» (فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ) وفي «باب صفة الجنَّة والنَّار» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٤٨]: «جيء بالموت حتى يُجعَلَ بين الجنَّة والنَّار ثمَّ يُذبَح» وعند ابن ماجه: «فيُذبح على الصراط» وعند التِّرمذيِّ في «باب خلود أهل الجنَّة» من حديث أبي هريرة: «فيُضجَعُ فيُذبح ذبحًا (٢) على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار» وفي «تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي» أحد الضعفاء، في آخر حديث الصور (٣) الطَّويل: أنَّ الذابحَ له جبريلُ ﵇، كما نقله عنه الحافظ ابنُ حَجَرٍ، وذكر صاحب «خلع النَّعلين» فيما (٤) نقله في «التَّذكرة»: أنَّ الذابح له يحيى بن زكريا بين يدي النَّبيِّ ﷺ ، وقال قومٌ: المذبوحُ متولِّي الموت وكلّهم يعرفُه؛ لأنَّه الذي تولَّى قبض أرواحِهِم في الدنيا (٥).

стр. 8714

فإن قلت: ما الحكمةُ في مجيء الموت في صورة الكبش دون غيره؟ أجيبَ بأنَّ ذلك إشارةٌ إلى حصول الفِداء لهم به، كما فُدي ولدُ الخليل بالكبش، وفي الأملح إشارةٌ إلى صفتي أهل الجنَّة والنار (ثُمَّ يَقُولُ) ذلك المنادي: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ) أبدَ الآبدين (فَلَا (١) مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ) أبدَ الآبدين (فَلَا (٢) مَوْتَ) و «خلودٌ» إمَّا مصدرٌ، أي: أنتم خلودٌ، ووصف بالمصدر للمبالغة، كرجل عدل، أو جمعٌ، أي: أنتم خالدون، زاد في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٤٨]: «فيزدادُ أهلُ الجنَّة فرحًا إلى فرحِهِم، ويزدادُ أهل النَّار حُزنًا إلى حُزنِهِم» وعند التِّرمذيِّ: «فلو أنَّ أحدًا مات فرحًا لَمَات أهلُ الجنَّة، ولو أنَّ أحدًا مات حُزنًا لمات أهل النَّار» (ثُمَّ قَرَأَ) النَّبيُّ ﷺ أو أبو سعيد: (﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾) الخطابُ للنَّبيِّ ﷺ ، أي: أنذر جميع النَّاس (﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾) أي: فُصِلَ بين أهل الجنَّة والنَّار، ودخل كلٌّ إلى ما صار إليه مخلَّدًا فيه (﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾) أي: (وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ) أي: (أَهْلُ الدُّنْيَا) إذِ الآخرةُ ليست دارَ غفلةٍ (﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]) نفى عنهم الإيمانَ على سبيل الدوام، مع الاستمرار في الأزمنة الماضية والآتي على سبيل التأكيد والمبالغة. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «صفة النَّار»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٢) (بَاب قَوْله) جلَّ وعَلَا، وسقط لفظ «قوله» لأبي ذرٍّ، وثبت له لفظ «باب» (﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾) هو حكايةُ قولِ جبريلَ حين استبطأه النَّبيُّ ﷺ (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾) أي: الآخرة (﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤]) الدنيا، وثبت لأبي ذرٍّ «﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ … » إلى آخره. ٤٧٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) بضمِّ العين، و «ذرّ» (٣)

стр. 8715

بالمعجمة المفتوحة والرَّاء المشدَّدة، ابن عبد الله بن زرارة الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) ذرًّا (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁¬) وعن أبيه أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «رسول الله» (١) (¬ ﷺ لِجِبْرِيلَ) أي: لمَّا احتبس عنه: (مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤]) وعندَ ابن إسحاقَ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ قريشًا لمَّا سألوا عن أصحاب الكهف، فمكث النَّبيُّ ﷺ خمسَ عشرةَ ليلةً لا يُحْدِثُ الله في ذلك وحيًا، فلمَّا نزل جبريل؛ قال له: أبطأت … فذكره» وعند ابن أبي حاتم: أنَّها نزلت في احتباسه عنه ﷺ أربعين يومًا حتى اشتاق للِّقاء، وعندَ الطَّبرانيِّ من وجه آخر عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «أنَّ جبريل أبطأ عليه، فذكر ذلك له، فقال: وكيف وأنتم لا تَسْتَنُّونَ، ولا تُقَلِّمُونَ أظافرَكُم، ولا تَقُصُّونَ شواربَكُم ولا تُنْقُونَ رواجِبَكُم؟» وعند أحمدَ نحوُه. وهذا الحديث قد سبق في «بدء الخلق» في «ذكر الملائكة» [خ¦٣٢١٨] وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٥] والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٣) (بَاب قَوْله) ، وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ: (﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾) عُطِفَ بالفاء بعد ألف الاستفهام إيذانًا بإفادة التعقيب، كأنَّه قال: أَخْبِر أيضًا بقِصَّة هذا الكافر عَقِبَ قِصَّة أولئك المذكورين قبل هذه الآية، و «أرأيت» بمعنى: «أَخْبِر»، والموصولُ هو المفعولُ الأوَّل، والثَّاني هو الجملةُ الاستفهاميَّة (٢) من قوله: ﴿أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ (﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) جملةٌ قسميَّةٌ في موضع نصبٍ بالقول.

стр. 8716

٤٧٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزبُّيرِ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبَيحٍ مصغَّرًا (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا) هو ابنُ الأَرَتِّ بالمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة (قَالَ: جِئْتُ العَاصِيَ) بالعين والصاد المهملتين آخره تحتيَّة (بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ) هو والدُ عَمرٍو الصَّحابيِّ ﵁ (أَتَقَاضَاهُ) أي: أطلب منه (حَقًّا لِي عِنْدَهُ) وهو أجرةُ عملِ سيفٍ، وكان خَبَّابٌ حدَّادًا (فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقُلْتُ: لَا) أكفرُ (حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ) ومفهومُه غيرُ مرادٍ؛ إذِ الكفرُ لا يُتصوَّرُ بَعدَ البعثِ، فكأنَّه قال: لا أكفرُ أبدًا (قَالَ) أي: العاصي: (وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟) قال خَبَّابٌ: (قُلْتُ) له: (نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ﴾) أي: في الجنة (﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) بفتح الواو واللَّام قراءة غير حمزةَ والكِسائيِّ، اسمٌ مفردٌ قائمٌ مَقامَ الجمعِ. (رَوَاهُ) أي: الحديث (الثَّوْرِيُّ) سفيان فيما وصله المؤلِّف بعدُ [خ¦٤٧٣٣] (وَشُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج فيما وصله (١) أيضًا [خ¦٤٧٣٤] (وَحَفْصٌ) هو ابنُ غياثٍ فيما وصله في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٥] (٢) (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم بالخاء والزَّاي المعجمتين فيما وصله أحمدُ (وَوَكِيعٌ) فيما وصله بعدُ [خ¦٤٧٣٥] كلُّهم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مهرانَ. وقد مرَّ الحديث في «البيوع» [خ¦٢٢٧٥].

стр. 8717

(٤) (قَوْلُهُ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: (﴿أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]) قال في «الكشاف» أي: أَوَقَدْ بلغ من عظمةِ شأنهِ أنِ ارتقى إلى علم الغيب الذي توحَّد به الواحد القهار؟! والمعنى: أنَّ ما ادَّعى أن يؤتاه وتألَّى عليه لا يتوصَّل إليه إلَّا بأحد هذين الطريقين؛ إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ مِن عالم الغيب، فبأيِّهما توصَّل إلى ذلك؟! انتهى. وهمزةُ ﴿أَاطَّلَعَ﴾ للاستفهام الإنكاري، وحُذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، وزاد في رواية أبي ذَرٍّ «الآيةَ» ولغيره «قال» أي: في تفسير ﴿عَهْدًا﴾: (مَوْثِقًا) وقيل: العهدُ: كلمة التوحيد، قال في «فتوح الغيب»: لأنَّه تعالى وعد قائلَها إخلاصًا أن يدخلَ (١) الجنَّة ألبتةَ، فهو كالعهد الموثق الذي لا بُدَّ أن يوفي به. انتهى (٢). ٤٧٣٣ - وبه قال (٣): (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) هو ابنُ الأَرَتِّ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا) بقاف مفتوحة فتحتيَّة ساكنة فنون، أي: حدَّادًا (بِمَكَّةَ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ سَيْفًا، فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ) أجرةَ عملِ السَّيف (فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ) أجرتَه (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قُلْتُ: لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ

стр. 8718

يُحْيِيَكَ) أي: لا أكفرُ أبدًا، كما مرَّ تقريرُه قريبًا (قَالَ) أي: العاصي: (إِذَا أَمَاتَنِي اللهُ ثُمَّ بَعَثَنِي وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ) زاد في السابقة [خ¦٤٧٣٢]: «فأقضيكَه» (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا. أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨] قَالَ: مَوْثِقًا) وقد مرَّ هذا أوَّل هذا الباب (لَمْ يَقُلِ الأَشْجَعِيُّ) -بهمزة مفتوحة فشين معجمة ساكنة فجيم مفتوحة فعين مهملة مكسورة- عبيد الله بن عبد الرَّحمن (١)، بتصغير عبد الأول في روايته: (عَنْ سُفْيَانَ: سَيْفًا) في قوله: «فعملت سيفًا» (وَلَا: مَوْثِقًا) تفسير ﴿عَهْدًا﴾. (٥) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿كَلَّا﴾) ردعٌ وزجرٌ (﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾) من طلبِه ذلك وحكمِه لنفسه ما تمنَّاه وكفرِه (﴿وَنَمُدُّ لَهُ﴾) في الدار الآخرة (﴿مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]) على كفره وافترائه واستهزائه. ٤٧٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بموحَّدة مكسورة فمعجمة ساكنة؛ أبو محمَّد الفرائضيُّ العسكريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنَدرٌ (عَنْ شُعْبَةَ) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا شعبة» (٢) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) الأعمشِ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى) مسلمَ بن صُبيحٍ (يُحَدِّثُ، عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) بالخاء المعجمة والموحَّدتين الأولى مشدَّدة بينهما ألف، ابنِ الأَرَتِّ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا) جمعه قُيُون (فِي الجَاهِلِيَّةِ) بمكَّةَ (وَكَانَ لِي دَيْنٌ) أجرة (٣)

стр. 8719

عملِ سيفٍ (عَلَى العَاصِي بْنِ وَائِلٍ) السهميِّ، وسُمِّي بالعاص لأنَّه تقلَّد العصا بدلًا من (١) السَّيف فيما قيل (قَالَ (٢): فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ) ذلك (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ) أي (٣): خبَّاب: (وَاللهِ لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ تُبْعَثَ) بضمِّ أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ (٤): «يَبْعَثَكَ» (قَالَ) العاص: (فَذَرْنِي) أي: اترُكْنِي (حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ، فَسَوْفَ أُوتَى) بضمِّ الهمزة وفتح الفوقيَّة (مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ) حقَّكَ (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) بفتح الواو واللَّام، وقرأه الأخوانِ بضمٍّ فسكونٍ، جمع وَلَد، كأَسَد وأُسْد. (٦) (قَوْلُهُ : ﴿وَنَرِثُهُ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿وَنَرِثُهُ﴾» (﴿مَا يَقُولُ﴾) مِن مالٍ وولدٍ؛ نسلبه (٥) منه، عكس ما يقول (﴿وَيَأْتِينَا﴾) يوم القيامة (﴿فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) لا يصحبُه مالٌ ولا ولدٌ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله: ﴿وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ﴾ (٦) (﴿الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]) أي: (هَدْمًا) استعظامًا لِفريتِهِم وجراءَتِهِم لأنْ دَعَوا للرَّحمن ولدًا تعالى الله. ٤٧٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) ابن موسى البلخيُّ الملقَّب بـ «خَتٍّ» بخاء معجمة مفتوحة ففوقيَّة

стр. 8720

مشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (١) الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لِي: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قَالَ) خَبَّابٌ: (قُلْتُ) (٢) له: (لَنْ (٣) أَكْفُرَ بِهِ) ﷺ (حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ؟) زاد في رواية الحُميديِّ: [خ¦٤٧٣٢] «قلت: نعم» (فَسَوْفَ) أي: قال العاص: إن بُعثتُ بعد الموت؛ فسوف (أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ) وفيه: أنَّه غيرُ مؤمنٍ بالبعث (قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا. أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا. كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠]) وحيدًا بغير شيء، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أَسْلَم: فَردًا لا يَتْبَعَهُ قليلٌ ولا كثيرٌ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ … » إلى آخره.
следующие страницы →