← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

٤٧٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزبُّيرِ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبَيحٍ مصغَّرًا (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا) هو ابنُ الأَرَتِّ بالمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة (قَالَ: جِئْتُ العَاصِيَ) بالعين والصاد المهملتين آخره تحتيَّة (بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ) هو والدُ عَمرٍو الصَّحابيِّ ﵁ (أَتَقَاضَاهُ) أي: أطلب منه (حَقًّا لِي عِنْدَهُ) وهو أجرةُ عملِ سيفٍ، وكان خَبَّابٌ حدَّادًا (فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقُلْتُ: لَا) أكفرُ (حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ) ومفهومُه غيرُ مرادٍ؛ إذِ الكفرُ لا يُتصوَّرُ بَعدَ البعثِ، فكأنَّه قال: لا أكفرُ أبدًا (قَالَ) أي: العاصي: (وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟) قال خَبَّابٌ: (قُلْتُ) له: (نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ﴾) أي: في الجنة (﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) بفتح الواو واللَّام قراءة غير حمزةَ والكِسائيِّ، اسمٌ مفردٌ قائمٌ مَقامَ الجمعِ. (رَوَاهُ) أي: الحديث (الثَّوْرِيُّ) سفيان فيما وصله المؤلِّف بعدُ [خ¦٤٧٣٣] (وَشُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج فيما وصله (١) أيضًا [خ¦٤٧٣٤] (وَحَفْصٌ) هو ابنُ غياثٍ فيما وصله في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٥] (٢) (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم بالخاء والزَّاي المعجمتين فيما وصله أحمدُ (وَوَكِيعٌ) فيما وصله بعدُ [خ¦٤٧٣٥] كلُّهم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مهرانَ. وقد مرَّ الحديث في «البيوع» [خ¦٢٢٧٥].

стр. 8717

(٤) (قَوْلُهُ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: (﴿أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]) قال في «الكشاف» أي: أَوَقَدْ بلغ من عظمةِ شأنهِ أنِ ارتقى إلى علم الغيب الذي توحَّد به الواحد القهار؟! والمعنى: أنَّ ما ادَّعى أن يؤتاه وتألَّى عليه لا يتوصَّل إليه إلَّا بأحد هذين الطريقين؛ إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ مِن عالم الغيب، فبأيِّهما توصَّل إلى ذلك؟! انتهى. وهمزةُ ﴿أَاطَّلَعَ﴾ للاستفهام الإنكاري، وحُذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، وزاد في رواية أبي ذَرٍّ «الآيةَ» ولغيره «قال» أي: في تفسير ﴿عَهْدًا﴾: (مَوْثِقًا) وقيل: العهدُ: كلمة التوحيد، قال في «فتوح الغيب»: لأنَّه تعالى وعد قائلَها إخلاصًا أن يدخلَ (١) الجنَّة ألبتةَ، فهو كالعهد الموثق الذي لا بُدَّ أن يوفي به. انتهى (٢). ٤٧٣٣ - وبه قال (٣): (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) هو ابنُ الأَرَتِّ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا) بقاف مفتوحة فتحتيَّة ساكنة فنون، أي: حدَّادًا (بِمَكَّةَ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ سَيْفًا، فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ) أجرةَ عملِ السَّيف (فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ) أجرتَه (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قُلْتُ: لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ

стр. 8718

يُحْيِيَكَ) أي: لا أكفرُ أبدًا، كما مرَّ تقريرُه قريبًا (قَالَ) أي: العاصي: (إِذَا أَمَاتَنِي اللهُ ثُمَّ بَعَثَنِي وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ) زاد في السابقة [خ¦٤٧٣٢]: «فأقضيكَه» (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا. أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨] قَالَ: مَوْثِقًا) وقد مرَّ هذا أوَّل هذا الباب (لَمْ يَقُلِ الأَشْجَعِيُّ) -بهمزة مفتوحة فشين معجمة ساكنة فجيم مفتوحة فعين مهملة مكسورة- عبيد الله بن عبد الرَّحمن (١)، بتصغير عبد الأول في روايته: (عَنْ سُفْيَانَ: سَيْفًا) في قوله: «فعملت سيفًا» (وَلَا: مَوْثِقًا) تفسير ﴿عَهْدًا﴾. (٥) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿كَلَّا﴾) ردعٌ وزجرٌ (﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾) من طلبِه ذلك وحكمِه لنفسه ما تمنَّاه وكفرِه (﴿وَنَمُدُّ لَهُ﴾) في الدار الآخرة (﴿مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]) على كفره وافترائه واستهزائه. ٤٧٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بموحَّدة مكسورة فمعجمة ساكنة؛ أبو محمَّد الفرائضيُّ العسكريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنَدرٌ (عَنْ شُعْبَةَ) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا شعبة» (٢) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) الأعمشِ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى) مسلمَ بن صُبيحٍ (يُحَدِّثُ، عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) بالخاء المعجمة والموحَّدتين الأولى مشدَّدة بينهما ألف، ابنِ الأَرَتِّ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا) جمعه قُيُون (فِي الجَاهِلِيَّةِ) بمكَّةَ (وَكَانَ لِي دَيْنٌ) أجرة (٣)

стр. 8719

عملِ سيفٍ (عَلَى العَاصِي بْنِ وَائِلٍ) السهميِّ، وسُمِّي بالعاص لأنَّه تقلَّد العصا بدلًا من (١) السَّيف فيما قيل (قَالَ (٢): فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ) ذلك (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ) أي (٣): خبَّاب: (وَاللهِ لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ تُبْعَثَ) بضمِّ أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ (٤): «يَبْعَثَكَ» (قَالَ) العاص: (فَذَرْنِي) أي: اترُكْنِي (حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ، فَسَوْفَ أُوتَى) بضمِّ الهمزة وفتح الفوقيَّة (مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ) حقَّكَ (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) بفتح الواو واللَّام، وقرأه الأخوانِ بضمٍّ فسكونٍ، جمع وَلَد، كأَسَد وأُسْد. (٦) (قَوْلُهُ : ﴿وَنَرِثُهُ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿وَنَرِثُهُ﴾» (﴿مَا يَقُولُ﴾) مِن مالٍ وولدٍ؛ نسلبه (٥) منه، عكس ما يقول (﴿وَيَأْتِينَا﴾) يوم القيامة (﴿فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) لا يصحبُه مالٌ ولا ولدٌ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله: ﴿وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ﴾ (٦) (﴿الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]) أي: (هَدْمًا) استعظامًا لِفريتِهِم وجراءَتِهِم لأنْ دَعَوا للرَّحمن ولدًا تعالى الله. ٤٧٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) ابن موسى البلخيُّ الملقَّب بـ «خَتٍّ» بخاء معجمة مفتوحة ففوقيَّة

стр. 8720

مشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (١) الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لِي: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قَالَ) خَبَّابٌ: (قُلْتُ) (٢) له: (لَنْ (٣) أَكْفُرَ بِهِ) ﷺ (حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ؟) زاد في رواية الحُميديِّ: [خ¦٤٧٣٢] «قلت: نعم» (فَسَوْفَ) أي: قال العاص: إن بُعثتُ بعد الموت؛ فسوف (أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ) وفيه: أنَّه غيرُ مؤمنٍ بالبعث (قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا. أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا. كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠]) وحيدًا بغير شيء، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أَسْلَم: فَردًا لا يَتْبَعَهُ قليلٌ ولا كثيرٌ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ … » إلى آخره.

стр. 8721

(((٢٠))) سورة (طَهَ). مكِّيَّة، وهي مئة وأربع وثلاثون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة طه». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ، ممَّا وصله في (١) «الجعديات» للبغويِّ، و «مصنَّف ابن أبي شيبةَ»، ولأبي ذرٍّ بدل: ابن جُبير (٢) «عكرمة» فيما وصله ابنُ أبي حاتم (وَالضَّحَّاكُ) ابنُ مُزاحِم فيما وصله الطَّبريُّ: (بِالنَّبَطِيَّةِ ﴿طه﴾) معناه: (يَا رَجُلُ) ولأبي ذرٍّ «أي: طَهْ: يا رجل» بسكون الهاء، والمراد: النَّبيُّ ﷺ ، قال ابنُ (٣) الأنباريِّ: ولغةُ قريشٍ وافقتْ تلك اللغة في هذا؛ لأنَّ الله تعالى لم يُخاطب نبيَّه ﷺ بلسانٍ غيرِ قريشٍ، وعنِ الخليل: مَن قرأَ (طَهْ) موقوفًا؛ فهو: يا رجل، ومَن قرأ ﴿طه﴾ بحرفين من الهجاء؛ فقيل: معناه: اطمئن، وقيل: طأ الأرض، والهاء كنايةٌ عنها، وقال ابنُ عطيَّة: الضميرُ في ﴿طه﴾ للأرض، وخفِّفتِ الهمزةُ فصارتْ ألفًا ساكنة، وقرأَ الحسنُ: (طَهْ) بسكون الهاء مِن غير ألف بعد الطاء، على أنَّ الأصل: «طَأْ» بالهمز، أمرٌ من «وطئ يطأ»، ثمَّ أُبدلَت الهمزةُ هاءً كإبدالهم لها في «هرقت» ونحوه، أو على إبدال الهمزة ألفًا، كأنَّه أخذه مِن «وطئ يطأ» بالبدل، ثم حَذف الألف حملًا للأمر على المجزوم، وتناسبًا لأصل الهمز، ثم أَلحق هاء السكت، وأجرى الوصلَ مُجرى الوقفِ، وفي حديث أنسٍ عند عبدِ بنِ حميدٍ: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا صلَّى قام (٤) على رِجْلٍ ورفعَ الأخرى، فأنزل الله: ﴿طه﴾ أي: طَأِ الأرض». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ (٥)﴾: (﴿أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥])

стр. 8722

بفتح الهمزة والقاف، أي: (صَنَعَ) وسقط هذا لغير أبي ذرٍّ (١). وقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾ [طه: ٢٧] (يُقَالُ: كُلُّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ فَهْيَ عُقْدَةٌ) وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ (٢)، وإنَّما سأل موسى ذلك؛ لأنَّه إنَّما يحسن التبليغ مِنَ البليغ، وقد كان في لسانه رتة، وسببُها -كما روي- أنَّ فرعون حمله يومًا فأخذ لحيتَه ونتفَها، فغضِبَ وأمرَ بقتله، فقالت آسية: إنَّه صبيٌّ لا يفرِّقُ بين الجمر والياقوت، فأُحضرا بين يديه، فأخذ الجمرة فوضعها في فِيْه، وقوله: ﴿مِّن لِّسَانِي﴾ يتعلَّق (٣) بمحذوفٍ على أنَّه صفة لـ ﴿عُقْدَةً﴾ أي: مِن عقدِ لساني، فلم يسأل حلَّ عقدةِ لسانه مطلقًا، بل عقدةً تمنع الإفهام؛ ولذلك نكَّرَها، وجعلَ ﴿يَفْقَهُوا﴾ جوابَ الأمرِ، ولو سألَ الجميعَ لزالَ، ولكن الأنبياءَ ﵈ لا يسألونَ إلَّا بحسب الحاجة، قال الحسنُ: قال (٤): ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾ قال: احلُلْ عقدةً واحدةً، ولو سألَ أكثرَ مِن ذلك أُعطِي. (﴿أَزْرِي﴾) في قوله: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣١] أي: (ظَهْرِي) وجماعتُه: أُزر، ويُراد به: القُوَّة، يقال: أزرْتُ فلانًا على الأمر، أي: قوَّيتُه. (﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١]) أي: (يُهْلِكَكُمْ) بعذابٍ ويستأصلَكم به. (﴿الْمُثْلَى﴾) في قوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] (تَأْنِيثُ الأَمْثَلِ) وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ (٥) (يَقُولُ (٦)): إذا غلب هؤلاء (٧) يخرجاكم مِن أرضِكم ويذهبا (بِدِينِكُمْ) أي: الذي أنتم عليه، وهو السحر، وقد كانوا معظَّمينَ بسبب ذلك، ولهم أموالٌ وأرزاقٌ عليه (يُقَالُ: خُذِ المُثْلَى) أي: (خُذِ الأَمْثَلَ) وهو الأفضلُ. (﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] يُقَالُ: هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ اليَوْمَ؟ يَعْنِي: المُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ) بفتح لام «المصلَّى» و «يصلَّى» قاله أبو عبيدةَ والزَّجَّاج، والمعنى: أنَّهم تواعدوا على الحضور

стр. 8723

إلى الموضع الذي كانوا يجتمعون فيه لعبادتهم في عيدهم، وقيل: ائتوا مصطفين؛ لأنَّه أهيبُ في صدور الرائين، فهو حالٌ مِن فاعل ﴿ائْتُوا﴾ أي: ذوي صفٍّ، فهو مصدرٌ في الأصل، قيل: وكانوا سبعين ألفًا، مع كلٍّ منهم حبلٌ وعصًا، وأقبلوا عليه إقبالةً واحدةً، وقولُه: «﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ … » إلى آخره ساقطٌ لأبي ذرٍّ. (﴿فَأَوْجَسَ﴾ [طه: ٦٧]) أي: (أَضْمَرَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ﴾» (خَوْفًا، فَذَهَبَتِ الوَاوُ مِنْ ﴿خِيفَةً﴾ لِكَسْرَةِ الخَاءِ) قال ابن عطيَّة: ﴿خِيفَةً﴾ يصحُّ أن يكون أصله: خوفةً، قُلبتِ الواو ياءً للتَّناسب، ويَحتملُ أن يكون خَوفة بفتح الخاء، قلبتِ الواو ياءٍ ثمَّ كسرت الخاء للتناسب، والخوفُ كان على قومه أن يدخلهم شكٌّ فلا يتَّبعوه. (﴿فِي جُذُوعِ﴾ أَيْ: عَلَى جُذُوعِ ﴿النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]) وضع حرفًا موضع آخر، ومِنْ تعدِّي «صلب» بـ «في» قوله: وقد صلبوا العبديَّ في جِذْعِ نخلةٍ … فلا عَطِشتْ شَيْبَانُ إلَّا بِأَجْدعَا وهو مذهبٌ كوفيٌّ، وقال البصريُّونَ: ليست «في» بمعنى: «على» ولكن شَبَّه تمكُّنَهُم تمكُّنَ مَن حواه الجِذْعُ واشتملَ عليه بتمكُّنِ الشيءِ الموعى في وِعائِه؛ ولذا قيل: في جذوع، وهذا على طريق المجاز، أي: استعمال «في» موضع «على»، وهو أوَّل مَنْ صَلَبَ، وسقط قوله: «﴿النَّخْلِ﴾» لغير أبي ذرٍّ. (﴿خَطْبُكَ﴾) في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ﴾ [طه: ٩٥] أي: ما (بَالُكَ) وما الذي حَمَلَكَ على ما صنعتَ يا سامريُّ؟ (﴿مِسَاسَ﴾) في قوله: ﴿أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧] (مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا) أي: مصدر لـ «فاعَل» كـ «القتال» من «قاتل»، والمعنى: أنَّ السامريَّ عُوقب على ما فَعَلَ -مِن إضلاله بني إسرائيل باتِّخاذِه العِجْلَ والدعاءِ إلى عبادتِه في الدنيا- بالنفيِ، وبأن لا يَمَسَّ أحدًا، ولا يَمَسَّهُ أحدٌ، فإنْ مسَّه أحدٌ أصابتْهُما الحُمَّى معًا لوقتهما، وسقط قوله: «﴿مِسَاسَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (﴿لَنَنسِفَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧]) أي: (لَنَذْرِيَنَّهُ) رمادًا بعد التحريق بالنار، كما قال قبلُ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧].

стр. 8724

(﴿قَاعًا﴾) في قوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا﴾ [طه: ١٠٦] (يَعْلُوهُ المَاءُ) قال في «الدر»: وفي «القاع» أقوالٌ: قيل: هو منتقعُ الماء، ولا يليقُ معناه هنا، أو هو الأرضُ التي لا نباتَ فيها (١) ولا بناءَ، أو المكانُ المستوي، وجمع «القاع»: أقوع وأقواع وقِيعان. (وَالصَّفْصَفُ) هو (المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ) وسقطت هذه لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾ (﴿أَوْزَارًا﴾) أي: (أثقالًا) كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، ولأبي ذرٍّ وحدَه أيضًا: «﴿أَوْزَارًا﴾ وهي الأثقال» (﴿مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]) أي: (الحُلِيُّ (٢) الَّذِي) ولأبي ذرِّ: «وهي الحلي (٣) التي» (اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) وهذا وصله الفريابيُّ، وعند الحاكم من حديث عليٍّ قال: «عَمَدَ السامريُّ إلى ما قَدَرَ عليه من الحُلِيِّ فضربه عِجلًا، ثم أَلْقَى القبضةَ في جوفِه، فإذا هو عِجلٌ له خُوار» وعند النَّسائيُّ: «أنَّه لمَّا أخذ القبضةَ مِن أثرِ الرسول -أي: مِن تربةِ موطِئِ فرسِ الحياة التي كان راكبها جبريلُ لمَّا جاء في غرق فرعون- فمرَّ بهارون، فقال له: ألا تُلقي ما في يدك؟ فقال: لا أُلقيها حتى تدعوَ الله أن تكونَ ما أُريد، فدعا له، فألقاها وقال: أريدُ أن تكون عِجلًا له جوفٌ يخورُ». (فَقَذَفْتُهَا) أي: (فَأَلْقَيْتُهَا) في النار، وفي نسخة: «فقذفناها فألقيناها» والضمير لـ «حليِّ القبط» التي كانوا استعاروها منهم حين همُّوا بالخروج من مصر، وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعدَ إغراقهم (٤) فأخذوه. (﴿أَلْقَى﴾) من قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] أي: (صَنَعَ) مثلَهم مِن إلقاء ما كان معه (٥) من الحلي. (﴿فَنَسِيَ﴾) أي: (مُوسَى، هُمْ) أي: السامريُّ وأتباعُه (يَقُولُونَهُ) أي: (أَخْطَأَ) موسى (الرَّبَّ) الذي هو العِجل أن يطلبه ههنا، وذهب يطلبُه عند الطور، أو الضميرُ في «نسي» يعود على

стр. 8725

السامريِّ، فيكونُ مِن كلام الله، أي: فنسي السامريُّ، أي: ترك ما كان عليه من إظهار الإيمان، وفي «آل ملك» (١) وغيره: «الربُّ» بالرفع، وسقط من قوله: «﴿فَنَسِيَ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٢). (﴿لَّا يَرْجِعُ﴾) في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ (﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]) أي: (العِجْلُ) أي: إنَّه لا يرجعُ إليهم كلامًا ولا يَرُدُّ عليهم جوابًا سقطت «لا» من (٣) قوله: ﴿لَّا يَرْجِعُ﴾ لأبي ذرٍّ (٤). (﴿هَمْسًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] هو (حِسُّ الأَقْدَامِ) أي: وقعُها على (٥) الأرض، ومنه: همستِ الإبلُ: إذا سُمع ذلك مِن وقعِ أخفافِها على الأرض، قال: فَهُنَّ (٦) يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا وفُسِّر هنا بِخَفق أقدامهم ونقلِها إلى المحشر، وقيل: هو تحريكُ الشفتين من غير نُطقٍ، والاستثناء مفرَّغ. (﴿حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾) قال مجاهدٌ فيما وصله الفِريابيُّ أي: (عَنْ حُجَّتِي) وهو نصبٌ على الحال (﴿وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥]) أي: (فِي الدُّنْيَا) بحُجَّتي؛ يريد: أنَّه كانت له حُجَّةٌ بزعمه في الدنيا، فلمَّا كُوشِفَ بأمر الآخرة بَطَلَتْ، ولم يهتد إلى حُجَّةِ حقٍّ. (قَاْلَ ابْنُ عبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠]: ضَلُّوا) أي: موسى وأهله (٧) (الطَّرِيقَ) في سيرهم لمصر (٨) (وَكَانُوا شَاتِينَ) في ليلةٍ مظلمة مثلجة، ونزلوا منزلًا بين شعاب وجبال، وولد له

стр. 8726

ابنٌ، وتفرَّقت ماشيتُه، وجعل يقدَح بزندٍ معه ليُوريَ، فجعلَ لا يخرُج منه شررٌ، فرأى مِن جانب الطور نارًا (فَقَالَ) لأهلِه: امكثوا إنِّي أبصرتُ نارًا (إِنْ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِا مِنْ يَهْدِي الطَّرِيقَ آتِكْمْ بِنَارٍ تُوقِدُونَ) وفي نسخة لأبي ذرٍّ (١): «تَدفَؤون» بفتح الفوقيَّة والفاء بدل «توقدون»، وقوله في الآية: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] يدُّلُ على البرد، و ﴿بِقَبَسٍ﴾ على وجود الظلام ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ على أنَّه قد تاه عنِ الطريق، وقولُ ابن عبَّاسٍ هذا ثابتٌ هنا على هامش الفرع كأصله، مخرَّجٌ له بعدَ قوله: «في الدنيا» في رواية أبي ذرٍّ. (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ، ممَّا هو في «تفسيره» في قوله: (﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ [طه: ١٠٤]) أي: (أَعْدَلُهُمْ) أي: رأيًا أو عملًا، وسقط لغير أبي ذرٍّ «طريقة». (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ في قوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا﴾ (﴿هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]) أي: (لَا يُظْلَمُ فَيُهْضَمُ مِنْ حَسَنَاتِهِ) ولفظ ابن أبي حاتم: لا يخاف ابنُ آدم يوم القيامة أن يظلم فيزداد في سيئاته، ولا يهضم فينقص من حسناته. (﴿عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧]) أي: (وَادِيًا، ﴿وَلَا (٢) أَمْتًا﴾) أي: (رَابِيَةً) قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «ولا» من قوله: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾. (﴿سِيرَتَهَا﴾) في قوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١] أي: (حَالَتَهَا) وهيئتَها (الأُولَى) وهي «فِعْلَة» مِنَ السير، تُجوِّزَ بها للطريقة، وانتصابِها على نزع الخافض. (﴿النُّهَى﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه: ١٢٨] أي: (التُّقَى) وقال في «الأنوار»: لذوي العقول الناهية عنِ اتباع الباطل وارتكاب القبائح، جمع نُهية. (﴿ضَنكًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤] (الشَّقَاءُ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عنه، وصحَّحَ ابنُ حِبَّان من حديث أبي هريرة

стр. 8727

مرفوعًا: ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: «عذاب القبر» وقال في «الأنوار»: ﴿ضَنكًا﴾ ضيِّقًا، مصدرٌ وَصِفَ به، ولذلك يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث. (﴿هَوَى﴾) في قوله: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١] قال ابنُ عبَّاسٍ فيما وصله ابنُ أبي حاتم أي: (شَقِيَ) وقال القاضي: فقد تردَّى وهَلَكَ، وقيل: وقع في الهاوية، والأوَّلُ شاملٌ لها. (بِالوَادِي المُقَدَّسِ) أي: (المُبَارَكِ) ولغير أبي ذرٍّ: «المُقَدَّسُ المُبَارَكُ» مع إسقاط «بالوادي» (١) (﴿طُوًى﴾ [طه: ١٢]) بالتنوين، وبه قرأ ابنُ عامرٍ والكوفيُّون (٢) (اسْمُ الوَادِي) ولأبي ذرٍّ: «اسمُ (٣) واد»، وهو بدل مِنَ «الوادي» أو عطفُ بيانٍ له (٤)، أو مرفوعٌ على إضمارِ مبتدأٍ، أو منصوبٌ بإضمارِ «أعني». (﴿بِمَلْكِنَا﴾) بكسر الميم في قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] وهي قراءةُ أبي عمرٍو وابنِ كثيرٍ وابنِ عامرٍ، أي: (بِأَمْرِنَا) وعاصمٌ ونافعٌ بفتحِها، وحمزةُ والكِسائيُّ بضمِّها، وثلاثتها في الأصل (٥) لغاتٌ في مصدرٍ: «مَلَكْتُ الشيءَ». (﴿مَكَانًا سُوًى﴾) في قوله: ﴿لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] معناه: (مَنْصَفٌ) تستوي مسافتُه (بَيْنَهُمْ) قال في «الأنوار»: وانتصاب ﴿مَكَانًا﴾ بفعلٍ دلَّ عليه المصدر لا به؛ فإنَّه موصوفٌ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿بِمَلْكِنَا﴾ … » إلى آخره. (﴿يَبَسًا﴾) في قوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] أي: (يَابِسًا) صفة لـ ﴿طَرِيقًا﴾ (٦)

стр. 8728

وُصِفَ به لِمَا يَؤُولُ إليه؛ لأنَّه لم يكن يبسًا بعد، إنَّما مرَّت عليه الصَّبَا فجفَّفَتْه (١) كما ذُكِر (٢)، وقيل: هو في الأصل مصدرٌ وُصِفَ به الواحد (٣) مبالغةً، أو على حذف مضاف، أو جمع «يابس» كـ «خادم» و «خدم»، وصف به الواحدُ مبالغةً. (﴿عَلَى قَدَرٍ﴾) في قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠] أي: (مَوْعِدٍ) قدَّرتُه لِأَنْ أُكلمَكَ وأستنبئَكَ غير مستقدم ولا مستأخر، قال أبو البقاء: وهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِن فاعلِ ﴿جِئْتَ﴾ أي: جئتَ موافقًا لِمَا قُدِّرَ لك، قال في «الدر»: وهو تفسير معنًى، والتفسيرُ الصِّناعيُّ: ثم جئتَ مستقِرًّا أو كائنًا على مقدارٍ معيَّن، كقوله: نَالَ الخِلَافةَ أَوْ جَاءتْ لَهُ قَدَرًا (٤) … كَمَا أَتى ربّهَ مُوسَى عَلَى قَدَرِ (﴿لَا تَنِيَا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] أي: (لا تَضْعُفَا) قاله قتادة فيما وصله عبدُ بنُ حُميدٍ، وقال غيره: لا تَفْتُرا، يقال: وَنَى يَنِي وَنْيًا، كوَعَدَ يَعِدُ وَعْدًا: إذا فَتَرَ. (﴿يَفْرُطَ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥] قال أبو عبيدةَ: (عُقُوبَةً) أي: يتقدَّم بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة، وسقط «يفرط عقوبة» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8729

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (قَوْلُهُ) تعالى، ثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ، وسقط له «قوله» (١) (﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]) افتعال مِنَ الصنع، فأُبدلت (٢) التَّاء طاءً لأجل حرف الاستعلاء، أي: اصطفيتُك لمحبتي، وهذا مجازٌ عن قُربِ منزلتِه ودنوِّه مِن ربِّه؛ لأنَّ أحدًا لا يَصْطَنِع إلَّا مَن يختارُه. ٤٧٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللَّام آخره فوقيَّة، الخارَكيُّ بالخاء المعجمة والراء والكاف، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ المِعْوَليَ -بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريُّ البصريُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: التَقَى آدَمُ وَمُوسَى) بأشخاصِهِما أو بأرواحِهِما أو يوم القيامة أو في حياة موسى (٣) الدُّنيويَّة أَراه اللهُ آدمَ فالتقيا أو بعد وفاته (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (مُوسَى لِآدَمَ: أَنْتَ الَّذِي) وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٩] من طريق حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: «أنت آدمُ الذي» (أَشْقَيْتَ النَّاسَ) مِنَ الشقاوة (وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ) أي: بتناوُلِكَ مِنَ (٤) الشجرة (قَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «قال آدمُ: أنتَ موسى الذي» (اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ) أي: جَعَلَكَ خالصًا صافيًا عن

стр. 8730

شائبةِ ما لا يليقُ بك (وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ) وهذا موضعُ الترجمةِ (وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟) فيها تِبيانُ كلِّ شيءٍ مِنَ الأخبار بالغيوب والقِصص وغيرِ ذلك، من قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَجَدْتَهَا) أي: الخطيئة (كُتِبَ عَلَيَّ) وللكشميهنيِّ: «كتبت» بزيادة تاء التأنيث (١)، وللحَمُّويي والمُستملي (٢): «فوجدته» أي: الذنب «كُتِبَ عَلَيَّ» (٣) في التوراة (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟) أو الضميرُ في «فوجدتها» بالتأنيث يرجِعُ إلى التوراة باعتبار اللفظ، وبالتذكير باعتبار المعنى، أي: الكتاب، وعند ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن هرمز عن أبي هريرة قال: آدم: فهل وجدت فيها -يعني: في التوراة- ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] (قَالَ: نَعَمْ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) برفع «آدم» على الفاعليَّة، أي: غَلَبَه بالحُجَّة، ويأتي مزيدٌ لذلك قريبًا [خ¦٤٧٣٨]. وهذا الحديث من أفراده مِن هذا الوجه. (﴿الْيَمِّ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] هو (البَحْرُ) أي: اطرحيه فيه. (٢) (وَ ﴿أَوْحَيْنَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتنوين «﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا﴾» (﴿إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾) أي: أسرِ (٤) بهم في الليل مِن أرض مصرَ (﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾) ﴿طَرِيقًا﴾ نُصِبَ مفعولٌ به، وذلك على سبيل المجاز؛ وهو أنَّ الطريقَ مُتَسَبِّبٌ عن ضربِ البحرِ؛ إذِ المعنى: اضربِ البحرَ لينفلِقَ لهم (٥) فيصيرَ طريقًا، فبذا صحَّ نسبةُ الضَّرْبِ إلى الطريق، أو المعنى: اجعلْ لهم طريقًا، وقيل: هو نصبٌ على الظرفِ، قال أبو البقاء أي: موضعَ طريقٍ، فهو مفعولٌ فيه (﴿يَبَسًا﴾) ليس فيه (٦) ماءٌ

стр. 8731

ولا طينٌ (﴿لَّا تَخَافُ دَرَكًا﴾) أي (١): أن يدرِكَكَ فرعونُ مِن ورائِكَ (﴿وَلَا تَخْشَى﴾) أنْ يغرِقَكَ البحرُ أمامَكَ (﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾) أي: فأتبعهم فرعونُ نفسَه ومعه جنودُه، فحَذَفَ المفعولَ الثاني، والباءُ للتعدية، أو زائدة في المفعول الثاني، أي: فأتبعهم فرعونُ وجنوده (﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾) هو مِن باب الاختصار وجوامع الكَلِم التي يَقِلُّ لفظُها ويَكْثُرُ معناها، أي: فغشيَهُم ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلَّا الله، والضميرُ في غَشِيَهُم لجنودِه أو له ولهم، والفاعلُ هو اللهُ تعالى، أو ما غشيهم، أو فرعونُ؛ لأنَّه الذي ورَّطهم للهلاك (﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾) في الدَّين (٢) (﴿وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩]) وهو تكذيبٌ له في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] أو (٣) أضلهم في البحر وما نجا، وسقط قوله: «﴿لَّا تَخَافُ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿يَبَسًا﴾: «إلى قوله: ﴿وَمَا هَدَى﴾». ٤٧٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدّثنا» (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورَقِيُّ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء وسكون الواو آخره مهملة، ابنُ عبادة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة؛ جعفرُ بنُ أبي وَحْشِيَّةَ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَاليَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ) قال الطِّيبيُّ: هو مِن باب الصِّفَةِ التي لم يَرِد لها فِعلٌ، والتقديرُ: يومٌ مدَّتُه عاشوراء، أو صورتُه عاشوراء (٤)، قيل: وليس في كلامهم «فاعولاء» غيرُه، وقد يُلحق به «تاسوعاء»

стр. 8732

وذهب بعضُهم إلى أنَّه أُخذ من العشر الذي هو من إظماء الإبل، ولهذا (١) زعموا أنَّه اليوم التاسع، وسبق تقريرُ ذلك في «الصوم» [خ¦٢٠٠٤] فليراجع، ولأبي ذرٍّ: «تصومُ يومَ عاشوراءَ» (فَسَأَلَهُمْ): ما هذا الصوم؟ وكان هذا في السَّنةِ الثانية مِن قُدُومه ﷺ (فَقَالُوا) أي: اليهود: (هَذَا اليَوْمُ الَّذِي (٢) ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى) ﵇ (عَلَى فِرْعَوْنَ) أي: غلب عليه (٣)، وفي «الصوم» من طريق أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه: قالوا: «هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومٌ نجَّى اللهُ فيه (٤) بني إسرائيل مِن عدوِّهم» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وسقط قوله: «النَّبي … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٥). (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ) بضمير الغيبة (فَصُومُوهُ) وفي «الصوم» [خ¦٢٠٠٤]: «فصامه وأمر بصيامه». (٣) (بَاب قَوْله) تعالى: (﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾) فلا يكونَنَّ سببًا لإخراجِكُما (﴿مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]) أسند إلى آدمَ الشقاءَ وحدَه دونَ حواءَ بعدَ اشتراكِهِما في الخروج؛ لأنَّ في ضِمن شقاءِ الرجلِ -وهو قَيِّمُ أهلِهِ- شقاءَهم، فاختصرَ الكلام بإسناده إليه دونَها، أو لأنَّ المرادَ بالشقاء: التعبُ في طلبِ المعاش الذي هو وظيفةُ الرجال، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8733

٤٧٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنِ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ) بالنون والجيم المشدَّدة وبعد الألف راء؛ الحنفيُّ اليماميُّ، كان يقال: إنَّه مِنَ الأبدال (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة الطَّائيِّ مولاهم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١)) أنه (قَالَ: حَاجَّ مُوسَى آدَمَ) بالنصبِ على المفعوليَّة (فَقَالَ) موسى (لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ) وهو الأكلُ مِنَ الشجرة التي نُهِيَ عنها (فَأَشْقَيْتَهُمْ) بكدِّ الدنيا وتَعَبِها؟! والجملة مبيِّنةٌ لمعنى: حاجَّ موسى آدم (قَالَ: قَالَ آدَمُ) مُجيبًا له: (يَا مُوسَى أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ) بالجمع باعتبار الأنواع، وبالإفراد (٢) فقط في «اليونينيَّة» (٣) (وبِكَلَامِهِ) على الناس الموجودين في زمانِك، وفي الرواية السابقة قريبًا [خ¦٤٧٣٦]: «وأنزل عليك التوراة» (أَتَلُومُنِي) بهمزة الإنكار، ولمسلمٍ: «أفتلومني» بفاءٍ بعدَ الهمزة، وفيه حذفُ ما تقتضيه الهمزة وفاء العطف مِنَ الفعل، أي: أَتَجِدُ في التوراة هذا النصَّ الجَليَّ، وأنَّه ثابتٌ قبلَ كوني، وقد حُكِم بأنَّ ذلك كائنٌ لا محالةَ، فكيف تغفُلُ عنِ العلم السابق، وتذكرُ الكسبَ الذي هو السبب، وتنسى الأصلَ الذي هو القَدَر، وأنت ممَّنِ اصطفاك الله مِنَ المصطفَين الأخيار، الذين يشاهدون سِرَّ الله مِن وراء الأستار، فتلومني (عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ) بأنْ كتبَهُ في اللوح المحفوظ أو صحف (٤) التوراة و (٥) ألواحها (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟!) زاد مسلمٌ: «بأربعين سنة» والشكُّ من الراوي (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) برفع «آدمُ» على الفاعليَّة، أي: غلب عليه بالحجَّة بأنَّ ما صدر منه لم يكن مُستقلًّا به متمكِّنًا من تركه، بل كان أمرًا مقضيًّا، وقيل: إنَّما (٦) احتجَّ في خروجه مِنَ الجنَّة بأنَّ الله خلقه ليجعله خليفة في الأرض، ولم يَنْفِ عن نفسِه الأكل من الشجرة التي نُهِيَ عنها، وقيل: إنَّما احتجَّ بأنَّ التائبَ لا يُلامُ بعدَ توبتِهِ على ما كان منه.

стр. 8734

(((٢١))) (سُوْرَةُ الأَنْبِيَاءِ) مكِّيَّةٌ، وهي مئةٌ واثنتا عشرةَ آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ. ٤٧٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة المفتوحة والمعجمة المشدَّدة، بُندارٌ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر الهذليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرِو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) النَّخَعيَّ الكوفيَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ ﵁ (قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ) فيه حذفُ المضاف وإبقاءُ المضاف إليه على حاله، أي: سورة بني إسرائيل (وَالكَهْفُ) بالرفع، أي: والثاني الكهف، فهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (وَمَرْيَمُ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءُ) رفعٌ كالأوَّل (هُنَّ) الأربعة (١) (مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقيَّة، جمع عتيق؛ وهو ما بلغ الغاية في الجودة، و «الأُوَل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو المخفَّفة، والأوليَّة باعتبار النزول؛ لأنَّهُنَّ نزلْنَ بمكَّةَ (وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي) بكسر الفوقيَّة وتخفيف اللَّام

стр. 8735

وكسر الدَّال المهملة، أي: ممَّا حفظتُه قديمًا من القرآن، ضدُّ الطارِف، وإنَّما كانت «الأنبياءُ» بهذا الوصف لتضمُّنها أخبارَ جِلَّة الأنبياء، وغير ذلك. وقد سبق هذا الحديثُ أوَّل «سورة بني إسرائيل» [خ¦٤٧٠٨]. (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله الطبريُّ من طريق سعيدٍ عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ (﴿جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]) بضمِّ الجيم (قَطَّعَهُنَّ) وعبَّر بقوله: «جَعَلَهُمْ» وهو ضميرُ العقلاء معاملةً للأصنام معاملةَ العقلاء؛ حيث اعتقدوا فيها ذلك، وقرأ الكِسائيُّ: بكسر الجيم؛ لغتان بمعنًى. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ في قوله تعالى: (﴿فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣]) أي: في (مِثْلِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ) بكسر الميم وفتح الزاي، وهذا وصلَه ابنُ عُيينةَ، وقال: «الفَلَكُ» مَدارُ النُّجوم، و «الفَلَك» في كلام العرب: كلُّ مستديرٍ، وجَمْعُه أفلاك، ومنه فِلكةُ المِغْزَل، وقال آخر: «الفلك» ماءٌ مجموعٌ تجري فيه الكواكب، واحتجَّ بأنَّ السباحة لا تكون إلَّا في الماء، وأُجيب بأنَّه يُقال في الفرس الذي يَمُدُّ يديه في الجَرْيِ سابحٌ، فلا دليلَ فيما احتجَّ به. (﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]) قال (١) ابن عبَّاس: (يَدُورُونَ) كما يدورُ المِغْزَلُ في الفِلْكَة؛ ولذا قال مجاهدٌ: فلا يدورُ المِغْزَل إلَّا بالفِلْكَة، ولا الفِلْكَةُ إلَّا بالمِغْزَل، كذلك النُّجومُ والقمران (٢) لا يدورون (٣) إلَّا به، ولا يدورُ إلَّا بهِنَّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٤) وصله ابنُ أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿إِذْ﴾ (﴿نَفَشَتْ﴾) أي:

стр. 8736

(رَعَتْ) ﴿فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وزاد أبو ذرٍّ: «ليلًا». (﴿يُصْحَبُونَ﴾) في قوله: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] أي: (يُمْنَعُونَ) قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن المنذر، وقال مجاهدٌ: يُنصَرُون. (﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] قَالَ) أي: ابنُ عبَّاسٍ (١): (دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ) وأصلُ الأمَّة: الجماعة التي هي على مَقْصِدٍ واحدٍ، فجُعلتِ الشريعةُ أُمَّةً؛ لاجتماع أهلِها على مَقْصِدٍ واحدٍ. (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) في قوله: (﴿حَصَبُ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) أي: (حَطَبُ) «بالطاء» بدل: «الصاد»، (بِالحَبَشِيَّةِ) وقيل: باليمانيَّة (٢)، وهي قراءة أُبيٍّ وعائشة، والظَّاهر: أنَّها تفسيرٌ لا تِلاوةٌ، و «الحصبُ» بالصَّاد ما يُرمى به في النار، ولا يقال له: حصب إلَّا وهو في النَّار (٣)، فأمَّا قبلَ ذلك فحطبٌ وشجرٌ، وهذه ساقطة لأبي ذر. (وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ عِكرمةَ: (﴿أَحَسُّوا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] أي: (تَوَقَّعُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «توقعوا» بحذف الضمير، مُشتقٌّ (مِنْ أَحْسَسْتُ) مِنَ الإحساس، وقال في «الأنوار»: فلمَّا أدركوا شِدَّة عذابنا إدراك المشاهَدِ المحسوس. (﴿خَامِدِينَ﴾) أي: (هَامِدِينَ)، قاله أبو عُبيدةَ. (حَصِيدٌ) ولأبي ذرٍّ: «والحصيد» أي: في قوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] معناه: (مُسْتَأْصَلٌ) كالنَّبْتِ المحصود، شبَّهَهُم في استئصالِهِم به، كما تقول: جعلناهم رمادًا، أي: مثلَ الرماد، ولفظه: (يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالجَمِيعِ) وهو مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجَعْلَ هنا تصييرٌ. فإن قلت: كيف يَنصِبُ «جَعَلَ» ثلاثةَ مفاعيل؟ أُجيب بأنَّ ﴿حَصِيدًا﴾ و ﴿خَامِدِينَ﴾ يجوزُ أن يكونا مِن باب: «هذا حلوٌ حامضٌ» كأنَّه قيل: جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعًا،

стр. 8737

والمعنى: أنَّهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يَبْقَ حسٌّ ولا حركةٌ، وجَفُّوا كما يجفُّ الحصيدُ وخمدوا كما تخمدُ النَّارُ. (﴿لَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]) قال أبو عبيدةَ: (لَا يُعْيُونَ) في الفرع وأصله بضمِّ أوَّله مصحَّحًا عليه وثالِثِهِ وكِلاهما مصلَّحٌ على كشطٍ (١)؛ مِن أعيا، وفي نسخة عن أبي ذرٍّ: «يَعْيَون» بفتحهما، وردَّه ابنُ التين السَّفاقسيُّ (٢)، وصوَّب الضَّمَّ، وأجاب العَينيُّ: بأنَّ الصوابَ الفتحُ؛ لأنَّ معناه: لا يَعجِزون، وقيل: لا ينقطِعون (وَمِنْهُ: حَسِيرٌ، وَحَسَرْتُ بَعِيرِي) أي: أعييتُه. (عَمِيقٌ) (٣) في سورة الحج [الآية: ٢٧] أي: (بَعِيدٌ) ويَحتملُ أن يكون ذَكَرَه هنا سهوًا من ناسخٍ أو غيِره. ((نُكِّسُوا)) بتشديد الكاف مبنيًّا للمفعول، وهي قراءةُ أبي حيوة وغيره، لغة (٤) في المخفَّفة في قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: (رُدُّوا) بضمِّ الراء، إلى الكفر بعدَ أن أَقرُّوا على أنفسِهم بالظُّلم، أو قُلِبُوا على رؤوسِهِم حقيقةً؛ بفرط إطراقِهِم خجلًا وانكسارًا وانخزالًا ممَّا بهتَهُم إبراهيمُ ﵇، فما أَحارُوا جوابًا إلَّا ما هو حُجَّة لإبراهيمَ حين جادلهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] فأقرُّوا بهذه الحُجَّة التي لحقتْهُم. (﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ [الأنبياء: ٨٠]) هي (الدُّرُوعُ) لأنَّها تُلبَس، وهي (٥) بمعنى الملبوس، كالحَلوب والرَّكوب (٦). (﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾ [الأنبياء: ٩٣]) أي: (اخْتَلَفُوا) أي: في الدين، فصاروا فِرقًا أحزابًا،

стр. 8738

والأصل: وتقطعتم، إلَّا أنَّه صُرِفَ إلى الغَيبة (١) على طريق الالتفات، كأنَّه يَنْعَى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبِّح عندَهم فِعلَهم، ويقول لهم: أَلَا ترون إلى عظيم ما ارتكب (٢) هؤلاء في دين الله؟! والمعنى: اختلفوا في الدين فصاروا فِرقًا وأحزابًا، قاله في «الكشاف». (الحَسِيسُ وَالحِسُّ) في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] (وَالجَرْسُ) بفتح الجيم وسكون الراء (وَالهَمْسُ) بفتح الهاء وسكون الميم (وَاحِدٌ) في المعنى (وَهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الخَفِيُّ) بالرفع خبرُ المبتدأ الذي هو قوله: «وهو»، ومعنى (٣) الآية: لا يسمعون صوتَها وحركةَ تلهُّبِها إذا نزلوا منازِلَهم في الجنَّة (﴿آذَنَّاكَ﴾) ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ بفصلت [الآية: ٤٧] معناه: (أَعْلَمْنَاكَ) وذكره مناسبةً لقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ﴾ (٤). (﴿آذَنتُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]) قال أبو عبيدة: (إِذَا) أنذرت عدوَّك و (أَعْلَمْتَهُ) بالحرب (فَأَنْتَ وَهْوَ عَلَى سَوَاءٍ لَمْ تَغْدِرْ) ومعنى الآية: أعلمتُكم بالحرب وأنَّه لا (٥) صلح بيننا على سواء؛ لتتأهَّبوا لِمَا يُرادُ بكم، فلا غَدْرَ ولا خِداع. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في قوله: (﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣]) أي: (تُفْهَمُونَ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون (٦) الفاء وفتح الهاء مخفَّفة (٧)، وفي نسخة: «تَفْهَمون» بفتح فسكون ففتح مخفَّفًا، ولابن المنذر مِن وجهٍ آخرَ عنه: «تفقهون»، وقال بعضُهم أي: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلَّكم تُسألون عمَّا جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتُجيبوا السائلَ عنِ علمٍ ومشاهدة. (﴿ارْتَضَى﴾) في قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] أي: (رَضِيَ) أن: يشفع له مَهابةً منه، وسقطت هذه لأبي ذرٍّ.

стр. 8739

(﴿التَّمَاثِيلُ﴾ [الأنبياء: ٥٢]) هي (الأَصْنَامُ) والتمثال اسمٌ للشَّيءِ الموضوع (١) مشبَّهًا بخَلْقٍ مِن خَلْق الله. (السِّجِلُّ) في قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا، أو مخصوص بصحيفة العهد، و «طيّ» مصدرٌ مضافٌ للمفعول، والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كما يطوي الرجلُ الصحيفةَ ليكتبَ فيها. (٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾) الكافُ تتعلَّق (٢) بـ ﴿نُّعِيدُهُ﴾ و «ما» مصدريَّة، و ﴿بَدَأْنَا﴾ صلتُها، و ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعولُ ﴿بَدَأْنَا﴾ قاله أبو البقاء، أي: نعيد أولَ خَلْق إعادةً مثلَ بداءتنا (٣) له، أي: كما أبرزناه مِنَ العدم إلى الوجود نعيدُه مِنَ العدم إلى الوجود، وقد اختُلف في كيفيَّة الإعادة؛ فقيل: إنَّ الله يفرِّقُ أجزاء الأجسام ولا يَعْدِمها ثم يُعيدُ تركيبَها، أو يَعْدِمُها بالكلية ثم يُوجدُها بعينها، والآية تدُلُّ على ذلك؛ لأنَّه شبَّه الإعادة بالابتداء، وهو عن الوجود بعد العدم (﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) الإعادةُ، وقيل: المراد: حقًّا علينا؛ بسبب الإخبار عن ذلك، وتعلَّق العِلم بوقوعه، فإنَّ (٤) وقوع ما عَلِمَ الله وقوعَه واجبٌ، وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ، وكذا «﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾» (٥).

стр. 8740

٤٧٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) بضمِّ النون وسكون العين، النخعي الكوفي (-شَيْخٍ) بالجر بدلًا من سابقه (مِنَ النَّخَعِ-) بفتح الخاء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنه (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) مجموعون (إِلَى اللهِ (١) حُفَاةً) بالحاء المهملة، كذا في الفرع وأصله (٢)، وسقطت في بعض النسخ (عُرَاةً) من الثياب (غُرْلًا) بغين معجمة مضمومة فراء ساكنة، جمعُ أغرل؛ وهو الأقلَفُ الذي لم يُختَن، قال أبو الوفاء بن عقيل: لمَّا أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله ليُذيقها من حلاوة فضله (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) وسقط لفظ «إن» لغير الكُشْميهَنيِّ، فالتالي رفعٌ (٣)، قيل: وخصوصيةُ إبراهيم بهذه الأوَّليَّة لكونه أُلقِيَ في النَّار عريانًا، وزاد الحَليميُّ في «منهاجه» من حديث جابر: «ثمَّ محمَّدٌ ثمَّ النبيُّون» (أَلَا) بالتخفيف (إِنَّهُ) أي: لكن إنَّ الشأنَ (يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي: جهةَ النار (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ﵊: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ﴾ [المائدة: ١١٧]) ولأبي ذرٍّ: «﴿فِيهِمْ﴾» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «إلى أعقابهم» (مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ) والمرادُ بـ «مُرْتَدِّينَ»: التخلُّفُ عنِ الحقوق الواجبة. وقد مرَّ هذا الحديث في آخر «سورة المائدة» [خ¦٤٦٢٥].

стр. 8741

(((٢٢))) (سُورَةُ الحَجِّ) مكِّيَّة إلَّا ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ إلى تمام ثلاث آيات (١) أو أربع، إلى قوله: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهي ثمان وسبعون آيةً. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملة لأبي ذرٍّ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ فيما أسنده في «تفسيره» عن ابن أبي نَجيح (٢) عن مجاهدٍ: (﴿الْمُخْبِتِينَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] أي: (المُطْمَئِنِّينَ) إلى الله، وقال ابنُ عبَّاسٍ: المتواضعين الخاشعين، وقال الكلبيُّ: همُ الرقيقةُ قلوبُهم، وقال عمرو بن أوس: همُ الذين لا يَظلمون، وإذا ظُلموا لم يَنتصروا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]) أي: (إِذَا حَدَّثَ) أي: إذا تلا النَّبيُّ ﷺ شيئًا من الآيات المنزلة عليه من الله (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ) في تِلاوته عند سكتةٍ مِنَ السكتات بمثلِ نغمةِ ذلك النبيِّ ما يُوافقُ رأيَ أهلِ الشرك مِنَ الباطل، فيسمعونه فيتوهَّمون أنَّه ممَّا تلاه النبيُّ ﷺ ، وهو مُنَزَّهٌ عنه لا يَخْلِطُ حقًّا بباطل، حاشاه اللهُ مِن ذلك (فَيُبْطِلُ اللهُ مَا يُلْقِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٣): «ما ألقى» (الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ) أي: يثبتها (وَيُقَالُ): إنَّ (أُمْنِيَّتِهِ) هي (قِرَاءَتِهِ) وفي «اليونينيَّة»:

стр. 8742

«أمنيتُه قراءتُه» بالرفع فيهما (١)، وفي بعض الأصول وكثيرٍ مِنَ النسخ: «أمنيتِه قراءتِه» بجرِّهما على ما لا يخفى. (﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾) بـ «البقرة» [الآية: ٧٨] أي: (يَقْرَؤونَ وَلَا يَكْتُبُونَ) وهذا أورده المؤلِّف ﵀ استشهادًا على أنَّ ﴿تَمَنَّى﴾ في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ بمعنى: قَرَأَ، وهو خِلافُ ما فسَّره به صاحبُ «الأنوار» حيث قال: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ إذا زوَّر في نفسِه ما يهواه: ألقى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يُوجِبُ اشتغالَه بالدنيا، كما قال ﵇: «إنَّه لَيُغَانُ على قلبي فأستغفرُ الله في اليوم سبعينَ مرَّة» فينسخُ الله ما يُلقى الشيطانُ فيُبْطِلُه اللهُ ويذهَبُ به بعصمتِه عنِ الرُّكونِ إليه والإرشادِ إلى ما يزيحه، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ﴾: ثمَّ يُثبِّتُ آياتهِ الداعيةَ إلى الاستغراق في أمر الآخرة، قيل: إنَّه حدَّث نفسه -يعني: النَّبيَّ ﷺ بزوال المسكنة، فنزلت. انتهى. والحامل له على هذا التفسير كغيره: ما في ظاهر هذه القصَّة مِنَ البشاعة، وقد رواها (٢) ابن أبي حاتم والطَّبريُّ وابنُ المنذر من طرق عن شعبةَ عن أبي بشرٍ عن سعيد بن جُبيرٍ قال: «قرأ رسول الله ﷺ بمكَّة «النَّجم» فلمَّا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإنَّ شفاعتهُنَّ لَتُرتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخيرٍ قبلَ اليوم، فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية» ورواها البزَّار وابن مردويه من طريق أميَّة بن خالدٍ عن شعبةَ، فقال في إسناده: عن سعيد بن جُبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ فيما أحسب، ثمَّ ساق الحديثَ، وقال البزَّار: لا يُروى متَّصلًا إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد بوصله أُميَّة بنُ خالدٍ، وهو ثقةٌ مشهورٌ، قال: وإنَّما يُروى هذا من طريق الكلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس. انتهى. والكلبيُّ متروكٌ لا يُعتمدُ عليه، ورواها أيضًا ابنُ إسحاقَ في «سيرته»، وموسى بن عقبة في «مغازيه»، وأبو معشرٍ في آخرين، وكلُّها مراسيلُ، وقد طعن فيها غيرُ واحدٍ مِنَ الأئمَّةِ، حتى قال ابنُ إسحاقَ وقد سُئِلَ عنها: هي مِن وضعِ الزنادقةِ، وقال البيهقيُّ: غير ثابتةٍ نقلًا، ورُواتُها مطعونون، وأَطْنَبَ القاضي عياض في «الشفاء» في توهينِ أصلِها، فشَفَى وَكَفَى؛

стр. 8743

إذْ سدُّ هذا البابِ هو الصوابُ، وأربحُ للثواب، وإن كانتْ كثرةُ الطرقِ تدُلُّ على أنَّ لها أصلًا، لا سيَّما وقد رواها الطَّبريُّ من طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح؛ أوَّلُهما: طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام … ، فذكر نحوه، وثانيهما: (١) طريق المعتمر بن سليمان وحمَّاد بن سلمة، فرَّقهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية، وكذا طريق سعيد بن جُبيرٍ السَّابقة، وحينئذٍ فردُّها لا يتمشَّى على القواعد الحديثيَّة، بل ينبغي أنْ يَحتجَّ بهذه الثلاثة مَن يَحتجُّ بالمرسَل ومَن لا يَحتجُّ به؛ لاعتضادِ بعضِها ببعضٍ، كما قرَّره شيخُ الصَّنْعة وإمامُها الحافظ أبو الفضل ابن حَجَرٍ، وإذا سلَّمنا أنَّ لها أصلًا وجب تأويلُها، وأحسن ما قيل في ذلك: أنَّ الشيطان نطق بتلك الكلمات أثناء قراءة النبيِّ ﷺ عند سكتةٍ مِنَ السكتاتِ محاكيًا نغمتَه، فسمِعَها منه (٢) القريب فظنَّها مِن قولِه وأشاعَها، وفي كتابي «المواهب اللدنية بالمنح المحمَّدية» زياداتٌ على ما ذكرتُه هنا، وقد قال مجاهدٌ: إنَّه ﵇ كان يتمنَّى إنزال الوحي عليه بسرعة دون تأخيرٍ (٣)، فنسخ اللهُ ذلك بأنْ عرَّفه أنَّ إنزالَ ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل، وقيل: إنَّه ﷺ كان يتفكَّر عند نزول الوحي في تأويله إذا كان مجملًا، فيُلقي الشيطان في جملته ما لم يُرِدْه، فبيَّن تعالى أنَّه ينسخ ذلك بالإبطال، ويُحكِمُ ما أراد بأدلَّته وآياته، وقيل: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: إذا (٤) أراد فِعلًا مُقرِّبًا إلى الله؛ ألقى الشيطانُ في فِكْرِه ما يخالفُه، فرجع إلى الله في ذلك، وهو كقوله: ﴿وَإِمَّا

стр. 8744

يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] لكن قال بعضُهم: لا يجوزُ حملُ الأُمنية على تمنِّي القلب؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر بباله ﵇ فتنةً للكفَّار، وذلك يبطلُه قولُه تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] وأجيب بأنَّه لا يبعدُ أنَّه إذا قوي التمنِّي أن (١) يشتغل الخاطر، فيحصلَ السهوُ في الأفعال الظاهرة بسببه، فيصير ذلك فتنةً لهم. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٢) وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه: (مَشِيدٌ) في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] أي: (بِالقَصَّةِ) بفتح القاف والصَّاد المهملة المشدَّدة (٣)، ولأبي ذرٍّ: «جِصٌّ» بكسر الجيم وتشديد الصَّاد المهملة والرفع، أي: هي جِصٌّ، وهذه ثابتةٌ لأبي ذرٍّ، و «المشِيدُ» بكسر المعجمة: الجِصُّ، وهو الكِلس، وقيل: المشِيد: المرفوع البُنيان، والمعنى: كم مِن قريةٍ أهلكنا، وكم مِن (٤) بئرٍ عطلنا عن سقاتها (٥)، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، وجعلنا ذلك عبرةً لمن اعتبر، وقيل: إنَّ البئرَ المعطَّلة والقصرَ المشِيد باليمن، ولكلٍّ أهلٌ، فكفروا فأهلكهم الله، وبقيا خاليين. وذكر الإخباريُّون: أنَّ القصر من بناء شدَّاد بن عاد، فصار (٦) معطلًا، لا يستطيع أحد أن يقرب منه على أميال ممَّا يُسْمَع فيه من أصوات الجِنِّ المنكرة. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿يَكَادُونَ﴾ (﴿يَسْطُونَ﴾ [الحج: ٧٢]) أي: (يَفْرُطُونَ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفاء وضمِّ الراء المهملة؛ مِن باب نصر ينصر، مشتقٌّ (مِنَ السَّطْوَةِ) وهي القَهْرُ والغَلَبَة، وقيل: إظهارُ ما يَهُول للإخافة (وَيُقَالُ) هو قولُ الفرَّاء والزَّجَّاج: (يَسْطُونَ) أي: (يَبْطُِشُونَ) بكسر الطاء وضمِّها، والأوَّلُ لأبي ذرٍّ (٧)، والمعنى: أنَّهم يهمُّون

стр. 8745

بالبطش والوثوب؛ تعظيمًا لإنكار ما خوطبوا به، أي: يكادون يبطشون بالذين يتلُون عليهم آياتِنا، بمحمَّدٍ ﷺ وأصحابه مِن شِدَّة الغيظ، و «يسطون» ضُمِّنَ معنى: يبطشون، فيتعدَّى (١) تعديته، وإلَّا فهو متعدٍّ بـ «على»، يقال: سطا عليه. (﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]) قال ابن عبَّاس فيما أخرجه الطبريُّ من طريق علي بن أبي طلحةَ أي: (أُلْهِمُوا) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٢) أي: أُلِهمُوا القرآنَ» وفي روايةٍ له أيضًا: «إلى القرآن» ورواه ابن المنذر من طريق سفيانَ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، وقال ابن عبَّاس: ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو (٣) شهادة أن لا إله إلَّا الله، ويؤيِّدُه قولُه: (مَثَلُ كَلِمَةً طَيِّبَةً) (٤) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وعنه في رواية عطاءٍ: هو قولُ أهل الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. (﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]) هو (الإِسْلَامُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «الإسلام» بالجرِّ، أي: إلى الإسلامِ، و «الحميد»: هو اللهُ المحمودُ في أفعاله، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٥)، ساقطٌ لغيره. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابنُ المنذر بمعناه: (﴿بِسَبَبٍ﴾) في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥] أي: (بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ) ولفظ ابن المنذر: «فليَمْدُد بسببٍ إلى سماءِ بيتهِ فليختنق به» والمعنى: مَن كان يظُنُّ أنْ لن يَنْصُرَ اللهُ نبيَّه ﷺ في الدنيا بإعلاء كلمتِهِ وإظهار دينهِ، وفي الآخرة بإعلاءِ درجتِهِ والانتقامِ مِن عدوِّه؛ فليَشْدُد حَبْلًا في سَقْفِ بيته فليختنق به حتى يموت إن كان ذلك غائِظَه، فإنَّ اللهَ ناصرُه لا محالةَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] الآيةَ، وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيدِ بنِ أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ [الحج: ١٥] أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإنَّ النصرَ إنَّما يأتي محمَّدًا ﷺ من السماء، ثم ليقطع ذلك عنه إن قَدَرَ عليه،

стр. 8746

وقول (١) ابن عبَّاسٍ أظهرُ في المعنى، وأبلغُ في التَّهكُّم، فعلى هذا القول الثاني فيه استعارةٌ تمثيليَّةٌ، والأمرُ للتَّعجيز، وعلى الأوَّل كناية عن شِدَّة الغيظِ، والأمر للإهانة. (﴿تَذْهَلُ﴾) في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] أي (٢): (تُشْغَلُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه؛ لِهَوْلِ ما ترى عن أحبِّ الناس إليها، و ﴿يَوْمَ﴾: نُصِبَ بـ ﴿تَذْهَلُ﴾ والضمير للزلزلةِ، وتكون -فيما قاله الحسن- يومَ القيامة، أو عندَ طلوع الشمس من مغربها، كما قاله علقمةُ والشَّعبيُّ، أو الضميرُ للساعة، وعبَّر بـ ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ دون مرضعٍ؛ لأنَّ المرضعةَ: التي هي في حالِ الإرضاع ملقمةً ثديَها الصبيَّ، والمرضِعَ: التي مِن شأنها أنْ تُرضِع وإن لم تُباشِرِ الإرضاعَ في حال وصفِها به، فقيل: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ ليدُلَّ على أنَّ ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد أَلقَمتِ الرضيعَ ثديَها نزعتْهُ من (٣) فِيْه لِمَا يلحقُها مِنَ الدَّهْشَةِ. (١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢]) بضمِّ السين، وسقط «باب» وتاليه لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8747

٤٧٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثِ بنِ طَلْقٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهرانَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوانُ السَّمَّانُ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : يَقُولُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ يَقُولُ (٢): لَبَّيْكَ) يا (رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى) بفتح الدَّال (بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ) بفتح الموحَّدة وسكون العين المهملة، أي: مبعوثًا، أي: نصيبًا، والبعثُ: الجيش، والجمع: البعوث، أي: أخرج من ذريتك (٣) الناس الذين هم أهلُ النَّار وابعثْهُم إليها (قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟) أي: وما مقدارُ مبعوثِ النار؟ (قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ -أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظُنُّه (قَالَ: - تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) وفي حديث أبي هريرةَ عند المؤلِّف في «باب كيف الحشر» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٢٩] «فيقول: أخرج مِن كلِّ مئة تسعةً وتسعين» وهو يدُلُّ على أنَّ نصيب أهل الجنَّة من الألف عشرة، وحديث الباب على أنَّه واحدٌ، والحكُم للزائدِ، أو يُحمَلُ حديثُ الباب على جميعِ ذرِّيَّة آدم، فيكونُ من كلِّ ألفٍ واحدٌ، وحديثُ أبي هريرة على مَن عدا يأجوج ومأجوج، فيكونُ مِن كلِّ ألفٍ عشرةٌ. (فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا) أي: جنينَها (وَيَشِيبُ الوَلِيدُ) مِن شدَّة هولِ ذلك، وهذا على سبيل الفرض أو التمثيل، وأصلُه: أنَّ الهموم تُضعِفُ القِوى، وتُسرِع بالشيب، أو يُحمَلُ على الحقيقة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يُبعثُ على ما مات عليه، فتُبعثُ الحاملُ حاملًا، والمرضعُ مُرضِعةً،

стр. 8748

والطفلُ طِفلًا، فإذا وقعتْ زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم ﵊، وسمعوا ما قيل له؛ وقع بهم مِنَ الوجلِ ما تُسقط معه الحامل، ويَشيبُ له الطفلُ، وتَذْهَلُ المرضعةُ، قاله الحافظ أبو الفضل ابن حَجَرٍ، وسبقه إليه القَفَّال: (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾) أي: كأنَّهم سُكارى مِن شِدَّة الأمر الذي أصابهم قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم، فمَن رآهم حسِب أنَّهم سُكارى (﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾) على الحقيقة (﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]) تعليلٌ لإثبات السُّكْرِ المجازيِّ لمَّا نُفِيَ عنهم السُّكرُ الحقيقيُّ (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ) الحاضرين (حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ) مِنَ الخوف (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) وممَّن كان على الشرك مثلَهم (تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) بنصبِ «تسعَ» على التَّمييز (١)، ويجوزُ الرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ (وَ) المخرَج (مِنْكُمْ) أيُّها المسلمون وممَّن كان مثلَكم (وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ) في المحشر (كَالشَّعَْرَةِ السَّوْدَاءِ) بفتح العين، وبسكونها فقط في «اليونينية» (٢) (فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ) «أو» (٣) للتَّنويع، أو شكَّ الراوي، قال السفاقسيُّ: أطلق الشعرةَ وليس المرادُ حقيقةَ الواحدة؛ لأنَّه لا يكون ثورٌ ليس في جلدِه غيرُ شعرةٍ واحدةٍ مِن غيرِ لونه (وإِنِّي) بالواو، وسقطت لأبي ذرٍّ (لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا) يريد: أمَّته المؤمنين به (رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا) أي: قلنا: الله أكبر؛ سرورًا بهذه البِشارة (ثَمَّ قَالَ) ﵊: (ثُلُثَ أَهْلِ الجنَّةِ، فَكَبَّرْنَا) سرورًا (ثُمَّ قَالَ) ﵇: (شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ) نصفها، و «ثلث» و «شطر»: نصبٌ خبرُ «تكون» (٤) (فَكَبَّرْنَا) سرورًا واستعظامًا (٥) في الثلاثة لهذه النعمة العظمى والمنحة الكبرى، فهذا الاستعظام بعد الاستعظام الأوّل إشارة إلى فوزهم بالبغية (٦). وعند عبدِ الله بن الإمام أحمد في «زياداته» (٧)، والطبرانيِّ من حديث أبي هريرةَ زيادة:

стр. 8749

«أنتُم (١) ثلثا أهل الجنَّة»، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه من حديث بُريدَة رفعه: «أهل الجنَّة عشرون ومئة صفٍّ، أمَّتي منها (٢) ثمانون»، والظَّاهر: أنَّه صلوات الله وسلامه عليه لمَّا رجا مِن رحمة الله أن تكون أمَّته نصفَ أهل الجنَّة؛ أعطاه ما ارتجاه (٣) وزاده (٤). (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة ممَّا (٥) وصله في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٨] وسقطت واو «وقال» لغير أبي ذرٍّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ عن أبي صالحٍ عن أبي سعيد: (﴿َتَرَى النَّاسَ﴾) وسقط هذا لأبي ذرٍّ (٦) (﴿سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾) (٧) على وزن «كُسالى» (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) فوافقَ حفصَ بنَ غياثٍ في روايته (٨) عن الأعمش. (وَقَالَ جَرِيرٌ) هو ابنُ عبدِ الحميد، فيما وصله المؤلِّف في «الرقاق» [خ¦٦٥٣٠] (وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ) ممَّا وصله إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه في «مسنده» عنه (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّدُ بنُ خازم بالخاء والزاي المعجمتين، ممَّا وصله مسلمٌ: (﴿سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾) بفتح السِّين وسكون الكاف فيهما من غير ألفٍ، وبذلك قرأ حمزةُ والكِسائيُّ على وزن صفة المؤنَّث بذلك، واختُلف هل هي صيغة جمعٍ على وزن (٩) «فَعْلَى» كـ «مَرْضَى» و «قَتْلَى»، أو صفةٌ مفردةٌ استُغنِيَ بها في وصف الجماعة؟ خلافٌ مشهور. والحديث ذكره في «أحاديث الأنبياء» في «باب قصة يأجوج ومأجوج» [خ¦٣٣٤٨].

стр. 8750

(٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾) أي: (شَكٍّ) قاله مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتم، وهو قولُ أكثرِ المفسِّرين، وأصلُه: مِن حِرْفِ الشيءِ وهو طرفُه، وقيل: على انحراف، أو (١) على طرف الدين لا في وسطه، كالذي يكون في طرف الجيش، فإن أحسَّ بظَفَرٍ قرَّ وإلَّا فرَّ، وهو المرادُ بقوله: (﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾) أي: ارتدَّ فرجعَ إلى (٢) وجهه الذي كان عليه من الكفر حَالَ كونِه (﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾) بذهاب عصمتِه وحُبُوط عملِهِ بالارتدادِ (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١١ - ١٢]) عنِ الحقِّ والرشد، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «شَكٍّ» وسقط لأبي ذرٍّ قوله (٣): «﴿فَإِنْ أَصَابَهُ﴾ … » إلى آخره. (أَتْرَفْنَاهُمْ) في قوله في «سورة المؤمنين»: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي: (وَسَّعْنَاهُمْ) قاله أبو عبيدةَ، ولفظُه في «مجازه»: وسَّعْنا عليهم. ٤٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ (٤)) الكِرمانيُّ قال: (حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) قيسٍ الكوفيُّ قاضي كرمان قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونسَ بنِ

стр. 8751

أبي إسحاقَ السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانَ بنِ عاصمٍ الأسديِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ) في قوله تعالى: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ) يثرب (فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ) بضمِّ النون، قال الجوهريُّ: على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، تُنْتِج نَتاجًا، وقد نَتَجَها أهلُها نَتْجًا، وأَنْتَجَتِ الفرسُ إذا حان نَتاجُها، وقال في «الأساس»: نُتِجَتِ الناقة فهي مَنْتُوجة، وأَنْتَجَت فهي مُنْتِجَة؛ إذا وضعت، وقد نتجت إذا حملت. انتهى. وهي مثل: نُفِسَتِ المرأة فهي مَنْفُوسة؛ إذا ولدت، وزاد العَوْفيُّ عنِ ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن أبي حاتم: «وصحَّ جِسمُه» (قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ) وفي رواية الحسن البصريِّ فيما أخرجه ابنُ المنذر: قال: «لنِعْمَ (١) الدينُ هذا»، وفي رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم: قالوا: «إنَّ ديننا هذا صالحٌ، فتمسَّكوا به» (وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ) بضمِّ التاء الأولى وفتح الثانية بينهما نونٌ ساكنة مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه (قَالَ: هَذَا دِينُ سَوْءٍ) بفتح السِّين المهملة والجرِّ على الإضافة، وفي رواية العَوْفي: «وإن أصابه وَجَعُ المدينة، وولدتِ امرأتُه جاريةً، وتأخَّرت عنه الصدقةُ؛ أتاه الشيطانُ فقال له (٢): والله ما أصبتَ على دينك هذا إلَّا شرًّا، وذلك (٣) الفتنة» وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «هو المنافقُ، إنْ صلحت له دُنياه أقام على العبادة، وإنْ فسدتْ عليه دنياه انقلب فلا يُقيم على العبادة». واستُشكل على هذا قوله: «انقلب» لأنَّ المنافق في الحقيقة لم يُسْلِمْ حتى ينقلب، وأجيب بأنَّه أظهر بلسانه خلافَ ما كان أظهرَه، فصار يذُمُّ (٤) الدِّين عند الشِّدَّة، وكان مِن (٥) قبلُ يمدحُه، وذلك انقلابٌ على (٦) الحقيقة. وهذا الحديث من أفراده.

стр. 8752

(٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي (١) ذرٍّ (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]) أي: في دين ربِّهم، والخصمُ في الأصل مصدرٌ، فيوحَّد ويذكَّر غالبًا؛ كقوله: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ويجوز أن يُثنَّى ويُجمَع ويؤنَّث كهذه الآية، ولمَّا كان كلُّ خَصْمٍ فريقًا يَجمع طائفةً قال: اختصموا، بصيغة الجمع، كقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمعُ مراعاةٌ للمعنى، وقال في «الكشاف»: الخصمُ صفةٌ وُصِفَ بها الفوجُ أو الفريق، فكأنَّه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله: ﴿هَذَانِ﴾ للفظ، و ﴿اخْتَصَمُوا﴾ للمعنى، قال في «الدر»: إن عَنَى بقوله: إنَّ الخصم صفةٌ بطريق الاستعمال المجازي فمُسلَّم؛ لأنَّ المصدر يكثُر الوصف به، وإن أراد أنَّه صفةٌ حقيقةً فخطؤه ظاهرٌ؛ لتصريحهم بأنَّ «رجلٌ خصمٌ»، مثلُ «رجلٌ عدْلٌ». ٤٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ السلميُّ مولاهم البصريُّ قال (٢): (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة مصغَّرًا، ابنُ بُشَيرٍ مصغَّرًا أيضًا، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ) يحيى بنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ -بضمِّ الرَّاء وتشديد الميم- الواسطيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللَّام بعدها زاي؛ لاحقِ بنِ حميدٍ السَّدوسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الموحَّدة، البصريِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندبِ بنِ جُنادَةَ (¬﵁: أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قسمًا» بفتح السِّين بدل قوله: «فيها» وهو الصواب، ورواية الكُشْميهَنيِّ فيها تصحيف كما (٣) لا يخفى؛ إذِ المرادُ: القسم الذي هو

стр. 8753

الحَلِف (أَإِنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ) بنِ عبد المطلب (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) عليِّ بن أبي طالبٍ وعُبيدَة بنِ الحارثِ بنِ عبد المطلب، وهؤلاء الثلاثةُ الفريقُ المؤمنون (وَ) في (عُتْبَةَ) ابنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) أخيه شيبةَ والوليدِ بنِ عُتبةَ المذكور، وهمُ الفريقُ الآخر (يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ) وقعةِ (بَدْرٍ) والسِّتَّةُ كلُّهم مِن قريشٍ، ثلاثةٌ منهم مسلمون، وهم مِن بني عبدِ مَنافٍ، اثنان مِن بني هاشمٍ، والثالثُ وهو عُبيدة مِن بني عبد المطلب، وباقيهم مشركون، وهم مِن بني عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، وتفصيلُ مبارزتِهِم (١) على المشهور: أنَّ حمزةَ لعُتبةَ، وعُبيدة لشيبةَ، وعليًّا للوليد، وقيل: إنَّ عبيدةَ للوليدِ، وعليًّا لشيبةَ، والسند بذلك أصحُّ ممَّا قبلَه، إلَّا أنَّ ذلك أنسب، وقَتَلَ كلُّ واحدٍ (٢) من المسلمين من بَرَزَ له مِن الكفَّار إلَّا عُبيدة، فإنَّه اختلفَ مع مَن بارزه بضربتين، فوقعتِ الضربةُ في ركبة عبيدةَ، ومالَ حمزةُ وعليٌّ إليه فأعاناه على قتله، واستشهد عُبيدة من تلك الضربة بالصفراء عند رُجوعِهِم. (رَوَاهُ) أي: حديث الباب هذا بإسناده ومتنه (سُفْيَانُ) الثوريُّ فيما وصله المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٣٩٦٥] [خ¦٣٩٦٦] (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) شيخِ هُشيم المذكور هنا، عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ بلفظ: «نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] في ستةٍ مِن قريشٍ عليٍّ وحمزةَ وعبيدةَ بنِ الحارث، وشيبةَ بنِ ربيعةَ وأخيه (٣) عتبةَ (٤) والوليدِ بنِ عتبةَ» (وَقَالَ عُثْمَانُ) هو ابنُ أبي شيبةَ: (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) هو ابنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) هو لاحقٌّ السَّدُوسيُّ (قَوْلَهُ) أي: من قوله (٥)

стр. 8754

موقوفًا عليه، وقد وصله أبو هاشمٍ في رواية الثوريِّ وهُشيم إلى أبي ذرٍّ كما مرَّ قريبًا، والحكمُ للواصل إذا كان حافظًا على ما لا يخفى، والثوريُّ أحفظُ مِن منصورٍ، فتُقدَّمُ روايتُه. ٤٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان -بالخاء المعجمة- التيميَّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ) لاحقٌ السَّدُوسيُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁¬) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أبي طالب» أنَّه (قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو) بالجيم، أي: يجلس على ركبتيه (بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ قَيْسٌ) هو ابنُ عُبَاد مِن قوله موقوفًا عليه: (وَفِيهِمْ) أي: في حمزةَ وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه (نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ) بنُ عبدِ المطلب (وَعُبَيْدَةُ) بنُ الحارث بن عبد المطلب، والثلاثةُ مسلمونَ (وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ) بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) أخوه (عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ) المذكور. ومقتضى رواية سليمان بن طرخان هذه الاقتصارُ على قوله: «أنا أوَّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة» فقط، كما أنَّ مقتضى رواية أبي هاشم السابقة قريبًا [خ¦٤٧٤٣]: الاقتصار على سبب النزول، فليس في رواية قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ وعليٍّ اختلافٌ عليه، لكن أخرج النَّسائيُّ من طريق يوسفَ (١) بن يعقوبَ عن سليمانَ التيميِّ بهذا الإسناد إلى عليٍّ، قال: «فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يومَ بدرٍ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾» وزاد أبو نُعيم في «مستخرجه» ما في رواية مُعتَمِر بنِ سليمانَ؛ وهو قولُه: «أنا أوَّل من يجثو» وكذا أخرجه الحاكم من طريق أبي جعفرٍ الرازيِّ، ورواه عبدُ بنُ حميدٍ عن يزيد بن هارون، وعن حماد بن مسعدة، كلاهُما عن سليمانَ التَّيميِّ كرواية مُعتَمِرٍ، فإنْ كان محفوظًا فيكون الحديث عند قيسٍ عن أبي ذرٍّ وعن

стр. 8755

عليٍّ معًا؛ بدليل اختلاف سياقِهِما، قاله في «الفتح». وقد رُوِيَ: أنَّ الآية نزلتْ في أهل الكتاب والمسلمين، قال أهل الكتاب: نحن أحقُّ بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكُم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنا بمحمَّدٍ وآمنا بنبيِّكم وما أنزل الله من كتاب، فأفلج الله الإسلام على مَن ناوأه وأنزل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ قاله قتادة بنحوه، وقال عِكرمةُ: «هما الجنَّة والنَّار، قالت النَّار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنَّة: خلقني الله لرحمته، فقصَّ اللهُ على محمَّدٍ خبرَهما» وخصوصُ السببِ لا يمنَعُ العمومَ في نظير ذلك السبب، وقول (١) عطاء ومجاهد: إنَّ المراد الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوالَ كلَّها، وينتظم فيه قِصَّةَ بدرٍ وغيرها. تم الجزء العاشر من كتاب: «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري». يليه الجزء الحادي عشر مبتدئًا بـ «سورة المؤمنين» من «كتاب تفسير القرآن» (٢).
следующие страницы →