← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

أبي إسحاقَ السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانَ بنِ عاصمٍ الأسديِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ) في قوله تعالى: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ) يثرب (فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ) بضمِّ النون، قال الجوهريُّ: على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، تُنْتِج نَتاجًا، وقد نَتَجَها أهلُها نَتْجًا، وأَنْتَجَتِ الفرسُ إذا حان نَتاجُها، وقال في «الأساس»: نُتِجَتِ الناقة فهي مَنْتُوجة، وأَنْتَجَت فهي مُنْتِجَة؛ إذا وضعت، وقد نتجت إذا حملت. انتهى. وهي مثل: نُفِسَتِ المرأة فهي مَنْفُوسة؛ إذا ولدت، وزاد العَوْفيُّ عنِ ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن أبي حاتم: «وصحَّ جِسمُه» (قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ) وفي رواية الحسن البصريِّ فيما أخرجه ابنُ المنذر: قال: «لنِعْمَ (١) الدينُ هذا»، وفي رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم: قالوا: «إنَّ ديننا هذا صالحٌ، فتمسَّكوا به» (وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ) بضمِّ التاء الأولى وفتح الثانية بينهما نونٌ ساكنة مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه (قَالَ: هَذَا دِينُ سَوْءٍ) بفتح السِّين المهملة والجرِّ على الإضافة، وفي رواية العَوْفي: «وإن أصابه وَجَعُ المدينة، وولدتِ امرأتُه جاريةً، وتأخَّرت عنه الصدقةُ؛ أتاه الشيطانُ فقال له (٢): والله ما أصبتَ على دينك هذا إلَّا شرًّا، وذلك (٣) الفتنة» وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «هو المنافقُ، إنْ صلحت له دُنياه أقام على العبادة، وإنْ فسدتْ عليه دنياه انقلب فلا يُقيم على العبادة». واستُشكل على هذا قوله: «انقلب» لأنَّ المنافق في الحقيقة لم يُسْلِمْ حتى ينقلب، وأجيب بأنَّه أظهر بلسانه خلافَ ما كان أظهرَه، فصار يذُمُّ (٤) الدِّين عند الشِّدَّة، وكان مِن (٥) قبلُ يمدحُه، وذلك انقلابٌ على (٦) الحقيقة. وهذا الحديث من أفراده.

стр. 8752

(٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي (١) ذرٍّ (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]) أي: في دين ربِّهم، والخصمُ في الأصل مصدرٌ، فيوحَّد ويذكَّر غالبًا؛ كقوله: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ويجوز أن يُثنَّى ويُجمَع ويؤنَّث كهذه الآية، ولمَّا كان كلُّ خَصْمٍ فريقًا يَجمع طائفةً قال: اختصموا، بصيغة الجمع، كقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمعُ مراعاةٌ للمعنى، وقال في «الكشاف»: الخصمُ صفةٌ وُصِفَ بها الفوجُ أو الفريق، فكأنَّه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله: ﴿هَذَانِ﴾ للفظ، و ﴿اخْتَصَمُوا﴾ للمعنى، قال في «الدر»: إن عَنَى بقوله: إنَّ الخصم صفةٌ بطريق الاستعمال المجازي فمُسلَّم؛ لأنَّ المصدر يكثُر الوصف به، وإن أراد أنَّه صفةٌ حقيقةً فخطؤه ظاهرٌ؛ لتصريحهم بأنَّ «رجلٌ خصمٌ»، مثلُ «رجلٌ عدْلٌ». ٤٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ السلميُّ مولاهم البصريُّ قال (٢): (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة مصغَّرًا، ابنُ بُشَيرٍ مصغَّرًا أيضًا، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ) يحيى بنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ -بضمِّ الرَّاء وتشديد الميم- الواسطيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللَّام بعدها زاي؛ لاحقِ بنِ حميدٍ السَّدوسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الموحَّدة، البصريِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندبِ بنِ جُنادَةَ (¬﵁: أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قسمًا» بفتح السِّين بدل قوله: «فيها» وهو الصواب، ورواية الكُشْميهَنيِّ فيها تصحيف كما (٣) لا يخفى؛ إذِ المرادُ: القسم الذي هو

стр. 8753

الحَلِف (أَإِنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ) بنِ عبد المطلب (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) عليِّ بن أبي طالبٍ وعُبيدَة بنِ الحارثِ بنِ عبد المطلب، وهؤلاء الثلاثةُ الفريقُ المؤمنون (وَ) في (عُتْبَةَ) ابنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) أخيه شيبةَ والوليدِ بنِ عُتبةَ المذكور، وهمُ الفريقُ الآخر (يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ) وقعةِ (بَدْرٍ) والسِّتَّةُ كلُّهم مِن قريشٍ، ثلاثةٌ منهم مسلمون، وهم مِن بني عبدِ مَنافٍ، اثنان مِن بني هاشمٍ، والثالثُ وهو عُبيدة مِن بني عبد المطلب، وباقيهم مشركون، وهم مِن بني عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، وتفصيلُ مبارزتِهِم (١) على المشهور: أنَّ حمزةَ لعُتبةَ، وعُبيدة لشيبةَ، وعليًّا للوليد، وقيل: إنَّ عبيدةَ للوليدِ، وعليًّا لشيبةَ، والسند بذلك أصحُّ ممَّا قبلَه، إلَّا أنَّ ذلك أنسب، وقَتَلَ كلُّ واحدٍ (٢) من المسلمين من بَرَزَ له مِن الكفَّار إلَّا عُبيدة، فإنَّه اختلفَ مع مَن بارزه بضربتين، فوقعتِ الضربةُ في ركبة عبيدةَ، ومالَ حمزةُ وعليٌّ إليه فأعاناه على قتله، واستشهد عُبيدة من تلك الضربة بالصفراء عند رُجوعِهِم. (رَوَاهُ) أي: حديث الباب هذا بإسناده ومتنه (سُفْيَانُ) الثوريُّ فيما وصله المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٣٩٦٥] [خ¦٣٩٦٦] (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) شيخِ هُشيم المذكور هنا، عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ بلفظ: «نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] في ستةٍ مِن قريشٍ عليٍّ وحمزةَ وعبيدةَ بنِ الحارث، وشيبةَ بنِ ربيعةَ وأخيه (٣) عتبةَ (٤) والوليدِ بنِ عتبةَ» (وَقَالَ عُثْمَانُ) هو ابنُ أبي شيبةَ: (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) هو ابنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) هو لاحقٌّ السَّدُوسيُّ (قَوْلَهُ) أي: من قوله (٥)

стр. 8754

موقوفًا عليه، وقد وصله أبو هاشمٍ في رواية الثوريِّ وهُشيم إلى أبي ذرٍّ كما مرَّ قريبًا، والحكمُ للواصل إذا كان حافظًا على ما لا يخفى، والثوريُّ أحفظُ مِن منصورٍ، فتُقدَّمُ روايتُه. ٤٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان -بالخاء المعجمة- التيميَّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ) لاحقٌ السَّدُوسيُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁¬) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أبي طالب» أنَّه (قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو) بالجيم، أي: يجلس على ركبتيه (بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ قَيْسٌ) هو ابنُ عُبَاد مِن قوله موقوفًا عليه: (وَفِيهِمْ) أي: في حمزةَ وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه (نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ) بنُ عبدِ المطلب (وَعُبَيْدَةُ) بنُ الحارث بن عبد المطلب، والثلاثةُ مسلمونَ (وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ) بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) أخوه (عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ) المذكور. ومقتضى رواية سليمان بن طرخان هذه الاقتصارُ على قوله: «أنا أوَّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة» فقط، كما أنَّ مقتضى رواية أبي هاشم السابقة قريبًا [خ¦٤٧٤٣]: الاقتصار على سبب النزول، فليس في رواية قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ وعليٍّ اختلافٌ عليه، لكن أخرج النَّسائيُّ من طريق يوسفَ (١) بن يعقوبَ عن سليمانَ التيميِّ بهذا الإسناد إلى عليٍّ، قال: «فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يومَ بدرٍ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾» وزاد أبو نُعيم في «مستخرجه» ما في رواية مُعتَمِر بنِ سليمانَ؛ وهو قولُه: «أنا أوَّل من يجثو» وكذا أخرجه الحاكم من طريق أبي جعفرٍ الرازيِّ، ورواه عبدُ بنُ حميدٍ عن يزيد بن هارون، وعن حماد بن مسعدة، كلاهُما عن سليمانَ التَّيميِّ كرواية مُعتَمِرٍ، فإنْ كان محفوظًا فيكون الحديث عند قيسٍ عن أبي ذرٍّ وعن

стр. 8755

عليٍّ معًا؛ بدليل اختلاف سياقِهِما، قاله في «الفتح». وقد رُوِيَ: أنَّ الآية نزلتْ في أهل الكتاب والمسلمين، قال أهل الكتاب: نحن أحقُّ بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكُم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنا بمحمَّدٍ وآمنا بنبيِّكم وما أنزل الله من كتاب، فأفلج الله الإسلام على مَن ناوأه وأنزل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ قاله قتادة بنحوه، وقال عِكرمةُ: «هما الجنَّة والنَّار، قالت النَّار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنَّة: خلقني الله لرحمته، فقصَّ اللهُ على محمَّدٍ خبرَهما» وخصوصُ السببِ لا يمنَعُ العمومَ في نظير ذلك السبب، وقول (١) عطاء ومجاهد: إنَّ المراد الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوالَ كلَّها، وينتظم فيه قِصَّةَ بدرٍ وغيرها. تم الجزء العاشر من كتاب: «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري». يليه الجزء الحادي عشر مبتدئًا بـ «سورة المؤمنين» من «كتاب تفسير القرآن» (٢).

стр. 8756

(((٢٣))) (سورة المُؤْمِنِينَ) بالياء (١)، وفي نسخة «سورة المؤمنون» بالواو (٢) مكِّيَّة، مئة وتسع عشرة آيةً في البصريِّ، وثمان عشرة في الكوفيِّ.

стр. 8757

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ ممَّا (١) وصله في «تفسيره» من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ﴾ (﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) أي: (سَبْعَ سَمَوَاتٍ) سُمِّيت (٢) طرائق؛ لتطارقها، وهو أنَّ بعضَها فوق بعضٍ، يقال: طارقَ (٣) النعل إذا أطبق نعلًا على نعل، وطارق بين الثوبين إذا لبس ثوبًا على ثوب، قاله الخليل والزَّجَّاج والفرَّاء، أو لأنَّها طرق الملائكة في العروج والهبوط، قاله عليُّ بنُ عيسى، وقيل: لأنَّها طرق الكواكب في مسيرها (٤)، والوجه في إنعامه علينا بذلك: أنَّه جعلها موضعًا لأرزاقنا بإنزال الماء منها، وجعلها مقرًّا للملائكة، ولأنَّها موضع الثواب، ومكان إرسال الأنبياء، ونزول الوحي. (﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أي: (سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ، وضميرُ ﴿لَهَا﴾ يرجعُ إلى ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ لتقدُّمِها (٥) في اللفظ، و «اللَّام» قيل: بمعنى «إلى»، يقال: سبقت له وإليه، بمعنًى، ومفعول ﴿سَابِقُونَ﴾ محذوفٌ تقديرُه: سابقون الناسَ إليها، وقيل: اللَّام للتعليل، أي: سابقون (٦) الناس (٧) لأجلها، وسقط هذا لأبي ذرٍّ. (﴿قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]) قال ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم أي: (خَائِفِينَ) ألَّا يُقبل منهم ما آتوا مِنَ الصدقات، وهذا ثابت لأبي ذرٍّ عن المُستملي. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة: (﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]) بالفتح من غير تنوينٍ لغةُ الحجازيين، بني لوقوعه (٨) موقع

стр. 8758

المبني أو لشبهه بالحرف (١)، أي: (بَعِيدٌ بَعِيدٌ). قال في «المصابيح»: المعروف عند النُّحاة أنَّها اسمُ فعلٍ، أي: سُمِّيَ بها الفعلُ الذي هو بَعُدَ، وهذا تحقيقٌ لكونها (٢) اسمًا، مع أنَّ مدلوله وقوعُ البعد في الزمن الماضي، والمعنى: أنَّ دلالته على معنى «بَعُدَ» ليست من حيث إنَّه موضوعٌ لذلك المعنى ليكون فعلًا، بل من حيث إنَّه موضوعٌ لفعلٍ (٣) دالٍّ على «بُعْد» يقترن بالزمان الماضي؛ وهو «بَعُدَ»، كوضعِ سائر الأسماء لمدلولاتها. انتهى. وفسَّره الزَّجاج في ظاهر عبارته بالمصدر، فقال: البُعد لما توعدون، أو بُعْدٌ لما توعدون (٤)، فظاهرها أنَّه مصدرٌ بدليل عطف الفعل عليه (٥)، ويمكن أن يكون فسَّر المعنى فقط، وجمهور القرَّاء على فتح التاء من غير تنوينٍ فيهما، وهي لغةُ الحجازيين، وإنَّما بَنَوه لشبهِهِ بالحرف، وفيه لُغات تزيد على الأربعين، وكُرِّر للتوكيد، وليست المسألة من التنازع، قال جرير: فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهلُهُ … وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُه (﴿فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣]) أي: (المَلَائِكَةَ) يعني: الذين يحفظون أعمال بني آدم ويُحْصُونها عليهم، وهذا قولُ عِكرمَة، وقيل: الملائكة الذين يعدُّون أيام الدنيا، وقيل: المعنى: سَلْ مَن يعرف عدد ذلك، فإنَّا نسيناه. (﴿لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤]) ولأبي ذرٍّ: «قال ابن عبَّاس: ﴿لَنَاكِبُونَ﴾» أي (٦): (لَعَادِلُونَ) عن الصراط السويِّ.

стр. 8759

(﴿كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]) أي: (عَابِسُونَ) وفي حديث أبي سعيد الخدريِّ مرفوعًا: «تَشْويهِ النارُ، فتقلَّص شفتَه العليا، وتسترخي السفلى» رواه الحاكم. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ وثبت: «وقال غيره» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره (١) (﴿مِن سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]: الوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلَالَةُ) لأنَّه استُلَّ مِن أبيه، وهو مثل البُرادة والنُّحاتة لما يتساقط من الشيء بالبَرْدِ والنَّحْت، وقال الكِرمانيُّ: ليس الولد تفسيرًا للسلالة، بل مبتدأٌ خبرُه: السلالة، وهي «فُعالة»، وهو بناءٌ يدُلُّ على القِلَّة؛ كالقُلامة. (وَالجِنَّةُ) في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] (وَالجُنُونُ وَاحِدٌ) في المعنى، وقيل: كانوا يعلمون بالضرورة أنَّه أرجحُهم عقلًا، وأثقبُهم نظرًا، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة الجامعة؟! (وَالغُثَاءُ) في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء﴾ [المؤمنون: ٤١] هو (الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَنِ المَاءِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) وهو مِن «غَثَا الوادي يَغْثُو غَثْوًا» بالواو، وأمَّا «غَثَتْ نفسُه تَغْثِي غَثَيانًا» -أي: خبث-؛ فهو قريب من معناه، ولكنَّه من مادة الياء. (﴿يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]) أي: (يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُم) بالاستغاثة والضجيج (كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ) لشِدَّة ما نالهَم. (﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٦]) يقال: (رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: أدبر؛ يعني: أنَّهم مُدبرونَ (٢) عن سماعِ الآيات. (﴿سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧]) نُصِبَ على الحال من فاعل ﴿تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أو مِنَ الضمير في ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، مأخوذٌ (مِنَ السَّمَرِ) وهو سهرُ الليل، وهو ما يقع (٣) على

стр. 8760

الشجر مِن ضوء القمر فيجلسون إليه يتحدَّثون مستأنسين به، قال: كأنْ لم يكنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا … أنيسٌ وَلم يَسْمُرْ بمكَّةَ سامرُ وقال الراغب: السَّامرُ: الليل المظلم (والجَمِيعُ (١): السُّمَّارُ) بوزن الجُمَّار (وَالسَّامِرُ هَهُنَا فِي مَوْضِعِ الجَمْعِ) وهو الأفصحُ، تقول: قومٌ سامرٌ، ونظيرُه: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]. (﴿تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]) أي: فكيف (تَعْمُونَ مِنَ السِّحْرِ) حتى يُخيَّلَ لكم الحقُّ باطلًا، مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلَّة، وثبت من قوله: «﴿تَجْأَرُونَ﴾ … » إلى هنا في رواية النسفيِّ، وسقط لغيره، كما نبَّه عليه في «الفتح». (((٢٤))) (سُورَةُ النُّورِ) مدنيَّة، وهي ثنتان أو أربع وستونَ آيةً. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ، وفي بعض النسخ ثبوتُها مقدمةً على السورة.

стр. 8761

(﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] أي: فترى المطر يخرُجُ (مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ) و «خِلال» مفرد كـ «حِجاب»، أو جمع كـ «الجبال» جمع جبل. (﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: ٤٣] وَهُوَ الضِّيَاءُ) يقال: سَنا يسنُو سنًا (١)، أي: أضاءَ يُضِيءُ، قال امرؤ القيس: يُضيءُ سناهُ أو مصابيحُ راهبٍ .......................... والسَّناء -بالمدِّ- الرِّفعة، والمعنى هنا: يكادُ ضوءُ بَرْقِ السَّحاب يذهبُ بالأبصار مِن شِدَّةِ ضوئِه، والبرقُ الذي صفتُه كذلك لا بُدَّ وأن يكونَ نارًا عظيمةً خالصةً، والنَّار ضدُّ الماء والبرد، فظهورُه يقتضي ظهورَ الضدِّ مِنَ الضدِّ، وذلك لا يمكن إلَّا بقدرة قادرٍ حكيمٍ، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «وهو» من قوله: «وهو الضياء» (٢). (﴿مُذْعِنِينَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] (يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي) بالخاء والذال المعجمتين؛ اسمُ فاعلٍ منِ استخذى، أي: خَضَعَ: (مُذْعِنٌ) بالذال المعجمة، أي: منقادٌ، يريد: إن كان لهمُ الحُكمُ لا عليهم يأتوا إليه مُنقادينَ؛ لِعلمِهِم بأنَّه يُحكَمُ لهم. (﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى) بتشديد التاء (وَشَتَاتٌ) بتخفيفها (وَشَتٌّ) بتشديدها (وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده: ما في قوله (٣) تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] و ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿تَأْكُلُوا﴾ و ﴿أَشْتَاتًا﴾ عطفٌ عليه، والأكثرون على أنَّ الآية نزلت في بني ليث بن عمرو، حيٍّ مِن كِنانة، كانوا يتحرَّجون أن يأكلَ الرجلُ وحدَه، فيمكثُ يومَه حتى يجدَ ضيفًا يأكلُ معه، فإن لم يجد مَن يؤاكِلُه لم يأكلْ شيئًا، وربَّما قعدَ الرَّجلُ والطعامُ بين يديه مِنَ الصباح إلى الرواح، فنزلت هذه الآية، فرُخِّص لهم (٤) أن يأكلوا كيف شاؤوا، جميعًا: مجتمعين، أو أشتاتًا: متفرِّقين.

стр. 8762

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عنه (١) في قوله عالى: (﴿سورة أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]) أي: (بَيَّنَّاهَا) قال الزَّركشيُّ -تَبَعًا للقاضي عِياضٍ-: كذا في النسخ، والصوابُ: ﴿أَنزَلْنَاهَا (٢) وَفَرَضْنَاهَا﴾: بيَّنَّاها، فـ «بيِّنَّاها» تفسيرُ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ لا تفسير ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ (٣)، ويدلُّ عليه قولُه بعدَ هذا: ويقالُ في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ (٤): أنزلنا فيها فرائض مختلفة، فإنَّه يدُلُّ على أنَّه تقدَّم له تفسيرٌ آخر. انتهى. وتعقَّب الزركشيُّ صاحب «المصابيح» فقال: يا عجبًا لهذا الرجل وتقويله لابن عبَّاس ما لم يَقُلْه، فالبخاريُّ نقل عنِ ابن عبَّاسٍ تفسير ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ ببيَّنَّاها، وهو نقلٌ صحيحٌ، ذكره الحافظ (٥) مغلطاي من طريق ابن المنذر بسندِه إلى ابن عبَّاسٍ، فما هذا الاعتراض البارد؟! انتهى. وقد روى الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: بيَّنَّاها، قال في «الفتح» وهو يؤيِّدُ قولَ عياضٍ. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (سُمِّيَ القُرْآنُ؛ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ) بفتح الجيم والعين وتاء التأنيث، و «السور» مجرورٌ بالإضافة، ويجوزُ كسر الجيم والعين وهاء الضمير لجِماعِه، و «السور» نصبٌ مفعولٌ لـ «جماعه» (وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ؛ لأَنَّهَا) منزلةٌ بعدَ منزلةٍ (مَقْطُوعَةٌ مِنَ (٦) الأُخْرَى) والجمع سُوَر بفتح الواو، وقال الراعي: سُودُ المحاجرِ لا يقرأنَ بالسُّوَرِ وفيها لغتان: الهمز وتركه، فبتركه: هي المنزلةُ مِن منازل الارتفاع، ومِن ثَمَّ (٧) سمِّيَ سُورُ البلدِ، لارتفاعه على ما يحويه، ومنه قولُ النابغة: ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سُورةً … ترى كلَّ مَلْكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ

стр. 8763

يعني: منزلة من منازل الشَّرف التي (١) قصُرَت عنها منازل الملوك، فسُمِّيت سورة (٢)؛ لارتفاعها وعلوِّ قدرها، وبالهمز: القطعة التي فصلت من القرآن عما سواها وأبقيت منه؛ لأنَّ سؤر كلِّ شيءٍ بقيتُه بعد ما يُؤخَذ منه (فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ؛ سُمِّيَ) المجموعُ (قُرْآنًا) قال أبو عبيدةَ: سُمِّي القرآنُ؛ لأنَّه يَجمع السور فيضمُّها. (وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ) بسكون (٣) العين (الثُّمَالِيُّ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم نسبةً إلى ثُمالة؛ قبيلةٌ مِن الأزد، الكوفيُّ التَّابعيُّ، ممَّا وصله ابنُ شاهين من طريقه: (المِشْكَاةُ) هي (الكَُوَّةُ) بضمِّ الكاف وفتحِها وتشديد الواو؛ هي (٤) الطَّاقة غير النافذة (٥) (بِلِسَانِ الحَبَشَةِ) ثمَّ عُرِّب، وقال مجاهدٌ: هي القنديل؛ وقيل: هي الأنبوبة في (٦) وسط القنديل. وقوله تعالى: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾) أي: (تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٨]) أي: (فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ؛ أَيْ: مَا جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ) اللهُ فيه (وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ اللهُ) عنه (٧)، وسقطت الجلالةُ لأبي ذرٍّ، وفي الأوَّل للكلِّ (وَيُقَالُ: لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ: تَأْلِيفٌ، وَسُمِّيَ الفُرْقَانَ) بالنصب (لأَنَّهُ يُفَرِّقُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفاء وتشديد الراء مكسورةً (٨) (بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ) بفتح السِّين المهملة منوَّنًا مِن غير همزٍ؛ وهي الجلدةُ الرقيقةُ التي يكونُ فيها الولد (أَيْ: لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا) والحاصلُ: أنَّ القُرآن عنده مشتقٌّ مِن «قرأ» بمعنى: جَمَعَ، لا مِن «قرأ» بمعنى: تَلَا.

стр. 8764

(وَقَالَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]) بتشديد الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «ويقال في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾» أي: (أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً) فالتشديد لتكثير المفروض (١)، وقيل: للمبالغة في الإيجاب (وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾) بالتَّخفيف، وهي قراءة غير أبي عمرٍو وابن كثير (يَقُولُ): المعنى: (فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ) أي: فرضناها، فأسقط الضمير (وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ) إلى يوم القيامة، والسورة لا يمكن فرضها؛ لأنَّها قد دخلت في الوجود، وتحصيل الحاصل محالٌ، فوجب أن يكون المراد: فرضنا ما بُيِّنَ فيها مِنَ الأحكام. (قَالَ) ولأبي ذر: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله: (﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١]) أي: (لَمْ يَدْرُوا) بسكون الدال العورةَ من غيرها (لِمَا بِهِمْ) أي: لأجل ما بهم (مِنَ الصِّغَرِ) وقال الفرَّاء والزَّجَّاج: لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء، وقيل: لم يبلغوا حدَّ الشهوة، والطفل: يُطلق على المثنى والجمع، فلذا وصف بالجمع، أو لمَّا قُصِدَ به الجنس؛ رُوِعيَ فيه الجمعُ. (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة فيما وصله الطبريُّ: (﴿أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]) هو (مَنْ لَيْسَ لَهُ إِرْبٌ) بكسر الهمزة، أي: حاجةُ النساء، وهم الشيوخُ الهِمُّ والممسوخون، وقال ابن جُبير: المعتوه، وقال ابن عبَّاس: المغفل (٢) الذي لا شهوة له (٣)، وقال مجاهد: المخنَّث الذي لا يقوم ذَكَرُه. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ، هو الذي (لا يُهِمُّهُ إلَّا بَطْنُهُ، وَلَا يَخَافُ عَلَى النِّسَاءِ) لبَلَهِه (وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصله عبد الرَّزَّاق عن أبيه (٤): (هُوَ الأَحْمَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وقيل: هو الذي لا تشتهيه المرأة، وثبت من قوله: «وقال الشَّعبيُّ … » إلى هنا للنسفيِّ، وسقط من فرع «اليونينية» كأصله (٥) كبعض الأصول.

стр. 8765

(١) (بَابُ قَوْلِهِ) : (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) يقذفون أزواجهم بالزنا (١) (﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء﴾) يشهدون (٢) على ذلك (٣) (﴿إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ﴾) فالواجبُ شهادةُ (﴿أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾) بنصبِ «أربعَ» على المصدر، وحفص وحمزة والكسائي برفعها خبرُ المبتدأ، وهو قوله: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ (﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]) فيما رماها به مِنَ الزِّنا، قال ابنُ كثيرٍ: وهذه الآيةُ فيها فرجٌ للأزواج وزيادةُ مَخْرَجٍ، إذا قَذَفَ أحدُهم زوجتَه وعَسُرَ عليه إقامةُ البيِّنة أن يلاعنها (٤)، وثبت التبويب لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿شُهَدَاء﴾: «الآيةَ» وأسقط باقيها.

стр. 8766

٤٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصور بن بَهرام، أبو يعقوب الكَوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ، وهو مِن مشايخ المؤلِّف، روى عنه هنا بالواسطة، قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرحمن بنُ عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّدُ بنُ مسلمِ ابنِ شهابٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديِّ الأنصاريِّ رضي الله تعالى عنه (أَنَّ عُوَيْمِرًا) بضمِّ العين المهملة وفتح الواو تصغيرُ عامرٍ، ابنَ الحارث بن زيد بن الجَدِّ بفتح (١) الجيم وتشديد الدَّال؛ ابنِ عَجْلان، وفي رواية القَعنبيِّ عن مالكٍ: عويمر بن أشقر، وكذا أخرجه أبو داود وأبو عوانة، وفي «الاستيعاب»: عويمر ابن أبيض، قال الحافظ ابن حجر: فلعلَّ أباه كان يلقَّب أشقر وأبيض (٢)، وفي الصَّحابة: عويمرُ بن أَشقرَ آخرُ، وهو مازنيٌّ، أخرج له ابن ماجه (أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ) العجلانيَّ (وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ) بفتح العين وسكون الجيم، وهو ابنُ عمِّ والد عويمر، ولأبي ذرٍّ: «بني العجلان» (فَقَالَ) له: (كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؛ أَيَقْتُلُهُ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ، أي: أيقتُلُ الرجلَ (فَتَقْتُلُونَهُ) قِصاصًا؛ لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وفي قِصَّة العجلانيِّ من حديث ابن عمر المرويِّ في «مسلمٍ»: فقال: أرأيت إن وَجَدَ مع امرأته رجلًا، فإن تكلَّم به؛ تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكتَ؛ سكتَ على مثل ذلك، وفي حديث ابن مسعودٍ عنده أيضًا: إن تكلَّم جلدتموه، وإن قَتَلَ؛ قتلتموه، وإن سكت؛ سكت على غيظٍ، وفي رواية عن ابن عبَّاسٍ: لمَّا نزلت (٣) ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآيةَ؛ قال عاصم بن عديٍّ: إن (٤) دخل رجل منَّا بيته فرأى رجلًا على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجالٍ يشهدون بذلك؛ فقد قضى الرجل حاجته وذهب، وإن قَتَلَه؛ قُتل به، وإن قال: وجدت فلانًا معها؛ ضُرب، وإن سكت؛ سكت على غيظٍ (أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟) «أم» تَحتملُ أن تكون متَّصلةً؛ يعني: إذا رأى الرجل هذا المنكر الشنيع والأمر الفظيع وثارت عليه الحَمِيَّة أيقتُلُه فتقتُلُونه أم يصبرُ

стр. 8767

على ذلك الشَّنار (١) والعار؟ ويَحتملُ أن تكون منقطعةً، فسأل أولًا عنِ القتل مع القصاص (٢)، ثمَّ أضربَ عنه إلى سؤاله كيف يصنع؛ لأنَّ «أم» المنقطعة متضمِّنةٌ لـ «بل» والهمزة (٣) فـ «بلْ» تضربُ الكلام السَّابق، والهمزةُ تستأنِفُ كلامًا آخر، والمعنى: كيف يصنع؟ أيصبر على العار أم (٤) يُحدِثُ اللهُ له أمرًا آخر؟ فلذا قال: (سَلْ لِي) يا عاصمُ (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) حُذِفَ المقولُ لدلالة السابق عليه، أي: كيف تقول في رجلٍ وجد مع امرأته رجلًا، أيقتُله فتقتُلُونه أم كيف يصنع؟ (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسَائِلَ) المذكورة لما فيها من البشاعة والإشاعة على المسلمين والمسلمات، وتسليط العدوِّ في الدِّين بالخوض في أعراضِهِم، وزاد في «اللعان» [خ¦٥٢٥٩] و «الطلاق» [خ¦٥٣٠٨] من طريق مالك عن ابن شهاب: وعابها حتى كَبُرَ على (٥) عاصم ما سَمِعَ من رسول الله ﷺ ، فلمَّا رجع عاصمٌ إلى أهله (فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ) فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسولُ الله ﷺ ؟ (فَقَالَ) عاصمٌ: لم تأتني بخير (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَرِهَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا) ثبت لفظ «وعابها» هنا، وسقط مِنَ الأولى (قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ؛ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ) إلى رسول الله ﷺ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) يزني بها (أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ أَنْزَلَ اللهُ القُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) هي زوجتُه خولةُ بنتُ قيسٍ فيما ذكره مُقاتلٌ، وذكر ابن الكلبيِّ: أنَّها بنت عاصمٍ المذكور، واسمُها خولة، والمشهور أنَّها بنت قيس، وأخرج ابن مردويه من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ عاصم بن عدي لمَّا نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] قال: يا رسول الله؛ أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعف، وأخرج ابن أبي حاتم في «التفسير» عن مقاتل بن حيَّان قال: لمَّا سأل عاصمٌ عن ذلك؛ ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابنُ عمِّه تحتَه ابنةُ عمِّه رماها بابن عمِّه، المرأة والزوج

стр. 8768

والخليل ثلاثتُهم بنو عم عاصم، وعند ابن مردويه من مرسل ابن أبي ليلى: أنَّ الرجل الذي رمى عُوَيْمر امرأتَه به هو شَرِيكُ بن سَحْماء، وهو يشهد لصِحَّة هذه الرواية؛ لأنَّه ابن عم عويمر؛ لأنَّه شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم: فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم، أقسم بالله لقد رأيتُ شَرِيك بن سحماء على (١) بطنها، وإنَّها لحبلى وما قَرُبتُها منذ أربعة أشهرٍ، وفي حديث عبد الله بن جعفر (٢) عند الدَّارقطنيِّ: لاعَنَ بين عويمر العجلاني وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها وقال: هو لابن سحماء، وإذا جاء الخبر مِن طرقٍ متعدِّدةٍ؛ فإنَّ بعضَها يعضُدُ بعضًا، وظاهرُ السِّياق يقتضي أنَّه كان تقدَّم من عويمر إشارةٌ إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، والظاهر: أن في هذا السياق اختصارًا، ويوضحه ما في حديث ابن عمر في قصَّة العجلانيِّ بعد قوله: إن تكلَّم؛ تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكت؛ سكت على مثل ذلك، فسكت عنه النبيُّ ﷺ ، فلمَّا كان بعد ذلك؛ أتاه فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتليتُ به، فدلَّ على أنَّه لم يذكر امرأته إلَّا بعد أن انصرف ثم عاد (فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمُلَاعَنَةِ) بضمِّ الميم، قال في «المغرب»: لَعَنَه لَعْنًا، وَلَاعَنَه مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا، وَتَلَاعَنُوا: لَعَنَ بعضُهم بعضًا، وهو لغةً: الطردُ والإبعاد، وشرعًا: كلماتٌ معلومةٌ جُعِلَت حجَّةً للمضطر إلى قذفِ مَن لطَّخَ فِراشه وألحقَ العارَ به، أو إلى نفي ولد، قال النَّوويُّ: إنَّما سُمِّي لِعانًا؛ لأنَّ كلًّا من الزَّوجين يَبْعُد عن صاحبه (بِمَا سَمَّى اللهُ فِي كِتَابِهِ) في هذه الآية بأنْ يقولَ الزوجُ أربعَ مرَّات: أشهدُ بالله إنِّي لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا، والخامسة: أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، ويشير إليها في الحضور، ويميِّزُها في الغَيبة، ويأتي بَدَلَ ضمائرِ الغائبِ بضمائرِ المتكلِّم، فيقول: لعنة الله عليَّ إن كنتُ … إلى آخره، وإن كان ولدٌ ينفيه ذكره في الكلمات

стр. 8769

الخمس لينتفي عنه، فيقول (١): إنَّ الولد الذي ولدته أو هذا الولد من زنا ليس منِّي (فَلَاعَنَهَا) أي: لاعن عويمرٌ (٢) زوجتَه خولةَ بعد أن قذفها، وأتت عند النبيِّ ﷺ وسألها فأنكرت، وأصرَّا في السنة الأخيرة مِن زمانه ﷺ ، وجزم الطبريُّ وأبو حاتم وابن حِبان: بأنَّها في شعبان سنة تسع، وعند الدارقطنيِّ من حديث عبد الله بن جعفر: أنَّها كانت منصرفَ النَّبيِّ ﷺ من تبوك، ورجَّح بعضُهم أنَّها كانت في شعبان سنَة عشرٍ لا سنةَ تسعٍ، وفي حديث ابن مسعود عند مسلمٍ أنَّها كانت ليلة جمعة (ثُمَّ قَالَ) عويمرٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنْ حَبَسْتُهَا؛ فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا) زاد في «باب من أجاز طلاق الثلاث» [خ¦٥٢٥٩] من طريق مالك عن ابن شهاب: «ثلاثًا»، وتمسَّك به مَن قال: لا تقع الفُرقة بين المتلاعنين إلَّا بإيقاع الزَّوج، وهو قول عثمانَ اللَّيثيِّ، واحتجَّ بأنَّ الفُرقة لم تذكر في القرآن، وأنَّ ظاهر الأحاديث أنَّ الزوج هو الذي طلَّق ابتداءً، وقال الشَّافعيُّ وسحنون من المالكيَّة: تقع بعد فراغ الزوج من اللِّعان؛ لأنَّ التِعانَ المرأة إنَّما شُرِع لدفع الحدِّ عنها، بخلاف الرجل؛ فإنَّه يزيد على ذلك في حقِّه (٣) نفيُ النَّسب ولَحاقُ الولد وزوالُ الفراش، وقال مالكٌ: بعد فراغ المرأة، وتظهر فائدة الخلاف في التوارث: لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علَّق طلاق امرأة بفِراق أُخرى ثمَّ لاعن الأخرى، وقال أبو حنيفة: لا تقع حتى يوقِعَها الحاكم؛ لظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، وتكون فُرقة طلاقٍ، وعن أحمد روايتان، وقولُ النوويِّ في «شرح مسلمٍ»: كذبتُ عليها -يا رسول الله- إن أمسكتها: هو كلامٌ مستقِلٌّ، وقوله: «فطلَّقها» أي: ثم عقَّب ذلك بطلاقها؛ وذلك لأنَّه ظنَّ أنَّ اللِّعان لا يحرِّمُها عليه (٤)، فأراد تحريمَها بالطلاق فقال: هي طالق ثلاثًا، فقال له (٥) النَّبيُّ ﷺ : «لا سبيل لك عليها» أي: لا مِلْكَ لك عليها، فلا يقع طلاقًا (٦)، تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه يوهم أنَّ قولَه: «لا سبيل لك عليها»

стр. 8770

وقع منه ﷺ عَقِبَ قولِ الملاعن (١): هي طالق ثلاثًا، وأنَّه موجودٌ كذلك في حديث سهل بن سعد الذي شرحه، وليس كذلك؛ فإنَّ قوله: «لا سبيل لك عليها» لم يقع في حديث سهل، وإنَّما وقع في حديث (٢) ابن عمر [خ¦٥٣١٢] [خ¦٥٣٥٠] عَقِبَ قوله: «الله يعلم (٣) أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»، وقال الخطَّابيُّ: لفظ «فطلقها» يدلُّ على وقوع الفُرقة باللِّعان، ولولا ذلك؛ لصارت في حكم المطلقات، وأجمعوا على أنَّها ليست في حكمهنَّ، فلا يكون له مراجعتُها إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا يحلُّ له أن يخطبها إن كان بائنًا، وإنَّما اللِّعان فُرقة فسخٍ (فَكَانَتْ) أي: الفُرقة بينهما (سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي المُتَلَاعِنَيْنِ) فلا يجتمعان بعد الملاعنة، وقال ابن عبد البَرِّ: أبدى له بعض أصحابنا فائدة؛ وهو ألَّا يجتمع ملعونٌ مع غير ملعون؛ لأنَّ أحدهما ملعونٌ في الجملة، بخلاف ما إذا تزوَّجت المرأة غيرَ الملاعن، فإنَّه لا يتحقَّق، وعورِضَ: بأنَّه لو كان كذلك؛ لامتنع عليهما معًا التزويج؛ لأنَّه يتحقَّق أنَّ أحدَهما ملعونٌ، ويمكن أن يُجاب: بأنَّ في هذه الصورة افتراقًا في الجملة، وفي رواية الباب الآتي [خ¦٤٧٤٦] من طريق فُليح عن الزهري: فكانت سُنَّةً أن يفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، فأنكر حملها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي: بالولد لدلالة السياق عليه (أَسْحَمَ) بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الحاء المهملتين آخره ميم، أي: أسود (أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ) بالعين المهملة والجيم، أي: شديد سواد الحدقة (عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ) بفتح الهمزة، أي: العَجُز (٤) (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللَّام المشدَّدة آخره جيم، أي: عظيمهما (فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ) بضمِّ الهمزة وفتح الحاء المهملة وكسر الميم، مصغَّر «أحمر»، وقول صاحب «التنقيح»: إنَّ الصواب صرف «أحيمر»؛ وهو الأبيض، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: عدم الصرف -كما في المتن- هو الصواب، وما ادَّعى (٥) أنه عين الصواب هو عينُ الخطأ

стр. 8771

(كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بفتح الواو والحاء المهملة والراء: دُويبة تترامى على الطعام واللحم فتُفسِدُه، وهي من أنواع الوَزَغ، وشبَّهَهُ بها لحُمرتها وقِصَرِها (فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللهِ) ولغير أبي (١) ذر: «نعت به رسول الله» (¬ ﷺ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ) وفي «باب التلاعن في المسجد» [خ¦٥٣٠٩] من طريق ابن جريج عن الزهري: فجاءت به على المكروه من ذلك (فَكَانَ) أي: الولدُ (بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ) فاعتُبر الشَّبَه من غير حكم به؛ لأجل ما هو أقوى من الشبه؛ وهو الفِراش، كما فعل في ابن وليدة زَمْعَة، وإنَّما يُحكم بالشَّبه وهو حكم القافة إذا استوت العلائق، كسيِّدين وطئا في طُهر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥٩] [خ¦٥٣٠٨] [خ¦٥٣٠٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٦] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٠٤] و «الأحكام» [خ¦٧١٦٥] [خ¦٧١٦٦] و «المحاربين» [خ¦٦٨٥٤] و «التفسير» أيضًا (٢)، ومسلمٌ في «اللعان»، وأبو داود في «الطلاق»، وكذا النَّسائي وابن ماجه. (٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَالْخَامِسَةُ﴾) أي: والشهادةُ الخامسة (﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]) فيما رمى به زوجتَه من الزنا، وهذا لعان الرجل، وحكمُه: سقوطُ حدِّ (٣) القذف، وحصولُ الفُرقة بينهما بنفسه فُرقةُ فسخٍ في مذهبنا؛ لقولِه ﵇ المرويِّ في «البيهقيِّ» وغيره: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا»، وعند أبي حنيفة ﵀: بتفريق الحاكم فُرقة طلاق، ونفي الولد إن تعرَّض له فيه، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8772

٤٧٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) العَتَكيُّ (أَبُو الرَّبِيعِ) الزهرانيُّ المقرئ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاء مهملة مصغَّرًا، ابنُ سليمانَ الخزاعيُّ، وفُلَيح لقبه، واسمه: عبدُ الملك (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا) هو عويمرٌ العجلانيُّ (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أي: أخبرني عن حكم رجلٍ (رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) استعمل الكناية ومقصودُه معيَّةٌ خاصَّةٌ، وأنَّه (١) كان وحده عند الرؤية (أَيَقْتُلُهُ) لأجل ما وقع، ممَّا لا يقدر على الصبر عليه غالبًا من الغيرة التي طُبِعَ عليها البشر (فَتَقْتُلُونَهُ) قصاصًا (أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟) أي: أم يصبر على ما به من المضض؟ فـ «أم» متَّصلةٌ، ويَحتملُ أن تكون منقطعةً بمعنى الإضراب، أي: بل هنا حكمٌ آخر (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (فِيهِمَا) في عويمرٍ وخولةَ زوجتِهِ (مَا ذُكِرَ فِي القُرْآنِ مِنَ التَّلَاعُنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ قُضِيَ) بضمِّ القاف وكسر الضاد المعجمة، وفي نسخة: «قد (٢) قضى الله» (٣) (فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ) بآية اللِّعان (قَالَ) سهل: (فَتَلَاعَنَا) بعد أن قذَفها، وأنكرتْ لمَّا سألها رسول الله ﷺ (وَأَنَا شَاهِدٌ) حاضرٌ (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَفَارَقَهَا) فُرقةً مؤبَّدةً (فَكَانَتْ) أي: الملاعنة (سُنَّةً أَنْ يُفَرَّقَ) أي: في التفريق (بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ) فـ «أنْ» مصدريَّةٌ (وَكَانَتْ حَامِلًا، فَأَنْكَرَ) عويمرٌ (حَمْلَهَا) زاد في رواية العبَّاس بن سهل بن سعد عن أبيه عند أبي داود: فقال النَّبيُّ ﷺ لعاصم بن عدي: «أمسك المرأة عندك حتى تلد» (وَكَانَ ابْنُهَا) الذي وضعتْه بعد الملاعنة (يُدْعَى إِلَيْهَا) لأنَّه ﷺ ألحقه بها؛ لأنَّه

стр. 8773

متحقِّقٌ منها، فلو أكذب الزوج نفسَه؛ ثبت النسب ولزمه الحدُّ، ولم ترتفعِ الحرمةُ المؤبَّدة (ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي المِيرَاثِ أَنْ (١) يَرِثَهَا) ولدُها الذي نفاه زوجُها بالملاعنة (وَتَرِثَ) هي (مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا) والظاهر: أنَّ هذا من قول سهل حيث قال: فتلاعنا … إلى آخره. ومطابقة الحديث للتَّرجمة (٢) في قوله: فأنزل الله فيهما (٣). (٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا﴾) أي: عن المقذوفة (﴿الْعَذَابَ﴾) أي: الحدَّ (﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]) فيما رماني به، وسقط لفظ «باب» لغير أبي (٤) ذرٍّ. ٤٧٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشين

стр. 8774

المعجمة المشدَّدة (١) بُندارٌ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّدٌ، واسمُ أبي عديٍّ: إبراهيمُ البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍَ) منصرفٌ (٢) وغير منصرفٍ، الأزديِّ القُرْدُوسيِّ بضمِّ القاف وسكون الراء وضم الدال، البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) أبو عبد الله (٣) البربريُّ مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، الواقِفِيَّ بكسر القاف والفاء، الأنصاريَّ، أحد الثلاثة المتخلفين (٤) عن غزوة تبوك، وتِيبَ عليهم (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) خولَة بنتَ عاصمٍ، كما رواه ابن مَنْده، وكانت حاملًا (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ) بفتح السين وسكون الحاء المهملتين ممدودًا، اسمُ أمِّه، وفي «تفسير مقاتل»: أنَّها كانت حبشيَّة، وقيل: يمانيَّة، واسمُ أبيه عبدة بن معتب أو مغيث، ولا يمتنع (٥) أن يتَّهم شريكُ ابن سحماءَ بهذه المرأة وامرأةِ عويمرٍ معًا، وأمَّا قولُ بن الصَّباغ في «الشامل»: إنَّ المزنيَّ ذكر في «المختصر» أنَّ العجلانيَّ قذف زوجتَه بشريك ابن سحماء، وهو سهوٌ في النقل، وإنَّما القاذفُ بشريكٍ هلالُ بنُ أميَّة؛ فلعلَّه لم يعرف مستند المزنيِّ في ذلك، وقد سبق في الباب الذي قبله مستند ذلك [خ¦٤٧٤٥] فليلتفت إليه، والجمعُ ممكنٌ، فتعيَّن (٦) المصير إليه، وهو أَولى مِنَ التغليط على ما لا يخفى. (فَقَالَ) له (٧) (النَّبِيُّ ﷺ : البَيِّنَةَ) بالنصب بتقدير: أَحْضِرِ البيِّنةَ (أَوْ حَدٌّ) بالرَّفع، أي: أتحضر البينة أو يقعُ حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ)؟ أي: على ظهرك؛ كقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]

стр. 8775

(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ) حالَ كونه (١) (يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ) أي: يطلبُها؟ (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: البَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ؛ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ) بفتح اللَّام وضمِّ التَّحتيَّة وسكون النون (مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ) في موضع نصبٍ بقوله: «فَليُنزلَنَّ اللهُ» (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) ﵇ (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ) ﷺ : (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]) أي: فيما رماها الزوجُ به (فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا) أي: إلى خولَة بنتِ عاصمٍ زوجِ هلالٍ، فحضرت بين يديه (فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ) أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصادقين فيما رماها به، والخامسةَ أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في الرمي (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ). قال القاضي عياض -وتَبِعَه النوويُّ-: في قوله: «أحدكما» ردٌّ على مَن قال مِنَ النُّحاة: إنَّ لفظ أحد لا يُستعمل إلَّا في النفي، وعلى مَن قال منهم: لا يُستعمل إلَّا في الوصف، وأنَّه لا توضع (٢) في موضع «واحدٍ»، ولا توقع (٣) موقعه، وقد أجازه المبرِّد، وجاء في هذا الحديث في غير وصفٍ ولا نفيٍ بمعنى «واحدٍ». انتهى. وتعقَّب الفاكهانيُّ ذلك فقال: هذا مِن أعجب ما وقع للقاضي عياض مع براعته وحِذْقه؛ فإنَّ الذي قاله النُّحاة إنَّما هو في «أحد» التي للعموم؛ نحو: ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وأمَّا «أحد» بمعنى «واحد»؛ فلا خلاف في استعمالها في الإثبات؛ نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ونحوه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] ونحو: «أَحدُكما كاذبٌ». (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) عرَّض لهما بالتوبة بلفظ الاستفهام؛ لإبهام الكاذب منهما؛ فلذلك لم يقل لهما: توبا، ولا لأحدهما بعينه: تُب، ولا قال: ليَتُبِ الكاذب منكما، وزاد جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس عند الطبريِّ والحاكم والبيهقيِّ: فقال هلالٌ: والله؛ إنِّي لصادق (ثُمَّ قَامَتْ) أي: زوجتُه (٤) (فَشَهِدَتْ) أي (٥): أربع شهادات بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما

стр. 8776

رماني به (فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ) المرَّةِ (الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا) بتشديد القاف، ولأبي ذرٍّ: «وَقَفُوها» بتخفيفها (وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ) للعذابِ الأليمِ إن كنتِ (١) كاذبة (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السابق: (فَتَلَكَّأَتْ) بهمزة مفتوحة بعد الكاف المشدَّدة بوزن «تَفَعَّلَتْ» أي: تباطأتْ عن ذلك (وَنَكَصَتْ) أي: أحجمتْ (٢) (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ) عن مقالتها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما رماها به (ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ) بفتح (٣) الهمزة والمعجمة (قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ) أي: جميع الأيام أيام (٤) الدهر، أو فيما بقي مِنَ الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج، وأريدَ بـ «اليوم» الجنس؛ ولذلك أجراه مُجرى العام (٥) (فَمَضَتْ) أي: في تمام اللِّعان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبْصِرُوهَا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وكسر المهملة (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي: بالولد (٦) (أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ) أي: شديد سواد جفونهما خلقة مِن غيرِ اكتحالٍ (سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ) أي: غليظهما (٧) (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وبعد اللَّام المشدَّدة جيم: عظيمهما (فَهْوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ) في آية (٨) اللِّعان (لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) في إقامة الحدِّ عليها، وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويلٌ عظيم لما كان يَفْعلُ بها، أي: لفعلتُ بها؛ لتَضَاعُفِ ذنبِها، ما يكونُ عِبرةً للنَّاظرين، وتذكرة للسامعين. قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: الحديث الأوَّل يدُلُّ على أنَّ عويمرًا هو الملاعن، والآية نزلت فيه والولد شابهه، والثَّاني: أنَّ هلالًا هو الملاعن، والآية نزلت فيه والولد شابهه (٩). وأجاب:

стр. 8777

بأنَّ النَّوويَّ قال: اختلفوا في نزول آية اللِّعان، هل هو بسبب عويمرٍ أم بسبب هلالٍ؟ والأكثرون: أنَّها نزلت في هلالٍ، وأمَّا قوله ﵊ لعويمرٍ: «إنَّ الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك»، فقالوا: معناه الإشارة إلى ما نزل في قِصَّةِ هلالٍ؛ لأنَّ ذلك حكمٌ عامٌّ لجميع الناس، ويَحتملُ أنَّها نزلت فيهما جميعًا، فلعلَّهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما وسبق هلال باللعان. انتهى. قال في «الفتح»: ويؤيِّدُ التعدد أنَّ القائل في قصَّة هلالٍ سعدُ ابنُ عبادة، كما أخرجه أبو داود والطبريُّ، والقائلُ في قصَّة عويمرٍ عاصمُ بنُ عديٍّ، كما في حديث سهلٍ السابق، ولا مانع أن تتعدَّد القِصَص ويتَّحِدَ النزول، وجنح القرطبيُّ إلى تجويز نزول الآية مرَّتين، وأنكر جماعةٌ ذِكرَ هلالٍ فيمَن لاعن، والصحيحُ ثبوت ذلك، وكيف يُجزَمُ بخطأِ حديثٍ ثابتٍ في «الصَّحيحين» بمجرَّد دعوى لا دليلَ عليها؟! وقولُ النَّوويِّ في «تهذيبه»: اختلفوا في الذي وَجَدَ مع امرأته رجلًا وتلاعنا على ثلاثة أقوال: هلالُ بن أمية، أو عاصمُ بن عدي، أو عويمرٌ العجلانيُّ؟ قال الواحديُّ: أظهرُ هذه الأقوال أنَّه عويمرٌ؛ لكثرة الأحاديث، واتَّفقوا على أنَّ الموجود زانيًا شريكُ ابن سحماء، تعقَّبوه بأنَّ قِصَّتَي ملاعنة عويمرٍ وهلالٍ ثبتتا، فكيف يُختلف فيهما؟! وإنَّما المختلَفُ فيه سبب نزول الآية في أيِّهما؟ وقد سبقَ تقريرُه، وبأنَّ عاصمًا لم يلاعِن قطُّ، وإنَّما سأل لعويمرٍ العجلانيِّ عن ذلك، وبأنَّ قوله: واتفقوا على أنَّ الموجود زانيًا شريكٌ، ممنوعٌ؛ إذ لم يوجد زانيًا، وإنَّما هم اعتقدوا ذلك ولم يثبت (١) ذلك في حقِّه في ظاهر الحكم، فصوابُ العبارةِ أن يقال: واتَّفقوا على أنَّ المرميَّ به شريكُ ابن سحماء. وهذا الحديث قد مرَّ في «باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة» من «كتاب الشهادات» [خ¦٢٦٧١]. (٤) (بَابُ قَوْلِهِ) : (﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]) فيما رماها به، وخصَّها بالغضب؛ لأنَّ الغالب أنَّ الرجل لا يتجشَّمُ فضيحةَ أهلِه ورميَها بالزِّنا إلَّا وهو صادقٌ

стр. 8778

معذورٌ، وهي تعلَمُ صِدقَه فيما رماها به؛ فلذا كانتِ الخامسةُ في حقِّها أن غضب الله عليها، والمغضوبُ عليه هو الذي يعلمُ الحقَّ ثم يَحِيدُ عنه، وسقط «بَابُ قَوْلِهِ» لغير أبي (١) ذرٍّ. ٤٧٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى) بضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة الهلاليُّ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَمِّي القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابنِ عمرِو بنِ حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، قال البخاري: (وَقَدْ سَمِعَ) القاسمُ (مِنْهُ) أي: مِن عُبيد الله (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا) هو عويمر العجلانيُّ (رَمَى امْرَأَتَهُ) بالزنا (فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَنِ (٢) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَلَاعَنَا (٣) كَمَا قَالَ اللهُ) تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ … إلى قوله: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩] (ثُمَّ قَضَى) ﷺ (بِالوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ) واستدل به على مشروعيَّةِ اللِّعان لنفي الولد بمجرَّد اللِّعان ولو لم يتعرَّض الرجلُ لذِكْرِه في اللِّعان، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لو استلحقَه لَحِقَه، وإنَّما يؤثِّر اللِّعان بالرَّجلِ دفعَ حدِّ القذف عنه، وثبوتَ زنا المرأةِ، ثم يرتفعُ عنها الحدُّ بالتِعَانها، وقال الشافعيُّ: إن نفى الولدَ في الملاعنةِ انتفى، وإن لم يتعرَّض له؛ فله أن يعيدَ اللِّعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخَّره بغير عُذْرٍ حتى ولدت؛ لم يكن له أن ينفيَه. (وَفَرَّقَ) ﵊ (بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ) تمسَّك به الحنفية: أن بمجرَّد اللِّعان لا يحصُل التفريق،

стр. 8779

ولا بُدَّ من حكمِ حاكمٍ، وحمله الجمهور على أنَّ المرادَ الإفتاءُ والخبرُ عن حُكْمِ الشرع؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى [خ¦٥٣١٢] [خ¦٥٣٥٠]: «لا سبيلَ لك عليها» و «فَرَّقَ»: بتشديد الراء يقال في الأجسام، وبالتَّخفيف في المعاني. وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٨] [خ¦٥٣٠٩] وغيره بعون الله وقوَّته. (٥) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (١) (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾) في أمرِ عائشةَ (﴿عُصْبَةٌ﴾) جماعةٌ من العشرة إلى الأربعين (﴿مِّنكُمْ﴾) أيُّها المؤمنون؛ يريد: عبد الله بن أُبيٍّ، وكان مِن جملة مَن حكم له بالإيمان ظاهرًا، وزيد بن رفاعة، وحسَّان بن ثابت، ومِسطَح بن أُثَاثَةَ، وحَمْنَة بنت جَحْش، ومَن ساعدهم (﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم﴾) الضميرُ للإفك، والخطابُ للرَّسول وأبي بكر وعائشة وصفوان لتأذِّيهم بذلك (﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) لما فيه مِن جزيل ثوابكم، وإظهار شرفكم، وبيان فضلكم من حيث نزلت فيكم ثماني عشرة آية في براءَتكم، وتهويل الوعيد للقاذفين ونسبتهم إلى الإفك (﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم﴾) من أهل الإفك (﴿مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾) أي: لكلٍّ منهم جزاءُ ما اكتسبَه مِنَ العقاب في الآخرة والمذمَّة في الدنيا بقدر ما خاض فيه مختصًّا به (﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾) معظمه بإشاعته (﴿مِنْهُمْ﴾) أي: مِنَ الخائضين (﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]) في الآخرة أو في الدنيا بأنْ جُلِدوا، وصار ابن أُبيٍّ مطرودًا مشهورًا بالنفاق، وحسَّان أعمى أشل اليدين، ومِسطَح مكفوف البصر، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ … » إلى آخره. (أَفَّاكٌ) قال أبو عبيدة أي: (كَذَّابٌ) وقيل: هو أبلغُ ما يكون مِنَ الكذب والافتراء، وسُمِّي إفكًا (٢)؛ لكونه مصروفًا عنِ الحق، من قولهم: أفك الشيءَ؛ إذا قلبه عن وجهه.

стр. 8780

٤٧٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلم ابنِ شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبيرِ بنِ العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) في قوله تعالى: (﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ قَالَتْ): هو (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) برفع «ابن»؛ لأنَّه صفةٌ لـ «عبد الله» لا لـ «أُبيٍّ»، و «سلول» غيرُ منصرفٍ للتَّأنيث والعلميَّة؛ لأنَّها أَمُّه، والمراد مِن إضافة «الكِبْر» إليه: أنَّه كان مبتدِئًا به، وقيل: لشِدَّة رغبتِه في إشاعة تلك الفاحشة. (٦) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله : (﴿لَوْلَا﴾) تحضيضية، أي: هلَّا (﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا (١)﴾ إلى قوله: ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٢ - ١٣]) ﴿بِأَنفُسِهِمْ﴾ أي: بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] فإن قلتَ: لِمَ عَدَلَ عن الخطاب إلى الغَيبة في قوله: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ﴾ ولم يقل: وقلتم؟ وعن المضمَر إلى المظهَرِ، والخطاب إلى الغَيبة، والمفرد إلى الجمع في قوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ ولم يقل: ظننتم بها، أي: بعائشة على الأصل؟ لأنَّ المخاطب مَن بحضرة الرسول ﷺ ، وخلاصة الجواب -كما قال في «مفاتيح الغيب» (٢) - أنَّ في العدول من الخطاب إلى الغَيبة توبيخَ المخاطبين بطريق الالتفات، ومعاتبةً شديدةً، وإبعادًا من مقام الزلفى، أي: كيف سمعوا ما لا ينبغي الإصغاءُ إليه، فضلًا عن أن يتفوَّهوا به، وفي العدول مِنَ المضمَرِ إلى المظهر الدلالة على أنَّ صفة الإيمان جامعةٌ لهم، فينبغي لمن اشترك فيها ألَّا يسمع فيمن شاركه فيها قول عائب ولا طعن طاعن؛ لأنَّ عيب أخيه عيبُه، والطعنَ في أخيه طعنٌ فيه. وسياق هذه الآية هنا ثابتٌ لأبي ذرٍّ فقط، وفي رواية غيره: «﴿وَلَوْلَا﴾» وهلَّا «﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا﴾» أي: ما ينبغي (٣) وما يصحُّ لنا «﴿أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾» القول المخصوص أو بنوعه؛ فإنَّ قذفَ آحاد الناس محرَّمٌ شرعًا، لا سيَّما الصدِّيقة (٤) ابنة الصدِّيق حرمة رسول الله ﷺ ،

стр. 8781

«﴿سُبْحَانَكَ﴾» معناه التعجُّب «﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]» أي: كذبٌ عظيم يُبهت ويُتحير من عظمته، «﴿لَوْلَا﴾» هلَّا «﴿جَاؤُوا عَلَيْهِ﴾» أي: على ما زعموا «﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾» يشهدون على معاينتهم ما رموها به «﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء﴾» يشهدون على ما قالوا «﴿فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللهِ﴾» أي: في حكمه «﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]» فيما قالوه، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ (١).

стр. 8782

٤٧٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكير -بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف مُصغَّرًا- المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (٢) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التَّحتيَّة المشدَّدة (وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ) الليثيُّ (وَعُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ (٣) قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) بكسر الهمزة وسكون الفاء: الكذب الشديد والافتراء المزيد (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا (٤) اللهُ مِمَّا قَالُوا) بما أنزله في كتابه، قال الزُّهريُّ: (وَكُلٌّ) من الأربعة (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ) أي: بعضه، فجميعه عن مجموعهم، لا أنَّ مجموعه عن كلِّ واحد منهم (وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا) قال في «الفتح»: كأنَّه مقلوبٌ، والمقام يقتضي أن يقول: وحديث بعضهم يصدِّق بعضًا، ويحتملُ أن يكون على ظاهرِه، أي: أنَّ بعضَ حديثِ كلٍّ منهم يدُلُّ على صدقِ الرَّاوي في بقيَّة حديثِه؛ لحُسن سياقه وجودةِ حِفْظِه (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى) أي: أحفظ (لَهُ) أي: للحديث المذكور خاصَّةً (مِنْ بَعْضٍ، الَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَةُ) بنُ الزبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أي: عن حديث عائشة في قصة أهل الإفك: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ (٥) ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) زاد مَعْمَر عند ابن ماجه: سَفْرًا أي: إلى سفر (أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ (فَأَيَّتُهُنَّ) بتاء التأنيث (خَرَجَ سَهْمُهَا؛ خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ) في السَّفر (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ

стр. 8783

بَيْنَنَا) ﷺ (فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا) هي غزوةُ بني المصطلق (فَخَرَجَ سَهْمِي) وعند ابن إسحاق: فخرج سهمي عليهنَّ، وهو يُشعر بأنَّه لم يخرج معه حينئذٍ غيرُها (فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا نَزَلَ الحِجَابُ) أي: الأمرُ به (فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ) بضمِّ همزة «أُحمل» و «أنزل» مع التخفيف مبنيًّا للمفعول فيهما (فَسِرْنَا) إلى بني المصطلق (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ) وغنم أموالَهم وأنفسهم (وَقَفَلَ) أي: رجع (وَدَنَوْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١): «دنونا» بغير واو، أي: قَرُبنا (مِنَ المَدِينَةِ) حال كوننا (قَافِلِينَ) أي: راجعينَ (آذَنَ) بالمدِّ والتَّخفيف: أَعْلَمَ (لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ) لقضاء حاجتي منفردةً (حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي) الذي توجَّهتُ له (أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي) بكسر العين (مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ) بفتح الجيم وسكون الزاي (٢) المعجمة مضافًا لـ «ظفار»، وهو بالظاء المعجمة والفاء وبعد الألف راء مكسورة مبنيًّا كـ «حضار» (٣)، مدينةٌ باليمن، وفي رواية أبي ذرٍّ: «أَظفارٍ (٤)» بالهمزة المفتوحة وتنوين الراء (قَدِ انْقَطَعَ) زاد في روايةٍ: «فرجعت إلى المكان الذي ذهبت إليه» (فَالتَمَسْتُ عِقْدِي، وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ) أي: طَلَبهُ (وَأَقْبَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فأقبل» «بالفاء» بدل: «الواو»، (الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون الرَّاء وفتح الحاء (٥) المهملة مع التخفيف، أي: يشدُّون الرحل على بعيري، سمَّى الواقِدِيُّ منهم: أبا مويهبة مولى رسول الله ﷺ (فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ) بالتخفيف (عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ) أي: عليه (وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيه، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ) بضمِّ التحتية وكسر القاف (إِنَّمَا تَأْكُلُ) المرأة منهن (العُلْقَةَ) بضمِّ العين وسكون اللَّام وبالقاف: القليل (مِنَ الطَّعَامِ)

стр. 8784

ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يأكلن» أي: النِّساء، وفي نسخة: «نأكل» بنون أوَّله ولامٍ آخرَه فقط، وعزاها في «الفتح» للكشميهنيِّ (فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ) بالرفع (خِفَّةَ الهَوْدَجِ)، وفي رواية فُليح في «الشهادات» [خ¦٢٦٦١] ثِقْلَ الهودج، والأوَّلُ أوضح؛ لأنَّ مرادها إقامةُ عُذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه (١)، فكأنَّها تقول: كانت لِخِفَّة جسمِها بحيث إنَّ الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها (حِينَ (٢) رَفَعُوهُ) وفي الفرع: «حتى» ولعلَّها سبقُ قلمٍ؛ فإنَّ الذي في «اليونينيَّة»: «حين» وهو ظاهرٌ (٣). (وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) لأنَّها إذ ذاك لم تبلغ خمس عشرة سنة، أي: إنَّها مع نحافتها صغيرةُ السِّنِّ، ففيه إشارةٌ إلى المبالغة في خِفَّتِها، أو إلى بيان عُذرِها فيما وقع منها من الحِرْص على العِقْد الذي انقطع واشتغلتْ بالتماسه من غير أن تُعلِمَ أَهلَها بذلك، وذلك لصِغَرِ سنِّها وعدم تجارِبِها (فَبَعَثُوا الجَمَلَ) أي: أثاروه (وَسَارُوا) أي: وهم يظنُّون أنَّها عليه (فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ) «استفعل» من «مرَّ» (فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ) بالجمع التي (٤) كانوا نازلين بها (وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ) وفي رواية فُليح: «فجئت منزلهم وليس فيه أحد» [خ¦٢٦٦١] (فَأَمَّمْتُ) بتشديد الميم الأولى في الفرع، وفي «اليونينية» كشط موضعَ الشَّدَّةِ (٥)، قال الحافظ ابن حجر: وهي رواية أبي ذرٍّ هنا، وفي نسخة: «فأَمَمْتُ» بتخفيفها، أي: قصدتُ (مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ) قبلُ (وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي) بكسر (٦) القاف ونون واحدة، والظنُّ هنا بمعنى العِلم؛ لأنَّ فَقدَهُم إيَّاها محقَّقٌ قطعًا، وهو معلومٌ عندها، وفي نسخة: «سيفقَدوني» بفتح (٧) القاف، ولأبي ذر: «سيفقدونني» بنونين لعدم الناصب والجازم، والأُولى لغة (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي؛ غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ) بسبب شِدَّة الغمِّ؛ إذ مِن شأن الغم -وهو وقوع ما يُكره- غلبة

стр. 8785

النوم، بخلاف الهَمِّ -وهو توقُّع ما يُكره- فإنَّه يقتضي السهر. (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ) بتشديد الطاء المفتوحة (السُّلَمِيُّ) بضمِّ السين وفتح اللَّام (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) بفتح الذال المعجمة الصحابيُّ الفاضل (مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ) وفي رواية مَعْمَرٍ: «قد عرَّس من وراء الجيش» (فَأَدْلَجَ) بسكون الدال المهملة، أي: سار من أوَّل الليل، وبتشديدها: من آخره، وحينئذٍ فالذي هنا ينبغي أن يكون بالتشديد؛ لأنَّه كان في آخر الليل، لكن التخفيف هو الذي رويناه (فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ) لا يدري أهو (١) رجل أو امرأة؟ (فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي) لعلَّها انكشف وجهُها لمَّا نامت (وَكَانَ يَرَانِي) ولأبي ذرٍّ: «وكان رآني» (٢) (قَبْلَ) نزول (الحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ) بقوله: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ) بالخاء المعجمة والميم المشدَّدة، أي: غطَّيتُ (وَجْهِي بِجِلْبَابِي) يعني (٣): الثوب الذي كان عليها، وهو بكسر الجيم (وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «ووالله» (مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً) ولأبي ذرٍّ: «ما يُكلِّمني» بصيغة المضارع، إشارة إلى أنَّه استمرَّ منه تركُ المخاطبة، وهو أحسنُ مِنَ الأولى؛ إذ الماضي يخصُّ النفي بحال الاستيقاظ (وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) فيه نفيٌ لكلامه لها بغير (٤) الاسترجاع إلى أنْ أناخ، ولا يمنع ما بعدَ الإناخة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حين» فالنفيُ مقيَّدٌ بحال إناخة الراحلة، فلا يمنع ما قبل الإناخة ولا ما بعدَها، وفي رواية ابن إسحاق أنَّه قال لها: ما خلَّفَكِ؟ وأنَّه قال لها: اركبي واستأخر، وفي حديث ابن عمر عند الطبرانيِّ وابن مردويه: فلمَّا رآني ظنَّ أنِّي رجلٌ، فقال: يا نومان قُم فقد سار الناس، وفي مرسل سعيد بن جُبيرٍ عند ابن أبي حاتم: فاسترجع ونزل عن بعيره، وقال: ما شأنك يا أمَّ المؤمنين؟ فحدَّثَتْه بأمر القِلادة (فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا) بالتثنية، أي: يدي الناقة ليكون أسهل لركوبها، ولأبي ذر: «على يدها» (٥) (فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ) حالَ كونِه

стр. 8786

(يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ) وفي مرسل مقاتل بن حيان بالحاء المهملة (١) والتَّحتيَّة عند الحاكم في «الإكليل»: أنَّه ركب معها مردفًا لها، وما في «الصحيح» هو الصحيح (حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا) حالَ كونِهِم (مُوغِرِينَ) بضمِّ الميم وكسر الغين المعجمة والراء المهملة، أي: نازلين في وقت الوَغْرة -بفتح الواو وسكون الغين المعجمة- شِدَّةَ الحرِّ، وقت كون الشمس في كَبِدِ السماء (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) بالحاء المهملة، و «الظهيرة»: بفتح المعجمة وكسر الهاء حيث تبلغ الشمسُ منتهاها من الارتفاع، كأنَّها وصلت إلى النَّحْر؛ وهو أعلى الصدر، وهو تأكيدٌ لقوله: «موغرين» (فَهَلَكَ) أي: بسبب الإفك (مَنْ هَلَكَ) أي: في شأني، وفي رواية أبي أويس عند الطبرانيِّ (٢): فهنالك قال فيَّ وفيه أهلُ الإفك ما قالوا (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ) رأسَ المنافقين (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنَ سَلُولَ) بنصب (٣) «ابن» صفة لـ «عبد الله»، و «سَلولَ» بفتح السِّين، غيرُ منصرفٍ للعلميَّة والتأنيث (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ) أي: مرضتُ (حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ) بضمِّ أوَّله (فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ) أي: يُشيعونه (لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) وفي رواية ابن إسحاق: وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبويّ، ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك (وَهْوَ يَرِيبُنِي) بفتح أوَّله، مِن الثُّلاثيِّ، وبضمِّه مِن الرُّباعيِّ، يقال: رابه وأرابه، أي: يُشَكِّكُنِي ويُوهِمُني (فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ

стр. 8787

رَسُولِ اللهِ ﷺ اللَّطَفَ) بفتح اللَّام والطاء المهملة والفاء، ولأبي ذرٍّ: «اللُّطْفَ» بضمِّ اللام وسكون الطاء، أي: الرِّفْقَ (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي) أمرض (إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (١) (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ)؟ بكسر الفوقيَّة، وهي (٢) للمؤنث، مثل: ذاكم للمُذَكَّر، ولابن إسحاق: فكان إذا دخل قال لأمي وهي «تُمَرِّضُني: كيف تِيكم؟» وفهمتْ أمُّ المؤمنين ِمن ذلك بعضَ الجفاء منه ﷺ ، ولكنَّها لم تكُن تدري السبب (ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي) بفتح أوَّله وكسر ثانيه (وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ) الذي تقوَّلَه (٣) أهل الإفك، وسقط لفظ «الشَّرِّ» لغير أبي ذرٍّ (حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَِهْتُ) بفتح النون والقاف، ويجوز كسرها، أي: أَفَقْتُ مِن مرضي، ولم تكمل لي الصِّحَّة (فَخَرَجَتْ مَعِي (٤) أُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملات، واسمها سلمى (قِبَلَ المَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: جهة المناصع؛ بفتح الميم والنون وبعد الألف صاد وعين مهملتان، موضعٌ خارج المدينة (وَهْوَ مُتَبَرَّزُنَا) بفتح الرَّاء المشدَّدة، أي: موضعُ قضاء حاجتِنا (وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ) بضمِّ الكاف والنون: مواضع (٥) قضاء الحاجة (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الواو؛ نعتٌ لـ «العرب» (فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغَائِطِ) وفي رواية فُليح [خ¦٢٦٦١] «في البَرِّية» أي: خارج المدينة بعيدًا عن المنازل (فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ) برائحتِها (أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم (وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ) أَنِيس (بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) بضمِّ الراء وسكون الهاء (٦)، وفي رواية صالح عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤١٤١] «وهي ابنةُ أبي رُهْم بنِ المطلب (٧) بن

стр. 8788

عبد مناف» قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب (وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) واسمُها رائطة فيما ذكره أبو نُعيم (وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) بضمِّ الهمزة ومثلَّثتين بينهما ألفٌ مِن غير تشديد، ابنِ عباد بن المطلب (فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ (١)) أي: جهة (بَيْتِي، قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «وقد» (فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ) بالفاء والعين والراء المفتوحات (أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا) بكسر الميم: كِسائها، وهو مِن صوفٍ أو خَزٍّ أو كَتَّان، أو إزار (فَقَالَتْ: تَعَِسَ مِسْطَحٌ) بفتح العين، قيَّده الجوهريُّ، وكلام ابن الأثير يقتضي أنَّ الأعرف كسرها، أي: أكبه (٢) الله لوجهه، أو هلك، قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَمَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاه) بفتح الهاء الأولى وسكون الأخيرة، أي: يا هذه (أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ) أي: عائشة: (قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ قَالَتْ) أي: عائشة: (فَأَخْبَرَتْنِي) أمُّ مِسْطَحٍ (بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، قَاَلتْ: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي) وسقط لغير أبي ذرٍّ (٣) لفظ «قالت» من قوله: «قالت (٤) فأخبرتني»، ومِن قوله: «قالت (٥): فلمَّا رجعت إلى (٦) بيتي»؛ أي (٧): واستقرَّيت فيه (وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعْنِي) أي: عائشة (سَلَّمَ) وسقط «تعني: سلَّم» لأبي ذرٍّ (ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ) له ﵊: (أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟

стр. 8789

قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا) مِن جهتِهِما (قَالَتْ (١): فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي) أمِّ رُومان: (يَا أُمَّتَاهْ (٢)) بسكون الهاء (مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟) أي: به، «يَتحدث» بفتح أوَّله (قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً) بالنصب على الحال، ولأبي ذرٍّ: «وضيئةٌ» بالرفع صفة «امرأةٌ»، واللَّام في «لقلَّ» للتأكيد، أي: حسنة جميلة (عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ) وسقطت الواو لأبي ذرٍّ (إِلَّا كَثَّرْنَ) بتشديد المثلَّثة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا أكثرن» نساء الزمان (عَلَيْهَا) القول في نقصها، فالاستثناءُ منقطع، أو إشارةٌ إلى ما وقع من حمنة بنت جحش أخت أمِّ المؤمنين زينب، فإن الحامل لها على ذلك كون عائشةَ ضَرَّةَ أُختِها، فالاستثناءُ متَّصلٌ، ولم تقصد أمُّ رُومان بقولها: «ولها ضرائر إلَّا أكثرن (٣) عليها» قِصَّة عائشةَ بنفسها، وإنَّما ذكرت شأن الضرائر، وأمَّا ضرائرُ عائشةَ وإن لم يصدرْ منهُنَّ شيءٌ؛ فلم يعدم ذلك ممَّن هو من أتباعهنَّ كحمنةَ (قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ!) تعجَّبَتْ مِن وقوع مثل (٤) ذلك في حقِّها مع تحقُّقِها براءَتَها (وَلَقَدْ) ولأبي ذرٍّ: «أولقد (٥)» (تَحَدَّثَ

стр. 8790

النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ) بالقاف والهمزة (١)، أي: لا ينقطعُ (لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي) لأنَّ الهموم موجِبةٌ للسهر وسيلان الدموع (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيَُ) بالرفع، أي: طال لُبثُه، أو بالنصب، أي: استبطأَ النبيُّ ﷺ الوحيَ (يَسْتَأْمِرُهُمَا) أي: يستشيرهما (فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) تعني: نفسَها (قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ) ممَّا ذُكِر (وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ (٢) فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) أَمْسِكْ (أَهْلَكَ) بالنصب، ولأبي ذرٍّ: «أهلُك» بالرفع، أي: هم أهلُكَ (وَمَا (٣)) ولأبي ذرٍّ: «ولا (٤)» (نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) بلفظ التذكير على إرادة الجنس، و «فعيل» يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث إفرادًا وجمعًا، و (٥) قال ذلك لِمَا رأى منه ﵊ من شِدَّة القلق، فرأى أنَّ بفراقِها (٦) يسكن ما عنده بسببها، فإذا تحقَّق براءَتَها فيراجعها (٧) (وَإِنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ) بريرةَ (تَصْدُقْكَ) الخبرَ، بالجزم على الجزاء (٨) (قَالَتْ) عائشة: (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ) واستُشكل قولُه: «الجارية بريرة» بأنَّ قِصَّةَ الإفك قبلَ شِراءِ بَريرةَ وعتقِها؛ لأنَّه كان بعدَ فتح مكَّة، وهو قبلَه؛ لأنَّ حديث الإفك كان في سنة ستٍّ أو أربع، وعتقُ بريرةَ كان بعد فتح مكَّة في السنة التاسعة أو العاشرة؛ لأنَّ بَريرةَ لمَّا خُيِّرت واختارت نفسَها، كان زوجُها مُغيثٌ يتبعُها في سِكَكِ المدينة يبكي عليها، فقال رسول الله ﷺ للعبَّاس: «يا عبَّاس؛ ألا تَعْجَبُ مِن حُبِّ مُغيثٍ بَريرةَ؟»، والعبَّاسُ إنَّما سكن المدينة بعد رجوعِهِم من الطائف في أواخر سنة ثمان، وفي ذلك ردٌّ على ابن القيِّم حيث قال: تسميتُها بَريرة وهمٌ مِن بعض الرُّواة؛ فإنَّ عائشة إنَّما اشترت
следующие страницы →