← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

(يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ) وفي مرسل مقاتل بن حيان بالحاء المهملة (١) والتَّحتيَّة عند الحاكم في «الإكليل»: أنَّه ركب معها مردفًا لها، وما في «الصحيح» هو الصحيح (حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا) حالَ كونِهِم (مُوغِرِينَ) بضمِّ الميم وكسر الغين المعجمة والراء المهملة، أي: نازلين في وقت الوَغْرة -بفتح الواو وسكون الغين المعجمة- شِدَّةَ الحرِّ، وقت كون الشمس في كَبِدِ السماء (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) بالحاء المهملة، و «الظهيرة»: بفتح المعجمة وكسر الهاء حيث تبلغ الشمسُ منتهاها من الارتفاع، كأنَّها وصلت إلى النَّحْر؛ وهو أعلى الصدر، وهو تأكيدٌ لقوله: «موغرين» (فَهَلَكَ) أي: بسبب الإفك (مَنْ هَلَكَ) أي: في شأني، وفي رواية أبي أويس عند الطبرانيِّ (٢): فهنالك قال فيَّ وفيه أهلُ الإفك ما قالوا (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ) رأسَ المنافقين (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنَ سَلُولَ) بنصب (٣) «ابن» صفة لـ «عبد الله»، و «سَلولَ» بفتح السِّين، غيرُ منصرفٍ للعلميَّة والتأنيث (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ) أي: مرضتُ (حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ) بضمِّ أوَّله (فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ) أي: يُشيعونه (لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) وفي رواية ابن إسحاق: وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبويّ، ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك (وَهْوَ يَرِيبُنِي) بفتح أوَّله، مِن الثُّلاثيِّ، وبضمِّه مِن الرُّباعيِّ، يقال: رابه وأرابه، أي: يُشَكِّكُنِي ويُوهِمُني (فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ

стр. 8787

رَسُولِ اللهِ ﷺ اللَّطَفَ) بفتح اللَّام والطاء المهملة والفاء، ولأبي ذرٍّ: «اللُّطْفَ» بضمِّ اللام وسكون الطاء، أي: الرِّفْقَ (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي) أمرض (إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (١) (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ)؟ بكسر الفوقيَّة، وهي (٢) للمؤنث، مثل: ذاكم للمُذَكَّر، ولابن إسحاق: فكان إذا دخل قال لأمي وهي «تُمَرِّضُني: كيف تِيكم؟» وفهمتْ أمُّ المؤمنين ِمن ذلك بعضَ الجفاء منه ﷺ ، ولكنَّها لم تكُن تدري السبب (ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي) بفتح أوَّله وكسر ثانيه (وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ) الذي تقوَّلَه (٣) أهل الإفك، وسقط لفظ «الشَّرِّ» لغير أبي ذرٍّ (حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَِهْتُ) بفتح النون والقاف، ويجوز كسرها، أي: أَفَقْتُ مِن مرضي، ولم تكمل لي الصِّحَّة (فَخَرَجَتْ مَعِي (٤) أُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملات، واسمها سلمى (قِبَلَ المَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: جهة المناصع؛ بفتح الميم والنون وبعد الألف صاد وعين مهملتان، موضعٌ خارج المدينة (وَهْوَ مُتَبَرَّزُنَا) بفتح الرَّاء المشدَّدة، أي: موضعُ قضاء حاجتِنا (وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ) بضمِّ الكاف والنون: مواضع (٥) قضاء الحاجة (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الواو؛ نعتٌ لـ «العرب» (فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغَائِطِ) وفي رواية فُليح [خ¦٢٦٦١] «في البَرِّية» أي: خارج المدينة بعيدًا عن المنازل (فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ) برائحتِها (أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم (وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ) أَنِيس (بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) بضمِّ الراء وسكون الهاء (٦)، وفي رواية صالح عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤١٤١] «وهي ابنةُ أبي رُهْم بنِ المطلب (٧) بن

стр. 8788

عبد مناف» قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب (وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) واسمُها رائطة فيما ذكره أبو نُعيم (وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) بضمِّ الهمزة ومثلَّثتين بينهما ألفٌ مِن غير تشديد، ابنِ عباد بن المطلب (فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ (١)) أي: جهة (بَيْتِي، قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «وقد» (فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ) بالفاء والعين والراء المفتوحات (أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا) بكسر الميم: كِسائها، وهو مِن صوفٍ أو خَزٍّ أو كَتَّان، أو إزار (فَقَالَتْ: تَعَِسَ مِسْطَحٌ) بفتح العين، قيَّده الجوهريُّ، وكلام ابن الأثير يقتضي أنَّ الأعرف كسرها، أي: أكبه (٢) الله لوجهه، أو هلك، قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَمَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاه) بفتح الهاء الأولى وسكون الأخيرة، أي: يا هذه (أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ) أي: عائشة: (قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ قَالَتْ) أي: عائشة: (فَأَخْبَرَتْنِي) أمُّ مِسْطَحٍ (بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، قَاَلتْ: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي) وسقط لغير أبي ذرٍّ (٣) لفظ «قالت» من قوله: «قالت (٤) فأخبرتني»، ومِن قوله: «قالت (٥): فلمَّا رجعت إلى (٦) بيتي»؛ أي (٧): واستقرَّيت فيه (وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعْنِي) أي: عائشة (سَلَّمَ) وسقط «تعني: سلَّم» لأبي ذرٍّ (ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ) له ﵊: (أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟

стр. 8789

قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا) مِن جهتِهِما (قَالَتْ (١): فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي) أمِّ رُومان: (يَا أُمَّتَاهْ (٢)) بسكون الهاء (مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟) أي: به، «يَتحدث» بفتح أوَّله (قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً) بالنصب على الحال، ولأبي ذرٍّ: «وضيئةٌ» بالرفع صفة «امرأةٌ»، واللَّام في «لقلَّ» للتأكيد، أي: حسنة جميلة (عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ) وسقطت الواو لأبي ذرٍّ (إِلَّا كَثَّرْنَ) بتشديد المثلَّثة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا أكثرن» نساء الزمان (عَلَيْهَا) القول في نقصها، فالاستثناءُ منقطع، أو إشارةٌ إلى ما وقع من حمنة بنت جحش أخت أمِّ المؤمنين زينب، فإن الحامل لها على ذلك كون عائشةَ ضَرَّةَ أُختِها، فالاستثناءُ متَّصلٌ، ولم تقصد أمُّ رُومان بقولها: «ولها ضرائر إلَّا أكثرن (٣) عليها» قِصَّة عائشةَ بنفسها، وإنَّما ذكرت شأن الضرائر، وأمَّا ضرائرُ عائشةَ وإن لم يصدرْ منهُنَّ شيءٌ؛ فلم يعدم ذلك ممَّن هو من أتباعهنَّ كحمنةَ (قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ!) تعجَّبَتْ مِن وقوع مثل (٤) ذلك في حقِّها مع تحقُّقِها براءَتَها (وَلَقَدْ) ولأبي ذرٍّ: «أولقد (٥)» (تَحَدَّثَ

стр. 8790

النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ) بالقاف والهمزة (١)، أي: لا ينقطعُ (لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي) لأنَّ الهموم موجِبةٌ للسهر وسيلان الدموع (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيَُ) بالرفع، أي: طال لُبثُه، أو بالنصب، أي: استبطأَ النبيُّ ﷺ الوحيَ (يَسْتَأْمِرُهُمَا) أي: يستشيرهما (فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) تعني: نفسَها (قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ) ممَّا ذُكِر (وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ (٢) فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) أَمْسِكْ (أَهْلَكَ) بالنصب، ولأبي ذرٍّ: «أهلُك» بالرفع، أي: هم أهلُكَ (وَمَا (٣)) ولأبي ذرٍّ: «ولا (٤)» (نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) بلفظ التذكير على إرادة الجنس، و «فعيل» يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث إفرادًا وجمعًا، و (٥) قال ذلك لِمَا رأى منه ﵊ من شِدَّة القلق، فرأى أنَّ بفراقِها (٦) يسكن ما عنده بسببها، فإذا تحقَّق براءَتَها فيراجعها (٧) (وَإِنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ) بريرةَ (تَصْدُقْكَ) الخبرَ، بالجزم على الجزاء (٨) (قَالَتْ) عائشة: (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ) واستُشكل قولُه: «الجارية بريرة» بأنَّ قِصَّةَ الإفك قبلَ شِراءِ بَريرةَ وعتقِها؛ لأنَّه كان بعدَ فتح مكَّة، وهو قبلَه؛ لأنَّ حديث الإفك كان في سنة ستٍّ أو أربع، وعتقُ بريرةَ كان بعد فتح مكَّة في السنة التاسعة أو العاشرة؛ لأنَّ بَريرةَ لمَّا خُيِّرت واختارت نفسَها، كان زوجُها مُغيثٌ يتبعُها في سِكَكِ المدينة يبكي عليها، فقال رسول الله ﷺ للعبَّاس: «يا عبَّاس؛ ألا تَعْجَبُ مِن حُبِّ مُغيثٍ بَريرةَ؟»، والعبَّاسُ إنَّما سكن المدينة بعد رجوعِهِم من الطائف في أواخر سنة ثمان، وفي ذلك ردٌّ على ابن القيِّم حيث قال: تسميتُها بَريرة وهمٌ مِن بعض الرُّواة؛ فإنَّ عائشة إنَّما اشترت

стр. 8791

بَريرةَ بعد الفتح، ولمَّا كاتبتْها عقيب شرائِها وعَتَقَتْ؛ خُيِّرتْ فاختارتْ نفسَها، فظنَّ الراوي أنَّ قول عليٍّ: «وإن تسأل (١) الجارية تصدقك» أنَّها بريرة، فغَلِط، قال (٢): وهذا نوعٌ غامضٌ لا يتنبَّه له إلَّا الحُذَّاق. انتهى. وتبعه الزركشيُّ فقال: إنَّ تسميةَ الجارية بَريرةَ مُدْرجٌ (٣) مِن بعض الرواة، وإنَّها جارية أُخرى، وأجاب الشيخ تقيُّ الدين السُّبكيُّ بأجوبةٍ، أحسنُها: احتمال (٤) أنَّها كانت تخدم عائشة قبلَ شِرائها، وهذا أَولى مِن دعوى الإدراج وتغليط الحُفَّاظ. (فَقَالَ) ﵊: (أَيْ بَرِيرَةُ؛ هَلْ رَأَيْتِ عَلَيْهَا مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟) بفتح أوله، مِن جنس ما قال أهلُ الإفك (قَالَتْ بَرِيرَةُ) مجيبةً له على العموم نافيةً عنها كلَّ نقصٍ: (لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ) بكسر الهمزة، أي: ما رأيت (عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الميم وصاد مهملة، صفةٌ لـ «أمرًا» أي: أعيبه (عَلَيْهَا) في جميع أحوالها (أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا) لصِغَرِ سنِّها ورطوبة بدنها (فَتَأْتِي الدَّاجِنُ) بدال مهملة وبعد الألف جيم مكسورة فنون: الشاةُ التي (٥) تُقتَنَى في البيت وتُعْلَف، وقد يُطلق على غيرها ممَّا يألَفُ البيوت مِنَ الطير (٦) وغيره (فَتَأْكُلُهُ) قال ابن المُنَيِّر في الحاشية: هذا من الاستثناء البديع الذي يُراد به المبالغة في نفي العيب؛ كقوله: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم … بِهِنَّ فُلُولٌ من قِراعِ الكَتائِبِ فغفلتُها عن عجينها أبعدُ لها من مثل الذي رُميتْ به، وأقربُ إلى أن تكون به من المحصنات الغافلات المؤمنات، وتعقَّبه البدر الدمامينيُّ فقال: ليس في الحديث صورة استثناء بـ «سوى» ولا غيرها من أدواته، وإنَّما فيه: «إن رأيت منها (٧) أمرًا أغمصه عليها أكثر مِن أنَّها جارية … » إلى آخره،

стр. 8792

لكن معنى هذا قريب من معنى الاستثناء. انتهى. نعم، قولُها في رواية هشام بن عروة -فيما يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في هذه السورة [خ¦٤٧٥٧]-: ما علمتُ منها (١) إلَّا ما يعلَم الصائغ على تبر (٢) الذهب الأحمر، استثناءٌ صريحٌ في نفي العيب عنها، وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة عند الطبرانيِّ: فقالت الجارية الحبشيَّة: والله؛ لَعائشةُ أطيب مِنَ الذهب، ولَئن كانت صنعتْ ما قال الناس ليخبرنَّك الله، قال: فعَجِبَ الناسُ مِن فِقْهِها (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ) بالذال المعجمة (يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ) بسكون العين (مَنْ يَعْذِرُنِي) بفتح أوَّله وكسر المعجمة، أي: مَن يُقيم عُذري إنْ كافأتُه على قُبح (٣) فعلِه، أو مَنْ ينصرُني (مِنْ رَجُلٍ) يريدُ: ابنَ أُبيٍّ (قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ؛ مَا عَلِمْتُ عَلَى) ولأبي ذرٍّ: «في» (أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا) صفوان بن المعطَّل (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ) واستُشكل ذِكْرُ سعدِ بن معاذٍ هنا: بأنَّ حديث الإفك كان سنة ستٍّ في غزوة المريسيع، وسعدٌ مات من الرمية التي رميها (٤) بالخندق سنة أربع، وأجيب بأنَّه اختُلف في المريسيع، ففي «البخاري» [خ¦٦٤/ ٢٩ - ٦٠٣٨] عن موسى بن عُقبة أنَّها سنة أربع، وكذلك الخندق، وقد جزم ابنُ إسحاق بأنَّ المريسيعَ كانت في شعبان، والخندقَ في شوالٍ، فإن (٥) كانا في سنةٍ، فلا يمتنع أن يشهدَها ابن معاذ، لكن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة: أنَّ المريسيع سنة خمس، فالذي في «البخاري» حملوه على أنَّه سبقُ قلمٍ، والراجحُ أيضًا: أنَّ الخندق أيضًا (٦) سنة خمس،

стр. 8793

فيصحُّ الجواب (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ) بفتح الهمزة وكسر (١) المعجمة (إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ) قبيلتِنا (ضَرَبْتُ عُنُقَهُ) لأنَّ حكمَه فيهم نافذٌ إذ كان سيِّدَهم، ولأنَّ مَن آذاه ﵊ وجبَ قتلُه (وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ) عائشة: (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ) بعد فراغ ابن معاذ مِن مقالته (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) كامل الصلاح، لم يسبق منه ما يتعلَّق بالوقوف مع أنفة الحَميَّة (وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ) من مقالةِ ابنِ معاذٍ (الحَمِيَّةُ) أي: أغضبتْه، وفي رواية مَعْمَر عند مسلمٍ: «اجتهلته» بجيم ففوقيَّة فهاء، وصوبها التوربشتيُّ أي: حملته على الجهل (فَقَالَ لِسَعْدٍ) هو ابنُ معاذ: (كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ) بفتح العين، أي: وبقاء الله (لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ) لأنَّا نمنعُك منه، ولم يُرِدِ ابنُ عُبادةَ الرِّضا بقولِ ابن أُبيٍّ، لكن كان بين الحيَّينِ مشاحنةٌ زالتْ بالإسلام، وبقيَ بعضُها بحكمِ الأنفة، فتكلَّم ابنُ عبادةَ بحكمِ الأنفة، ونفى (٢) أنْ يحكُمَ فيه ابن معاذ (فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بضمِّ الهمزة وفتح السين المهملة، و «حُضَير»: بضمِّ المهملة وفتح المعجمة مُصغَّرين، ولأبي ذرٍّ: «ابن الحُضَير» (وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة (٣): «ابن معاذ» أي (٤): مِن رهْطِه (فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) بالنون، ولو كان من الخزرج، إذا أمرنا رسول الله ﷺ (فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ) تفسيرٌ لقوله: فإنَّك منافق، فليس المراد نفاق الكفر (فَتَثَاوَرَ) بفوقيَّة فمثلَّثة (الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ) أي: نهض بعضُهم إلى بعضٍ مِنَ الغضب (حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا) بالفوقيَّة والواو، ولأبي ذرٍّ: «سكت» بحذف الواو، أي: سكت القوم (٥) (وَسَكَتَ) ﵊ (قَالَتْ)

стр. 8794

عائشة: (فَمَكُثْتُ) بالميم وضم الكاف من المُكْثِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فبكيت» من البكاء (١) (يَوْمِي ذَلِكَ، لَا يَرْقَأُ) بالهمزة، أي: لا ينقطع (لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ) أبو بكر وأم رُومان (عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا) الليلة التي أخبرتْها فيها أمُّ مسطحٍ بالخبر، واليوم الذي خطب فيه ﵊ الناس (٢)، والليلة التي تليه (لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، يَظُنَّانِ) أبي وأمِّي (أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ) عائشةُ: (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فبينا» (هُمَا جَالِسَانِ) ولأبي ذرٍّ: «جالسين» (عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّة (فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ (فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي) تحزّنًا عليَّ (قَالَتْ) عائشةُ: (فَبَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) وللكُشميهَنيِّ: «نحن كذلك» (دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ (٣) مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي) أي: بشيءٍ (قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا) كنايةً عما رماها به أهلُ الإفك (فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً) من ذلك (فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) بوحي يُنزِلُه (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ) أي: وقع منك مخالفًا لعادتِك (فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ) منه (فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ) منه (تَابَ اللهُ عَلَيْهِ) وسقط لفظ الجلالة لأبي ذرٍّ (قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ؛ قَلَصَ) بالقاف واللَّام (٤) والصاد المهملة المفتوحات: انقطع (دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ) أجد (مِنْهُ قَطْرَةً) لأنَّ الحزن والغضب إذا أخذا حدَّهما فُقِدَ الدمعُ لفرط حرارة المصيبة (فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ) عني (رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي أويس (٥) فقال: لا أفعل، هو رسول الله ﷺ ، والوحي يأتيه (٦) (فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ،

стр. 8795

قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قلت» (وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ) هذا توطئةٌ لعُذرِها في عدم استحضارِها اسمَ يعقوب ﵇: (إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ) قيل: مرادُها مَن صدَّق به من أصحاب الإفك، وضمَّت إليهم مَن لم يكذِّبهم تغليبًا (فَلَئِنْ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ -وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَا تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذرٍّ: «لا تصدقونني» (بِذَلِكَ) أي: لا تقطعون بصِدْقي (وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ (١) بِأَمْرٍ -وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ- لَتُصَدِّقُنِّي) بضمِّ القاف وتشديد النون، والأصل: تصدقونني (٢)، فأُدغمت النون في الأخرى (وَاللهِ؛ مَا أَجِدُ لَكُمْ) وفي رواية فُليح في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١] لي ولكم (مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ) وفي رواية أبي أويس: «نسيتُ اسمَ يعقوب لما بي مِنَ البكاء واحتراق الجوف» إذ (قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللهَ يُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي) «يبرِّئني»: فعلٌ مضارع في الفرع وغيره، والذي في «اليونينية» مصحَّح عليه: «مُبَرِّئِي» بميم مضمومة فموحَّدة مفتوحة فراء مشدَّدة فهمزة مكسورتين فتحتيَّة، وكذا هو في «الفتح»، وعند السفاقسي: «مُبَرِّئُنِي» بنون بعد (٣) الهمزة المضمومة، واستشكله بأنَّ نون الوقاية إنَّما تدخل في الأفعال لتسلمَ مِن الكسر، والأسماء تكسر فلا يُحتاج إليها، قال الحافظ ابن حجر: والذي وقفنا عليه «مبرئي» بغير نون، وعلى تقدير وجود ما ذَكَرَ السفاقسيُّ؛ فقد سُمِع مثل (٤) ذلك في بعض اللغات في اسم الفعل. انتهى. نحو: دراكني وتراكني وعليكني؛ بمعنى: أدركني واتركني والزمني، وفي الحرف نحو: إنني (وَلَكِنْ) بتخفيف النون (وَاللهِ؛ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ) بتخفيف النون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ولكنني»، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكني» بالإدغام (كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللهِ؛ مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي:

стр. 8796

ما فارق مجلسَه (وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ) الذين كانوا حاضرين حينئذٍ (حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ) الوحيُ (فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ) مِن العرقِ مِن شدَّة الوحيِ (حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ) بكسر الميم وسكون المثلَّثة مرفوعًا، و «الجمان» بضمِّ الجيم وتخفيف الميم: الدُّر، قال: كَجُمانةِ البَحْرِيِّ جاء بها … غوَّاصُها مِن لُجَّةِ البحرِ وقال الداوديُّ: هو شيءٌ كاللؤلؤ يُصنَع مِنَ الفِضَّة، والأوَّل هو المعروف (وَهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ) بضمِّ الياء وسكون النون وفتح الزاي، و «ثقَل»: بكسر المثلَّثة وفتح القاف (قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وكسر الراء مشدَّدة: كُشِفَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ سُرِّيَ عَنْهُ وَهْوَ يَضْحَكُ) سرورًا، والجملةُ حاليَّةٌ (فَكَانَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فكان» (أَوَّلُ) لم يضبط اللَّام من «أوَّل» في الفرع ولا في أصله (١) (كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللهُ بتشديد ميم «أمَّا» (فَقَدْ بَرَّأَكِ) بالقرآن ممَّا قاله أهل الإفك فيك (فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «قالت» (أُمِّي) أمُّ رُومان: (قُومِي إِلَيْهِ) ﷺ ؛ لأجل ما بشَّرك به (قَالَتْ) عائشةُ: (فَقُلْتُ: وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «لا والله» (لَا أَقُومُ إِلَيْهِ) وَالَى اللهُ صلاتَه وسلامَه عليه (وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ الذي أنزل براءَتي (وَأَنْزَلَ اللهُ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فأنزل الله» : (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ﴾ … العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا) قال ابن حجر: آخر العشر: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. انتهى. وأقول: بل هي تسعة، ولعلَّه عدَّ قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١١] رأس آية، وليس كذلك، بل تشبه فاصلةً وليست بفاصلةٍ، كما نصَّ عليه غيرُ واحدٍ منَ العادِّين، وحينئذٍ فآخرُ العشر: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] وفي رواية عطاءٍ الخراسانيِّ عن الزُّهريِّ: فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾ … إلى قوله: ﴿أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] وقول ابن حجر: إنَّ عدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية، فلعل في قولها: العشر الآيات مجازًا بطريق (٢) إلغاء الكسر، بناه على عدِّ ﴿أَلِيمٌ﴾ كما مرَّ، فالصوابُ أنَّها اثنتا عشرة. انتهى. فتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فَرْط تواضُعِها واستصغارِها نفسَها (٣)، حيث قالت:

стр. 8797

«ولَشأني في نفسي كان أحقر من (١) أن يتكلم الله فيَّ بوحي … » إلى آخره فهذه صدّيقة الأمة، تعلم أنَّها بريئةٌ مظلومة، وأنَّ قاذفيها ظالمون لها مفترون (٢) عليها، وهذا كان احتقارها لنفسها، وتصغيرها لنفسها، فما ظنُّك بمَن صام يومًا أو يومين، أو شهرًا أو شهرين، أو (٣) قام ليلة أو ليلتين؛ فظهر عليه شيءٌ من الأحوال، فلُوحظ باستحقاق الكرامات والمكاشفات وإجابة الدعوات، وأنَّه ممَّن يُتبرَّك بلقائه، ويُغتنمُ صالحُ دعائِه، ويُتمسَّح بأثوابه (٤)، ويُقَبَّل ثرى أعتابه، فعَجِبَ مِن جهلهِ بنفسِه، وغَفَلَ عن جُرمِه، واغترَّ بإمهال الله عليه، فينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيمًا وهو عند الله حقير، وسقط «﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾» لأبي ذرٍّ. (فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ) تعالى (هَذَا فِي بَرَاءَتِي) وأقيم الحدُّ على من أُقيمَ عليه (قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ) كان ابنَ خالته (وَفَقْرِهِ) أي: لأجلهما: (وَاللهِ؛ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) لا يحلف (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾) في الدين؛ أبو بكرٍ (﴿وَالسَّعَةِ﴾) في المال (﴿أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) صفات لموصوفٍ واحدٍ؛ وهو (٥) مِسطح؛ لأنَّه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًّا (﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾) عنهم (٦) خوضَهم في أمر عائشة (﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾) خطابٌ لأبي بكرٍ (﴿أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾) على عفوكم وصفحكم وإحسانِكُم إلى مَن أساء إليكم (﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]) فتخلَّقوا بأخلاقه تعالى (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) لمَّا قرأ عليه النَّبيُّ ﷺ هذه الآية: (بَلَى، وَاللهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ) بالتخفيف (إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ) قبلُ (وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ) بصيغة المضارع، ولأبي ذرٍّ: «سأل» بصيغة الماضي (زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ) أمَّ المؤمنين ﵂ (عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ) على عائشة (أَوْ رَأَيْتِ) منها؟ (فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ:

стр. 8798

«وقالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي) بفتح الهمزة (سَمْعِي) من أن أقول: سمعتُ ولم أسمع (وَبَصَرِي) من أنْ أقول: أبصرت (١) ولم أُبصر (مَا عَلِمْتُ) عليها (إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ) عائشة: (وَهْيَ) أي: زينبُ (الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ الفوقيَّة وبالمهملة؛ من السموِّ؛ وهو العلوُّ والارتفاع، أي: تطلبُ مِنَ العلوِّ والارتفاع والحُظوة عند النبيِّ ﷺ ما أطلب، أو تعتقد أنَّ لها مثلَ الذي لي عندَه (فَعَصَمَهَا اللهُ) أي: حفِظَها الله (٢) (بِالوَرَعِ) أنْ تقولَ بقولِ أهل الإفك (وَطَفِقَتْ) بكسر الفاء: جَعَلَتْ أو شَرَعَتْ (أُخْتُهَا حَمْنَةُ) بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة نون مفتوحة فهاء تأنيث (تُحَارِبُ لَهَا) أي: لأختِها زينبَ، وتحكي مقالة أهل الإفك؛ لتخفضَ منزلَة عائشةَ، وتُعلي منزلةَ أختِها زينبَ (فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الإِفْكِ) فحُدَّتْ فيمَن حُدَّ، أو أَثِمَت مع مَن أَثِمَ. وهذا الحديث سبق في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١]. (٧) هذا (٣) (بابٌ) «بالتنوين في» (٤) (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾) «لولا» هذه لامتناع الشيء لوجود غيره، أي: لولا فضل الله عليكم أيُّها الخائضون في شأن عائشة (﴿وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا﴾) بأنواع النِّعم التي مِن جملتها قَبولُ توبتِكُم وإنابتِكُم إليه (﴿وَالْآخِرَةِ﴾) بالعفو والمغفرة (﴿لَمَسَّكُمْ﴾) عاجلًا (﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾) أي: خُضْتُم (﴿فِيهِ﴾) من قضية (٥) الإفك (﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]). قال ابن عبَّاس: المراد بالعذاب العظيم الذي لا انقطاع له؛ يعني: في الآخرة؛ لأنَّه ذكر عذاب الدنيا مِن قبلُ فقال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] وقد أصابه، فإنَّه جُلِدَ

стр. 8799

وحُدَّ، وسقط قوله: «﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾» لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾: «الآيةَ». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ من طريقه في قوله تعالى: ﴿إِذْ﴾ (﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥]) معناه: (يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ) وذلك أنَّ الرجل كان يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟ (١) فيحدِّثُه حديث (٢) الإفك، حتى شاع واشتهر ولم يبق بيتٌ ولا نادٍ إلَّا طار فيه، فسعَوا في إشاعته، وذلك من العظائم، وأصل ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: تتلقَّونَه، فحُذفت إحدى التاءين كـ ﴿تَنَزَّلُ﴾ [القدر: ٤] ونحوه. (﴿تُفِيضُونَ﴾) في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] معناه: (تَقُولُونَ) (٣) وهذا ذكره استطرادًا على عادته مناسبةً لقوله: ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ [النور: ١٤] إذ كلٌّ منهما من الإفاضة. ٤٧٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) هو أخوه (عَنْ حُصَيْنٍ) مُصغَّرًا، ابنِ عبدِ الرَّحمن أبي (٤) الهذيل السُّلَمِيِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلَمةَ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ أُمِّ رُومَانَ) بضمِّ الرَّاء، بنتِ عامرِ بنِ عويمرٍ (أُمِّ عَائِشَةَ) ﵄ (أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا رُمِيَتْ عَائِشَةُ) بما رُميت به مِنَ الإفك (خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا) وفي بعض النسخ بإسقاط لفظ: «عليها» كما في «المصابيح»، وقال السفاقسيُّ: صوابه: مغشيةً؛ يعني: بتاء التأنيث بدل الألف، وردَّه الزركشيُّ: بأنَّه على تقدير الحذف، أي: عليها، فلا معنى للتأنيث، قال في «المصابيح»: لكن يلزمُ على تقديره حذفُ النائب عن الفاعل، وهو ممتنعٌ عند البصريِّين، وإنَّما يُنسب القول به للكِسائيِّ من الكوفيِّين، وأمَّا على ما استصوبه السفاقسيُّ؛ فإنَّما (٥) يلزم حذفُ الجارِّ وجعلُ المجرور مفعولًا على سبيل الاتِّساع، وهو موجودٌ في كلامِهِم،

стр. 8800

ومطابقتُه لما تَرجم به من جهة (١) قصَّة الإفك في الجملة، واعترض الخطيب -وتَبِعَه جماعةٌ- على هذا الحديث: بأنَّ مسروقًا لم يسمع من أمِّ رُومان؛ لأنَّها تُوفِّيت في زمنه ﷺ ، وسِنُّ مسروقٍ إذ ذاك ستُّ سنين، فالظاهرُ أنَّه مرسلٌ، وأجاب في «المقدمة»: بأنَّ الواقع في «البخاري» هو الصواب؛ لأنَّ راوي وفاة أمِّ رُومان في سنة سِتٍّ عليُّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيفٌ، كما نبَّه عليه البخاريُّ في تاريخيه (٢) «الأوسط» و «الصغير»، وحديثُ مسروقٍ أصحُّ إسنادًا، وقد جزم إبراهيمُ الحَربيُّ الحافظ (٣) بأنَّ مسروقًا إنَّما سمع مِن أمِّ رُومان في خلافة عُمَرَ، وقال أبو نُعيم الأصبهانيُّ: عاشت أمُّ رُومان بعدَ النبيِّ ﷺ دهرًا. (٨) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِذْ﴾) ظرف لـ «مسكم» أو ﴿أَفَضْتُمْ﴾ (﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾) أي: الإفكَ (﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾) قال الكلبيُّ: وذلك أنَّ الرجل منهم يلقى الآخر فيقول: بلغني كذا وكذا، يتلَّقونه تلقِّيًا (﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم﴾) في شأن أمِّ المؤمنين (﴿مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾) فإن قلتَ: ما معنى قوله: ﴿بِأَفْوَاهِكُم﴾ والقولُ لا يكون إلَّا بالفم؟ أجيب بأنَّ الشيءَ المعلوم يكونُ علمه في القلب فيُترجِمُ عنه اللسان، والإفكُ ليس إلَّا قولًا يجري على ألسنتِكُم مِن غير أن يحصلَ في قلوبِكُم علمٌ به (٤) (﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾) [النور: ١٥] في الوزر، وسقط لأبي ذر «﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ … » إلى آخره وقال بعد ﴿عِلْمٌ﴾: «الآيةَ» وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٧٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفراء الرازيُّ الصغير قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (هِشَامٌ) ولأبي ذر: «هشام بن يوسف» (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرحمن: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (تَقْرَأُ) ولأبي ذر: «تقول»: ((إِذْ

стр. 8801

تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)) بكسر اللام وتخفيف القاف مضمومة، مِن وَلَقَ الرجلُ إذا كَذَبَ. (٨ م) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا﴾) ما ينبغي وما يصحُّ لنا (﴿أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾) [النور: ١٦] سقط قوله: «﴿سُبْحَانَكَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿بِهَذَا﴾: «الآية» وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ عين «عُمر» وكسر عين «سعِيد» وضمِّ حاء «حسين» مُصغَّرًا، القرشيِّ النوفليِّ المكِّيِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (قَالَ: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهَا) ولأبي ذرٍّ: «قبيل موتها» بضمِّ القاف مصغَّرًا (عَلَى عَائِشَةَ وَهْيَ مَغْلُوبَةٌ) من كرب الموت (قَالَتْ: أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ) لأنَّ الثناء يُورِثُ العُجْبَ (فَقِيلَ): هو (ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمِنْ وُجُوهِ المُسْلِمِينَ) والقائلُ لها ذلك هو ابنُ أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، والذي استأذن لابن عبَّاس عليها ذكوانُ مولاها، كما عند أحمَد في روايته (قَالَتِ: ائْذَنُوا لَهُ، فَقَالَ) ابنُ عبَّاسٍ لها (١) بعد أن أُذِنَ له في الدخول ودخل: (كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟) أي: كيف تجدين نفسَك؟ فالفاعلُ والمفعولُ ضميران لواحدٍ، وهو مِن خصائص أفعال القلوب (قَالَتْ) عائشةُ: أجدُني (بِخَيْرٍ إن اتَّقَيْتُ اللهَ) أي:

стр. 8802

إن كنت من أهل التقوى، وسقطت الجلالة من «اليونينية» و «آل ملك» (١) وغيرهما، وثبتت في الفرع (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «إن أُبْقِيتَ» بضمِّ الهمزة وسكون الموحَّدة وكسر القاف وسكون التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة؛ من البقاء (قَالَ) ابنُ عبَّاس: (فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللهُ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ) عن قصَّة الإفك (مِنَ السَّمَاءِ) وفي رواية ذَكوانَ المذكورة: «وأنزل الله براءَتك مِن فوق سبع سموات، جاء به الروح الأمين، فليس في الأرض مسجدٌ إلَّا وهو (٣) يُتلى فيه آناءَ الليل وأطرافَ النهار» (وَدَخَلَ) عليها (ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبدُ الله (خِلَافَهُ) بعد أن خرجَ ابنُ عبَّاس، فتخالفا في الدخول والخروج ذهابًا وإيابًا، وافق خروج (٤) ابن عبَّاس مجيءَ ابن الزبير (فَقَالَتْ) له عائشة: (دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا) أي: لم أكن شيئًا. وهذا على طريق أهل الورع في شِدَّة خوفهم على أنفسهم. وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِنُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بفتح الميم وكسر الجيم، الثقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنون (٥) عبدُ الله (عَنِ القَاسِمِ) بنِ محمَّد ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق: (أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ … نَحْوَهُ) أي: ذكر نحوَ الحديث المذكور (وَلَمْ يَذْكُرْ) فيه (نِسْيًا مَنْسِيًّا). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (٦): «ونزل عُذرُك من السماء». (٩) ((٧) ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين في «قوله: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ﴾» قال ابن عبَّاس:

стр. 8803

يُحَرِّمُ اللهُ عليكم، وقال مجاهد: يَنْهَاكُمُ الله (﴿أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾) كراهةَ أن تعودوا؛ مفعولٌ مِن أجله، أو في أن تعودوا على حذف «في» (﴿أَبَدًا﴾) ما دُمتُم أحياء مكلَّفين (الآيةَ [النور: ١٧]) وسقط قوله: «الآيةَ» لغير أبي ذرٍّ. ٤٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ) ولأبي ذر عن الكُشْميهَنيّ: «قال» (١): (جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الخزرجيُّ، شاعر رسول الله ﷺ (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا) فيه التفاتٌ مِنَ الخطاب إلى الغَيبة، قال مسروقٌ: (قُلْتُ) لعائشة: (أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا) وهو ممَّن تولَّى كِبْرَ الإفك؟ (قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (تَعْنِي: ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ) حسَّانُ: (حَصَانٌ رَزَانٌ) بفتح الحاء المهملة والزاي من الثاني وقبلها راء مهملة مخفَّفة (٢)، أي: عفيفة كاملة العقل (مَا تُزَنُّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الزاي وتشديد النون، أي: ما تُتَّهَمُ (بِرِيبَةٍ) براء مهملة فتحتيَّة ساكنة فموحَّدة (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) بفتح الغين المعجمة وسكون الرَّاء وفتح المثلَّثة: جائعة (مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ) العفيفات، أي: لا تغتابُهُنَّ؛ إذ لو كانت تغتاب لكانت آكلة، وهو استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] وهذا البيت من جملة قصيدةٍ لحسَّانَ (قَالَتْ) عائشةُ: (لَكِنْ أَنْتَ) أي: لست كذلك (٣)، إشارة (٤) إلى أنَّه اغتابها حين وقعت قِصَّة الإفك.

стр. 8804

(١٠) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (١) في قوله: (﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾) في الأمر والنهي (﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾) بأمر عائشة وصفوان (﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨]) في شرعه وقدرته. ٤٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين، محمَّدٌ قال: (أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَشَبَّبَ) بشين معجمة فموحَّدتين الأولى مشدَّدة، أي: أنشد تغزُّلًا (وَقَالَ: حَصَانٌ) عفيفةٌ تمتنعُ من الرجل (رَزَانٌ) صاحبةُ وقارٍ (مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ) ما تُتَّهَمُ بها (٢) (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) جائعة (مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ) لا تغتابُهُنَّ، ولأبي ذرٍّ: «من دماء» بدل: «من لحوم»، (قَالَتْ) عائشةُ تُخاطب حسَّانًا: (لَسْتَ كَذَاكَ) بل تغتاب الغوافل، قال مسروقٌ: (قُلْتُ) لها: (تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١])؟ وهذا مشكلٌ؛ إذ ظاهرُه: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ حسَّان، والمعتمد أنَّه عبد الله بن أبيٍّ، لكن في «مستخرج أبي نُعيم» وهو ممَّن تولَّى كِبْره، قال في «الفتح»: فهذه (٣) أخف إشكالًا (فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ العَمَى؟ وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: يدفَعُ هجوَ الكفَّارِ فيهجوهم (٤) ويذبُّ عنه، وفي «المغازي» [خ¦٤١٤١] قال عروة:

стр. 8805

كانت عائشة تكره أن يُسبَّ عندَها حسَّان، وتقول: إنَّه الذي يقول: فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي … لِعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ ورُوي أنَّه ﵊ قال: «إنَّ الله يؤيِّد حسَّان بروح القدس في شِعره». (١١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾) يريدون (﴿أَن تَشِيعَ﴾) أن تنتشر (﴿الْفَاحِشَةُ﴾) الزنى (﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾) الحدُّ (﴿وَالْآخِرَةِ﴾) النارُ، وظاهرُ الآية يتناول كلَّ مَن كان بهذه الصفة، وإنَّما نزلت في قذف عائشة، إلَّا أنَّ العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾) ما في الضمائر (﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾) وهذا نهايةٌ في الزَّجْر؛ لأنَّ مَن أحبَّ إشاعة الفاحشة، وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة؛ فهو يعلم أنَّ الله تعالى يعلم ذلك منه، ويعلم قدر الجزاء عليه (﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾) لعاجلكم بالعقوبة، فجواب «لولا» محذوف (﴿وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ﴾) بعباده (﴿رَحِيمٌ﴾ [النور: ١٩ - ٢٠]) بهم، فتاب على مَن تاب، وطهَّر مَن طهَّر منهم بالحدِّ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿الْفَاحِشَةُ﴾: «الآيةَ إلى قوله: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾». (تَشِيعَ) أي: (تَظْهَرُ) قاله مجاهدٌ، وسقط هذا لغير أبي ذرٍّ. (﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾» أي: يفتعل؛ مِن الأَليَّة وهي الحَلِف، أي: ولا يحلف (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا﴾) أي: على ألَّا يُؤْتوا (﴿أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) يعني: مِسطَحًا، و «لا»: تُحذف في اليمين كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: ألَّا تَبَرُّوا، وقال امرؤُ القيس:

стр. 8806

فقلتُ: يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا ........................ أي: لا أبرح. (﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾) عمَّن خاض في أمر عائشةَ (﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾) يُخاطبُ أبا بكرٍ (﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]) أي: فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فإذا غفرتَ يُغفَرُ لك، وإذا صفحتَ يُصفَح عنك (١)، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿ة وَالْمُهَاجِرينَ﴾ … » إلى آخر قوله: «﴿أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾» وقال بعدَ قوله: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: «إلى قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

стр. 8807

٤٧٥٧ - (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامةَ ممَّا وصله أحمدُ عنه بتمامه (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بنُ الزبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي) بضمِّ الذال المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: من أمري وحالي (الَّذِي ذُكِرَ) بضمِّ الذال (١) المعجمة أيضًا من الإفك (وَ) الحال أنِّي (مَا عَلِمْتُ بِهِ) وجوابُ «لمَّا» قولُه: (قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد التحتيَّة حالَ كونِه (خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ) يريد أهلَ الإفك (أَبَنُوا) بهمزة وموحَّدة مخفَّفة مفتوحتين فنون فواو، وقد تمدُّ الهمزة، وللأصيليِّ مما حكاه عياض: «أبَّنوا» بتشديد الموحَّدة، أي: اتَّهَمُوا (أَهْلِي) وذكروهُم بالسوءِ، قال ثابتٌ: التأبين ذِكرُ الشيء وتَتبُّعُه، قال الشاعر: فَرَفَّعَ أصحابي المطيَّ وأَبَّنوا .......................... أي: ذكروها، والتخفيف بمعناه، لكن قال النَّوويُّ: التخفيف أشهر، وقال القاضي عياض (٢): ورُوِي (٣): «أنَّبوا» بتقديم النون وتشديدها، كذا قيَّده عبدوس بن محمَّد، وكذا ذكره بعضُهم عن الأصيليِّ، قال القاضي: وهو في كتابي منقوط من فوق وتحت، وعليه بخطي علامة الأصيليِّ، ومعناه إن صح: لاموا ووبَّخوا، وعندي أنَّه تصحيفٌ لا وجه له ههنا (وَايْمُ اللهِ؛

стр. 8808

مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ، وَأَبَنُوهُمْ) بالتَّخفيف أي (١): اتَّهموهم (بِمَنْ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ) يريد صفوانَ (وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا أنا» بإسقاط الواو (وَلَا غِبْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا كنت» (فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) الأنصاريُّ الأوسيُّ، المتوفَّى بسبب السهم الذي أصابه فقطع منه الأكحل في غزوة الخندق سنة خمسٍ، كما عند ابن إسحاق، وكانت هذه القِصَّة في سنة خمس أيضًا، كما هو الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة (فَقَالَ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ نَضْرِبَ (٢) أَعْنَاقَهُمْ) بنون الجمع، والضميرُ لأهل الإفك، وسقط لأبي ذر لفظ «لي» (٣) (وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الخَزْرَجِ) هو سعدُ بنُ عُبادة (وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) الفُرَيعة -بضمِّ الفاء وفتح الراء وبالعين المهملة- بنتُ خالد بن خنيس (٤) بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج (مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ) لابن معاذ: (كَذَبْتَ) أي: لا تقدر على قتله (أَمَا) بالتخفيف (وَاللهِ؛ أَنْ لَوْ كَانُوا) أي: قائلو الإفك (مِنَ الأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ) «تُضْرَب» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، و «أعناقُهُم» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، وزاد في الرواية السابقة [خ¦٤٧٥٠] «فتثاور الحيان» (حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ) ولأبي ذرٍّ: «كاد يكون» (بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ شَرٌّ فِي المَسْجِدِ) وفي الرواية السابقة: «حتَّى همُّوا أن يقتتلوا»، قالت عائشةُ: (وَمَا عَلِمْتُ) بذلك (فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ، خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي) للتَّبرُّزِ جِهة المناصع (وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ) وهي ابنةُ أبي رُهْمٍ (فَعَثَرَتْ) أي: في مِرْطِها (وَقَالَتْ: تَعَِسَ) بكسر العين وتُفتح (مِسْطَحٌ) تعني (٥): ابنَها، قالت عائشة: (فَقُلْتُ) أي: لها: (أَيْ أُمِّ، تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟) بحذف همزة الاستفهام، وفي الرواية السابقة: «أتسبين رجلًا شهد بدرًا» (وَسَكَتَتْ) أي: أمُّ مِسْطَحٍ (ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ: تَعَِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت لها: أيْ أمِّ، تسبين ابنَك؟ فسكتتْ، ثم عثرتِ الثالثة» (فَقَالَتْ: تَعَِسَ مِسْطَحٌ، فَانْتَهَرْتُهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَسُبُّهُ (٦)

стр. 8809

إِلَّا فِيكِ) أي: إلَّا لأجلك (فَقُلْتُ: فِي أَيِّ شَأْنِي؟ قَالَتْ: فَبَقَرَتْ) بالفاء والموحَّدة والقاف والرَّاء المفتوحات، آخرُه فوقيَّةٌ (لِي الحَدِيثَ) قال ابنُ الأثير أي: فتحتْهُ وكشفتْهُ (فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذَا؟) وسقطت الواو لأبي ذرٍّ (قَالَتْ: نَعَمْ وَاللهِ) قالت عائشة: (فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا) أي: دَُهِشْتُ بحيث ما عرفتُ لأيِّ أمرٍ خرجتُ مِن البيت من شِدَّة ما عَرَاني مِنَ الهمِّ، وكانت قد قضتْ حاجتَها كما سبق (وَوُعِكْتُ) بضمِّ الواو الثانية وسكون الكاف، أي: صِرتُ محمومةً (١) (فَقُلْتُ) بالفاء، ولأبي ذر: «وقلت» (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) لما دخل عليَّ (٢): (أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي، فَأَرْسَلَ مَعِي الغُلَامَ) لم يُسَمَّ (فَدَخَلْتُ الدَّارَ) بسكون اللَّام (فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ) تعني (٣): أمَّها، قال الكِرمانيُّ: واسمها زينبُ (فِي السُّفْلِ) من البيت (وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ فَأَخْبَرْتُهَا) (٤) خبري (٥) (وَذَكَرْتُ لَهَا الحَدِيثَ) الذي قاله أهلُ الإفك في شأني (وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا) ولأبي ذرٍّ: «مثلَ الذي» (بَلَغَ مِنِّي، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أي: بُنية» (خَفِّضِي) بخاء معجمة مفتوحة وفاء مشدَّدة فضاد معجمة مكسورتين، وللحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ (٦): «خففي» بفاء ثانية بدل الضاد، وفي نسخة: «خِفِي» بكسر الخاء والفاء وإسقاط الثانية (٧)، ومعناهما (٨) متقارب (عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ وَاللهِ؛ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قطُّ حَسْنَاءُ) صفة امرأة، ولمسلمٍ من رواية ابن ماهان: «حَظِيَّة» (عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا حَسَدْنَهَا) بسكون الدال المهملة وفتح النون (وَقِيلَ فِيهَا) ما يُشينُها (وَإِذَا هُوَ) تعني (٩): الإفك (لَمْ

стр. 8810

يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قُلْتُ (١): وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاسْتَعْبَرْتُ) بسكون الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «فاستعبرت» بالفاء بدل الواو (وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهْوَ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ، فَنَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي: مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا) بضمِّ ذال ذُكِرَ وكسرِ كافِها (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يا بنية» (إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، فَرَجَعْتُ) بسكون العين (وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتِي، فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي (٢)) سبق في الرِّواية التي قبلها (٣) [خ¦٤٧٥٠] أنَّها بَريرةُ مع ما فيه (٤) من البحث، ولأبي ذرٍّ: «خادمي» بلفظ التذكير، وهو يُطلق على الذكر والأنثى، فقال: هل رأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ على (٥) عائشةَ؟ (فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ؛ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا أَوْ عَجِينَهَا) بالشَّكِّ مِن الراوي (وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وفي رواية أبي أويس عند الطبرانيِّ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعليٍّ: شأنك بالجارية، فسألها عنِّي وتوعَّدها، فلم تُخْبِره إلَّا بخيرٍ، ثمَّ ضربَها وسألها، فقالت: والله ما علمتُ على عائشةَ سوءًا (حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ) من قولهم: أسقط الرجل في القول (٦)؛ إذا أتى بكلام ساقط، والضمير في قوله: «به» للحديث، أو للرجل الذي اتَّهمُوها به، وقال ابن الجوزيِّ: صرَّحوا لها بالأمر، وقيل: جاؤوا في خطابها بسقط مِن القول بسبب ذلك الأمر، وضميرُ «لها» عائدٌ على الجارية، و «به» عائدٌ على ما تقدَّم مِن انتهارها وتهديدها، وإلى هذا التأويل كان يذهب أبو مروان بن سِراج، وقال ابن بطَّال: يَحتملُ أن يكون مِن قولهم: سقط إليَّ الخبر؛ إذا علمَه، فالمعنى: ذكروا لها الحديث وشرحوه (فَقَالَتْ) أي: الخادمةُ: (سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ (٧) مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ) بالغتْ في نفيِ العَيْب، كقوله:

стр. 8811

ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم .......................... البيتَ. (وَبَلَغَ الأَمْرُ) أي: أمر الإفك (إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ) صفوان، ولأبي ذرٍّ: «وبلغ الأمر ذلك لرجل» (الَّذِي قِيلَ لَهُ) أي: عنه من الإفك ما قيل، فاللَّام هنا بمعنى: عن، كهي في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أي: عن الذين آمنوا، كما (١) قاله ابن الحاجب، أو بمعنى: في؛ أي (٢): قيل فيه ما قيل، فهي كقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أي: في حياتي (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ؛ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ) بفتح الكاف والنون، أي: ثوبَها؛ يريد: ما جامعتُها في حرامٍ، أو كان حَصُورًا (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُتِلَ) صفوان (شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ) في غزوة أرمينيةَ سنةَ تسع عشرة في خلافة عمر، كما قاله ابنُ إسحاق (قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ صَلَّى العَصْرَ) في المسجد (ثُمَّ دَخَلَ) عليَّ (وَقَدِ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا) بالقاف والفاء، أي: كسبته (٣) (أَوْ ظَلَمْتِ) نفسك (فَتُوبِي إِلَى اللهِ) وفي رواية أبي أُويس: إنَّما أنتِ (٤) من بنات آدم، إن كنت أخطأت فتوبي (فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عنْ عِبَادِهِ، قَالَتْ: وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ (فَهْيَ جَالِسَةٌ بِالبَابِ، فَقُلْتُ) له ﵊: (أَلَا تَسْتَحِي) بكسر الحاء، ولأبي ذرٍّ: «ألا تستحْيِي» بسكونها وزيادة تحتيَّة (مِنْ هَذِهِ المَرْأَةِ) الأنصاريَّة (أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا) على حسَب فهمِها لا يَليقُ بجلالةِ حَرَمِك (فَوَعَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) قالت عائشة: (فَالتَفَتُّ إِلَى أَبِي فَقُلْتُ: أَجِبْهُ) ﵇ عني، ولأبي ذرٍّ: «فقلت له: أجبه» (قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ؟ فَالتَفَتُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ: أَجِيبِيهِ) عني ﵇ (٥) (فَقَالَتْ: أَقُولُ مَاذَا؟) قال ابنُ مالكٍ: فيه شاهدٌ على أنَّ «ما» الاستفهاميَّة إذا ركبت مع «ذا» لا يجبُ تصديرُها، فيعمل فيها ما قبلَها رفعًا

стр. 8812

ونصبًا (فَلَمَّا لَمْ يُجِيبَاهُ؛ تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَوَاللهِ؛ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ) أي: ما قيل (-وَاللهُ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ-) فيما أقولُ مِن براءَتي (مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ، لَقَدْ) ولأبي ذرٍّ: «ولقد» (تَكَلَّمْتُمْ بِهِ وَأُشْرِبَتْهُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، والضميرُ المنصوب يرجع إلى «الإفك» (قُلُوبُكُمْ) رفع بـ «أُشْرِبَتْ» (وَإِنْ قُلْتُ: إِنِّي فَعَلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قد فعلت» (-وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ-) ذلك (لَتَقُولُنَّ قَدْ بَاءَتْ) أقرَّت (بِهِ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا -وَالتَمَسْتُ) بسكون السين، أي: طلبتُ (اسْمَ يَعْقُوبَ) ﵇ (فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ- إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾) أجمل، وهو الذي لا شكوى فيه إلى الخَلْق (﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: في (١) احتمال ما تصفونه (وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ) الوحيُ (وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ وَهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ) مِنَ العرق (وَيَقُولُ: أَبْشِرِي) بقطع الهمزة (يَا عَائِشَةُ؛ فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ) وفي رواية فُليح: «يا عائشة؛ احمدي الله، فقد برَّأك» [خ¦٢٦٦١] (قَالَتْ: وَكُنْتُ أَشَدَّ) بالنصب خبرُ «كان» (مَا كُنْتُ غَضَبًا) أي: وكنتُ حينَ أَخبرَ ﷺ ببراءَتي أقوى ما كنتُ غضبًا مِن غضبي قبلَ ذلك، قاله العينيُّ (فَقَالَ لِي (٢) أَبَوَايَ: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «لا والله» (لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُهُ وَلَا أَحْمَدُكُمَا، وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ (٣)) أي: الإفك (فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ) وفي رواية الأسود عن عائشة: وأخذ رسول الله ﷺ بيدي، فانتزعتُ يدي منه، فنهرني أبو بكر، وإنَّما فعلتْ ذلك؛ لِمَا خامرها مِنَ الغضب مِن كونِهِم لم يبادِرُوا بتكذيبِ مَن قال فيها ذلك، مع تحقُّقِهِم حُسْنَ سيرتِها وطهارتِها، وقال ابنُ الجوزيِّ: إنَّما قالتْ ذلك إدلالًا، كما يدل الحبيب على حبيبه، ويحتملُ أن تكونَ مع ذلك تمسَّكت بظاهر قوله ﵇ لها: «احمدي الله»، ففهمت منه (٤) أمرَها بإفراد الله بالحمد، فقالت ذلك، وأنَّ (٥)

стр. 8813

ما أضافتْه إليه مِنَ الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب، قاله في «الفتح» (وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ) أم المؤمنين (فَعَصَمَهَا اللهُ) أي: حفظها (بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ) أي: فيَّ (إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ؛ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ) أي: حُدَّت (١) فيمن حُدَّ؛ لخوضها في حديث الإفك؛ لِتَخْفِضَ منزلةَ عائشةَ وترفعَ منزلةَ أُختِها زينبَ (وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ) أي: في الإفك، ولأبي ذرٍّ: «به» (مِسْطَحٌ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَهْوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ) أي: يطلب إذاعتَه (٢) ليزيدَه ويريبَه (وَيَجْمَعُهُ، وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ، هُوَ وَحَمْنَةُ، قَالَتْ) عائشةُ: (فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا) ابن خالتِهِ (بِنَافِعَةٍ (٣) أَبَدًا) بعد الذي قال عن عائشة (فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَة؛ يَعْنِي: أَبَا بكرٍ ﴿وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يَعْنِي: مِسْطَحًا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] حَتَّى (٤) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، وَاللهِ يَا رَبَّنَا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ) لمِسْطَح (بِمَا (٥) كَانَ يَصْنَعُ) له قبلُ مِنَ النفقة، زاد في الباب السابق [خ¦٤٧٥٠] «وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا» وسقط لفظ «حتى» لأبي ذرٍّ. لطيفة: ذكر أنَّه كان للشيخ إسماعيل بن المقري اليمني -مؤلِّفِ «عنوان الشرف» وغيره- ولدٌ يُجري عليه نفقةً في كلِّ يومٍ، فقطعها لشيءٍ بلغه عنه، فكتب لأبيه (٦) رقعةً فيها (٧): لا تقطعن عادةَ بِرٍّ ولا … تجعلْ عقابَ المرءِ في رزقِهِ واعفُ عن الذنب فإنَّ الذي … نرجوهُ عفوَ اللهِ عن خلقِهِ وإنْ بدا من صاحبٍ زلةٌ … فاستُره بالإغضاءِ واستبقِهِ

стр. 8814

فإنّ قَدْرَ الذَّنبِ من مِسْطحٍ … يحطُّ قَدْرَ النَّجمِ في (١) أُفْقِهِ وقد بَدَا منه الذي قد بدا … وعُوتب الصِّدِّيقُ في حقِّهِ فكتبَ إليه أبوه: قدْ يُمْنَع المضطرُّ من ميتةٍ … إذا عَصَى بالسَّيرِ في طُرْقِهِ لأنّه يقوى على توبةٍ … تُوجبُ إيصالًا إلى رزقِهِ لو لم يَتُبْ مِسْطحُ مِن ذنبهِ … ما عُوتِبَ الصِّدِّيقُ في حَقِّهِ (٢) (١٢) (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]) يعني: يُلقين؛ فلذلك (٣) عدَّاه بـ ﴿عَلَى﴾ والخُمُر جمع: خِمار، وفي القِلَّة يُجمع على: أَخْمِرة، والجَيْبُ: ما في طَوقِ القميص يبدو منه بعض الجسد. ٤٧٥٨ - (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح المعجمة وكسر الموحَّدة الأولى بينهما تحتيَّة ساكنة، شيخُ المؤلِّف، ممَّا وصله ابن المنذر قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) شبيبُ بنُ سعيدٍ (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بنُ مسلمٍ الزُّهريُّ: (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو، أي: السَّابقات (لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]) وجواب «لمَّا» قولُه: (شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ) جمع «مِرْط» بكسر الميم، أي: أُزُرَهُنَّ (فَاخْتَمَرْنَ بِهِ) أي: بما شَقَّقْنَ، ولأبي الوقت: «بها» أي:

стр. 8815

بالأزر (١) المشقوقة، وكُنَّ (٢) في الجاهليَّة يُسْدِلْنَ خُمُرَهُنَّ (٣) مِن خلفِهِنَّ، فتنكشفُ نُحُورُهُنَّ وقلائِدُهُنَّ من جُيُوبِهِنَّ، فأُمِرْنَ (٤) أن يضربنهنَّ على الجُيُوبِ؛ ليستُرنَ أعناقَهُنَّ ونحورَهُنَّ، وصفةُ ذلك أنْ تضعَ الخِمار على رأسِها وترميهِ مِن الجانب الأيمنِ على العاتقِ الأيسرِ، وهو التقنُّع. ٤٧٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميُّ المكِّيُّ (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) واسم جدِّه يَنَّاق بفتح التحتيَّة وتشديد النون وبعدَ الألف قافٌ المكِّيِّ، وثبت: «ابن مسلم» لأبي ذرٍّ (٥) (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) بن عثمانَ القُرشيَّةِ المكِّيَّة (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ) وللنَّسائيِّ من رواية ابن المبارك عن إبراهيم بلفظ: أخذَ النساءُ، وللحاكم: أخذ نساءُ الأنصار أُزْرَهُنَّ (فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: مِن جِهةِ (الحَوَاشِي، فَاخْتَمَرْنَ بِهَا) واستُشكل ذِكْرُ نساءِ المهاجرات (٦) في الأُولى، ونساءِ الأنصار في رواية الحاكم وغيرِه، وأُجيب باحتمال أنَّ نساءَ الأنصار بادَرْنَ إلى ذلك عند نزول الآية، والله أعلم (٧).

стр. 8816

(((٢٥))) (سُورَةُ الفُرْقَانِ) مكِّيَّةٌ، وآيُها سبعٌ وسبعونَ آيةً، و «الفُرقان»: الفارقُ بين الحلال والحرام، الذي جمَّت (١) منافعُه، وعمَّت فوائدُه. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملةُ لأبي ذرٍّ. (قَالَ) ولأبي ذر: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابنُ جريرٍ في قوله: (﴿هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]) هو (مَا تَسْفِي بِهِ الرِّيحُ) وتَذْرِيهِ مِنَ التُّراب، و «الهباء» و «الهبوة»: التُّراب الدقيق، قاله ابن عَرفة، وقال الخليلُ والزَّجَّاج: هو مثلُ الغُبارِ الداخل في الكُوَّة، يتراءى مع ضوء الشمس، فلا يُمَسُّ بالأيدي ولا يُرى في الظِّلِّ، و ﴿مَّنثُورًا﴾ صفته (٢)، شُبِّه به عملُهم المحبط في حقارتِه وعدمِ نفعِه ثَمَّ بالمنثورِ منه في انتشارِه؛ بحيث لا يمكن نظمُه، فجِيءَ بهذه الصفة لتفيدَ (٣) ذلك، وقال الزَّمخشريُّ: أو مفعولٌ ثالثٌ لـ ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: جعلناه جامعًا لحقارة الهباء والتناثر؛ كقوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أي: جامعينَ للمسخ والخسء، وسقط للأَصيلي لفظ «به» من قوله: تَسفِي به الرِّيح. (﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] قال ابنُ عبَّاس فيما

стр. 8817

وصله ابنُ أبي حاتم عنه: هو (مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) قال في «الأنوار»: وهو أطيبُ الأحوال، فإنَّ الظلمة الخالصة تُنَفِّرُ الطبعَ وتسُدُّ النظرَ، وشعاعُ الشمس يُسَخِّنُ الجوَّ ويبهرُ البصر؛ ولذلك وصف به الجنَّة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]. انتهى. والظِّلُّ: عبارةٌ عن عدم الضوء ممَّا من شأنِه أن يُضيء، وجعله ممدودًا؛ لأنَّه ظِلٌّ لا شمس معه، واعترضه ابنُ عَطيَّة: بأنَّه لا خصوصيَّة لهذا الوقت بذلك، بل مِن قبل (١) غروب الشمس مدةٌ يسيرةٌ يبقى فيها ظلٌّ ممدودٌ مع أنَّه في نهار، وفي سائر أوقات النهار ظِلالٌ متقطِّعة، وأُجيب بأنَّه ذَكَرَ تفسير الخصوص من الآية؛ لأنَّ في بقيَّتها ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥] فتعيَّن الوقت الذي بعد طلوع الفجر، واعتَرض ابنُ عطيَّة أيضًا: بأنَّ الظِّلَّ إنَّما يُقال لِمَا يَقَعُ بالنهار، والظِّلُّ الموجود في هذا الوقت مِن بقايا الليل، وأُجيب بالحمل على المجاز، والرؤية هنا بصريَّة أو قلبيَّة، واختارَه الزَّجَّاج، والمعنى: أَلَمْ تَعْلَم، والخطابُ وإن كان ظاهره للرسول ﷺ هو عامٌّ في المعنى؛ لأنَّ الغرض بيانُ نِعَمِ الله بالظِّلِّ، وجميع المكلَّفين مشتركون في تنبيهِهِم لذلك. (﴿سَاكِنًا﴾) يريد قولَه: ﴿وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابنُ أبي حاتم أي: (دَائِمًا) أي: ثابتًا لا يزول ولا تُذهِبُه الشمس، قال أبو عُبيدة: الظِّلُّ: ما نسخَتْه (٢) الشَّمسُ، وهو بالغَداة، والفَيْءُ: ما نَسَخَ الشَّمسَ، وهو بعدَ الزوالِ، وسُمِّيَ فيئًا لأنَّه فاء (٣) من الجانب الغربي إلى الشرقي (٤). (﴿عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا أي: (طُلُوعُ الشَّمْسِ) دليلُ حصولِ الظِّلِّ، فلو لم تكنِ (٥) الشَّمس؛ لَمَا عُرِفَ (٦) الظِّلُّ، ولولا النور ما عُرِفَ

стр. 8818

الظُّلمةُ، والأشياءُ تُعرَفُ بأضدادِها (١). (﴿خِلْفَةً﴾) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتم: (مَنْ فَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ عَمَلٌ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ، أَوْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ) وجاء رجلٌ إلى عمرَ بنِ الخطَّاب فقال: فاتتني الصلاةُ الليلة، فقال: أدرك ما فاتَكَ من ليلتكَ في نهارِك؛ فإنَّ الله تعالى جعل الليلَ والنَّهارَ خِلْفَةً، أو يَخْلُفُ أحدُهما الآخرَ، يتعاقبانِ إذا ذهب هذا؛ جاء هذا، وإذا جاء هذا؛ ذهب ذاك، و ﴿خِلْفَةً﴾: مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿جَعَلَ﴾ أو حالٌ. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله سعيدُ بن منصورٍ في قوله تعالى: (﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ [الفرقان: ٧٤]) وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾» [الفرقان: ٧٤] أي: (فِي طَاعَةِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «من طاعة الله» (٢) (وَمَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ أَنْ يَرَى) وللأصيليِّ (٣): «لعين مؤمن»، وله ولأبي ذرٍّ: «من أن يرى» (حَبِيبَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ) قال في «الأنوار»: فإنَّ المؤمن إذا شارَكَه أهله في طاعة الله؛ سُرَّ بهم قلبُه، وقَرَّ بهم عينُه؛ لما يرى مِن مساعدتِهِم له في الدِّين، وتوقُّعِ لحوقِهِم به في الجنَّة، و ﴿مِنْ﴾: ابتدائيَّة أو بيانيَّة، كقولك: رأيت منك أسدًا. انتهى. والمراد قرة أعين لهم في الدين، لا في الدنيا من المال والجمال، قال الزَّجَّاج: يقال: أَقَرَّ اللهُ عينَك، أي: صادف فؤادُك ما تُحبُّه، وقال المفضل: بَرَّد دمعتَها، وهي التي تكون مع السرور، ودمعةُ الحُزْنِ حارَّةٌ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن المنذر مفسِّرًا: (﴿ثُبُورًا﴾) في قوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] أي: يقولون: (وَيْلًا) بواو مفتوحة فتحتيَّة ساكنة، وقال الضَّحَّاك: هلاكًا، فيقولون: واثبوراه تَعَالَ فهذا حينُكَ، فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] أي: هلاكُكُم أكثرُ مِن أنْ تدعوا مرَّةً واحدةً، فادعوا أدعيةً كثيرةً، فإنَّ عذابَكم أنواعٌ كثيرةٌ، كلُّ نوعٍ منها ثُبُورٌ لشِدَّته، أو لأنَّه يتجدَّد؛ لقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] أو لأنَّه لا ينقطع، فهو في كلِّ وقتٍ (٤) ثُبُورٌ.

стр. 8819

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ ابنِ عبَّاسٍ مفسِّرًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] (السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ) لفظًا، أو من حيث إنَّ «فعيلًا» يُطلق على المذكَّر والمؤنَّث (وَالتَّسَعُّرُ (١) وَالاِضْطِرَامُ) معناهما: (التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ) وعن الحسن: السعيرُ اسمٌ مِن أسماء جهنَّم. (﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾) في قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] أي: (تُقْرَأُ عَلَيْهِ (٢)، مِنْ أَمْلَيْتُ) بتحتيَّة ساكنة بعد اللَّام (وَأَمْلَلْتُ) «بلام» بدل: «التحتيَّة»، والمعنى: أنَّ هذا القرآن ليس مِنَ الله، إنَّما سطَّرَه الأوَّلون، فهي تقرأ عليه ليحفَظَها (٣). (الرَّسُّ) في قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] أي: (المَعْدِنُ، جَمْعُهُ) بسكون الميم، ولأبي ذرٍّ: «جميعه» بكسرها ثم تحتيَّة (رِسَاسٌ) بكسر الرَّاء، قاله أبو عُبيدة، وقيل: أصحابُ الرَّسِّ ثمودُ؛ لأنَّ الرَّسَّ البئر التي لم تُطْوَ، وثمود أصحاب آبارٍ (٤)، وقيل: الرَّسُّ: نهرٌ بالمشرق، وكانت قُرى أصحاب الرَّسِّ على شاطئِ النهر، فبعث اللهُ إليهم نبيًّا من أولاد يهوذابن يعقوب، فكذَّبوه، فلبِثَ فيهم زمانًا، فشكى إلى الله منهم، فحفروا بئرًا ورسُّوه (٥) فيها، وكانوا عامَّة يومهم يسمعون أنينَ نبيِّهم، وهو يقول: سيدي، ترى ضِيقَ مكاني، وشدَّة كَرْبِي، وضَعْفَ رُكنِي، وقِلَّة حِيلَتِي. فأرسل اللهُ عليهم رِيحًا عاصفةً شديدةَ الحَرِّ، وصارتِ الأرضُ مِن تحتهم حَجَرَ كِبريتٍ يتوقَّد (٦)، وأظلتْهُم سحابةٌ سوداءُ فذابتْ أبدانُهم كما يذوبُ الرَّصاص، وقيل غير ذلك.

стр. 8820

(مَا يَعْبَأُ) ولأبي ذرِّ: «﴿مَا يَعْبَأُ﴾ (١)» [الفرقان: ٧٧] قال أبو عُبيدة: (يُقَالُ: مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ) وللأَصيليِّ: «أي: لم تعتدّ به» فوجودُه وعدمُه سواءٌ، وقال الزَّجَّاج: معناه: لا وزن لكم عندي. (﴿غَرَامًا﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] قال أبو عُبيدة: (هَلَاكًا) وإلزامًا لهم، وعنِ الحسن: كلُّ غريم يُفارِقُ غريمَه إلَّا غريم جهنَّم. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما أخرجه وَرْقاء في «تفسيره»: (﴿وَعَتَوْا﴾ [الفرقان: ٢١]) أي: (طَغَوْا) وعتوُّهم: طلبُهُم رؤيةَ الله حتى يؤمنوا به. (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان في قوله تعالى بسورة الحاقَّة، مما ذكره المؤلِّفُ استطرادًا على عادتِهِ في مثلِه: (﴿عَاتِيَةٍ﴾) من قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] (عَتَتْ عَنِ (٢) الخُزَّانِ) الذين هم على الريح، فخرجت بلا كيل ولا وزن، وفي نسخة: «وقال ابن عبَّاس» بدل: «ابن عُيينة»، ووقع في هذه التفاسير تقديمٌ وتأخير في بعض النسخ. (١) (بَابُ قَوْلِهِ) : (﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾) أي: مقلوبين (٣) أو مسحوبين إليها، والموصولُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم الذين، أو نُصِبَ على الذَّمِّ، أو رُفِعَ بالابتداء (٤)، وخبره الجملة مِنْ قولِهِ: (﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾) منزلًا ومصيرًا مِن أهل الجنَّة (﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]) وأَخْطَأُ طريقًا، ووصفُ السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أُوْلَئِكَ﴾ … » إلى آخره، وقال بعدَ ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾: «الآية».

стр. 8821

٤٧٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ) أبو محمَّدٍ المؤدِّبُ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبد الرحمن النَّحْويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دِعامةَ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) استفهامٌ حُذِفتْ (١) منه الأداة، وللحاكم من وجه آخر عن أنس: كيف يُحشر أهلُ النار على وجوهِهِم؟ (قَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا) بالنصب، ولأبي ذرٍّ بالرفع (عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ) بضمِّ التحتيَّة وسكون الميم (عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) وظاهره: أن المراد مشيُه على وجهه حقيقةً، فلذلك استغربوه حتى سألوا عنه (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامَة بالإسناد المذكور: (بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنَا) إنَّه لقادرٌ على ذلك، قاله تصديقًا لقوله: «أليس»، وحكمةُ حشره على وجهه معاقبتُه على تركه (٢) السجود في الدنيا؛ إظهارًا لهوانه وخساسته بحيث صار وجهُهُ مكانَ يديه ورجليه في التوقِّي عن المؤذيات، وفي حديث أبي هريرة المروي عند أحمدَ: قالوا: يا رسول الله؛ وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادرٌ أن يُمشيَهُم على وجوهِهِم، أَمَا إنَّهم (٣) يتَّقون بوجوههم كلَّ حَدَبٍ وشوكٍ». وستكون لنا عودة إن شاء الله تعالى إلى بقية مباحث هذا الحديث في «كتاب الرقاق» [خ¦٦٥٢٣] بعون الله. (٢) (بَابُ قَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾) أي: لا يعبدون غيرَه (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾) يجوزُ أنْ تتعلَّقَ الباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ بنفس ﴿يَقْتُلُونَ﴾ أي: لا يقتلونها بسببٍ مِن الأسباب إلَّا بسبب الحقِّ، وأنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّها

стр. 8822

صفةٌ للمصدر، أي: قتلًا متلبسًا (١) بالحقِّ، أو على أنَّها حالٌ، أي: إلَّا متلبسين بالحقِّ، فإن قلت (٢): مَنْ حَلَّ قتلُه لا يدخُلُ في النفس المحرَّمة، فكيف يصحُّ هذا الاستثناء؟ أُجيب بأنَّ المقتضي لحُرمة القَتْل قائمٌ أبدًا، وجواز القتلِ إنَّما ثبت بمُعارضٍ، فقوله: ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾ إشارةٌ إلى المقتضي، وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إشارةٌ إلى المعارِض، والسببُ المبيحُ للقتلِ هو الرِّدَّة، والزنا بعدَ الإحصان، وقتلُ النفسِ المحرَّمة (﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى جميع ما تقدَّم؛ لأنَّه بمعنى ما ذُكر؛ فلذلك وحَّدَ (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] العُقُوبَةَ) قال: جزى اللهُ ابنَ عُروةَ حيثُ أَمْسَى … عُقوقًا والعُقوقُ له أثامُ أي: عقوبة (٣)، وقيل: هو الإثمُ نفسُه، أي: يَلْقَ جزاءَ إثمه (٤)، فأطلق الإثم على جزائه، أو الآثام اسمٌ مِن أسماء جهنَّم، أو وادٍ أو بئرٌ فيها، و ﴿يَلْقَ﴾: جُزِمَ بحذفِ الألف جزاءَ الشرط، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ … » إلى آخره (٥)، وقال بعد قوله: ﴿النَّفْسَ﴾: «الآية»، وسقط للأَصيليِّ «﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ … » إلى آخر قوله: «العقوبة» (٦). ٤٧٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهَدٍ قال (٧): (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ)

стр. 8823

الثوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمِرِ (وَسُلَيْمَانُ) هو الأعمشُ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلَمَة (عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة عمرِو بن شرحبيلَ الهمدانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) (١) يعني: ابنَ مسعودٍ (قَالَ) سفيانُ الثوريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (وَاصِلٌ) هو ابنُ حيَّان بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتيَّة وبعد الألف نون، الأسديُّ الكوفيُّ، مِن طبقة الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلَمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) فأسقط سفيان في هذه ما أثبتَه بين أبي وائلٍ وابنِ مسعودٍ في رواية منصورٍ والأعمش، وهو أبو ميسرةَ، وهو الصوابُ (قَالَ) أي: ابنُ مسعودٍ: (سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) شكَّ الراوي: (أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللهِ أَكْبَرُ؟) ولمسلمٍ: أعظمُ؟ (قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) بكسر النون؛ أي (٢): مِثْلًا (وَهْوَ خَلَقَكَ) فوجودُ الخَلْق يدُلُّ على الخالق، واستقامةُ الخَلْق تدُلُّ على توحيدِه؛ إذ لو كان إلهين؛ لم يكن على الاستقامة (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتشديد والتنوين، وفيه كلامٌ سبق في أوَّل «البقرة» [خ¦٤٤٧٧] وغيرِها (قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) بُخلًا مع الوِجدان، أو إيثارًا لنفسه عليه عند الفَقْد (٣)، ولا اعتبار بمفهومه، فلا يُقال: التقييدُ بخشية الإطعام مبيحٌ؛ لأنَّه خرج مَخرج الغالب؛ لأنَّهم كانوا يقتلونهم لأجل ذلك (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ) ولغير أبي ذرٍّ: «ثم أن تُزانيَ» (٤) (بِحَلِيلَةِ جَارِكَ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللَّام الأُولى، أي: زوجتِه؛ لأنَّها تحلُّ له، فهي «فعيلة» بمعنى فاعلة، أو من الحلول؛ لأنَّها تَحُلُّ معه ويَحُلُّ معها، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّه زِنا وإبطالٌ لما أوصى الله به من حفظ حقوق الجيران، وقال في «التنقيح»: تُزاني: تُفاعل، وهو يقتضي أن يكون من الجانبين، قال في «المصابيح»: لعلَّه نبَّه به على شِدَّة قُبح الزِّنا إذا

стр. 8824

كان منه لا منها بأن يغشاها نائمةً أو مكرَهةً، فإنَّه إذا كان زِناه بها مع المشاركة منها له (١) والطواعية كبيرًا؛ كان زِناه بدون ذلك أكبرَ وأقبحَ مِن باب أَولى (قَالَ) أي: ابنُ مسعود: (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]) وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾». وهذا الحديث سبق في «البقرة» [خ¦٤٤٧٧] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التوحيد» [خ¦٧٥٢٠] و «الأدب» [خ¦٦٠٠١] و «المحاربين» [خ¦٦٨١١] [خ¦٦٨٦١]. ٤٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرازيُّ الصغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصنعانيُّ أبو عبد الرحمن القاضي: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (القَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ) بفتح الموحَّدة وتشديد الزاي، واسمُ أبي بَزَّةَ نافع بن يسارٍ، تابعيٌّ صغيرٌ مكِّيٌّ، وهو والد جدِّ البَزِّي المقرئ راوي ابنِ كثيرٍ، وليس للقاسم في «الجامع» إلَّا هذا الحديث (أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟) زاد في رواية منصور عن سعيد في آخر هذا الباب [خ¦٤٧٦٤] «قال: لا توبةَ له» (فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «والذين لا (٢) يقتلون» (﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]) واعترض بعضُهم على رواية أبي ذرٍّ من جهة وقوع التلاوة على غير ما هي عليه، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّ المعنى: فقَرَأَتُ عليه آية الذين لا يقتلون النفس، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقامه، وحينئذ لمَ يلزمْ كونُه غيرَ التلاوة؛ لأنَّه لم يحكِها نصًّا، بل أشار إليها (فَقَالَ سَعِيدٌ) يعني: ابن جُبير للقاسم بن أبي بَزَّة: (قَرَأْتُهَا) يعني: الآيةَ (عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ، فَقَالَ هَذِهِ) الآية (مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْهَا) ولأبي ذرٍّ:

стр. 8825

«يعني: نسختها» (آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ) والذي في «اليونينية»: «مدينية» بتحتيَّتين بينهما نون مكسورة (١)؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] (الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ) إذ ليس فيها استثناءُ التائب، وقالوا: نزلت المغلظة (٢) بعد اللَّيِّنة بمدَّة يسيرة، وعند ابن مردويه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستَّة أشهرٍ، وقول ابن عبَّاس هذا محمولٌ على الزجر والتغليظ، وإلَّا فكلُّ ذنبٍ ممحوٌّ بالتوبة. ٤٧٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، أبو بكرٍ العبديُّ بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) النَّخَعيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم، الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الكُوفَةِ فِي قَتْلِ المُؤْمِنِ) أي: متعمِّدًا؛ هل تُقبل التوبة منه؟ (فَرَحَلْتُ فِيهِ) بالراء والحاء المهملتين (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ولأبي ذرٍّ عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «فدخلت» بالدال والخاء المعجمة، أي: بعد أن رحلت إلى ابن عبَّاسٍ، فسألتُه عن ذلك (فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ) أي: هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] (وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ). وهذا الحديث قد سبق في «سورة النساء» [خ¦٤٥٩٠]. ٤٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ)
следующие страницы →