← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

٤٧٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ) أبو محمَّدٍ المؤدِّبُ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبد الرحمن النَّحْويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دِعامةَ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) استفهامٌ حُذِفتْ (١) منه الأداة، وللحاكم من وجه آخر عن أنس: كيف يُحشر أهلُ النار على وجوهِهِم؟ (قَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا) بالنصب، ولأبي ذرٍّ بالرفع (عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ) بضمِّ التحتيَّة وسكون الميم (عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) وظاهره: أن المراد مشيُه على وجهه حقيقةً، فلذلك استغربوه حتى سألوا عنه (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامَة بالإسناد المذكور: (بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنَا) إنَّه لقادرٌ على ذلك، قاله تصديقًا لقوله: «أليس»، وحكمةُ حشره على وجهه معاقبتُه على تركه (٢) السجود في الدنيا؛ إظهارًا لهوانه وخساسته بحيث صار وجهُهُ مكانَ يديه ورجليه في التوقِّي عن المؤذيات، وفي حديث أبي هريرة المروي عند أحمدَ: قالوا: يا رسول الله؛ وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادرٌ أن يُمشيَهُم على وجوهِهِم، أَمَا إنَّهم (٣) يتَّقون بوجوههم كلَّ حَدَبٍ وشوكٍ». وستكون لنا عودة إن شاء الله تعالى إلى بقية مباحث هذا الحديث في «كتاب الرقاق» [خ¦٦٥٢٣] بعون الله. (٢) (بَابُ قَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾) أي: لا يعبدون غيرَه (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾) يجوزُ أنْ تتعلَّقَ الباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ بنفس ﴿يَقْتُلُونَ﴾ أي: لا يقتلونها بسببٍ مِن الأسباب إلَّا بسبب الحقِّ، وأنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّها

стр. 8822

صفةٌ للمصدر، أي: قتلًا متلبسًا (١) بالحقِّ، أو على أنَّها حالٌ، أي: إلَّا متلبسين بالحقِّ، فإن قلت (٢): مَنْ حَلَّ قتلُه لا يدخُلُ في النفس المحرَّمة، فكيف يصحُّ هذا الاستثناء؟ أُجيب بأنَّ المقتضي لحُرمة القَتْل قائمٌ أبدًا، وجواز القتلِ إنَّما ثبت بمُعارضٍ، فقوله: ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾ إشارةٌ إلى المقتضي، وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إشارةٌ إلى المعارِض، والسببُ المبيحُ للقتلِ هو الرِّدَّة، والزنا بعدَ الإحصان، وقتلُ النفسِ المحرَّمة (﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى جميع ما تقدَّم؛ لأنَّه بمعنى ما ذُكر؛ فلذلك وحَّدَ (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] العُقُوبَةَ) قال: جزى اللهُ ابنَ عُروةَ حيثُ أَمْسَى … عُقوقًا والعُقوقُ له أثامُ أي: عقوبة (٣)، وقيل: هو الإثمُ نفسُه، أي: يَلْقَ جزاءَ إثمه (٤)، فأطلق الإثم على جزائه، أو الآثام اسمٌ مِن أسماء جهنَّم، أو وادٍ أو بئرٌ فيها، و ﴿يَلْقَ﴾: جُزِمَ بحذفِ الألف جزاءَ الشرط، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ … » إلى آخره (٥)، وقال بعد قوله: ﴿النَّفْسَ﴾: «الآية»، وسقط للأَصيليِّ «﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ … » إلى آخر قوله: «العقوبة» (٦). ٤٧٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهَدٍ قال (٧): (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ)

стр. 8823

الثوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمِرِ (وَسُلَيْمَانُ) هو الأعمشُ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلَمَة (عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة عمرِو بن شرحبيلَ الهمدانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) (١) يعني: ابنَ مسعودٍ (قَالَ) سفيانُ الثوريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (وَاصِلٌ) هو ابنُ حيَّان بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتيَّة وبعد الألف نون، الأسديُّ الكوفيُّ، مِن طبقة الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلَمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) فأسقط سفيان في هذه ما أثبتَه بين أبي وائلٍ وابنِ مسعودٍ في رواية منصورٍ والأعمش، وهو أبو ميسرةَ، وهو الصوابُ (قَالَ) أي: ابنُ مسعودٍ: (سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) شكَّ الراوي: (أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللهِ أَكْبَرُ؟) ولمسلمٍ: أعظمُ؟ (قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) بكسر النون؛ أي (٢): مِثْلًا (وَهْوَ خَلَقَكَ) فوجودُ الخَلْق يدُلُّ على الخالق، واستقامةُ الخَلْق تدُلُّ على توحيدِه؛ إذ لو كان إلهين؛ لم يكن على الاستقامة (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتشديد والتنوين، وفيه كلامٌ سبق في أوَّل «البقرة» [خ¦٤٤٧٧] وغيرِها (قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) بُخلًا مع الوِجدان، أو إيثارًا لنفسه عليه عند الفَقْد (٣)، ولا اعتبار بمفهومه، فلا يُقال: التقييدُ بخشية الإطعام مبيحٌ؛ لأنَّه خرج مَخرج الغالب؛ لأنَّهم كانوا يقتلونهم لأجل ذلك (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ) ولغير أبي ذرٍّ: «ثم أن تُزانيَ» (٤) (بِحَلِيلَةِ جَارِكَ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللَّام الأُولى، أي: زوجتِه؛ لأنَّها تحلُّ له، فهي «فعيلة» بمعنى فاعلة، أو من الحلول؛ لأنَّها تَحُلُّ معه ويَحُلُّ معها، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّه زِنا وإبطالٌ لما أوصى الله به من حفظ حقوق الجيران، وقال في «التنقيح»: تُزاني: تُفاعل، وهو يقتضي أن يكون من الجانبين، قال في «المصابيح»: لعلَّه نبَّه به على شِدَّة قُبح الزِّنا إذا

стр. 8824

كان منه لا منها بأن يغشاها نائمةً أو مكرَهةً، فإنَّه إذا كان زِناه بها مع المشاركة منها له (١) والطواعية كبيرًا؛ كان زِناه بدون ذلك أكبرَ وأقبحَ مِن باب أَولى (قَالَ) أي: ابنُ مسعود: (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]) وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾». وهذا الحديث سبق في «البقرة» [خ¦٤٤٧٧] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التوحيد» [خ¦٧٥٢٠] و «الأدب» [خ¦٦٠٠١] و «المحاربين» [خ¦٦٨١١] [خ¦٦٨٦١]. ٤٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرازيُّ الصغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصنعانيُّ أبو عبد الرحمن القاضي: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (القَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ) بفتح الموحَّدة وتشديد الزاي، واسمُ أبي بَزَّةَ نافع بن يسارٍ، تابعيٌّ صغيرٌ مكِّيٌّ، وهو والد جدِّ البَزِّي المقرئ راوي ابنِ كثيرٍ، وليس للقاسم في «الجامع» إلَّا هذا الحديث (أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟) زاد في رواية منصور عن سعيد في آخر هذا الباب [خ¦٤٧٦٤] «قال: لا توبةَ له» (فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «والذين لا (٢) يقتلون» (﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]) واعترض بعضُهم على رواية أبي ذرٍّ من جهة وقوع التلاوة على غير ما هي عليه، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّ المعنى: فقَرَأَتُ عليه آية الذين لا يقتلون النفس، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقامه، وحينئذ لمَ يلزمْ كونُه غيرَ التلاوة؛ لأنَّه لم يحكِها نصًّا، بل أشار إليها (فَقَالَ سَعِيدٌ) يعني: ابن جُبير للقاسم بن أبي بَزَّة: (قَرَأْتُهَا) يعني: الآيةَ (عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ، فَقَالَ هَذِهِ) الآية (مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْهَا) ولأبي ذرٍّ:

стр. 8825

«يعني: نسختها» (آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ) والذي في «اليونينية»: «مدينية» بتحتيَّتين بينهما نون مكسورة (١)؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] (الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ) إذ ليس فيها استثناءُ التائب، وقالوا: نزلت المغلظة (٢) بعد اللَّيِّنة بمدَّة يسيرة، وعند ابن مردويه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستَّة أشهرٍ، وقول ابن عبَّاس هذا محمولٌ على الزجر والتغليظ، وإلَّا فكلُّ ذنبٍ ممحوٌّ بالتوبة. ٤٧٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، أبو بكرٍ العبديُّ بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) النَّخَعيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم، الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الكُوفَةِ فِي قَتْلِ المُؤْمِنِ) أي: متعمِّدًا؛ هل تُقبل التوبة منه؟ (فَرَحَلْتُ فِيهِ) بالراء والحاء المهملتين (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ولأبي ذرٍّ عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «فدخلت» بالدال والخاء المعجمة، أي: بعد أن رحلت إلى ابن عبَّاسٍ، فسألتُه عن ذلك (فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ) أي: هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] (وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ). وهذا الحديث قد سبق في «سورة النساء» [خ¦٤٥٩٠]. ٤٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ)

стр. 8826

هو ابنُ المُعتَمِر، ولأبي ذرٍّ: «عن منصورٍ» (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قال: سألت» (ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]) في الرواية الآتية عن قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (قَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ) حملوه على التغليظ كما مرَّ، وحديثُ الإسرائيليِّ الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثم أتى على (١) تمام المئة إلى راهب، فقال: لا توبة لك، فقتله فأكمل به مئة، ثم جاء آخر فقال له (٢): ومَن يَحُولُ بينَك وبينَ التوبة (٣)؟! المشهور [خ¦٣٤٧٠] قد يُحتَجُّ به لقبولها؛ لأنَّه إذا ثبت ذلك لمن قبل هذه الأُمَّة (٤) فمثلُه لهم أَولى؛ لِمَا خفَّف الله عنهم (٥) من الأثقال التي كانت على مَنْ قبلَهُم (وَعَنْ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ) الآية (فِي الجَاهِلِيَّةِ) مشركي أهل مكَّة. (٣) قَولُهُ: (﴿يُضَاعَفْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بَابٌ» بالتَّنوين «قوله: ﴿يُضَاعَفْ﴾» (﴿لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩]) نصب على الحال، وهو اسمُ مفعولٍ من أهانه يُهينُه، أي: أذلَّه وأذاقه الهَوَان، و ﴿يُضَاعَفْ﴾ و ﴿وَيَخْلُدْ﴾ بالجزم فيهما بدلًا مِن ﴿يَلْقَ﴾ بدل اشتمال، كقوله: متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا فأُبدل من الشرط كما أُبدل هنا من الجزاء، وقرأ (٦) بالرَّفع ابن عامرٍ وشعبةُ على الاستئناف، كأنَّه جواب: «ما الآثام؟»، و «يخلد» عطفًا عليه.

стр. 8827

٤٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين الطَّلحِيُّ، من ولد طلحَة بنِ عُبيدِ الله، القرشيُّ التيميُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبدِ الرحمن النَّحْويُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المُعتَمِرِ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الزاي مقصورًا، اسمُه عبدُ الرحمن، مِن صغار الصحابة: (سُئِلَ) بضمِّ السين مبنيًّا للمفعول (ابْنُ عَبَّاسٍ) رفعٌ نائبٌ عنِ الفاعل، وللأصيليِّ: «سأل ابن عبَّاس» فعلًا ماضيًا، كذا في الفرع كأصله (١)، وقال الحافظ ابنُ حجر: «سل» بصيغة الأمر للأصيليِّ، وعزا الأُولى لأبي ذرٍّ والنسفيِّ، وقال: إنَّ مقتضاها أنَّه من رواية سعيد بن جبير عن ابن أَبْزَى عنِ ابن عبَّاس، وأنَّ المعتمدَ روايةُ الأصيليِّ بصيغة الأمر، وأنَّه يدُلُّ عليه قولُه بعد سياق الآيتين: «فسألته»، فإنَّه واضحٌ في جواب قوله: «سَل» (٢) (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى) في سورة النساء (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]) زاد الأصيليُّ: «﴿خَالِدًا فِيهَا﴾» (وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا (٣) يَقْتُلُونَ﴾) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «والذين لا يقتلون» (﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ … حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال» (أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ (٤)) بإسكان اللَّام، أي: أَشْرَكْنا به وجعلنا له مِثلًا (وَقَتَلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقد قتلنا» (النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ) سقط لأبي ذرٍّ «إلَّا (٥) بالحق» (وَأتَيْنَا الفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]) فيه قبول توبةِ القاتلِ.

стр. 8828

(٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾) الاستثناء متَّصلٌ أو منقطعٌ، ورجَّحَه أبو حيَّان: بأنَّ المستثنى منه محكومٌ عليه بأنَّه يُضاعَفُ له العذاب، فيصير التقديرُ: إلَّا مَن تاب فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزمُ مِنِ انتفاءِ التضعيف انتفاءُ العذاب غير المضعَّف، فالأَولى عندي أنْ يكونَ استثناءً منقطعًا، أي: لكن مَن تاب وآمن، وإذا كان كذلك؛ فلا يَلْقَى عذابًا ألبتةَ، وتعقَّبه تلميذُه السَّمِينُ فقال: الظاهرُ قولُ الجمهور: إنَّه متَّصلٌ، وأمَّا ما قاله؛ فلا يلزمُ؛ إذِ المقصودُ الإخبارُ بأنَّ مَن فعل كذا؛ فإنَّه يَحِلُّ به ما ذُكِرَ إلَّا أن يتوبَ، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها؛ فلا تَعَرُّضَ له في الآية (﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾) ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾: مفعولٌ ثانٍ للتبديل، وهو المقيَّدُ بحرف الجرِّ، وحُذِفَ لفَهْمِ المعنى، و ﴿حَسَنَاتٍ﴾ هو الأوَّلُ، وهو المأخوذُ، والمجرورُ بالباء هو المتروكُ، وقد صرَّح بهذا في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] وإبدال السَّيِّئات حسناتٍ: أنَّه يمحوها بالتوبة، ويثبتُ مكانَها الحسناتِ، وقال محيي السُّنَّة: ذهب جماعة إلى أنَّ هذا في الدنيا، قال ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: يُبَدِّلُهُمُ اللهُ بقبائحِ أعمالهم في الشرك محاسنَ الأعمال في الإسلام، فيبدِّلُهُم بالشركِ إيمانًا، وبقتلِ المؤمنينَ قتلَ المشركين، وبالزِّنا عِفَّةً وإحصانًا، وقال ابنُ المسيَّب وغيرُه: يبدِّل الله سيِّئاتِهِم التي عملُوها في الإسلام حسناتٍ يومَ القيامة، وقال ابن كثيرٍ: تنقلب السَّيِّئات الماضيةُ بنفس التوبة النصوح حسناتٍ؛ لأنَّه كلَّما تذكَّرها نَدِمَ واسترجعَ واستغفرَ، فينقلبُ الذنب طاعةً، فيوم القيامة وإن وجدَها مكتوبةً عليه؛ لكنَّها لا تضرُّه، بل تنقلبُ حسنةً في صحيفتِه، كما يدلُّ له حديث أبي ذرٍّ المرويُّ في «مسلمٍ» قال رسول الله ﷺ : «إنِّي لأعرفُ آخرَ أهلِ النَّار خروجًا مِنَ النَّار، وآخرَ أهل الجنَّة دخولًا إلى الجنَّة، فيقول: اعرضوا عليه كِبار ذنوبه وسلوه عن صغارها (١)، قال: فيُقال له: عملتَ يومَ كذا كذا وكذا، وعملتَ يوم كذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكِرَ مِن ذلك شيئًا، فيقال: فإنَّ لكَ بكلِّ سيئة حسنةً، فيقول: يا ربِّ، عملتُ أشياءَ لا أراها ههنا»، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى

стр. 8829

بدت نواجذه، وقال الزَّجَّاج: السَّيِّئةُ بعينها لا تصيرُ حسنةً، فالتأويل: أنَّ السيئةَ تُمحى بالتوبة، وتكتب الحسنةُ مع التوبة (﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾) حيث حطَّ عنهم بالتوبة والإيمان مضاعفةَ العذاب والخلودَ في النَّار والإهانة (﴿رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]) حيث بَدَّلَ سيِّئاتِهِم بالثواب الدائم والكرامة في الجنَّة، وسقط قوله: «﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. ٤٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بنُ (١) عثمان بنِ جبلةَ الأزديُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبِي) عثمانُ (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتَمِرِ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة والزاي بينهما موحَّدة مقصورًا (أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ) قوله تعالى: (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾) الآية (٢) بـ «النساء» [الآية: ٩٣] (فَسَأَلْتُهُ) عن حُكمِها (فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ) قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾) … إلى: (﴿رَّحِيمًا﴾) بـ «الفرقان» [الآية: ٦٨ - ٧٠] (قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ) وفي «باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكَّة» من «المبعث» [خ¦٣٨٥٥] من طريق عثمان ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور: فسألت ابن عبَّاس فقال: لما نزلت التي في «الفرقان» قال مشركو أهلِ مكَّةَ: فقد قتلنا النفس التي حرَّم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ فهذه لأولئك، وأما التي في «النساء»: الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه، ثمَّ قتل، فجزاؤُه جهنَّم، فذكرته لمجاهد فقال: إلَّا مَن نَدِمَ، قال في «الفتح»: وحاصلُ ما في هذه الروايات: أنَّ ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما كان تارة يجعل الآيتين في محلٍّ واحد؛ فلذلك يجزمُ بنسخ إحداهما (٣)، وتارة يجعلُ محلَّهما مختلفًا، ويمكن الجمع بين كلاميه: بأنَّ عمومَ التي في «الفرقان» خُصَّ منها (٤)

стр. 8830

مباشرةُ المؤمنِ القتلَ متعمِّدًا، وكثيرٌ مِنَ السلف يُطلقون النسخَ على التخصيص، وهذا أَولى مِن حمل كلامه على التناقض، وأَولى مِن أنَّه قال بالنسخ ثم رجع عنه، والمشهورُ عنه القولُ بأنَّ المؤمن إذا قَتَلَ مؤمنًا متعمِّدًا لا توبةَ له، وحمله الجمهورُ منه على التغليظ، وصحَّحوا توبةَ القاتل كغيرِه (١). وسبق في «النِّساء» [خ¦٤٥٩٠] من مباحث ذلك. (٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (٣) في قوله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾) جزاءُ التكذيب (﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]) قال أبو عُبيدة: (هَلَكَةً) وللأصيليِّ: «أي: هلكة» والمعنى: فسوف يكون تكذيبُكُم مقتضيًا لهلاككم وعذابكم (٤) ودمارِكم في الدنيا والآخرة، وقال ابن عبَّاس: موتًا، و ﴿لِزَامًا﴾ خبرُ ﴿يَكُونُ﴾ واسمُها مضمَرٌ كما مرَّ. ٤٧٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفصٍ النَّخَعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ صُبيحٍ أبو الضُّحى الكوفيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ ﵁: (خَمْسٌ) مِنَ العلامات الدالَّة على الساعة (قَدْ مَضَيْنَ) أي: وقعن (الدُّخَانُ) المشار إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (٥) [الدخان: ١٠] (وَالقَمَرُ) في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]

стр. 8831

(وَالرُّومُ) في قوله تعالى: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] (وَالبَطْشَةُ) في قوله جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] وهو القتل يومَ بدر (وَاللِّزَامُ) في قوله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾) قال ابن كثير: ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسَّره ابنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ بن كعب، ومحمَّد بنُ كعبٍ القُرَظيُّ، ومجاهدٌ، والضَّحَّاك، وقَتادة، والسُّدِّي، وغيرُهم، وقال الحسن: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] يعني: يوم القيامة، قال ابنُ كثير: ولا منافاةَ بينهما. انتهى. وعلى تفسير البطشة واللِّزام بيوم بدر؛ يكون (١) المعدودُ في الحقيقة أربعًا، ويحتاج إلى بيانِ الخامس وإن حصل بقول الحسن بيانُ الخامس في الجملة، لكن تفسيرُه بيوم القيامة فيه شيءٌ؛ لأنَّ مراده تفسيرُ خمسٍ مضينَ، وما يكون يومَ القيامة مستقبَلٌ لا ماضٍ، ففي قولِ ابنِ كثيرٍ: ولا منافاةَ بينهما؛ نظرٌ، وقد يُجابُ بأنه لتحقُّق وقوعِه عُدَّ ماضيًا، قاله في «المصابيح». وهذا الحديث قد سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٠٧]. (((٢٦))) (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ (٢)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخرها، وهي مئتان وعشرون وستُّ آياتٍ. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ

стр. 8832

في قوله تعالى: (﴿تَعْبَثُونَ﴾) من قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] أي: (تَبْنُونَ) وقال الضَّحَّاك ومقاتِلٌ: هو الطريق، قال ابن عبَّاس: كانوا يبنون بكلِّ رِيع عُلِيَّاءَ (١) يعبثون فيه بمَن يمرُّ في الطريق إلى هودٍ ﵇، وقيل: كانوا يبنون الأماكن المرتفعة؛ ليُعرف بذلك غِناهم، فنُهوا عنه (٢) ونُسبوا إلى العَبَث. (﴿هَضِيمٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿فِي (٣) جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٧ - ١٤٨] (يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ) بضمِّ الميم وتشديد السِّين المهملة (٤) مبنيًّا للمفعول، وهذا قاله مجاهد أيضًا، وقال ابن عبَّاسٍ: هو اللطيف، وقال عكرمة: اللَّيِّن، وقيل: ﴿هَضِيمٌ﴾ أي: يَهضِمُ الطعام، وكلُّ هذا لِلَطافَتِه. (مُسَحَّرِينَ) في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: (المَسْحُورِينَ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «مَسْحُورِينَ» الذين سُحروا مرَّةً بعدَ أخرى من المخلوقين. (لَيْكَةُ) بلامٍ مفتوحة مِن غير ألف وصل قبلَها، ولا همزةٍ بعدَها، غيرُ منصرفٍ، اسمٌ غيرُ معرَّفٍ بـ «أل»، مضافٌ إليه ﴿أَصْحَابُ﴾ [الشعراء: ١٧٦] وبه قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «واللَّيكة» بألف وصلٍ وتشديد اللَّام (وَالإِيْكَةُ) بألف وصلٍ وسكون اللَّام وبعدها همزة مكسورة (جَمْعُ أَيْكَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «جمع (٥) الأيكة» (وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ) وكان شجرَهُم الدَّوْمُ؛ وهو المُقْل، قال العينيُّ: الصواب أنَّ اللَّيكة والأيكة جمع (٦) أيك، وكيف يقال: الأيكة جمع أيكة؟ (﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾) في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] هو (إِظْلَالُ العَذَابِ إِيَّاهُمْ) على نحو ما اقترحوا بأن سلَّط اللهُ عليهم الحَرَّ سبعةَ أيَّامٍ حتَّى غلت أنهارُهم، فأظلَّتْهُم سحابةٌ، فاجتمعوا تحتَها، فأمطرتْ عليهم نارًا، فاحترقوا.

стр. 8833

(﴿مَّوْزُونٍ﴾) في سورة الحجر [الآية: ١٩] أي: (مَعْلُومٍ) ولعلَّ ذكره هنا من ناسخ، فالله أعلم. (﴿كَالطَّوْدِ﴾ [الشعراء: ٦٣]) أي: (الجَبَلِ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «كالجَبَل» بزيادة الكاف. (وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ مجاهدٍ: (﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [الشعراء: ٥٤] (الشِّرْذِمَةُ: طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ) والجملةُ (١) معمولٌ لقولٍ مُضمَرٍ، أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القولُ يجوزُ أن يكون حالًا، أي: أرسلَهم قائلًا ذلك، ويجوز أن يكون مفسِّرًا لـ ﴿أَرْسَلَ﴾ وجمعُ الشِّرذِمةِ: شَراذِم، فذَكَرَهم بالاسم الدال على القِلَّة، ثمَّ جَعَلَهم قليلًا بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كلَّ حزبٍ منهم قليلًا، واختار جمعَ السَّلامة الذي هو من قبيل (٢) جمعِ القِلَّة، وإنَّما استقلَّهم وكانوا ست مئة وسبعين ألفًا بالإضافة إلى جنودِه؛ لأنَّه رُوِيَ: أنَّه خرجَ وكانت مقدِّمتُه سبع مئة ألف. (﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾) في قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أي: (المُصَلِّينَ) وقال مقاتِلٌ: مع المصلِّين في الجماعة، أي: نراك حين تقوم وحدَك للصلاة، ونراك (٣) إذا صليت مع الجماعة، وقال مجاهد: نرى تقلُّب (٤) بصرك في المصلِّين، فإنَّه كان يبصرُ مِن خلْفِه كما يبصر مِن أمامه، وعن ابن عبَّاسٍ: تقلُّبَك في أصلاب الأنبياء مِن نبيٍّ إلى نبيٍّ حتى أخرجتُك في هذه الأمَّة. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أي: (كَأَنَّكُمْ) تخلدون في الدنيا، وليس ذلك بحاصلٍ لكم (٥)، بل زائلٌ عنكم، كما زال عمَّن قبلَكم، قال الواحديُّ: كلُّ ما وقع في القرآن «لعلَّ»؛ فإنَّها للتعليل، إلَّا هذه؛ فإنَّها للتشبيه، ويؤيِّده ما في حرف أُبيٍّ: (كأنَّكم تخلُدُون)، وعُورِضَ ما ذَكَرَه مِنَ الحصر بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] لكن لم يُعلَم مَن نص على أنَّ «لعلَّ» تكون للتعليل. (الرِّيعُ) في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ [الشعراء: ١٢٨] هو (الأَيْفَاعُ) بفتح الهمزة وسكون التحتيَّة وبعد الفاء ألف فعين مهملة، أي: المرتفع (مِنَ الأَرْضِ) قال ذو الرُّمَّة:

стр. 8834

طِراقُ الخوافي مشرفٌ فوقَ رِيعَةٍ … ندى ليلِهِ (١) في رِيشهِ يترقرقُ (وَجَمْعُهُ) أي: الرِّيع (رِيَعَةٌ) بكسر الرَّاء وفتح التحتيَّة والعين المهملة، كقِرَدَة (وَأَرْيَاعٌ) هو (وَاحِدُ الرِّيَعَةِ) بكسر الرَّاء وفتح التحتيَّة كالأُولى، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «واحده (٢) -وفي نسخة: واحدها- رَيْعة» بسكون التحتيَّة، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ بالسكون، والأُولى بالفتح، وتبعَه العينيُّ، وقال البِرماويُّ كالكِرمانيِّ: وأمَّا الأرياع؛ فمفردُه رِيْعة بالكسر والسكون. (﴿مَصَانِعَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]) قال أبو عُبيدة: (كُلُّ بِنَاءٍ فَهْوَ مَصْنَعَةٌ) وقال سفيان: ما يُتخَذُ فيه الماء، وقال مجاهدٌ: قصورٌ مَشيدة، وقيل: هي الحصون. (﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]) بالهاء، قال أبو عُبيدة أي: (مَرِحِينَ (٣)) ولأبي ذرٍّ: «فرحين» «بالحاء» بدل: «الهاء» في الأوَّل، وبالهاء أَوجَه (﴿فَارِهِينَ﴾ بِمَعْنَاهُ) أي: بمعنى ﴿فَارِهِينَ﴾ (٤)، مِن قولهم: فَرِهَ زيدٌ فهو فاره (وَيُقَالُ: ﴿فَارِهِينَ﴾) أي: (حَاذِقِينَ) وفارهينَ حالٌ مِنَ الناحتين. (﴿تَعْثَوْا﴾) في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] (هو أَشَدُّ الفَسَادِ) وسقط لفظ «هو» لغير الأصيليِّ (٥) (وعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا) يريد أنَّ اللفظين بمعنًى واحد، لا أنَّ (٦) ﴿تَعْثَوْا﴾ مشتقٌّ مِن «عاث»؛ لأنَّ «يعثو» معتلُّ اللَّام ناقصٌ، و «عاث» معتلُّ العين أجوف، وثبتت (٧) الواو في وعاث لأبي ذرٍّ. (الجِبِلَّةُ) في قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] هي (الخَلْقُ) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللَّام (جُبِلَ) بضمِّ الجيم وكسر الموحَّدة؛ أي: (خُلِقَ) وزنه ومعناه (وَمِنْهُ) ومن هذا الباب

стр. 8835

قولُه في سورة يس [الآية: ٦٢]: (﴿جِبِلًّا﴾) بضمِّ الجيم والموحَّدة (وَجِبِلًا) بكسرهما (وَ ﴿جِبِلًّا﴾) بضمِّ الجيم وسكون الموحَّدة، مع التخفيف في الثلاثة (١) لغات (يَعْنِي) بها: (الخَلْقَ، قَالَهُ ابْنُ عبَّاسٍ) وسقط قولُه: «قاله ابن عبَّاس» لغير أبي ذرٍّ، وبالضَّمَّتين قرأَ ابنُ كثيرٍ والأخوان، وبالضَّمِّ والسكون أبو عمرو وابن عامر، وقرأ نافع وعاصم بكسرهما مع تشديد اللَّام، ولأبي ذرٍّ هنا: «ليكة» بلام مفتوحة «الأَيْكَةُ؛ وهي الغيضة»، وقد سبق تفسيرُها بالشجر. (١) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله جلَّ وعلا: (﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) أي: العباد أو الضالون. فإن قلتَ: لمَّا قال أوَّلًا: ﴿وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥] كان كافيًا عن قوله: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾ وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فما كان يصيبُ الكفَّار فقط كيف يخافه المعصوم؟ أُجيب بأنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين، فكذا درجاتُ خِزي المقرَّبين، وخِزْيُ كلِّ واحدٍ بما يَلِيقُ به. ٤٧٦٨ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، الهرويُّ فيما وصله النَّسائيُّ: (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) الخليل ﵊ رَأَى) بصيغة الماضي، ولأبي ذرٍّ: «يرى» (أَبَاهُ) آزر، وقيل: اسمه تارَح، وقيل (٢): هما عَلَمان له؛ كإسرائيل ويعقوب، وقيل: العلم تارَح، وآزر معناه: الشيخ أو المعوج (يَوْمَ القِيَامَةِ) حالَ كونِه (عَلَيْهِ الغَبَرَةُ وَالقَتَرَةُ) بفتح المعجمة والموحَّدة، والقاف والفوقية (الغَبَرَةُ: هِيَ القَتَرَةُ) وهي سوادٌ كالدُّخَان، وسقط لأبي ذرٍّ

стр. 8836

قوله: «الغبرة هي القترة» (١)، وهذا من تفسير المؤلِّف، أخذَه مِن كلام أبي عُبيدة حيث قال في سورة يونس: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] القتر: الغبار، قال السفاقسيُّ: وعلى هذا: فقوله في عبس: ﴿غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١] تأكيدٌ لفظيٌّ، كأنَّه قال: غبرة فوقها غبرة، وقيل: القترة شدة الغبرة بحيث يسودُّ الوجه، وقيل: القترة (٢) سوادُ الدُّخَان. ٤٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أُويس، واسمُه عبدُ الله الأصبحيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَخِي) عبدُ الحميد (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ) ﵊ (أَبَاهُ) آزر (٣) زاد في «أحاديث الأنبياء» (٤) [خ¦٣٣٥٠] «يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرةٌ وغَبَرةٌ، فيقول له إبراهيمُ ﵊: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك» (فَيَقُولُ) إبراهيمُ: (يَا رَبِّ؛ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي) ولأبي ذرٍّ: «أن لا تخزيني» (٥) (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٠] أيضًا (٦): «فأي خزي أخزى من أبي الأبعد» (فَيَقُولُ اللهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ) وزاد في «أحاديث الأنبياء» أيضًا (٧): «فيقال: يا إبراهيم؛ ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا بذِيخٍ

стр. 8837

مُلتَطِخٍ، فيُؤخذُ بقوائمه فيُلقى في النَّار»، وفي رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عند الحاكم: «فيمسخُ اللهُ أباه ضبعًا، فيأخذ بأنفه فيقول: يا عبدي، أبوك هو؟»، وفي حديث أبي سعيدٍ عند البزَّار والحاكم: «فيحوَّل في صورةٍ قبيحة وريحٍ منتنة في صورة ضبعان»، زاد ابن المنذر من هذا الوجه: «فإذا رآه كذلك؛ تبرأ منه قال: لست أبي»، وكان تبرُّؤُه منه في الدنيا حين مات مشركًا، فقطع (١) الاستغفار (٢) له، كما أخرجه الطبريُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس، وقيل: تبرَّأ منه يوم القيامة لمَّا أيس منه حين مسخ، كما صرح به ابن المنذر في روايته، وقد يجمع بينهما بأنه تبرأ منه في الدنيا لمَّا مات مشركًا فترك الاستغفار له، فلمَّا رآه في الآخرة رقَّ (٣) له، فسأل الله فيه، فلمَّا مُسِخَ أَيِسَ منه حينئذٍ، وتبرَّؤًا منه تبرُّأً أبديًّا، قيل: والحكمةُ في مَسْخِهِ؛ لينفرَ إبراهيمُ منه، ولئلَّا يبقى في النار على صورتِه؛ فيكونُ فيه غضاضةٌ على الخليل ﷺ . (٢) هذا (بابٌ) (٤) بالتَّنوين (٥) في قوله جلَّ وعلا: (﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾) أي: الأقربَ منهم فالأقرب، فإنَّ الاهتمام بشأنهم أهم، ولأنَّ الحجَّة إذا قامت عليهم تعدَّت إلى غيرِهم، وإلَّا فكانوا عِلَّة للأبعدين في الامتناع (﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾) أي: (أَلِنْ جَانِبَكَ) ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] مستعارٌ مِن خَفَضَ الطَّائرُ جناحَه؛ إذا أراد أن ينحطَّ، و ﴿مِنَ﴾: للتبيين، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المرادُ بِهِم: الذين لم يؤمنوا بعدُ، بل شارفوا لأَنْ يؤمنوا؛ كالمؤلَّفة، مجازًا باعتبار ما يَؤُولُ إليه (٧)، فكان من اتَّبعك شائعًا فيمَن آمن حقيقةً، ومَن سيؤمن (٨) مجازًا، فبيَّن بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ المرادَ بهم المشارفون، أي: تواضعْ لهؤلاءِ استمالةً وتأليفًا، أو للتبعيض ويُراد بـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين قالوا: آمنَّا، ومنهم مَن صدَّق واتَّبع، ومنهم مَن صدَّق فقط،

стр. 8838

فقيل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأُريدَ بعضُ الذين صدَّقوا واتَّبعوا، أي: تواضع لهم محبةً ومودَّة، قاله في «فتوح الغيب»، وسقط التبويب لأبي ذرٍّ (١). ٤٧٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النَّخَعيُّ الكوفيُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين في الأوَّل وضمِّ الميم وتشديد الرَّاء في الثاني، الجَمَليُّ بالجيم والميم المفتوحتين (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]) زاد في «سورة تبت» [خ¦٤٩٧١] «ورَهْطَكَ منهمُ المخلَصِينَ» وهو مِن عطف الخاصِّ على العامِّ، وكان قُرآنًا، فنُسخَتْ تِلاوتُه (صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ) بكسر الفاء وسكون الهاء (يَا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ (٣) قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ) أي: النبي ﷺ : (أَرَأَيْتَكُمْ) أي: أَخبِرُوني (لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا) أي: عَسْكَرًا (بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ)؟ بتشديد الدال المكسورة والتحتيَّة المفتوحة، وأصلُه: مصدِّقِينَ لي، فلمَّا أُضيف إلى ياء المتكلِّم سقطتِ النون، وأُدغمت ياءُ الجمعِ في ياء المتكلِّم، ومرادُه بذلك تقريرُهم بأنَّهم يعلمون صِدْقَه إذا أَخبر عن شيءٍ غائبٍ (قَالُوا: نَعَمْ) نُصدِّقُكَ (مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا. قَالَ) ﵊: (فَإِنِّي نَذِيرٌ) أي: مُنذِرٌ (لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: قُدَّامَه

стр. 8839

(فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنه الله: (تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ) أي: بقيَّتُه، و «تبًّا»: نُصِبَ على المصدر بإضمارِ فعلٍ، أي: ألزمك الله تبًّا (أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ﴾) أي: هلكتْ أو خسرتْ (﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾) نفسه (﴿وَتَبَّ﴾) إخبارٌ بعد الدعاء (﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]) وكسبه بنوه (١). وهذا الحديث من مراسيل الصَّحابة؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ إنَّما أسلَمَ بالمدينة، وهذه القِصَّةُ كانت بمكَّةَ، وكان ابنُ عبَّاسٍ إمَّا لم يولد، وإمَّا طفلًا، وذكره المؤلِّف في «باب مَنِ انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية» من «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٥٢٥] [خ¦٣٥٢٦]. ٤٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) على الصَّفا (حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ) بتخليصِها مِنَ العذاب بالطاعة؛ لأنَّها ثمن النَّجاةِ (لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا) لا أَدْفَعُ، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] أو: لا أنفعكم (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ) وللأصيليِّ: «يا صفية» (عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ) ﷺ (لَا أُغْنِي عَنْكِ

стр. 8840

مِنَ اللهِ شَيْئًا) ترقَّى في القُرْب من العم إلى العمة في الأشخاص، كما ترقَّى من قريش إلى بني (١) عبد مناف في القبيلة (وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) سقطت التصليةُ لأبي ذرٍّ (سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي (٢)، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) ويجوزُ في «ابن عبد المطلب» و «عمة» و «بنت» النصبُ والرفعُ باعتبار اللفظ والمحلِّ. (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا اليمان (أَصْبَغُ) بنُ الفرج شيخُ المؤلِّف (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبدِ الله (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ. وسبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٣] القول في وجه هذه المتابعة. (((٢٧))) (النَّمْل) مكِّيَّة، وهي ثلاثٌ أو أربعٌ وتسعونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سُورَةُ النَّملِ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ، وللنسفيِّ تقديمُها. (الخَبْءُ) ولغير أبي ذرٍّ: «والخبء» بزيادة واو، ومرادُه قولُه تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] هو (مَا خَبَأْتَ) يُقال: خَبَأتُ الشيءَ أَخْبُؤه خَبْأً، أي: سَتَرتُه، ثم أُطلق على الشيءِ المَخْبُوءِ، ونحوه (٣): ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [لقمان: ١١] وقيل: الخبء في السموات: المطر، وفي الأرض: النبات، وقيل: الغيث (٤)، وهو يدُلُّ على كمال القدرة، وسُمِّي المخبوء بالمصدر، ليتناولَ جميعَ الأموال والأرزاق. (﴿لَّا قِبَلَ﴾) في قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ﴾ [النمل: ٣٧] أي: (لَا طَاقَةَ) لَهُمْ بمُقاوَمَتِها. (الصَّرْحُ) في قوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] هو (كُلُّ مِلَاطٍ) بميمٍ مكسورة: الطينُ الذي

стр. 8841

يُجعل بين سافي (١) البناء، وللأصيليِّ -كما في الفتح-: «بلاط» بالموحَّدة المفتوحة، ومثلُه لابن (٢) السَّكَن، وكذا ضبطه الدِّمياطيُّ في نُسختِه (اتُّخِذَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول (مِنَ القَوَارِيرِ) وهو الزُّجَاج الشَّفَّاف (وَالصَّرْح: القَصْرُ) وقال الراغبُ: بيتٌ عالٍ مَزَوَّقٌ، سَمِّي بذلك اعتبارًا بكونه صرحًا عن البيوت، أي: خالصًا (وَجَمَاعَتُهُ) أي: الصَّرْحُ (صُرُوحٌ). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما (٣) وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ [النمل: ٢٣]) أي: (سَرِيرٌ، ﴿كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] حُسْنُ الصَّنْعَةِ) بضمِّ الحاء وسكون السين (وَغَلَاءُ الثَّمَنِ) وكان مضروبًا من الذهب، مُكلَّلًا بالدُّرِّ والياقوت الأحمر والزَّبرجَد الأخضر، وقوائمُه من الياقوت والزُّمُرُّد، وعليه سبعةُ أبوابٍ، على كلِّ بيتٍ بابٌ مغلقٌ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان عرشُها ثلاثينَ ذِراعًا في ثلاثينَ ذِراعًا، وطولُه في السماء ثلاثون (٤) ذِراعًا، وعند ابن أبي حاتم: ثمانون ذِراعًا في أربعين. (﴿مُسْلِمِينَ﴾) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «﴿يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾» [النمل: ٣٨] أي: (طَائِعِينَ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطبريُّ. (﴿رَدِفَ﴾) في قوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ﴾ [النمل: ٧٢] قال ابن عبَّاس: (اقْتَرَبَ) فضمَّن ﴿رَدِفَ﴾ معنى فعلٍ يتعدَّى باللَّام؛ وهو «اقترب»، أو أزف ﴿لَكُم﴾ (٥) و ﴿بَعْضُ الَّذِي﴾ فاعلٌ به، أو ﴿رَدِفَ﴾ مفعولُه محذوفٌ، واللَّام للعِلَّة، أي: ردف الخلق لأجلكم، أو اللَّام مزيدة في المفعول تأكيدًا (٦)، كزيادتها (٧) في قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أو فاعل ﴿رَدِفَ﴾ ضمير الوعد، أي: ردف الوعد، أي: قرب ودنا مقتضاه، و ﴿لَكُم﴾ خبر مقدم، و ﴿بَعْضُ﴾ مبتدأ مؤخر. (﴿جَامِدَةً﴾) في قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أي: (قَائِمَةً) قاله ابن عبَّاس.

стр. 8842

(﴿أَوْزِعْنِي﴾) في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [النمل: ١٩] أي: (اجْعَلْنِي) أزع شُكْرَ نعمتِكَ عندي. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله: (﴿نَكِّرُوا﴾ [النمل: ٤١]) أي: (غَيِّرُوا) لها عرشها إلى حالةٍ تُنْكِرُه إذا رأَتْه، روي: أنَّه جُعِلَ أسفلُه أعلاه وأعلاه أسفلَه، ومكانُ الجوهرِ الأحمرِ أخضرَ ومكانُ الأخضرِ أحمرَ. (﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢]) قال مجاهد: (يَقُولُهُ سُلَيْمَانُ) وقال في «الأنوار» و «اللباب» وغيرهما: من قول سليمان وقومه، فالضميرُ في ﴿قَبْلِهَا﴾ عائدٌ على بَلْقيس، فكأنَّ سليمانَ وقومَه قالوا: إنَّها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة، وقد رُزِقَتِ الإسلامَ، ثم عطفوا على ذلك قولَهم: وأوتينا (١) نحنُ العلمَ بالله وبقدرتِه على ما يشاء مِن قَبْلِ هذه المرأةِ مثلَ علمِها، وغرضُهم من ذلك شكرُ الله تعالى في أنْ خصَّهم بمزيد التقدُّم في الإسلام، قاله مجاهدٌ، أو هو مِن تتمَّة كلامها، فالضميرُ في ﴿قَبْلِهَا﴾ راجعٌ للمعجزة أو (٢) الحالة الدال (٣) عليهما السياق، والمعنى: وأوتينا العلم بنبوَّة سليمان مِن قَبْلِ ظهور هذه المعجزة أو مِنْ قبل هذه الحالة، وذلك لمَّا رأت مِنْ أمرِ الهُدْهُدِ وغيره. (الصَّرْحُ): هو (بِرْكَةُ مَاءٍ ضَرَبَ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ) ﵇ (قَوَارِيرَ) وهو الزُّجَاج الشَّفَّاف (أَلْبَسَهَا إِيَّاهُ) وللأصيليِّ: «إيَّاها»، وكان قد ألقى في هذا الماء كلَّ شيءٍ مِن دوابِّ البحر؛ من السمك، والضفادع، وغيرهما، ثم وضع سريرَه في صدره وجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجِنُّ والإنس، وقيل: إنَّه اتخذ صُحُفًا (٤) من قوارير، وجعلَ تحتَها تماثيلَ مِنَ الحيتان والضفادع، فكان الرائي يظنُّه ماءً.

стр. 8843

(((٢٨))) (سورة القَصَصِ) مكِّيَّة، وقيل: إلَّا قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى: ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] وهي ثمانٌ وثمانونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سورة القصص بسم الله الرحمن الرحيم»، وفي نسخة (١) تقديم البسملة على سورة. (﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) أي: (إِلَّا مُلْكَهُ) وقيل: إلَّا جلالَه أو إلَّا ذاتَه، فالاستثناءُ متَّصِلٌ؛ إذ يُطلَق على الباري تعالى شيءٌ (وَيُقَالُ) على مذهب مَن يمنع: (إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ) فيكونُ الاستثناءُ متَّصِلًا، أوِ المعنى: لكن هو تعالى لم يهلك، فيكونُ منقطعًا. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿الْأَنبَاء﴾) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء﴾» [القصص: ٦٦] أي: (الحُجَجُ) فلا يكونُ لهم عُذْرٌ ولا حُجَّةٌ، وقيل: خفيت واشتبهت عليهم الأخبار والأعذار. (١) (قوله: ﴿إِنَّكَ﴾) أي: يا محمَّد، ولأبي ذرٍّ الهروي: «باب قوله: ﴿إِنَّكَ﴾» (﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) هدايته أو أحببته لقَرَابته، وقد أجمع المفسِّرون -كما قاله الزَّجَّاج- أنَّها نزلت في أبي طالب (﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) ولا تنافي بين هذه (٢) وبين قوله في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] لأنَّ الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدر؛ وهو نورٌ يُقذف في القلب فيحيا به.

стр. 8844

٤٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزَة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ) المسيَِّب بنِ حَزْن، له ولأبيه صحبةٌ، عاش إلى خلافة عثمانَ أنَّه (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علامتُها بعد المعاينة (١) وعدم الانتفاع بالإيمان لو آمن (جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهِ أَبَا جَهْلٍ) هو ابنُ هشام (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي (٢) أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ) أخا أمِّ سلمةَ، أسلمَ عامَ الفتحِ كالمسيِّب، فلم يشهدْ وفاةَ أبي طالب، فالحديثُ مرسلُ صحابيٍّ، كذا (٣) قرَّرَه الكِرمانيُّ (٤)، وردَّه الحافظ ابن حجر: بأنَّه لا يلزمُ مِن تأخُّر إسلامه عدمُ حضورِه وفاةَ أبي طالبٍ، كما شهدها عبدُ الله بنُ أبي أُمَيَّة وهو كافر ثمَّ أسلم، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ حضورَ عبدِ الله ابنِ أبي أُميَّة ثبتَ في الصحيحِ، ولم يثبُت حضورُ المسيَّب لا في الصحيح ولا في غيرِه، وبالاحتمالِ لا يُرَدُّ على كلامٍ بغيرِ احتمال، وأجاب في «انتقاض الاعتراض» فقال: هذا كلامٌ عجيبٌ، إنَّما يتوجَّه الرَّدُّ على مَن قال جازمًا: إنَّ المسيَّب لم يحضرْها، ولم يَذْكُر مستندًا إلَّا أنَّه كان كافرًا، والكافر (٥)

стр. 8845

لا يمتنعُ أن يشهدَ وفاة كافرٍ، فتوجَّه الرَّدُّ على الجزمِ، ويؤيِّدُه: أنَّ عنعنةَ الصَّحابيِّ محمولةٌ على السماع، إلَّا إذا ذَكَرَ (١) قصَّة ما أدركها؛ كحديث عائشةَ عن قِصَّة المبعث النبويِّ؛ فتلك الروايةُ تُسَمَّى مرسلَ صحابيٍّ، وأمَّا لو أخبر عن قِصَّةٍ أدركَها ولم يصرِّح فيها بالسماع ولا المشاهدة؛ فإنَّها محمولةٌ على السماع، وهذا شأنُ حديثِ المسيَّب، فهذا الذي يمشي على الاصطلاح الحديثيِّ، وأمَّا الدفع بالصدر فلا يعجز عنه أحدٌ (٢) لكنَّه لا يُجدي شيئًا. انتهى. (فَقَالَ) ﷺ لأبي طالب: (أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل، ويجوزُ الرفعُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) بضمِّ الهمزة وفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مشدَّدة مضمومة في الفرع، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وفي بعض النسخ: فتح الجيم، على الجزمِ جوابُ الأمرِ (٣)، والتَّقديرُ: إن تقلْ؛ أُحاجَّ، وهو مِنَ المحاججة (٤) مفاعلة من الحُجَّة، وعند الطبريِّ من طريق سفيان بن حسين عن الزُّهريِّ قال: «أي عم؛ إنَّك أعظمُ الناس عليَّ حقًّا وأحسنُهم عندي يدًا، فقُل كلمةً تجب لي بها الشفاعةُ فيك يومَ القيامة» (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) لأبي طالبٍ: (أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟) يقال: رَغِبَ عنِ الشيء؛ إذا لم يُرِدْهُ، ورَغِب فيه؛ إذا أراده (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا) أي: كلمةَ الإخلاص (٥) (عَلَيْهِ) على عمِّه أبي طالب (وَيُعِيدَانِهِ) بضمِّ أوَّله، والضميرُ المنصوب لأبي طالبٍ (بِتِلْكَ المَقَالَةِ) وهو قولهما: «أترغب» … وكأنَّه كان قد قارب أن يقولَها فيرُدَّانه، وقال البِرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: صوابه: ويعيدان له تلك المقالة، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: ضاق عطنه -يعني: الزَّركشيِّ- عن توجيه اللفظ على الصِّحَّة فجزم بخطئه، ويمكن أن يكون ضمير النصب مِن قوله: «ويعيدانه» ليس عائدًا على أبي طالب، وإنَّما هو عائدٌ على الكلام بتلك المقالة، ويكون «بتلك المقالة» ظرفًا مستقرًّا منصوبَ المحلِّ على الحال مِن ضمير النصب العائدِ على الكلام، والباءُ للمصاحبة، أي: يعيدان الكلامَ في حالة كونِهِ متلبِّسًا بتلك المقالة، وإن بنينا على جواز إعمال ضمير المصدر، كما ذهب إليه بعضهم في مثل: «مروري بزيدٍ حسنٌ، وهو بعمرٍو قبيحٌ»؛ فالأمرُ

стр. 8846

واضحٌ؛ وذلك بأن يُجعلَ ضميرُ الغَيبة عائدًا على التكلُّمِ (١) المفهومِ مِن السياق، والباء متعلِّقةٌ بنفس الضمير العائدِ عليه، أي: ويعيدان التكلُّمَ بتلك المقالة. (حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ) نُصِبَ على الظرفيَّة (مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦٠] هو على مِلَّة عبد المطلب، وأراد نفسه، أو قال: أنا على مِلَّة عبد المطلب، فغيَّرها الراوي أنفةً أن يحكي كلامه؛ استقباحًا للتلفُّظ به (وَأَبَى) امتنع (أَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قال في «الفتح»: هو تأكيدٌ مِنَ الراوي في نفيِ وقوعِ ذلك من أبي طالب. (قَالَ) المسيَّب: (فقَالَ (٢) رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر الخليلُ لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ (٣)) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾) أي: ما ينبغي لهم (﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾) زاد في نسخة (٤): «﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾» [التوبة: ١١٣] الآيةَ (٥)، خبرٌ بمعنى النهي. واستُشكل هذا بأنَّ وفاة أبي طالب وقعت قبل الهجرة بمكَّة بغير خلاف، وقد ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ أتى قبر أُمِّه لمَّا اعتمر فاستأذن ربَّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعودٍ، والطبرانيُّ عن ابن عبَّاس، وفي ذلك دلالة على تأخُّر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، والأصلُ عدمُ تكرار النزول، وأُجيب باحتمال تأخُّر نزول الآية وإن كان سببها تقدَّم، أو يكون لنزولها سببان؛ متقدِّمٌ وهو أمرُ أبي طالبٍ، ومتأخِّرٌ وهو أمر آمنةَ، ويؤيِّدُ تأخُّرَ النزول ما في سورة براءة مِنِ استغفاره ﵊ للمنافقين حتى نزل النهي عنه، قاله في «الفتح» قال: ويُرشِدُ إلى ذلك قولُه: (وَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) ففيه إشعارٌ بأنَّ الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيرِه، والثانية نزلت فيه وحدَه. وقد مرَّ الحديث في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٦٠].

стр. 8847

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في (﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾) من قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] (لَا يَرْفَعُهَا العُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ) وروي عنه: أنَّه كان يحملُ مفاتح (١) قارون أربعون رجلًا أقوى ما يكون من الرجال، وروي عن ابن عبَّاس أيضًا حمل المفاتح على (٢) نفس المال، فقال: كانت خزائنُه يحملُها أربعونَ رجلًا (٣) أقوياء. (﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦]) أي: (لَتُثْقِلُ) يُقال: ناء به الحملُ حتى (٤) أثقلَه وأمالَه، أي: لَتُثقِلُ المفاتحُ العصبةَ، والباء في ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ للتعديةِ كالهمزة. (﴿فَارِغًا﴾) في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أي: خاليًا من كلِّ شيءٍ (إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى) وقال البيضاويُّ -كالزمخشريِّ-: صِفْرًا مِنَ العقل؛ لِمَا دهمها مِنَ الخوف والحيرة حين سمعتْ بوقوعه في يد فرعون. (﴿الْفَرِحِينَ﴾) في قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه أي: (المَرِحِينَ) وقال مجاهد: يعني: الأَشِرِينَ البَطِرِينَ، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، فالفرح بالدنيا مذمومٌ مطلقًا؛ لأنَّه نتيجة حُبِّها والرضا بها والذهول عن ذهابها، فإنَّ العِلْمَ بأنَّ ما فيها مِنَ اللَّذَّة مفارِقٌ (٥) لا محالةَ يُوجِبُ الترح، وما أحسن قول المتنبي: أشدُّ الغَمِّ عندي في سرورٍ … تيقَّنَ عنهُ صاحبُه انتقالا (﴿قُصِّيهِ﴾) في قوله حكايةً عن أم موسى: ﴿وَقَالَتْ (٦) لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: (اتَّبِعِي أَثَرَهُ) حتى تعلَمِي خبرَه، وكانت أختُه لأبيه وأَمِّه، واسمُها مريم (وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الكَلَامَ) كما في قوله تعالى: (﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [الكهف: ١٣]) وقَصَّ الرؤيا؛ إذا أَخبَرَ بها.

стр. 8848

(﴿عَن جُنُبٍ﴾) في قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] أي: أبصرت (١) أخت موسى موسى (٢) مستخفيةً كائنةً (عَنْ بُعْدٍ) صفةٌ لمحذوفٍ، أي: عن مكانٍ بعيدٍ، وقال أبو عمرو بن العلاء أي: عن شوقٍ، وهي لغةُ جُذام، يقولون: جنبت إليك، أي: اشتقت، وقوله: (عَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ) أي: في معنى البُعد (وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا) وقُرئ قولُه: ﴿عَن جُنُبٍ﴾ بفتح الجيم وسكون النون، وبفتحهما، وبضمِّ الجيم وسكون النون، وعن جانب، وكلُّها شاذَّةٌ، والمعنى واحدٌ. (نَبْطِشُ) بالنون وكسر الطاء (وَنَبْطُشُ) بضمِّ الطاء لغتان، ومرادُه الإشارةُ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ﴾ [القصص: ١٩] لكن الآية بالياء، وكذا وقع في بعض نسخ «البخاري»، بل هو الذي في «اليونينيَّة»، وبالنون فيهما في فرعها (٣)، والضَّمُّ قراءةُ أبي جعفرٍ، والكسر قراءة الباقين. (﴿يَأْتَمِرُونَ﴾) في قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] أي: (يَتَشَاوَرُونَ) بسببك، قال في «الأنوار»: وإنَّما سُمِّيَ التشاورُ ائتمارًا؛ لأنَّ كُلًّا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ «قال ابن عبَّاس: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ … » إلى هنا. (العُدْوَانُ) في قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] معناه (وَالعَدَاءُ) بالفتح والتخفيف، وفي «الناصريَّة»: بضمِّ العين وكسرها، ولم يضبطها في الفرع كأصله و «آل ملك» (٤) (وَالتَّعَدِّي) بالتشديد (وَاحِدٌ) في معنى التجاوز عن الحق (٥). (﴿آنَسَ﴾) بالمدِّ في قوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: (أَبْصَرَ) من الجهة التي تلي الطور نارًا، وكان في البريَّة في ليلة مظلمةٍ. (الجَُِذْوَةُ) في قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] هي (قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ) أي: في رأسها نارٌ (لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ) قال ابن مُقبِل:

стр. 8849

باتتْ حواطبُ ليلى يَلْتمِسْنَ لها … جَزْلَ الجِذا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ الخوَّار: الذي يتقصَّف، والدَّعِرُ: الذي فيه لهب، وقد ورد ما يقتضي وجودَ اللهَب فيه، قال الشاعر: وألقى على قبسٍ من النارِ جَِذوةً … شديدًا عليها حِميُها والتهابُها وقيل: الجَِذوة: العودُ الغليظ، سواء كان في رأسه نارٌ أو لم يكن، وليس المرادُ هنا إلَّا ما في رأسه نارٌ، كما في الآية: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩] (وَالشِّهَابُ) المذكور في النمل في قوله: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] هو ما (فِيهِ لَهَبٌ) وذُكِر (١) تتميمًا للفائدة. (وَالحَيَّاتُ) جمع: حيَّةٍ، يُشير إلى قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ يعني: فألقى موسى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢)﴾ [طه: ٢٠] وأنها (أَجْنَاسٌ: الجَانُّ) كما في قوله هنا: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [القصص: ٣١] (وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ) وكذا الثُّعبانُ في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ولم يذكره المؤلِّف، وقد قيل: إنَّ موسى ﵇ لمَّا ألقى العصا؛ انقلبتْ حيَّةً صفراءَ بِغِلَظِ العَصا، ثمَّ تورَّمتْ وعظُمَتْ؛ فلذلك سمَّاها جانًّا تارةً نظرًا إلى المبدأ (٣)، وثعبانًا مرَّة (٤) باعتبار المنتهى، وحيَّة أخرى بالاسم الشامل للحالين، وقيل: كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجانِّ؛ ولذلك قال: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [القصص: ٣١]. (﴿رِدْءًا﴾) في قوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أي: (مُعِينًا) وهو في الأصل اسمُ ما يُعان به؛ كالدفء بمعنى المدفوء به، فهو «فِعْل» بمعنى «مفعول»، ونصبُه على الحال. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]) بالرفعِ، وبه قرأ حمزةُ وعاصمٌ، على الاستئناف أو الصفة لـ ﴿رِدْءًا﴾ أو الحال مِن هاءِ ﴿أَرْسِلْهُ﴾ أو مِنَ الضمير في ﴿رِدْءًا﴾ أي: مُصدِّقًا، وبالجزم، وبه قرأَ الباقون جوابًا للأمرِ؛ يعني: إن أرسلتَه صدَّقَنِي (٥)، وقيل: ﴿رِدْءًا﴾ كيما يصدقني أو (٦)

стр. 8850

لكي يصدقني فرعونُ، وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له: صدقتَ، أو يقول للنَّاس (١): صدقَ موسى، بل إنَّه يلخِّصُ بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيبُ عن الشُّبُهات. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (﴿سَنَشُدُّ﴾) ﴿عَضُدَكَ﴾ [القصص: ٣٥] أي: (سَنُعِينُكَ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا) بعين مهملة وزايين معجمتين (فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا) يقوِّيه (٢)، وهو مِن باب الاستعارة، شبَّه حالةَ موسى بالتقوِّي بأخيه بحالةِ اليد المتقوِّية بالعضد، فجُعِلَ كأنَّه يدٌ مستندةٌ بعضُدٍ شديدةٍ، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ من (٣) قوله: «﴿آنَسَ﴾ … » إلى هنا. (مَقْبُوحِينَ) أي: (مُهْلَكِينَ) ومرادُه قولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] وهذا تفسيرُ أبي عُبيدة، وقال غيرُه: مِنَ المطرودين، ويُسَمَّى (٤) ضدُّ الحُسْنِ قَبيحًا؛ لأنَّ العينَ تنبو عنه، فكأنَّها تطرده. (﴿وَصَّلْنَا﴾) ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] أي: (بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ) قاله ابنُ عبَّاسٍ، وقيل: أتبعنا بعضَه بعضًا فاتَّصلَ، وقال ابنُ زيدٍ: وصَّلنا لهم خبرَ الدنيا بخبرِ (٥) الآخرةِ، حتَّى كأنَّهم عاينوا الآخرةَ في الدنيا، وقال الزَّجَّاج أي: فصَّلناه بأنْ وصَّلنا ذِكْرَ الأنبياءِ وأقاصيصَ مَن مضى بعضَها ببعض. (﴿يُجْبَى﴾) في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى﴾ أي: (يُجْلَبُ) ﴿إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]. (﴿بَطِرَتْ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨] (أَشِرَتْ) وزنًا ومعنًى، أي: وكم مِن أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن وخفض العيش حتى أَشِرُوا؛ فدمَّر اللهُ عليهم وخرَّب دِيارَهُم، قاله في «الأنوار». (﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]

стр. 8851

(أُمُّ القُرَى مَكَّةُ) لأنَّ الأرض دُحِيَتْ مِن تحتِها (وَمَا حَوْلَهَا) ومرادُه: أنَّ الضمير في ﴿أُمِّهَا﴾ للقرى، ومكَّةُ وما حولها تفسيرٌ للأمِّ، لكن في إدخال «مَا حَوْلَهَا» في ذلك نظرٌ على ما لا يخفى. (﴿تُكِنُّ﴾) في قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ (١) صُدُورُهُمْ﴾ [القصص: ٦٩] أي: ما (٢) (تُخْفِي) صدورُهم، يُقال: (أَكْنَنْتَُ الشَّيْءَ) بالهمزة وضمِّ التاء، وفي بعضِها بفتحها، أي: (أَخْفَيْتَُهُ، وَكَنَنْتَُهُ) (٣) بتركها مِنَ الثلاثي وضمِّ التاء وفتحِها، أي: (أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ) بالهمز فيهما، وفي نسخة معتمدة: «خفيته» بدون همز (٤) «أظهرته» بدون واو، قال ابنُ فارسٍ: أخفيتُه: سترتُه، وخفيتُه: أظهرتُه، وقال أبو عُبيدةَ: أكننتُه؛ إذا أخفيتُه وأظهرتُه، وهو مِنَ الأضداد. (﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾) هي (مِثْلُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وحينئذٍ تكون ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلُّها كلمةً مستقلَّةً بسيطةً، وعند (٥) الفرَّاء: أنَّها بمعنى: أَمَا تَرَى إلى صُنِع الله؟ وقيل غير ذلك (﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]) أي: (يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ) أي (٦): بمقتضى مشيئتِه، لا لكرامةٍ تقتضي البَسْط، ولا لهوانٍ يُوجِبُ النقص، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ «﴿وَيْكَأَنَّ (٧) اللهَ﴾ … » إلى آخره. (٢) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]) أحكامَه وفرائضَه، أو تلاوتَه وتبليغَه، وزاد الأصيليُّ: «الآيةَ»، وزاد (٨) في نسخة: «﴿لَرَادُّكَ﴾» أي (٩): بعدَ الموت «﴿إِلَى مَعَادٍ﴾»، وتنكيرُه للتعظيم، كأنَّه قال: معادٍ وأيِّ معادٍ، أي: ليس لغيرك مِنَ البشر

стр. 8852

مثلُه، وهو المقامُ المحمود الذي وعدك أن يبعثَك فيه، أو مكَّة كما في الحديث الآتي في الباب [خ¦٤٧٧٣] إن شاء الله تعالى يوم فتحها، وكان ذلك المعادُ له شأنٌ عظيمٌ؛ لاستيلائه ﵊ عليها، وقهرِه لأهلها، وإظهارِه عزَّ الإسلام (١)، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذرٍّ (٢). ٤٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاور بمكَّةَ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْلَى) بفتح التحتيَّة واللَّام بينهما عينٌ مهملة ساكنة، ابنُ عُبيدٍ الطنافسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ دِينارٍ (العُصْفُرِيُّ) بضمِّ العين وسكون الصاد المهملتين وضمِّ الفاء وكسر الراء، الكوفيُّ التمَّارُ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] إِلَى (٣) مَكَّةَ) ولغير الأصيلي: «قال: إلى مكة»، وعن الحسن: إلى يوم القيامة، وقيل: إلى الجنَّة، وعند ابن أبي حاتم عن الضَّحَّاك: لمَّا خرج النبي ﷺ -يعني: في الهجرة- فبلغ الجُحفة اشتاق إلى مكَّة، فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] إلى مكَّة، قال الحافظ ابنُ كثير: وهذا من كلام الضَّحَّاك يقتضي أنَّ هذه الآية مدنيَّة، وإن كان مجموع السورة مكِّيًّا (٤)، والله أعلم. (((٢٩))) (العَنْكَبُوتُ) مكِّيَّةٌ، وهي تسعٌ وستونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سورةُ العنكبوتِ بسم الله الرحمن الرحيم». (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابنُ أبي حاتم في قوله: (﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾) من

стр. 8853

قوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أي: (ضَلَلَةً) يحسَبون أنَّهم على هدى وهم على الباطل، والمعنى: أنَّهم كانوا عند أهلهم مستبصرين (١)، وفي نسخة: «ضلالة» بألفٍ (٢) بين اللامين، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة: كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها، وقال في «الأنوار» أي: متمكِّنين من النظر والاستبصار، ولكنَّهم لم يفعلوا. (وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] (الحَيَوَانُ وَالحَيُّ وَاحِدٌ) في المعنى، وهو قولُ أبي عبيدةَ، والمعنى: لهي (٣) دار الحياة الحقيقيَّة (٤) الدَّائمة الباقية؛ لامتناع طريان الموت عليها، أو هي في ذاتها حياةٌ للمبالغة؛ «والحَي» بفتح الحاء في الفرع وغيره ممَّا وقفتُ عليه، وقال في «المصابيح»: بكسرها، مصدرُ «حَيَّ» (٥)، مثل: عَيَّ في مَنْطِقِهِ عِيًّا، قال: وعند ابن السَّكَن والأصيليِّ: «الحيوان والحياة واحد»، والمعنى لا يختلفُ، وقد سقط لغير أبي ذرٍّ والأصيلي «الحيوان والحي واحد»، وثبت لهما في الفرع (٦). (﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ [العنكبوت: ٣]) أي: (عَلِمَ اللهُ ذَلِكَ) في الأزلِ القديمِ، فصيغةُ المضيِّ في ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ (٧) اللهُ﴾ (إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: فَلِيَمِيزَ اللهُ) بفتح الياء التحتيَّة وكسر الميم (كَقَوْلِهِ) : (﴿لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ﴾ [الأنفال: ٣٧]) زاد أبو ذرٍّ (٨): «﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾» لما بين العلم والتمييز من الملازمة، قاله الكِرمانيُّ. (﴿وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]) أي: (أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ) بسبب إضلالهم لهم (٩)،

стр. 8854

لقوله ﵊: «مَن سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً؛ فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها من غير أن ينقصَ مِن وزره شيءٌ» أي: وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، وأوزارًا مثل أوزار مَن أضلُّوا مع أوزارهم، وسقط لغير الأصيليِّ «أوزارًا مع (١)». (((٣٠))) (﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾) وفي نسخة: «سُوْرَةُ ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾» وهي مكِّيَّةٌ، إلَّا قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ﴾ [الروم: ١٧] وهي ستونَ آيةً، أو تسعٌ وخمسونَ، ولأبي ذرٍّ: «سُورَةُ الرُّومِ بسم الله الرحمن الرحيم». (﴿فَلَا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩]) أي: (مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي) مِنَ الذي أعطاه (٢) (أَفْضَلَ) أي: أكثر مِن عطيَّتِهِ (فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا) ولا وزر، وللأَصيليِّ: «فلا يربو عند الله مَن أعطى عطيَّة (٣) يبتغي أفضل منه (٤) -أي: ممَّا أعطى- فلا أجرَ له فيها (٥)»، وهذا وصله الطبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ (٦) عن مجاهدٍ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: الرِّبا اثنان: فَرِبًا لا يفلح، ورِبًا لا بأس به؛ وهو هدية الرجل يريد أضعافها، ثم تلا هذه الآية، وقد كان هذا حرامًا على النبي ﷺ خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تُعطِ وتطلب أكثر مما أعطيت. (قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ: (﴿يُحْبَرُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 8855

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أي: (يُنَعَّمُونَ) والروضة: الجنَّة، ونكَّرها للتعظيم، وقال هنا: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ بصيغة الفعل، ولم يقل: محبرون (١)، ليُدلَّ على التجدُّد. (﴿يَمْهَدُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] أي: (يُسَوُّونَ المَضَاجِعَ) ويوطِّؤونها (٢) في القبور، أو في الجنَّة. (الوَدْقُ) في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ [الروم: ٤٨] هو (المَطَرُ) قاله مجاهد أيضًا فيما وصله الفِريابيُّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [الروم: ٢٨]) المسبوق بقوله جلَّ وعلا: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] نزل (فِي الآلِهَةِ) التي كانوا يعبدونها من دون الله (وَفِيهِ) تعالى، والمعنى: أَخَذَ مثلًا وانتزعه مِن أقرب شيءٍ إليكم وهو أنفسكم، ثم بين المثل فقال: ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ أي: من (٣) مماليكِكُم ﴿مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِنَ المال وغيره؟ وجوابُ الاستفهام الذي بمعنى النفي قولهُ: ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ (﴿تَخَافُونَهُمْ﴾) أي: تخافونَ أيُّها السَّادة مماليكَكُم (أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) والمرادُ: نفيُ الثلاثةِ: الشركة والاستواء وخوفهم إيَّاهم، فإذا لم يَجُزْ أن يكونَ مماليكُكُم شركاءَ مع جواز صيرورَتِهِم مثلَكُم مِن جميع الوجوه، فكيف إن أشركوا (٤) مع الله (٥) غيرَه؟ (﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]) أصله: يتصدَّعون، أُدغمتِ التاء بعدَ قلبها صادًا في الصاد، ومعناه: (يَتَفَرَّقُونَ) أي: فريقٌ في الجنَّة، وفريقٌ في السعير (﴿فَاصْدَعْ﴾) في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أي: افرق وامضه، قاله أبو عُبيدة.

стр. 8856

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي (١): غيرُ ابن عبَّاسٍ: (ضُعْفٌ) بضمِّ المعجمة (وَضَعْفٌ) بفتحها (لُغَتَانِ) بمعنًى واحد، قُرِئَ بهما في قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ والفتح قراءة عاصم وحمزة، وهو لغةُ تميمٍ، والضَّمُّ لغةُ قريشٍ (٢)، وقيل: بالضَّمِّ في الجسد، وبالفتح في العقل، أي: خلقكم مِن ماءٍ ذي ضعف؛ وهو النطفة، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ الطفوليَّة ﴿قُوَّةً﴾ الشبيبة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ هَرَمًا ﴿وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] والشيبةُ تمامُ الضعفِ، والتنكيرُ مع التكرير؛ لأنَّ اللاحقَ ليس عينَ السَّابق (٣). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿السُّوأَى﴾) في قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] (الإِسَاءَةُ جَزَاءُ المُسِيئِينَ) وصله الفِريابيُّ. ٤٧٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، ولأبي ذرٍّ: «عن سفيان» قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشُ) هو سليمانُ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي

стр. 8857

الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بميم (١) (رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ) بكسر الكاف وسكون النون (فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ) بتخفيف المعجمة (يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ المُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، يَأْخُذُ (٢) المُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ) بنصب «المُؤمِنَ» على المفعوليَّة (فَفَزِعْنَا) بكسر الزاي وسكون العين المهملة؛ من الفزع (فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبدَ الله، فأخبرتُه بالذي قاله الرجل (وَكَانَ مُتَّكِئًا فَغَضِبَ) مِنْ ذلك (٣) (فَجَلَسَ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ) ما يعلمُه إذا سُئِل (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ) لأنَّ تمييزَ المعلوم مِنَ المجهول نوعٌ مِنَ العِلم، وليس المراد أنَّ عدم العِلم يكون علمًا، ولأبي ذرٍّ: «الله أعلم» بدل قوله: «لا أعلم» وللأصيليِّ بدلها: «لا علم لي به» (فَإِنَّ اللهَ) تعالى (قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) والقولُ فيما لا يَعلم قسمٌ من التكلُّف، وفيه تعريضٌ بالرجل القائل: «يجيء دخان … » إلى آخره وإنكارٌ عليه، ثم بيَّن قصَّةَ الدخان فقال: (وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤوا عَنِ الإِسْلَامِ) أي: تأخَّروا عنه (فَدَعَا عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ (٤) بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ) الصِّدِّيق ﵊، التي أخبر الله عنها في التنزيل بقوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] وسقط «اللهم» لأبي ذرٍّ (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بفتح السين: قحطٌ، وهم بمكَّةَ (حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ) مِن ضعفِ بصرِه بسببِ الجوع (فَجَاءَهُ) ﵊ (أَبُو سُفْيَانَ) صخرُ بنُ حَرْبٍ بمكَّة أو المدينة (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ جِئْتَ تَأْمُرُنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأصيليِّ وابن عساكر: «تأمُر» بحذف ضمير النصب (بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ) ذوي رَحِمِكَ (قَدْ هَلَكُوا) مِنَ الجَدْبِ والجوع بدُعائِك (٥) عليهم (فَادْعُ اللهَ) لهم بأنْ يكشفَ عنهم، فإنْ كشفَ آمنوا (فَقَرَأَ) ﵊: (﴿فَارْتَقِبْ﴾) أي: انتظرْ (﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾) أي: بيِّنٍ واضحٍ يراه كلُّ أحدٍ (إِلَى قَوْلِهِ:

стр. 8858

﴿(١) عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥]) أي: إلى الكفر أو إلى العذاب، قال ابنُ مسعودٍ: (أَفَيُكْشَفُ) بهمزة الاستفهام وضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ (٢)) وللأصيليِّ: «فَتَكشَّفَ» بمثناة فوقية مفتوحة وفتح الكاف وتشديد المعجمة «عنهمُ العذابُ» أي: رُفِعَ القحط بدعاء النبي ﷺ كشفًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ (٣)) عقب الكشف (٤)؟ (فَذَلِكَ (٥) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ) ظرفٌ، يريد: القتلَ فيه، وهذا الذي قاله ابنُ مسعودٍ وافقه عليه جماعةٌ كمجاهدٍ وأبي العالية وإبراهيمَ النَّخَعيِّ والضَّحَّاكِ وعطيَّةَ العَوْفِّي، واختارَه ابنُ جريرٍ، لكن أخرج ابن أبي حاتم، عن الحارث، عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: لم تمضِ آيةُ الدُّخَان بعدُ، يأخذ المؤمنَ كهيئةِ الزُّكام، وينفخ الكافر حتى ينفد، وأخرج أيضًا عن عبد الله ابن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عبَّاسٍ ذات يوم فقال: ما نمتُ الليلةَ حتى أصبحتُ، قلتُ: لم (٦)؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيتُ أن يكون الدخان قد طرق، فما نمتُ حتَّى أصبحتُ، قال الحافظ ابنُ كثيرٍ: وإسنادُه صحيحٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ حَبْرِ الأمَّة وتَرجمانِ القرآن، ووافقَه عليه جماعة مِنَ الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة مِنَ الصِّحاح والحِسان، ممَّا فيه دلالة ظاهرةٌ على أنَّ الدخان مِنَ الآيات المنتظَرَة، وهو ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] أي: بيِّنٍ واضحٍ، وعلى ما فَسَّرَ به ابنُ مسعود إنَّما هو خيالٌ رأَوه في أعينِهِم مِن شِدَّةِ الجوع والجهد، وكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: ١١] أي: يَعُمُّهُم، ولو كان خيالًا يخصُّ مشركي مكَّة لَمَا قيل: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ وأمَّا قولُه: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] أي: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدنيا؛ لعُدْتُم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا﴾ [المؤمنون: ٧٥] ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال آخرون: لم يمضِ الدُّخَانُ بعدُ، بل هو مِن أماراتِ الساعةِ.

стр. 8859

وفي حديث حذيفةَ بنِ أَسيد الغفاريِّ عن النبي ﷺ : «لا تقومَ السَّاعةُ حتى تَرَوا عشرَ آياتٍ: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدَّابَّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى، والدجال، وثلاثة خسوف؛ خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعْرِ عَدَنْ تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا» انفرد بإخراجه مسلمٌ. (وَ ﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]) هو الأسر (١) (يَوْمَ بَدْرٍ) أيضًا. (﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾) أي: غَلَبَتْ فارسُ الرومَ (إِلَى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣]) أي: الروم سيغلبون فارسَ، وهذا عَلَمٌ مِن أعلام نبوَّةِ نبينا ﷺ ؛ لما فيه مِنَ الإخبار بالغيب (وَالرُّومُ قَدْ مَضَى) أي: غَلْبُهُم لفارسَ؛ فإنَّه قد (٢) وقع يومَ الحديبية، وفي آخر «سورة الدخان» [خ¦٤٨٢٥] قال عبد الله -يعني: ابن مسعود-: خمس قد مضينَ: اللِّزامُ، والرُّومُ، والبطشةُ، والقمر، والدخان، وسقط لأبي ذرٍّ قولُه: «﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ … » إلى آخره. وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط» من «كتاب الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠] ويأتي بقيَّةُ مباحثه في «سورة الدخان» [خ¦٤٨٢١] [خ¦٤٨٢٤] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته. (١) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠]) أي: (لِدِينِ اللهِ) قاله إبراهيمُ النَّخَعيُّ فيما (٣) أخرجه عنه الطَّبريُّ، فهو خبرٌ بمعنى النهي، أي: لا تُبدِّلوا دينَ الله. (﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]) أي: (دِينُ الأَوَّلِينَ) ساقه شاهدًا لتفسير (٤) الأوَّل. (وَالفِطْرَةُ) في قوله: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] هي (الإِسْلَامُ) قاله عكرمةُ فيما وصله الطبريُّ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8860

٤٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمانَ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بنُ يزيدَ الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) قيل: يعني العهد الذي أخذه عليهم بقوله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكلُّ مولودٍ في العالم على ذلك الإقرار، وهي الحنيفيَّة التي وقعت الخِلْقَةُ (١) عليها وإن عَبَدَ غيرَه، ولكن لا عبرَة بالإيمان الفِطريِّ، إنَّما المعتَبرُ الإيمانُ الشرعيُّ المأمورُ به، وقال ابن المبارك: معنى الحديث: أنَّ كلَّ مولودٍ يُولدُ على فِطرتِه، أي: خِلْقَتِه التي جُبِلَ عليها في عِلم الله من السعادة والشقاوة، فكلٌّ منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فُطِرَ عليها، وعاملٌ في الدنيا بالعمل المشاكِلِ لها، فمِن أماراتِ الشقاء أن يولَدَ بين يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، فيحملانِهِ لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل: المعنى: أنَّ كلَّ مولود يُولد في مبدأ الخِلْقَةِ (٢) على الجِبِلَّة السليمة والطبع المتهيئ لقبول (٣) الدين، فلو تُرِكَ عليها لاستمرَّ على لزومها، لكن يطرأ (٤) على بعضهم الأديان الفاسدة، كما قال: (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه على صيغة المبنيِّ للمفعول، أي: تلد (البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا؛ تامَّة الأعضاء (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)؟ بفتح الجيم وسكون المهملة ممدودًا؛ مقطوعة الأذن أو الأنف، أي: لا جدع فيها من أصل الخلقة، إنَّما يجدُعها أهلُها بعد ذلك، فكذلك (٥) المولود يُولَد على الفطرة ثم يتغيَّرُ بعد،
следующие страницы →