← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأنَّ الرِّوايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ غير طريق زهيرٍ وإسرائيل، مع أنَّه يمكن ردُّ أكثر الطُّرق إلى رواية زهيرٍ، وقد تابع زهيرًا يوسفُ بنُ إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهيرٍ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة بتقدير المُوحَّدة، أي: الأسودَ (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ) أي: الأرض المطمئنَّة لقضاء حاجته، فالمُرَاد به: معناه اللُّغويُّ (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أي: فأمرني بإتيان ثلاثة أحجارٍ، وفي طلبه الثَّلاثةَ دليلٌ على اعتبارها، وإلَّا لَمَا طلبها، وفي حديث سلمان: نهانا رسول الله ﷺ أن نكتفيَ بدون ثلاثة أحجارٍ كما (١) رواه مسلمٌ وأحمد، قال عبد الله بن مسعود (٢) ﵁: (فَوَجَدْتُ) أي: أصبت (حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ) أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ) بالضَّمير المنصوب، أي: الحجرَ، ولأبي ذَرٍّ: «فلم أجد» بحذفه (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زاد ابن خزيمة في روايةٍ له في هذا الحديث: أنَّها كانت روثة حمارٍ (فَأَتَيْتُهُ) ﵊ (بِهَا) أي: بالثَّلاثة (فَأَخَذَ) ﵊ (الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) بكسر الرَّاء، أي: رِجْسٌ، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه في هذا الحديث، أو طعام الجنِّ، وعُزِيَ للنَّسائيِّ، أو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، قاله الخطَّابيُّ، وذكَّر إشارة (٣) الرَّوثة باعتبار تذكير الخبر، على حدِّ قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وفي بعض النُّسخ: «هذه ركسٌ» على الأصل، فإن قلت: ما وجه إتيانه بالرَّوثة بعد أمره ﵊ له بالأحجار؟ أُجِيب بأنَّه قاس الرَّوث على الحجر بجامع الجمود، فقطع ﷺ قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه

стр. 912

إلَّا لضرورة عدم المنصوص عليه، وزاد في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبوي ذَرٍّ والوقت (١): (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاقَ السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق بن (٢) أبي إسحاق الكوفيِّ الحافظ، المُتوفَّى في زمن أبي جعفرٍ المنصور، أو سنة سبعٍ وخمسين ومئةٍ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن الأسود بن (٣) يزيد (٤)، أي: بالإسناد السَّابق، وأراد المؤلِّف بهذا التَّعليق الرَّدَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاقَ دلَّس هذا الخبر، وفي ذكر مبحث ذلك طولٌ يخرج عن غرض الاختصار، وقد استدلَّ الطَّحاويُّ بقوله: «وألقى الرَّوثة» على عدم اشتراط الثَّلاث في الاستنجاء، وعَلَّل (٥) بأنَّه لو كان مشترطًا (٦) لطلب ثالثًا، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وداودَ، وأُجِيب بأنَّ في رواية أحمد في «مُسنَده» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ أثباتٌ عن ابن مسعودٍ في هذا الحديث: «فألقى الرَّوثة»، وقال: «إنَّها ركسٌ، ائتني بحجرٍ»، أو أنَّه ﵊ اكتفى بطرف أحد الحجرين عنِ الثَّالث لأنَّ المقصود بالثَّلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحاتٍ، وذلك حاصلٌ ولو بواحدٍ له ثلاثة أطرافٍ (٧)، وتأتي بقيَّة المباحث قريبًا إن شاء الله تعالى بحمد الله وعونه (٨). (٢٢) هذا (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً) لكلِّ عضوٍ.

стр. 913

١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكَنْدِيُّ أو الفِرْيَابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، أوِ الثَّوريُّ، وجزم الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ بأنَّ المُرَاد محمَّدُ بن يوسف الفريابيُّ لا البيكنديُّ، وسفيان الثَّوريُّ لا ابن عيينة، والتَّردُّد فيهما للكِرمانيِّ، وأقرَّه العينيُّ عليه (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) التَّابعيِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، والسِّين المُهمَلَة المُخفَّفة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فغسل كلَّ عضوٍ من أعضاء الوضوء (مَرَّةً مَرَّةً) بالنَّصب فيهما على المفعول المُطلَق المبيِّن للكميَّة، وقِيلَ: على الظَّرفيَّة، أي: توضَّأ في زمانٍ واحدٍ، وقِيلَ: على المصدر، أي: توضَّأ مرَّةً، مِنَ التَّوضُّؤ، أي: غسل الأعضاء غسلةً واحدةً. (٢٣) [هذا] (بابُ الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) لكلِّ عضوٍ أيضًا.

стр. 914

١٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثني» (حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى) بتصغير الأوَّل، ابن حُمران -بضمِّ الحاء المُهمَلَة- الطَّائيُّ القومسيُّ -بالقاف والسِّين المُهمَلَة- الدَّامغانيُّ البسطاميُّ، المُتوفَّى بنيسابورَ سنة سبعٍ وأربعين ومئتين، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «الحسين بن عيسى» (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلمٍ المؤدِّب المعلِّم المؤذِّن البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بعد المئتين سنة سبعٍ أو ثمانٍ أو غير ذلك (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية الأربعة: «أخبرنا» (فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ، واسمه: عبد الملك (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح العَيْن في الأوَّل، وفتح الحاء المُهمَلَة وسكون الزَّايِ في الثَّاني (١)، المدنيِّ الأنصاريِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وثلاثين ومئةٍ، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أبي بكر بن محمَّد بن عمرٍو» بزيادة: «ابن محمَّدٍ» بين أبي بكرٍ وابن عمرٍو (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بتشديد المُوحَّدة بعد العَيْن، ابن يزيد الأنصاريِّ، المُختَلف في صحبته (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن عبد ربِّه، صاحب رؤيا الأذان ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ) فغسل أعضاء الوضوء (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالنَّصب (٢) فيهما على المفعول المُطلَق كالسَّابق. (٢٤) هذا (بابُ الوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) لكلِّ عضوٍ.

стр. 915

١٥٩ - ١٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العَيْن، سبط عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ) التَّابعيَّ (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر ابن شهابٍ (أَنَّ) بفتح الهمزة، بتقدير الباء (حُمْرَانَ) بضمِّ (١) الحاء المُهمَلَة وسكون الميم وبالرَّاء، ابن أَبَان -بفتح الهمزة والمُوحَّدة المُخفَّفة- ابن خالدٍ (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفَّان ﵁، المُتوفَّى سنة

стр. 916

خمسٍ وسبعين (أَخْبَرَهُ) أي: أنَّ (١) حُمْران أخبر عطاءً: (أَنَّهُ رَأَى) أي: أبصر (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميَّة، أمير المؤمنين، المُلقَّب بذي النُّورين، ولا نعلم أنَّ أحدًا أرخى سترًا على ابنتَي نبيٍّ غيره، قاله الحافظ الزَّين العراقيُّ، المستشهد يوم الدَّار يوم الجمعة لثمانِ عَشْرَةَ خلت من ذي الحجَّة سنة خمسٍ وثلاثين ﵁ حال كونه قد (دَعَا بِإِنَاءٍ) فيه ماءٌ للوضوء (فَأَفْرَغَ) بفاء التَّفسير، أي: فصبَّ (عَلَى كَفَّيْهِ) أي: إفراغًا (ثَلَاثَ مِرَارٍ) (٢)، والظَّاهر أنَّ المُرَاد: أفرغ على واحدةٍ بعد واحدةٍ (٣) لا عليهما، وقد بيَّن في روايةٍ أخرى: «أنَّه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثمَّ غسلهما (٤)»، وقوله: «غسلهما» قدرٌ مشتركٌ بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرِّقتين، والذي جزم به في «الرَّوضة» من «زوائده»: أنَّ الكفَّين كالأُذنين، والصَّحيح في الأُذنين مسحهما معًا (٥) فكذلك يغسل الكفَّين معًا، ويدلُّ عليه من هذا الحديث أنَّه قال: «فغسلهما (٦) ثلاثًا»، ولو أراد التَّفريق لقال: غسلهما ثلاثًا ثلاثًا، وفي رواية الأَصيليِّ وكريمة: «ثلاث مرَّاتٍ» (فَغَسَلَهُمَا) أي: غسل كفَّيه قبل إدخالهما الإناء (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ) فأخذ منه الماء وأدخله في فِيْهِ (فَمَضْمَضَ) بأنْ أدارَ الماءَ في (٧) فيه، وفي رواية الأَصيليِّ: «فتمضمض» بالتَّاء بعد الفاء (وَاسْتَنْشَقَ) بأنْ أَدْخَلَ الماء في أنفه، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «واستنثر» بالمُثنَّاة الفوقيَّة ثمَّ المُثلَّثة بينهما نونٌ ساكنةٌ، أي: أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق، وفي رواية أبي داودَ وابن المنذر: «فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا» (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا) وحدُّ الوجه: من قصاص الشَّعر إلى أسفل الذَّقَن طولًا، ومن

стр. 917

شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا، وفيه: تأخير غسل الوجه عن السَّابق، كما دلَّ عليه العطف بـ «ثمَّ» المقتضية للمُهْلة والتَّرتيب احتياطًا للعبادة؛ لأنَّ اعتبار أوصاف الماء لونًا وطعمًا وريحًا يُدرَك بالبصر والفم والأنف، فظهر سرُّ تقديم المسنون على المفروض (وَ) غسل (يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (إِلَى) أي: مع (المَِرْفَِقَيْنِ) بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس، لغتان مشهورتان، غسلًا (١) (ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) وسقط «ثمَّ» لغير الأربعة، ولم يذكر عددًا للمسح كغيره، فاقتضى الاقتصار على مرَّةٍ واحدةٍ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد لأنَّ المسح مبنيٌّ على التَّخفيف، فلا يُقَاس على الغسل؛ لأنَّ المُراد منه المُبالَغَة في الإسباغ. نعم روى أبو داودَ من وجهين صحَّح أحدَهما ابنُ خزيمةَ وغيره في (٢) حديث عثمان: تثليث (٣) مسح الرَّأس، والزِّيادة من العدل مقبولةٌ، وهو مذهب الشَّافعيِّ، كغيره من الأعضاء، وأُجِيب بأنَّ رواية المسح مرَّةً إنَّما هي لبيان الجواز (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) غسلًا (ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى) أي: مع (الكَعْبَيْنِ) وهما العظمان المرتفعان عند مفصل (٤) السَّاق والقدم (ثُمَّ قَالَ) عثمان ﵁: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) أي: مثله، لكن بين «نحو» و «مثل» فرقٌ من حيثُ إنَّ لفظ: «مثل» يقتضي المُساواة من كلِّ وجهٍ، إلَّا في الوجه الذي يقتضي التَّغاير بين الحقيقتين، بحيث يخرجان عن الوحدة، ولفظ: «نحو» لا يقتضي ذلك، ولعلَّها استُعمِلت هنا بمعنى: «المثل» مجازًا، أو (٥) لعلَّه لم يترك ممَّا يقتضي المثليَّة إلَّا ما لا يقدح في المقصود، قاله ابن دقيق العيد، قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: وإنَّما حملَ «نحو» على معنى «مثل» مجازًا،

стр. 918

أو على جلِّ المقصود لأنَّ الكيفيَّة المترتِّب عليها ثوابٌ مُعيَّنٌ باختلال شيءٍ منها يختلُّ الثَّواب المترتِّب (١)، بخلاف ما يفعل لامتثال الأمر، مثل فعله ﷺ ، فإنَّه يُكتفَى فيه (٢) بأصل الفعل الصَّادق عليه الأمر. انتهى. وقد وقع في بعض طرق الحديث بلفظ «مثل» كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٣٣]، وكذا عند مسلمٍ، وهو معارضٌ لقول النَّوويِّ: إنَّما قال: «نحو وضوئي» ولم يقل: «مثل» لأنَّ حقيقة مُماثَلته لا يقدر عليها غيره، نعم علمه ﵊ بحقائق الأشياء وخفيَّات الأمور لا يعلمها (٣) غيره، وحينئذٍ فيكون قول عثمان ﵁: «مثل» بمُقتضى الظَّاهر (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) بشيءٍ من الدُّنيا، كما رواه الحكيم التِّرمذيُّ في «كتاب الصَّلاة» له، وحينئذٍ فلا يؤثِّر حديث نفسه في أمور الآخرة، أو يتفكَّر في معاني ما يتلوه من القرآن، وقد كان عمر بن الخطَّاب ﵁ يجهِّز جيشه في صلاته، لكن قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: ينبغي تأويله، أي: لكونه لا تعلُّق له بالصَّلاة، إذِ السَّائغ إنَّما هو ما يتعلَّق بها من فهم المتلوِّ فيها أو غيره كما قرَّره الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام، وقال في

стр. 919

«الفتح»: المُراد: ما تسترسل النَّفس معه ويمكن المرء قطعه لأنَّ قوله: «يحدِّث» يقتضي تكسُّبًا منه، فأمَّا ما يهجم من الخَطَرات والوساوس ويتعذَّر دفعه فذلك معفوٌّ عنه. نعم هو بلا رَيْبٍ دون من سلم من الكلِّ لأنَّه ﵊ إنَّما ضمن الغفران لمن راعى ذلك بمُجاهَدَة نفسه من (١) خطرات الشَّيطان ونفيها عنه وتفرُّغ (٢) قلبه، ولا رَيْبَ أنَّ المتجرِّدين عن شواغل الدُّنيا الذين غَلَبَ ذكرُ الله على قلوبهم يحصل لهم ذلك، ورُوِيَ عن سعدٍ ﵁ أنَّه قال: «ما قمت في صلاةٍ فحدَّثتُ نفسي فيها بغيرها» قال الزُّهريُّ ﵀: رحم الله سعدًا، إنْ كان لمَأمونًا على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلَّا في نبيٍّ. انتهى. وجواب الشَّرط في قوله: (غُفِرَ لَهُ) بضمِّ الغَيْن مبنيًّا للمفعول، وفي رواية ابن عساكر: «غَفَرَ الله له» (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر دون الكبائر، كما في «مسلمٍ» من (٣) التَّصريح به، فالمُطلَق يُحمَل على المُقيَّد، وزاد ابن أبي شيبة: «وما تأخَّر»، ويأتي لفظه في «باب المضمضة» [خ¦١٦٤] بعون الله تعالى. (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ السَّابق أوَّل الباب [خ¦١٥٩] وهو معطوف على قوله: حدَّثني إبراهيم بن سعدٍ (قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (وَلَكِنْ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ) هذا استدراكٌ من ابن شهابٍ، يعني: أنَّ شيخيه اختلفا في روايتهما له عن حُمْرَانَ عن عثمانَ ﵁، فحدَّثه به (٤) عطاءٌ على صفةٍ، وعروة على صفةٍ، وليس ذلك اختلافًا، وإنَّما هما حديثان متغايران، فأمَّا صفة تحديث عطاءٍ فتقدَّمت، وأمَّا صفة تحديث عروةَ عنه فأشار إليها بقوله: (فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ) ﵁، عطفٌ على محذوفٍ تقديره: عن حمران أنَّه رأى عثمان ﵁ دعا بإناءٍ، فأفرغ على كفَّيه، إلى أن قال:

стр. 920

فغسل رجليه إلى الكعبين، فلمَّا توضَّأ (قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ) وفي رواية الأربعة: «لَأحدِّثنَّكم» أي: والله لَأحدِّثنَّكم (حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ) ولابن عساكر: «لولا الآية (١)» ثابتةٌ في كتاب الله تعالى (مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ) أي: ما كنت حريصًا على تحديثكم به (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: لَا يَتَوَضَّأُ) وفي روايةٍ: «لا يتوضَّأنَّ» بنون التَّوكيد الثَّقيلة (رَجُلٌ يُحْسِنُ) وفي رواية الأربعة: «فيحسن» (وُضُوءَهُ) بأن يأتيَ به كاملًا بآدابه وسننه، والفاء بمعنى: «ثمَّ» لأنَّ إحسان الوضوء ليس متأخِّرًا عن الوضوء حتَّى يُعطَف عليه بالفاء التَّعقيبيَّة، بل هي لبيان المرتبة دلالةً على أنَّ الإجادة في الوضوء أفضلُ وأكملُ من الاقتصار (٢) فيه على الواجب (وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ) المفروضة (إِلَّا) رجلٌ (غُفِرَ لَهُ) بضمِّ الغَيْن وكسر الفاء (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ) «التي تليها» كما في «مسلمٍ» من رواية هشام بن عروة، أي: مِنَ الصَّغائر (حَتَّى يُصَلِّيَهَا) أي: يفرغَ منها، فـ «حتَّى»: غاية تحصيل (٣) المُقدَّر في الظَّرف إذِ الغفران لا غاية له، وقال في «الفتح»: حتَّى يصلِّيَها، أي: يشرع في الصَّلاة الثَّانية. (قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾ [البقرة: ١٥٩]) ولابن عساكر: «﴿مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾» وفي روايةٍ: «﴿مَا أَنزَلْنَا﴾ … الآيةَ» أي: التي في سورة البقرة إلى قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ كما في «مسلمٍ»، وهذه الآية وإن كانت (٤) في أهل الكتاب فهي تحثُّ على التَّبليغ، ومن ثمَّ استُدِلَّ بها في

стр. 921

هذا المقام لأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب على ما عُرِفَ في محلِّه، ثمَّ إنَّ ظاهر الحديث يقتضي أنَّ المغفرة لا تحصل بما ذُكِرَ من إحسان الوضوء، بل حتَّى تنضافَ إليه الصَّلاة، قال ابن دقيق العيد: الثَّواب الموعود به يترتَّب على مجموع الوضوء على النَّحوِ المذكور، وصلاة الرَّكعتين بعده به، والمترتِّب (١) على مجموع أمرين لا يترتَّب على أحدهما إلَّا بدليلٍ خارجٍ، وقد أدخل قومٌ هذا الحديث في فضل الوضوء، وعليهم في ذلك هذا السُّؤال، ويُجَاب بأنَّ كون الشَّيء جزءًا فيما يترتَّب عليه الثَّوابُ العظيم كافٍ في كونه ذا فضلٍ، فيحصل المقصود من كون الحديث دليلًا على فضيلة الوضوء، ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثَّواب المخصوص وحصول مُطلَق الثَّواب، فالثَّواب المخصوص يترتَّب على مجموع الوضوء على النَّحوِ المذكور، والصَّلاة الموصوفة وفضيلة (٢) الوضوء قد تحصل (٣) بما دون ذلك. انتهى. وفي حديث أبي هريرة ﵁ الصَّحيح «إذا توضَّأ العبد خرجت خطاياه … » الحديثَ (٤)، وفيه: أنَّ الخطايا تخرج مع (٥) آخر الوضوء حتَّى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذُّنوب، وليس فيه ذكر الصَّلاة، وأُجِيب بأنَّه (٦) يُحمَل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أنَّ في روايةٍ لـ «مسلمٍ» من حديث عثمان ﵁: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلةً»، وأُجِيب باحتمال أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فَرُبَّ متوضِّئٍ يحضره من الخشوع ما يستقلُّ وضوؤه بالتَّكفير، وآخرُ عند تمام الصَّلاة، والله تعالى أعلم.

стр. 922

(٢٥) هذا (١) (بابُ الاِسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ) وهو دفع الماء الذي يستنشقه المتوضِّئ، أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرجه بريح أنفه، سواءٌ كان بإعانة يده أم لا (ذَكَرَهُ) أي: الاستنثار (عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ فيما رواه المؤلِّف موصولًا في «باب مسح الرَّأس كلّه» كما تقدَّم (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) فيما (٢) وصله المؤلِّف [خ¦٤/ ٢٨ - ٢٨٩] فيما سيأتي إن شاء الله تعالى (وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ: «وعبد الله بن عبَّاسٍ» وتقدَّم حديثه موصولًا عند المؤلِّف في «باب غسل الوجه من غَرْفَةٍ» [خ¦١٤٠] لكن ليس فيه ذكر «الاستنثار»، قال في «الفتح»: وكأنَّ المصنِّف أشار بذلك إلى ما رواه أحمدُ وأبو داود والحاكمُ من حديثه موقوفًا: استنثروا مرَّتين بالغتين أو ثلاثًا. ١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) اسمه: عبد الله بن عثمان المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: ابن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله -بالهمزة والذَّال المُعجَمَة- ابن عبد الله الخولانيُّ -بالمُعجَمَة- التَّابعيُّ الجليل، قاضي دمشق لمعاوية، المُتوفَّى سنة ثمانين (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت عنِ المُستملي: «أنَّه قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) بأن يُخرِج ما في أنفه من أذًى بعد الاستنشاق لِما فيه من تنقية مجرى النَّفَس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه من الثُّفْل تصحُّ مجاري الحروف، وفيه طرد الشَّيطان لِما (٣) عند

стр. 923

المؤلِّف رحمه الله تعالى في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٥]: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضَّأ (١) فليستنثر ثلاثًا، فإنَّ الشَّيطان يبيت على خيشومه» والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشَّيطان عليه حقيقةٌ أو هو على الاستعارة لأنَّ ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارةٌ توافق الشَّياطين (٢)، فهو على عادة العرب في نسبتهم المُستخبَث والمُستبشَع (٣) إلى الشَّيطان، أو ذلك عبارةٌ عن تكسيله عن القيام إلى الصَّلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته لعموم النَّائمين أو مخصوصٌ بمن لم يفعل ما يحترس به (٤) في منامه كقراءة آية «الكرسيِّ»؟ وظاهر الأمر فيه: للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به -كأحمد وإسحاق وغيرهما- أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب «المغني» من الحنابلة أنَّهم يقولون بذلك، وأنَّ مشروعيَّة الاستنشاق لا تحصل إلَّا بالاستنثار، وقول العينيِّ: إنَّ الإجماع قائمٌ على عدم وجوبه، يردُّه تصريح ابن بطَّالٍ بأنَّ بعض العلماء قال بوجوبه، وقال الجمهور: إنَّ الأمر فيه للنَّدب مستدلِّين له بما أخرجه التِّرمذيُّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه من قوله ﷺ للأعرابيِّ: «من توضَّأ كما أمر الله … » فأحال (٥) على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أي: مسح محلِّ النَّجو بالجمار، وهي الأحجار الصِّغار (فَلْيُوتِرْ) وحمله بعضهم على استعمال البَخور، فإنَّه يُقال: تجمَّر واستجمر، أي: فلْيأخذ ثلاث قطعٍ من الطِّيب ويتطيَّب ثلاثًا أو أكثر وترًا، حكاه ابن حبيبٍ عن ابن عمرَ، ولا يصحُّ، وكذا حكاه ابن عبد البرِّ عن مالكٍ، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عنه خلافه، والأظهر الأوَّل (٦). (٢٦) (بابُ الاِسْتِجْمَارِ) بالأحجار حال كونه (وِتْرًا).

стр. 924

١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّايِ وبالنُّون، واسمه: عبد الله بن ذكوان (١) (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ) أي: إذا أراد أن يتوضَّأ (أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ) كذا في فرع (٢) «اليونينيَّة» كهي بحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وهو رواية الأكثرين، أي: فليجعل في أنفه ماءً، ولأبي ذَرٍّ إثباته كـ «مسلمٍ» من رواية سفيان عن أبي الزِّناد (ثُمَّ لِيَنْثُرْ) بمُثلَّثةٍ مضمومة بعد النُّون السَّاكنة من «باب الثُّلاثيِّ المُجرَّد»، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ثمَّ لينتثر» على وزن «لِيَفْتَعِل» من «باب الافتعال»، يُقال: نثر الرَّجل وانتثر (٣) إذا حرَّك النَّثْرة، وهي طرف الأنف في الطَّهارة (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) بالأحجار (فَلْيُوتِرْ) بثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ أو غير ذلك، والواجب الثَّلاثة لحديث «مسلمٍ»: «لا يستنجي أحدكم بأقلَّ من ثلاثة أحجارٍ»، فأخذ بهذا الحديث الشَّافعيُّ وأحمدُ وأصحاب الحديث، فاشترطوا ألَّا ينقص من الثَّلاثة، فإن حصل الإنقاء بها، وإلَّا وجبتِ الزِّيادة، واستُحِبَّ الإيتار (٤) إن حصل الإنقاء بشفعٍ للحديث الصَّحيح: «ومَنِ استجمر فليوتر»، وليس بواجبٍ لزيادةٍ لأبي داود بإسنادٍ حسنٍ قال: «ومَنْ لا فلا حرج»، والمدار عند المالكيَّة والحنفيَّة على أنَّ (٥) الإنقاء حيث وُجِدَ اقتُصِرَ

стр. 925

عليه (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) عطفٌ على قوله: «إذا توضَّأ» (فَلْيَغْسِلْ) ندبًا (يَدَهُ) بالإفراد، وفي «مسلمٍ»: «ثلاثًا» (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا) أي: قبل إدخالها (فِي) دون القلَّتين من (وَضُوئِهِ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوَضَّأ به، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كـ «مسلمٍ»: «قبل أن يدخلها (١) في الإناء» وهو ظرف الماء المُعَدُّ للوضوء لا يبلغ قلَّتين (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) من جسده، أي: هل لاقت مكانًا طاهرًا منه (٢) أو نجسًا؟ بثرةً أو جرحًا؟ أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد (٣) بلل المحلِّ، أو اليد بنحو عرقٍ، ومفهومه: أنَّ مَنْ دَرَى أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقةً مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها أنَّه (٤) لا كراهة. نعم، يُستحَبُّ غسلهما قبل غمسهما في الماء القليل، فقد صحَّ عنه ﷺ غسلهما قبل إدخالهما في الإناء في حالة (٥) اليقظة، فاستحبابه بعد النَّوم أَوْلى، ومن قال كمالكٍ: إنَّ الأمر للتَّعبُّد لا يفرِّق بين شاكٍّ ومتيقِّنٍ، والأمر في قوله: «فليغسل» للنَّدب عند الجمهور، فإنَّه (٦) علَّله بالشَّكِّ في قوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده»، والأمر المُضمَّن بالشَّكِّ لا يكون واجبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطَّهارة، وحمله الإمام أحمد ﵀ على الوجوب في نوم اللَّيل دون نوم النَّهار

стр. 926

لقوله في آخر الحديث: «أين (١) باتت يده» لأنَّ حقيقة المَبيت تكون في اللَّيل، ووقع التَّصريح به في رواية أبي داودَ بلفظ: «إذا قام أحدكم من اللَّيل» وكذا عند التِّرمذيِّ، وأُجِيب بأنَّ التَّعليل يقتضي إلحاق نوم النَّهار بنوم اللَّيل، وإنَّما خصَّ نوم اللَّيل بالذِّكر للغلبة، قال الرَّافعيُّ في «شرح المُسنَد»: يمكن أن يُقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدُّ منها لمن نام نهارًا لأنَّ الاحتمال في نوم اللَّيل أقرب لطوله عادةً، وليس الحكم مُختَصًّا بالنَّوم، بلِ المُعتَبَر الشَّكُّ في نجاسة اليد، واتَّفقوا على أنَّه لو غمس يده لم يضرَّ الماء خلافًا لإسحاقَ وداودَ وغيرهما، وحيث ثبتتِ الكراهة فلا تزول إلَّا بتثليث الغسل، كما نُصَّ عليه في «البويطيِّ»، وهي المطلوبة عند كلِّ وضوءٍ، قال الإمام: حتَّى لو كان يتوضَّأ من قُمْقُمَةٍ فيُستحَبُّ غسلهما احتياطًا لتوقُّع خبثٍ وإن بَعُدَ، لا للحدث، واحتُرِز بـ «الإناء» عن البرك والحياض، ويُستفَاد من الحديث: استحباب غسل النَّجاسات ثلاثًا لأنَّه إذا أُمِرَ به في المشكوك ففي المُحقَّق أَوْلى، والأخذ بالاحتياط في العبادات، وأنَّ الماء يَنْجُس بورود النَّجاسة عليه، وفي الإضافة إلى المُخاطَبين في قوله: «فإنَّ أحدكم» إشارةٌ إلى مُخالَفَة نومه ﵊ لذلك (٢)، فإنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه. وهذا الحديث أخرجه السِّتَّة، وههنا تنبيهٌ: وهو أنَّه ينبغي للسَّامع لأقواله ﵊ أن يتلقَّاها بالقبول ودفع الخواطر الرَّادَّة لها، فقد بلغنا أنَّ شخصًا سمع هذا الحديث فقال: وأين تبيت يده منه؟ فاستيقظ من النَّوم ويده داخلَ دُبره محشوَّةً، فتاب عن ذلك وأقلع، فنسأل الله تعالى أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرَّديئة، والله المُوفِّق.

стр. 927

(٢٧) (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ) زاد أبو ذَرٍّ فيما أفاده في «الفتح»: (وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ) -أي: إذا كانتا عاريتين- وهي كذا في الفرع ثابتةٌ من غير تعيينٍ (١). ١٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية أبي ذَرٍّ «حدَّثني» (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ «أخبرنا (٢)» (أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العَيْن المُهمَلَة، الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمَة، واسمه جعفر بن أبي وحشيَّة الواسطيُّ (عَنْ يُوسُفَ بْنِ (٣) مَاهَِكَ) بكسر الهاء وفتحها، منصرفًا وغير منصرفٍ، كما مرَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص ﵁ أنَّه (٤) (قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ) من مكَّة إلى المدينة في حجَّة الوداع أو عمرة القضيَّة (فَأَدْرَكَنَا) بفتح الكاف، أي: لَحِقَ بنا رسول الله ﷺ ، وفي رواية كريمة وأبي الوقت «في سفرةٍ سافرناها فأدركنا» (وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ) بسكون القاف من الإرهاق، ونصبُ «العصرَ» مفعولُه (٥)، أي: أخَّرناها حتَّى دنا وقتها، وهذه رواية أبي ذَرٍّ، ولكريمة والأَصيليِّ: «أرهقتنا» بتأنيث الفعل «العصرُ» بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ «مسلمٍ»: «رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكَّة إلى المدينة، حتَّى إذا كنا بماءٍ بالطَّريق تعجَّل (٦) قومٌ عند العصر، أي: قرب دخول وقتها، فتوضَّؤوا (٧) وهم

стр. 928

عِجالٌ … » الحديثَ (فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) بالجمع مُقابَلَةً للجمع (١)، فالأرجل مُوزَّعةٌ على الرِّجال (فَنَادَى) ﷺ (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ) دعاءٌ بوادٍ في جهَّنم (لِلأَعْقَابِ) أي: لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها (مِنَ النَّارِ) أوِ العقاب خاصٌّ بالأعقاب إذا قصَّر في غسلها (٢)، والألف واللَّام في الأعقاب للعهد، أي: الأعقاب المرئيَّة إذ ذاك، و «العَقِب»: مُؤخَّر القدم (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) أي: نادى مرَّتين أو ثلاثًا، واستُنبِط من هذا الحديث: الرَّدُّ على الشِّيعة القائلين بأنَّ الواجبَ المسحُ أخذًا بظاهر قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض؛ إذ لو كان الفرض (٣) المسح لَما توعَّد عليه بالنَّار، لا يُقال: إنَّ ظاهر رواية «مسلمٍ» أنَّ الإنكار عليهم إنَّما هو بسبب الاقتصار على غسل بعض الرِّجل، حيث قال: «فانتهينا إليهم وأعقابهم بيضٌ تلوح لم يمسَّها الماء» لأنَّ هذه الرِّواية من أفراد «مسلمٍ»، والأُولى (٤) ممَّا (٥) اتَّفقا عليه فهي أرجح، فتُحمَل هذه الرِّواية عليها بالتَّأويل، فيحتمل أن يكون معنى قوله: «لم يمسَّها الماء» أي: الغَسل جمعًا بين الرِّوايتين، وقد صرَّح بذلك في رواية «مسلمٍ» عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رَجُلًا لم يغسل عقبه فقال ذلك، وأيضًا: فالقائلون بالمسح لم يوجبوا مسح العقب، وقد تواترتِ الأخبار عنه ﷺ في صفة وضوئه: أنَّه غسل رجليه، وهو المبيِّن لأمر الله تعالى، وقد قال في حديث عمرو بن عَنْبَسة (٦) المرويِّ عند ابن خزيمة: «ثمَّ يغسل قدميه كما أمر (٧) الله تعالى»، وأمَّا ما رُوِيَ عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وأنسٍ ﵃ من المسح فقد

стр. 929

ثبت عنهمُ الرُّجوع عنه، وهذا الحديث قد سبق بسنده في «باب من أعاد الحديث ثلاثًا» من «كتاب العلم» [خ¦٩٦] إلَّا أنَّ الرَّاويَ الأوَّل هناك أبو النُّعمان، وهنا موسى، والله أعلم بالصَّواب (١). (٢٨) هذا (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ) بإضافة «بابٍ» لتاليه، وفي روايةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المضمضة من الوضوء» (قَالَهُ) أي: ما ذُكِرَ من المضمضة (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما تقدَّم موصولًا في «الطَّهارة» [خ¦٤/ ٢٥ - ٢٨٣] (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصمٍ، فيما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في «باب غسل الرِّجلين إلى الكعبين» [خ¦١٨٦] (¬﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) مِنَ الزِّيادة (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ المُهمَلَة (مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن عفَّان» (دَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وفي «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: دعا بإناءٍ فيه ماءٌ للوضوء (فَأَفْرَغَ) أي: فصبَّ (عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي (٢): قبل أن يدخلهما (٣) الإناء، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]:

стр. 930

فأفرغ على كفَّيه ثلاثَ مرارٍ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ) بفتح الواو، فأخذ منه (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ثمَّ مضمض» (وَاسْتَنْشَقَ) بأن جذب الماء بريح أنفه (وَاسْتَنْثَرَ) بأن أخرجه به، وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثمَّ أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، والمضمضة: وضع الماء في الفم وإدارته بالإصبع أو بقوَّة الفم ثمَّ مجُّه، لكن المشهور عند الشَّافعيَّة: أنَّه لا يُشتَرط تحريكه ولا مجُّه، وإذا كان بالإصبع فاستحبَّ بعضهم أن يكون باليمين لأنَّ الشِّمال مسَّتِ الأذى، وإذا (١) كان في الفم درهمٌ أداره ليصل الماء إلى محلِّه، وفي رواية أبي داود وابن المنذر: فتمضمض (٢) ثلاثًا واستنثر ثلاثًا، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مُستحَقٌّ لاختلاف العضوين، وقِيلَ: مُستحَبٌّ كتقديم اليمين، قال في «الفتح»: واتَّفقتِ الرِّوايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق، وهما سُنَّتان في الوضوء والغسل، وأوجبهما أحمد، والأفضل في كيفيَّتهما: أن يفصل بينهما في أظهر القولين عند الرَّافعيِّ، وعلى هذا: فالأصحُّ -ونُصَّ عليه في «البويطيِّ» - الفصل بغرفتين يتمضمض (٣) بغَرفةٍ ثلاثًا، ثمَّ يستنشق بأخرى ثلاثًا، وقِيلَ: بستِّ غَرفاتٍ إلحاقًا بسائر الأعضاء، وقصدًا للنَّظافة (٤)، والقول الثَّاني: أنَّ الجمع أفضل، وعلى هذا: فالأَوْلى أن يجمع بثلاث غرفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ ثمَّ يستنشق، وهو الأصحُّ عند النَّوويِّ، وقِيلَ: يجمع بغَرفةٍ واحدةٍ، حكاه في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وعلى هذا: يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق كذلك، وقِيلَ: يتمضمض منها ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ثمَّ أدخل يمينه» على عدم اشتراط نيَّة الاغتراف، ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، وَ) غسل (يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (إِلَى) أي: مع (المِرْفَقَيْنِ) غسلًا (ثَلَاثًا) وفي السَّابقة [خ¦١٥٩]: ثلاث مرَّاتٍ (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) زاد في رواية أبي داود وابن خزيمة في «صحيحه»: ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ) غسلًا (ثَلَاثًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «كلَّ رجله» وهي تفيد تعميم (٥) كلِّ رِجلٍ بالغسل،

стр. 931

وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «كلَّ رجليه» بالتَّثنية. قال في «الفتح»: وهي بمعنى الأولى، أي: رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ، وفي رواية ابن عساكر: «كلتا رجليه» وهي التي اعتمدها في «عمدة الأحكام» (ثُمَّ قَالَ) ﵁: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ (٢)) وفي روايةٍ: «ثمَّ قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وفي «الرِّقاق» عند المؤلِّف [خ¦٦٤٣٣]: مثل وضوئي هذا (وصَلَّى) وفي روايةٍ: «ثمَّ صلَّى» (رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) بشيءٍ أصلًا، كذا نقله القاضي عياضٌ عن بعضهم، ويشهد له ما أخرجه ابن المُبارَك في «الزُّهد» بلفظ: «لم يسرَّ فيهما»، وردَّه النَّوويُّ، فقال: الصَّواب: حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرَّة (غَفَرَ اللهُ لَهُ) وفي رواية غير المُستملي: «غُفِرَ له» مبنيًّا للمفعول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وفي الرِّواية السَّابقة في «باب (٣) الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩]: ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرَّاتٍ (٤) إلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضَّأ نحو وضوئي هذا … » إلى آخره، فوقع في الحديث المسوق هنا رفع صفة الوضوء إلى فعله ﷺ ، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» و «مُسنَده» معًا بلفظ (٥): حدَّثنا خالد بن مخلدٍ (٦) قال: حدَّثنا إسحاق بن حازمٍ قال: سمعت محمَّد بن كعب القُرَظِيَّ يقول: حدَّثني حُمْرانُ بن أبانَ مولى عثمان قال: دعا عثمان بن عفَّان ﵁ بوضوءٍ في ليلةٍ باردةٍ، وهو يريد الخروج إلى الصَّلاة، فجئته بماءٍ، فأكثر ترداد (٧) الماء على وجهه ويديه، فقلت: حسبك، قد (٨) أسبغتَ الوضوءَ واللَّيلةُ شديدةُ البرد، فقال: صُبَّ، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسبغ عبدٌ الوضوء إلَّا غفر الله (٩) له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأصل هذا

стр. 932

الحديث في «الصَّحيحين» من أوجهٍ، وليس في شيءٍ منها زيادة: «وما تأخَّر»، وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكرٍ أحمد بن عليِّ بن سعيدٍ المروزيُّ شيخ النَّسائيِّ في «مُسنَد عثمان» له، وتابع ابن أبي شيبة جماعةٌ منهم: محمَّد بن سعيد بن يزيد التُّستَريُّ (١)، أخرجه عنه عبد الرَّزَّاق، وسقط لفظ «نفسه» لابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٢). (٢٩) (بابُ غَسْلِ الأَعْقَابِ) جمع عَقِبٍ، بفتح العين وكسر القاف، أي: وما يلحق (٣) بها ممَّا في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التَّساهل في إسباغها، ومن ثمَّ ذكر موضع الخاتم لأنَّه قد لا يصل إليه الماء إذا كان ضيِّقًا، فقال: (وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ التَّابعيُّ الجليل ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» (٤) بسندٍ صحيحٍ، والمؤلِّف في «تاريخه» (يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ) وذهب الشَّافعيُّ والحنفيَّة إلى أنَّه: إن كان الخاتم واسعًا بحيث يدخل الماء تحته أجزأ من غير تحريكه (٥)، وإن كان ضيِّقًا فليحرّك (٦). ١٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسقط لابن عساكر لفظ «بن أبي إياسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيُّ الجمحيُّ المدنيُّ التَّابعيُّ الجليل (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا

стр. 933

هُرَيْرَةَ) ﵁ (وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا) جملة حاليَّةٌ من مفعول «سمعت»، وهو قول أبي هريرة، و «يمرُّ بنا»: جملةٌ في محلِّ نصب خبر كان (وَالنَّاسُ) مبتدأٌ، خبره: (يَتَوَضَّؤُونَ) والجملة حالٌ من فاعلِ كان (مِنَ المِطْهَرَةِ) بكسر الميم: الإناء المُعَدُّ للتَّطهير، وفتحها أجود، وصحَّ (١) في الحديث: «السِّواك مطهرةٌ للفم» (قَالَ) أي: سمعت أبا هريرة حال كونه قائلًا، وفي رواية الأربعة: «فقال» بالفاء التَّفسيريَّة؛ لأنَّه يفسِّر «قال» المحذوفة بعد قوله: «أبا هريرة» لأنَّ التَّقدير: سمعت أبا هريرة قال: «وكان يمرُّ بنا … » إلى آخره، فإنَّ الذَّات لا تسمع، فالمراد: سمعت (٢) قول أبي هريرة: (أَسْبِغُوا الوُضُوءَ) بفتح الهمزة مِنَ: الإسباغ وهو إبلاغه مواضعه وإيفاء كلِّ عضوٍ حقَّه (فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ ﷺ قَالَ: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) و «الأعقاب»: جمع عَقِبٍ بكسر القاف، وهو العظم المرتفع عند مفصل السَّاق والقدم، ويجب إدخاله في غسل الرِّجلين لقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦] قال المفسِّرون: أي: مع الكعبين، و «ال» في «الأعقاب» للعهد، ويلحق (٣) بها ما يشاركها في ذلك، وفي حديث عبد الله بن الحارث عند الحاكم: «ويلٌ للأعقاب وبطون الأقدام من النَّار»، والمعنى -كما قاله البغويُّ-: ويلٌ لأصحابها المقصِّرين في غسلها، ففيه:

стр. 934

حذف المُضاف، أوِ المعنى: أنَّ العقب يُخَصُّ (١) بالعقاب إذا قصَّر في غسله لأنَّ مواضع الوضوء لا تمسُّها (٢) النَّار كما في مواضع (٣) السُّجود، ولو لم يكن واجبًا لمَا توعَّد عليه بالنَّار، أعاذنا الله منها ومن سائر المكاره بمنِّه وكرمه. وهذا الحديث من رباعيَّاته ﵁، ورواته ما بين بصريٍّ وخراسانيٍّ ومدنيٍّ (٤)، وفيه التَّحديث والسَّماع. (٣٠) هذا (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ) لأنَّه لا يجزئ، وحديث مسحهما المرويُّ في «سنن أبي داود» ضعَّفه ابن مهديٍّ وغيره، وأمَّا تمسُّك من أجازه بظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فأُجِيب بأنَّه قُرِئَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنَّصب عطفًا على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أو على محلِّ ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فقراءة الجرِّ محمولةٌ على مسح الخفَّين، وقراءة النَّصب على غسل الرِّجلين، وهو (٥) معنى قول الإمام الشَّافعيِّ: أراد بالنَّصب: آخرين، وبالجرِّ: آخرين، أو هو معطوفٌ على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لفظًا ومعنًى، ثمَّ نُسِخَ ذلك بوجوب الغسل، وهو حكمٌ آخرُ.

стр. 935

١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) إمام الأئمَّة (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بالجيم والتَّصغير فيهما، المدنيُّ الثِّقة (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا) أي: أربع خصالٍ (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ) وفي رواية أبي الوقت: «من أصحابنا» والمُراد: أصحاب الرَّسول ﷺ (يَصْنَعُهَا) مجتمعةً وإن كان يصنع بعضها، أوِ المُراد: الأكثر منهم، فـ (قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ) أي: أركان الكعبة الأربعة (إِلَّا) الرُّكنين (اليَمَانِيَّيْنِ) تغليبًا، وإلَّا فالذي فيه الحجر الأسود عراقيٌّ لأنَّه إلى جهته، ولم يقعِ التَّغليب باعتبار الأسود خوف الاشتباه على جاهلٍ، وهما باقيان على قواعد إبراهيم ﵊، ومن ثمَّ خُصَّا أخيرًا بالاستلام، وعلى هذا لو بُنِيَ البيت على قواعد إبراهيم ﵊ الآن استُلِمَت كلُّها اقتداءً به؛ ولذا لمَّا ردَّهما ابن الزُّبير على القواعد استلمهما، وقد صحَّ استلامهما (١) أيضًا (٢) عن معاوية، ورُوِيَ عنِ الحَسن والحُسين ﵄، وظاهر ما في الحديث هنا: انفراد ابن عمر ﵄ باستلام اليمانيَّين دون غيره (٣) ممَّن رآهم عُبَيْدٌ، وأنَّ سائرهم كان يستلم الأربعة، ثمَّ قال ابن جريجٍ لابن عمرَ ﵄: (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة (النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ) بكسر المُهمَلَة وسكون المُوحَّدَة آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: التي لا شعر عليها، من السِّبت وهو الحلق، وهو ظاهر جواب ابن عمر الآتي، أو هي التي عليها الشَّعر، أو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، والسُّبت بالضَّمِّ: نبتٌ يُدبَغ به، أو كلُّ مدبوغٍ، أو التي أُسبِتت بالدِّباغ، أي: لانت، أو نسبة إلى سوق السِّبت، وإنَّما اعترض على ابن عمر ﵄ بذلك لأنَّه لباس أهل النَّعيم، وإنَّما كانوا يلبسون النِّعال بالشَّعر غير مدبوغةٍ، وكانتِ المدبوغة تعمل بالطَّائف وغيره (وَرَأَيْتُكَ

стр. 936

تَصْبُغُ) ثوبك أو شعرك (بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ) مستقرًّا (بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ) أي: رفعوا أصواتهم بالتَّلبية للإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ (إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ) أي: هلال ذي الحجَّة (وَلَمْ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فلم» (تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) الثَّامن من ذي الحجَّة؛ لأنَّهم كانوا يُروَون (١) فيه من الماء ليستعملوه في عرفة شربًا وغيره، وقِيلَ غير ذلك، فتهلُّ أنت حينئذٍ، و «يومُ» بالرَّفع اسم كان، وبالنَّصب على أنَّه (٢) خبرها، فعلى الأوَّل «كان»: تامَّةٌ، وعلى الثَّاني: ناقصةٌ، والرُّؤية هنا تحتمل البصريَّة والعلميَّة (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ مجيبًا لابن جريجٍ: (أَمَّا الأَرْكَانُ) الأربعة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ) منها (إِلَّا) الرُّكنين (اليَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ) ولغير الأربعة: «النَّعل» بالإفراد (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النِّعال (٣) (فَأَنَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإنِّي» (أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا) فيه: التَّصريح بأنَّه ﵊ كان يغسل رجليه الشَّريفتين وهما في نعليه، وهذا موضع استدلال المصنِّف للتَّرجمة (وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا) يحتمل صبغ ثيابه لِما في الحديث المرويِّ في «سُنن أبي داود»: «وكان يصبغ بالورس والزَّعفران حتَّى عمامته»، أو شعرِه لِما في «السُّنن» أيضًا (٤): «أنَّه كان يصفِّر بهما لحيته»، وكان أكثر الصَّحابة والتَّابعين ﵃ يخضب بالصُّفرة، رجَّح الأوَّلَ القاضي عياضٌ، وأُجِيبَ عن الحديث المُستدلِّ به للثَّاني

стр. 937

باحتمال أنَّه كان ممَّا (١) يتطيَّب (٢) به (٣) لا أنَّه كان يصبغ بها (٤) (وَأَمَّا الإِهْلَالُ) بالحجِّ والعمرة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي: تستوي قائمةً إلى طريقه، والمُراد: ابتداء الشُّروع في أفعال النُّسك، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، وقال أبو حنيفة: يُحرِم عقيب (٥) الصَّلاة جالسًا، وهو قولٌ عندنا لحديث التِّرمذيِّ: «أنَّه ﷺ أهلَّ بالحجِّ حين فرغ من ركعتيه» وقال: حسنٌ، وقال آخرون: الأفضل أن يُهِلَّ من أوَّل يومٍ من ذي الحجَّة. وهذا الحديث خماسيُّ الإسناد، ورواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأقران لأنَّ عُبَيْدًا وسعيدًا تابعيَّان من طبقةٍ واحدةٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥١]، ومسلمٌ، وأبو داود في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، وابن ماجه في «اللِّباس»، وبقيَّة مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى. (٣١) (بابُ التَّيَمُّنِ) أي: الأخذ باليمين (٦) (فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ) بضمِّ الغَيْن: اسمٌ للفعل أو بفتحها، وهو الذي في الفرع كأصله.

стр. 938

١٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَية (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) الأنصاريَّة، أخت محمَّد بن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبَة، بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، بنت كعبٍ أو بنت الحارث الأنصاريَّة، وكانت تغسل الموتى وتمرِّض المرضى، وشهدت خيبرَ ﵂ (قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ لَهُنَّ) أي: لأُمِّ عطيَّة ومَنْ معها (فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ) زينب ﵂ كما في «مسلمٍ»: (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا). وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم بصريُّون، وفيه: رواية تابعيَّةٍ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه في «الجنائز» [خ¦١٢٥٥] بتمامه، واقتصر منه هنا على طرفٍ لبيان قول عائشة ﵂ الآتي: «كان ﵊ يعجبه التَّيمُّن» [خ¦١٦٨] إذ إنَّه لفظٌ مُشتَركٌ بين الابتداء باليمين وتعاطي الشَّيء باليمين، وأخرجه أيضًا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه جميعًا فيه. ١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ البصريُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المُعجَمَة وفتح العَيْن (١) آخره مُثلَّثَةٌ (بْنُ سُلَيْمٍ) بالتَّصغير (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سُلَيْمَ بن الأسود المُحاربيَّ -بضمِّ الميم- الكوفيَّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيُّ، أبو عائشة، أسلم قبل وفاته ﷺ ، وأدرك الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، أي: لحُسْنِه (فِي تَنَعُّلِهِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والنُّون وتشديد العين المضمومة، أي: حال كونه لابسًا النَّعل، أي: الابتداء بلبس اليمين (وَ) في (تَرَجُّلِهِ) أي: الابتداء (٢)

стр. 939

بالشِّق الأيمن في تسريح رأسه ولحيته (وَ) في (طُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء؛ لأنَّ المُراد: تطهُّره (١)، وتُفتَح، أي: البداءة بالشِّق الأيمن في الغسل، وباليمنى (٢) في (٣) اليدين والرِّجلين على اليسرى، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم»، فإن قدَّم اليسرى كُرِهَ، نُصَّ عليه في «الأمِّ» ووضوؤه صحيحٌ، وأمَّا الكفَّان والخدَّان والأذنان (٤) فيطهران دفعةً واحدةً (وَ) كذا كان ﵊ يعجبه التَّيمُّن (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) كذا في رواية أبي الوقت: «وفي» بواو العطف، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولغيره: «في شأنه» بإسقاطها، وتأكيد الشَّأن بقوله: «كلِّه» يدلُّ على التَّعميم، فيدخل فيه نحو: لبس الثَّوب والسَّراويل والخفِّ، ودخول المسجد، والصَّلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل والشُّرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصُّ الشَّارب، ونتف الإبط، وحلق الرَّأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك ممَّا في معناه، إلَّا ما خُصَّ بدليلٍ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثَّوب، والسَّراويل، وغير ذلك، وإنَّما استُحِبَّ (٥) فيها التَّياسُر لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما كان من باب التَّكريم والتَّزيُّن فباليمين، وإلَّا فباليسار، ولا (٦) يُقال: حلق الرَّأس من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر لأنَّه من باب التَّزيُّن، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا، وفي رواية الأكثر: «في شأنه كلِّه» بحذف العاطف، وهو جائزٌ عند بعضهم حيث دلَّت عليه قرينةٌ، أو هو بدلٌ من الثَّلاثة السَّابقة بدل اشتمالٍ، والشَّرط في بدل الاشتمال: أن

стр. 940

يكون المُبدَل منه (١) مشتملًا على الثَّاني أو متقاضيًا له بوجهٍ مّا، وههنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكنِ المُبدَل منه (٢) مشتملًا على الثَّاني يكون بدل الغلط، أو هو بدلُ كلٍّ من كلٍّ، كما نقله في «الفتح» عن الطِّيبيِّ، وعبارته: قال الطِّيبيُّ: قوله «في شأنه» بدلٌ من قوله: «في تنعُّله» بإعادة العامل، وكأنَّه ذكر التَّنعُّل لتعلُّقه بالرِّجل، والتَّرجُّل (٣) لتعلُّقه بالرَّأس، والطُّهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنَّه نبَّه على جميع الأعضاء، فهو كبدل الكلِّ من الكلِّ، ثمَّ قال في «الفتح»: قلت: ووقع في رواية مسلمٍ بتقديم قوله: «في شأنه كلِّه (٤)» على قوله: «في تنعُّله … » إلى آخره، وعليها شرح الطِّيبيِّ، وكذا ذكره البرماويُّ ولم يعترضه، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ كلام الطِّيبيِّ ليس هو على رواية البخاريِّ، بل على رواية مسلمٍ، ولفظها: «كان رسول الله ﷺ يحبُّ التَّيمُّن في شأنه كلِّه، في طهوره و (٥) ترجُّله وتنعُّله»، فقال الطِّيبيُّ في شرحه لذلك (٦): قوله: «في طُهوره وترجُّله وتنعُّله» بدلٌ من قوله: «في شأنه» بإعادة العامل، فكأنَّه ظنَّ أنَّ كلام الطِّيبيِّ في الرِّواية التي فيها ذكر الشَّأن متأخِّرًا كرواية البخاريِّ هنا. انتهى. وهو بدل كلٍّ من بعضٍ، وعليه قوله:

стр. 941

نضَّر اللهُ أَعظُمًا دَفَنوها … بِسِجِسْتانَ طَلْحة الطَّلحاتِ أو يُقدِّر لفظ: يعجبه التَّيمُّن -كما مرَّ- فتكون الجملة بدلًا من الجملة، أو هو متعلِّقٌ بـ «يعجبه» لا بالتَّيمُّن، والتَّقدير: يعجبه في شأنه كلِّه التَّيمُّن في تنعُّله .... إلى آخره، أي: لا يترك ذلك في سفرٍ ولا حضرٍ، ولا في فراغه واشتغاله، قاله في «فتح الباري» كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه يلزم منه أن يكون إعجابه التَّيمُّن في هذه الثَّلاث مخصوصةً في حالاته كلِّها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التَّيمُّن في كلِّ الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنَّه أكَّد الشَّأن بمؤكِّدٍ، والشَّأن بمعنى الحال، والمعنى: في جميع حالاته. وفي هذا الحديث: الدَّلالة على شرف اليمين، وهو سداسيُّ الإسناد، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، وقرينين من أتباع التَّابعين: أشعث وشعبة، وآخَرَيْن من التَّابعين: سُلَيْمٌ ومسروقٌ (١)، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٤]، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «اللِّباس»، والتِّرمذيُّ في (٢) آخر (٣) «الصَّلاة»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «الزِّينة»، وابن ماجه في «الطَّهارة». (٣٢) هذا (بابُ التِمَاسِ الوَضُوءِ) بفتح الواو، أي: طلب الماء لأجل الوُضُوء -بالضَّمِّ- (إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ) أي: قَرُبَ وقتُها (وَقَالَتْ) أمُّ المؤمنين (عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا أخرجه المؤلِّف من

стр. 942

حديثها في «قصَّة ضياع عِقْدِها المذكور» في مواضع منها: «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٤] وساقه هنا بلفظ عمرو بن الحارث في «تفسير المائدة» [خ¦٤٦٠٧] فقال: (حَضَرَتِ الصُّبْحُ) أنَّثه باعتبار صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ) بضمِّ المُثنَّاة مبنيًّا للمفعول، أي: طلب (المَاءُ) بالرَّفع مفعول نائبٌ (١) عن الفاعل (فَلَمْ يُوجَدْ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فالتمسوا الماءَ» بالجمع والنَّصب على المفعوليَّة «فلم يجدوه» بالجمع (٢) (فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ) أي: آيتُه، وإسناد «التَّيمُّم» إلى «النُّزول» مجازٌ عقليٌّ. ١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ ﵁

стр. 943

(أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ) أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ وَ) الحال أنَّه قد (حَانَتْ) بالمُهمَلَة، أي: قَرُبَتْ (صَلَاةُ العَصْرِ) وهو بالزَّوراء -كما زاده (١) قتادة عند المؤلِّف [خ¦٣٥٧٢]- سوقٌ بالمدينة (فَالتَمَسَ) أي: طلب (النَّاسُ الوَضُوءَ) بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأ به (فَلَمْ يَجِدُوهُ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يجدوا» (٢) بغير الضَّمير المنصوب، أي: فلم يصيبوا الماء (فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ) بالرَّفع مفعولٌ نائبٌ (٣) عن الفاعل (¬ ﷺ بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، أي: بإناءٍ فيه ماءٌ؛ ليتوضَّأ به، وفي رواية ابن المُبَارك: فجاء رجلٌ بقدحٍ فيه ماءٌ يسيرٌ، وروى المُهلَّب: أنَّه كان مقدار وضوء رجلٍ واحدٍ (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ) ﵊ (النَّاسَ أَنْ) أي: بأن (يَتَوَضَّؤُوا) أي: بالتَّوضُّؤ (مِنْهُ) أي: من ذلك الإناء (قَالَ) أنسٌ ﵁: (فَرَأَيْتُ) أي: أبصرت (المَاءَ) حال كونه (يَنْبَُِعُ) بتثليث المُوحَّدة، أي: يخرج (مِنْ تَحْتِ) وفي روايةٍ: «يفور من بين» (أَصَابِعِهِ) فتوضَّؤوا (حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) أي: توضَّأ النَّاس ابتداءً من أوَّلهم حتَّى انتهَوا إلى آخرهم ولم يبقَ منهم أحدٌ، والشَّخص الذي هو آخرهم داخلٌ في هذا الحكم؛ لأنَّ السِّياق يقتضي العموم والمُبالَغَة؛ لأنَّ «عندَ» هنا تُجعَل لمُطلَق الظَّرفيَّة حتَّى تكون بمعنى: «في»، كأنَّه قال: حتَّى توضَّأ الذين هم في آخرهم، وأنسٌ داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المُخاطِب -بكسر الطَّاء- في عموم خطابه، أمرًا أو (٤) نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: «حتَّى»: حرف ابتداءٍ، مستأنفٌ بعده جملةٌ اسميَّةٌ، أو فعليَّةٌ فعلها ماضٍ نحو: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥] وحتَّى توضَّؤوا، أو مضارعٌ نحو: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ في قراءة نافعٍ، و «من»: للغاية لا للبيان خلافًا للكِرمانيِّ؛ لأنَّها لا تكون للبيان (٥) إلَّا إذا كان فيما قبلَها إبهامٌ، ولا إبهامَ هنا.

стр. 944

وبقيَّة المباحث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٣] واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارةٍ، والرَّدُّ على من أنكر المعجزة من المَلَاحِدة، واغتراف المتوضِّئ من الماء القليل. وهو من الرُّباعيَّات، ورجاله ما بين تنيسيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المصنِّف (١) في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٣]، ومسلمٌ في الفضائل (٢)، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، والله تعالى أعلم. (٣٣) هذا (بابُ) حكم (المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ) هل هو طاهرٌ أم لا؟ (وَكَانَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله محمَّد بن إسحاق الفاكهيُّ (٣) في «أخبار مكَّة» بسندٍ صحيحٍ (لَا يَرَى بِهِ) أي: بالشَّعر (بَأْسًا) وفي رواية ابن عساكر: «لا يرى بأسًا» (أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا) أي: من الشُّعور، وفي رواية ابن عساكر: «منه» أي: من الشَّعر (الخُيُوطُ وَالحِبَالُ) جمع خيطٍ وحبلٍ، ويُفرَّق بينهما بالرِّقَّة والغلظ (وَ) باب (سُؤْرِ الكِلَابِ) بالهمز (٤)، أي: بقيَّة ما في الإناء بعد شربها (وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ) وفي روايةٍ هنا زيادة: «وأكلها» أي: حكم أكلها (٥)، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر صنيع المؤلِّف القول بالطَّهارة. (وَقَالَ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ) فيما رواه (٦) الوليد بن مسلمٍ في «مُصنَّفه» عنِ الأوزاعيِّ وغيره عنه، ورواه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» من طريقه بسندٍ صحيحٍ: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ

стр. 945

فِي إِنَاءٍ) فيه ماءٌ بأن أدخل لسانه فيه فحرَّكه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «في الإناء» أي: والحال أنَّه (لَيْسَ لَهُ) أي: لمريد الوضوء (وَضُوءٌ) بفتح الواو: ما يُتوَضَّأ به (غَيْرُهُ) أي: غير ما ولغ الكلب فيه، ويجوز في «غير»: النَّصب والرَّفع (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء الباقي، وهو جواب الشَّرط في «إذا»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «حتَّى يتوضَّأ بها» (١) أي: بالبقيَّة، وفي أخرى: «منه». (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (هَذَا) أي: الحكم بالتَّوضُّؤ به (الفِقْهُ بِعَيْنِهِ) أي: المُستفاد من القرآن (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) وفي رواية أبي الوقت: «لقول الله تعالى»: (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ [المائدة: ٦]) وفي رواية القابسيِّ عن أبي زيدٍ المروزيِّ: «يقول الله: فإن لم تجدوا» وهو مخالفٌ للتِّلاوة، والظَّاهر أنَّ الثَّوريَّ رواه بالمعنى، ولعلَّه كان يرى جواز ذلك، وقد تتبَّعتُ كثيرًا من القراءات فلم أرَ أحدًا قرأ بها، ووجه الدَّلالة من الآية أنَّ قوله تعالى: ﴿مَاء﴾ نكرةٌ في سياق النَّفيِ فتعمُّ، ولا تُخَصُّ إلَّا بدليلٍ، كما قال (وَهَذَا) أي: المذكور (مَاءٌ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فهذا ماءٌ» وتنجيسه بولوغ الكلب (٢) فيه غير مُتَّفَقٍ عليه بين أهل العلم (وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ) لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارضٍ له من القرآن أو غيره، وحينئذٍ (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء المذكور، وفي روايةٍ: «منه» (وَيَتَيَمَّمُ) لأنَّ الماء الذي يُشَكَّ فيه -لأجل اختلاف العلماء ﵃ كالعدم (٣)، فيحتاط للعبادة.

стр. 946

١٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو (١) غسان النَّهديُّ الحافظ الحجَّة العابد، المُتوفَّى سنة تسع عشرة (٢) ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ، أبو يوسف الكوفيُّ الثِّقة المُتكلَّم فيه بلا حجَّةٍ، من الطَّبقة السَّابعة، المُتوفَّى سنة ستِّين -أو بعدها- ومئةٍ (عَنْ عَاصِمٍ) أي (٣): ابن سليمان الأحول البصريُّ الثِّقة (٤)، المُتوفَّى سنة اثنتين وأربعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ) بفتح العَيْن وكسر المُوحَّدَة آخره هاءٌ، ابن عمرٍو، أو (٥) ابن قيس بن عمرٍو السَّلْمانيِّ، بفتح السِّين وسكون اللَّام، الكوفيِّ، أحد كبار التَّابعين المُخضرَمين، أسلم قبل وفاته ﷺ ولم يَرَه، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، ومقول قول ابن سيرين لِعَبِيدَةَ: (عِنْدَنَا) شيءٌ (مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَبْنَاهُ) أي: حصل لنا (مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهة (أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ) هو ابن (٦) مالكٍ، ووجه حصوله لابن سيرين: أنَّ سيرين والد محمَّدٍ كان مولًى لأنسِ بن مالكٍ، وكان أنس بن مالكٍ (٧) ربيبًا لأبي طلحة، وهو ﷺ أعطاه لأبي طلحة ﵁، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الحديث الآتي [خ¦١٧١] (فَقَالَ) عَبِيدةُ: (لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ) واحدةٌ (مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) من متاعها، وفي رواية الإسماعيليِّ: «أحبُّ إليَّ من كلِّ صفراءَ وبيضاءَ» ولام «لَأن تكون»: لام الابتداء للتَّأكيد، و «أنْ» مصدريَّةٌ، أي:

стр. 947

كون شعرةٍ، و «أحبُّ»: خبرٌ لـ «أن تكون»، و «تكون» ناقصةٌ، ويُحتمَل أن تكون تامَّةً، فإن قلت: ما وجه الدلالة من الحديث (١) على التَّرجمة؟ أُجِيب بأنَّ ذلك من حفظ أنسٍ لشَعَر النَّبيِّ ﷺ ، وتمنَّى عَبيدة أن يكون عنده شعرةٌ واحدةٌ منه لطهارته وشرفه، فدلَّ ذلك (٢) على أنَّ مُطلَق الشَّعر طاهرٌ، وإذا كان طاهرًا فالماء الذي يُغسَل به طاهرٌ، وتُعقِّب بأنَّ شَعره ﷺ مُكرَّمٌ لا يُقاس عليه غيرُه، وأُجِيب بأنَّ الخصوصيَّة لا تثبت إلَّا بدليلٍ، والأصل عدمها، وعُورِضَ بما يطول، والله أعلم. وهذا الحديث خماسيٌّ، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية (٣) تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول. ١٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة البغداديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضَّبِّيُّ البزَّاز (٤)، أبو عثمان سعدويه، الحافظ الواسطيُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (٥) عن مئة سنةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ) بتشديد المُوحَّدة، ابن العوَّام الواسطيُّ أبو سهلٍ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وثمانين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العَيْن المُهمَلَة وآخره نونٌ، واسمه: عبد الله، تابعيٌّ (٦)، سيِّد قرَّاء زمانه (عَنِ ابْنِ

стр. 948

سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ) في حجَّة الوداع، أي: أمر الحلَّاق فحلقه، فأضاف الفعل إليه مجازًا، واختُلِف في الذي حلق، فالصَّحيح: أنَّه معمر بن عبد الله كما ذكره البخاريُّ ﵀، وقِيلَ: هو خراش بن أميَّة، بمُعجَمَتين، والصَّحيح: أنَّ خراشًا كان الحالق بالحديبية (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ، زوج أمِّ سُليمٍ (١) والدة أنسٍ، شهد المشاهد كلَّها، المُتوفَّى في سنة سبعين، كأبي هريرة (٢) (أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) ﵊. وهذا الحديث (٣) من الخماسيَّات، ورواته ما بين تِنِّيسيٍّ (٤) ومدنيٍّ، وكلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود (٥) والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (٣٣ م) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا).

стр. 949

١٧٢ - ١٧٣ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) وللأربعة: «أخبرنا مالكٌ» الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لفظ «قال» لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (قَالَ: إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ) أي: إذا ولغ الكلب -ولو مأذونًا في اتِّخاذه- بطرف لسانه (فِي) وفي روايةٍ: «من» (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا) أي: سبع مرَّاتٍ لنجاسته المُغلَّظة، واستدلال بعضهم بقوله: «في إناء أحدكم» على عدم تنجُّس الماء المُستنقع إذا ولغ فيه ولو كان قليلًا شاذٌّ؛ فإنَّ ذلك إنَّما خرج مخرج الغالب لا للقيد، وخرج بقوله: «ولغ» وكذا «شرب» ما إذا كان جامدًا لأنَّ الواجب حينئذٍ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذٍ إلَّا إذا أصابه فم الكلب مع الرُّطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا؛ لأنَّه إذا كان ما فيه جامدًا لا يُسمَّى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا، كما لا يخفى، ولم يقع في رواية مالكٍ التَّتْريب، ولا ثبت في شيءٍ من الرِّوايات عن أبي هريرة إلَّا عن ابن سيرين، والإضافة التي في: «إناء أحدكم» مُلْغًى اعتبارها لأنَّ الطَّهارة لا تتوقَّف على ملكه، ومفهوم الشَّرط في قوله: «إذا ولغ» يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إنَّ (١) الأمر بالغسل للتَّنجيس (٢) يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأمَّا إلحاق باقي أعضائه كَيَدِه ورِجْله فالمذهب المنصوص أنَّه كذلك لأنَّ فمه أشرفها، فيكون غيره من بابٍ أَوْلى.

стр. 950

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى-، وفي رواية ابن عساكر -كما في الفرع كأصله قبل هذا الحديث (١) -: «باب: إذا شرب الكلب في (٢) إناء أحدكم فليغسله سبعًا. حدَّثنا عبد الله بن يوسف» وهو الذي شرح عليه الحافظ ابن حجرٍ، لكن يليه عنده حديث إسحاق بن منصورٍ الكوسج: «أنَّ رجلًا … » وفي روايةٍ بهامش «اليونينيَّة» بعد حديث عبد الله بن يوسف: «باب إذا شرب الكلب»، وسقطتِ التَّرجمة والباب في بعض النُّسخ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصور بن بهرام الكوسج (٣)، أبو يعقوب المروزيُّ، الثِّقة الثَّبت، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصيُّ كما جزم به أبو نُعيمٍ في «المُستخرَج» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيُّ العدويُّ، وتُكلِّم فيه لكنَّه صدوقٌ، ولم ينفرد بهذا قال: (سَمِعْتُ أَبِي) عبدَ الله بن دينارٍ التَّابعيَّ، مولى ابن عمر ﵄ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (٤) الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا) من بني إسرائيل (رَأَى) أي: أبصر (كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمُثلَّثة المفتوحة وبالرَّاء، مقصور (٥): التُّراب النَّديُّ، أي: يلعقه (مِنَ العَطَشِ) أي: بسببه (فَأَخَذَ
следующие страницы →