← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي (١): غيرُ ابن عبَّاسٍ: (ضُعْفٌ) بضمِّ المعجمة (وَضَعْفٌ) بفتحها (لُغَتَانِ) بمعنًى واحد، قُرِئَ بهما في قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ والفتح قراءة عاصم وحمزة، وهو لغةُ تميمٍ، والضَّمُّ لغةُ قريشٍ (٢)، وقيل: بالضَّمِّ في الجسد، وبالفتح في العقل، أي: خلقكم مِن ماءٍ ذي ضعف؛ وهو النطفة، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ الطفوليَّة ﴿قُوَّةً﴾ الشبيبة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ هَرَمًا ﴿وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] والشيبةُ تمامُ الضعفِ، والتنكيرُ مع التكرير؛ لأنَّ اللاحقَ ليس عينَ السَّابق (٣). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿السُّوأَى﴾) في قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] (الإِسَاءَةُ جَزَاءُ المُسِيئِينَ) وصله الفِريابيُّ. ٤٧٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، ولأبي ذرٍّ: «عن سفيان» قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشُ) هو سليمانُ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي

стр. 8857

الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بميم (١) (رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ) بكسر الكاف وسكون النون (فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ) بتخفيف المعجمة (يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ المُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، يَأْخُذُ (٢) المُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ) بنصب «المُؤمِنَ» على المفعوليَّة (فَفَزِعْنَا) بكسر الزاي وسكون العين المهملة؛ من الفزع (فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبدَ الله، فأخبرتُه بالذي قاله الرجل (وَكَانَ مُتَّكِئًا فَغَضِبَ) مِنْ ذلك (٣) (فَجَلَسَ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ) ما يعلمُه إذا سُئِل (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ) لأنَّ تمييزَ المعلوم مِنَ المجهول نوعٌ مِنَ العِلم، وليس المراد أنَّ عدم العِلم يكون علمًا، ولأبي ذرٍّ: «الله أعلم» بدل قوله: «لا أعلم» وللأصيليِّ بدلها: «لا علم لي به» (فَإِنَّ اللهَ) تعالى (قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) والقولُ فيما لا يَعلم قسمٌ من التكلُّف، وفيه تعريضٌ بالرجل القائل: «يجيء دخان … » إلى آخره وإنكارٌ عليه، ثم بيَّن قصَّةَ الدخان فقال: (وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤوا عَنِ الإِسْلَامِ) أي: تأخَّروا عنه (فَدَعَا عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ (٤) بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ) الصِّدِّيق ﵊، التي أخبر الله عنها في التنزيل بقوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] وسقط «اللهم» لأبي ذرٍّ (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بفتح السين: قحطٌ، وهم بمكَّةَ (حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ) مِن ضعفِ بصرِه بسببِ الجوع (فَجَاءَهُ) ﵊ (أَبُو سُفْيَانَ) صخرُ بنُ حَرْبٍ بمكَّة أو المدينة (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ جِئْتَ تَأْمُرُنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأصيليِّ وابن عساكر: «تأمُر» بحذف ضمير النصب (بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ) ذوي رَحِمِكَ (قَدْ هَلَكُوا) مِنَ الجَدْبِ والجوع بدُعائِك (٥) عليهم (فَادْعُ اللهَ) لهم بأنْ يكشفَ عنهم، فإنْ كشفَ آمنوا (فَقَرَأَ) ﵊: (﴿فَارْتَقِبْ﴾) أي: انتظرْ (﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾) أي: بيِّنٍ واضحٍ يراه كلُّ أحدٍ (إِلَى قَوْلِهِ:

стр. 8858

﴿(١) عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥]) أي: إلى الكفر أو إلى العذاب، قال ابنُ مسعودٍ: (أَفَيُكْشَفُ) بهمزة الاستفهام وضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ (٢)) وللأصيليِّ: «فَتَكشَّفَ» بمثناة فوقية مفتوحة وفتح الكاف وتشديد المعجمة «عنهمُ العذابُ» أي: رُفِعَ القحط بدعاء النبي ﷺ كشفًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ (٣)) عقب الكشف (٤)؟ (فَذَلِكَ (٥) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ) ظرفٌ، يريد: القتلَ فيه، وهذا الذي قاله ابنُ مسعودٍ وافقه عليه جماعةٌ كمجاهدٍ وأبي العالية وإبراهيمَ النَّخَعيِّ والضَّحَّاكِ وعطيَّةَ العَوْفِّي، واختارَه ابنُ جريرٍ، لكن أخرج ابن أبي حاتم، عن الحارث، عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: لم تمضِ آيةُ الدُّخَان بعدُ، يأخذ المؤمنَ كهيئةِ الزُّكام، وينفخ الكافر حتى ينفد، وأخرج أيضًا عن عبد الله ابن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عبَّاسٍ ذات يوم فقال: ما نمتُ الليلةَ حتى أصبحتُ، قلتُ: لم (٦)؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيتُ أن يكون الدخان قد طرق، فما نمتُ حتَّى أصبحتُ، قال الحافظ ابنُ كثيرٍ: وإسنادُه صحيحٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ حَبْرِ الأمَّة وتَرجمانِ القرآن، ووافقَه عليه جماعة مِنَ الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة مِنَ الصِّحاح والحِسان، ممَّا فيه دلالة ظاهرةٌ على أنَّ الدخان مِنَ الآيات المنتظَرَة، وهو ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] أي: بيِّنٍ واضحٍ، وعلى ما فَسَّرَ به ابنُ مسعود إنَّما هو خيالٌ رأَوه في أعينِهِم مِن شِدَّةِ الجوع والجهد، وكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: ١١] أي: يَعُمُّهُم، ولو كان خيالًا يخصُّ مشركي مكَّة لَمَا قيل: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ وأمَّا قولُه: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] أي: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدنيا؛ لعُدْتُم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا﴾ [المؤمنون: ٧٥] ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال آخرون: لم يمضِ الدُّخَانُ بعدُ، بل هو مِن أماراتِ الساعةِ.

стр. 8859

وفي حديث حذيفةَ بنِ أَسيد الغفاريِّ عن النبي ﷺ : «لا تقومَ السَّاعةُ حتى تَرَوا عشرَ آياتٍ: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدَّابَّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى، والدجال، وثلاثة خسوف؛ خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعْرِ عَدَنْ تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا» انفرد بإخراجه مسلمٌ. (وَ ﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]) هو الأسر (١) (يَوْمَ بَدْرٍ) أيضًا. (﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾) أي: غَلَبَتْ فارسُ الرومَ (إِلَى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣]) أي: الروم سيغلبون فارسَ، وهذا عَلَمٌ مِن أعلام نبوَّةِ نبينا ﷺ ؛ لما فيه مِنَ الإخبار بالغيب (وَالرُّومُ قَدْ مَضَى) أي: غَلْبُهُم لفارسَ؛ فإنَّه قد (٢) وقع يومَ الحديبية، وفي آخر «سورة الدخان» [خ¦٤٨٢٥] قال عبد الله -يعني: ابن مسعود-: خمس قد مضينَ: اللِّزامُ، والرُّومُ، والبطشةُ، والقمر، والدخان، وسقط لأبي ذرٍّ قولُه: «﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ … » إلى آخره. وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط» من «كتاب الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠] ويأتي بقيَّةُ مباحثه في «سورة الدخان» [خ¦٤٨٢١] [خ¦٤٨٢٤] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته. (١) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠]) أي: (لِدِينِ اللهِ) قاله إبراهيمُ النَّخَعيُّ فيما (٣) أخرجه عنه الطَّبريُّ، فهو خبرٌ بمعنى النهي، أي: لا تُبدِّلوا دينَ الله. (﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]) أي: (دِينُ الأَوَّلِينَ) ساقه شاهدًا لتفسير (٤) الأوَّل. (وَالفِطْرَةُ) في قوله: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] هي (الإِسْلَامُ) قاله عكرمةُ فيما وصله الطبريُّ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8860

٤٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمانَ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بنُ يزيدَ الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) قيل: يعني العهد الذي أخذه عليهم بقوله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكلُّ مولودٍ في العالم على ذلك الإقرار، وهي الحنيفيَّة التي وقعت الخِلْقَةُ (١) عليها وإن عَبَدَ غيرَه، ولكن لا عبرَة بالإيمان الفِطريِّ، إنَّما المعتَبرُ الإيمانُ الشرعيُّ المأمورُ به، وقال ابن المبارك: معنى الحديث: أنَّ كلَّ مولودٍ يُولدُ على فِطرتِه، أي: خِلْقَتِه التي جُبِلَ عليها في عِلم الله من السعادة والشقاوة، فكلٌّ منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فُطِرَ عليها، وعاملٌ في الدنيا بالعمل المشاكِلِ لها، فمِن أماراتِ الشقاء أن يولَدَ بين يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، فيحملانِهِ لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل: المعنى: أنَّ كلَّ مولود يُولد في مبدأ الخِلْقَةِ (٢) على الجِبِلَّة السليمة والطبع المتهيئ لقبول (٣) الدين، فلو تُرِكَ عليها لاستمرَّ على لزومها، لكن يطرأ (٤) على بعضهم الأديان الفاسدة، كما قال: (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه على صيغة المبنيِّ للمفعول، أي: تلد (البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا؛ تامَّة الأعضاء (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)؟ بفتح الجيم وسكون المهملة ممدودًا؛ مقطوعة الأذن أو الأنف، أي: لا جدع فيها من أصل الخلقة، إنَّما يجدُعها أهلُها بعد ذلك، فكذلك (٥) المولود يُولَد على الفطرة ثم يتغيَّرُ بعد،

стр. 8861

ونقل في «المصابيح» عن القاضي أبي بكر ابن العربيِّ: أنَّ معنى قوله: «فأبواه … » إلى آخره، أنَّه مُلحَقٌ بهما في الأحكام؛ من تحريم الصلاة عليه، ومِن ضرب الجزية عليه، إلى غير ذلك، ولولا أنَّه وُلِدَ على فراشهما لمنع من ذلك كله، قال: ولم يرد أنَّهما يجعلانه يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ إذ لا قدرةَ لهما على (١) أن يفعلا فيه الاعتقاد أصلًا. انتهى. فليتأمَّل. (ثُمَّ يَقُولُ) أي (٢): أبو هريرة مستشهدًا لما ذكر: (﴿فِطْرَةَ اللهِ﴾) أي: خلقته (٣) نُصِبَ على الإغراء (﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) أي: خلقهم عليها، وهي قبولهم للحقِّ (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾) أي: ما ينبغي أن يُبدَّل، أو خبرٌ بمعنى النهي (﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]) الذي لا عِوَجَ فيه. وهذا الحديث سبق في: «باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يُصلَّى عليه؟» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٥٨]. (((٣١))) (لُقْمَانَ) (٤) مكيَّة، قيل: إلَّا آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لأنَّ وجوبَهما بالمدينة، وضُعِّفَ؛ لأنَّه لا ينافي شرعيَّتَهُما بمكَّةَ، وآيها أربعٌ وثلاثونَ، ولأبي ذرٍّ: «سورة لقمان». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ، و (لُقْمَانَ) اسمٌ أعجميٌّ، والجمهورُ على أنَّه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، وممَّا ذُكِرَ مِن حِكمتِه: أنَّه أُمر بأنْ يذبحَ شاةً ويأتيَ بأطيب مضغتين (٥) منها، فأتى باللسان والقلب، ثم بعدَ أيَّام أُمر أن (٦) يأتيَ بأخبثِ مضغتينِ منها، فأتى بهما أيضًا، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: هما أطيبُ شيءٍ إذا طابا، وأخبثُه إذا خَبُثَا.

стр. 8862

(١) (﴿لَا تُشْرِكْ بِاللهِ﴾) أي: مع الله (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) بدأ في وعظ ابنه بالأهم؛ وهو منعه من الإشراك، وإنَّما كان ظلمًا؛ لأنَّه وضع النفسَ المكرَّمةَ الشَّريفة في عبادةِ الخسيسِ، فوضعَ العبادَة في غيرِ موضِعِها. ٤٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم؛ ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخَعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ النَّخَعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) التي بـ «الأنعام» (١) (﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: بشرك، فلم (٢) ينافقوا (شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ) بفتح أوّله وكسر الموحَّدة، أي: لم (٣) يخلط (إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ (٤)) ولأبي ذر: «ليس بذلك (٥)» (أَلَا تَسْمَعُ) برفع العين مِن غير واوٍ (إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) فعموم (٦) الظلم (٧) المستفاد من التعبير بالنكرة في سياق النفي غيرُ مقصودٍ، بل هو مِنَ العامِّ الذي أُريد به الخاصُّ، وهو هنا الشركُ كما مرَّ في «باب ظلم دون ظلم» من «كتاب الإيمان» [خ¦٣٢] وفي «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٩] مع مزيد لذلك وغيره، وسقط قوله: «لابنه» في رواية أبي ذر.

стр. 8863

(٢) (بَابُ قَوْلِهِ) : (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) علمُ وقتِ قِيامِها (١). ٤٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) بنُ إبراهيمَ المعروف بابن رَاهُوْيَه (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبدِ الحميد (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتيَّة؛ يحيى بنِ سعيدٍ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِم بن عمرو بن جرير البَجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا) ظاهرًا (لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ) مَلَكٌ في صورة رجلٍ؛ وهو جبريلُ ﵇، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «إذ جاءَه رجلٌ» (يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِيمَانُ؟) أي: ما متعلَّقاتُه؟ (قَالَ) ﵊: (الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) أي: تُصَدِّقَ بوجودِه وبصفاتِه الواجبة (وَمَلَائِكَتِهِ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ زيادة: «وكتبه» بأنْ تُصَدِّقَ بأنَّها (٢) كلامُه تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ لا ريبَ فيه (وَرُسُلِهِ) بأنَّهم صادقونَ فيما أَخبروا به عنِ الله (وَلِقَائِهِ) برؤيتِه تعالى في الآخرة (وَتُؤْمِنَ) أي (٣): تُصَدِّقَ أيضًا (بِالبَعْثِ الآخِرِ) بكسر الخاء، أي: مِنَ القبور وما بعدَه، وأعاد «تُؤْمِن»؛ لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبقَ

стр. 8864

إيمانٌ بالموجود، فهما نوعان (قَالَ) أي: جبريل: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) ﵊: (الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: تُطيعَه (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) المكتوبة (وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) قال في «المصابيح»: لم يقيِّد الصلاة بالمكتوبة؛ وإنَّما قيَّد الزكاة، مع أنَّها إنَّما تُطلَق على المفروضة، بخلاف الصلاة، فتأمَّل السِّرَّ في ذلك. انتهى. وقد سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠] أنَّ تقييدَ الزكاة بالمفروضة احترازٌ عن (١) صدقةِ التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاة لغويَّة أو مِن المعجَّلة، وفي رواية مسلم: «تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة» (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) زاد في رواية كَهْمَس: «وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، فلعلَّ راوي حديث الباب نسيَه (قَالَ) أي: جبريل: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِحْسَانُ؟) المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الأجرُ، وقال الخطابيُّ: المرادُ بـ «الإحسان» هنا: الإخلاص، وهو شرطٌ في صِحَّة الإيمان والإسلام معًا؛ لأنَّ مَن تلفَّظ مِن غير نيَّة إخلاصٍ؛ لم يكن محسنًا (قَالَ) ﵊: (الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: عبادتك الله حالَ كَونِكَ في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) في إخلاص العبادة لوجهه الكريم، ومجانبة الشرك الخفي (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) فلا تغفل، واستمِرَّ على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ يَرَاكَ) وهذا تَنَزُّلٌ مِن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة (قَالَ) جبريل: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟) أي: قيامُها، وسُمِّيتِ الساعة؛ لوقوعها بغتةً أو لسُرعة حسابها (قَالَ) أي (٢): النَّبيُّ ﷺ : (مَا المَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) «ما» نافية؛ يعني: لستُ أنا أعلمَ منك يا جبريل بعِلم وقت قيام الساعة (وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) علاماتِها السابقة (٣) عليها؛ وذلك (إِذَا وَلَدَتِ المَرْأَةُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (٤): «الأَمَةُ» (رَبَّتَهَا) بتاء التأنيث على معنى النسمة؛ ليشمل الذكر والأنثى، كناية عن كثرة السَّبْي، فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيِّد لأُمِّه؛ لأنَّ مِلْكَ الأمةِ راجعٌ في التقدير إلى الولد (فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) لأنَّ كثرةَ السَّبْيِ والتسرِّي دليلٌ على استعلاء الدِّين واستيلاء المسلمين، وهو مِنَ الأمارات؛ لأنَّ قوَّته وبلوغَ أمره غايته (٥)، وذلك منذرٌ بالتراجع والانحطاط المنذر بأنَّ القيامة ستقوم (وَإِذَا كَانَ الحُفَاةُ العُرَاةُ رُؤُوْسَ النَّاسِ) إشارةٌ إلى استيلائِهِم على الأمر، وتملُّكِهِم البلادَ

стр. 8865

بالقهر، والمعنى: أنَّ الأذلَّةَ مِنَ النَّاس ينقلبون أعزَّةً ملوك الأرض (فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) واكتفى باثنتين من الأشراط مع التعبير بالجمع؛ لحصول المقصود بهما في ذلك، وعِلْمُ وقتِها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) مِنَ الغيب، وحذفُ متعلَّق الجارِّ سائغٌ شائعٌ، ويجوز أن يتعلَّق بـ «أعلم» أي: ما المسؤولُ عنها بأعلم في خمس، أي: في علم الخمس، أي: لا ينبغي لأحدٍ أن يَسأل أحدًا في علم الخمس؛ لأنَّهُنَّ (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ) وفيه إشارةٌ إلى إبطال الكهانة والنجامة وما شاكلهما، وإرشادٌ للأُمَّة وتحذيرٌ لهم عن إتيان مَن يدَّعي (١) علمَ الغيب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «وخمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله» بواو العطف بدل الجارِّ (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾) في وقتِهِ المقدَّرِ له والمحلِّ المعيَّنِ له في علمه (﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أذكر أم أنثى؟ قال في «شرح المشكاة»: فإن قيل: أليس (٢) إخبارُه ﷺ عن أمارات الساعة مِن قَبيلِ قوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وأجاب: بأنَّه إذا أظهر (٣) بعضُ المرتَضَين مِن عباده بعضَ ما كُشِفَ له مِن الغيوب لمصلحةٍ ما؛ لا يكونُ إخبارًا بالغيب، بل يكون تبليغًا له، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] وفائدة بيان الأمارات أن يتأهَّب المكلَّف إلى المعاد بزادِ التقوى (ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ) جبريل (فَقَالَ) النبيُّ ﷺ للحاضرين (٤) من أصحابه: (رُدُّوا عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: الرجلَ (فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوا) بحذف ضمير المفعول للعِلْمِ به (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) لا عينًا ولا أثرًا (فَقَالَ) ﵊: (هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ) أي: قواعد دينِهِم، وإسنادُ التعليم (٥) إليه وإن كان سائلًا؛ لأنَّه كان سببًا في التعليم. وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠].

стр. 8866

٤٧٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجُعفيُّ الكوفيُّ نزيلُ مصرَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بنِ الخطَّابِ المدنيُّ نزيلُ عَسْقلانَ (١): (أَنَّ أَبَاهُ) محمَّد بن زيد (حَدَّثَهُ أَنَّ) جدَّه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّابِ (٢) (¬﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَفَاتِيحُ) بوزن مصابيح، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «مفتاح» (الغَيْبِ) بوزن مصباح، أي: خزائنُ الغيب (خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) الآية إلى آخرها [لقمان: ٣٤] كذا ساقه هنا مختصرًا، وتامًّا في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] و «الرعد» [خ¦٤٦٩٧] و «الأنعام» [خ¦٤٦٢٧]. (((٣٢))) (تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) ولأبي ذرٍّ: «سورة السَّجدة بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابن أبي حاتم: (﴿مَّهِينٍ﴾) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] معناه: (ضَعِيفٍ) وهو (٣) (نُطْفَةُ الرَّجُلِ). وقال مجاهدٌ أيضًا فيما وصله الفِريابيُّ: (﴿ضَلَلْنَا﴾) في قوله: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي: (هَلَكْنَا) في الأرض وصِرْنا تُرابًا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] (الجُرُزُ): هي (الَّتِي لَا تُمْطَرُ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «لم تمطر» (إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا) وقيل: اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، والجرز: هو القطع، فكأنَّها المقطوع عنها الماء والنبات. (نهْدِ) أي: (نبَيِّنُ) بالنون فيهما، ولأبوي ذر والوقت: «يَهْدِ» يُبَيِّن بالمثنَّاة التحتيَّة فيهما، ومرادُه تفسيرُ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦].

стр. 8867

(١) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ [السجدة: ١٧]) زاد أبو ذرٍّ: «﴿مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾» أي: ممَّا تقرُّ به عيونُهم، و «ما» في: ﴿مَّا أُخْفِيَ﴾ موصولةٌ، و ﴿نَفْسٌ﴾ نكرةٌ في سياق النفيِ فتعمُّ جميعَ الأنفس، أي: لا يعلم الذي أخفاه الله لهم، لا مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، وقال بعضهم: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. ٤٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ اللهِ بنِ ذكوانَ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن بنِ هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ ﵎ ولأبي ذرٍّ: « » بدل «﵎»: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ) قال في «شرح المشكاة»: «ما»: هنا إمَّا موصولةٌ أو موصوفة، و «عينٌ» وقعت في سياق النفي، فأفاد الاستغراق، والمعنى: ما رأت العيون كلُّهُنَّ (١) ولا (٢) عين واحدة منهُنَّ، والأسلوب من باب قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] فيَحتملُ نَفْيَ الرؤية والعين معًا، أو نفي الرؤية فحسب، أي: لا رؤية ولا عين، أو لا رؤية، وعلى الأوَّل الغرضُ منه نفي العين، وإنَّما ضمَّت إليه الرؤية؛ ليؤذن بأنَّ انتفاء الموصوف أمرٌ محقَّقٌ لا نزاع فيه، وبلغ في تحقُّقه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة وعكسه، ومثلُه قوله: (وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) مِن باب قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] أي: لا قلب ولا خطور، أو لا خطور (٣)، فعلى الأوَّل ليس لهم

стр. 8868

قلب يخطر، فجعل انتفاء الصفة دليلًا على انتفاء الذات، أي: إذا لم تحصل ثمرة القلب وهو الإخطار؛ فلا قلب، كقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧] وخصَّ البشر هنا دون القرينتين السابقتين؛ لأنَّهم الذين ينتفعون بما أُعِدَّ لهم، ويهتمون لشأنه (٢) ببالهم، بخلاف الملائكة (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]) والحديث كالتفصيل لهذه الآية؛ لأنَّها نفتِ العلم، وهو نفي طرق حُصوله، وقد ذكره المصنِّف في «صفة الجنة» من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٤٤]. (وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو موصولٌ كسابقه، وللأصيليِّ وابن عساكر: «قال عليٌّ -يعني (٣): ابنَ المدينيِّ-: وحدَّثنا سفيان»؛ ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا عليٌّ قال: حدَّثنا سفيان» يعني: ابن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ … مِثْلَهُ) أي: مثل ما في الحديث السابق. (قِيلَ (٤) لِسُفْيَانَ) بنِ عُيينة: (رِوَايَةً)؟ أي: تروي روايةً عنِ النَّبيِّ ﷺ أم (٥) من (٦) اجتهادك؟ (قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ) لولا الروايةُ كنت أقولُ؟ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر (٧): «وقال» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم الضرير، فيما وصله أبو عُبيد القاسمُ بنُ سلَّام في «فضائل القرآن» له: (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ السَّمَّان أنَّه قال: (قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (قُرَّاتِ)) جمعًا بالألف والتاء؛ لاختلاف أنواعها، وهي قراءةُ الأعمش، والقُرَّة: مصدرٌ، وحقُّه ألَّا يجمع؛ لأنَّ المصدر اسمُ جنسٍ، والأجناسُ أبعدُ شيءٍ عن الجمعية، لكن جعلت القُرَّةُ هنا نوعًا، فجاز جمعُها، كقوله: «هناك أحزان»، وحسَّنَ لفظ الجمع إضافةُ القُرَّات إلى لفظ الأعين، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ وابن عساكر زيادة: «أعين».

стр. 8869

٤٧٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ نصرٍ البخاريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامةَ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوانُ السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ) في الجنَّة (مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) وفي حديث المغيرةِ بنِ شعبةَ عند مسلمٍ مرفوعًا: «قال موسى ﵇: يا رب؛ ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ … » الحديث إلى أن قال: «فأعلاهم منزلةً؟ قال: الذين أردت غرستُ كرامتَهم بيدي، وختمت عليها، فلم تَرَ عينٌ، ولم تسمع أُذُنٌ، ولم يخطُرْ على قلبِ بشرٍ» (ذُخْرًا) بضمِّ الذال وسكون الخاء المعجمتين، كذا في الفرع، وقال في «الصِّحاح» في فصل الذال المعجمة: ذَخَرْتُ الشَّيءَ أَذْخُرُه ذُخْرًا، وكذلك (١) أَذْخَرتُه، وهو «افتعلت»، وقولُ الحافظ ابن حجر: بضمِّ المهملة وسكون المعجمة؛ سهوٌ أو سبقُ قلمٍ، وقال الكِرمانيُّ: و «ذُخْرًا» منصوبٌ متعلِّقٌ بـ «أعددتُ»، وقال في «الفتح» أي: جعلتُ ذلك لهم مدخورًا (بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ) بضمِّ الهمزة وكسر اللَّام، ولأبي الوقت: «ما أَطْلَعْتُهُم» بفتح الهمزة واللَّام وزيادة هاء بعد التاء (٢)، وقوله: «بَلْهَ» بفتح الموحَّدة وسكون اللَّام وفتح الهاء، وللأربعة: «مِن بَلْهِ» بزيادة «مِن» الجارَّة، وجَرَّ «بله» بها، كذا في الفرع المعتمد المقابَل على أصل اليونيني المحرَّر بحضرة إمام العربيَّة أبي عبد الله بن مالك، وكذا رأيتُه في أصل اليونيني المذكور (٣)، وحينئذٍ فينظر في قول الصَّغانيِّ: اتَّفق جميعُ نُسَخِ «الصحيح» على «مِن بَلْه»، والصواب: إسقاط كلمة

стр. 8870

«مِن»، وقول ابن التين: إنَّ «بَلْهَ» ضبط مع «مِن» بالفتح والكسر، هو حكايةُ ما وجدَه، فلا يمنعُ ما ذكرتُه مِنَ الفتحِ مع عدمِ الجارِّ، والكسرِ مع ثبوتِه، فأمَّا الفتحُ؛ فقال الجوهريُّ: وبَلْهَ كلمةٌ مبنيَّةٌ على الفتح مثل: كيف، ومعناها: دَعْ، وأنشد قولَ كعبِ بنِ مالكٍ يَصِفُ السيوف: تَذَرُ الجَمَاجِمَ ضاحيًا هاماتُها … بَلْهَُِ الأكفِّ كأنَّها لم تُخلَقِ قال في «المغني»: وقد رُوِيَ بالأوجه الثلاثة، قال شارحه: ومعنى بَلْهَ الأكف على رواية النصب: دَعِ الأكف، فأمرُها سهلٌ، وعلى رواية الجرِّ: كترك (١) الأكف منفصلة، وعلى الرفع: فكيف الأكف التي يوصل إليها بسهولة. وأمَّا وجه الفتح مع ثبوت «مِن» فقال الرضي: إذا كانت «بله» بمعنى: كيف؛ جاز أن تدخله «من»، حكى أبو زيد أن فلانًا لا يُطيق حمل الفهر، فمِن بَلْهَ أن يأتي بالصخرة، أي: كيف؟ ومن أين؟ قال في «المصابيح»: وعليه تتخرَّج هذه الرواية، فتكون (٢) بمعنى «كيف» التي يُقصد بها الاستبعاد، و «ما» مصدريَّة، وهي مع صلتها في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبرُ «من بله»، والضمير المجرور بـ «عليه» عائدٌ على الذُّخْر، أي: كيف ومِن أين اطِّلاعُكم على ما ادَّخرتُه لعبادي الصالحين؟ فإنَّه أمرٌ عظيم قلَّما تتسع عقول البشر لإدراكه والإحاطة به، قال: وهذا أحسن ما يقال في هذا المحل. انتهى. وأمَّا الجرُّ؛ فوُجِّه بأنَّ «بله» بمعنى غير، والكسرة التي على الهاء حينئذٍ إعرابيَّة، قال في «الفتح»: وهو -أي: كون «بله» بمعنى غير- أوضحُ التوجيهات؛ لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه: «ولا خطر على قلب بشر ذخرًا من بله ما أُطلعتم عليه» وذلك بيِّنٌ لِمَنْ تأمَّله. انتهى. وقال أبو السعادات في «نهايته»: بله: اسمٌ مِن أسماء الأفعال بمعنى: دع واترك، تقول: بله زيدًا، وقد توضع موضع المصدر وتضاف، فتقول: بله زيد، أي: ترك زيد، وقوله: «ما اطَّلعتم

стр. 8871

عليه» يُحتملُ أن يكون منصوب المحلِّ ومجرورَه على التقديرين، والمعنى: دع ما اطلعتم عليه مِن نعيم الجنَّة وعرفتموه من لذاتها. انتهى. زاد الخطَّابيُّ: فإنَّه سهلٌ يسيرٌ في جنب ما ادَّخرتُه لهم. (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]) ﴿جَزَاء﴾ مفعولٌ له، أي: أُخفِيَ للجزاء، فإنَّ إخفاءَه لعلوِّ شأنه، أو مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى (١) الجملة قبلَه، أي: جُزُوا جزاءً، وقولُ الزمخشريِّ: فحَسَمَ أطماعَ المتمنِّين؛ يعني: بقوله: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ نزعةٌ اعتزاليَّةٌ، ومرادُه بـ «المتمنين»: أهلُ السُّنَّة القائلين بأنَّ المؤمنَ العاصي موعودٌ بالجنَّة لا بُدَّ له منها، وفاءً بعهدِه تعالى؛ لأنَّه وعدَه بها، ووعدُه حقٌّ، وجعلَ العملَ كالسبب للوعد، فعبَّر به في قوله: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عنه؛ لصدق الوعد في النفوس، وتصويره بصورة المستحَقِّ بالعمل كالأجرة مِن مجاز التشبيه، وعند أبي ذرٍّ تقديم: «حدَّثني إسحاق بن نصر … » إلى آخره، ﴿يَعْمَلُونَ﴾ على قوله: «قال أبو معاوية عن الأعمش» (٢). وهذا الحديث من أفراده. (((٣٣))) (الأَحْزَابُ) مدنيَّةٌ، وهي ثلاثٌ وسبعون آيةً، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «سورة الأحزاب، بسم الله الرحمن الرحيم»، وسقطت البسملة لغيرهما كلفظ السورة. نعم، ثبتت للنسفيِّ كهُما. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه في قوله: (﴿صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]) هي (قُصُورهمْ) وحصونهم، جمع صيصة، يقال لكلِّ ما يُمتنَع به ويُتحصَّن: صيصة، ومنه قيل لقرن الثور ولشوكة الديك: صِيصَة، والصياصي أيضًا: شوكة الحاكة، وتُتخذ مِن حديد، قال دريدُ بن الصِّمَّة: ..................... … كَوَقْعِ الصّياصي في النَّسيجِ المُمَدَّدِ

стр. 8872

(١) (﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾) في الأمور كلِّها (﴿مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]) من بعضِهم ببعضٍ في نفوذ حكمه، ووجوب طاعته عليهم، وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ وعطاء: يعني: إذا دعاهمُ النبيُّ ﷺ ودعتهم أنفسهم إلى شيءٍ؛ كانت طاعةُ النبيِّ ﷺ أَولى بهم من طاعة أنفسهم. انتهى. وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّه لا يأمرُهم ولا يرضى منهم إلَّا بما فيه صلاحُهم ونجاحُهم، بخلاف النفس، وقوله: «﴿النَّبِيُّ﴾ … » إلى آخره، ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ فقط. ٤٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (١) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) القرشيُّ الحِزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاء مهملة، مُصغَّرًا ابن سليمان (٢) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) فُليح بن سليمان الخُزاعيُّ الأَسْلَميُّ (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) العامريِّ المدنيِّ، وقد يُنسب إلى جدِّه أسامةَ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاريِّ النجاريِّ بالجيم، قيل: وُلِدَ في عهدِه ﷺ ، قال (٣) ابن أبي حاتم: وليست له صحبة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ) أي: أحقُّهم به (فِي) كلِّ شيءٍ مِن أمور (الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «الناس» (اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ) قوله : (﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]) استُنبط مِنَ الآية أنَّه لو قصده ﵊ ظالمٌ وجبَ على الحاضر مِنَ المؤمنين أن يبذُلَ نفسَه دونَه، ولم يذكر ﵊ ما له مِنَ الحقِّ عند نزول هذه الآية، بل ذَكَرَ ما عليه فقال: (فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا) أي: أو حقًّا مِنَ الحقوق بعد وفاته (فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ (٤) مَنْ كَانُوا) وهم عصبة

стр. 8873

بنفسه؛ وهو مَن له ولاءٌ، وكلُّ ذَكَرٍ نسيبٍ يُدلي للميت بلا واسطة، أو بتوسُّطِ مَحْضِ الذكور، وعصبةٌ بغيره؛ وهو كلُّ ذاتِ نصفٍ معها ذكرٌ يُعصِّبُها، وعصبةٌ مع غيرهِ؛ وهو أختٌ فأكثر لغير أمٍّ معها بنتٌ أو بنتُ ابنٍ فأكثر (فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا) عليه لأحدٍ (أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضاد المعجمة: عِيالًا ضائعون، لا شيءَ لهم ولا قيِّم (فَلْيَأْتِنِي) كلٌّ مِن ربِّ الدَّين أوفه (١)، والضائع مِن العيال أكفله (وَأَنَا) بالواو، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فأنا» (مَوْلَاهُ) أي: ولي الميت أتولَّى عنه أمورَه. وهذا الحديث قد سبق في «باب الصلاة على من ترك دينًا» من «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٨]. (٢) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله جل وعلا: (﴿ادْعُوهُمْ﴾) انسبُوهم (﴿لِآبَائِهِمْ﴾) أي: الذِين ولدوهم (﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٥]) أي: أَعْدلُ، تعليلٌ لسابقه، وسقط «﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ﴾» لغير أبوي الوقت وذرٍّ، و «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشددة العميُّ، أبو الهيثم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُخْتَارِ) الدبَّاغُ البصريُّ، مولى حفصةَ بنتِ سيرينَ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمامُ في المغازي، مولى آل (٢) الزُّبير بن العوَّام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ) لأنَّه ﷺ كان تبنَّاه قبل النبوَّة (حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٥]) فأمر برَدِّ نسبِهِم إلى آبائهم في الحقيقة، ونسخِ ما كان في ابتداء الإسلام مِنْ جواز ادِّعاءِ الأبناء الأجانب.

стр. 8874

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «التفسير» و «المناقب»، والنَّسائيُّ في «التفسير». (٣) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فَمِنْهُم﴾) أي (١): من الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، أي: مِنَ الثبات مع الرسول، والمقاتلةِ لإعلاء الدين (﴿مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾) يعني: حمزةَ وأصحابهَ (﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾) الشهادةَ، كعثمانَ وطلحةَ ينتظرون أحد أمرين إمَّا الشَّهادة وإمَّا (٢) النصر (﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾) العهد ولا (٣) غيَّروه (﴿تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]) شيئًا، من التبديل، بخلاف المنافقين؛ فإنَّهم قالوا: لا نُوَلِّي الأدبار، وبدَّلوا قولَهم وولَّوا أدبارَهم. (﴿نَحْبَهُ﴾) أي: (عَهْدَهُ) والمعنى: ومنهم مَن فرغ مِن نذره ووَفَى بعهده، فصبر على الجهاد، وقاتل حتى قُتِل، والنحبُ: النذر، فاستُعير للموت؛ لأنه كنذر لازم في رقبة كلِّ حيوان. (﴿أَقْطَارِهَا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] هي (جَوَانِبُهَا). ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ (﴿الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾) أي: (لَأَعْطَوْهَا) والمعنى: ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت من جوانبها ثم سُئِلوا الرِّدَّةَ (٤) ومقاتلة المسلمين؛ لَأَعطوها ولم يمتنعوا، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٧٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: «حدّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشددة، بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حدّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 8875

عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله (عَنْ) عمه (ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلثة وتخفيف الميمين، ابن عبد الله بن أنس (عَنْ) جده (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنه (قَالَ: نُرَى) بضمِّ النون، أي: نظن أنَّ (هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة ابن ضمضم الأنصاري (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) وكان قُتِلَ (١) يومَ أُحُدٍ. ٤٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ (أَنَّ) أباه (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ) التي كانت عند حفصةَ (فِي المَصَاحِفِ) بأمر عثمانَ ﵁ (فَقَدْتُ) بفتح الفاء والقاف (آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ، كُنْتُ أَسْمَعُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٣) عن المُستمليِّ: «كنتُ كثيرًا أسمع» (رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ) أي: ابنِ ثابت (الأَنْصَارِيِّ، الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ) خصوصيَّةً له، وهي قولُه تعالى: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) لا يُقال: إنَّ ثبوتَها كان بطريق الآحاد والقرآنُ إنَّما ثبت (٤) بالتواتر؛ لأنَّها كانت متواترةً عندَهم؛ ولذا قال: كنت أسمع النبيَّ ﷺ يقرؤُها، وقد قال عمر: أشهدُ لقد سمعتُها مِن رسول الله ﷺ ، وعن أَبيِّ بن كعب وهلال بن أمية وغيره (٥) مثله. وهذا الحديث قد سبق في أوائل «الجهاد» في «باب قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾» [خ¦٢٨٠٧].

стр. 8876

(٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه (قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾) السَّعَة والتَّنعمَ (١) فيها، وذلك أنَّهُنَّ سألنَهُ مِن عَرَضِ الدنيا، وطلبْنَ منه زيادةً في النفقة، وآذينَهُ بِغَيرةِ بعضِهِنَّ (﴿وَزِينَتَهَا﴾) أي: زخارِفَها (٢) (﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾) مِتعةَ الطلاق (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) أطلقْكُنَّ طلاقَ السُّنَّة مِن غير إضرارٍ، وفي قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ إشعارٌ بأنَّها لو اختارتْ واحدةٌ الفِراق لا يكونُ طلاقًا، وقوله: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ جُزِمَ جوابَ الشرط، وما بين الشرط وجزائه (٣) معترضٌ، ولا يضرُّ دخولُ الفاء على جملة الاعتراض، أو الجوابُ قولُه: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ و ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ جوابٌ لهذا الأمر، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ … » إلى آخره، وقال بعدَ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: «الآيةَ». (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابنُ المثنَّى، أبو عبد الله التيميُّ، مولاهم البصريُّ النَّحويُّ، قال الحافظ ابن حجر: وتوهَّم مغلطاي ومَن قلَّده أنَّه معمرُ بنُ راشدٍ، فنسب هذا إلى تخريج عبد الرزاق في «تفسيره» عن مَعْمَرٍ، ولا وجودَ لذلك في كتاب عبد الرزاق، وإنَّما أخرج عن مَعْمَرٍ عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: كانت المرأة تخرج تتمشى بين الرجال؛ فذلك تبرج الجاهلية. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: لم يقل مغلطاي: ابن راشد، وإنَّما قال: هذا رواه عبد الرزاق عن مَعْمَر، ولم يقل أيضًا: «في تفسيره» حتى يشنِّع عليه بأنَّه لم يوجد في «تفسيره»، وعبد الرزاق له تآليفُ أُخَر غير «تفسيره»، وحيث أطلق مَعْمَرًا يَحتملُ أحد المَعمَرين. انتهى. وأجاب الحافظ ابن حجر في كتابه «الانتقاض» فقال: هذا اعتذارٌ واهٍ (٤)؛ فإنَّ

стр. 8877

عبد الرزاق لا رواية له عن مَعْمَر بن المثنَّى، وتآليف عبد الرزاق ليس فيها شيءٌ يشرح الألفاظ إلَّا «التفسير»، وهذا «تفسيره» موجودٌ ليس فيه هذا. انتهى. وسقط «وقال معمر» لغير أبي ذرٍّ. (التَّبَرُّجُ) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] هو (أَنْ تُخْرِجَ) المرأةُ (مَحَاسِنَهَا) للرجال، وقال مجاهدٌ وقَتادة: التبرُّجُ: التَّكسُّرُ والتغنُّج، وقيل: التبختُر، و ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ مصدرٌ تشبيهيٌّ، أي: مثلَ تبرُّجِ، والجاهليَّة الأُولى ما بين آدمَ ونوحٍ، أو الزمان الذي وُلد فيه الخليلُ إبراهيمُ، كانت المرأة تلبس دِرعًا مِنَ اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تعرِض نفسَها على الرجال، أو ما بين نوحٍ وإدريسَ، وكانت ألفَ سنةٍ، والجاهلية الأُخرى ما بين عيسى ونبيِّنا ﷺ ، وقيل: الجاهليةُ الأُولى جاهليَّة الكفر قبل الإسلام، والجاهليةُ الأخرى جاهليةُ الفُسوق في الإسلام. (﴿سُنَّةَ اللهِ﴾) في قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي: (اسْتَنَّهَا: جَعَلَهَا) قاله أبو عُبيدةَ، وقال: جعلها سنَّة (١). انتهى. والمعنى: أنَّ سنَّة الله في الأنبياء الماضين ألَّا يؤاخذَهم بما أحلَّ لهم، وقال الكلبيُّ ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين تلك المرأة، وكذلك محمَّد ﷺ وزينب. ٤٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللهُ) بإسقاط ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ: «أمرَهُ اللهُ» (أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ) بين الدنيا والآخرة،

стр. 8878

أو بين الإقامة والطلاق، قال الماورديُّ: الأشبهُ بقول الشافعيِّ الثاني، وهو الصحيحُ، وقال القرطبيُّ: والنافعُ الجمعُ بين القولين؛ لأنَّ أحد الأمرين ملزومٌ بالآخر، وكأنَّهُنَّ خُيِّرْنَ بين الدنيا فيطلقْهُنَّ، وبين الآخرة فيمسكُهُنَّ (فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في التخيير قبلهُنَّ (فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَعْجِلِي) أي: لا يلزمُك الاستعجال، ولأبي ذرٍّ: «ألَّا تستعجلي» أي: لا بأس عليك في التأنِّي وعدم العجلة (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي: تطلبي منهما المشورة، وفي حديث جابر عند مسلمٍ: «حتى تستشيري أبويك»، وعند أحمدَ: «إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتِنَّ (١) فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكرٍ وأمِّ رُومان»، وهو يرد على مَن زعم أنَّ أم رومان ماتت سنة ست من الهجرة، فإنَّ التخيير كان في سنة تسع، قالوا: وإنَّما أمرها ﵇ باستشارتهما خشيةَ أن يحملها صِغَرُ السِّنِّ على اختيار الفِراق، فإذا استشارت أبويها أرشداها لما فيه المصلحة، ولذا لما فهمت عائشة ذلك قالت: (وَقَدْ عَلِمَ) ﵇ (أَنَّ أَبَوَيَّ) بالتشديد (لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ) ﵇: (إِنَّ اللهَ) تعالى (قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ) وهو قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] وهل كان هذا (٢) التخيير واجبًا عليه ﷺ ؟ ولا ريب أنَّ القول واجب عليه؛ لأنَّه إبلاغ للرسالة؛ لقوله تعالى: ﴿قُل﴾ وأمَّا التخيير (فَقُلْتُ لَهُ) ﵇: (فَفِي أَيِّ هَذَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ففي أي شيء» (أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ) زاد محمَّد بن عمرو عند أحمد والطبرانيِّ (٣): ولا أُؤَامِر أبويَّ أبا بكرٍ وأمَّ رُومان، فضحك، و «أَيّ»: اسم معرب يُستفهم به (٤)؛ نحو: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] و ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٢]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «النكاح» و «الطلاق»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».

стр. 8879

(٥) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾): رضا الله ورسوله (﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾) نعيم الجنة (﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]) ثوابًا جزيلًا في الجنَّة، تستحقر دونه الدنيا وزينتَها، و «من»: للبيان؛ لأنَّهُنَّ كلَّهن كُنَّ (١) محسناتٍ، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]) هما (القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ) لفٌّ ونشرٌ مرتَّب، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿مِنْ آيَاتِ اللهِ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ السُّنَّة»، قال في «الأنوار»: وهو تذكيرٌ بما أنعم عليهن (٢)؛ حيث جعلهنَّ أهلَ بيت النبوَّة ومهبِطَ الوحي، وما شاهدن (٣) من بُرحاء الوحي ممَّا يوجب قوَّة الإيمان والحرص على الطاعة، حثًّا على الانتهاء والائتمار فيما كُلِّفن (٤). ٤٧٨٦ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ فيما وصله الذُّهليُّ عن أبي صالح عنه: (حَدَّثَنِي) بالإفراد

стр. 8880

(يُونُسُ) بنُ يزيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ (١) قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أمرَ وجوبٍ (بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) وكُنَّ يومئذٍ تسع نسوة، خمسة من قريش: عائشةُ بنت أبي بكر، وحفصةُ بنت عمر، وأمُّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودةُ بنت زمعة، وأمُّ سلمة بنت أبي أمية، وصفيَّة بنت حُيَي بن أَخْطَب الخيبريَّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليَّة، وزينب بنت جحش الأسديَّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقية (بَدَأَ بِي) إنَّما بدأ بها ﵂ على غيرها من أزواجه ﷺ لفضلها كما قاله النَّوويُّ، أو لأنَّها كانت السبب في التخيير؛ لأنَّها طلبت منه ثوبًا، فأمره الله بالتخيير، رواه ابن مردويه من طريق الحسن عن عائشة، لكن الحسن لم يسمع من عائشة، فهو (٢) مرسل (فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) بفتح الجيم وإسقاط السين، أي: لا بأس عليك في عدم العجلة (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) فيه، وزاد في رواية عمرة عن عائشة عند الطبريِّ (٣) والطَّحاويِّ: وخشي رسول الله ﷺ حداثتي (٤)؛ لأنَّ الصغرَ مَظِنَّةٌ لنقص الرأي، فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما فيه المصلحة (قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ) ولأبي ذرٍّ: « » (قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إِلَى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]) فيه: أنَّ سبب التخيير سؤالهنَّ ﵅ منه ﵊ الدنيا وزينتَها، فقيل: إنَّهنَّ اجتمعن يومًا، فقلن: نُريد ما تريد النساء مِنَ الحُليِّ، وطلبت أمُّ سلمةَ سترًا معلَّمًا، وميمونة حُلَّةً يمانيَّةً، وزينبُ ثوبًا مخططًا، وأمُّ حبيبةَ ثوبًا سَحوليًّا، وسألته كلُّ واحدة منهنَّ (٥) شيئًا، قال النقَّاش: إلَّا عائشة، وآلَمْن قلبَه ﵇ (٦) بمطالبتهنَّ له بتوسعة الحال، فأنزل الله (٧) التَّخيير؛ لئلَّا يكون لأحدٍ منهنَّ مِنَّة عليه في الصبر على ما اختاره ﵊ مِن خشونة العيش، وعند الإمام

стр. 8881

أحمد ﵁ من حديث جابرٍ: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ ، والناسُ ببابه جلوس، والنَّبيُّ ﷺ جالس، فلم يؤذَن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذَن له، ثم أُذِن لأبي بكرٍ وعمرَ فدخلا، والنَّبيُّ ﷺ جالس وحولَه نساؤُه وهو ساكتٌ، فقال عمر: لأكلمنَّ رسولَ الله ﷺ لعلَّه يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيتَ ابنةَ زيد امرأةَ عمرَ، سألتني النفقة آنفًا فوجأتُ عنقها، فضحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتى بدا ناجذه (١)، وقال: «هن حولي يسألني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده؟! فنهاهما رسول الله ﷺ ، فقُلن نساؤه: واللهِ؛ لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة، ورواه مسلمٌ منفردًا به دون البخاريِّ، وزاد: ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه (٢) هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾ إلى: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قال: فبدأ بعائشة، وسبق في «المظالم» [خ¦٢٤٦٨] من طريق عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله (٣) بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عبَّاسٍ، عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا … الحديثَ بطوله، وفيه: فاعتزل النبيُّ ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: «ما أنا بداخل عليهنَّ شهرًا» من شِدَّة موجدته عليهنَّ حين عاتبه الله، فلمَّا مضت تسع وعشرون؛ دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنَّك أقسمت ألَّا تدخل علينا شهرًا، وإنَّا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدُّها عدًّا، فقال النبي ﷺ : «الشهر تسع وعشرون»، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزل الله (٤) آية التخيير، فبدأ بي أوَّل امرأة، قال في «الفتح»: فاتَّفق الحديثان على أنَّ آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنَّ فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال، ويمكن الجمعُ بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال، فإنَّ قِصَّة المتظاهرتين خاصَّة بهما، وقصَّة سؤال النفقة عامَّة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصَّة سؤال النفقة أليق منها بقصَّة المتظاهرتين. انتهى. (قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ) الأمرين من (هَذَا) الذي ذكرتَه (أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ

стр. 8882

وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ) وهذا يدُلُّ على كمال عقلها وصِحَّة رأيها مع صغر سِنِّها (قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ) مِنِ اختيار الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خيَّرهُنَّ. (تَابَعَهُ) أي: تابع الليثَ (مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتحتيَّة بينهما عين مهملة (١) ساكنة، الجزريُّ بالجيم والزاي والراء، الحَرَّانيُّ، فيما وصله النَّسائيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ. (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام فيما وصله مسلمٌ وابن ماجه (وَأَبُو سُفْيَانَ) محمَّدُ بن حُميدٍ السُّكَّريُّ (المَعْمَرِيُّ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة ممَّا وصله الذُّهْلي في «الزهريات» (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) وفيه إشارةٌ إلى ما وقع مِنَ الاختلاف على الزهريِّ في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القِصَّة، ولعلَّ الحديث كان عند الزهريِّ عنهما، فحدَّث به (٢) تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، وإلى هذا جَنَحَ التِّرمذيُّ، وقد رواه عقيل وشعيب عن الزهري عن عائشة بغير واسطة، ولو اختارتِ المخيَّرة نفسها؛ وقعت طلقة رجعيَّة عندنا، وبائنة عند الحنفية، وفي هذا المبحث زيادة تأتي إن شاء الله تعالى في «الطلاق» [خ¦٥٢٦٣] بعون الله وقوّته. (٦) هذا (بَابٌ) بالتنوين يُذْكَر فيه (قَوْلُهُ) مخاطبًا لنبيِّه صلوات الله وسلامه عليه في قصَّة زينبَ وزيدٍ: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾) وهو نكاحُ زينبَ إن طلقها زيدٌ، أو إرادة طلاقها، أو إخبار الله إيَّاه أنَّها ستصير زوجتَه، كما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي بلفظ: بلغنا أنَّ هذه الآية نزلت في زينبَ بنتِ جَحْشٍ، وكانت أمُّها أُمَيْمَة بنت عبد المطلب عمَّة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوِّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثمَّ إنَّها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ ، فزوَّجها إيَّاه، ثم أعلم اللهُ نبيَّه بعدُ أنَّها من

стр. 8883

أزواجه، فكان يستحي أن يأمرَه بطلاقها، وعندَه من طريق عليِّ بن زيدٍ، عن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ قال: أعلمَ (١) الله نبيَّه أنَّ زينب ستكون مِن أزواجه قبل أن يتزوَّجَها، فلمَّا أتاه زيدٌ يشكوها إليه وقال له: «اتق الله، وأمسِكْ عليك زوجك»، قال الله: إنِّي قد أخبرتك أني مزوِّجُكَها ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ لكن في الثاني عليُّ بن زيدِ بنِ جُدعان، وهو ضعيفٌ (﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾) أي: تعييرَهُم إيَّاك به، والواو عطفٌ على ﴿تَقُولُ﴾ أي: وإذ تجمع بين قولك كذا وإخفاء كذا وخشية الناس (﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]) وحدَه إن كان فيه ما يخشى، والواو للحال، وسقط قوله: «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٧٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت (٢): «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ) الرازيُّ، نزيلُ بغداد (عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ) اسم جدِّه دِرهم، الأزديِّ الجَهْضَميِّ البصريِّ، قال (٣): (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البُنانيُّ (٤) (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «بنت جحش» بإسقاط الألف (وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) كذا اقتصر على هذا القدر من هذه القِصَّة هنا، وأخرجه بأتمَّ مِن هذا في «باب وكان عرشه على الماء» من «كتاب التوحيد» [خ¦٧٤٢٠] من وجه آخر عن حماد بن زيد، عن ثابتٍ، عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ

стр. 8884

يقول: «اتَّق الله، وأمسِكْ عليك زوجك»، قالت عائشة: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا؛ لكتم هذه الآية، قال: فكانت (١) زينبُ تفخَر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجني الله مِن فوق سبع سموات، وعن ثابتٍ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة. وذكر ابن جريرٍ وابن أبي حاتم هنا (٢) آثارًا لا ينبغي إيرادُها، وما ذكرته فيه مقنَع، والله يهدينا إلى سواء السبيل بمنِّه وكرمه. (٧) (بَابُ قَوْلِهِ) : (﴿تُرْجِي﴾): تؤخِّر (﴿مَن تَشَاء مِنْهُنَّ﴾) من الواهبات (﴿وَتُؤْوِي﴾) وتضمُّ (﴿إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾) منهن (﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾) ومن طلبت (﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾) رددتَ منهن (٣) فيه بالخيار، إن شئتَ عُدتَ فيه فآويته (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]) في شيءٍ من ذلك، قال عامر الشَّعبيُّ: كنَّ نساءً وَهَبن أنفسهنَّ له ﷺ ، فدخل ببعضٍ وأرجأ بعضًا، منهنَّ أمُّ شريك، وهذا شاذٌّ، والمحفوظ أنَّه لم يدخل بأحدٍ مِنَ الواهبات، كما سيأتي قريبًا في هذا الباب إن شاء الله تعالى، أو المراد بالإرجاء والإيواء القَسْم وعدمه لأزواجه، أي: إن شئتَ تَقْسِم لهنَّ أو لبعضهنَّ، وتقدِّم من شئت وتؤخِّر من شئت، وتُجامعُ مَن شئت وتتركُ من شئت، كذا روي عن ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وقَتادة وغيرهم؛ وذلك لأنَّه ﷺ بالنسبة (٤) إلى أمَّته نسبة السِّيد المطاع إلى عبده، ومن ثَمَّ قال جماعةٌ مِنَ الفقهاء مِنَ الشافعية وغيرهم: لم يكن القَسْمُ واجبًا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال أبو رَزِين وابن زيد: نزلت هذه (٥) الآية عقب آية التخيير، ففوَّض الله تعالى أمرهنَّ إليه، يفعل فيهنَّ ما يشاء من قَسْمٍ وتفضيل بعضٍ في النفقة وغيرها، فرضِينَ بذلك واخترنه على هذا الشرط ﵅، ومع ذلك قَسَمَ لهنَّ ﷺ اختيارًا منه

стр. 8885

لا (١) على سبيل الوجوب، وسوَّى بينهن وعدل فيهنَّ كذلك، وحديث الباب الأوَّل يقتضي أنَّ الآية نزلت في الواهبات، والثاني في أزواجه، واختار (٢) ابنُ جريرٍ أنَّ الآية عامَّةٌ في الواهبات واللاتي عندَه، وهو اختيارٌ حسنٌ جامعٌ للأحاديث. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه: (﴿تُرْجِي﴾) أي: (تُؤَخِّرُ) وقوله: (أَرْجِئْهُ) (٣) في الأعراف [الآية: ١١١] والشعراء [الآية: ٣٦] أي: (أَخِّرْهُ) وذكره استطرادًا، وهو من تفسير ابن عبَّاس فيما رواه ابن أبي حاتم. ٤٧٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) أبو السكين الطائيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة (قَالَ: هِشَامٌ) هو ابن عروة (حَدَّثَنَا) قال في «الفتح»: فيه تقديم المخبِر على الصيغة، وهو جائزٌ، وتقديره: قال: حدَّثنا هشامٌ (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) كذا رُوِيَ بالغين المعجمة؛ من الغَيْرة؛ وهي الحَمية والأنفة، وعند الإسماعيليِّ من طريق محمَّد بن بشر (٤) عن هشام: «كانت تُعَيِّر اللاتي وَهبن أنفسهن» بعين مهملة وتشديد التَّحتيَّة (وَأَقُولُ: أَتَهَبُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا) وظاهرُ قوله: «وهبن»: أنَّ الواهبة أكثر من واحدةٍ، منهنَّ خولةُ بنتُ حكيمٍ، وأمُّ شريك، وفاطمة بنت شريح، وزينبُ بنت خزيمة، كما سيأتي في «النكاح» -إن شاء الله تعالى- الكلام على ذلك، وفي حديث سِمَاك عن عكرمة عن ابن عبَّاس عند الطبريِّ بإسنادٍ حسنٍ: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأةٌ وهبتْ نفسها له، والمراد: أنَّه لم يدخل بواحدةٍ ممَّن وهبْنَ

стр. 8886

أنفسهُنَّ (١) له، وإن كان مباحًا له (٢)؛ لأنَّه راجعٌ إلى إرادته (فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظُنُّ (رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أي: إلَّا موجدًا لك مرادك بلا تأخير. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «النكاح»، والنَّسائيُّ فيه، وفي «عشرة النساء» و «التفسير». ٤٧٨٩ - به قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، السُّلَميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان (الأَحْوَلُ) البصريُّ (عَنْ مُعَاذَةَ) بنت عبد الله العدويَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ المَرْأَةِ مِنَّا) بإضافة «يوم» إلى «المرأة» أي: يوم نوبتها إذا أراد أن يتوجَّه إلى الأخرى (بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ (٣) هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]) قالت معاذة: (فَقُلْتُ (٤) لَهَا) أي (٥): لعائشة مستفهمةً: (مَا كُنْتِ تَقُولِينَ) له ﵊؟ (قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ (٦)) الاستئذان (إِلَيَّ؛ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا) وظاهره (٧): أنَّه ﵊ لم يرجئ (٨) أحدًا منهنَّ، وهو (٩) قول الزُّهريِّ فيما أخرجه ابن أبي حاتم ما أعلم أنَّه أرجأ أحدًا من نسائه.

стр. 8887

(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الله بن المبارك (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة فيهما، أبو معاوية المُهَلَّبيُّ، فيما وصله ابن مردويه في «تفسيره» فقال: إنَّه (سَمِعَ عَاصِمًا) الأحول. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الطلاق»، وأبو داود في «النكاح»، والنَّسائي في «عشرة النساء». (٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَرُ فيه (قوله) تعالى: (﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾) أي: إلَّا مصحوبين بالإذن، فهي في موضع الحال، أو إلَّا بسبب الإذن لكم، فأسقط باء السبب، وقال القاضي كالزَّمخشريِّ: إلَّا وقت أن يُؤذَن لكم، وردَّه أبو حيَّان بأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّ (١) «أن» (٢) المصدريَّة لا تقع موقع الظرف، لا يجوز: «آتيك أن يصيحَ الديك»، وإن جاز ذلك في المصدر الصريح؛ نحو: «آتيك صياحَ الديك» (﴿إِلَى طَعَامٍ﴾) متعلِّقٌ بـ ﴿يُؤْذَنَ﴾ لأنَّه بمعنى: إلَّا أن تُدْعَوا إلى طعام (﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾) نصب على الحال، فعند الزمخشريِّ: العامل فيه ﴿يُؤْذَنَ﴾ وعند غيره مقدَّرٌ، أي: ادخُلوا غيرَ ناظرين إدراكه أو وقت نضجه، والمعنى: لا تَرقُبوا الطعام إذا طبخ حتَّى إذا قارب الاستواء؛ تعرضتم للدخول؛ فإنَّ هذا ممَّا يكرهه الله ويذمُّه، قال ابن كثير: وهذا دليلٌ على تحريم التطفيل، وقد صنَّف الخطيب البغداديُّ كتابًا في ذم الطفيليِّين، ذكر فيه من أخبارهم ما يطول إيراده، وأمال حمزة والكسائيُّ ﴿إِنَاهُ﴾ لأنَّه مصدر أنى الطعام؛ إذا أدرك (﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾) تفرَّقوا واخرُجُوا من منزله ولا تمكُثوا، والآية إمَّا

стр. 8888

تقديم، أي: لا تدخلوا إلى طعام إلَّا أنْ يُؤذَنَ لكم، أوْ لا، والثاني أَولى؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التقديم، وحينئذٍ فالإذنُ مشروطٌ بكونه إلى طعامٍ، فلو أذن لأحدٍ أن يدخل بيوته لغير الطعام أو لبث بعد الطعام لحاجةٍ لا يجوز، لكنَّا نقول: الآية خطابٌ لقومٍ كانوا يتحيَّنون طعامَ رسول الله ﷺ ، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، فهي مخصوصةٌ بهم وبأمثالهم، فيجوزُ ولا يشترط التصريح بالإذن، بل يكفي العلم بالرضا، كما يُشعِر به قوله: ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ حيث لم يُبيِّن الفاعل مع قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾) نُصِبَ عطفًا على ﴿غَيْرَ﴾ أي: لا تدخلوها غير ناظرين ولا مستأنسين، أو حالٌ مقدَّرةٌ، أي: لا تدخلوا هاجمين ولا مستأنسين، أو جُرَّ عطفًا على ﴿نَاظِرِينَ﴾ أي: غير ناظرين وغير مستأنسين، واللَّام في ﴿لِحَدِيثٍ﴾ للعلَّة، أي: لأجل أن يحدِّث بعضكم بعضًا، والمعنى: ولا طالبين الأُنسَ للحديث، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدَّثون طويلًا، فنهوا عنه (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾) الانتظار والاستئناس (﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، وإشغاله (١) فيما لا (٢) يعنيه (﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾) أي: من إخراجكم، فهو من تقدير المضاف؛ بدليل قوله: (﴿وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾) أي: إن إخراجَكُم حقٌّ، فينبغي ألَّا يُترَك حياءً؛ ولهذا نهاكم وزجركم عنه، قال في «الكشاف»: وهذا أدبٌ أدَّب الله به الثقلاء، وقال السَّمرقنديُّ: في الآية حفظ الأدب، وتعليم الرجل إذا كان ضيفًا لا يجعل نفسه ثقيلًا، بل إذا أكل ينبغي أن يخرج (﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾) حاجةً (﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾) المتاع (﴿مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾) أي: سترٍ (﴿ذَلِكُمْ﴾) أي: الذي شرعتُه لكم من الحجاب (﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾) من الرَّيب؛ لأنَّ العين روزنة القلب، فإذا لم تَرَ العين لا يشتهي القلب، فهو عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر (٣)، وهذه آية الحجاب، وهي (٤) ممَّا وافق تنزيلُها قول عمر، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾) وما صحَّ لكم (﴿أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾) أن تفعلوا شيئًا يكرَهُه (﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) بعد وفاتِهِ أو فراقه؛ تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته.

стр. 8889

وفي حديث عكرمة عنِ ابن عبَّاس ممَّا (١) رواه ابن أبي حاتم: أنَّ الآية نزلت في رجل همَّ أن يتزوَّج بعض نساء النبي ﷺ بعدَه، قال رجلٌ لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك (٢)، وكذا قال مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السُّدِّي: أنَّ الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾) أي: إيذاءه ونكاح نِسائِه (﴿كَانَ عِندَ اللهِ﴾) ذنبًا (﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾: «إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا﴾». (يُقَالُ: ﴿إِنَاهُ﴾) قال أبو عُبيدةَ أي: (إِدْرَاكُهُ) وبلوغه، ويقال: (أَنَى) بفتح الهمزة والنون (يَأْنَى) بسكون الهمزة وفتح النون (أَنَاةً) بفتح الهمزة والنون من غير همز (٣) آخره هاء (٤) تأنيث، مقصورٌ، ولابن عساكر: «إناء» بهمزة من غير هاء تأنيث، وزاد أبو ذرٍّ: «فهو آنٍ». (﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]) القياس أن يقول: قريبة بالتَّاء (٥)، وأجاب المؤلف عنه: بأنك (إِذَا وَصَفْتَ (٦) صِفَةَ المُؤَنَّثِ؛ قُلْتَ: قَرِيبَةً) بالتاء (وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا) قال الكِرمانيُّ أي: اسمًا زمانيًّا (٧) وعبارة أبي عبيدة: مجازه مجاز الظرف (وَبَدَلًا) أي: عن الصفة، يعني: جعلتَه اسمًا مكان الصفة (وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ؛ نَزَعْتَ الهَاءَ مِنَ المُؤَنَّثِ) فقلت: قريبًا (وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا) أي: لفظ الكلمة المذكورة إذا لم تُرِدِ الصفة يستوي (فِي) لفظِها (٨) (الوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ

стр. 8890

وَالجَمِيعِ لِلذَّكَرِ (١) وَالأُنْثَى) بغير هاء، وبغير جمعٍ، وبغير تثنية، وقال في «الدر»: الظاهر أنَّ ﴿لَعَلَّ﴾ تعلِّق كما يعلِّق التمنِّي، و ﴿قَرِيبًا﴾ خبرُ «كان» على حذف موصوفٍ، أي: شيئًا قريبًا، وقيل: التقدير: قيام الساعة (٢)، فروعيت ﴿السَّاعَةَ﴾ في تأنيث ﴿تَكُونُ﴾ وروعي المضاف المحذوف في تذكير ﴿قَرِيبًا﴾ وقيل: ﴿د قَرِيبًا﴾ كَثُرَ استعماله استعمال الظروف، فهو هنا ظرفٌ في موضع الخبر، وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر لفظ «الواحد» وقال العينيُّ -كابن حجر-: وسقط لغير أبي ذرٍّ والنسفي قوله: «﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ … » إلى آخره، وصوِّب؛ لأنَّه ساقه في غير محلِّه؛ لتقديمه (٣) على الأحاديث المسوقة في معنى قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ … إلى آخرها. ٤٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَدٍ (عَنْ يَحْيَى) هو ابن سعيدٍ القطَّان، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا يحيى» (عَنْ حُمَيْدٍ) الطويلِ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب (¬﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ يَدْخُلُ عَلَيْكَ) في بيوتك (البَرُّ وَالفَاجِرُ) هو الفاسق، وهو مقابل البَرِّ (فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (آيَةَ الحِجَابِ) وهذا طرفٌ مِن حديثٍ ذكره في «باب ما جاء في القبلة» من «كتاب الصلاة» [خ¦٤٠٢] و «سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٣] أوله: وافقت ربي في ثلاث … وقد تحصَّلَ من جملة الأخبار لعمر مِنَ الموافقات خمسة عشر؛ تسع لفظيات، وأربع معنويات واثنتان في التوراة؛ فأمَّا اللفظيات: فمقام إبراهيم حيث قال: يا رسول الله؛ لو اتخذت من مقام إبراهيمَ مصلَّى، فنزلت، والحجاب، وأُسارى بدر حيث شاوره ﷺ فيهم، فقال: يا رسول الله؛ هؤلاء أئمَّة الكفر، فاضرب أعناقَهُم، فهوي رسول الله (٤) ﷺ ما قاله الصِّدِّيق من إطلاقهم وأخذ الفداء، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] رواه مسلمٌ وغيرُه، وقوله لأمهات المؤمنين: لتكفُفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنَّه (٥) اللهُ أزواجًا خيرًا منكنَّ،

стр. 8891

فنزلت (١)، أخرجه أبو حاتم وغيره، وقوله لمَّا اعتزل ﵊ نساءه في المشربة: يا رسول الله؛ إن كنت طلقت نساءك؛ فالله (٢) معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون، فأنزل الله، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ الاية [التحريم: ٤] وأَخذُه بثوب النبيِّ ﷺ لمَّا قام يصلِّي على عبد الله بن أبيٍّ، ومَنعُه مِن الصلاة عليه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] أخرجاه [خ¦١٢٦٩] ولمَّا نزل: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال ﵊: «فلأزيدنَّ على السبعين»، فأخذ في الاستغفار لهم، فقال عمر: يا رسول الله؛ والله لا يغفر الله لهم أبدًا، أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فنزلت: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (٣) [المنافقون: ٦] خرَّجه (٤) في «الفضائل» ولمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ … إلى قوله: ﴿أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] قال عمر: تبارك الله أحسنُ الخالقين فنزلت (٥)، رواه الواحدي في «أسباب النزول»، وفي رواية: فقال النبيُّ ﷺ : تزيد في القرآن يا عمر؟ فنزل جبريل بها وقال: إنَّها تمام الآية، خرجها السجاوندي في «تفسيره»، ولمَّا استشاره ﵊ في عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا؛ فقال عمر: يا رسول الله؛ مَن زوَّجَكَها؟ قال: اللهُ تعالى، قال: أفتظُنُّ أنَّ ربَّك دلَّس عليك فيها؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فأنزلها (٦) الله تعالى، ذكره صاحب «الرياض» عن رجل من الأنصار. وأمَّا المعنويات؛ فروى السَّمَّان (٧) في «الموافقة»: أنَّ عمر قال لليهود: أنشدكم بالله، هل تجدون وصف محمَّد ﷺ في كتابكم؟ قالوا: نعم، قال: فما يمنعكم مِن اتباعه؟ قالوا: إنَّ الله لم يبعث رسولًا إلَّا كان له من الملائكة كفيل، وإنَّ جبريل هو الذي يكفل محمَّدًا، وهو عدوُّنا من الملائكة، وميكائيل سِلْمنا، فلو كان هو الذي يأتيه لاتبعناه، قال عمر: فإنِّي أشهد

стр. 8892

أنه ما كان ميكائيلُ لِيُعادِيَ سِلْم جبريلَ، وما كان جبريلُ ليُسالِمَ (١) عدوَّ ميكائيلَ، فنزل: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ … إلى قوله: ﴿عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٨]. وعند القلعيِّ: أنَّ عمر كان حريصًا على تحريم الخمر، وكان يقول: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر؛ فإنَّها تُذهب المال والعقل، فنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيةَ، فتلاها عليه (٢) ﵊، فلم ير فيها بيانًا، فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا فيها بيانًا شافيًا، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فتلاها عليه (٣) ﵊، فلم يَرَ فيها بيانًا شافيًا، فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا (٤)، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيةَ، فتلاها عليه النبيُّ (٥) ﵊، فقال عمر عند ذلك: انتهينا يا رب، انتهينا، وذكر الواحديُّ أنَّها نزلت في عمر ومعاذ ونفر مِنَ الأنصار. وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّه ﷺ أرسل غلامًا مِنَ الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقتَ الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر على حالةٍ كَرِهَ عُمَرُ رؤيتَه عليها، فقال: يا رسول الله؛ وددت لو أنَّ الله أمرنا ونهانا في حال (٦) الاستئذان، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآيةَ، رواه أبو الفرج وصاحب «الفضائل»، وقال بعد قوله: فدخل عليه: وكان نائمًا وقد انكشف بعضُ جسده، فقال: اللَّهمَّ حرِّم الدُخول علينا في وقت نومنا، فنزلت. ولمَّا نزل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] بكى عمر وقال: يا رسول الله، وقليل من الآخرين؟! آمنا برسول الله ﷺ وصدَّقناه ومَن ينجو منَّا قليلٌ؟! فأنزل الله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] فدعاه رسول الله ﷺ ، وقال: قد أنزل الله فيما قلت.

стр. 8893

وأمَّا موافقته لما في التوراة؛ فعن طارق بن شهاب: جاء رجلٌ يهوديٌّ إلى عمر بن الخطاب، فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فأين النار؟ فقال لأصحاب النبي ﷺ : أجيبوه، فلم يكن عندهم منها شيءٌ، فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء، أليس يملأ السموات والأرض؟ قال: بلى. قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله ، قال عمر: فالنار حيث شاء الله ، قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين؛ إنَّها لفي كتاب الله المنزل كما قلت، خرَّجه الخِلَعِيُّ والسَّمَّان (١) في «الموافقة». وروي: أنَّ كعب الأحبار قال يومًا عند عمر بن الخطاب: ويلٌ لمَلِكِ الأرض مِن مَلِكِ السماء، فقال عمر: إلَّا مَن حاسب نفسَه، فقال كعب: والذي نفسي (٢) بيده؛ إنَّها لتابعتُها في كتاب الله ، فخَرَّ عمر ساجدًا لله. انتهى. ملخصًا من مناقب عمر من «الرياض». وزاد بعضهم آية الصيام في حِل الرفث، و ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إذ أفتى بقتل ونسخ الرسم لآية قد نزلت في الرجم وفي الأذان (٣). ٤٧٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَّاشِيُّ) بفتح الراء والقاف المشدَّدة وبعد الألف معجمة فتحتيَّة، نسبةً لرقَّاش بنت ضبيعة قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان (يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللَّام المفتوحة زاي لَاحِقُ بن

стр. 8894

حُمَيدٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ) سنة ثلاث أو خمس أو غير ذلك، ولأبي ذرٍّ: «بنت» بإسقاط الألف (دَعَا القَوْمَ، فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ) فأطالوا الجلوس (وَإِذَا (١) هُوَ) ﵊ (كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ) ليفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه (فَلَمْ يَقُومُوا) وكان ﵊ يستحي أن يقول لهم: قوموا (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ؛ قَامَ) لكي يقوموا ويخرجوا (فَلَمَّا قَامَ؛ قَامَ مَنْ قَامَ، وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) لم يُسَمَّوا، يتحدَّثون في البيت، وخرج ﵊ (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ) على زينب (فَإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ) في بيتها، فرجع ﵊ (ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا) فخرجوا (فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ) ﵊ (حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ، فَأَلْقَى الحِجَابَ) أي: السِّتْرَ (بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣]) بعد خروج القوم. ٤٧٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قاضي مكَّةَ، قال (٢): (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسم جدِّه دِرهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله الجِرميِّ أنَّه (٣) قال: (قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ آيَةِ الحِجَابِ) بخفض «آية»، بدلٌ (٤) من سابقتِها (لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَبُ بنتُ جحشٍ ﵂¬) وزُفَّت (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ:

стр. 8895

«إلى (١) النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) وسقط لغير أبي (٢) ذرٍّ «بنت جحش ﵂» (كَانَتْ مَعَهُ فِي البَيْتِ صَنَعَ طَعَامًا، وَدَعَا القَوْمَ، فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ) بعد أن أكلوا (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ) لكي يخرجوا (ثُمَّ يَرْجِعُ) لبيت زينب (وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) قبل خروجهم: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]) وسقط لأبي ذرٍّ «﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾» (فَضُرِبَ الحِجَابُ) بضمِّ الضاد مبنيًّا للمفعول (وَقَامَ القَوْمُ). ٤٧٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التنوريُّ (٣) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البُنانيُّ البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بُنِيَ) بضمِّ الموحَّدة وكسر النون، أي: دُخِلَ (٤) (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ) بضمِّ الهمزة وكسر السين وسكون اللام مبنيًّا للمفعول، أي: أرسلني النبيُّ ﷺ (عَلَى
следующие страницы →