فنزلت (١)، أخرجه أبو حاتم وغيره، وقوله لمَّا اعتزل ﵊ نساءه في المشربة: يا رسول الله؛ إن كنت طلقت نساءك؛ فالله (٢) معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون، فأنزل الله، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ الاية [التحريم: ٤] وأَخذُه بثوب النبيِّ ﷺ لمَّا قام يصلِّي على عبد الله بن أبيٍّ، ومَنعُه مِن الصلاة عليه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] أخرجاه [خ¦١٢٦٩] ولمَّا نزل: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال ﵊: «فلأزيدنَّ على السبعين»، فأخذ في الاستغفار لهم، فقال عمر: يا رسول الله؛ والله لا يغفر الله لهم أبدًا، أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فنزلت: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (٣) [المنافقون: ٦] خرَّجه (٤) في «الفضائل» ولمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ … إلى قوله: ﴿أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] قال عمر: تبارك الله أحسنُ الخالقين فنزلت (٥)، رواه الواحدي في «أسباب النزول»، وفي رواية: فقال النبيُّ ﷺ : تزيد في القرآن يا عمر؟ فنزل جبريل بها وقال: إنَّها تمام الآية، خرجها السجاوندي في «تفسيره»، ولمَّا استشاره ﵊ في عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا؛ فقال عمر: يا رسول الله؛ مَن زوَّجَكَها؟ قال: اللهُ تعالى، قال: أفتظُنُّ أنَّ ربَّك دلَّس عليك فيها؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فأنزلها (٦) الله تعالى، ذكره صاحب «الرياض» عن رجل من الأنصار.
وأمَّا المعنويات؛ فروى السَّمَّان (٧) في «الموافقة»: أنَّ عمر قال لليهود: أنشدكم بالله، هل تجدون وصف محمَّد ﷺ في كتابكم؟ قالوا: نعم، قال: فما يمنعكم مِن اتباعه؟ قالوا: إنَّ الله لم يبعث رسولًا إلَّا كان له من الملائكة كفيل، وإنَّ جبريل هو الذي يكفل محمَّدًا، وهو عدوُّنا من الملائكة، وميكائيل سِلْمنا، فلو كان هو الذي يأتيه لاتبعناه، قال عمر: فإنِّي أشهد
стр. 8892
أنه ما كان ميكائيلُ لِيُعادِيَ سِلْم جبريلَ، وما كان جبريلُ ليُسالِمَ (١) عدوَّ ميكائيلَ، فنزل: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ … إلى قوله: ﴿عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٨].
وعند القلعيِّ: أنَّ عمر كان حريصًا على تحريم الخمر، وكان يقول: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر؛ فإنَّها تُذهب المال والعقل، فنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيةَ، فتلاها عليه (٢) ﵊، فلم ير فيها بيانًا، فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا فيها بيانًا شافيًا، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فتلاها عليه (٣) ﵊، فلم يَرَ فيها بيانًا شافيًا، فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا (٤)، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيةَ، فتلاها عليه النبيُّ (٥) ﵊، فقال عمر عند ذلك: انتهينا يا رب، انتهينا، وذكر الواحديُّ أنَّها نزلت في عمر ومعاذ ونفر مِنَ الأنصار.
وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّه ﷺ أرسل غلامًا مِنَ الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقتَ الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر على حالةٍ كَرِهَ عُمَرُ رؤيتَه عليها، فقال: يا رسول الله؛ وددت لو أنَّ الله أمرنا ونهانا في حال (٦) الاستئذان، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآيةَ، رواه أبو الفرج وصاحب «الفضائل»، وقال بعد قوله: فدخل عليه: وكان نائمًا وقد انكشف بعضُ جسده، فقال: اللَّهمَّ حرِّم الدُخول علينا في وقت نومنا، فنزلت.
ولمَّا نزل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] بكى عمر وقال: يا رسول الله، وقليل من الآخرين؟! آمنا برسول الله ﷺ وصدَّقناه ومَن ينجو منَّا قليلٌ؟! فأنزل الله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] فدعاه رسول الله ﷺ ، وقال: قد أنزل الله فيما قلت.
стр. 8893
وأمَّا موافقته لما في التوراة؛ فعن طارق بن شهاب: جاء رجلٌ يهوديٌّ إلى عمر بن الخطاب، فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فأين النار؟ فقال لأصحاب النبي ﷺ : أجيبوه، فلم يكن عندهم منها شيءٌ، فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء، أليس يملأ السموات والأرض؟ قال: بلى. قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله ، قال عمر: فالنار حيث شاء الله ، قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين؛ إنَّها لفي كتاب الله المنزل كما قلت، خرَّجه الخِلَعِيُّ والسَّمَّان (١) في «الموافقة».
وروي: أنَّ كعب الأحبار قال يومًا عند عمر بن الخطاب: ويلٌ لمَلِكِ الأرض مِن مَلِكِ السماء، فقال عمر: إلَّا مَن حاسب نفسَه، فقال كعب: والذي نفسي (٢) بيده؛ إنَّها لتابعتُها في كتاب الله ، فخَرَّ عمر ساجدًا لله. انتهى. ملخصًا من مناقب عمر من «الرياض».
وزاد بعضهم آية الصيام في حِل الرفث، و ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إذ أفتى بقتل ونسخ الرسم لآية قد نزلت في الرجم وفي الأذان (٣).
٤٧٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَّاشِيُّ) بفتح الراء والقاف المشدَّدة وبعد الألف معجمة فتحتيَّة، نسبةً لرقَّاش بنت ضبيعة قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان (يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللَّام المفتوحة زاي لَاحِقُ بن
стр. 8894
حُمَيدٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ) سنة ثلاث أو خمس أو غير ذلك، ولأبي ذرٍّ: «بنت» بإسقاط الألف (دَعَا القَوْمَ، فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ) فأطالوا الجلوس (وَإِذَا (١) هُوَ) ﵊ (كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ) ليفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه (فَلَمْ يَقُومُوا) وكان ﵊ يستحي أن يقول لهم: قوموا (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ؛ قَامَ) لكي يقوموا ويخرجوا (فَلَمَّا قَامَ؛ قَامَ مَنْ قَامَ، وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) لم يُسَمَّوا، يتحدَّثون في البيت، وخرج ﵊ (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ) على زينب (فَإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ) في بيتها، فرجع ﵊ (ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا) فخرجوا (فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ) ﵊ (حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ، فَأَلْقَى الحِجَابَ) أي: السِّتْرَ (بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣]) بعد خروج القوم.
٤٧٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قاضي مكَّةَ، قال (٢): (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسم جدِّه دِرهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله الجِرميِّ أنَّه (٣) قال: (قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ آيَةِ الحِجَابِ) بخفض «آية»، بدلٌ (٤) من سابقتِها (لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَبُ بنتُ جحشٍ ﵂¬) وزُفَّت (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ:
٤٧٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف (السَّهْمِيُّ) الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ خَرَجَ) ﵊ والقوم جالسون يتحدَّثون بعدَ أن أكلوا (إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ) ﵊ (صَبِيحَةَ بِنَائِهِ) أي: صباحًا بعد ليلة الزفاف (فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ، وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ) ولأبي ذرٍّ: «فيسلِّم عليهنَّ ويسلِّمْنَ عليه، ويدعو لهن ويدعون له» (فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ؛ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الحَدِيثُ) في السابق: «فإذا ثلاثة»، وأجاب البِرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: بأنَّ مفهوم العدد لا اعتبار له، أو المحادثة (١) كانت بينهما والثالث ساكت (٢)، وقال في «الفتح»: كأنَّ أحد الثلاثة فطن لمراد الرسول، فخرج وبقي الاثنان (فَلَمَّا رَآهُمَا؛ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ) وفهما مراده (وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ) قال أنسٌ: (فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ؟ فَرَجَعَ) ﵊ (حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ) ظاهرُه كالسَّابق: نزول الآية بعد قيام القوم، إلَّا الثانية فقبلَه، فأُوِّل بأنَّها نزلت حال قيامهم، أي: أنزلها الله وقد قاموا.
(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بنُ محمَّدِ بن الحكم بن أبي مريم المصريُّ، ولأبي ذرٍّ:
стр. 8898
«إبراهيم ابن أبي مريم» شيخ المؤلِّف، وذِكرُ إبراهيمَ غلطٌ فاحشٌ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) بن أيوب الغافقيُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطويل: أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) صرَّح حُمَيدٌ بالسماع من (١) أنسٍ، فعنعنتُه غير مؤثِّرةٍ.
٤٧٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) بنِ صالحٍ البَلْخيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامةَ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ) بنت زَمْعَة أمُّ المؤمنين ﵂ (بَعْدَ مَا ضُرِبَ الحِجَابُ لِحَاجَتِهَا) بضمِّ الضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول (وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ، أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم وبعدها ألفٌ، حرف استفتاح، ولأبي ذرٍّ: «أم» بحذف الألف (وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ) ولعلَّه قصد المبالغة في احتجاب أمَّهات المؤمنين؛ بحيث لا يُبدين أشخاصهنَّ أصلًا، ولو كُنَّ مستتراتٍ (قَالَتْ (٢): فَانْكَفَأَتْ) بالهمزة؛ أي (٣): انقلبت حال كونها (رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإنَّه» (لَيَتَعَشَّى، وَفِي يَدِهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في يده» بإسقاط الواو (عَرْقٌ) بفتح العين وسكون الراء ثم قاف؛ العظم الذي عليه اللحم (فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ) أي: عائشةُ: (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ: «فأُوحي إليه» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ) ما كان فيه من الشِّدَّة بسبب نزول الوحي (وَإِنَّ العَرْقَ) بفتح العين وسكون الراء (فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ) والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ: إِنَّهُ) أي: إنَّ الشأن (قَدْ أُذِنَ)
стр. 8899
بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ) دفعًا للمشقَّة ورفعًا للحَرَج، وفيه تنبيهٌ على أنَّ المراد بالحجاب التستُّر (١)، حتى لا يبدو من جسدهنَّ شيءٌ، لا حجب أشخاصهنَّ في البيوت، والمراد بالحاجة البراز، كما وقع في «الوضوء» [خ¦١٤٧] من تفسير هشام بن عروة، وقال الكِرمانيُّ -وتبعه البِرماويُّ-: فإن قلتَ: قال ههنا (٢): إنَّه كان بعد ما ضُرب الحجاب، وقال في «كتاب الوضوء» في «باب خروج النساء إلى البراز» [خ¦١٤٦] إنَّه قبل الحجاب، قلتُ: لعلَّه وقع مرَّتين. انتهى. ومراده: أنَّ خروج سودة للبراز وقول عمر لها ما ذُكِر وقع مرَّتين، لا وقوع الحجاب، وقول الحافظ ابن حجر -عقب جواب الكِرمانيِّ- قلت: بل المراد بالحجاب الأوَّل غير الحجاب الثاني -وذكره العينيُّ وأقرَّه- فيه نظرٌ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ لذلك، بل ولا أعلم أحدًا قال بتعدُّد الحجاب، نعم، يَحتملُ أن يكون مرادُه الحجاب الثاني بالنظر لإرادة عمر ﵁ أن يحتجبن في البيوت فلا (٣) يبدين أشخاصهنَّ، فوقع الإذن لهنَّ في الخروج لحاجتهنَّ دفعًا للمشقَّة، كما صرَّح هو به في «الفتح»، وليس المراد نزول الحجاب مرَّتين على نوعين، وأمَّا قوله أيضًا: تقدَّم في «كتاب الطهارة» من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهر رواية الزهريِّ هذه عن عروة؛ يعني: رواية هذا الباب؛ فليس كذلك؛ فإنَّ رواية هذا الباب إنَّما هي من طريق هشام بن عروة عن أبيه والسابقة المصرحة بالقبلية من طريق الزهري عن عروة [خ¦١٤٦] فلعلَّه سبق قلم.
ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله: بعد ما ضُرب الحجاب.
(٩) (قوله) تعالى يخاطب مَن أضمر نكاح عائشة بعده ﷺ : (﴿إِن تُبْدُوا﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب» بالتَّنوين «في قوله (٤): ﴿إِن تُبْدُوا﴾» (﴿شَيْئًا﴾) تظهروا شيئًا من تزوُّج (٥) أمَّهات المؤمنين
стр. 8900
على ألسنتكم (﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾) في صدوركم (﴿فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾) لا تخفى عليه خافيةٌ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ولمَّا نزلت آية الحجاب؛ قال الآباء والأبناء والأقارب: أونحن أيضًا نكلِّمهنَّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: (﴿لَّا جُنَاحَ﴾) لا إثمَ (﴿عَلَيْهِنَّ فِي﴾) ألَّا يحتجبنَ من (﴿آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾) يعني: النساء المؤمنات لا الكتابيات (﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾) مِنَ العبيد والإماء، وقال سعيد بن المسيَّب ممَّا (١) رواه ابن أبي حاتم: إنَّما يعني به الإماء فقط، وإنَّما لم يذكر العم والخال؛ لأنَّهما بمنزلة الوالدين؛ ولذلك (٢) سمَّى العمَّ أبًا في قوله: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وقال عِكرمة والشَّعبيُّ فيما رواه ابن جريرٍ عنهما: لأنَّهما ينعتانها (٣) لأبنائهما، وكرها (٤) أن تضع (٥) خمارها عند خالها وعمها (﴿وَاتَّقِينَ اللهَ﴾) عطفٌ على محذوفٍ، أي: امتثلن ما (٦) أُمِرتنَّ واتَّقين الله أن يراكُنَّ غير هؤلاء (﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٤ - ٥٥]) أي: إنَّه تعالى شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض، فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله، فاتَّقوه؛ فإنَّه شهيدٌ على كلِّ شيءٍ، فراقبوا الرقيب، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾» إلى قوله: «﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٧)﴾»، وقال بعد قوله: ﴿كَانَ﴾: «إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾»، وسقط لفظ «باب» لغيره.
стр. 8901
٤٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: طلب الإذنَ في الدخول عليَّ (أَفْلَحُ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وبعد اللَّام المفتوحة حاء مهملة (أَخُو أَبِي القُعَيْسِ) بضمِّ القاف وفتح العين المهملة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملة، واسمه (١) وائلٌ الأشعريُّ (بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ) آخر سنة خمسٍ (فَقُلْتُ: والله (٢) لَا آذَنُ لَهُ) بالمدِّ، ليس في «اليونينيَّة» لفظ: «والله» بعد «فقلت» (٣) (حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ) الذي (أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) سقط لفظ «له» لأبي ذرٍّ (٤) (إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ) أي: في الدخول عليَّ (فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ) بالمدِّ، وزاد أبو ذرٍّ: «له» (حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «فقال رسول الله» (¬ ﷺ : وَمَا مَنَعَكِ أَنْ (٥) تَأْذَنِينَ) بالرَّفع بثبوت النون؛ كقراءة: «أن يتمُّ الرضاعة» شاذة، بالرفع على إهمال «أن» الناصبة، حملًا على «ما» أُختِها؛ لاشتراكهما في المصدريَّة، قاله البصريُّون، ولم يجعلوها المخففة مِنَ الثقيلة؛ لأنَّه لم يفصل بينها وبين الجملة الفعليَّة بعدها، أو أنَّ ما قبلها ليس بفعل علمٍ ويقينٍ، وقال
стр. 8902
الكوفيُّون: هي المخفَّفة من الثقيلة، وشذَّ وقوعها موقع الناصبة، كما شذَّ وقوع الناصبة موقعها، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «أن تأذني» بحذف النون للنصب (عَمَُّكِ) بالنصب على المفعوليَّة أو بالرفع، أي: هو عمُّك (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَقَالَ) ﵊: (ائْذَنِي لَهُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ) كلمةٌ تقولها العرب ولا يريدون حقيقتها إذ معناها (١): افتقرت يمينك، وقيل: المعنى ضَعُفَ عقلك إذا قلت هذا، أو تربتْ يمينك إن لم تفعلي.
(قَالَ عُرْوَةُ) بن الزبير بالسند المذكور: (فَلِذَلِكَ) الذي قاله ﵊ (كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ) بالنون، ولأبي ذرٍّ: «ما تحرِّموا» بحذفها مِن غير ناصبٍ، وهو لغةٌ فصيحةٌ كعكسه، وقد اجتمع في هذا الحديث الأمران، وقال في «فتح الباري»: ومطابقة الآيتين للترجمة من قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] لأنَّ ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: «ائذني له فإنه عمك» مع قوله في الحديث الآخر: «العمُّ صِنْوُ الأب»، وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنَّه ليس في الحديث مطابقة للتَّرجمة أصلًا، وكأنَّ البخاريَّ رمز بإيراد هذا الحديث إلى الرَّدِّ على من كره للمرأة أن تضع (٢) خمارها عند عمِّها أو خالها، كما ذكرته عن عكرمة والشَّعبيِّ فيما سبق هنا قريبًا، وهذا من دقائق ما ترجم به البخاري ﵀.
وهذا الحديث قد سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤].
(١٠) (بابُ قولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بَابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٣): في (٤) قوله: (﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾) اختلف: هل ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبرٌ عن الله وملائكتِهِ، أو عن الملائكة فقط؟ وخبر الجلالة (٥)
стр. 8903
محذوفٌ لتغايرِ الصلاتين؛ لأنَّ صلاة الله غير صلاتهم، أي: إنَّ الله يصلِّي وملائكته يصلُّون، إلَّا أنَّ فيه بحثًا؛ وذلك أنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا اختلفَ مدلولا (١) الخبرين؛ فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد، فلا تقول: زيد ضاربٌ وعمرٌو؛ يعني (٢): وعمرٌو ضاربٌ في الأرض، أي: مسافرٌ، وعبَّر بصيغة المضارع؛ ليدل على الدوام والاستمرار، أي: أنَّه تعالى وجميع ملائكته الذين لا يُحصَون بالعدِّ (٣)، ولا يُحصَرون بالحدِّ يصلُّون عليه، وفيه الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى (٤) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾) أي: اعتنوا أيُّها الملأ الأدنى بشرفه وتعظيمه أيضًا، فإنَّكم (٥) أولى بذلك، وقولوا: اللَّهمَّ صلِّ عليه (﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]) وقولوا: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ، وأكَّد السَّلام بالمصدر، واستُشكل: بأنَّ الصلاة آكد منه، فكيف أكَّده بالمصدر دونها؟ وأُجيب بأنَّها مؤكَّدة بـ ﴿إِنَّ﴾ وبإعلامه تعالى بأنَّه (٦) يصلِّي عليه وملائكته، ولا كذلك السَّلام؛ إذ ليس ثمَّ ما يقوم مقامه، أو أنَّه لمَّا وقع تقديمها عليه لفظًا -وللتقديم مزيَّةٌ في الاهتمام- حسن تأكيد السَّلام؛ لئلَّا يتوهَّم قلَّة الاهتمام به لتأخُّره، وأضيفت الصلاة إلى الله وملائكته دون السَّلام وأمر المؤمنون بهما؟ فيحتمل أن يقال: إن السَّلام لمَّا كان له معنيان: التحيَّة والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحَّتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام، كذا أجاب الحافظ ابن حجر، والأمر للوجوب في الجملة، أو كلَّما ذُكِرَ؛ لحديث: «رغم أنف رجل ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، رواه البخاريُّ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ (٧)، وحديث عليٍّ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسن غريب صحيح-: «البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، أو في المجلس مرَّةً؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلُّوا على
стр. 8904
نبيِّهم إلَّا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم» رواه الترمذي، أو في العمر مرَّةً واحدةً؛ لأنَّ الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرَّةٍ، أو في القعود آخر الصلاة بين التشهُّد والسَّلام، قاله إمامُنا الشَّافعيُّ والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي (١) الأخيرة، وإسحاق بن رَاهُوْيَه، ونصُّه: إذا تركها عمدًا؛ بطلت صلاته، أو سهوًا؛ رجوتُ أن تُجزِئَه، وابن الموَّاز من المالكيَّة، واختاره ابن العربيِّ منهم أيضًا (٢)، وألزم العراقيُّ القائل بوجوبها كلَّما ذكر -كالطحاوي- أن يقول به في التشهُّد؛ لتقدُّم ذكره ﵊ في التشهُّد، وفيه ردٌّ على مَن زعم أنَّ الشافعيَّ شذَّ في ذلك، كأبي (٣) جعفرٍ الطبريِّ والطحاويِّ وابن المنذر والخطَّابيِّ، كما حكاه القاضي عياض في «الشفاء»، وفي كتابي «المواهب اللدنية بالمنح المحمَّدية» ما يكفي ويَشفي، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾: «الآيةَ»، وقد انتزع النوويُّ من الآية الجمع بين الصَّلاة والسَّلام، فلا يُفرَدُ أحدهما من الآخر، قال الحافظ ابن كثير: والأَولى أن يقال: ﷺ تسليمًا.
(قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفيعٌ -بالتَّصغير- ابن مِهْران الرِّياحيُّ؛ بكسر الراء بعدها تحتيَّة وبعد الألف حاءٌ مهملة، مولاهم البصريُّ، أحد أئمَّة التابعين، أدرك الجاهلية، ودخل على أبي بكرٍ، وصلَّى خلف عمر، وحفظ القرآن في خلافته، وتوفِّي سنة تسعين في شوَّالٍ، وقال البخاريُّ (٤) سنة ثلاث
стр. 8905
وتسعين: (صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ) أخرجه ابن أبي حاتم (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (﴿يُصَلُّونَ﴾) أي: (يُبَرِّكُونَ) بتشديد الرَّاء المكسورة، أي: يدعون له بالبركة، أخرجه الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه (١)، ونقل التِّرمذيُّ عن سفيان الثوريِّ وغير واحدٍ من أهل العلم قالوا: صلاةُ الربِّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وعن الحسن ممَّا رواه ابن أبي حاتم: أنَّ بني إسرائيل سألوا موسى هل يصلِّي ربُّك؟ قال: فكأنَّ ذلك كَبُرَ في صدر موسى، فأوحى الله إليه: أخبرهم أنِّي أصلي وأنَّ صلاتي: إنَّ رحمتي سبقت غضبي، وهو في معجمي (٢) الطبراني «الصغير» و «الأوسط» من طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁؛ رفعه: «قلت: يا جبريل، أيُصلِّي ربُّك جلَّ ذكره؟ قال: نعم؛ قلت: ما صلاته؟ قال: سبُّوحٌ قدُّوسٌ، سبقت رحمتي غضبي».
وعن أبي (٣) بكر القشيريِّ ممَّا (٤) نقله القاضي عياض: الصلاة على النَّبيِّ ﷺ من الله تشريفٌ وزيادة تكرُمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبيِّ ﷺ وبين سائر المؤمنين، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال قبل
стр. 8906
ذلك في السورة: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ (١)﴾ [الأحزاب: ٤٣] ومن المعلوم أنَّ القدر الذي يليق بالنَّبيِّ ﷺ من ذلك أرفع ممَّا يليق بغيره.
(﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠] أي: (لَنُسَلِّطَنَّكَ) عليهم بالقتال والإخراج، قاله ابن عبَّاس فيما وصله الطبريُّ.
٤٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن سعيد» أبو عثمان الأمويُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء؛ ابن كِدام (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين ابن عتيبة (٢) (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرحمن (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁¬): أنَّه (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) القائلُ كعب بن عجرة، كما أخرجه ابن مردويه، ووقع السؤال عن ذلك أيضًا لبشير بن سعد (٣) والد النعمان بن بشير، كما في حديث ابن مسعود عند مسلمٍ (أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ) بما علَّمتنا (٤) من أن نقول في التحيات: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، وقد أمرنا الله في الآية بالصَّلاة والسَّلام عليك، وفي «التِّرمذيِّ» من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: لمَّا نزلت: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ … الآيةَ [الأحزاب: ٥٦] قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا السَّلام (فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟) زاد أبو ذرٍّ: «عليك» أي: علمنا كيف اللفظ الذي به نصلي عليك كما علَّمتنا السَّلام، فالمراد بعدم علمهم الصَّلاة: عدم معرفة تأديتها بلفظٍ لائقٍ به ﵊؛ ولذا وقع بلفظ «كيف» التي يسأل بها عن الصِّفة،
стр. 8907
وفي حديث أبي مسعودٍ البدريِّ عند الإمام أحمد وأبي داود والنَّسائيِّ والحاكم أنَّهم قالوا: يا رسول الله؛ أمَّا السَّلام؛ فقد عرفناه، فكيف نصلِّي عليك إذا نحن صلَّينا في صلاتنا؟ وبه استدلَّ الشافعيُّ على الوجوب في التشهُّد الأخير كما مرَّ (قَالَ) ﵊: (قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) والأمرُ للوجوب، وقال: قولوا، ولم يقل: قل؛ لأنَّ الأمر يقع للكلِّ، وإن كان السائل البعض (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ) «فعيل» من الحمد بمعنى: محمود، وهو مَن تُحمَدُ ذاته وصفاته، أو المستحقُّ لذلك (مَجِيدٌ) مبالغةٌ بمعنى: ماجد، من المجد؛ وهو الشرف (اللَّهُمَّ بَارِكْ) من البركة؛ وهي الزيادة من الخير (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ولم يقل في الموضعين: «على إبراهيم»، بل قال: «كما صلَّيت على آل إبراهيم» و «كما باركت على آل إبراهيم».
٤٧٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) عبد الله بن أسامة الليثيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بخاء معجمة مفتوحة (١) فموحَّدتين الأولى مشدَّدة بينهما ألف، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا التَّسْلِيمُ) بوزن التكليم، أي: قد عرفناه (فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) وسقط «كما صلَّيت على (٢) إبراهيم» (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ذكر إبراهيم، وأسقط «آل إبراهيم».
стр. 8908
(قَالَ أَبُو صَالِحٍ) عبد الله كاتب الليث: (عَنِ اللَّيْثِ) بإسناده المذكور: (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ (١) إِبْرَاهِيمَ) يعني: أنَّ عبد الله بن يوسف لم يذكر «آل إبراهيم» عن الليث، وذكرها أبو صالح عنه في الحديث المذكور.
وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، ابن محمَّد بن مصعب بن الزبير بن العوَّام القرشيُّ الزُّبيريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز، واسم أبي حازم سلمة (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمَّد، كلاهما (عَنْ يَزِيدَ) هو ابن الهاد (وَقَالَ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: كما تقدَّمت منك الصلاة على إبراهيم؛ فنسأل منك الصلاة على محمَّد بطريق الأولى؛ لأنَّ الذي يثبتُ (٢) للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأَولى، وبهذا يحصل الانفصال عن الإيراد المشهور؛ وهو أنَّ من شرط (٣) التشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى، ومحصّلُ الجواب: أنَّ التشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل، بل مِن باب التهييج ونحوه قاله في «الفتح»، ويأتي مزيد بحث لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الدعاء» بعون الله وقوته، ولم يذكر في هذه «وعلى آل إبراهيم» (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَ (٤) آلِ إِبْرَاهِيمَ) بإسقاط لفظ «على»، في «آل» (٥) في الموضعين، وإثبات: «إبراهيم وآله»، في: «كما باركت»، قيل: أصل «آل»: أهل، قلبت الهاء همزة ثم سهِّلت؛ ولهذا إذا صغِّر ردَّ إلى الأصل فقيل: أهيل، وقيل: أصله: «أول»، من آلَ؛ إذا رجع، سمِّي بذلك من يؤول إلى الشخص ويضاف إليه، ويقوِّيه أنَّه لا يضاف إلا إلى معظَّم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال: آل الحجَّام، بخلاف أهل، وقد يُطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعًا، وضابطه: أنَّه إذا قيل: فعل آل فلان كذا؛ دخل هو فيهم، وإن (٦) ذكرا معًا؛ فلا، وهو كالفقير والمسكين، والإيمان والإسلام، ولمَّا اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا وفي إفراد أحدهما؛ كان أَولى المحامل أن يحمل على أنَّه ﷺ قال ذلك
стр. 8909
كله، ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويحتمل أن يكون بعض (١) مَنِ اقتصر على «آل إبراهيم» بدون ذكر «إبراهيم» رواه بالمعنى، بناءً على دخول إبراهيم في قوله: «آل إبراهيم» كما تقدَّم، ووقع في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٧٠] من «البخاريِّ» في ترجمة إبراهيم ﵇، من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢): «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد»، وكذا في قوله: «كما باركت»، وغفل عنه ابن القيم، فزعم أنَّ أكثر (٣) الأحاديث بل كلها مصرِّحةٌ بذكر «محمَّد وآل محمَّد»، وبذكر «آل إبراهيم» فقط، أو بذكر «إبراهيم» فقط، قال: ولم يجئ في حديثٍ صحيحٍ بلفظ: «إبراهيم وآل إبراهيم» معًا، وإنَّما أخرجه البيهقيُّ من طريق يحيى بن السَّبَّاق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحيى مجهولٌ، وشيخُه مبهمٌ، فهو سندٌ ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويٍّ، لكنَّه موقوفٌ على ابن مسعود، قاله في «الفتح».
ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدعاء» مزيد لذلك بعون الله وقوته.
(١١) (قوله: ﴿لَا تَكُونُوا﴾) ولأبي ذرِّ: «بابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٤): في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا﴾ (﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]) أي: لا تؤذوا رسولَ الله ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى.
٤٧٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة، و «عُبادةُ» بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) هو ابن أبي جميلة، عُرِفَ بالأعرابيِّ (عَنِ الحَسَنِ) هو البصريُّ
стр. 8910
(وَمُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (وَخِلَاسٍ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام وبعد الألف مهملة، ابن عمرٍو الهجريِّ البصريِّ، الثلاثةُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مُوسَى) ﵊ (كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التَّحتيَّة الأولى وتشديد الثانية، أي: كثيرَ الحياء، زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٤] «ستِّيرًا، لا يُرى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر موسى هذا التستُّر (١) إلَّا بعيب في (٢) جلده (٣)؛ إمَّا برص وإمَّا أُدْرَة (٤) وإمَّا آفة، وإنَّ الله تعالى أراد أن يبرئَه ممَّا قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر (٥)، ثم اغتسل، فلمَّا فرغ؛ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه (٦) ممَّا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله؛ إنَّ بالحجر (٧) لندبًا من أثر ضَرْبه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا» (وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى) محذرًا أهل المدينة أن يؤذوا رسول الله ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى ﵇: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ﴾) فأظهر الله براءَتَه (﴿مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]) أي: كريمًا ذا جاهٍ، و «ما»: مصدريَّة، أو بمعنى: الذي.
وسبق في «أحاديث الأنبياء»: أنَّ خِلاسًا والحسنَ لم يسمعا من أبي هريرة.
وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا، وذكره تامًّا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٤].
стр. 8911
(((٣٤))) (سَبَأ): مكِّيَّة، وقيل: إلَّا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الاية [القصص: ٨٠] (١)، وآيُها خمسٌ وخمسون، ولأبي ذرٍّ: «سورةُ سبَأ».
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ كلفظ: «سورة». (يُقَالُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بألف بعد العين، وهي قراءةُ غير ابن كثيرٍ وأبي عَمرو، أي: (مُسابقِينَ) كي يفُوتوننا (٢)، قاله أبو عُبيدة (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾) في قولهِ -في العنكبوتِ-: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أي: (بِفَائِتِينَ) أخرج ابنُ أبي حاتم بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بنِ الزُّبيرِ نحوه (﴿مُعَاجِزِينَ﴾) بالألف، أي: (مُغَالِبِينَ) كذا وقع لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره (٣) (مُعَاجِزِيَّ) بالألف وسقوط النون مشدَّدة التَّحتيَّة، أي: (مُسَابِقِيَّ) كذا لأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرَ، وسقط لكريمةَ والأَصيليِّ (﴿سَبَقُواْ﴾) أي:
стр. 8912
في قولهِ -في الأنفال-: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ [الأنفال: ٥٩] أي: (فَاتُوا) ﴿إِنَّهُمْ﴾ (﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾) أي: (لَا يَفُوتُونَ) قاله أبو عُبيدة في «المجاز».
(﴿يَسْبِقُونَا﴾) في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] أي: (يُعْجِزُونَا) بسكون العين (قَوْلُهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقولُه»: (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بالقصر، وهي قراءةُ أبي عَمرو وابنِ كثيرٍ، أي: (بِفَائِتِينَ، وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بالألف (مُغَالِبِينَ) كذا وقع مكرَّرًا، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ (يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ) يريد أنَّه من باب المفاعلةِ بين اثنين.
(﴿مِعْشَارَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ: ٤٥] معناه (عُشْر) بنى (١) مِفعال من لفظ العشرِ؛ كالمِرباعِ، ولا ثالثَ لهما من ألفاظِ العددِ، فلا يقال: مِسداسٌ ولا مِخماسٌ.
(الأُكُلُ) بضم الكاف في قولهِ تعالى: ﴿ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: ١٦] هو (الثَّمَرُ) ولأبي ذرٍّ: «يقالُ: الأكلُ الثَّمرةُ» قال أبو عُبيدة: الأكلُ: الجَنى -بفتح الجيم مقصورًا- وهو بمعنى الثَّمرةِ.
(﴿بَاعِدْ﴾) بالألف وكسر العين (٢)، في قولهِ تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] (وَ ﴿بَاعِدْ﴾) بدون ألف وتشديد العين، وهذه قراءةُ أبي عَمرو وابنِ كثيرٍ وهشام (وَاحِدٌ) في المعنى؛ إذ كلٌّ منهما فعلُ طلبٍ، ومعنى الآية: أنَّهم لما بطرُوا نعمةَ ربِّهم، وسألوا انتقالَها، جازاهُم جزاء من كفرَ نعمهُ إلى أن صاروا مثلًا، فقيل: تفرَّقوا أيادِي سبأَ، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: ١٩].
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿لَا يَعْزُبُ﴾) أي: (لَا يَغِيبُ) ﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣].
(﴿الْعَرِمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] هو (السَُّدُّ) بضم السين وفتحها وتشديد الدال المهملتين، الَّذي يحبسُ الماءَ، بنتهُ بلقيسُ، وذلك أنَّهم كانوا
стр. 8913
يقتتلون على ماءِ وادِيهم، فأَمرت به فسدَّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ (١): «﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ السُّدُّ» وله (٢) عن (٣) الحَمُّويي (٤): «الشَّديدُ» -بشين معجمة- بوزن عظيم، والسَّيلُ: (مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ) ولأبي ذرٍّ: «أرسلهُ اللهُ في السَّدِّ» بفتح سين «السَّدِّ» فيهما في «اليونينية» (٥) (فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الوَادِيَ، فَارْتَفَعَتَا عَنِ الجَنْبَيْن) بفتح الجيم والموحدة بينهما نون ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «الجَنَبَتَيْنِ» بفتح الجيم والنون والموحدة والفوقية وسكون التحتية، وفي نسخة -نسبها في «الفتح» للأكثر-: «الجَنَّتين» بتشديد النون بغير موحدةٍ، تثنيةُ جنَّة.
قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: القياسُ أن يقال: ارتفَعت الجنَّتانِ عن الماءِ. وأجاب: بأن المرادَ من الارتفاعِ الانتفاءُ والزَّوالُ؛ يعني: ارتفع اسم الجنَّةِ عنهما، فتقديرهُ: ارتفعَتِ الجنَّتان عن كونِهما جنَّة.
قال في «الكشاف» -وتبعه في «الأنوار» -: وتسميةُ البدلِ جنَّتينِ على سبيلِ المشاكلَةِ.
(وَغَابَ عَنْهُمَا) عن الجنَّتينِ (المَاءُ فَيَبِسَتَا) لطُغيانِهم وكفرهِم وإعراضهِم عن الشُّكرِ (وَلَمْ يَكُنِ المَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السَُّدِّ) وللمُستملي: «من السَّيلِ» (وَلَكِنْ) ولأبي ذرٍّ: «ولكنَّهُ» (كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ) قالهُ مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ.
(وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ) بفتح العين وسكون الميم، و «شُرَحْبِيْل»: بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدها موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فلام، الهمدانيُّ الكوفيُّ، فيما وصلهُ سعيد بنُ منصورٍ (﴿الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] المُسَنَّاةُ) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد النون، وضبطهُ في «اليونينية»: بضم الميم والهاء من غير ضبط على السين، ولا نقط على الهاء، وفي «آلِ ملك» (٦): «المُسْناة» بضم الميم وسكون السين ونقط الهاء (٧)،
стр. 8914
وضبط في أصل الأَصيليِّ -كما قال في «الفتح» -: المَسْناة: بفتح الميم وسكون المهملة (بِلَحْنِ أَهْلِ اليَمَنِ) بسكون الحاء في الفرع، وقال في «المصابيح»: بفتحها. أي: بلغتِهم، وكانت هذه المسنَّاةُ تحبسُ على ثلاثةِ أبوابٍ بعضها فوقَ بعضٍ، ومن دونها بركةٌ ضخمةٌ فيها اثنا عشر مخرَجًا على عدَّةِ أنهارِهِم (١)، يفتحونَها إذا احتاجُوا إلى الماءَ، وإذا استغنوا؛ سدُّوها، فإذا جاءَ المطرُ؛ اجتمعَ إليه ماءُ أودية اليمنِ، فاحتبسَ السَّيلُ من وراءِ السدِّ، فتأمرُ بلقيس بالبابِ الأعلى فيفتحُ فيجري ماؤهُ في البركةِ، فكانُوا يستقونَ من الأوَّل ثمَّ من الثَّاني ثمَّ من الثَّالث الأسفل، فلا ينفد الماء حتى يثوبَ الماءُ من السَّنة المقبلةِ، فكانت تقسمهُ بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدَّة، فلما طَغَوا وكفرُوا سلَّطَ الله عليهم جُرَذًا يسمَّى الخُلْد فثقبَ السَّدَّ من أسفله، فغرَّق الماءُ جنانهم وخرَّبَ أرضَهم.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن شرحبيلَ: (﴿الْعَرِمِ﴾) هو (الوَادِي) الَّذي فيه الماء، وهذا أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق عثمان بنِ عطاءٍ، عن أبيه.
(السَّابِغَاتُ) في قولهِ تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] هي: (الدُّرُوعُ) الكواملُ، واسعاتٌ طولًا (٢) تسحبُ (٣) في الأرضِ. ذكر الصَّفة ويعلم منها الموصوفُ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَهَلْ﴾ (﴿نُجَازِي﴾ [سبأ: ١٧]) أي: (يُعَاقَبُ) يقال في العقوبة: يُجازَى، وفي (٤) المثوبةِ: يُجزى. قال الفرَّاء: المؤمنُ يُجزى ولا يُجازَى، أي: يجزَى الثَّواب بعملهِ ولا يكافأُ بسيئاتهِ، كذا نُقل.
стр. 8915
(﴿أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]) أي (بِطَاعَةِ اللهِ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ ((١) ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾) أي: (وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ) فإنَّ الازدحامَ يشوِّشُ الخاطرَ، والمعروفُ في تفسير مثله التَّكريرُ، أي: واحدٌ واحدٌ، واثنين اثنين.
(﴿التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢]) هو (الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا) قال:
تَمَنَّى أَنْ تَؤوبَ إِلَيَّ ميٌّ (٢) … وَلَيْسَ إِلَى تَنَاوُشِهَا سَبِيلُ
(﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]) أي: (مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ) في الدُّنيا، أو إيمان، أو نجاة به، ﴿كَمَا فُعِلَ﴾ (﴿بِأَشْيَاعِهِم﴾) أي (بِأَمْثَالِهِمْ) من كفرةِ الأممِ الدَّارجةِ، فلم يُقبَل منهم الإيمانُ حين اليأس.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا تقدَّم في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٤٠ - ٥٢٥٣] (﴿كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]) بغير تحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «﴿كَالْجَوَابِي﴾» بإثباتِها، أي: (كَالجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: الموضعُ المطمئنُّ منها، وهذا لا يستقيمُ؛ لأنَّ الجوابي جمعُ: جابيةٍ، كضاربةٍ وضوارب، فعينه موحدة، فهو مخالفٌ للجوبة من حيثُ إنَّ عينه واو، فلم يرد أن اشتقاقَهُما واحدٌ، والجابيةُ: الحوضُ العظيمُ، سمِّيت بذلك لأنَّه يجبَى إليها الماء، أي: يجتمعُ. قيل: كان يقعدُ على الجفنةِ الواحدةِ ألف رجلٍ يأكلونَ منها.
(الخَمْطُ) هو: (الأَرَاكُ) أي: الشَّجرُ (٣) الَّذي يستاكُ بقضبانهِ (وَالأَثَلُ): هو (الطَّرْفَاءُ) قاله ابنُ عبَّاس فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ (﴿الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]) أي: (الشَّدِيدُ) من العرامةِ، وهي الشَّراسةُ والصُّعوبةُ، وقد مرَّ.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾) قال في «الأنوار»: هذا غايةٌ لمفهوم الكلام من أنَّ ثمَّ توقُّفًا و (٤) انتظارًا للإذنِ، أي: يتربَّصونُ فزعينَ حتَّى إذا كشفَ الفزعُ عن قلوبِ الشَّافعين والمشفوع لهم بالإذنِ، وقيل: الضَّميرُ للملائكةِ، وقد تقدَّم ذكرهُم
стр. 8916
ضِمنًا، واختلف في الموصوفين بهذه الصِّفةِ، فقيل: هم الملائكةُ عند سماعِ الوحي (﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾)؟ جواب ﴿إِذَا فُزِّعَ﴾ (﴿قَالُوا﴾) أي: المقرَّبون من الملائكة كجبريل: قال ربنا القول (﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]) إشارة إلى أنَّه الكاملُ في ذاتهِ وصفاته.
٤٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبير، المكيُّ، قال (١): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: ابنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو: ابنُ دينار (قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ) وفي حديث النَّواسِ بنِ سمعان عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «إذا تكلَّمَ الله بالوحيِ» (ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا) حال كونها (خُضْعَانًا) بضم الخاء المعجمة، أي: خاضعينَ طائعينَ، وهذا مقامٌ رفيع في العظمةِ (لِقَوْلِهِ) تعالى: (كَأَنَّهُ) أي: القولُ المسموعُ (سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ) حجرٍ أملسٍ، فيفزعون ويرون أنَّه من أمر السَّاعةِ (فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا﴾) أي: الملائكةُ بعضهم لبعضٍ (﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ لِلَّذِي قَالَ) يسألُ: قال الله القول (﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] فَيَسْمَعُهَا) أي: المقالة (مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ) بالإفراد فيهما، واستشكلَه الزَّركشيُّ وصوَّب الجمع في الموضعين، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّه يمكنُ جعلهُ لمفردٍ لفظًا دال على الجماعةِ معنى؛ أي (٢): فيسمعُها فريقُ مسترِق السَّمع، وفريقُ مسترقِ السَّمع مبتدأ خبرُه قوله: (هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَوَصَفَ)
стр. 8917
ولابنِ عساكرَ: «وصَفَ» بإسقاط الواو، ولأبي ذرٍّ: «وصَفَهُ» بهاء الضَّمير (سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا) بحاء مهملة وراء مشدَّدة ثمَّ فاء (وَبَدَّدَ) أي: فرَّقَ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَيَسْمَعُ) المسترقُ (الكَلِمَةَ) من الوحي (فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا) في الفرع: «يُلقيْهَا» بجزمةٍ فوق الياء، وفي غيره بنصبة (١) (عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ).
وعند سعيدِ بن منصورٍ عن سفيان: «على السَّاحرِ والكاهنِ» (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ) أي: المسترقَ (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا) أي: المقالةَ إلى صاحبهِ (وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ) أي: الشِّهابُ (فَيَكْذِبُ) الَّذي تلقَّاها (مَعَهَا) مع تلك المقالةِ (مِئَةَ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون الذال (٢) المعجمة (فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ) بفتح الصاد والدال (بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) وسقطتِ «التاء» من «سُمِعت» لغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ، والأولى إثباتها.
وسبق الحديث في «سورة الحجر» [خ¦٤٧٠١]، ويأتي إن شاء الله تعالى بقيَّةُ مباحثهِ في محلِّهِ بعون الله وقوَّته.
стр. 8918
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (١) قولهِ تعالى: ((٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]) يوم القيامةِ.
٤٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) بالخاء والزاي المكسورة المعجمتين، أبو معاويةَ الضَّريرُ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ) بسكون الهاء في الفرع مصحَّحًا عليه، وفي غيره بضمها. قال أبو السَّعادات: هذه كلمةٌ يقولها المستغيثُ، وأصلها إذا صاحوا للغارةِ؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يغيرونَ عند الصَّباحِ، ويسمُّون يوم الغارةِ يوم الصَّباحِ، فكأنَّ القائل: يا صباحاهُ يقول: قد غشينَا العدوُّ، وقيل: إنَّ المتقاتلينَ كانوا إذا جاء اللَّيلُ يرجعون عن القتالِ، فإذا عاد النَّهارُ عاودوهُ، فكأنَّه يريدُ بقوله: يا صباحاه، قد جاءَ وقتُ الصَّباح فتأهَّبوا للقتالِ (فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ. قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (مَا لَكَ؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقالَ»: (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبرونِي (لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ، أَمَا) بالتَّخفيف (كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذرٍّ: «تُصدقونَني» بنونين (قَالُوا: بَلَى) نصدِّقكُ (قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: قدامه (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿تَبَّتْ﴾) أي: خسرتْ أو هلكتْ (﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]).
وهذا الحديث سبق في «الشُّعراء» [خ¦٤٧٧٠].
стр. 8919
(((٣٥))) (المَلَائِكَةُ) مكِّيَّة، وآيُها خمس وأربعون، ولأبي ذرٍّ: «سُورة الملائكة ويس».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (القِطْمِيرُ) هو (لِفَافَةُ النَّوَاةِ) وهو مثلٌ في القلَّةِ، كقوله:
وأَبُوكَ يَخصِفُ نَعْلَه مُتَورِّكًا … مَا يمْلِكُ المِسْكِينُ مِن قِطْمِيرِ
وقيل: هو القمعُ، وقيل: ما بينَ القمعِ والنَّواةِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ «قال مُجاهدٌ».
(﴿مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر: ١٨]) بالتَّخفيف، أي: (مُثَقَّلَةٌ) بالتَّشديد، أي: وإن تدع نفسٌ مثقَّلة بالذُّنوبِ نفسًا إلى حملِها، فحذف المفعول به للعلمِ به.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهد في قولهِ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ. وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١] (﴿الْحَرُورُ﴾ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) عند شدَّةِ حرِّها. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في تفسير الحَرُور: (الحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ) بفتح المهملة (بِالنَّهَارِ) ونقله ابنُ عطيَّة عن رؤبةَ، وقال: ليس بصحيحٍ، بل الصَّحيح ما قاله الفرَّاء، وذكره في «الكشاف»: ﴿الْحَرُورُ﴾ السَّموم، إلَّا أنَّ السَّمومَ بالنَّهار، والحرورَ فيه وفي اللَّيل. قال في «الدر»: وهذا عجيبٌ (١) منه، كيف يردُّ على أصحابِ اللِّسان بقول من يأخذُ عنهم؟!
وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿مُثْقَلَةٌ﴾ … » إلى آخر قولهِ: «والسَّمومُ بالنَّهار».
(﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] أَشَدُّ سَوَادًا (٢) الغِرْبِيبُ) بكسر الغين المعجمة عطف على ﴿حُمْرٌ﴾
стр. 8920
عطف ذي لون (١) على ذي لونٍ، أو عطف على ﴿بِيضٌ﴾ أو على ﴿جُدَدٌ﴾ ولم يقل بعد: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: مختلفٌ (٢) ألوانُها، كما قال ذلك بعد ﴿بِيضٌ﴾ و ﴿وَحُمْرٌ﴾ لأنَّ الغِرْبِيبَ البالِغُ (٣) في السَّوادِ، فصار لونًا واحدًا غير متفاوتٍ، بخلاف السَّابق، ولغير أبي ذرٍّ: «الشَّديدُ السَّوادِ» فـ ﴿وَغَرَابِيبُ﴾ جمع: غربيبٍ، وغربيب: هو الشَّديدُ السَّوادِ المتناهِي فيه، فهو تابعٌ للأسودِ، كَقَانٍ وناصعٍ ويَقَق، ومن ثمَّ قال بعضُهم: إنَّه على التَّقديم والتَّأخير. يقال: أسود غربيبٌ، والبصريُّون يخرجونَ هذا وأمثاله على أنَّ الثَّاني بدلٌ من الأول. قال الجوهريُّ: وتقول (٤): هذا أسود غربيبٌ (٥)، أي: شديدُ السَّوادِ، وإذا قلت: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ تجعلُ السُّودَ بدلًا من غرابيبَ؛ لأنَّ توكيدَ الألوانِ لا يتقدَّمُ، وما ذكره المؤلِّف من هذا التَّفسير أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ من طريق علي بنِ أبي طلحة، ولأبي ذرٍّ هنا: «وقال مجاهد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] وكان حسرةً عليهم استهزاؤهُم بالرُّسل. ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ [يس: ٤٢] من الأنعام. ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] معجبونُ. سورة يس. بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن عبَّاس: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ اللهِ﴾ [النمل: ٤٧] مصائِبُكُم ﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] يخرجُونَ. بابٌ بالتَّنوين ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤] فشدَّدنَا» كذا ثبتَ في الفرع كأصله (٦) هنا، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (٧).
стр. 8921
(((٣٦))) (سورة يس) مكِّيَّة، وآيُها ثلاثٌ وثمانون.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤]) أي: (شَدَّدْنَا) بتشديد الدال الأولى وتسكين الثانية، والمفعول محذوفٌ، أي: فشددناهما بثالثٍ.
(﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] وكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ) أي: في الآخرةِ (اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ) أي: في الدُّنيا، و «استهزاؤُهم» رفع اسم كان، و «حسرةً» خبرُها، وهذا أخرجه الفِريابيُّ عن مجاهد أيضًا، والمعنى: هم أحقَّاءُ بأن يتحسَّر عليهم المتحسِّرون أو (١) يتلهَّف عليهم المتلهِّفونَ، أو متحسَّر (٢) عليهم من جهةِ الملائكةِ والمؤمنين، وأن يكون من قول الله تعالى على سبيل الاستعارةِ تعظيمًا للأمرِ وتهويلًا له، فيكون كالواردِ في حقِّ الله تعالى من الضَّحكِ والسُّخريةِ، ونصبَ ﴿يَا حَسْرَةً﴾ على المصدرِ، والمنادى محذوفٌ، أي: يا هؤلاء تحسَّروا حسرةً.
(﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾) في قولهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] أي: (لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ) أي: أن يستر أحدهما الآخر؛ لأنَّ لكلٍّ منهما حدًّا لا يعدوهُ ولا يقصرُ دونهُ إلَّا عند قيام السَّاعةِ، وقال عبد الرَّزَّاق: أخبرنا معمرٌ عن الحسنِ في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال: ذلك ليلة الهلالِ.
(﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾) في قولهِ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] أي: (يَتَطَالَبَانِ) حال كونهما (حَثِيثَيْنِ) فلا فترةَ بينهما بل كلٌّ منهما يعقبُ الآخرَ بلا مهلةٍ ولا تراخٍ؛ لأنَّهما (٣) مسخرانِ يتطالبانِ طلبًا (٤) حَثيثًا، فلا يجتمعان إلَّا في وقتِ قيام السَّاعةِ.
стр. 8922
(﴿نَسْلَخُ﴾ [يس: ٣٧]) أي: (نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ) قال في «اللباب»: ﴿نَسْلَخُ﴾ استعارة بديعة (١)، شبَّه انكشافَ ظلمةِ اللَّيلِ بكشطِ الجلدِ من الشَّاةِ (وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لمستقرٍّ إلى أبعدِ مغربهِ فلا يتجاوزهُ (٢) ثمَّ يرجع، أو المراد بالمستقرِّ: يوم القيامةِ، فالجريانُ (٣) في الدُّنيا غير منقطعٍ.
(﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] أي: (مِنَ الأَنْعَامِ) كالإبلِ فإنَّها سفائنُ البرِّ، وهذا قول مجاهدٍ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: السُّفن، وهو أشبه بقوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ [يس: ٤٣] لأنَّ الغرقَ في الماءِ.
(﴿فَاكِهُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] بغير ألف بعد الفاء، وبها قرأ أبو جعفر، أي: (مُعْجَبُونَ) بفتح الجيم، وفي رواية غير (٤) أبي ذرٍّ: «﴿فَاكِهُونَ﴾» بالألف، وهي قراءةُ الباقين، وبينهما فرقٌ بالمبالغةِ وعدمها.
(﴿جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥]) أي: (عِنْدَ الحِسَابِ) قال ابنُ كثيرٍ: يريد أن هذه الأصنامَ (٥) محشورةٌ مجموعةٌ يوم القيامةِ، محضرةٌ عند حسابِ عابديها؛ ليكون ذلك أبلغَ في خزيهِم وأدلَّ في إقامةِ الحجَّةِ عليهم (٦).
(وَيُذْكَرُ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ في قولهِ تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ (﴿الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]) هو (المُوْقَرُ) بضم الميم وسكون الواو وبعد القاف المفتوحة راء.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ: (﴿طَائِرُكُمْ﴾ [يس: ١٩]) أي: (مَصَائِبُكُمْ) وعنه فيما وصلهُ الطَّبري: أعمالكُم، أي: حظَّكُم من الخيرِ والشَّرِّ.
(﴿نَسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]) أي: (يَخْرُجُونَ)، قاله ابنُ عبَّاسٍ فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
стр. 8923
(﴿مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]) أي: (مَخْرَجِنَا) وقال ابنُ كثيرٍ: يعنونَ قبورهم الَّتي كانوا في الدُّنيا يعتقدون أنَّهم لا يبعثونَ منها، فلمَّا عاينوا ما كذبوهُ في محشرِهِم؛ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. انتهى. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة: إنَّما يقولون هذا لأنَّ الله يرفعُ عنهم العذابَ بين النَّفختين فيرقدونَ، فإذا بعثوا بعد النَّفخةِ الأخيرةِ وعاينُوا القيامة دعوا بالويلِ.
(﴿أحْصَيْنَاهُ﴾) في قولهِ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أي: (حَفِظْنَاهُ) في اللَّوحِ المحفوظِ.
(﴿مَكَانَتِهِمْ﴾ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] والمعنى: لو نشاءُ جعلناهم قردةً وخنازيرَ في منازلهم، أو حجارةً وهم قعودٌ في منازلهِم لا أرواحَ لهم، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ … ﴾» إلى آخر قوله: «واحدٌ» (١).
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في (قوله) تعالى: (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾) الواو للعطف على ﴿اللَّيْلُ﴾ واللام في ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ بمعنى: إلى، والمراد بالمستقر إمَّا الزَّمانيُّ؛ وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامةِ حين تُكَوَّرُ وينتهي هذا العالمُ إلى غايتهِ، وإمَّا المكانيُّ؛ وهو ما (٢) تحت العرشِ ممَّا يلي الأرضَ من ذلك الجانبِ، وهي أينمَا كانت فهي تحتَ العرشِ كجميع المخلوقاتِ؛ لأنَّه سقفُها، وليس بِكُرَةٍ كما يزعمهُ كثيرٌ من أهل الهيئةِ، بل هو قبَّةٌ ذات قوائم تحملهُ الملائكةُ، أو المراد: غايةُ ارتفاعها في كبدِ السَّماء، فإنَّ حركتها إذ ذاك يوجدُ فيها إبطاءٌ بحيث يظنُّ أنَّ لها هناك وقفةً، والثَّاني: أنسبُ بالحديث المسوق في الباب (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةً إلى جريِ الشَّمس على هذا التَّقديرِ أو إلى المستقرِّ (﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾) الغالبِ بقدرته على كلِّ مقدورٍ (﴿الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]) المحيط علمهُ بكلِّ معلومٍ، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ، والآيةُ لأبي ذرٍّ ساقطة (٣).
стр. 8924
٤٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكين قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بنِ يزيد (التَّيْمِيِّ) الكوفيِّ (عَنْ أَبِيهِ) يزيد (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب الغفاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ (١) ﷺ فِي المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟) استفهامٌ أريد به الإعلام (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ) أي: تنقادُ للباري تعالى انقيادَ السَّاجدِ من (٢) المكلَّفين، أو شبَّهها بالسَّاجد (٣) عند غروبها. قال ابنُ كثيرٍ: والعرشُ فوق العالمِ ممَّا يلي رؤوسَ النَّاسِ، فالشَّمسُ إذا كانت في قبَّةِ الفلكِ وقت الظَّهيرةِ تكون أقرب إلى العرشِ، فإذا استدارَت في فلكها الرَّابع إلى مقابلةِ هذا المقامِ -وهو (٤) وقت نصف اللَّيل- صارَت أبعد ما يكون من العرشِ، فحينئذٍ تسجدُ وتستأذنُ في الطُّلوعِ، أي: من المشرقِ على عادتها، فيؤذنُ لها (فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]).
٤٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبيرِ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاحِ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بنِ شريكٍ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨] قَالَ) ﵊: (مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ) قال الخطَّابيُّ: يحتمل أن يكون على ظاهرهِ من الاستقرارِ تحت العرشِ بحيث لا نحيطُ به نحن، ويحتملُ أن
стр. 8925
يكون المعنى: إنَّ علمَ (١) ما سألتَ عنه من مستقرِّها تحتَ العرش في كتابٍ كتبتْ فيه مَبادئ أمور العالمِ ونهايتها، وهو اللَّوحُ المحفوظُ.
والحديث أخرجهُ المؤلِّف في مواضع (٢) [خ¦٣١٩٩] [خ¦٤٨٠٢] [خ¦٧٤٣٣]، والنَّسائيُّ عن إسحاقَ (٣) بنِ إبراهيمَ، عن أبي نُعيمٍ -شيخ المؤلِّف فيه- ولفظه: «تَذهبُ حتَّى تَنتهِي تحتَ العرشِ عند ربِّها»، وزاد: «ثمَّ تستأذِنُ فيؤذنُ لها، ويوشكُ أن تستأذنَ فلا يُؤذَن لها، وتستشفِعُ وتطلبُ، فإذا كانَ كذلكَ قيل لها: اطَّلعِي من مكانكِ، فذلكَ قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾».
(((٣٧))) (وَالصَّافَّاتِ) مكِّيَّة، وآيُها إحدى أو اثنتان (٤) وثمانون (٥)، ولأبي ذرٍّ: «سُورة ﴿(٦) وَالصَّافَّاتِ﴾».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى بسورة سبأ:
стр. 8926
(﴿وَيَقْذِفُونَ﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣]) أي: (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ عنه: ﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يقولون: هو ساحرٌ، هو كاهنٌ، هو شاعرٌ، وقال مجاهدٌ أيضًا في قولهِ: (﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾) بالصَّافات [الآية: ٨] أي: (يُرْمَوْنَ) وفي نسخةٍ: «﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا﴾ يرمون» أي: يرمونَ من كلِّ جانبٍ من (١) جوانبِ السَّماءِ إذا قصدُوا صعودهُ، و ﴿دُحُورًا﴾ علَّة للطَّردِ، أي: للدُّحورِ، فنصبه على أنَّه مفعولٌ له ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ (﴿وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]) أي: (دَائِمٌ) وقيل: شديدٌ.
(﴿لَّازِبٍ﴾) في قولهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] معناه: (لَازِمٌ) بالميم بدل الموحدة، ومنه قول النَّابغة:
........................ … وَلَا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبٍ
بالموحدةِ، أي: لازمٍ -بالميم- فهما بمعنى؛ لأنَّه يلزم اليدَ، أي: يلصقُ بها، وقيل: بالموحدةِ اللَّزِج، وأكثر أهل اللُّغة على أنَّ الباء في «لازبٍ» بدل: من «الميم»، وهذا كلُّه ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ (﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] يَعْنِي: الحَقَّ) أي: الصِّراط الحقَّ، فمن أتاهُ الشَّيطان من قبل اليمينِ؛ أتاهُ من قبلِ الدِّين فلبَّسَ عليه الحقَّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يعنِي: الجِنَّ» بالجيم والنون المشددة، والمراد به: بيان المقولِ لهم وهم الشَّياطين، وبالأوَّل تفسير لفظ ﴿الْيَمِينِ﴾ واليمينُ هنا استعارةٌ عن الخيراتِ والسَّعاداتِ؛ لأنَّ الجانبَ الأيمن أفضلُ من الأيسرِ إجماعًا، و ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ حالٌ من فاعل ﴿تَأْتُونَنَا﴾ والمرادُ بها الجارحةُ، عبَّر بها عن القوَّةِ، أو الحلف؛ لأنَّ المتعاقدين بالحلفِ يمسحُ كلٌّ منهما يمين الآخر، فالتَّقديرُ على الأوَّل: تأتونَنا أقوياءَ، وعلى الثَّاني: مقسِمين حالفين (الكُفَّارُ تَقُولُهُ (٢) لِلشَّيْطَانِ) وفي نسخة: «للشَّياطين» بالجمع، وقد كانوا يحلفونَ لهم إنَّهم على الحقِّ.
(﴿غَوْلٌ﴾) أي: (وَجَعُ بطْنٍ) وبه قال قتادة، وقال اللَّيث: صُداعٌ ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا﴾ (﴿يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]) أي: (لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ) و ﴿يُنزَفُونَ﴾ بضم أوله وفتح الزاي، من نزف الرَّجل، ثلاثيًّا، مبنيًّا للمفعول بمعنى: سَكِرَ وذهب عقلهُ، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: بكسر الزاي، من أَنزفَ الرَّجلُ؛ إذا ذهبَ عقلهُ من السَّكر.
стр. 8927
(﴿قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]) أي: (شَيْطَانٌ) أي: في الدُّنيا ينكرُ البعثَ، ويوبِّخني على التَّصديق بالبعثِ والقيامةِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿غَوْلٌ﴾ … » إلى هنا (١).
(﴿يُهْرَعُونَ﴾) في قولهِ: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] (كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ) والمعنى: أنَّهم يتَّبعونَ آباءهُم اتِّباعًا في سرعةٍ، كأنَّهم يُزعجون (٢) على الإسراعِ على أثرِهم، فكأنَّهم بادرُوا إلى ذلك من غيرِ توقُّفٍ على نظرٍ وبحثٍ.
(﴿يَزِفُّونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] هو (النَّسَلَانُ) بفتحتين: الإسراعُ (فِي المَشْيِ) مع تقاربِ الخُطا، وهو دونَ السَّعي.
(﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] (قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ) فقال أبو بكرٍ الصِّديق: فمن أمهاتُهم؟ فقالوا: (وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ) بفتح السين والراء، أي: بنات خواصهم، وعن ابنِ عبَّاسٍ: هم حيٌّ من الملائكةِ يقال لهم: الجنُّ، منهم إبليس، وقيل: هم خزَّانُ الجنَّة. قال الإمام فخرُ الدِّين: وهذا القول عندي مشكلٌ؛ لأنَّ الله تعالى أبطلَ قولهم إنَّ الملائكةَ بناتُ الله، ثمَّ عطف عليهِ (٣) قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] والعطف يقتضي كون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه، فوجبَ أن يكون المرادُ من الآية غير ما ذكر، وأمَّا قول مجاهدٍ: الملائكةُ بنات الله … إلى آخره؛ فبعيدٌ؛ لأنَّ المصاهرةَ لا تسمَّى نَسبًا. وحكى ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ عن العوفيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: زعمَ أعداءُ الله أنَّ الله تعالى هو وإبليس أخوان، ذكره ابنُ كثيرٍ. وزاد الإمام فخرُ الدِّين: فالله هو الحرُّ الكريمُ، وإبليسُ هو الأخُ الشَّريدُ (٤)، ونسبه لقولِ بعض الزَّنادقةِ، وقال: إنَّه أقربُ الأقاويل في هذه الآية.
(وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]) أي: (سَتُحْضَرُون) أيُّها
стр. 8928
القائلون هذا القول (لِلْحِسَابِ) بضم المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة (١)، وسقطَ من قوله: «﴿يَزِفُّونَ﴾ … » إلى قوله: «لِلْحِسَابِ» لأبي ذرٍّ (٢). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ جريرٍ في قولهِ: (﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] المَلَائِكَةُ) والمفعول محذوفٌ، أي: الصَّافُّونَ أجنحتَنا أو أقدامَنا، ويحتملُ ألَّا يُراد المفعول، أي: نحن من أهلِ هذا الفعل فعلى الأوَّل يفيد الحصرَ، أي: أنَّهم الصَّافون في مواقف العبوديَّة لا غيرهم، وقال الكلبيُّ: صفوف الملائكةِ كصفوفِ النَّاسِ في الأرضِ.
(﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] أي: (سَوَاءِ الجَحِيمِ وَوَسْطِ الجَحِيمِ) بسكون السين، وفي «اليونينية» بفتحها (٣).
(﴿لَشَوْبًا﴾ [الصافات: ٦٧]) أي: (يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ) أي: يخلطُ (بِالحَمِيمِ) الماء الحار الشَّديد، فإذا شربوهُ قطع أمعاءَهم.
(﴿مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]) بسورة الأعراف، أي: (مَطْرُودًا) لأنَّ الدَّحرَ هو الطَّردُ، وسقطَ من قوله: «﴿صِرَاطِ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٤).
(﴿بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]) قال ابن عبَّاس فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ) أي: المصون، قال الشَّمَّاخ:
وَلَو أَنِّي أَشَاءُ كَنَنْتُ (٥) نَفْسِي … إِلَى بَيْضَاءَ بَهْكَنَةٍ (٦) شَمُوْعِ
والشَّموع: اللَّعوب (٧)، والبَهْكنةُ (٨): الممتلئةُ. وقال غير ابنِ عبَّاس: المراد بيضُ النَّعامِ، وهو بياضٌ مشوبٌ ببعضِ صفرةٍ، وهو أحسنُ ألوانِ الأبدانِ. وقال ذو الرِّمَّة:
стр. 8929
بَيْضَاءُ فِي تَرَحٍ (١) صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ … كَأنَّها فِضَّةٌ قَدْ مَسَّها ذَهَبُ
(﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨]) أي: (يُذْكَرُ بِخَيْرٍ) وثناءٍ حسنٍ فيمن بعدَه من الأنبياءِ والأممِ إلى يوم الدِّين، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ … » إلى آخره (٢).
(وَيُقَال: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾) أي: (يَسْخَرُونَ) (٣) ومرادهُ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] قال ابن عبَّاسٍ: ﴿آيَةً﴾ يعني: انشقاقَ القمرِ، وقيل: يستدعِي بعضهم (٤) من السُّخريَّةِ، وسقطَ «ويقال» لغير أبي ذرٍّ.
(﴿بَعْلًا﴾) في قولهِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أي: (رَبًّا) بلغة اليمن، سمع ابنُ عبَّاس رجلًا ينشد ضالَّة، فقال آخر: أنا (٥) بعلُها، فقال: الله أكبرُ، وتلا الآية.
(﴿الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠]) هي (السَّمَاءُ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصلهُ الطَّبريُّ، وثبتَ هنا: «﴿الْأَسْبَابِ﴾: السَّماءُ» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٦).
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]) وسقطَ «بابٌ» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَميلٍ -بفتح الجيم- الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ)
стр. 8930
هو ابنُ عبد الحميد (١) الضَّبيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو: ابنُ مسعود (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ص لى الله عليه وسلم: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنِ ابْنِ مَتَّى) أي: في نفسِ النُّبوَّةِ؛ إذ لا تفاضل فيها. نعم، بعض النَّبيين أفضلُ من بعض كما هو مقرَّر، ولأبي ذرٍّ: «من يونُس بن متَّى» وفي «سورة النساء»: «ما ينبغِي لأحدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ من يونُس بن متَّى» [خ¦٤٦٠٣] أي: ليس لأحدٍ أن يفضِّلَ نفسه عليهِ، أو ليس لأحدٍ أن يفضِّلَني عليه، قاله تواضعًا، ولا يعارضُه تحدُّثه بنعمةِ الله عليهِ؛ حيث قال: «أنا سيِّدُ ولدِ آدَم».
٤٨٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) القرشيُّ الحزاميُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) بضم الفاء مصغَّرًا، ابن سليمانَ الأَسْلميُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) فُلَيحٌ (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) العامريِّ (مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد التحتية، المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتحتية والمهملة المخففة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؛ فَقَدْ كَذَبَ) قاله زَجرًا وسدًّا للذَّريعة من توهُّم حطِّ مرتبةِ يونس؛ لما في قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] ونفسُ النُّبوَّةِ لا تفاضل فيها؛ إذ كلُّهم فيها على حدٍّ سواءٍ كما مرَّ.
وسبق هذا الحديث مرَّات [خ¦٤٦٠٤] [خ¦٤٦١٦] [خ¦٤٦٣١].
(((٣٨))) (﴿ص﴾) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ أو ثمان وثمانون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ص».
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ.