← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

(﴿وَيَقْذِفُونَ﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣]) أي: (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ عنه: ﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يقولون: هو ساحرٌ، هو كاهنٌ، هو شاعرٌ، وقال مجاهدٌ أيضًا في قولهِ: (﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾) بالصَّافات [الآية: ٨] أي: (يُرْمَوْنَ) وفي نسخةٍ: «﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا﴾ يرمون» أي: يرمونَ من كلِّ جانبٍ من (١) جوانبِ السَّماءِ إذا قصدُوا صعودهُ، و ﴿دُحُورًا﴾ علَّة للطَّردِ، أي: للدُّحورِ، فنصبه على أنَّه مفعولٌ له ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ (﴿وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]) أي: (دَائِمٌ) وقيل: شديدٌ. (﴿لَّازِبٍ﴾) في قولهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] معناه: (لَازِمٌ) بالميم بدل الموحدة، ومنه قول النَّابغة: ........................ … وَلَا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبٍ بالموحدةِ، أي: لازمٍ -بالميم- فهما بمعنى؛ لأنَّه يلزم اليدَ، أي: يلصقُ بها، وقيل: بالموحدةِ اللَّزِج، وأكثر أهل اللُّغة على أنَّ الباء في «لازبٍ» بدل: من «الميم»، وهذا كلُّه ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ (﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] يَعْنِي: الحَقَّ) أي: الصِّراط الحقَّ، فمن أتاهُ الشَّيطان من قبل اليمينِ؛ أتاهُ من قبلِ الدِّين فلبَّسَ عليه الحقَّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يعنِي: الجِنَّ» بالجيم والنون المشددة، والمراد به: بيان المقولِ لهم وهم الشَّياطين، وبالأوَّل تفسير لفظ ﴿الْيَمِينِ﴾ واليمينُ هنا استعارةٌ عن الخيراتِ والسَّعاداتِ؛ لأنَّ الجانبَ الأيمن أفضلُ من الأيسرِ إجماعًا، و ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ حالٌ من فاعل ﴿تَأْتُونَنَا﴾ والمرادُ بها الجارحةُ، عبَّر بها عن القوَّةِ، أو الحلف؛ لأنَّ المتعاقدين بالحلفِ يمسحُ كلٌّ منهما يمين الآخر، فالتَّقديرُ على الأوَّل: تأتونَنا أقوياءَ، وعلى الثَّاني: مقسِمين حالفين (الكُفَّارُ تَقُولُهُ (٢) لِلشَّيْطَانِ) وفي نسخة: «للشَّياطين» بالجمع، وقد كانوا يحلفونَ لهم إنَّهم على الحقِّ. (﴿غَوْلٌ﴾) أي: (وَجَعُ بطْنٍ) وبه قال قتادة، وقال اللَّيث: صُداعٌ ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا﴾ (﴿يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]) أي: (لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ) و ﴿يُنزَفُونَ﴾ بضم أوله وفتح الزاي، من نزف الرَّجل، ثلاثيًّا، مبنيًّا للمفعول بمعنى: سَكِرَ وذهب عقلهُ، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: بكسر الزاي، من أَنزفَ الرَّجلُ؛ إذا ذهبَ عقلهُ من السَّكر.

стр. 8927

(﴿قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]) أي: (شَيْطَانٌ) أي: في الدُّنيا ينكرُ البعثَ، ويوبِّخني على التَّصديق بالبعثِ والقيامةِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿غَوْلٌ﴾ … » إلى هنا (١). (﴿يُهْرَعُونَ﴾) في قولهِ: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] (كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ) والمعنى: أنَّهم يتَّبعونَ آباءهُم اتِّباعًا في سرعةٍ، كأنَّهم يُزعجون (٢) على الإسراعِ على أثرِهم، فكأنَّهم بادرُوا إلى ذلك من غيرِ توقُّفٍ على نظرٍ وبحثٍ. (﴿يَزِفُّونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] هو (النَّسَلَانُ) بفتحتين: الإسراعُ (فِي المَشْيِ) مع تقاربِ الخُطا، وهو دونَ السَّعي. (﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] (قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ) فقال أبو بكرٍ الصِّديق: فمن أمهاتُهم؟ فقالوا: (وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ) بفتح السين والراء، أي: بنات خواصهم، وعن ابنِ عبَّاسٍ: هم حيٌّ من الملائكةِ يقال لهم: الجنُّ، منهم إبليس، وقيل: هم خزَّانُ الجنَّة. قال الإمام فخرُ الدِّين: وهذا القول عندي مشكلٌ؛ لأنَّ الله تعالى أبطلَ قولهم إنَّ الملائكةَ بناتُ الله، ثمَّ عطف عليهِ (٣) قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] والعطف يقتضي كون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه، فوجبَ أن يكون المرادُ من الآية غير ما ذكر، وأمَّا قول مجاهدٍ: الملائكةُ بنات الله … إلى آخره؛ فبعيدٌ؛ لأنَّ المصاهرةَ لا تسمَّى نَسبًا. وحكى ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ عن العوفيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: زعمَ أعداءُ الله أنَّ الله تعالى هو وإبليس أخوان، ذكره ابنُ كثيرٍ. وزاد الإمام فخرُ الدِّين: فالله هو الحرُّ الكريمُ، وإبليسُ هو الأخُ الشَّريدُ (٤)، ونسبه لقولِ بعض الزَّنادقةِ، وقال: إنَّه أقربُ الأقاويل في هذه الآية. (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]) أي: (سَتُحْضَرُون) أيُّها

стр. 8928

القائلون هذا القول (لِلْحِسَابِ) بضم المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة (١)، وسقطَ من قوله: «﴿يَزِفُّونَ﴾ … » إلى قوله: «لِلْحِسَابِ» لأبي ذرٍّ (٢). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ جريرٍ في قولهِ: (﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] المَلَائِكَةُ) والمفعول محذوفٌ، أي: الصَّافُّونَ أجنحتَنا أو أقدامَنا، ويحتملُ ألَّا يُراد المفعول، أي: نحن من أهلِ هذا الفعل فعلى الأوَّل يفيد الحصرَ، أي: أنَّهم الصَّافون في مواقف العبوديَّة لا غيرهم، وقال الكلبيُّ: صفوف الملائكةِ كصفوفِ النَّاسِ في الأرضِ. (﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] أي: (سَوَاءِ الجَحِيمِ وَوَسْطِ الجَحِيمِ) بسكون السين، وفي «اليونينية» بفتحها (٣). (﴿لَشَوْبًا﴾ [الصافات: ٦٧]) أي: (يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ) أي: يخلطُ (بِالحَمِيمِ) الماء الحار الشَّديد، فإذا شربوهُ قطع أمعاءَهم. (﴿مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]) بسورة الأعراف، أي: (مَطْرُودًا) لأنَّ الدَّحرَ هو الطَّردُ، وسقطَ من قوله: «﴿صِرَاطِ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٤). (﴿بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]) قال ابن عبَّاس فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ) أي: المصون، قال الشَّمَّاخ: وَلَو أَنِّي أَشَاءُ كَنَنْتُ (٥) نَفْسِي … إِلَى بَيْضَاءَ بَهْكَنَةٍ (٦) شَمُوْعِ والشَّموع: اللَّعوب (٧)، والبَهْكنةُ (٨): الممتلئةُ. وقال غير ابنِ عبَّاس: المراد بيضُ النَّعامِ، وهو بياضٌ مشوبٌ ببعضِ صفرةٍ، وهو أحسنُ ألوانِ الأبدانِ. وقال ذو الرِّمَّة:

стр. 8929

بَيْضَاءُ فِي تَرَحٍ (١) صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ … كَأنَّها فِضَّةٌ قَدْ مَسَّها ذَهَبُ (﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨]) أي: (يُذْكَرُ بِخَيْرٍ) وثناءٍ حسنٍ فيمن بعدَه من الأنبياءِ والأممِ إلى يوم الدِّين، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ … » إلى آخره (٢). (وَيُقَال: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾) أي: (يَسْخَرُونَ) (٣) ومرادهُ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] قال ابن عبَّاسٍ: ﴿آيَةً﴾ يعني: انشقاقَ القمرِ، وقيل: يستدعِي بعضهم (٤) من السُّخريَّةِ، وسقطَ «ويقال» لغير أبي ذرٍّ. (﴿بَعْلًا﴾) في قولهِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أي: (رَبًّا) بلغة اليمن، سمع ابنُ عبَّاس رجلًا ينشد ضالَّة، فقال آخر: أنا (٥) بعلُها، فقال: الله أكبرُ، وتلا الآية. (﴿الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠]) هي (السَّمَاءُ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصلهُ الطَّبريُّ، وثبتَ هنا: «﴿الْأَسْبَابِ﴾: السَّماءُ» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٦). (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]) وسقطَ «بابٌ» لغير أبي ذرٍّ. ٤٨٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَميلٍ -بفتح الجيم- الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ)

стр. 8930

هو ابنُ عبد الحميد (١) الضَّبيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو: ابنُ مسعود (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ص لى الله عليه وسلم: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنِ ابْنِ مَتَّى) أي: في نفسِ النُّبوَّةِ؛ إذ لا تفاضل فيها. نعم، بعض النَّبيين أفضلُ من بعض كما هو مقرَّر، ولأبي ذرٍّ: «من يونُس بن متَّى» وفي «سورة النساء»: «ما ينبغِي لأحدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ من يونُس بن متَّى» [خ¦٤٦٠٣] أي: ليس لأحدٍ أن يفضِّلَ نفسه عليهِ، أو ليس لأحدٍ أن يفضِّلَني عليه، قاله تواضعًا، ولا يعارضُه تحدُّثه بنعمةِ الله عليهِ؛ حيث قال: «أنا سيِّدُ ولدِ آدَم». ٤٨٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) القرشيُّ الحزاميُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) بضم الفاء مصغَّرًا، ابن سليمانَ الأَسْلميُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) فُلَيحٌ (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) العامريِّ (مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد التحتية، المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتحتية والمهملة المخففة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؛ فَقَدْ كَذَبَ) قاله زَجرًا وسدًّا للذَّريعة من توهُّم حطِّ مرتبةِ يونس؛ لما في قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] ونفسُ النُّبوَّةِ لا تفاضل فيها؛ إذ كلُّهم فيها على حدٍّ سواءٍ كما مرَّ. وسبق هذا الحديث مرَّات [خ¦٤٦٠٤] [خ¦٤٦١٦] [خ¦٤٦٣١]. (((٣٨))) (﴿ص﴾) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ أو ثمان وثمانون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ص». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8931

٤٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، هو بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاج (عَنِ العَوَّامِ) بفتح العين والواو المشددة، ابن حوشب بنِ يزيد الشَّيبانيِّ الواسطيِّ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: عنها (فَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) في سورة الأنعام، فقال: نبيُّكم ﷺ ممَّن أمر أن يقتدي بهم، أي: وقد سجدها داود، فسجدَها رسولُ الله ﷺ اقتداءً به (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا). ٤٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو الذُّهليُّ، كما قاله الكلاباذيُّ وابنُ

стр. 8932

طاهرٍ، ونسبه إلى جدِّه؛ لأنَّ اسم أبيه يحيَى، أو محمد بن عبد الله بنِ المبارك المخرَّميُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) بفتح الطاء وكسر الفاء (عَنِ العَوَّامِ) بنِ حوشبٍ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ﴿ص﴾) ولأبي ذرٍّ: «عن سجدة في ﴿ص﴾» (فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟) أي: من أيِّ دليلٍ؟ (فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ) زاد أبو ذرٍّ: «فسجدَها (٣) داود ﵇» (فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وهي سجدةُ شكرٍ عند الشَّافعيَّة، لحديث النَّسائيِّ: «سجدَها داودُ توبةً ونسجدُها شُكرًا» أي: على قبولِ توبتهِ، فتسنُّ عند تلاوتها في غير صلاةٍ ولا تدخلُ فيها. (﴿عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]) أي: (عَجِيبٌ) وذلك أنَّ التَّفرُّد بالألوهيَّةِ خلاف ما عليه آباؤُهم مطلقًا وتصوروهُ من أنَّ الإلهَ الواحدَ لا يسع الخلقَ كلَّهم. (القِطُّ) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا؛ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ، من قطَّه إذا قطعهُ، لكنَّه (هُوَ هَهُنَا (٤) صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ) قال سعيد بنُ جبيرٍ: يعنونَ حظَّنا ونصيبنَا من الجنَّة الَّتي تقول. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٥): «صحيفَةُ الحِسَابِ» بالموحدة آخره بدل الفوقية وإسقاط النون وكسر المهملة، أي: عجِّل لنا كتابَنا في الدُّنيا قبلَ يوم الحسابِ، قالوه على سبيلِ الاستهزاءِ لعنهم اللهُ، وعند عبد بنِ حميدٍ من طريق عطاء: أنَّ قائل ذلك هو النَّضر بن الحارثِ. وفيه تفسيرٌ آخر يأتي (٦) قريبًا إن شاء الله تعالى. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ عنه: (﴿فِي عِزَّةٍ﴾ [ص: ٢]) أي: (مُعَازِّينَ) بضم الميم وبعد العين ألف فزاي مشدَّدة، وقال غيرُه: في استكبارٍ عن الحقِّ، أي: ما كفرَ من كفرَ به لخللٍ وجدهُ فيه بل كفرُوا به استكبارًا وحميَّة جاهلية.

стр. 8933

(﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾) في قولهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] هي (مِلَّةُ قُرَيْشٍ) الَّتي كانت عليها آباؤهم أو دين النَّصرانيَّة، و ﴿فِي الْمِلَّةِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: لم نسمَعْ في الملَّة الآخرةِ بهذا الَّذي جئت به، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من هذا، أي: ما سمعنا بهذا كائنًا في الملَّةِ الآخرة، أي: لم نسمَع من الكهَّانِ، ولا من أهلِ الكتبِ أنَّه يحدثُ توحيدُ الله في الملَّة الآخرة، وهذا من فرط كذبِهم. (الاِخْتِلَاقُ) في قولهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] هو (الكَذِبُ) المختلقُ. (﴿الْأَسْبَابِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] هي (طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) قاله مجاهدٌ، وكلُّ ما يوصلكَ إلى شيءٍ من بابٍ أو طريقٍ فهو سببهُ (١)، وهذا أمر توبيخٍ وتعجيزٍ، أي: إن ادَّعوا أنَّ عندهُم خزائنَ رحمةِ ربِّك أولهم ملك السَّموات والأرضِ وما بينهما، فليصعدُوا في الأسبابِ الَّتي توصلهم إلى السَّماء فليأتوا منها بالوحيِ إلى من يختارونَ، وهذا في غايةِ التَّهكُّم بهم. (﴿جُندٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «قوله: ﴿جُندٌ﴾» (﴿مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١]) قاله مجاهدٌ أيضًا فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (يَعْنِي: قُرَيْشًا) و ﴿هُنَالِكَ﴾ مشارٌ به إلى موضعِ التَّقاولِ والمحاورةِ بالكلمات السَّابقة، وهو مكَّة، أي: سيهزمونَ بمكَّة، وهو إخبارٌ بالغيبِ، وصحَّح الإمام فخر الدِّين كون ذلك في فتح مكَّة، قال: لأنَّ المعنى أنَّهم جندٌ سيصيرونَ مُنْهزمين في الموضعِ الَّذي ذكروا فيه هذه الكلمات. انتهى. وهذا معارضٌ بما أخرجه الطَّبريُّ من طريق سعيد، عن قتادةَ، قال: وعدهُ الله -وهو بمكَّة- أنَّه سيهزمُ جندَ المشركين، فجاء تأويلها ببدرٍ. و ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى بدرٍ ومصارعهم، وسقطَ من قوله: «﴿جُندٌ﴾ … » إلى آخر قوله «قُريشًا» لأبي ذرٍّ (٢). (﴿أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣]) أي: (القُرُونُ المَاضِيَةُ) قاله مجاهدٌ أيضًا، أي: كانوا أكثر منكُم وأشدَّ قوَّةً وأكثرَ أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذابِ الله من شيءٍ لمَّا جاء أمرُ الله. (فَوَاقٌ) بالرَّفع لأبي ذرٍّ، أي: (رُجُوعٌ) هو من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحَّته (٣)، وإفاقةُ

стр. 8934

النَّاقةِ ساعة يرجع اللَّبنُ إلى ضَرْعِها، يريد قولَه تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] ولغير أبي ذرٍّ: «﴿فَوَاقٍ﴾ رجُوعٍ» بجرِّهما، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿فَوَاقٍ﴾ بضم الفاء، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ، وهما الزَّمان الَّذي بين حلبتي الحالبِ. (﴿قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]) أي: (عَذَابَنَا) قاله مجاهدٌ وغيره (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣]) بضم السين، وهي قراءة نافعٍ والكِسائيُّ، أي: (أَحَطْنَا بِهِمْ) من الإحاطةِ، وقال الدِّمياطيُّ في «حواشيه»: لعلَّه أخطأنَاهُم (١) وحذف مع ذلك القول الَّذي هذا (٢) تفسيره، وهو ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣]. انتهى. وعند ابنِ أبي حاتمٍ من طريق مجاهدٍ: أخطأنَاهم (٣) أم هم في النَّارِ لا يعلم مكانَهم. وقال ابنُ عطيَّة: المعنى ليسوا (٤) معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميلُ عنهم. وقال ابنُ كيسانَ: أم كانوا خيرًا منَّا ونحن لا نعلمُ؟ فكأنَّ أبصارنا تزيغُ عنهم في الدُّنيا فلا نعدُّهم شيئًا. (﴿أَتْرَابٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] أي (٥) (أَمْثَالٌ) على سنٍّ واحدٍ، قيل: بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها: تِرْب، وقيل: متواخياتٌ لا يتباغضنَ ولا يتغايرنَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (الأَيْدُ) بالرفع في قولهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] هو (القُوَّةُ فِي العِبَادَةِ) والعامَّة على ثبوتِ الياء في «الأيدي»، جمع: يَد، وهي إمَّا الجارحة وكنَّى بها عن الأعمالِ؛ لأنَّ أكثر الأعمالِ إنَّما تزاول باليدِ، أو المراد النِّعمة، وقرئ: ﴿الْأَيْدِ﴾ بغير ياء اجتزاءً عنها بالكسرةِ. (﴿وَالْأَبْصَارِ﴾) هو (البَصَرُ فِي أَمْرِ اللهِ) قاله ابنُ عبَّاس أيضًا. (﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]) أي: (مِنْ ذِكْرِ) ربِّي، فـ ﴿عَن﴾ بمعنى: من، و ﴿الْخَيْرِ﴾: المالُ الكثير، والمراد به: الخيلُ الَّتي شغلتهُ، والراء تعاقب اللَّام، ويحتملُ أنَّه سمَّاها خيرًا

стр. 8935

لتعلُّق الخيرِ بها، قال ﷺ : «الخَيلُ معقودٌ بنَواصِيها (١) الخيرُ إلى يوم القيامةِ الأجرُ والمغنمُ» [خ¦٢٨٥٢] وروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ قال: كانت الخيلُ التي شغلتْ سليمان ﵇ عن صلاة العصرِ عشرين ألف فرسخٍ (٢) فعقرها (٣). (طَفِقَ ﴿مَسْحًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] أي: (يَمْسَحُ أَعْرَافَ الخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا) حبالها، و ﴿مَسْحًا﴾ نصب بفعلٍ مقدَّر هو خبر طَفِقَ، أي: طفق يمسحُ مَسْحًا. (﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨]) أي: (الوَثَاقِ) وسقط هذا لأبي ذرٍّ. (٢) (باب قَوْلِهِ) جلَّ ذكره: (﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾) أي: لا يصلحُ لأحدٍ أن يسلبنيهِ، وظاهر السِّياق أنَّه سألَ مُلكًا لا يكونُ لبشرٍ من بعده مثله؛ ليكون معجزةً مناسبة لحاله (﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]) المعطي ما تشاءُ لمن تشاء. ٤٨٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بنُ رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبَرنا (٤)» (رَوْحٌ) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة مهملة، ابنُ عبادةَ (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر) غندرٍ (عَنْ شُعْبَة) ابنِ الحجَّاجِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بتخفيف التَّحتيَّة، القرشيِّ الجُمَحيِّ، مولى آل عثمانَ بنِ مظعونَ، مدنيٌّ سكن البَصرة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا)

стр. 8936

ماردًا (مِنَ الجِنِّ) -بيانٌ له- (تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ) نصب على الظَّرفية، أي: تعرض لي فلتةً، أي: بغتةً سرعةً في أدنى ليلةٍ مضت (أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا) أي: نحو تفلَّت، كقوله في الرِّواية السابقة في أواخر «الصلاة»: «عَرضَ لي فشدَّ عليَّ» [خ¦١٢١٠] (لِيَقْطَعَ) بفعله (عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ) بالواو (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر الموحدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ) بالرفع توكيد للضَّمير المرفوع (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ) ﵇: (رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) لفظ التَّنزيل: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص: ٣٥] (قَالَ رَوْحٌ) المذكور: (فَرَدَّهُ) أي: ردَّ ﷺ العفريتَ حال كونه (خَاسِئًا) مطرُودًا. وهذا الحديث قد سبق في «الصَّلاة»، في «باب الأسير والغريم يربط في المسجد» [خ¦٤٦١] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٤]. (٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) فلا أزيدُ على ما أُمِرتُ به ولا أنقصُ منه. ٤٨٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ) سقطَ لغير أبي ذرٍّ «ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مقصور، مسلم بن صُبَيح (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ

стр. 8937

شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾) أي: جعل على القرآنِ أو تبليغ الوحي (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) وكلُّ من قال شيئًا من تلقاءِ نفسه فقد تكلَّف (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ) المذكور في قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلَامِ فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ) من السِّنين (كَسَبْعِ يُوسُفَ) المذكورة في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) قحطٌ (فَحَصَّتْ) بالحاء والصاد المهملتين، أذهبتْ وأفنتْ (كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا المَيْتَةَ وَالجُلُودَ) من شدَّة الجوعِ (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا) لضعفِ بصرهِ (مِنَ الجُوعِ. قَالَ اللهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ﴾) يحيطُ بهم صفةً للدخانِ (﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١]) في موضعِ نصبٍ بالقولٍ، أي: قائلين: هذا عذابٌ أليمٌ (قَالَ: فَدَعَوْا) أي: قريش: (﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) وعدٌ بالإيمانِ إن كشف العذابَ عنهم (﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾) أي: كيف يذكرونَ ويتَّعظونَ ويفونَ (١) بما وعدوهُ من الإيمانِ عند كشف العذابِ (﴿وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]) بيَّن لهم ما هو أعظمُ وأدخلُ في وجوب الادِّكار من الآياتِ والمعجزاتِ (﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾) يعلِّمه غلامٌ أعجميٌّ لبعض ثقيفٍ، وقال آخرون: إنَّه (﴿مَّجْنُونٌ. إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾) بدعاء النَّبيِّ ﷺ كشفًا (﴿قَلِيلًا﴾) أو زمانًا قليلًا (﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٤ - ١٥]) إلى الكفرِ. قال -أي (٢) ابن مسعودٍ-: (أَفَيُكْشَفُ) بهمزة الاستفهام وضمِّ الياء، مبنيًّا للمفعول (٣) (العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) أي: ابن مسعودٍ ﵁ (فَكُشِفَ) بضم الكاف، مبنيًّا للمفعول، أي: العذاب عنهم، ولأبي ذرٍّ: «فكشَفَ» بفتحها، والفاعل محذوفٌ، أي: فكشفَ الله عنهم (ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ) عقبَ الكشفِ (فَأَخَذَهُمُ اللهُ

стр. 8938

يَوْمَ) وقعةِ (بَدْرٍ. قَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقالَ اللهُ» (تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ « » (١) (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾) يوم بدرٍ، ظرف لفعل دلَّ عليه (﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]) لا لـ ﴿مُنتَقِمُونَ﴾ فإنَّ إن تحجزه عنه، كذا قاله البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ، وقيل: بدل من ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ أو بإضمار اذكرْ. وهذا الحديث سبق في «سورة الرُّوم» [خ¦٤٧٧٤]. (((٣٩))) (الزُّمَرِ) مكِّيَّة، إلَّا ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الاية [الزمر: ٥٣] وآيُها خمسٌ أو اثنتان وسبعون، ولأبي ذرٍّ: «سورة الزمر». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريقِ ابنِ أبي نجيحٍ عنه في قولهِ: (﴿يَتَّقِي﴾) ولغير أبي ذرٍّ: «﴿أَفَمَن يَتَّقِي﴾» (﴿بِوَجْهِهِ﴾ [الزمر: ٢٤]) أي: (يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ) «يُجَرُّ» بالجيم المفتوحة، مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «يخِر» بالخاء المعجمة المكسورة (وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]) وقال عطاء: يُرمَى به في النَّارِ منكُوسًا، فأوَّلُ شيءٍ يمسُّ النَّارَ منه وجههُ، وخبر ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ محذوفٌ تقديره: كمَن هو آمنٌ منه. (﴿ذِي﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿غَيْرَ ذِي﴾» (﴿عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]) أي: (لَبْسٍ) بموحدة ساكنة (٢)، وقال

стр. 8939

ابنُ عبَّاسٍ: غير مخلوقٍ. (﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ [الزمر: ٢٩]) بفتح اللام من غير ألفٍ، مصدر وصف به، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿سَلَمًا﴾» بكسرها مع الألف، وهي قراءة أبي (١) عَمرو وابنِ كثيرٍ، اسم فاعل من الثُّلاثي (٢) (﴿لِّرَجُلٍ﴾) أي: (صَالِحًا) كذا لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وفي رواية الكُشمِيهنيِّ: «خَالصًا» بدل: «صَالِحًا»، ومراده قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: متنازعونَ كلٌّ يدَّعي أنَّه عبدهُ، فهم يتجاذبونهُ حوائجهم، وهو متحيِّرٌ في أمرهِ، كلَّما أرضى أحدهم غضبَ الباقون، وإذا احتاجَ إليهم ردَّه كلُّ واحدٍ إلى الآخرِ، فهو في عذابٍ دائمٍ، ورجلًا سالمًا لرجلٍ واحدٍ لا يملكه غيرهُ، فهو يخدمهُ على سبيل الإخلاصِ، وسيده يعينه على مهمَّاته هذا (مَثَلٌ لآلِهَتِهِمِ) بمدِّ الهمزة، الإله (البَاطِلِ وَالإِلَهِ الحَقِّ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ. (﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾) يعني (٣): قُريشًا (﴿بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]) أي: (بِالأَوْثَانِ) وذلك أنَّهم قالوا له ﵊: لتكفنَّ عن شتمِ آلهتِنا أو لنأمرنَّها فلتخبلنَّك. فنزلت ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ رواه عبدُ الرَّزَّاق، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «مَثَلٌ … » إلى هنا (٤). (خَوَّلْنَا) في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً﴾ [الزمر: ٤٩] أي: (أَعْطَيْنَا) قاله (٥) أبو عُبيدة. (﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾) أي: (القُرْآنِ) وفي نسخة: «القرآنُ» بالرفع بتقدير: هو (﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (المُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونه (يَقُولُ): ربِّ (هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي) يريد: القرآنَ (عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) رواه عبد الرَّزَّاق عن ابنِ عيينة، عن منصورٍ، وقيل: الَّذي جاء هو الرَّسول ﵊، والمصدِّق أبو بكر. قاله أبو العالية. قال في «الأنوار»: وذلك يقتضِي إضمارَ الَّذي، وهو غير جائزٍ، وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾ لفظه مفرد ومعناه جمع؛ لأنَّه أريدَ به الجنس، فيتناول الرُّسلَ والمؤمنين؛ لقوله (٦): ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] فجمع، أو ﴿الَّذِي﴾ صفة

стр. 8940

لموصوفٍ محذوفٍ بمعنى الجمع، أي: والفريقُ (١) أو الفوجُ؛ ولذلك قال: ﴿أُوْلَئِكَ﴾. (﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الرَّجُلُ الشَّكِسُ) بكسر الكاف هو (العَسِرُ) الَّذي (لَا يَرْضَى بِالإِنْصَافِ) قال الكِسائيُّ: يقال: شَكِسَ يشْكَسُ شُكُوسًا وشَكَسًا؛ إذا عسرَ، وهو رجلٌ شكِسٌ، أي: عسرٌ، وشاكسٌ؛ إذا تعاسرَ ((وَرَجُلًا سِلْمًا) وَيُقَالُ: ﴿سَلَمًا﴾ صَالِحًا) كذا أثبتَه هنا في الفرع كأصله (٢)، وقد سبق. (﴿اشْمَأَزَّتْ﴾) في قولهِ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] قال (٣) مجاهدٌ فيما وصلهُ الطَّبريُّ (٤): أي: (نَفَرَتْ) وقال أبو زيد (٥): الاشمئزازُ الذُّعرُ، اشمأزَّ فلان: ذعرَ، ووزنُه افعلَلَّ كاقشعرَّ. قال الزَّمخشريُّ: ولقد تقابل (٦) الاستبشارُ والاشمئزازُ؛ إذ كلُّ واحد منهما غايةٌ في بابه (٧)؛ لأنَّ الاستبشارَ أن يمتلئ قلبهُ سرورًا حتَّى يظهرَ ذلك السُّرور في أسرَّةِ وجههِ ويتهلَّلَ، والاشمئزازُ أن يمتلئ غَيظًا وغمًّا حتَّى يظهرَ الانقباضُ في أديمِ وجههِ. (﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١]) مفعلة (مِنَ الفَوْزِ) أي: يُنجيهِم بفوزِهم من النَّار بأعمالِهم الحسنةِ. وقرأ الأخوان وشعبة: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ بالجمع؛ لأنَّ النَّجاة أنواعٌ، والمصادرُ إذا اختلفَتْ أنواعُها جُمِعت. (﴿حَافِّينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أي: (أَطَافُوا بِهِ) حال كونهم (مُطِيفِينَ) دائرين. (بِحِفَافَيْهِ) بكسر الحاء المهملة مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (٨)، وكذا قال (٩) العينيُّ -كـ «فتح الباري» والبرماويِّ والكِرمانيِّ-: بكسرها وفاءين

стр. 8941

مفتوحتين مخفَّفتين بينهما ألف تثنيةٍ حفاف، وفي «النَّاصريَّة»: بفتح الحاء (١)، أي: (بِجَوَانِبِهِ) قال اللَّيث: حفَّ القومُ بسيِّدهم يحفُّونَ حفًّا إذا طافُوا به، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بجَانبيهِ» بدل: بحفافَيْهِ (٢)، وسقطَ «بجوانبهِ» لأبي ذرٍّ. (﴿مُّتَشَابِهًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] (لَيْسَ مِنَ الاِشْتِبَاهِ، وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ) والحُسْنِ ليس فيه تناقضٌ ولا اختلافٌ. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (٣) (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾) في المعاصِي (﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾) لا تَيْئَسُوا (﴿مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾) الكبائر وغيرها الصَّادرة عن المؤمنين (﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾) لمن تاب (﴿الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]) بعد التَّوبةِ لمن أنابَ، لكن قال القاضي ناصرُ الدِّين (٤): تقييدُه بالتَّوبة خلاف الظَّاهر، وإضافة العباد تخصِّصه (٥) بالمؤمنينَ كما هو عرفُ القرآن، وفي الآية من أنواعِ المعاني والبيان: إقبالهُ عليهِم، ونداؤُهم، وإضافتهم إليه إضافةَ تشريفٍ، والالتفات من التَّكلُّم إلى الغيبةِ في قولهِ: ﴿مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ وإضافة الرَّحمة لأجلِّ أسمائهِ الحسنَى، وإعادة الظَّاهر بلفظه في قولهِ: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ وإبراز الجملة من (٦) قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ مؤكَّدَة بـ ﴿إِنَّ﴾ وإعادة الصِّفتين السَّابقتين و ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ عام في جميع المسرفين، و ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إ﴾ شاملٌ لكبائِرها وصغائِرها، فتغفرُ مع التوبةِ أو بدونها، خلافًا للمعتزلةِ حيث ذهبوا إلى أنَّه يعفو عن الصَّغائرِ قبل التَّوبة، وعن الكبائرِ بعدها، وجمهورُ أصحابنا: أنَّه يعفو عن بعضِ الكبائر مطلقًا ويعذِّب ببعضها، إلَّا أنَّه لا علمَ لنا الآن بشيءٍ من هذين البعضين بعينهِ. وقال كثيرٌ منهم: لا نقطعُ بعفوهِ عن الكبائر بلا توبةٍ بل

стр. 8942

نجوِّزه (١)، واحتجَّ الجمهورُ بوجهين: الأول: أنَّ العَفُوَّ لا يعذِّبُ على الذَّنبِ مع استحقاقِ العذابِ، ولا تقول المعتزلةُ بذلك الاستحقاق في (٢) غير صورةِ النِّزاعِ، إذ لا استحقاقَ بالصَّغائرِ أصلًا، ولا بالكبائرِ بعد التَّوبة، فلم تبقَ إلَّا الكبائر (٣) قبلها، فهو يعفو (٤) عنها كما ذهبنا إليه. الثَّاني: الآيات الدَّالة على العفوِ عن الكبيرةِ قبل التَّوبة؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] فإنَّ ما عدا الشِّركِ داخلٌ فيه، ولا يمكن التَّقييد بالتَّوبة لأنَّ الكفرَ معفوٌّ معها، فيلزمُ تساوي ما نُفي عنه الغُفران وما أثبتَ له، وذلك ممَّا لا يليقُ بكلام عاقلٍ فضلًا عن كلامِ الله تعالى، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامٌّ للكلِّ، فلا يخرجُ عنه إلَّا ما أجمعَ عليه. وسقطَ قوله: «﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، ولفظ «باب» لغيرهِ. ٤٨١٠ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغيرُ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ) قال: (قَالَ يَعْلَى) هو ابنُ مسلم بن هرمزٍ، كما في «مسلم»: (إنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) سمَّى الواقديُّ منهم: وحشيَّ بن حربٍ قاتل حمزة، وكذا هو عند الطَّبرانيِّ عن ابن عبَّاسٍ من وجه آخر (كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا) من القتلِ (وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا) من الزِّنا (فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ) من

стр. 8943

الإسلام (لَحَسَنٌ) وفي نسخة: «به» بدل: «إليهِ»، (لَوْ تُخْبِرُنَا: أَنَّ لِمَا) أي: للَّذي (عَمِلْنَا) من الكبائرِ (كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾) أي: حرَّمَ قَتلها (١) (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) قال في «الأنوار»: نفى عنهم أمَّهاتِ المعاصِي بعد ما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات؛ إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجرَ المذكور موعودٌ للجامع بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ (وَنَزَلَ) ولأبي ذرٍّ: «ونَزَلت» بتاء التَّأنيث: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]). وعند الإمامِ أحمدَ من حديث ثوبان مرفوعًا: «ما أحبُّ أنَّ لي الدُّنيَا وما فيها بهذهِ الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ … » إلى آخِرها، فقال رجلٌ: يا رسول الله، فمن أشركَ؟ فسكتَ النَّبيُّ ﷺ ، ثمَّ قال: «ألَا ومَن أشركَ» ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماءَ بنت يزيد قالتْ: سمعتُه ﷺ يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يُبالي. قال (٢) الحسن البَصريُّ: انظروا إلى هذا الكرمِ والجودِ، قتلوا أولياءهُ وهو يدعوهُم إلى التَّوبةِ والمغفرةِ، ولمَّا أسلمَ وحشيُّ بن حربٍ فقال النَّاس: يا رسول الله، إنَّا أصبنَا ما أصابَ وحشيٌّ، فقال: «هي للمسلمين عامَّةً». وقال ابن عبَّاسٍ: قد دعا الله إلى توبتهِ من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فمن آيس العبادَ من التَّوبة بعد هذا فقد جحدَ كتابَ الله، ولكن إذا تابَ الله على العبدِ تابَ. (٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: ما عظَّموهُ حقَّ عظمتهِ (٣) حين (٤) أشركُوا به غيره، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 8944

٤٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبد الرَّحمن (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ) بفتح الحاء المهملة (مِنَ الأَحْبَارِ) عالمٌ من علماءِ اليهودِ. قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمهِ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ) أي: في التَّوراةِ (أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي رواية مسدَّد عن يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٤]: «إنَّ الله يمسكُ» بدل: يجعل (١) (وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ (٢) والثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي بعض النُّسخ: «والماء على إصبع، والثَّرى على إِصبع» وسقطَ في بعضها: «والماء على إصبع» (فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ) المتفرِّدُ (٣) بالملكِ (فَضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، أي: أنيابهُ وهي الضَّواحكُ الَّتي تبدو عند الضِّحكِ حال كونه (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) وقراءته ﵊ هذه الآية تدلُّ على صحَّة قول الحبرِ كضحكهِ (٤). قاله النَّوويُّ، وفي «التَّوحيد»: قال يحيى بنُ سعيد، وزاد فيه: فضيل بنُ عياض، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبيدةَ، عن عبد الله: فضحكَ رسول الله ﷺ تعجُّبًا (٥) وتصديقًا له. [خ¦٧٤١٤] ورواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. وعند مسلم: تعجُّبًا مما قاله الحبرُ وتصديقًا له. وعند ابنِ خزيمة من رواية إسرائيلَ، عن منصورٍ: حتى بدتْ نواجذهُ تصديقًا له. وعند التِّرمذيِّ من حديث ابنِ عبَّاس قال: مرَّ يهوديٌّ بالنَّبيِّ ﷺ فقال: كيف تقول -يا أبا القاسمِ- إذا وضعَ الله السَّموات

стр. 8945

على ذه (١)، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبالَ على ذه؛ وسائرُ الخلقِ على ذه. وأشار محمد بن الصَّلت أبو جعفر لخنصرهِ أولًا ثمَّ تابعَ حتَّى بلغ الإبهام، وهذا من شديدِ الاشتباه، وقد حملَه بعضهم على أنَّ اليهودَ مشَبِّهة، ويزعمونَ فيما أنزل إليهم ألفاظًا تدخلُ في التَّشبيهِ ليس القولُ بها (٢) من مذهب (٣) المسلمين، وبهذا قال الخطابيُّ، وقال: إنَّه روى هذا الحديث غير واحدٍ عن عبد الله من طريق عبيدةَ، فلم يذكروا قوله: تصديقًا لقول الحبرِ. ولعلَّه من الرَّاوي ظنٌّ وحسبانٌ، وضحكهُ ﷺ تعجُّبًا من كذبِ اليهوديِّ، فظنَّ الرَّاوي أنَّ ذلك التعجُّبَ تصديقٌ، وليس كذلك. وقال أبو العبَّاس القُرطبيُّ في «المفهم»: هذه الزِّيادة من قول الرَّاوي باطلة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يصدِّقُ بالمحالِ؛ لأنَّ نسبةَ الأصابعِ إلى الله تعالى محالٌ، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: ما عرفوهُ حقَّ معرفتهِ، ولا ريبَ أنَّ الصَّحابةَ كانوا أعلمَ بما رووه، وقد قالوا: إنَّه ضحكَ تصديقًا، وقد ثبتَ في الحديث الصَّحيح: «ما مِن قَلبٍ إلَّا وهو بينَ إِصبعَين من أصابِعِ الرَّحمنِ» رواه مسلم. وفي حديث ابن عبَّاسٍ قال رسولُ الله ﷺ : «أَتَانِي اللَّيلةَ ربِّي في أحسنِ صورةٍ … » الحديث. وفيه: «فوضَعَ يدهَ بين كتفيَّ»، وفي رواية معاذ: «فرأيتُهُ وضعَ كفَّهُ بين كتفيَّ، فوجدتُ بردَ أَنامِلِهِ بين ثديَيَّ»، فهذه رواياتٌ متظافرةٌ على صحَّةِ ذكر الأصابعِ، وكيف يطعنُ في حديثٍ أجمعَ على إخراجه الشَّيخان وغيرهما من أئمَّةِ النَّقدِ (٤) والإتقانِ؟! لا سيما وقد قال ابنُ الصَّلاح: ما اتَّفق عليه الشَّيخان هو بمنزلةِ المتواترِ (٥)، وكيف يسمعُ ﷺ وصف ربِّه تعالى بما لا يرضاهُ فيضحَكُ ولم ينكرهُ أشدَّ الإنكارِ؟ حاشاهُ الله من ذلك، وإذا تقرَّر صحَّة ذلك فهو من المتشابهِ كغيره، كالوجهِ واليدينِ والقدمِ والرِّجلِ والجنبِ في قولهِ تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. واختلفَ

стр. 8946

أئمَّتُنا في ذلك؛ هل نؤولُ المشكل أم نفوِّض معناه المراد إليه (١) تعالى عن ظاهره مع اتِّفاقهم على أنَّ جَهلنا بتفصيلهِ لا يقدحُ في اعتقادنا المراد منه، والتَّفويض مذهب السَّلف وهو أسلمُ، والتَّأويل مذهبُ الخلفِ وهو أعلم، أي: أحوجُ إلى مزيدِ علمٍ، فنؤوِّلُ الأصبعَ هنا بالقدرةِ؛ إذ إرادةُ الجارحةِ مستحيلة، وقد قال الزَّمخشريُّ في «كشافه» بعد ذكر نحو حديث الباب: إنَّما ضحكَ أفصحُ العربِ وتعجَّب لأنَّه لم يفهَم منه إلَّا ما يفهمه علماءُ البيان من غير تصوُّر إمساكٍ، ولا إصبعٍ، ولا هزٍّ، ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أوَّل شيءٍ وآخره على الزُّبدةِ والخلاصة الَّتي هي الدَّلالةُ (٢) على القدرةِ الباهرةِ، وأنَّ الأفعالَ العظامَ الَّتي تتحيَّر فيها الأذهانُ ولا تكتنفها (٣) الأوهام هيِّنة عليه هوانًا لا يوصلُ السَّامع إلى الوقوفِ عليه إلَّا إجراءَ العبارةِ، في مثل هذه الطَّريقةِ من التَّخييلِ، ولا ترى بابًا في علمِ البيان أدقَّ ولا ألطفَ من هذا الباب، ولا أنفعَ (٤) وأعونَ على تعاطِي تأويلِ المشتبهاتِ من كلامِ الله تعالى في القرآنِ وسائر الكتب السماويَّةِ وكلام الأنبياءِ، فإنَّ أكثرهُ وعِلْيَتَه تخييلاتٌ قد زلَّت فيها الأقدامُ، وما أُتِيَ الزَّالُّون إلَّا من قلَّةِ عنايتِهم بالبحثِ والتَّنقيرِ حتَّى يعلمُوا أنَّ في عدادِ العلوم الدَّقيقةِ علمًا لو قدَّروهُ حقَّ قدرهِ لما خفيَ عليهم أنَّ العلوم كلَّها مفتقرةٌ إليه وعيالٌ عليهِ؛ إذ لا يحلُّ عُقَدها المورَبَة (٥) ولا يفكُّ قيودها المكرَبة إلَّا هو، وكم آيةٍ من آياتِ التَّنزيل وحديثٍ من أحاديثِ الرَّسول قد ضيْمِ وسيمَ الخسف بالتَّأويلاتِ الغثَّةِ والوجوه الرثَّة؛ لأنَّ من تأوَّل

стр. 8947

ليس (١) من هذا العلم في عيرٍ ولا نفيرٍ، ولا يعرفُ قبيلًا من دَبير، وقال ابنُ فَوْرَك: يحتملُ أن يكونَ المراد إصبع بعض مخلوقاته، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمامِ بشيءٍ من مبحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه (٢). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٤]، ومسلم في «التَّوبة» (٣)، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) القَبضَةُ: بفتح القاف، المرَّة من القبضِ، أطلقتْ بمعنى القُبضة بالضَّم؛ وهي المقدارُ المقبوضُ بالكفِّ، تسميةً بالمصدرِ، أو بتقدير: ذات قبضة (٤) (﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾) قال ابنُ عطيَّة: اليمينُ هنا والقبضةُ عبارة عن القدرةِ، وما اختلجَ في الصُّدورِ من غير ذلك باطلٌ، وما ذهبَ إليه القاضِي -يعني: أبا الطَّيب- من أنَّها صفاتٌ زائدةٌ على صفاتِ الذَّاتِ قولٌ ضعيفٌ، وبحسب ما يختلج في النُّفوس، قال : (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: هو منزَّهٌ عن جميعِ ما وصفَ (٥) به المجسِّمون (٦) المشبِّهون، وتأكيد الأرض بالجميع؛ لأنَّ المرادَ بها الأرضون السَّبع، أو جميعُ أبعَاضِها الباديةِ والغائرةِ، وخصَّ ذلك بيوم القيامةِ؛ ليدلَّ على أنَّه كما ظهرَ كمال قدرتهِ في الإيجادِ عند عمارةِ الدُّنيا؛ يظهر كمال قدرتهِ في الإعدامِ عند

стр. 8948

خرابِ الدُّنيا (١)، وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَالسَّماوَاتُ﴾ … » إلى آخره. ٤٨١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء، مصغَّرًا، نسبه لجدِّه لشهرتهِ به، واسم أبيه كثيرٌ المصريُّ (قَالَ (٢): حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ) الفهميُّ المصريُّ (٣) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ) وفي نسخةٍ: «السَّماء» (بِيَمِينِهِ) يُطلق الطَّيُّ على الإدراجِ كطيِّ القرطاسِ، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وعلى الإفناءِ تقول العربُ: طويتُ فلانًا بسيفِي، أي: أفنيتُهُ، وقال القاضِي: عبَّر عن إفناءِ الله تعالى هذه (٤) المُظِلَّة والمُقِلَّة، ورفعهما (٥) من البَيْنِ، وإخراجهما من أن تكونا مأوًى ومنزلًا لبني آدمَ، بقدرتهِ الباهرةِ الَّتي تهونُ عليها الأفعال العظامُ الَّتي تتضاءلُ دونها القِوى والقدرُ، وتتحيَّر فيها الأفهامُ والفكرُ، على طريقةِ التَّمثيلِ والتَّخييلِ (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟) ولمسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا: «يطوي اللهُ السَّمواتِ يوم القيامةِ، ثمَّ يأخذهنَّ بيدهِ اليُمنى، ثمَّ يقولُ: أنا الملكُ، أين الجبَّارونَ؟ أين المتكبِّرونَ؟ ثمَّ يطوِي الأرضَ بشمالهِ، ثمَّ يقولُ: أنا الملكُ … » الحديث، فأضاف طيَّ السَّموات وقبضَها إلى اليمينِ، وطيَّ الأرضِ إلى الشِّمالِ (٦)؛ تنبيهًا وتخييلًا لما بين المقبوضين من التَّفاوت والتَّفاضل.

стр. 8949

وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٨٢]. (٤) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾) النَّفخة الأُولى، وقرأَ الحسن بفتح الواو جمع: صورة، وفيه ردٌّ على ابن عطيَّة حيث قال: إنَّ الصُّور هنا يتعيَّن أن يكونَ القَرن (١)، ولا يجوز أن يكون جمع صُورة (﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾) خرَّ ميتًا أو مغشيًّا عليه (﴿إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾) متَّصل، والمستثنى قيل: جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ؛ فإنَّهم يموتونَ بعدُ، وقيل: حملةُ العرشِ، وقيل: رضوانٌ والحورُ والزَّبانيةُ، وقال الحسنُ: البارِي تعالى، فالاستثناءُ منقطعٌ، وفيه نظرٌ من حيث قوله: ﴿مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ فإنَّه لا يتحيَّزُ (﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾) ﴿أُخْرَى﴾ هي القائمةُ مقامَ الفاعلِ، وهي في الأصلِ صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: نفخةٌ أخرى، أو (٢) القائم مَقامه الجار (﴿فَإِذَا هُم قِيَامٌ﴾) قائمونَ من قبورِهم حالَ كونهم (﴿يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]) البعثَ، أو أمرَ الله فيهم، واختلفَ في الصَّعقة، فقيل: إنَّها غيرُ الموتِ؛ لقوله تعالى في موسى: ﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهو (٣) لم يمُت، فهذه النَّفخةُ تورثُ الفزعَ الشَّديدَ، وحينئذٍ فالمراد من نفخِ الصَّعقةِ ونفخِ الفزعِ واحدٌ، وهو المذكورُ في النَّمل في قولهِ تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] وعلى هذا فنفخُ الصُّورِ مرَّتان (٤) فقط، وقيل: الصَّعقةُ الموتُ، فالمرادُ بالفزعِ كيدودةِ الموتِ من الفزعِ وشدَّة الصَّوتِ، فالنَّفخة ثلاث مرَّاتٍ: نفخةُ الفزعِ المذكورة في النَّمل، ونفخةُ الصَّعق، ونفخةُ القيامِ، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ، وله: «﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ … » [الزمر: ٦٨] إلى آخره.

стр. 8950

٤٨١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (الحَسَنُ) غير منسوبٍ، وقد جزم أبو حاتِم سهل بنُ السريِّ (١) الحافظُ فيما نقله الكلاباذيُّ بأنَّه الحسنُ بنُ شجاعٍ البلخيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) الكوفيُّ، وهو من مشايخ المؤلِّف، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ) بن سليمان الرَّازيُّ، سكن الكوفة (عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) بن ميمونَ الهمدانيِّ الأعمَى (٢) الكوفيِّ (عَنْ عَامِرٍ) هو ابنُ شراحيلَ الشَّعبيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنِّي أَوَّلُ) ولأبي ذرٍّ: «من أوَّل» (مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة (فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى) ﵇ (مُتَعَلِّقٌ بِالعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ) أي: أنَّه لم يمتْ عند النَّفخة الأولى واكتفَى بصعقةِ الطُّور (٣) (أَمْ) أُحيي (بَعْدَ النَّفْخَةِ) الثَّانية قبلِي وتعلَّقَ بالعرشِ؟ كذا قرَّره الكِرمانيُّ، وقال الدَّاوديُّ -فيما حكاه السَّفاقسيُّ-: قوله: «أكذلكَ … » إلى آخره وهمٌ؛ لأنَّ موسى مقبورٌ ومبعوثٌ بعد النَّفخةِ، فكيف يكون ذلك قبلَها؟! انتهى. وأُجيب بأنَّ في حديث أبي هريرة السَّابق في «الإشخاصِ» (٤) [خ¦٢٤١١]: «فإنَّ النَّاس يُصعقونَ يوم القيامةِ فأُصعقُ معهم، فأكون أوَّل من يفيقُ، فإذا موسى باطشٌ جانبَ العرشِ، فلا أدري أكان فيمَن صُعقَ فأفاقَ قبلي أو كانَ ممَّن استثنى الله؟» أي: فلم يُصعق، والمرادُ بالصَّعقِ غَشْيٌ يلحقُ من سمعَ صوتًا، أو رأى شيئًا ففزعَ منه، وقد وقع التَّصريح في هذه الرِّوايةِ بالإفاقةِ بعد النَّفخة الثَّانية، وأمَّا ما وقعَ في حديثِ أبي سعيدٍ: «فإنَّ (٥) النَّاسَ يصعقونَ فأكونُ أوَّل من تنشقُّ عنه الأرضُ» [خ¦٢٤١٢] فيمكنُ الجمع بأنَّ النَّفخة الأولى يعقبُها الصَّعقُ من جميع الخلقِ أحيائِهم وأمواتِهم،

стр. 8951

وهو الفزعُ، كما وقع في النمل: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] ثمَّ يعقبُ ذلك الفزع للموتَى زيادةً فيما هُم فيه وللأحياء موتًا، ثمَّ ينفخُ الثَّانية للبعثِ فيفيقونَ أجمعونَ، فمَن كان مقبُورًا انشقَّت عنه الأرضُ فخرجَ من قبرهِ، ومن ليس بمقبورٍ لا يحتاجُ إلى ذلك، وقد ثبتَ أنَّ موسى ممَّن قبرَ في الحياةِ الدُّنيا، كما في مسلمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مررتُ على مُوسى ليلةَ أُسرِي بي عند الكثيبِ الأحمرِ وهو قائمٌ يصلِّي في قبرهِ». أخرجهُ عقب حديثِ أبي هريرة وأبي سعيدٍ (١)، وقد استُشكل كونُ جميع الخلقِ يصعقونَ مع أنَّ الموتَى لا إحساسَ لهم؛ فقيل: المرادُ أنَّ الَّذين يُصعقونَ هم الأحياءُ، وأمَّا الموتَى فهم في الاستثناء في قولهِ: ﴿إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [النمل: ٨٧] أي: إلَّا من سبقَ له الموتُ قبل ذلك فإنَّه لا يصعقُ، وإلى هذا جنحَ القرطبيُّ، ولا يعارضهُ ما ورد في الحديثِ: أنَّ موسى ممَّن استثنَى الله؛ لأنَّ الأنبياء أحياءٌ عند الله، وإن كانُوا في صورةِ الأمواتِ بالنِّسبةِ إلى أهل الدُّنيا، وقال عياضٌ: يحتملُ أن يكون المراد صعقةَ فزعٍ بعد البعثِ حين (٢) تنشقُّ السَّماءُ والأرضُ، وتعقَّبه القرطبيُّ بأنَّه ﷺ صرَّح بأنَّه حين (٣) يخرجُ من قبرهِ يلقى موسى وهو متعلِّقٌ بالعرشِ، وهذا إنَّما هو عند نفخةِ البعثِ. انتهى. ويردُّه قوله صريحًا كما تقدم: «إنَّ النَّاسَ يُصعقونَ فأُصعقُ معهم … » [خ¦٢٤١١] إلى آخره قاله في «الفتح». ٤٨١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضم العين، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «قال: قَالَ» (أَبِي) حفصُ بنُ غياث بنِ طلقٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ما بينَ النَّفختينِ»

стр. 8952

أي: نفخةَ الإماتةِ ونفخةَ البعثِ (أَرْبَعُونَ، قَالُوا) أي: أصحابُ أبي هريرة، ولم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسم أحدٍ منهم (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ) بموحدةٍ، أي: امتنعت عن تعيين ذلك (قَالَ) أي: السَّائلُ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ. قَالَ) السَّائلُ (١): (أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ) أي: امتنعتُ عن تعيينِ ذلك؛ لأنِّي لا أدرِي الأربعين الفاصلة بين النَّفختينِ أأيَّامٌ أم سنونٌ أم شهورٌ، وعند ابنِ مَرْدويه من طريق زيدِ بنِ أسلمَ عن أبي هُريرة قال: بين النَّفختينِ أربعون، قالوا: أربعونَ ماذا؟ قال: هكذا سمعت. وعنده أيضًا من وجه ضعيفٍ عن ابنِ عبَّاس قال: بين النَّفختينِ أربعون سنة، وعند ابن المبارك عن الحسن مرفوعًا: «بين النَّفختينِ أربعونَ سنةً، يميت اللهُ تعالى بها كل حيٍّ، والأخرى يحيي اللهُ تعالى بها كلَّ ميِّتٍ»، وقال الحليميُّ: اتَّفقتِ الرِّواياتُ على أنَّ بين النَّفختينِ أربعين سنةً، وفي «جامع ابن وهب»: أربعين جمعةً. وسندهُ منقطعٌ (وَيَبْلَى) بفتح أوَّله، أي: يفنَى (كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة، ويقال: عجمَ -بالميم أيضًا- وهو عظمٌ لطيفٌ في أصل الصُّلبِ؛ وهو رأسُ العصعصِ بين الأليتينِ، وعند أبي داود والحاكم وابن أبي الدُّنيا من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «إنَّه مثل حبَّة الخردلِ» ولمسلم من طريق أبي الزِّناد، عن الأعرجِ، عن أبي هريرة: «كلُّ ابنِ آدمَ يأكلُهُ التُّرابُ إلَّا عجب الذَّنبِ» (٢) (فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ) ولمسلم أيضًا من طريق همَّام، عن أبي هُريرة: «إنَّ في الإنسانِ عَظمًا لا تأكلُهُ الأرضُ أبدًا، فيه يركَّبُ يوم القيامة»، قال: أيُّ عظمٍ؟ قال: «عَجْبُ الذَّنب». وهو يردُّ على المزنيِّ حيث قال: إنَّ (٣) «إلَّا» هنا بمعنى الواو، أي: وعجبُ الذَّنبِ أيضًا يبلى. وقوله: «يبلى كلُّ شيءٍ من الإنسانِ» عامٌّ يختصُّ (٤) منه الأنبياءُ؛ لأنَّ الأرضَ لا تأكلُ

стр. 8953

أجسادهم، وقد ألحق ابنُ عبد البَرِّ بهم الشُّهداءَ (١)، والقرطبيُّ المؤذِّنَ المحتسبَ. (((٤٠))) (المُؤْمِنُ) مكِّيَّة، وآيُها خمس أو ثمان وثمانون. (قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا) أي: ﴿حم﴾ ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «سورة المؤمن» ولغيرهما (٢): «حم» ولأبي ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاريُّ: ويقال: ﴿حم﴾ (٣) مجازُها» (مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ) أي: حكمُها حكمُ الأحرفِ المقطَّعة في أوائل السُّورِ، فكلُّ ما يقال في ﴿الم﴾ و ﴿ص﴾ يقال في ﴿حم﴾. وقد اختلفَ في هذه الحروف المقطَّعة الَّتي في أوائل السُّور (٤) على أكثر من ثلاثين قولًا. فقيل: هي عِلمٌ مستورٌ وسرٌّ محجوبٌ استأثرَ الله بعلمهِ. وقال الصِّدِّيق: للهِ في كلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّه في القرآنِ أوائلُ السُّورِ. وعن علي: لكلِّ كتابٍ صَفوة، وصفوةُ هذا الكتابِ حروف التَّهجي. وذهب آخرون إلى أنَّ المرادَ منها معلومٌ، فيقال (٥): ممَّا روي عن ابنِ عبَّاس في ﴿الم﴾

стр. 8954

الألف إشارةٌ إلى الأحديَّةِ، واللَّام إلى لطفهِ، والميمُ إلى ملكهِ، ويقال: بعضُها يدلُّ على أسماء الذَّات، وبعضُها على أسماء الصِّفات، ويقال في ﴿الم﴾: أنا الله أعلمُ، وفي ﴿المص﴾: أنا الله أفصِلُ، وفي ﴿الر﴾: أنا الله أرى (وَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقالُ (١)» في ﴿حم﴾ (بَلْ هُوَ اسْمٌ) أي: من أسماءِ القرآنِ، أو اسمٌ للسورةِ كغيرها من الفواتحِ، واختارهُ كثيرٌ من المحقِّقين (لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) بإثبات: «أبي» في الفرعِ كغيرهِ، ونسبها في «الفتح» لروايةِ القابسيِّ، وقال: إنَّ ذلك خطأ، والصَّواب إسقاطها، فيصيرُ: شريحُ بن أوفى (العَبْسِيِّ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة، وكان مع عليِّ بن أبي طالبٍ يوم الجمل، وكان على محمد بنِ طلحةَ ابنِ عبيدِ الله عمامةٌ سوداء، فقال علي: لا تقتُلوا صاحبَ العمامةِ السَّوداء فإنَّما أخرجه برُّه لأبيهِ، فلقيه شريحُ بن أوفى فأهوى له بالرُّمحِ، فتلا: ﴿حم﴾ فقتله، فقال شريح: (يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ) بالشين المعجمة والجيم، والجملة حاليَّة، والمعنى: والرُّمحُ مشتبك مختلطٌ (فَهَلَّا) حرفُ تحضيضٍ (تَلَا) قرأ (حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ) أي: إلى الحرب. وقال الكِرمانيُّ: وجه الاستدلال به هو أنَّه أعربهُ، ولو لم يكن اسمًا لما دخلَ عليه الإعرابُ. انتهى. وبذلك قرأَ عيسى بن عمر، وهي تحتملُ وجهين: أنَّها منصوبة بفعلٍ مقدَّر، أي: اقرأ حم، ومنعت من الصَّرف للعلميَّة والتَّأنيث، أو العلميَّة وشبْه العُجْمة؛ لأنَّه ليس في الأوزانِ العربيةِ وزن فاعيل، بخلاف الأعجميَّة نحو: قابيل وهابيل، أو أنَّها حركة بناء تخفيفًا كأيْنَ وكيفَ، وقيل (٢): كان مرادُ محمد بن طلحةَ بقوله: أذكِّرك ﴿حم﴾ قوله تعالى في ﴿حم. عسق﴾: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] كأنَّه (٣) يذكِّره بقرابتهِ؛ ليكون ذلك دافعًا له عن قتلهِ.

стр. 8955

(﴿الطَّوْلِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] هو (التَّفَضُّلُ). وقال قتادة: النِّعمُ، وأصله الإنعامُ الَّذي تطول مدَّته على صاحبهِ. (﴿دَاخِرِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] قال أبو عُبيدة: أي (خَاضِعِينَ) وقال السُّدِّي: صاغرينَ ذليلينَ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيح: (﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] هي (الإِيمَانُ) المنجِّي من النَّار. (﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر: ٤٣] يَعْنِي: الوَثَنَ) الَّذي تعبدونهُ من دون الله تعالى ليست له استجابة دَعوة، أو ليست له عبادةٌ في الدُّنيا؛ لأنَّ الوثنَ لا يدَّعِي ربوبيته (١)، ولا يدعو إلى عبادتهِ، وفي الآخرةِ يتبرَّأُ من عابديهِ. (﴿يُسْجَرُونَ﴾) في قولهِ: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] أي: (تُوقَدُ بِهِمِ النَّارُ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. (﴿تَمْرَحُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] أي: (تَبْطَرُونَ) وفي قولهِ: ﴿تَفْرَحُونَ﴾ و ﴿تَمْرَحُونَ﴾ التَّجنيس المحرَّفُ؛ وهو أن يقعَ الفرقُ بين اللَّفظين بحرفٍ. (وَكَانَ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ) العدويُّ البصريُّ، التَّابعيُّ الزَّاهد، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا (يَذْكُرُ) بفتح أوَّله وتخفيف الكاف، ولأبي ذرٍّ: «يُذَكَّرُ» بضم أوله وتشديد الكاف مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله، ولم يذكر الحافظ ابن حجرٍ غيرها. وقال في «انتقاض الاعتراض»: إنَّها الرِّوايةُ، واعترض العينيُّ ابنَ حجرٍ في التَّشديد، وصحَّح التَّخفيف (٢)، أي: يخوِّفُ النَّاس (النَّارَ) فهو على حذف (٣) أحدِ المفعولين (فَقَالَ) له (رَجُلٌ) -لم يعرفِ الحافظ ابنُ حجرٍ اسمه- مستفهمًا (٤): (لِمَ تُقَنِّطُ النَّاس؟) أي: من رحمةِ الله (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ وَاللهُ

стр. 8956

يَقُولُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾) في الضَّلالة والطُّغيانِ، كالإشراكِ وسفك الدِّماء (﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]) أي: ملازمُوها (وَلَكِنَّكُمْ) وللأَصيليِّ: «ولكن» (تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالجَنَّةِ) بفتح الموحدة والمعجمة، مبنيًّا للمفعول (عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا) بضم الميم وكسر المعجمة، وللأَصيليِّ: «وينذِرَ» بلفظ المضارع (بِالنَّارِ مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لمن» (١) (عَصَاهُ). ٤٨١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، صالح اليماميُّ (٣) الطَّائيُّ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٤): «عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ) نسبة إلى تيمِ قريشٍ (٥) المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّامِ، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ: «ما صنعَهُ المشركونَ» (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ) بكسر الفاء (إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ) الأمويُّ المقتولُ كافرًا، بعد انصرافهِ ﷺ من بدرٍ بيومٍ (فَأَخَذَ

стр. 8957

بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح الميم وكسر الكاف (وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا) ولأبي ذرٍّ: «فخنقه به خنقًا» و (١) النون من خنْقًا ساكنة في الرِّوايتين في «اليونينية» وفرعها، ومكسورة في بعضها (٢) (شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ) عقبة (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ (٣)) وللأَصيليِّ: «ثمَّ قال» أي: مستفهمًا (٤) استفهامًا إنكاريًّا (﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾) كراهيةَ (﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾) أو لأنْ يقول (﴿وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]) جملةٌ حاليَّةٌ، قال جعفر بنُ محمد: كان أبو بكر خيرًا من مؤمنِ آل فرعونَ؛ لأنَّه كان يكتمُ إيمانهُ، وقال أبو بكرٍ جهارًا: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ [غافر: ٢٨] وقال غيره: إنَّ أبا بكر أفضلُ من مؤمن آل فرعون؛ لأنَّ ذلك اقتصر حيث انتصرَ على اللِّسان، وأمَّا أبو بكرٍ ﵁ فأتبعَ اللِّسان يدًا، ونصر (٥) بالقولِ والفعل محمدًا. وهذا الحديث ذكره المؤلِّف في «مناقبِ أبي بكر» [خ¦٣٦٧٨] وفي «باب ما لقي النَّبيُّ ﷺ وأصحابه من المشركين بمكَّة» [خ¦٣٨٥٦].

стр. 8958

(((٤١))) (حم السَّجْدَةِ) مكِّيَّة، وآيُها خمسون وثنتان أو ثلاث أو أربع، ولأبي ذرٍّ: «سورة حم السَّجدة». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ وابنُ أبي حاتمٍ بإسناد على شرط المؤلِّف: (عَنِ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا﴾) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿أَوْ كَرْهًا﴾» أي: (أَعْطِيَا) بكسر الطاء (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]) أي: (أَعْطَيْنَا) استُشكل هذا التَّفسير؛ لأنَّ

стр. 8959

﴿أَتَيْنَا﴾ و ﴿أَتَيْنَا﴾ بالقصرِ من المجيءِ، فكيف يُفسَّر بالإعطاءِ؟ وإنَّما يفسَّر به نحو قولك: آتيتُ (١) زيدًا مالًا، بمدِّ همزة القطع، وهمزة ﴿أَتَيْنَا﴾ همزة وصل، وأُجيب بأنَّ ابن عبَّاس ومجاهدًا وابنَ جُبير قرؤوا: (آتيا) (قالتَا آتينَا)، بالمدِّ فيهما، وفيه وجهان: أحدُهما: أنَّه من (٢) المؤاتَاةِ وهي الموافقةُ، أي: لتوافق كلٌّ منكما الأخرى لما (٣) يليقُ بها، وإليه ذهب الرَّازيُّ والزَّمخشريُّ، فوزن (آتيا) فاعلا كقاتلا، و (آتينا) فاعلنا كقاتلنا. والثَّاني: أنَّه من الإيتاءِ بمعنى الإعطاءِ، فوزنُ (٤) (آتيا) أفعلا كأكرما، ووزن (آتينا) أفعلنا كأكرمنا، فعلى الأول يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثَّاني مفعولين، إذ التَّقدير: أعطيا الطَّاعة من أنفسكما من أمركما. قالتا: آتينا الطَّاعةَ، وفي مجيءِ طائعين مجيءَ جمعِ المذكَّرين (٥) العقلاء (٦) وجهان: أحدُهما: أنَّ المراد بائتِيَا مَن فيهما (٧) من العقلاءِ وغيرهم؛ فلذا غلَّب العقلاءَ على غيرهم. الثَّاني: أنَّه لما عاملهما (٨) معاملة العقلاءِ في الإخبارِ عنهما، والأمرِ لهما، جمعهما كجمعِهم كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وهل هذه المحاورة حقيقةٌ أو مجازٌ؟ وإذا (٩) كانت (١٠) مجازًا فهل هو تمثيلٌ أو تخييلٌ؟ خلافٌ.

стр. 8960

(وَقَالَ المِنْهَالُ) بكسر الميم وسكون النون، ابنُ عَمرو الأسديُّ، مَولاهم الكوفيُّ، وثَّقه ابنُ معين والنَّسائيُّ وغيرهما: (عَنْ سَعِيدٍ) وللأَصيليِّ: «سعيد بن جبيرٍ» أنَّه (قَال: قَالَ رَجُلٌ) هو: نافعُ بنُ الأزرقِ، الَّذي صارَ بعد ذلك رأس الأزارقةِ من الخوارجِ (لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وكان يجالسه بمكَّة ويسأله ويعارضهُ: (إِنِّي أَجِدُ فِي القُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ) لما بين ظواهرها (١) من التَّدافعِ، زاد عبد الرَّزَّاق: فقال ابن عبَّاس: ما هو؟ أشكٌ في القرآنِ؟ قال: ليس بشكٍّ ولكنه اختلافٌ، فقال: هاتِ ما اختلفَ عليك من ذلك (قَالَ: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]) وقال: (﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]) فإن بين قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ وبين ﴿يَتَسَاءلُونَ﴾ تدافعًا نفيًا وإثباتًا. وقال تعالى: (﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]) وقوله: (﴿رَبِّنَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَاللّهِ رَبِّنَا﴾» (﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ) كونهم مشركين، وعُلم من الأولى أنَّهم لا يكتمونَ الله حديثًا (وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ) في هذه الآية (ثُمَّ قَالَ) في سورة حم السَّجدة: (﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ … إِلَى: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «إلى قولهِ: ﴿طَائِعِينَ﴾» (فَذَكَرَ فِي هَذِهِ) الآية (خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ) وللأَصيليِّ: «قبلَ خلقِ السَّماءِ» والتَّدافع ظاهر (وَقَالَ تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفتح: ١٤]) وقال: ﴿وَكَانَ اللهُ﴾ (﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفتح: ٧]) ﴿وَكَانَ اللهُ﴾ (﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] فَكَأَنَّهُ كَانَ (٢)) موصوفًا بهذه الصِّفات (ثُمَّ مَضَى) أي: تغيَّر عن ذلك. (فَقَالَ) أي: ابن عبَّاس مجيبًا عن ذلك: أمَّا قوله تعالى: (﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]) أي: (فِي النَّفْخَةِ الأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ) تنفعهم لزوالِ التَّعاطُف والتَّراحُم، من فرطِ الحيرةِ واستيلاءِ الدَّهشةِ، بحيث يفرُّ المرءُ من أخيهِ وأمِّه وأبيه وصاحبتهِ وبنيه، قال: لَا نَسَبَ اليَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ

стр. 8961

وليس المراد قطعَ النَّسب (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) لاشتغال كلٍّ بنفسه (ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَة (١) ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ [الطور: ٢٥]) فلا تناقضَ، والحاصلُ أَن للقيامةِ أحوالًا ومواطنَ، ففي موطنٍ يشتدُّ عليهم الخوفُ (٢) فيشغلُهم عن التَّساؤل، وفي موطن (٣) يفيقونَ فيتساءلون (وَأَمَّا قَوْلُهُ) تعالى: (﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]) وقوله تعالى: (﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ﴾ [النساء: ٤٢]) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ وابنُ عساكرَ: «﴿حَدِيثًا﴾» (فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ المُشْرِكُونَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال المُشركون» (٤) بالفاء بدل الواو (تَعَالَوْا نَقُولُ: لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ. فَخُتِمَ) بضم الخاء المعجمة، مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «فَخَتَمَ» بفتحات مبنيًّا (٥) للفاعل (عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند نطقِ أيدِيهم (عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء، وللأَصيليِّ: «عَرَفوا» بفتحهما والجمع (أنَّ اللهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول (وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الاية [النساء: ٤٢]) إلى ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾ والحاصل: أنَّهم يكتمون بألسنتِهم فتنطقُ أيديهم وجوارحهم (وَخَلَقَ الأَرْضَ فِي) مقدارِ (يَوْمَيْنِ) أي: غير مدحوَّةٍ (ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ) بعد ذلك في يومين (وَدَحْوُهَا) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «وَدَحيها» بالمثناة التَّحتية بدل الواو، ولأبي ذرٍّ: «ودَحَاها» أي: (أَنْ أَخْرَجَ) أي: بأن أخرجَ (٦) (مِنْهَا المَاءَ وَالمَرْعَى، وَخَلَقَ الجِبَالَ وَالجِمَالَ) بكسر الجيم، الإبلَ (وَالآكَامَ) بفتح الهمزة جمع: أَكَمة -بفتحتين-، ما ارتفعَ من الأرضِ

стр. 8962

كالتلِّ والرابيَةِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والأكوَام» جمع: كوم (وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] وَ) أمَّا (قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] فَجُعِلَتِ الأَرْضُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فخُلِقَت الأرضُ» (وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ) والحاصل أنَّ خلق نفس الأرضِ قبل خلق السَّماء، ودحوها بعدَه (﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾ [الفتح: ١٤]) وزاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ: «﴿رَّحِيمًا﴾» (سَمَّى نَفْسَهُ) أي: ذاته (ذَلِكَ (١)) وهذه التَّسمية (٢) مضت، وللأَصيليِّ: «بذلك» (وَ) أما (ذَلِكَ) أي: (قَوْلُهُ) ما قال من الغفرانيَّةِ والرَّحيميَّةِ (أَيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) لا ينقطعُ (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ) أن يرحم (شيئًا) أو يغفرَ له (إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ) قطعًا (فَلَا يَخْتَلِفْ) بالجزم على النَّهي (عَلَيْكَ القُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ فقال له ابن عبَّاسٍ: هل بقيَ في قلبكَ شيءٌ؟ إنَّه ليس من القرآنِ شيءٌ إلَّا نزل فيه شيءٌ، ولكن لا تعلمون وجههُ. وهذا التَّعليق وصلهُ المؤلِّف حيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقتِ: «قال أبو عبدِ الله» أي: البخاريُّ: «حَدَّثنيه» أي: الحديث السَّابق (يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد التَّحتيَّة، ابنِ زريقٍ التَّيميُّ الكوفيُّ، نزيل (٣) مصر، وليس له في هذا الجامع إلَّا هذا. قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بضم العين في الأوَّل، مصغَّرًا، وفتحها في الثَّاني، الرِّقيُّ -بالراء والقاف- (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بضم الهمزة، مصغَّرًا الجزريِّ (٤) (عَنِ المِنْهَالِ) بن عَمرو الأسديِّ المذكور (بِهَذَا) الحديث السَّابق، قيل: وإنَّما غيَّر البخاريُّ سياق الإسناد عن ترتيبهِ المعهود إشارةً إلى أنَّه ليس على شرطهِ، وإن صارتْ صورته صورة (٥) الموصول، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ في نسخة (٦).

стр. 8963

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿مَمْنُونٍ﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾» [فصلت: ٨] أي: غير (مَحْسُوبٍ) وقال ابنُ عبَّاس: غير مقطوع (١)، وقيل: غير ممنونٍ به عليهم. (﴿َقْوَاتَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] قال مجاهدٌ: (أَرْزَاقَهَا) أي: من المطرِ، فعلى هذا فالأقوات للأرضِ لا للسكانِ، أي: قدَّر لكلِّ أرضٍ حظَّها من المطرِ، وقيل: أقواتًا تنشأُ منها بأن خصَّ حدوثَ كلِّ قوتٍ بقطرٍ من أقطارها، وقيل: أرزاقِ أهلها، وقال محمد بنُ كعبٍ: قدَّرَ أقوات الأبدانِ قبل أن يخلق الأبدان. (﴿فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]) قال مجاهدٌ: (مِمَّا أَمَرَ بِهِ) بفتح الهمزة والميم، ولأبي ذرٍّ: «أُمِرَ» بضم الهمزة وكسر الميم، وعن ابنِ عبَّاسٍ فيما رواه عنه عطاء: خلق في كلِّ سماءٍ خلقها من الملائكةِ، وما فيها من البحارِ وجبال البردِ وما لا يعلمهُ إلا الله. قال السُّديُّ فيما حكاه عنه في «اللباب»: ولله في كلُّ سماء بيت تحجُّ إليه وتطوفُ به الملائكةُ (٢)، كلٌّ واحد منها مقابل الكعبةِ، بحيث لو وقعت منه حصاةٌ لوقعت على الكعبةِ. (﴿نَّحِسَاتٍ﴾) بكسر الحاء (٣) في قراءة ابن عامر والكوفيين في قولهِ تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال مجاهدٌ: أي: (مَشَايِيْمَ) بفتح الميم والشين المعجمة وبعد الألف تحتيتان (٤) الأولى مكسورة والثانية ساكنة، جمع: مشومة، أي: من الشُّوم، و ﴿نَّحِسَاتٍ﴾ نعت لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ والجمع بالألف والتاء مطَّرد في صفةِ ما لا يعقلُ (٥)؛ كـ ﴿أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قيل: كانت (٦) الأيَّامُ النَّحِساتُ آخر شوَّال من الأربعاء إلى الأربعاء، وما عذِّب قوم إلَّا في يوم الأربعاءِ. (﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء﴾ [فصلت: ٢٥]) أي: (قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ) بفتح القاف والراء والنون المشدَّدة،

стр. 8964

وسقطَ هذا التَّفسير لغير الأَصيليِّ، والصَّواب إثباته؛ إذ ليس للتَّالي (١) تعلُّقٌ به (٢)، وقال الزَّجَّاج: سبَّبنَا لهم. وقيل: قدَّرنا (٣) للكفرةِ قرناءَ -أي: نظراءَ- من الشَّياطين يستولونَ عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ -وهو القشرُ- حتى أضلُّوهم (٤)، وفيه دليلٌ على أنَّ الله (٥) تعالى يريدُ الكفرَ من الكافرِ. (﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠]) أي: (عِنْدَ المَوْتِ) وقال قتادةُ: إذا قامُوا من قبورِهم. وقال وكيعُ بن الجرَّاح: البُشرىَ تكون في ثلاثة مواطن: عند الموتِ، وفي القبرِ، وعند البعثِ. (﴿اهْتَزَّتْ﴾) في قولهِ: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩] أي: (بِالنَّبَاتِ. ﴿وَرَبَتْ﴾) أي: (ارْتَفَعَتْ) لأنَّ النَّبتَ إذا قرب أن يظهرَ تحرَّكت له الأرض وانتفختْ، ثمَّ تصدَّعت عن النباتِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مجاهدٍ في معنى ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت (﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧]) بفتح الهمزة، جمع: كِم -بالكسر- (حِينَ تَطْلُعُ) بسكون الطاء المهملة (٦) وضم اللَّام. (﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]) أَيْ: (بِعَمَلِي) بتقديم الميم على اللَّام، أي: (أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا) أي: مستحقٌّ لي بعلمِي وعملِي، وما علمَ الأبلهُ أنَّ أحدًا لا يستحقُّ على الله شيئًا؛ لأنَّه كان عَارِيًا (٧) من الفضائلِ، فكلامهُ ظاهر الفسادِ، وإن كان موصوفًا بشيءٍ من الفضائلِ فهي إنَّما حصلَتْ له بفضلِ الله وإحسانهِ. واللَّام في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب القسمِ لسبقه الشَّرط، وجواب الشَّرط محذوفٌ. وقال أبو البقاء: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب الشَّرط، والفاء محذوفةٌ. قال في «الدر»: وهذا لا يجوزُ إلَّا في شعرٍ؛ كقوله: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها ...........................

стр. 8965

حتَّى إنَّ المبرِّد يمنعه في الشِّعر، ويروي البيت: مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمَنُ يَشْكُرُه ............................ (﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وقال غيره» أي: غير مجاهد: «﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾» أي: (قَدَّرَهَا سَوَاءً) و ﴿سَوَاء﴾ نصبَ على المصدرِ، أي: استوتْ استواءً. وقال السُّديُّ وقتادة: المعنى: سواء لمن سألَ عن الأمر (١) واستفهمَ عن حقيقةِ وقوعه وأرادَ العبرةَ فيه فإنَّه يجده. (﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾) في قولهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أي: (دَلَلْنَاهُمْ) دَلالة مطلقةً (عَلَى الخَيْرِ وَالشَّرِّ) على طريقهما (كَقَوْلِهِ) تعالى في سورة البلد: (﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أي: طريق الخير والشَّرِّ (وَكَقَوْلِهِ) تعالى في سورة الإنسان: (﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وَ) أما (الهُدَى الَّذِي هُوَ الإِرْشَادُ) إلى البُغية (بِمَنْزِلَةِ) أي: بمعنى (أَصْعَدْنَاهُ) بالصاد في الفرع كغيرهِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «أسعدناهُ» بالسين بدل الصاد (٢). قال السُّهيليُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ وغيرهم-: بالصاد أقرب إلى تفسير أرشدنَاه من أسعدنَاه بالسين؛ لأنَّه (٣) إذا كان بالسين كان من السَّعد، والسَّعادة ضد الشَّقاوة (٤) وأرشدت الرَّجلَ إلى الطَّريق وهديته السَّبيل بعيدٌ من هذا التَّفسير، فإذا قلت: أصعدناهُم -بالصاد- خرج اللَّفظ إلى معنى الصُّعُدات في قولهِ: «إيَّاكُم والقعودَ على الصُّعُداتِ» وهي الطُّرق (٥)، وكذلك أصعدَ في الأرضِ إذا سارَ فيها على قصدٍ، فإن كان البخاريُّ قصدَ هذا وكتبَها في نسختِهِ (٦) بالصاد التفَاتًا إلى حديث الصُّعداتِ؛ فليس بمنكرٍ. انتهى. قال الشَّيخ بدر الدين الدَّمامينيُّ: لا أدري ما الَّذي أبعد هذا التَّفسير مع قُرب ظهورهِ، فإنَّ الهدايةَ إلى السَّبيلِ والإرشادِ إلى الطَّريق إسعادٌ لذلك الشَّخصِ المهديِّ؛ إذ سلوكه في الطَّريق مُفضٍ إلى السَّعادةِ، ومجانبتهُ لها ممَّا يُؤدِّي إلى ضلالهِ وهلاكهِ.
следующие страницы →