كالتلِّ والرابيَةِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والأكوَام» جمع: كوم (وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] وَ) أمَّا (قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] فَجُعِلَتِ الأَرْضُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فخُلِقَت الأرضُ» (وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ) والحاصل أنَّ خلق نفس الأرضِ قبل خلق السَّماء، ودحوها بعدَه (﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾ [الفتح: ١٤]) وزاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ: «﴿رَّحِيمًا﴾» (سَمَّى نَفْسَهُ) أي: ذاته (ذَلِكَ (١)) وهذه التَّسمية (٢) مضت، وللأَصيليِّ: «بذلك» (وَ) أما (ذَلِكَ) أي: (قَوْلُهُ) ما قال من الغفرانيَّةِ والرَّحيميَّةِ (أَيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) لا ينقطعُ (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ) أن يرحم (شيئًا) أو يغفرَ له (إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ) قطعًا (فَلَا يَخْتَلِفْ) بالجزم على النَّهي (عَلَيْكَ القُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ فقال له ابن عبَّاسٍ: هل بقيَ في قلبكَ شيءٌ؟ إنَّه ليس من القرآنِ شيءٌ إلَّا نزل فيه شيءٌ، ولكن لا تعلمون وجههُ.
وهذا التَّعليق وصلهُ المؤلِّف حيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقتِ: «قال أبو عبدِ الله» أي: البخاريُّ: «حَدَّثنيه» أي: الحديث السَّابق (يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد التَّحتيَّة، ابنِ زريقٍ التَّيميُّ الكوفيُّ، نزيل (٣) مصر، وليس له في هذا الجامع إلَّا هذا. قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بضم العين في الأوَّل، مصغَّرًا، وفتحها في الثَّاني، الرِّقيُّ -بالراء والقاف- (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بضم الهمزة، مصغَّرًا الجزريِّ (٤) (عَنِ المِنْهَالِ) بن عَمرو الأسديِّ المذكور (بِهَذَا) الحديث السَّابق، قيل: وإنَّما غيَّر البخاريُّ سياق الإسناد عن ترتيبهِ المعهود إشارةً إلى أنَّه ليس على شرطهِ، وإن صارتْ صورته صورة (٥) الموصول، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ في نسخة (٦).
стр. 8963
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿مَمْنُونٍ﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾» [فصلت: ٨] أي: غير (مَحْسُوبٍ) وقال ابنُ عبَّاس: غير مقطوع (١)، وقيل: غير ممنونٍ به عليهم.
(﴿َقْوَاتَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] قال مجاهدٌ: (أَرْزَاقَهَا) أي: من المطرِ، فعلى هذا فالأقوات للأرضِ لا للسكانِ، أي: قدَّر لكلِّ أرضٍ حظَّها من المطرِ، وقيل: أقواتًا تنشأُ منها بأن خصَّ حدوثَ كلِّ قوتٍ بقطرٍ من أقطارها، وقيل: أرزاقِ أهلها، وقال محمد بنُ كعبٍ: قدَّرَ أقوات الأبدانِ قبل أن يخلق الأبدان.
(﴿فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]) قال مجاهدٌ: (مِمَّا أَمَرَ بِهِ) بفتح الهمزة والميم، ولأبي ذرٍّ: «أُمِرَ» بضم الهمزة وكسر الميم، وعن ابنِ عبَّاسٍ فيما رواه عنه عطاء: خلق في كلِّ سماءٍ خلقها من الملائكةِ، وما فيها من البحارِ وجبال البردِ وما لا يعلمهُ إلا الله. قال السُّديُّ فيما حكاه عنه في «اللباب»: ولله في كلُّ سماء بيت تحجُّ إليه وتطوفُ به الملائكةُ (٢)، كلٌّ واحد منها مقابل الكعبةِ، بحيث لو وقعت منه حصاةٌ لوقعت على الكعبةِ.
(﴿نَّحِسَاتٍ﴾) بكسر الحاء (٣) في قراءة ابن عامر والكوفيين في قولهِ تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال مجاهدٌ: أي: (مَشَايِيْمَ) بفتح الميم والشين المعجمة وبعد الألف تحتيتان (٤) الأولى مكسورة والثانية ساكنة، جمع: مشومة، أي: من الشُّوم، و ﴿نَّحِسَاتٍ﴾ نعت لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ والجمع بالألف والتاء مطَّرد في صفةِ ما لا يعقلُ (٥)؛ كـ ﴿أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قيل: كانت (٦) الأيَّامُ النَّحِساتُ آخر شوَّال من الأربعاء إلى الأربعاء، وما عذِّب قوم إلَّا في يوم الأربعاءِ.
(﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء﴾ [فصلت: ٢٥]) أي: (قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ) بفتح القاف والراء والنون المشدَّدة،
стр. 8964
وسقطَ هذا التَّفسير لغير الأَصيليِّ، والصَّواب إثباته؛ إذ ليس للتَّالي (١) تعلُّقٌ به (٢)، وقال الزَّجَّاج: سبَّبنَا لهم. وقيل: قدَّرنا (٣) للكفرةِ قرناءَ -أي: نظراءَ- من الشَّياطين يستولونَ عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ -وهو القشرُ- حتى أضلُّوهم (٤)، وفيه دليلٌ على أنَّ الله (٥) تعالى يريدُ الكفرَ من الكافرِ.
(﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠]) أي: (عِنْدَ المَوْتِ) وقال قتادةُ: إذا قامُوا من قبورِهم. وقال وكيعُ بن الجرَّاح: البُشرىَ تكون في ثلاثة مواطن: عند الموتِ، وفي القبرِ، وعند البعثِ.
(﴿اهْتَزَّتْ﴾) في قولهِ: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩] أي: (بِالنَّبَاتِ. ﴿وَرَبَتْ﴾) أي: (ارْتَفَعَتْ) لأنَّ النَّبتَ إذا قرب أن يظهرَ تحرَّكت له الأرض وانتفختْ، ثمَّ تصدَّعت عن النباتِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مجاهدٍ في معنى ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت (﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧]) بفتح الهمزة، جمع: كِم -بالكسر- (حِينَ تَطْلُعُ) بسكون الطاء المهملة (٦) وضم اللَّام.
(﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]) أَيْ: (بِعَمَلِي) بتقديم الميم على اللَّام، أي: (أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا) أي: مستحقٌّ لي بعلمِي وعملِي، وما علمَ الأبلهُ أنَّ أحدًا لا يستحقُّ على الله شيئًا؛ لأنَّه كان عَارِيًا (٧) من الفضائلِ، فكلامهُ ظاهر الفسادِ، وإن كان موصوفًا بشيءٍ من الفضائلِ فهي إنَّما حصلَتْ له بفضلِ الله وإحسانهِ. واللَّام في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب القسمِ لسبقه الشَّرط، وجواب الشَّرط محذوفٌ. وقال أبو البقاء: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب الشَّرط، والفاء محذوفةٌ. قال في «الدر»: وهذا لا يجوزُ إلَّا في شعرٍ؛ كقوله:
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها ...........................
стр. 8965
حتَّى إنَّ المبرِّد يمنعه في الشِّعر، ويروي البيت:
مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمَنُ يَشْكُرُه ............................
(﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وقال غيره» أي: غير مجاهد: «﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾» أي: (قَدَّرَهَا سَوَاءً) و ﴿سَوَاء﴾ نصبَ على المصدرِ، أي: استوتْ استواءً. وقال السُّديُّ وقتادة: المعنى: سواء لمن سألَ عن الأمر (١) واستفهمَ عن حقيقةِ وقوعه وأرادَ العبرةَ فيه فإنَّه يجده.
(﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾) في قولهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أي: (دَلَلْنَاهُمْ) دَلالة مطلقةً (عَلَى الخَيْرِ وَالشَّرِّ) على طريقهما (كَقَوْلِهِ) تعالى في سورة البلد: (﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أي: طريق الخير والشَّرِّ (وَكَقَوْلِهِ) تعالى في سورة الإنسان: (﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وَ) أما (الهُدَى الَّذِي هُوَ الإِرْشَادُ) إلى البُغية (بِمَنْزِلَةِ) أي: بمعنى (أَصْعَدْنَاهُ) بالصاد في الفرع كغيرهِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «أسعدناهُ» بالسين بدل الصاد (٢). قال السُّهيليُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ وغيرهم-: بالصاد أقرب إلى تفسير أرشدنَاه من أسعدنَاه بالسين؛ لأنَّه (٣) إذا كان بالسين كان من السَّعد، والسَّعادة ضد الشَّقاوة (٤) وأرشدت الرَّجلَ إلى الطَّريق وهديته السَّبيل بعيدٌ من هذا التَّفسير، فإذا قلت: أصعدناهُم -بالصاد- خرج اللَّفظ إلى معنى الصُّعُدات في قولهِ: «إيَّاكُم والقعودَ على الصُّعُداتِ» وهي الطُّرق (٥)، وكذلك أصعدَ في الأرضِ إذا سارَ فيها على قصدٍ، فإن كان البخاريُّ قصدَ هذا وكتبَها في نسختِهِ (٦) بالصاد التفَاتًا إلى حديث الصُّعداتِ؛ فليس بمنكرٍ. انتهى. قال الشَّيخ بدر الدين الدَّمامينيُّ: لا أدري ما الَّذي أبعد هذا التَّفسير مع قُرب ظهورهِ، فإنَّ الهدايةَ إلى السَّبيلِ والإرشادِ إلى الطَّريق إسعادٌ لذلك الشَّخصِ المهديِّ؛ إذ سلوكه في الطَّريق مُفضٍ إلى السَّعادةِ، ومجانبتهُ لها ممَّا يُؤدِّي إلى ضلالهِ وهلاكهِ.
стр. 8966
وأمَّا قوله: فإذا قلتَ: أصعدناهُ بالصاد … إلى آخره ففيه تكلُّفٌ لا داعِي له، وما في النُّسخ صحيحٌ بدونه. انتهى.
(مِنْ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «ومن ذلكَ» أي: من الهدايةِ الَّتي بمعنى الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية الَّتي عبَّر عنها المؤلِّف (١) بالإرشادِ والإسعادِ (قَوْلُهُ) تعالى بالأنعامِ: (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) ونحوه ممَّا (٢) هو كثيرٌ في القرآنِ.
(﴿يُوزَعُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] أي: (يُكَفُّوْنَ) بفتح الكاف بعد الضم، أي: يُوقف سوابقهم حتَّى يصلَ إليهم تواليهِم، وهو معنى (٣) قول السُّدِّيُّ: يُحبسُ أوَّلُهم على آخرِهِم ليتلاحقُوا.
(﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧] هو (قِشْرُ الكُفُرَّى) بضم الكاف وضم الفاء وفتحها وتشديد الراء، وعاءُ الطَّلع. قال ابنُ عبَّاس: قبل أن ينشقَّ (هِيَ (٤) الكُمُّ) بضم الكاف وقال (٥) الرَّاغب: الكمُّ: ما يغطِّي (٦) اليدَ من القميصِ، وما يغطِّي الثَّمرةَ، وجمعهُ: أكمامٌ. وهذا يدلُّ على أنَّه مضموم الكاف؛ إذ جعله مشتركًا بين كمِّ القميصِ وبين (٧) كمِّ الثَّمرة، ولا خلاف في كمِّ القميصِ أنَّه بالضم، وضبط الزَّمخشريُّ كِم (٨) الثَّمرة بكسر الكاف، فيجوزُ أن يكون فيه لغتان، دون كمِّ القميصِ جمعًا بين القولين (وَقَالَ غَيْرُهُ: وَيُقَالُ: لِلْعِنَبِ إِذَا خَرَجَ أَيضًا: كَافُورٌ وكُفُرَّى) قاله الأصمعيُّ، وهذا ساقط لغير المُستملي، ووعاءُ كلِّ شيءٍ: كافورهُ. (﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]) أي: الصَّديق (القَرِيبُ) وللأَصيليِّ: «قريب».
стр. 8967
(﴿مِّن مَّحِيصٍ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] يقال: (حَاصَ عَنْهُ: حَادَ) وللأَصيليِّ: «أي: حادَ» وزاد أبو ذرٍّ: «عنه» والمعنى: أنَّهم أيقنُوا أن لا مهربَ لهم من النَّار.
(﴿مِرْيَةٍ﴾) بكسر الميم في قولهِ تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] (وَ (مُرْيَةٍ)) بضمِّها في قراءة الحسن، لغتان؛ كخِفْية وخُفْية، ومعناهما (وَاحِدٌ؛ أَي: امْتِرَاءٌ) أي: في شكٍّ من البعثِ والقيامةِ (١). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبدُ بن حُميد (٢): (﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]) معناه (الوَعِيدُ) وللأَصيليِّ: «هي وعيدٌ».
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (﴿بِالَّتِي﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾» (﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَبِ، وَالعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ) أي: الصَّبرَ والعفوَ (عَصَمَهُمُ اللهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ) وصار الَّذي بينه وبينهم عَدَاوة (٣) (﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]) أي: كالصَّديق القريب، وسقطَ لأبي ذرٍّ «﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾» ولغيره: «﴿ادْفَعْ﴾» من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾.
(١) (قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنتُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ: ﴿وَمَا كُنتُمْ﴾ (﴿تَسْتَتِرُونَ﴾) تستخفُون عند ارتكابِ القبائح خيفةَ (﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾) لأنَّكم تنكرونَ البعثَ والقيامةِ (﴿وَلَكِن﴾) ذلك الاستتار لأجل أنَّكم (﴿ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) من الأعمالِ الَّتي تُخفونها؛ فلذلك اجترأتُم على ما فعلتُم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ المؤمنَ ينبغِي أن يتحقَّق أنَّه لا يمرُّ عليه حال إلَّا وعليه (٤) رقيبٌ، وسقطَ قوله: «﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ … » إلى آخره للأَصيليِّ، ولأبي ذرٍّ «﴿وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … » إلى آخره، وقالا: «الآية».
стр. 8968
٤٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وبعد اللَّام السَّاكنة مثنَّاة فوقيَّة، الخَارَكيُّ -بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين والكاف-، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزَّاي مصغَّرًا، ابن (١) الحارثِ البصريُّ (عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ) بفتح الراء وبعد الواو السَّاكنة حاء مهملة، العنبريِّ -بالنون والموحدة- (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله بن سَخْبرةَ الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) ﵁، أنَّه قال في تفسيرِ قوله تعالى: (﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الاية [فصلت: ٢٢]) وزاد أبو ذرٍّ بعد قوله: ﴿سَمْعُكُمْ﴾: «﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾» وسقطَ للأَصيليِّ «﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ … » إلى آخره، (كَانَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «قال» بدل: «كان»، وللأَصيليِّ (٢): «وقال» (٣) وفي نسخة: «قال: كانَ» (رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ) صفوان وربيعة ابنا أميَّة بن خلف. ذكره الثَّعلبيُّ وتبعَهُ البغويُّ (وَخَتَنٌ لَهُمَا) بفتح الخاء المعجمة والفوقيَّة بعدها نون، كلُّ من كان من قبل المرأةِ كالأب والأخِ، وهم (٤) الأختانُ (مِنْ ثَقِيفَ) وفي نسخة: «من ثقيفٍ» بالخفض منونًا؛ وهو عبدُ ياليل بن عَمرو بن عُمير. رواه البغويُّ في «تفسيره»، وقيل: حبيبُ بن عمرو. حكاه ابنُ الجوزيِّ، وقيل: الأخنسُ بنُ شريقٍ. حكاه ابنُ بَشْكوال (-أَوْ: رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفَ) وفي نسخة: «ثقيفٍ» بالجرِّ والتَّنوين (وَخَتَنٌ لَهُمَا (٥) مِنْ قُرَيْشٍ- فِي بَيْتٍ) الشَّكُّ من أبي مَعْمر
стр. 8969
الرَّاوي عن ابنِ مسعودٍ، وأخرجه عبد الرَّزَّاق من طريق وهبِ بن ربيعةَ، عن ابنِ مسعودٍ بلفظ: ثقفيٌّ وختناهُ قرشيَّان. فلم يشُكَّ. وأخرجه مسلمٌ من طريق وهب هذه ولم يسق لفظها، وأخرجه الترمذي (١) من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابنِ مسعودٍ فقال: ثلاثةُ نفرٍ. ولم ينسبهمْ، وعند ابنِ بَشْكوال: القرشيُّ: الأسودُ بنُ عبد يَغْوث الزُّهريُّ، والثَّقفيَّان: الأخنسُ بنُ شريق، والآخرُ لم يسمَّ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُرَوْنَ) بضم المثنَّاة الفوقيَّة (أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ (٢) حَدِيثَنَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» بزيادة فاء، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «وقال» «بالواو» بدل: «الفاء»، (يَسْمَعُ بَعْضَهُ) أي: ما جهرنَا به (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ (٣) كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ) وبيان الملازمةِ -كما قاله الكِرمانيُّ- أنَّ نسبة جميعِ المسموعاتِ إليه واحدةٌ، فالتَّخصيصُ تحكُّم (فَأُنْزِلَتْ (٤): ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ الاية [فصلت: ٢٢]).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢١]، ومسلم في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، وكذا النَّسائيُّ.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى: (﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ﴾) أنَّه لا يعلمُ كثيرًا ممَّا تعملونَ (﴿أَرْدَاكُمْ﴾) أي: أهلككُم، أو طرحكُم في النَّار (﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]) سقطَ لغير الأَصيليِّ قوله: «﴿الَّذِي ظَنَنتُم﴾ … » إلى آخره.
стр. 8970
٤٨١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بنُ الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سخبرةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو: ابنُ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ) الحرامِ (قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ) بالشَّكِّ وتقدَّم قريبًا أسماؤُهم [خ¦٤٨١٦] (كَثِيرَةٌ) بالتَّنوين (شَحْمُ بُطُونِهِمْ) بإضافة بطون لشحمٍ (قَلِيلَةٌ) بالتَّنوين (فِقْهُ قُلُوبِهِمْ) بإضافة قلوب لفقه، والتاء في «كثيرةٌ» و «قليلةٌ». قال الكِرمانيُّ: وجه التأنيث إما (١) أن يكون الشَّحم مبتدأ، واكتسبَ التَّأنيث من المضاف إليه، و «كثيرة» خبره، وإمَّا أن تكون التَّاء للمبالغة؛ نحو: رجلٌ علَّامة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الفطنةَ قلَّما تكون مع البطنةِ (فَقَالَ أَحَدُهُمْ (٢): أَتُرَوْنَ) بضم التَّاء (أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) قال في «الفتح»: فيه إشعارٌ بأنَّ هذا الثَّالث أفطنُ أصحابه، وأَخْلِق به أن يكون الأخنسُ ابنُ شريقٍ؛ لأنَّه أسلم بعد ذلك، وكذا صفوان بنُ أميَّة (فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الاية [فصلت: ٢٢]) إلى آخرها. قال الحميديُّ عبد الله بن الزُّبير: (وَكَانَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (يُحَدِّثُنَا بِهَذَا) الحديث (فَيَقُولُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمرِ (أَوِ (٣) ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية السَّاكنة مهملة، عبد الله (أَوْ حُمَيْدٌ) بضم الحاء، مصغَّرًا، ابن قيس، أبو (٤) صفوان الأعرَج، مولى عبد الله بن الزُّبير (أَحَدُهُمْ أَوِ اثْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى مَنْصُورٍ، وَتَرَكَ ذَلِكَ مِرَارًا غَيْرَ وَاحِدَةٍ) وللأَصيليِّ: «غير مرَّةٍ واحدةٍ».
стр. 8971
(٣) (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ الاية [فصلت: ٢٤]) أي: سكنٌ لهم، أي: إن أمسكوا عن الاستغاثةِ لفرَجٍ ينتظرونهُ لم يجدُوا ذلك، وتكون النَّار مقامًا لهم، وسقطتِ الآية كلُّها لأبي ذرٍّ.
٤٨١٧ م# وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابنُ بحرٍ الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبرٍ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بنِ سخبرةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو: ابنُ مسعودٍ (بِنَحْوِهِ) أي: بنحو الحديث السَّابق، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «نحوه» بإسقاط حرف الجرِّ.
(((٤٢))) (حم عسق) مكِّيَّة، وآيُها ثلاث وخمسون آية (وَيُذْكَرُ) بضم أوَّله وفتح ثالثهِ، ولأبي ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاريُّ: يُذكر» بإسقاط العاطفِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ والطَّبريُّ: (﴿عَقِيمًا﴾) في قولهِ: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] أي: (لَا تَلِدُ) ولأبي ذرٍّ: «الَّتي لا تلدُ».
(﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]) قال ابنُ عبَّاس فيما رواه ابنُ أبي حاتمٍ: هو (القُرْآنُ) لأنَّ القلوبَ تحيا به.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]) بالذال المعجمة: (نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ) أي: يخلقكُم في الرَّحم، وقال القُتَبِيُّ: أي: في الرُّوح، وخطأُ من قال: في الرَّحمِ؛ لأنَّها مؤنَّثةٌ.
стр. 8972
(﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا﴾ [الشورى: ١٥]) أي: (لَا خُصُومَةَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ لا خصومةَ بيننَا وبينكُم». قال في «اللباب»: وهذه الآية نسختها آيةُ القتال. وقال في «الأنوار»: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ لا حجَاج بمعنى: لا خصومةَ؛ إذ الحقُّ قد ظهرَ ولم يبق للمحاجَّةِ (١) مجالٌ ولا للخلافِ مبدأ سوى العنادِ، وليس في الآيةِ ما يدلُّ على متاركةِ الكفَّارِ رأسًا حتَّى تكونَ منسوخةً بآيةِ القتالِ.
(﴿طَرْفٍ﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِن طَرْفٍ﴾» (﴿خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]) أي: (ذَلِيلٍ) بالمعجمة، كما ينظرُ المصبورُ إلى السَّيف؛ فإن قلتَ: إنَّه تعالى قال في صفةِ الكفَّارِ: إنَّهم يحشرونَ عُميًا، وقال هنا: ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. أُجيب بأنَّه لعلَّهم يكونونَ (٢) في الابتداءِ كذلك، ثمَّ يصيرون عُميًا.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣]) أي: (يَتَحَرَّكْنَ) يعني: يضطربنَ (٣) بالأمواجِ (وَلَا يَجْرِينَ فِي البَحْرِ) لسكون الرِّيحِ، وقول صاحب «المصابيح»: كأنَّه سقطَ منه: لا -يعني: قبل «يتحرَّكنَ» - ولهذا فسَّر ﴿رَوَاكِدَ﴾ بسواكنَ؛ يندفعُ بما سبق.
(﴿شَرَعُوا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ٢١] أي: (ابْتَدَعُوا) وهذا قول أبي عُبيدة، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ (٤).
(١) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]) أي: أن تودُّوني لقرابتِي منكُم، أو تودُّوا أهل قرابتِي، وقيل: الاستثناءُ منقطعٌ؛ إذ ليست المودَّة من جنسِ الأجرِ، والمعنى: لا أسألكُم أجرًا قط، ولكن أسألكُم المودَّة. و ﴿فِي الْقُرْبَى﴾ حالٌ منها، أي: إلَّا المودَّة ثابتةٌ في ذوي القربى متمكِّنةٌ في أهلهَا، أو في حقِّ القرابةِ ومن أجلها. قاله في «الأنوار»، فإن قلتَ: لا نزاعَ أنَّه لا يجوزُ طلبُ الأجرِ على تبليغِ الوحي. أُجيب بأنَّه من باب قوله:
وَلَا عَيْبَ فِيْهِم غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُم … بِهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائبِ
стр. 8973
يعني: أنا لا أطلبُ منكم إلَّا هذا، وهذا في الحقيقةِ ليس أجرًا؛ لأنَّ حصول المودَّة بين المسلمين أمرٌ واجبٌ، وإذا كان كذلك فهو في حقِّ أشرفِ الخلقِ أولى، فقوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ تقديره: والمودَّة في القربَى (١) ليست أجرًا، فرجعَ الحاصلُ إلى أنَّه لا أجر ألبتَّة.
٤٨١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ البصريُّ، أبو بكر بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهذليُّ البصريُّ المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) ضد الميمنة، الهلاليِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا) هو ابنُ كيسان اليمانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) فحمل الآية على أمرِ المخاطبين بأن يوادُّوا (٢) أقاربه ﷺ ، وهو عامٌّ لجميع المكلفين (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) لسعيد: (عَجِلْتَ) بفتح العين وكسر الجيم وسكون اللام، أي: أسرعْتَ في تفسيرها (إِنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا (٣) مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ) فَحَمَلَ الآية على أن توادُّوا النَّبيَّ ﷺ من أجل القرابةِ الَّتي بينه وبينكُم، فهو خاصٌّ بقريشٍ، ويؤيدُه أنَّ السُّورة مكِّيَّة، وأمَّا حديث ابن عبَّاس أيضًا عند ابنِ أبي حاتمٍ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسولَ الله، من هؤلاءِ الَّذين أمرَ الله بمودَّتهم؟ قال: «فَاطِمة وولدُها ﵈». فقال ابنُ كثيرٍ: إسنادهُ ضعيف، فيه متَّهمٌ لا يُعرف إلَّا عن شيخٍ شيعيٍّ محترقٍ (٤)، وهو حسين
стр. 8974
الأشقرُ، ولا يقبل خبرُه في هذا المحلِّ، والآية مكِّيَّة، ولم يكن إذ ذاك لفاطمةَ أولادٌ بالكلِّيَّةِ، فإنَّها لم تتزوَّج بعليٍّ إلَّا بعد بدرٍ من السَّنة الثَّانيةِ من الهجرةِ، وتفسيرُ الآيةِ بما فسَّر به حبر الأمَّة وترجمانُ القرآنِ ابن عبَّاس أحقُّ وأولى، ولا تنكرُ الوَصَاةُ (١) بأهلِ البيتِ واحترامِهم وإكرامِهم؛ إذ هم من الذُّرِّيَّة الطَّاهرةِ الَّتي هي أشرفُ بيت وجدَ على الأرضِ فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيَّما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة (٢) الصَّحيحة كما كان عليه سلفهم، كالعبَّاس وبنيهِ وعليٍّ وآلِ بيتهِ وذرِّيتهِ (٣) ﵃ أجمعين ونفعنَا بمحبَّتِهم.
(((٤٣))) (حم الزُّخْرُفِ) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] وآيُها تسع وثمانون، ولأبي ذرٍّ:
стр. 8975
«سورة حم الزُّخرف»، وله ولابنِ عساكرَ: «بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت (١) لغيرِهما.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾) من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: (عَلَى إِمَامٍ) كذا فسَّره أبو عُبيدة، وعند عبد بن حميدٍ، عن مجاهد: على ملَّةٍ، وعن ابن عبَّاسٍ عند الطَّبريِّ: على دينٍ.
(﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] تَفْسِيرُهُ: أَيَحْسِبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ) وهذا يقتضي الفصلَ بين المعطوفِ والمعطوف (٢) عليه بجملٍ كثيرةٍ، قال الزَّركشيُّ: فينبغي حملُ كلامهِ على أنَّه أرادَ تفسيرَ المعنى، ويكون التَّقدير: ويعلم قيلهُ، وهذا يردُّه ما حكاه (٣) السَّفاقسيُّ من إنكارِ بعضهم لهذا، وقال: إنَّما يصحُّ ذلك أن لو كانت التِّلاوةُ: وقيلِهِم. انتهى. وقيل: عطفٌ على مفعول ﴿يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] المحذوف، أي: يكتبونَ ذلك ويكتبونَ قيلَه كذا، أو على مفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] المحذوف، أي: يعلمون ذلك ويعلمونَ قيلَه، أو أنَّه مصدرٌ، أي: قال قيله، أو بإضمارِ فعلٍ، أي: الله يَعْلَمُ قيلَ رسولِ الله (٤) ﷺ شَاكيًا إلى ربِّه: يا رب. وقرأ عاصمٌ وحمزة بخفض اللَّام وكسر الهاء وصلتها بياء، عطفًا على ﴿السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] أي: عندهُ علمُ قيلِه، والقولُ والقالُ والقيل بمعنى واحدٍ، جاءت المصادرُ على هذه الأوزانِ.
(وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٥) وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ والطَّبريُّ من طريق عليِّ ابنِ أبي طلحةَ عنه في قولهِ: (﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣]) أي: (لَوْلَا أَنْ جَعَلَ) بلفظ الماضي، وللأَصيليِّ: «أن يجعل» بصيغة المضارع بالياء التَّحتية، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أن أجعل» (النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا؛ لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفَّارِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي:
стр. 8976
«بيوت الكفَّار» (﴿سُقُفًا﴾) بفتح السين وسكون القاف، على إرادة الجنسِ، وهي قراءة أبي عمرو وابنِ كثيرٍ، ولأبي ذرٍّ: «﴿سُقُفًا﴾» [الزخرف: ٣٣] بضمهما على الجمع، وهي قراءة الباقين (﴿مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾) جمع: معرجٍ (مِنْ فِضَّةٍ، وَهْيَ دَرَجٌ، وَسُرُرُ (١) فِضَّةٍ) جمع: سَرير، وهل قوله: ﴿مِّن فَضَّةٍ﴾ يشملُ المعارجَ والسُّرر؟ وعن الحسنِ فيما رواه (٢) الطَّبريُّ من طريق عوف عنه قال: كفَّارًا يميلونَ إلى الدُّنيا. قال (٣): وقد مالَتِ الدُّنيا بأكثر أهلها وما فُعِل، فكيف لو فُعِل؟! وقال في «الأنوار»: لولا أن يرغبُوا في الكفرِ إذا رأوا الكفَّارَ في سعةٍ، وتنعُّمهم لحبِّهم الدُّنيا فيجتمعُوا عليه؛ لجعلنا.
(﴿مُقْرِنِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أي: (مُطِيقِينَ) من أقرنَ الشَّيء إذا أطاقهُ (٤)، ومعنى الآية: ليس عندنا من القوَّة والطَّاقة أن نقرنَ هذه الدَّابة والفلكَ أو (٥) نضبطها، فسبحان من سخَّر لنا هذا بقدرتهِ وحكمتهِ!
(﴿آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]) أي: (أَسْخَطُونَا) قاله (٦) ابنُ عبَّاسٍ، فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وقيل: أغضبونَا بالإفراطِ في العنادِ والعصيانِ، وهذا من المتشابهات، فيؤوَّل بإرادةِ العقاب.
(﴿يَعْشُ﴾ [الزخرف: ٣٦]) بضم الشين. قال ابنُ عبَّاسٍ -فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ عن عكرمةَ، عنه-: أي: (يَعْمَى) لكن قال أبو عُبيدة: من قرأ بضم الشين فمعناه: أنَّه تُظْلم عينُهُ، ومن فتحها فمعناهُ: تَعْمى عينُهُ. وقال في «الأنوار»: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦] يتعامَى ويعرضُ عنه بفرطِ اشتغالهِ بالمحسوساتِ، وانهماكهِ في الشَّهوات، وقرئ: (يَعْشَ) بالفتح، أي: يَعمى، يقال: عشيَ إذا كان في بصرهِ آفةٌ، وعشَى إذا تعشَّى بلا آفةٍ، كعَرَج وعَرُج. انتهى.
стр. 8977
وقولُ ابن المُنيِّرِ في «الانتصاف»: وفي الآيةِ نكتَتان: إحداهما: أنَّ النكرة في سياقِ الشَّرط تعمُّ، وفي ذلك اضطراب للأصوليين، وإمام الحرمين يختارُ العمومَ، وبعضُهم حملَ كلامهُ على العمومِ البدليِّ لا الاستغراقيِّ، فإن كان مرادهُ عموم الشُّمول فالآيةُ حجَّة له من وجهين؛ لأنَّه نكَّرَ الشَّيطانَ ولم يرد إلَّا الكلَّ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ له شيطان، فكيف بالعاشِي عن ذكرِ الله؟! والثَّاني: أنَّه أعادَ الضَّمير مجموعًا في قولهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف: ٣٧] ولولا عموم الشُّمول لما جازَ عود الضَّمير على واحدٍ.
تعقَّبه العلَّامة البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: في كلٍّ من الوجهينِ اللَّذين أبداهُما نظرٌ، أمَّا الأوَّل: فلا نسلِّم أنَّه أرادَ كلَّ شيطانٍ، بل المقصودُ أنَّه قُيِّض لكلِّ فردٍ من العاشينَ عن ذكر الله شيطانٌ واحدٌ لا كل شيطانٍ، وذلك واضحٌ. وأمَّا الثَّاني: فعود ضمير الجماعةِ على شيءٍ ليس بينه وبين العمومِ الشُّمولي تلازمٌ بوجهٍ، وعود الضَّمير في الآية بصيغةِ ضميرِ الجماعةِ إنَّما كان باعتبار تعدُّد الشَّياطينِ المفهومة ممَّا تقدَّم؛ إذ معناه على ما قرَّرناهُ: أنَّ كلَّ عاشٍ له شيطان، فبهذا الاعتبارِ جاء التَّعدد، فعاد الضَّمير كما يعودُ على الجماعةِ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا (١) وصلهُ الفِريابيُّ في قولهِ: (﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ [الزخرف: ٥] أَيْ: تُكَذِّبُونَ بِالقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ؟) وقال الكلبيُّ: أفنتركُكم سدًى لا نأمركُم ولا ننهاكُم؟
(﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]) أي: (سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا.
(﴿مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]) وللأَصيليِّ: «﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾» (يَعْنِي: الإِبِلَ وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ) وهو تفسيرٌ للمراد بالضَّمير في ﴿لَهُ﴾.
(﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨]) أي: (الجَوَارِي) اللَّاتي (٢) يَنْشَأْنَ في الزِّينةِ، أي: البنات
стр. 8978
(جَعَلْتُمُوهُنَّ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «يقول: جعلتموهنَّ» (لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ) بذلك ولا ترضونه لأنفسكم؟
(﴿لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: ٢٠] يَعْنُونَ الأَوْثَانَ) وقال قتادةُ: يعنُون الملائكةَ، والمعنى: وإنَّما لم يعجِّل عقوبتَنا على عبادتِنا إيَّاهم لرضاهُ منَّا بعبادتِها (يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى) وللأَصيليِّ (١): «بقولِ اللهِ تعالى» بالموحدة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «لقولِ الله »: (﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠]) أي: (الأَوْثَانُ؛ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) نزَّلَ الأوثانَ منزلةَ من يعقلُ، ونفى عنهم علمَ ما يصنعُ المشركونَ من عبادَتهم، وقيل: الضَّميرُ للكفَّارِ، أي: ليس لهم علمُ ما ذكروه من قولهم: إنَّ الله رضيَ عنَّا لعبادتِنا، وسقطَ للأَصيليِّ «إنَّهم».
(﴿فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]) أي: (وَلَدِهِ) فيكونُ منهم أبدًا من يوحِّد الله، ويدعو إلى توحيدِهِ.
(﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]) أي: (يَمْشُونَ مَعًا) قاله مجاهدٌ أيضًا.
(﴿سَلَفًا﴾) في قولهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] هم (قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ (٢) أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَمَثَلًا﴾) أي: (عِبْرَةً) لهم.
(﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]) بكسر الصاد، أي: (يَضِجُّونَ) وقرأ نافع وابنُ عامرٍ والكِسائيُّ: بضم الصاد، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو الضَّجيج واللَّغطُ، وقيل: الضَّمُّ من الصُّدود، وهو الإعراضُ.
(﴿مُبْرِمُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] أي: (مُجْمِعُونَ)، وقيل: محكمونَ.
(﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]) أي: (أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ)، قاله (٣) مجاهدٌ أيضًا.
(﴿إِنَّنِي﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وقال غيره» أي: غير مجاهدٍ: ﴿إِنَّنِي﴾ (﴿بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] العَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ البَرَاءُ) منك (٤) (وَالخَلَاءُ) منك (وَالوَاحِدُ وَالاِثْنَانِ
стр. 8979
وَالجَمِيعُ مِنَ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّثِ يُقَالُ فِيهِ: بَرَاءٌ) بلفظ واحد (لأَنَّهُ مَصْدَرٌ) في الأصلِ، وقع موقعَ الصِّفةِ؛ وهي (١) بريءٌ (وَلَوْ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «ولو قيل»: (بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الاِثْنَيْنِ: بَرِيئَانِ، وَفِي الجَمِيعِ: بَرِيئُونَ) وأهل نجدٍ يقولون: أنا بريءٌ، وهي بريئةٌ، ونحن براءٌ (وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ ((إِنَّنِي بَرِيءٌ) بِاليَاءِ) وصلهُ الفضلُ بنُ شاذانَ في «كتاب القراءة» عنه.
(وَالزُّخْرُفُ) في قولهِ: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ. وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٤ - ٣٥] هو (الذَّهَبُ) قاله قتادةَ، وفي قراءة عبد الله بن مسعودٍ: (أو يَكُون لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ).
(﴿مَّلَائِكَةً﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (﴿يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]) أي: (يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) قاله قتادة، فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق، وزاد في آخره: مكان ابن آدم، و «مِن» في قولهِ: ﴿مِنكُم﴾ بمعنى: بدل، أي: لجعلنا بدلكُم، أو تبعيضيَّة (٢)، أي: لولَّدْنا منكُم يا رجالُ ملائكةً في الأرضِ، يخلُفُونكُم كما تخلفُكُم أولادُكُم، كما وَلَّدْنا عيسى من أُنْثى دون ذكرٍ.
(١) (قَوْلُهُ (٣): ﴿وَنَادَوْا﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى (٤): ﴿وَنَادَوْا﴾ (﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾) لِيُمتنَا لنستريحَ (﴿قَالَ﴾) مالكٌ مجيبًا لهم بعد ألفِ سنةٍ، أو أربعين، أو مئة: (﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]) مقيمونَ في العذابِ، لا خلاصَ لكم منه بموتٍ ولا بغيرهِ، وسقطَ قوله: «﴿قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾» لغير أبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ، وقال: «الآيةَ».
стр. 8980
٤٨١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ السُّلَمِيُّ، مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليُّ الكوفيُّ، ثمَّ المكيُّ، الإمام الحجَّة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباحٍ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى بنِ أميَّة التَّميميِّ حليف قريش، واسم أمه: مُنْيَة -بضم الميم وسكون النون وفتح التَّحتية- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرِ: (﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]) وقرئَ: (يا مالِ) بكسر اللَّام على التَّرخيم، وفيه إشعارٌ بأنَّهم لضعفِهم لا يستطيعون تأديةَ اللَّفظ بالتَّمام، فإن قلتَ: كيف قال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ بعدما وصفهُم (١) بالإبلاسِ؟ أُجيب بأنَّها أزمنةٌ متطاولةٌ (٢) وأحقابٌ (٣) ممتدَّةٌ، فتختلفُ بهم الأحوالُ، فيسكتونَ أوقاتًا لغلبةِ اليأسِ عليهِم، ويستغيثونَ أوقاتًا لشدَّة ما بهم.
وهذا الحديث ذكره في «باب صفة النار»، من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٦٦].
(وَقَالَ قَتَادَةُ) في قولهِ تعالى: (﴿مَثَلًا﴾) من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾ (﴿لِلْآخِرِينَ﴾) [الزخرف: ٥٦] أي: (عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ) والعظةُ: الموعظةُ، وثبت قوله: «لمن بعدهم» لأبي ذرٍّ (٤).
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير قتادة في قولهِ (٥): (﴿مُقْرِنِينَ﴾) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] السَّابق ذكره، أي: (ضَابِطِينَ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ) أي: (ضَابِطٌ لَهُ)، قاله أبو عُبيدة.
(وَالأَكْوَابُ) هي (٦) (الأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا) وقيل: لا عراويَ لها ولا خراطيمَ معًا. قال الجواليقيُّ: ليتمكن الشَّاربُ من أين شاءَ، فإنَّ العروةَ تمنعُ من ذلك.
(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق: (﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤] جُمْلَةِ الكِتَابِ، أَصْلِ الكِتَابِ) وأمُّ كلِّ شيءٍ أصله، والمراد: اللَّوحُ المحفوظُ؛ لأنَّه أصلُ (٧) الكتب السَّماويَّةِ، وسقطَ قوله: «وقال قتادة … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.
стр. 8981
(﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] السَّابق تفسيره قريبًا عن مجاهد: بأوَّل المؤمنين، وفسَّره هنا بقوله: (أَيْ: مَا كَانَ) يريد أنَّ ﴿إِن﴾ في قولهِ: ﴿إِن كَانَ﴾ نافية لا شرطيَّة، ثمَّ أخبرَ بقوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: الموحِّدين من أهل مكَّة أن (١) لا ولد له، وتكون الفاء سببيَّة، ومنع مكيٌّ أن تكون نافية، قال: لأنَّه يوهمُ أنَّك إنَّما نفيتَ عن الله الولد فيما مضى دونَ ما هو آتٍ، وهذا محالٌ. ورُدَّ (٢) عليه: بأنَّ «كان» قد تدلُّ على الدَّوام كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وعن ابن عبَّاس فيما رواه الطَّبريُّ قال: يقول: لم يكن للرَّحمنِ ولدٌ. وقيل: إنَّ ﴿إِن﴾ شرطيَّة على بابها، واختُلف في تأويله؛ فقيل: إن صحَّ ذلك فأنا أوَّل من يعبده، لكنَّه لم يصحَّ ألبتَّة بالدَّليل القاطعِ، وذلك أنَّه علَّق العبادةَ بكينونةِ الولدِ، وهي محالٌ في نفسها، فكان المعلَّقُ بها محالًا مثلها، فهو في صورةِ إثبات الكينونةِ
стр. 8982
والعبادةِ، وفي معنى نفيهمَا (١) على أبلغِ الوجوهِ وأقواها. كذا قرَّره في «الكشاف» (فَأَنَا أَوَّلُ الآنِفِينَ) أي: المستنكفينَ، وهذا تفسيرُ قوله: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ لأنَّه مشتقٌّ من عبِد -بكسر الموحدة- إذا أنفَ واشتدَّت أنفتهُ (وَهُمَا) أي: عابدٌ وعبِدٌ (لُغَتَانِ) يقال: (رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ) بكسر الموحدة في ضبط الدِّمياطيِّ والفرع وغيرهما، وقال ابنُ عرفةَ: يقال: عبِد -بالكسر- يعبَد -بالفتح- فهو عبدٌ، وقلَّما يقال: عابدٌ، والقرآنُ لا يجيءُ على القليلِ ولا الشَّاذِّ، ومراده: أنَّ تخريج من قال: إنَّ العابدين بمعنى: الآنفين لا يصحُّ، وقال الإمام فخرُ الدِّين: وهذا التَّعليق فاسدٌ؛ لأنَّ هذه الأنفة حاصلةٌ، سواء حصل ذلك الزَّعم والاعتقاد أو لم يحصلْ.
(وَقَرَأَ (٢) عَبْدُ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ)) أي: موضع قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] السَّابق ذكره قريبًا، وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مخالفةٌ لخط المصحفِ (وَيُقَالُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]) أي: (الجَاحِدِينَ) يقال: عبدني حقِّي، أي: جحدنيهِ (مِنْ عَبِدَ) بكسر الموحدة (يَعْبَدُ) بفتحها، كذا فيما وقفتُ عليه من الأصولِ، وقال السَّفاقسيُّ: ضبطوه هنا بفتح الباء في الماضي وضمِّها في المستقبلِ، قال: ولم يذكرْ أهل اللُّغة عبد بمعنى: جحدَ، ورَدَّ عليه بما ذكره محمد بنُ عُزيزٍالسِّجستانيُّ صاحب «غريب القرآن» من أنَّ معنى العابدين: الجاحدين، وفُسِّر على هذا: إن كان له ولدٌ؛ فأنا أوَّل الجاحدينَ (٣)، وهذا معروفٌ من قولِ العرب: إنْ كان هذا الأمرُ قط؛ يعني: ما كان. وقال السُّدِّيُّ: معناه: لو كان للرَّحمنِ ولدٌ فأنا أوَّل العابدين؛ أي (٤): مَن عبدَه بذلك، ولكن لا ولد له، وثبتَ هنا قوله: «وقال قتادةُ: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ جملة الكتاب، أصل الكتاب» السَّابق قريبًا في رواية غير أبي ذرٍّ.
(﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]) بفتح الهمزة، أي: لأن كنتُم. قال في «الأنوار»: وهو في الحقيقةِ علَّة مقتضيةٌ لتركِ الإعراضِ، وقرأ نافع وحمزة
стр. 8983
والكِسائيُّ بكسرها، على أنَّها شرطيَّة، وإسرافهم كان متحقِّقًا، و «إنْ» إنَّما تدخل على غيرِ المحقَّقِ، أو المحقَّقِ المبهم الزَّمان. وأجابَ في «الكشاف»: بأنَّه من الشَّرطِ الَّذي يصدرُ عن المُدْلِي بصحَّة الأمرِ والمتحقَّق لثبوتهِ (١)، كقول الأجيرِ: إنْ كنتُ عملتُ لك عملًا؛ فوفِّنِي حقِّي. وهو عالمٌ بذلك، ولكنَّه يخيَّل في كلامهِ أن تفريطكَ في إيصالِ حقِّي فعلُ من له شكٌّ في استحقاقهِ إيَّاه تجهيلًا له، وقيل: المعنى على المجازاةِ، والمعنى: أفنضربُ عنكم الذِّكر صفحًا متى أسرفتُم؟ أي: إنَّكم متروكون من الإنذارِ متى كنتُم قومًا مسرفين، أي: (مُشْرِكِينَ) سقطَ «مشركين» لأبي ذرٍّ (وَاللهِ لَوْ أَنَّ هَذَا القُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لَهَلَكُوا) قاله قتادة، فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وزاد: ولكن الله عادَ عليهم بعائدتهِ ورحمتهِ، فكرَّره عليهم ودَعاهم إليه، وزاد غيرُ ابن أبي حاتمٍ: عشرين سنةً، أو ما شاء الله.
(﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾) أي: من القومِ المسرفين (﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]) أي: (عُقُوبَةُ الأَوَّلِينَ) قاله قتادة، فيما وصلهُ عبدُ الرَّزَّاق.
(﴿جُزْءًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي: (عِدْلًا) بكسر العين وسكون الدال، وفي «آل ملك» (٢): «عَدْلًا» بفتح العين وسكون الدال (٣)، أي: مثلًا، فالمراد بالجزءِ هنا إثباتُ الشُّركاء لله تعالى؛ لأنَّهم لمَّا أثبتوا الشُّركاءَ زعمُوا أنَّ كلَّ العبادةِ ليست لله، بل بعضُها جزءٌ له تعالى، وبعضُها جزءٌ لغيره، وقيل: معنى الجعل أنَّهم أثبتُوا للهِ ولدًا؛ لأنَّ ولدَ الرَّجلِ جزء منه، والأوَّل أولى؛ لأنَّا إذا حملنَا الآية على إنكارِ الشَّريك لله، والآية اللَّاحقة على إنكارِ الولدِ؛ كان ذلك جامعًا للرَّدِّ على جميعِ المبطلين.
стр. 8984
(((٤٤))) (الدُّخَان) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] الآية، وهي سبعٌ أو تسع وخمسون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة حم الدُّخَان».
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿رَهْوًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] أي: (طَرِيقًا يَابِسًا) زاد الفِريابيُّ: كهيئتِهِ يومَ ضربَهُ. وزاد أبو ذرٍّ: «ويقال: ﴿رَهْوًا﴾ ساكنًا» يقال: جاءَت الخيلُ رَهوًا، أي: ساكنة، قال النَّابغة:
والخَيْلُ تَمْرَحُ (١) رَهْوًا فِي أَعِنَّتِهَا … كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ
وعن أبي عُبيدة: ﴿رَهْوًا﴾ منفتحًا فُرَجًا على ما تركتهُ، روي: أنَّه لما انفلقَ البحرُ لموسى وطلعَ منه خاف أن يدركهُ فرعونُ، فأرادَ أن يضربهُ ليعودَ حتَّى لا يلحقهُ، فقيل له: اتركهُ، إنَّهم جندٌ مُغْرقون.
(﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]) ولأبي ذرٍّ: «﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾» (عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ) أي: اخترنَا مؤمني (٢) بني إسرائيلَ على عالمي زمانِهم. (﴿فَاعْتِلُوهُ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: ٤٧] أي: (ادْفَعُوهُ) دفعًا عنيفًا.
(﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أَنْكَحْنَاهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ أنكحنَاهُم» (حُوْرًا عِيْنًا، يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ) والعِينُ: جمع: عيناء، العظيمةُ العينينِ من النِّساء الواسعتهما، وليس المرادُ عقد التَّزويج، ولأبي ذرٍّ هنا: «﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ ادفعوهُ».
стр. 8985
ويقال: إنَّ (١) (﴿تَرْجُمُونِ﴾) في قولهِ: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] المراد بالرَّجم هنا (القَتْلُ) وقال ابن عبَّاس: ﴿تَرْجُمُونِ﴾ بالقتلِ، وهو الشَّتم، ويقولون: هو ساحرٌ، وقال ش: بالحجارةِ (وَ ﴿رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] سَاكِنًا) كذا هو هنا في «اليونينية» وفرعها، وسبق ذكره لأبي ذرٍّ (٢).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما رواه ابنُ أبي حاتمٍ في قوله (٣): (﴿كَالْمُهْلِ﴾) من قوله (٤): ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الْأَثِيمِ. كَالْمُهْلِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] هو (أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ) أي: كَدُرْديِّه (٥) أو عَكَر القطرانِ، أو ما أذيبَ من الذَّهبِ والفضَّةِ، أو من كلِّ (٦) المنطبعاتِ كالحديدِ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ في (﴿تُبَّعٍ﴾) من قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]: هم (مُلُوكُ اليَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ) وقيل: لأنَّ أهل الدُّنيا كانوا يتبعونَه، وموضع تُبَّع في الجاهليَّة موضع الخليفةِ في الإسلامِ (وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ) قاله أبو عُبيدة، وقالت عائشة -فيما رواه عبد الرَّزَّاق-: كان تُبَّع رجلًا صالحًا.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ : (﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]) وسقطَ لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» وقوله «﴿فَارْتَقِبْ﴾» فقط (قَالَ قَتَادَةُ) فيما وصلهُ عبدُ بن حميدٍ: (﴿فَارْتَقِبْ﴾) أي: (فَانْتَظِرْ) وللأَصيليِّ: «انتظر» بإسقاط الفاء.
٤٨٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبدُ الله بنُ عثمان المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي،
стр. 8986
محمد بنُ ميمونَ السُّكريُّ (١) (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابنُ صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: مَضَى خَمْسٌ) من علامات السَّاعةِ (الدُّخَانُ) بتخفيف الخاء المذكور في قولهِ هنا: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (وَالرُّومُ) في قولهِ: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] (وَالقَمَرُ) في قولهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (وَالبَطْشَةُ) في قولهِ هنا: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] (وَاللِّزَامُ) في قولهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وهو الهلكة (٢) أو الأسرُ، ويدخل في ذلك يوم بدرٍ، كما فسَّره به (٣) ابنُ مسعودٍ وغيره، فيكون أربعًا، أو اللِّزامُ يكون في القيامةِ، ولتحقُّق وقوعه عُدَّ ماضيًا.
وهذا الحديث سبق في «الفُرْقان» [خ¦٤٧٦٧].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ: (﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾) أي: يحيط بهم الدُّخان (﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]) في محلِّ نصب بالقولِ، وذلك القولُ حال، أي: قائلين ذلك، وسقطَ لفظ «باب» لغيرِ أبي ذرٍّ.
٤٨٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ موسى البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بنُ خازمٍ
стр. 8987
-بالخاء والزاي المعجمتين- (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) أبي الضُّحى بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ: (إِنَّمَا كَانَ هَذَا) القحطُ والجَهد اللَّذان أصابا قريشًا حتى رأوا بينهم وبين السَّماء كالدُّخان من شدَّة الجوعِ (لأَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبيِّ ﷺ ¬) أي: حين أظهروا العصيانَ ولم يتركُوا الشِّرك (دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ) قحط (كَسِنِي يُوسُفَ) الصِّدِّيق ﵇ المذكورة (١) في سورتهِ (فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ) زاد في الرِّواية الآتية (٢) [خ¦٤٨٢٢]-إن شاء الله تعالى-: والميتة (فَجَعَلَ الرَّجُلُ) منهم (يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ) من ضعفِ بصرهِ، أو لأنَّ الهواءَ يظلم عام القحطِ لقلَّةِ الأمطارِ وكثرةِ الغبارِ (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] قَالَ) أي: ابنُ مسعودٍ: (فَأُتِيَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) والآتي هو أبو سفيان كما عندَ المؤلِّف [خ¦١٠٠٧] لكن في «المعرفة» لابنِ مندَهْ في ترجمة كعبِ بن مرَّة قال: دعا رسولُ الله ﷺ على مُضَر، فأتيتُه فقلت: يا رسولَ الله، قد نصركَ الله وأعطاكَ واستجابَ لك، وإن قومكَ قد هلكُوا، فادعُ الله لهم. فهذا أولى أن يفسَّر به القائل بقوله: يا رسول الله. بخلاف أبي سفيان، فإنَّه وإن كان جاءَ أيضًا مستشفعًا، لكنه لم يكن أسلمَ حينئذٍ، ولأبي ذرٍّ: «فقيل له: يا رسولَ الله» (اسْتَسْقِ اللهَ لِمُضَرَ، فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ) من القحطِ والجَهد. قال في «الفتح» (٣):
стр. 8988
إنَّما قال «لمضر»؛ لأنَّ غالبَهم كان بالقربِ من مياهِ الحجازِ، وكان الدُّعاء بالقحطِ على قريشٍ وهم سكَّان مكَّة، فسَرى القحطُ إلى من حولَهم.
(قَالَ) ﵊ مجيبًا لأبي سفيان أو لكعبِ بن مرَّةَ: أتأمرنِي أن أستسقِي (لِمُضَرَ؟) مع ما هم عليه من معصيةِ الله والإشراكِ به (إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) أي: ذو جراءةٍ حيث تشرِك بالله وتطلب رحمته (فَاسْتَسْقَى) ﵊، وزاد أبو ذرٍّ: «لهم» (فَسُقُوا) بضم السين والقاف (فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]) أي: إلى الكفر غِبَّ الكشف، وكانوا قد وعدوا بالإيمان إن كشفَ عنهم العذابُ (١) (فَلَمَّا أَصَابَهُمُ (٢) الرَّفَاهِيَةُ) بتخفيف التحتية بعد الهاء المكسورة، والذي في «اليونينية»: «أصابتهم» بفوقية بعد الموحدة (٣)، أي: التوسُّع والرَّاحةُ (عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ) من الشِّرك (حِينَ أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ (٤)، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ) ظرف لـ ﴿مُنتَقِمُونَ﴾ (٥).
(٣) (بابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) أي: عذابَ القحطِ والجَهدِ، أو عذابَ الدُّخان الآتي قرب قيام السَّاعةِ، أو (٦) عذابَ النَّار حين يُدعون إليها في القيامةِ، أو دخانٌ يأخذُ بأسماعِ المنافقين وأبصارِهم، ورجِّح الأوَّل بأنَّ القحطَ لما اشتدَّ على أهل مكَّة أتاهُ أبو سفيان فناشدهُ الرَّحم، ووعدَه إن كُشِف عنهم آمنوا، فلمَّا كُشِف عادوا، ولو حملناهُ على الآخرين لم يصحَّ؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يقال لهم حينئذٍ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ وسقطَ «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 8989
٤٨٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ موسى البلخيُّ، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاحِ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ ﵁ (فَقَالَ: إِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ) قد سبق في «سورة الرُّوم» (١) [خ¦٤٧٧٤] سبب قول ابنِ مسعودٍ هذا من وجه آخر عن الأعمش، ولفظه عن مسروق: بينا رجل يحدِّث في كِنْدةَ، فقال: يجيءُ دخانٌ يوم القيامةِ فيأخذُ بأسماعِ المنافقينَ وأبصارِهم، ويأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزُّكامِ، ففزعنَا، فأتيت ابنَ مسعودٍ وكان متَّكئًا، فغضب فجلسَ فقال: من علمَ فليقلْ، ومَن لم يعلمْ فليقلْ: الله أعلم (إِنَّ اللهَ) تعالى (قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾) [ص: ٨٦] والقولُ فيما لا يعلم قسمٌ من التَّكلُّف (إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا (٢) غَلَبُوا النَّبيَّ) بتخفيف اللام، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لما غلبُوا على النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) بخروجِهم عن طاعتهِ وتمادِيهم في كفرِهم (وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ) بفتح الصاد (قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ) من السِّنين (كَسَبْعِ يُوسُفَ) في الشِّدَّةِ والقحطِ (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حتَى أَكَلُوا فِيهَا العِظَامَ وَالمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ (٣) أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ) الظُّلمة التي في أبصارِهم بسبب (الجُوعِ، قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) وعدٌ (٤) بالإيمانِ إن كُشِف عنهم عذابُ الجوع
стр. 8990
(فَقِيلَ لَهُ) ﷺ : (إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ) ذلك العذاب (عَادُوا) إلى كفرِهم (فَدَعَا) ﵊ (رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ) ذلك (فَعَادُوا) إلى الكفرِ (فَانْتَقَمَ اللهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ﴾) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرَ والأَصيليِّ: «﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ﴾» (﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٦]).
وهذا الحديث سبق في «سورة ص» [خ¦٤٨٠٩].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ: (﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾) أي: من أين لهم التَّذكُّر والاتِّعاظ (﴿وَقَدْ جَاءهُمْ﴾) ما هو أعظمُ وأدخلُ في وجوب الطَّاعةِ، وهو (﴿رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]) ظاهر الصِّدق، وهو محمد ﷺ (الذِّكْرُ وَالذِّكْرَى وَاحِدٌ) وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، البصريُّ الأزديُّ (١) (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ ﵁ (ثُمَّ قَالَ) فيه حذف اختصره، والظَّاهر أنَّ الَّذي اختصره قول مسروق: بينا رجل يحدِّث في كِنْدة … إلى قوله: فأتيتُ ابن مسعودٍ وكان متَّكئًا، فغضبَ فجلس فقال: من علمَ فليقُل، ومن لم يعلمْ فليقل: الله أعلم، ثم قال: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا دَعَا قُرَيْشًا) إلى الإسلام (كَذَّبُوهُ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ. فَأَصَابَتْهُمْ (٢) سَنَةٌ حَصَّتْ)
стр. 8991
بالحاء والصاد المشددة المهملتين، أي: أذهبتْ (كُلَّ شَيْءٍ) ولغير الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «يعني: كلَّ شيءٍ» (حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَ المَيْتَةَ، وَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ) زاد في «الرُّوم»: فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد، جئتَ تأمرنا بصلةَ الرَّحمِ وإنَّ قومكَ قد هلكُوا، فادع الله [خ¦٤٧٧٤] (ثُمَّ قَرَأَ) ﵇: (﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ: «﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾» [الدخان: ١١] (حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] قَالَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ: (أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمُ العَذَابُ) بهمزة الاستفهام وضم الياء، مبنيًّا للمفعول (يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) أي: عبد الله: (وَ ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يَوْمَ بَدْرٍ) يريد تفسير قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦].
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ: (﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا﴾) أي: أعرضُوا (﴿عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾) هذا القرآن من بعض النَّاس، وقال آخرون: إنَّه (﴿مَّجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]) والجنُّ يلقون إليه ذلكَ، حاشاهُ الله من ذلك، وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) أبو محمد العسكريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ جعفر الملقب بغُنْدر (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاجِ، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا شعبة» (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهرانَ الأعمش (وَمَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بنِ
стр. 8992
صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ: (إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) فيه حذف اختصره أيضًا، كما دلَّ عليه السَّابق (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ) فلم يؤمنوا (فَقَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «قال»: (اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ) من السِّنين (كَسَبْعِ يُوسُفَ) بن يعقوب ﵉ (فَأَخَذَتْهُمُ السَّنَةُ حَتَّى حَصَّتْ) أذهبتْ (كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ وَالجُلُودَ -فَقَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ: «وقال» «بالواو» بدل: «الفاء»، (أَحَدُهُمْ) القياس أن يقولَ: أحدهما، بالتَّثنية؛ لأنَّ المراد سليمان ومنصور، فيحتملُ أن يكون على قول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان (حَتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ- وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ) استشكل بما سبق: فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدُّخان من الجوع. وأُجيب بالحملِ على أنَّ مبدأهُ (١) كان من الأرضِ ومنتهاهُ ما بين السَّماءِ والأرضِ، و (٢) باحتمال وجود الأمرين بأن يخرج من الأرضِ بخار كهيئةِ الدُّخان من شدَّةِ حرارةِ الأرضِ ووهجها من عدم المطرِ، ويرون بينهم وبين السَّماء مثل الدُّخان من فرطِ حرارة الجوعِ.
(فَأَتَاهُ) ﵊ (أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَيْ مُحَمَّدُ؛ إِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا) ولغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «قد هَلَكوا» (فَادْعُ اللهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ) ما أصابهم (فَدَعَا) لهم ﵊ أن يكشفَ الله عنهم (ثُمَّ قَالَ: تَعُودُوا) إلى الكفر (بَعْدَ هَذَا) قال الزَّركشيُّ: كذا وقع: تعودوا، بحذف نون الرفع، وصوابه: تعودون، بإثباتها. قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: ليس حذفها خطأ بل هو ثابتٌ في الكلامِ الفصيحِ نظمًا ونثرًا، ومنه قراءة (٣) الحسن واليزيديِّ: (تظَّاهرا) بتشديدِ الظاء، أي: أنتما ساحرانِ تتظاهرانِ، فحذف المبتدأ وهو ضمير المخاطبين، وأدغمتِ التاء في الظاء، وحذفتِ النون تخفيفًا، وفي الحديث: «لا تدخُلُوا الجنَّةَ حتى تؤمِنُوا، ولا تؤمِنُوا حتى تحابُّوا» وللأَصيليِّ: «تعودون» بإثبات النون على الأصل (فِي (٤) حَدِيثِ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمرِ (ثُمَّ
стр. 8993
قَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إِلَى: ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥]) قال ابنُ مسعودٍ: (أَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أنكشِفُ» بالنون مبنيًّا للفاعل «عنهم عذابَ الآخرةِ» (فَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ، وَالبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ، وَقَالَ أَحَدُهُمُ) سليمان ومنصور وثالث معهما، أو أحدهما كما مرَّ: (القَمَرُ) يعني: انشقاقهُ (وَقَالَ الآخَرُ: الرُّومُ) يعني: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ولأبي ذرٍّ: «والرُّوم» بالواو.
(٦) (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]) وسقطَ لأبي ذرٍّ «﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ … » إلى آخره.
٤٨٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو (١) ابنُ موسى البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ مُسْلِمٍ) هو أبو الضُّحى (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ) أي: وقعنَ (اللِّزَامُ) وهو الأسر والهلكة (٢) يوم بدر (وَالرُّومُ) أي: غلبتهم (وَالبَطْشَةُ) الكبرى يوم بدر (وَالقَمَرُ) يعني: انشقاقه (وَالدُّخَانُ) الحاصل لقريشٍ بسبب القحطِ، لكن أخرج عبد الرَّزَّاق وابنُ أبي حاتمٍ عن عليٍّ قال: آية الدُّخان لم تمضِ بعدُ، يأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزُّكامِ، وينفخُ الكافر حتَّى يُنْقَد. ولمسلم من حديث أبي سَريحة -بمهملتين الأولى مفتوحة- حذيفة بن أَسيد -بفتح الهمزة- الغفاري رفعه: «لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَروا عَشْر آياتٍ: طُلوع الشَّمسِ من مغربِها، والدُّخان، والدَّابَّة … » الحديث.
(((٤٥))) (سورة الجَاثِيَةِ) مكِّيَّة، وهي سبعٌ أو ستٌّ وثلاثون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة حَم الجاثية».
стр. 8994
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ. (﴿جَاثِيَةً﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] أي: (مُسْتَوْفِزِينَ) بالزاي (١) (عَلَى الرُّكَبِ) (٢) من الخوف.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبد بنُ حُميدٍ في قولهِ تعالى: (﴿نَسْتَنسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩]) أي: (نَكْتُبُ) أي: نأمرُ (٣) الملائكة أن تكتبَ أعمالَكم، وسقطَ لأبي ذرٍّ «وقال مجاهدٌ» فقط.
(﴿نَنسَاكُمْ﴾) في قولهِ تعالى: فـ ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤] أي: (نَتْرُكُكُمْ) في العذابِ، كما تركتُم الإيمانَ والعملَ ولقاءَ هذا اليوم.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَمَا يُهْلِكُنَا﴾) وما يفنينَا (﴿إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) الأمد (٤) الزَّمان، وطولُ العمرِ، واختلافُ اللَّيل والنَّهار (الآيَةَ). وزاد في الفرع (٥): «﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ﴾» الَّذي قالوهُ «﴿مِنْ عِلْمٍ﴾» علموه «﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾» إذ لا دليلَ لهم عليه. وضرب على ذلك في الأصلِ (٦).
٤٨٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلم ابنِ شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشددة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : قَالَ اللهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ) أي: يخاطبُني من القول بما يتأذَّى به من يجوزُ في حقِّه التَّأذِّي، والله تعالى منزَّه عن أن يصيرَ في حقِّه الأذَى؛ إذ هو محالٌ عليه، وإنَّما هذا من التوسُّع في الكلام، والمراد: أنَّ من
стр. 8995
وقع ذلك منه تعرَّض (١) لسخطِ الله (يَسُبُّ الدَّهْرَ) يقول إذا أصابهُ مكروهٌ: بؤسًا للدَّهر وتبًّا له (وَأَنَا الدَّهْرَُ) بالرَّفع في الفرعِ كالأصول المعتمدةِ وضبط الأكثرين والمحقِّقين، أي: أنا خالقُ «الدَّهر» (بِيَدِي الأَمْرُ) الَّذي ينسبونَه إلى الدَّهر (أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) وروي نصب الدَّهر من (٢) قوله: «أنا الدَّهرَ» أي: أقلِّب اللَّيل والنَّهارَ في الدَّهرِ، والرفع كما مرَّ أوجه، قال في «شرح المشكاة»: لأنَّه لا طائلَ تحتهُ على تقديرِ النَّصب؛ لأنَّ تقديمَ الظَّرفِ إمَّا للاهتمامِ أو للاختصاصِ، ولا يقتضِي المقام ذلك؛ لأنَّ الكلامَ مفرغٌ في شأن المتكلِّم لا في الظَّرف، ولهذا عرَّفَ الخبرَ لإفادةِ الحصرِ، فكأنَّه قيل: أنا أقلِّبُ اللَّيل والنَّهارَ لا ما تنسبونهُ إليه، قيل: الدَّهر الثَّاني غير الأوَّل، وإنَّما هو مصدرٌ بمعنى الفاعلِ، ومعناه: أنا الدَّاهر المصرِّف المدبِّر (٣) المقدِّر لما يحدثُ، فإذا سبَّ ابنُ آدمَ الدَّهر من أجلِ أنَّه فاعل هذه الأمور عاد سبُّه إليَّ لأنِّي فاعلها، وإنَّما الدَّهر زمانٌ جعلتُه ظرفًا لمواقع الأمورِ. قاله الشَّافعيُّ والخطابيُّ وغيرهما. وهذا مذهب الدَّهرية من الكفَّار، ومَن وافقَهم من مُشركِي العربِ المنكرينَ للمعادِ، والفلاسفة الدَّهريَّة الدَّوريَّة المنكرين للصَّانعِ، المعتقدين أنَّ في كلِّ ستَّةٍ وثلاثين ألفَ سنةٍ يعودُ كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه، وكابروا المعقولَ وكذَّبوا المنقولَ. قال ابنُ كثيرٍ: وقد غلطَ ابنُ حزمٍ ومَن نحا نحوه من الظَّاهريَّة في عدِّهم الدَّهر من الأسماءِ الحُسنى أخذًا من هذا الحديث.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٩١]، ومسلمٌ وأبو داود في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
стр. 8996
(((٤٦))) (الأَحْقَافِ) مكِّيَّة، وآيُها أربع أو خمس وثلاثون، ولأبي ذرٍّ: «سورة حَم الأحقاف، بسم الله الرحمن الرحيم».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (١) وصلهُ الطَّبريُّ في (﴿تُفِيضُونَ﴾) من قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٨] أي: (تَقُولُونَ) من التَّكذيب بالقرآن والقول فيه بأنَّه سحرٌ، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.
(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَثَرَةٌ)) بفتحات من غير ألفٍ، وعُزِيت لقراءةِ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وغيرهما ((وَأُثْرَةٌ)) بضم فسكون ففتح، وعُزيت لقراءةِ الكِسائيِّ في غير المشهور (٢) (وَأَثَارَةٌ) بالألفِ (٣) بعد المثلَّثة، وهي قراءةُ العامَّة مصدر على فَعَالة كضَلَالة، ومراده قولُه تعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] هي (بَقِيَّةُ عِلْمٍ) ولأبي ذرٍّ: «من علم»، وأَثَرة وأُثْرة وأَثَارةٌ برفع الثَّلاثة، والتَّنزيل بالجرِّ، وهذا قاله أبو عُبيدة والفرَّاء.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]) أي: (لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ) ولأبي ذرٍّ: «ما كنتُ بأوَّل الرُّسل» فكيف تنكرون نبوَّتي وإخبارِي بأنِّي رسول الله؟!
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابنُ عبَّاسٍ: (﴿أَرَأَيْتُمْ﴾) من قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] (هَذِهِ الأَلِفُ) الَّتي في أوَّل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ المستفهمَ بها (إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ) لكفَّار مكَّة حيث ادَّعوا صحَّة ما عبدوهُ من دون الله (إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ) بتشديد الدال في زعمِكم ذلك (لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ) لأنَّه مخلوقٌ، ولا يستحقُ أن يعبد إلَّا الخالقُ (وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ (٤) بِرُؤْيَةِ العَيْنِ) الَّتي هي الإبصارُ (إِنَّمَا هُوَ) أي: معناه (أَتَعْلَمُونَ؟ أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدْعُونَ) بسكون الدال مخفَّفة (مِنْ دُونِ اللهِ خَلَقُوا شَيْئًا؟) ومفعولا ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ محذوفان، تقديرُه: أَرَأيتم حالَكُم إن كان كذا؟ ألستُم ظالمينَ؟ وجوابُ الشَّرط أيضًا محذوفٌ تقديرُه: فقد ظلمتُم، ولهذا أتى بفعل الشَّرطِ ماضيًا، وسقطَ من قوله: «وقال غيره … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٥).
стр. 8997
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾) أي: التَّأفيفُ لكما، وهي كلمة كراهيةٍ (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) من قبري حيًّا (وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِنْ قَبْلِي) فلم يبعث أحدٌ منهم (﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾) أي: يسألان الله أن يغيثَه بالتَّوفيق للإيمان، أو يقولان: الغياث بالله منك (﴿وَيْلَكَ﴾) أي: يقولان له: ويلك (﴿آمِنْ﴾) وصدِّق بالبعثِ، و ﴿وَيْلَكَ﴾: دعاءٌ بالثُّبور (﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾) بالبعثِ (﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾) لهما: (﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]) أباطيلهم الَّتي كتبوها، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» وله من قوله: «﴿وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾: «إلى قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾».
٤٨٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بنُ أبي وحشيَّة (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍَ) بفتح الهاء، يصرفُ ولا يصرف، ومعناه: قُمير، مصغَّر القمرِ، أنَّه (قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ) بنُ الحكمِ الأمويِّ أميرًا (عَلَى الحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيانَ عليه، وعند النَّسائيِّ: أنَّه كان عاملًا على المدينةِ، وعند الإسماعيليِّ «فأراد معاويةُ أن يستخلفَ يزيد -يعني: ابنه- فكتبَ
стр. 8998
إلى مروانَ بذلك فجمع مروان النَّاس» (فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «وقال: إنَّ الله أَرى أميرَ المؤمنينَ في يزيد رأيًا حسنًا، وإن يستخلفهُ فقد استخلفَ أبو بكر عمر (١)» (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (شَيْئًا) لم يبيِّنه، ولأبي يعلى وابن أبي حاتمٍ: فقال -أي: عبد الرحمن-: هرقليَّة، إنَّ أبا بكر والله ما جعلَها في أحدٍ من ولدهِ، ولا في أهلِ بيتهِ، وما جعلها معاويةُ إلَّا كرامةً لولده. ولابنِ المنذرِ: أجئتُم بها هرقليَّة؟ تبايعونَ لأبنائِكم؟ (فَقَالَ) أي: مروان لأعوانه (خُذُوهُ) أي: عبد الرَّحمن (فَدَخَلَ بَيْتَ) أخته (عَائِشَةَ) ملتجئًا بها (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ) أي: امتنعُوا أن (٢) يخرجُوه من بيتِها إعظامًا لها، وعند أبي يعلى: فنزلَ مروان عن المنبرِ حتَّى أتى باب عائشةَ، فجعلَ يكلِّمها وتكلِّمهُ، وسقطَ «عليه» من «اليونينية»، وثبت في الفرع وغيره (٣) (فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا) يعني: عبد الرَّحمن (الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا) آل أبي بكر (شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي) عن قصةِ أهل الإفكِ. وعند الإسماعيليِّ: «فقالت عائشة: كذبت (٤)، واللهِ ما نزلَتْ فيه»، وفي رواية له «والله ما أُنزلَتْ إلَّا في فلانِ بن فلان الفلاني» وفي رواية: «لو شئتَ أن أسمِّيه لسمَّيتهُ، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبهِ»، فالصَّحيح أنَّ الآية نزلت في الكافرِ العاقِّ، ومن زعم أنَّها نزلت في عبد الرَّحمن فقوله ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الرَّحمن قد أسلم وحسُن إسلامهُ وصارَ من خيارِ (٥) المسلمينَ، ونفيُ عائشة أصحُّ إسنادًا ممَّن روى غيره وأولى بالقبولِ.
(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾) أي: العذاب (﴿عَارِضًا﴾) سحابًا عرض في أفق السَّماء،
стр. 8999
والضَّمير عائدٌ إلى السَّحاب، كأنَّه قيل: فلمَّا رأوا السَّحاب عارضًا (﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾) صفة لـ ﴿عَارِضًا﴾ وإضافتُه غير محضة، فمِن ثمَّ ساغ أن يكون نعتًا لنكرةٍ (﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾) صفةٌ لـ ﴿عَارِضٌ﴾ أيضًا، أي: يأتينا بالمطر، وقد كانوا (١) ممحلينَ محتاجينَ إلى المطرِ، قال الله تعالى أو هود ﵇: (﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾) من العذابِ حيث قلتُم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ثمَّ بيَّن ماهيته فقال: (﴿رِيحٌ﴾) أي: هي ريحٌ (﴿فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) فما برحُوا حتَّى كانت الرِّيح تجيءُ بالرَّجل فتطرحه، وكان طولُ الرَّجل منهم اثنتي عشرة (٢) ذراعًا، وقيل: ستُّون ذراعًا، وقيل: مئة، ولهم قصورٌ محكمةُ البناءِ بالصُّخورِ، فحملت الرِّيحُ الصُّخورَ والشَّجرَ ورفعتها كأنَّها جرادةٌ، وهدمتِ القصورَ، واصطفَّ لها الأطولونَ الأشدَّاء منهم، فصرعتْهم وألقت عليهم الصُّخور، وسفَّت عليهم الرِّمالَ، فكانوا تحتها سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ لهم أنينٌ، ثمَّ أمرَ الله الرِّيح فكشفتْ (٣) عنهم الرِّمال، واحتملتهُم فرمَتْ بهم في البحرِ، ولم يصلْ إلى هود ﵇ ومن آمنَ به من تلك الرِّيح إلَّا نسيمٌ، وكان ﵇ قد جمعَ المؤمنينَ إلى شجرةٍ عند عين ماءٍ وأدارَ عليهم خطًّا خطَّه في الأرضِ، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ «باب قوله» وله: «﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَوْدِيَتِهِمْ﴾: «الآيةَ».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ: (﴿عَارِضٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) أي: (السَّحَابُ) الَّذي يُرى في ناحية السَّماءِ، وسمِّي بذلك لأنَّه يبدو في عرض السَّماء.
стр. 9000
٤٨٢٨ - ٤٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيْسَى) كذا في رواية أبي ذرٍّ: «ابن عيسى» وهو الهمدانيُّ التُّستريُّ المصريُّ الأصل، وسقطَ «ابن عيسَى» لغير أبي ذرٍّ، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه أحمد بنُ صالحٍ المصريُّ؛ يعني: ابنَ الطَّبري، ولعلَّه اعتمدَ على قول أبي عليِّ (١) بنِ السَّكنِ حيث قال: هو أحمد بنُ صالحٍ في المواضعِ كلها، وكذا قاله ابنُ مندهْ، وقيل: هو أحمد بنُ عبد الرَّحمن ابنِ أخي ابنِ وهب. قال الحاكمُ أبو عبد الله: هو أحمد بنُ صالحٍ أو أحمدُ بنُ عيسى، لا يخلو أن يكون واحدًا منهما، ولم يحدِّث عن ابنِ أخي ابنِ وهب شيئًا، ومَن زعم أنَّه ابنُ أخي ابن وهب فقد وهمَ، فاتَّفق الرُّواة على أحمد بنِ صالحٍ، أو أحمد بنِ عيسى، وقد عين أبو ذرٍّ في روايته أنَّه ابنُ عيسى قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو: ابنُ الحارثِ: (أَنَّ أَبَا النَّضْرِ) سالمًا المدنيَّ (حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضد اليمينِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بتحريك الهاء، جمع: لهاةٍ، وهي اللَّحمةُ الحمراءُ المعلَّقةُ في أعلى الحنكِ (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء، مبنيًّا للمفعول (فِي وَجْهِهِ) الكراهيَّة، وذلك لأنَّ القلبَ إذا فرحَ تبلَّج الجبينُ، وإذا حزنَ اربدَّ الوجه، فعبَّرت عائشةُ عن الشَّيءِ الظَّاهر في الوجهِ بالكراهيةِ (٢)؛ لأنَّه ثمرتها (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، النَّاسُ) ولغير أبي ذرٍّ: «إنَّ النَّاس» (إِذَا رَأَوا الغَيْمَ فَرِحُوا) به (رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي) بواو ساكنة ونون مشددة، ولأبي ذرٍّ: «يؤمنني» بنونين (أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ) هم قوم هودٍ (٣) حيث أهلكوا بريحٍ صرصرٍ (وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]) قد تقرَّر أنَّ