(((٤٦))) (الأَحْقَافِ) مكِّيَّة، وآيُها أربع أو خمس وثلاثون، ولأبي ذرٍّ: «سورة حَم الأحقاف، بسم الله الرحمن الرحيم».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (١) وصلهُ الطَّبريُّ في (﴿تُفِيضُونَ﴾) من قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٨] أي: (تَقُولُونَ) من التَّكذيب بالقرآن والقول فيه بأنَّه سحرٌ، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.
(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَثَرَةٌ)) بفتحات من غير ألفٍ، وعُزِيت لقراءةِ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وغيرهما ((وَأُثْرَةٌ)) بضم فسكون ففتح، وعُزيت لقراءةِ الكِسائيِّ في غير المشهور (٢) (وَأَثَارَةٌ) بالألفِ (٣) بعد المثلَّثة، وهي قراءةُ العامَّة مصدر على فَعَالة كضَلَالة، ومراده قولُه تعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] هي (بَقِيَّةُ عِلْمٍ) ولأبي ذرٍّ: «من علم»، وأَثَرة وأُثْرة وأَثَارةٌ برفع الثَّلاثة، والتَّنزيل بالجرِّ، وهذا قاله أبو عُبيدة والفرَّاء.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]) أي: (لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ) ولأبي ذرٍّ: «ما كنتُ بأوَّل الرُّسل» فكيف تنكرون نبوَّتي وإخبارِي بأنِّي رسول الله؟!
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابنُ عبَّاسٍ: (﴿أَرَأَيْتُمْ﴾) من قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] (هَذِهِ الأَلِفُ) الَّتي في أوَّل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ المستفهمَ بها (إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ) لكفَّار مكَّة حيث ادَّعوا صحَّة ما عبدوهُ من دون الله (إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ) بتشديد الدال في زعمِكم ذلك (لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ) لأنَّه مخلوقٌ، ولا يستحقُ أن يعبد إلَّا الخالقُ (وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ (٤) بِرُؤْيَةِ العَيْنِ) الَّتي هي الإبصارُ (إِنَّمَا هُوَ) أي: معناه (أَتَعْلَمُونَ؟ أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدْعُونَ) بسكون الدال مخفَّفة (مِنْ دُونِ اللهِ خَلَقُوا شَيْئًا؟) ومفعولا ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ محذوفان، تقديرُه: أَرَأيتم حالَكُم إن كان كذا؟ ألستُم ظالمينَ؟ وجوابُ الشَّرط أيضًا محذوفٌ تقديرُه: فقد ظلمتُم، ولهذا أتى بفعل الشَّرطِ ماضيًا، وسقطَ من قوله: «وقال غيره … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٥).
стр. 8997
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾) أي: التَّأفيفُ لكما، وهي كلمة كراهيةٍ (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) من قبري حيًّا (وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِنْ قَبْلِي) فلم يبعث أحدٌ منهم (﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾) أي: يسألان الله أن يغيثَه بالتَّوفيق للإيمان، أو يقولان: الغياث بالله منك (﴿وَيْلَكَ﴾) أي: يقولان له: ويلك (﴿آمِنْ﴾) وصدِّق بالبعثِ، و ﴿وَيْلَكَ﴾: دعاءٌ بالثُّبور (﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾) بالبعثِ (﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾) لهما: (﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]) أباطيلهم الَّتي كتبوها، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» وله من قوله: «﴿وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾: «إلى قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾».
٤٨٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بنُ أبي وحشيَّة (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍَ) بفتح الهاء، يصرفُ ولا يصرف، ومعناه: قُمير، مصغَّر القمرِ، أنَّه (قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ) بنُ الحكمِ الأمويِّ أميرًا (عَلَى الحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيانَ عليه، وعند النَّسائيِّ: أنَّه كان عاملًا على المدينةِ، وعند الإسماعيليِّ «فأراد معاويةُ أن يستخلفَ يزيد -يعني: ابنه- فكتبَ
стр. 8998
إلى مروانَ بذلك فجمع مروان النَّاس» (فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «وقال: إنَّ الله أَرى أميرَ المؤمنينَ في يزيد رأيًا حسنًا، وإن يستخلفهُ فقد استخلفَ أبو بكر عمر (١)» (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (شَيْئًا) لم يبيِّنه، ولأبي يعلى وابن أبي حاتمٍ: فقال -أي: عبد الرحمن-: هرقليَّة، إنَّ أبا بكر والله ما جعلَها في أحدٍ من ولدهِ، ولا في أهلِ بيتهِ، وما جعلها معاويةُ إلَّا كرامةً لولده. ولابنِ المنذرِ: أجئتُم بها هرقليَّة؟ تبايعونَ لأبنائِكم؟ (فَقَالَ) أي: مروان لأعوانه (خُذُوهُ) أي: عبد الرَّحمن (فَدَخَلَ بَيْتَ) أخته (عَائِشَةَ) ملتجئًا بها (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ) أي: امتنعُوا أن (٢) يخرجُوه من بيتِها إعظامًا لها، وعند أبي يعلى: فنزلَ مروان عن المنبرِ حتَّى أتى باب عائشةَ، فجعلَ يكلِّمها وتكلِّمهُ، وسقطَ «عليه» من «اليونينية»، وثبت في الفرع وغيره (٣) (فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا) يعني: عبد الرَّحمن (الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا) آل أبي بكر (شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي) عن قصةِ أهل الإفكِ. وعند الإسماعيليِّ: «فقالت عائشة: كذبت (٤)، واللهِ ما نزلَتْ فيه»، وفي رواية له «والله ما أُنزلَتْ إلَّا في فلانِ بن فلان الفلاني» وفي رواية: «لو شئتَ أن أسمِّيه لسمَّيتهُ، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبهِ»، فالصَّحيح أنَّ الآية نزلت في الكافرِ العاقِّ، ومن زعم أنَّها نزلت في عبد الرَّحمن فقوله ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الرَّحمن قد أسلم وحسُن إسلامهُ وصارَ من خيارِ (٥) المسلمينَ، ونفيُ عائشة أصحُّ إسنادًا ممَّن روى غيره وأولى بالقبولِ.
(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾) أي: العذاب (﴿عَارِضًا﴾) سحابًا عرض في أفق السَّماء،
стр. 8999
والضَّمير عائدٌ إلى السَّحاب، كأنَّه قيل: فلمَّا رأوا السَّحاب عارضًا (﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾) صفة لـ ﴿عَارِضًا﴾ وإضافتُه غير محضة، فمِن ثمَّ ساغ أن يكون نعتًا لنكرةٍ (﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾) صفةٌ لـ ﴿عَارِضٌ﴾ أيضًا، أي: يأتينا بالمطر، وقد كانوا (١) ممحلينَ محتاجينَ إلى المطرِ، قال الله تعالى أو هود ﵇: (﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾) من العذابِ حيث قلتُم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ثمَّ بيَّن ماهيته فقال: (﴿رِيحٌ﴾) أي: هي ريحٌ (﴿فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) فما برحُوا حتَّى كانت الرِّيح تجيءُ بالرَّجل فتطرحه، وكان طولُ الرَّجل منهم اثنتي عشرة (٢) ذراعًا، وقيل: ستُّون ذراعًا، وقيل: مئة، ولهم قصورٌ محكمةُ البناءِ بالصُّخورِ، فحملت الرِّيحُ الصُّخورَ والشَّجرَ ورفعتها كأنَّها جرادةٌ، وهدمتِ القصورَ، واصطفَّ لها الأطولونَ الأشدَّاء منهم، فصرعتْهم وألقت عليهم الصُّخور، وسفَّت عليهم الرِّمالَ، فكانوا تحتها سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ لهم أنينٌ، ثمَّ أمرَ الله الرِّيح فكشفتْ (٣) عنهم الرِّمال، واحتملتهُم فرمَتْ بهم في البحرِ، ولم يصلْ إلى هود ﵇ ومن آمنَ به من تلك الرِّيح إلَّا نسيمٌ، وكان ﵇ قد جمعَ المؤمنينَ إلى شجرةٍ عند عين ماءٍ وأدارَ عليهم خطًّا خطَّه في الأرضِ، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ «باب قوله» وله: «﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَوْدِيَتِهِمْ﴾: «الآيةَ».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ: (﴿عَارِضٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) أي: (السَّحَابُ) الَّذي يُرى في ناحية السَّماءِ، وسمِّي بذلك لأنَّه يبدو في عرض السَّماء.
стр. 9000
٤٨٢٨ - ٤٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيْسَى) كذا في رواية أبي ذرٍّ: «ابن عيسى» وهو الهمدانيُّ التُّستريُّ المصريُّ الأصل، وسقطَ «ابن عيسَى» لغير أبي ذرٍّ، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه أحمد بنُ صالحٍ المصريُّ؛ يعني: ابنَ الطَّبري، ولعلَّه اعتمدَ على قول أبي عليِّ (١) بنِ السَّكنِ حيث قال: هو أحمد بنُ صالحٍ في المواضعِ كلها، وكذا قاله ابنُ مندهْ، وقيل: هو أحمد بنُ عبد الرَّحمن ابنِ أخي ابنِ وهب. قال الحاكمُ أبو عبد الله: هو أحمد بنُ صالحٍ أو أحمدُ بنُ عيسى، لا يخلو أن يكون واحدًا منهما، ولم يحدِّث عن ابنِ أخي ابنِ وهب شيئًا، ومَن زعم أنَّه ابنُ أخي ابن وهب فقد وهمَ، فاتَّفق الرُّواة على أحمد بنِ صالحٍ، أو أحمد بنِ عيسى، وقد عين أبو ذرٍّ في روايته أنَّه ابنُ عيسى قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو: ابنُ الحارثِ: (أَنَّ أَبَا النَّضْرِ) سالمًا المدنيَّ (حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضد اليمينِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بتحريك الهاء، جمع: لهاةٍ، وهي اللَّحمةُ الحمراءُ المعلَّقةُ في أعلى الحنكِ (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء، مبنيًّا للمفعول (فِي وَجْهِهِ) الكراهيَّة، وذلك لأنَّ القلبَ إذا فرحَ تبلَّج الجبينُ، وإذا حزنَ اربدَّ الوجه، فعبَّرت عائشةُ عن الشَّيءِ الظَّاهر في الوجهِ بالكراهيةِ (٢)؛ لأنَّه ثمرتها (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، النَّاسُ) ولغير أبي ذرٍّ: «إنَّ النَّاس» (إِذَا رَأَوا الغَيْمَ فَرِحُوا) به (رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي) بواو ساكنة ونون مشددة، ولأبي ذرٍّ: «يؤمنني» بنونين (أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ) هم قوم هودٍ (٣) حيث أهلكوا بريحٍ صرصرٍ (وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]) قد تقرَّر أنَّ
стр. 9001
النَّكرة إذا أُعيدت نكرةً كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب أنَّ الَّذين عذِّبوا بالرِّيحِ هم الَّذين قالوا: هذا عارضٌ، وقد أجابَ صاحب «الكواكب الدراري» عن ذلك: بأنَّ القاعدةَ المذكورة إنما تطَّرد (١) إذا لم يكن في السِّياقِ قرينة تدلُّ على الاتِّحاد، فإن كان هناك قرينةٌ كما في قولهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا، وعلى تقدير تسليمِ المغايرةِ مطلقًا فلعلَّ عادًا قومان: قومٌ بالأحقاف، أي: في الرِّمالِ؛ وهم أصحاب العارضِ، وقومٌ غيرهم. انتهى. ويؤيِّد قوله الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] فإنَّه يشعرُ بأنَّ ثمَّ عادًا أُخرى، وعند الإمام أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن الحارثِ بنِ حسَّانٍ البكريِّ، قال: خرجتُ أشكُو العلاءَ بن الحضرميِّ إلى رسول الله ﷺ فمررتُ بالرَّبَذةِ فإذا عجوزٌ من بني تميمٍ منقطعٌ بها، فقالتْ لي: يا عبدَ الله، إنَّ لي إلى رسولِ الله ﷺ حاجةً، فهل أنتَ مبلِّغِي إليه؟ قال: فحملتُها فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأهله … الحديثَ. وفيه: فقلت: أعوذُ بالله ورسولهِ أن أكون كوافدِ عادٍ. قال: وما وافدُ عادٍ؟ -وهو أعلم بالحديث منه لكن يستعظمه (٢) - قلت: إنَّ عادًا قحطوا فبعثُوا وافدًا لهم يقال له: قَيْل بنَ عَنْزٍ (٣)، فمرَّ بمعاوية بن (٤) بكر فأقامَ عنده شهرًا يسقيهِ الخمرَ وتغنِّيهِ جاريتان يقال لهما: الجرادتانِ، فلمَّا مضى الشَّهر خرج إلى جبالِ مَهْرَة، فقال: اللَّهمَّ إنَّك تعلمُ أنَّي لم أجئ إلى مريضٍ فأداويهِ، ولا إلى أسيرٍ فأفاديهِ، اللَّهمَّ اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيهِ، فمرَّت به سحاباتٌ سودٌ، فنودِيَ منها: اختَر، فأومأَ إلى سحابةٍ منها سوداءَ، فنُودي منها: خذهَا رَمَادًا رِمْدِدًا (٥)، لا تبقي من عادٍ أحدًا. رواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه، ذكرهُ ابنُ كثير بطوله في «تفسيره»، وابن حجرٍ مختصرًا، وقال: الظَّاهرُ أنَّه في قصَّة عادٍ الأخيرة لذكر مكَّة فيه.
стр. 9002
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٩٢]، ومسلمٌ في «الاستسقاءِ»، وأبو داود في «الأدب».
(((٤٧))) (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) مدنيَّة. وقيل: مكِّيَّة، وآيُها سبع أو ثمان وثلاثون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة محمد ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ، وتسمَّى السَّورة أيضًا سورة القتالِ.
(﴿أَوْزَارَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] أي (١): (آثَامَهَا) أو آلاتها وأثقالها، وهو من مجازِ الحذفِ، أي: حتَّى تضعَ أمَّة الحربِ، أو فرقة الحربِ أوزارَها، والمراد: انقضاء الحربِ بالكلِّيَّة (حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ) أو مسالمٌ، والمعنى: حتَّى يضعَ أهل الحربِ شركهم ومعاصيهم، وهو غايةٌ للضَّربِ أو الشَّدِّ أو للمنِّ والفداء أو للمجموعِ، يعني: أنَّ هذه الأحكامَ جاريةٌ فيهم حتَّى لا يكون حربٌ مع المشركين بزوالِ شوكتِهم، وقيل: بنزول عيسى، وأسندَ الوضع إلى الحربِ؛ لأنَّه لو أسندَه إلى أهلهِ بأن كان يقول: حتَّى تضعَ أمَّة الحربِ جازَ أن يضعُوا الأسلحةَ ويتركوا الحربَ، وهي باقيةٌ، كقول القائل:
خُصُوْمَتِي مَا انْفَصَلَتْ وَلَكِنْ … تَرَكْتُهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ
(﴿عَرَّفَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أي: (بَيَّنَهَا) لهم (٢)، وعرَّفهُم منازلها بحيث يعلم كلُّ واحدٍ منهم (٣) منزلهُ ويهتدِي إليه، كأنَّه كان ساكنهُ منذ خلقَ. أو طيَّبَها لهم، من العَرْفِ؛ وهو طيبُ الرَّائحة.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٤) وصلهُ الطَّبريُّ: (﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]) أي: (وَلِيُّهُمْ) وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.
стр. 9003
(﴿عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ (جَدَّ الأَمْرُ) ولأبي ذرٍّ: «﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدَّ الأمرُ» وهو (١) على سبيلِ الإسنادِ المجازِي، كقوله:
قَدْ جَدَّتِ الحرْبُ بكم (٢) فَجِدُّوا
أو على حذفِ مضاف، أي: عزمَ أهلُ الأمرِ، والمعنَى: إذا جدَّ الأمرُ ولزم فرض القتالِ خالفُوا وتخلَّفوا.
(﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ [محمد: ٣٥]) أي: (لَا تَضْعُفُوا) بعدما وُجِدَ السَّبب، وهو الأمرُ بالجدِّ والاجتهادِ في القتالِ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿أَضْغَانَهُمْ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] أي: (حَسَدَهُمْ) بالحاء المهملة، وقيل: بغضهم وعداوتهم.
(﴿آسِنٍ﴾) في قولهِ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] أي: (مُتَغَيِّرٍ) طعمُه، وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) بتشديد الطاء المكسورة على التَّكثير، ويعقوب: بفتح التاء وسكون القاف وفتح الطاء مخفَّفة، مضارع قطعَ، وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 9004
٤٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلالٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء -وفي «اليونينية» بفتحها- مشددة بعدها دال مهملة، اسمه: عبد الرَّحمن بن يسار -بالتَّحتية والمهملة المخففة- (عَنْ) عمِّه (سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أي: قضاهُ أو أتمَّهُ أو نحو ذلك ممَّا يشهدُ بأنَّه مجازٌ من القول، فإنَّه لن (١) يشغلهُ شأن عن شأنٍ (قَامَتِ الرَّحِمُ) حقيقة بأن تجسَّمت (فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ) بفتح الحاء المهملة، وفي «اليونينية» بكسر الحاء (٢) وكذا (٣) في الفرع مصلَّحة وكشطَ فوقها، وعند الطَّبريِّ: «بحقوي الرَّحمن» بالتَّثنية، والحقو: الإزارُ والخصرُ ومشدُّ الإزارِ، قال البيضاويُّ: لما كان من عادةِ المستجير أن يأخذ بذيل المستجارِ به أو بطرفِ ردائهِ وإزارهِ، وربَّما أخذ بحقو إزارهِ مبالغةً في الاستجارةِ، فكأنَّه يشيرُ به إلى أنَّ المطلوب أن يحرسَهُ ويذبَّ عنه ما يؤذيهِ، كما يحرسُ ما تحتَ إزارهِ ويذبُّ عنه، فإنَّه لاصقٌ به لا ينفكُّ عنه استعيرَ ذلك للرَّحمِ، وقال الطِّيبيُّ: و (٤) هذا مبنيٌّ على الاستعارةِ التَّمثيليَّةِ الَّتي الوجهُ فيها منتزعٌ من أمورٍ متوهَّمةٍ للمشبَّه المعقول، وذلك أنَّه شبَّه حالة الرَّحمِ وما هي عليه من الافتقارِ إلى الصِّلة والذَّبِّ عنها (٥) من القطيعةِ بحال مستجيرٍ يأخذ بذيل المستجارِ به وحقو إزارهِ، ثمَّ أدخلَ صورةَ حالِ المشبَّه في
стр. 9005
جنس (١) المشبَّه به، واستعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من الألفاظ بدلائل قرائنِ الأحوالِ، ويجوزُ أن تكون مَكْنِيَّة بأن يشبِّه الرَّحم بإنسانٍ مستجيرٍ بمن يحميهِ ويحرسه ويذبُّ عنه ما يؤذيهِ، ثمَّ أسند على سبيلِ الاستعارةِ التَّخييليَّةِ ما هو لازمُ المشبَّه به من القيامِ ليكون قرينةً مانعةً من إرادةِ الحقيقةِ، ثمَّ رُشِّحت الاستعارة بأخذ الحقو والقول، وقوله: «بحقْو الرَّحمن»، استعارة أخرى مثلها، وسقطَ قوله: «بحقوِ الرَّحمن» في رواية أبي ذرٍّ، كما في الفرع وأصله. وقال في «الفتح»: حُذف للأكثر مفعول «أخذتْ». قال: وفي رواية ابنِ السَّكنِ: «فأخذتْ (٢) بحقو الرَّحمنِ»، وقال القابسيُّ: أبى أبو زيد أن يقرأَ لنا هذا الحرفَ لإشكالهِ، وقال: هو ثابتٌ لكن مع تنزيهِ الله تعالى، ويحتملُ أن يكونَ على حذفٍ، أي: قام ملكٌ فتكلَّم على لسانِها، أو على طريقِ ضربِ المثلِ والاستعارةِ، والمراد تعظيمُ شأنها، وفضيلةُ واصلها، وإثمُ قاطعِها، وتثنيةُ حقو المرويَّة عند الطَّبريِّ للتَّأكيدِ؛ لأنَّ الأخذ باليدينِ آكدُ في الاستجارةِ من الأخذِ بيدٍ واحدةٍ (٣).
(فَقَالَ) تعالى (لَهَ: مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء: اسم فعلٍ، أي: اكفُف وانزجِر. وقال ابنُ مالكٍ: هي هنا ما الاستفهاميَّة حُذفتْ ألفها ووُقِف عليها بهاء السَّكت، والشَّائعُ أن لا يُفعل ذلك بها إلَّا وهي مجرورة، ومِن استعمالها -كما وقع هنا- غير مجرورةٍ قول أبي ذؤيبٍ الهذليِّ: قدمت المدينةَ ولأهلها ضجيجٌ بالبكاء (٤) كضجيجِ الحجيجِ، فقلتُ: مه، فقالوا: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ . انتهى. فإن كان المرادُ الزَّجر فواضحٌ، وإن كان الاستفهام فالمرادُ منه الأمر بإظهارِ الحاجةِ دون الاستعلامِ، فإنَّه تعالى يعلمُ السِّرَّ وأخفى. (قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ) بالذال المعجمة، أي: قيامِي هذا قيام المستجيرِ (بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ) وفي حديث عبد الله بنِ عمرو عند أحمد: أنَّها (٥) تكلَّم بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ (قَالَ) تعالى: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّفَ
стр. 9006
عليه وأرحمه لطفًا وفضلًا (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمه؟ (قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ) أي: رضيتُ (قَالَ) تعالى: (فَذَاكِ) بكسر الكاف، إشارة إلى قوله: ألا ترضينَ … إلى آخره، زاد الإسماعيليُّ: «لَكِ». (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾) أي: فهل يتوقَّعُ منكم (﴿إِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) أحكام النَّاسِ وتأمَّرتُم (١) عليهم، أو أعرضتُم عن القرآنِ وفارقتُم أحكامهُ (﴿أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾) بالمعصيةِ والبغي وسفكِ الدِّماءِ (﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠٢] وفي «الأدب» [خ¦٥٩٨٧]، ومسلم في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
٤٨٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بنِ محمدِ بنِ حمزةَ بنِ مصعب بنِ الزُّبير بنِ العوَّامِ، أبو إسحاق الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هو ابنُ إسماعيلَ الكوفيُّ، نزيل المدينة (عَنْ مُعَاوِيَةَ) بنِ أبي مُزرِّد، السَّابق قريبًا [خ¦٤٨٣٠] أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمِّي (٢) أَبُو الحُبَابِ) بضم الحاء (٣) المهملة وبموحدتين بينهما ألف (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) بالسين المهملة، ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا) الحديثِ السَّابق (ثُمَّ) قال أبو هُريرة (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).
٤٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السَّخْتِيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي المُزَرِّدِ) باللام وكسر الراء (٤)، وفي «اليونينية»: بفتحها (بِهَذَا) الحديث إسنادًا ومتنًا (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) ومراد المؤلِّف بإيراد هذه الطَّريق وسابقتها الإعلامُ بأنَّ الَّذي وقفه سليمانُ بنُ بلال على أبي هُريرة -حيث قال: قال أبو هُريرة: اقرؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ - رفعَه حاتمُ بن إسماعيلَ وابنُ المباركِ، وكذا رفعه الإسماعيليُّ من طريق حبَّان بن موسى، عن ابنِ المباركِ أيضًا. قال الإمام النَّوويُّ ﵀: لا خلافَ أنَّ صلةَ الرَّحم واجبةٌ في الجُملةِ، وقطيعتُها معصيةٌ، والصِّلة درجاتٌ بعضُها أرفعُ من
стр. 9007
بعضٍ، وأدنَاها صلتُها بالكلامِ ولو بالسَّلام، ويختلفُ ذلك باختلافِ القدرةِ والحاجةِ. انتهى. وفي حديث أبي بكرةَ مرفوعًا: «ما مِن ذنبٍ أَحرَى أن يعجِّلَ اللهُ عقوبتهُ في الدُّنيا مع ما يدَّخرُ لصاحبهِ في الآخرةِ مِن البغْيِ وقطيعةِ الرَّحم» رواه أحمدُ، وعنده من حديث ثوبان مرفوعًا: «من سرَّه النَّسأ في الأجلِ والزِّيادةِ في الرِّزق؛ فليصِلْ رحمَه».
(﴿آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]) أي: (مُتَغَيِّرٍ) وسبقَ هذا قريبًا [خ¦٦٥ - ٧٠٩٢].
(((٤٨))) (سورة الفَتْحِ) مدنيَّةٌ، نزلتْ مُنْصَرَف النَّبيِّ ﷺ من الحديبية سنة ستٍّ من الهجرةِ، وآيُها تسع وعشرون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ (١) مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ من طريق ابنِ أبي نَجيحٍ عنه: (﴿بُورًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] (٢) أي: (هَالِكِينَ) والبورُ: الهلاكُ، وهو يحتملُ أن يكون هنا مصدرًا أخبرَ به عن الجمعِ، كقوله:
стр. 9008
يَا رَسُولَ الإِلَهِ إِنَّ لِسَانِي … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ
ولذلك يستوي فيه المفردُ والمذكَّر وضدهما، ويحتملُ أن يكون جمع: بائرٍ؛ كحائلٍ وحُول، في المعتلِّ، وبازلٍ وبُزل في الصَّحيح، وسقطَ هذا لغير أبي ذرٍّ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ [الفتح: ٢٩]) هي (السَّحْنَةُ) بفتح السين المهملة في «اليونينية»، وهي (١) في الفرع كذلك (٢) مصلَّحة وتحت السِّين كشطٌ، وبذلك ضبطه ابنُ السَّكن والأَصيليُّ. وقال القاضِي عياضٌ: إنَّه الصَّوابُ عند أهل اللُّغة، وفي كثيرٍ من الأصولِ بكسرها والحاء المهملة ساكنة، وجزمَ ابنُ قتيبةَ بفتحها وأنكر السكون، وقد أثبتَه الكِسائيُّ والفرَّاء، وهي لينُ البشرةِ والنَّعمة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «السَّجدة» وكذا في رواية القابسيِّ، أي: أثر السَّجدة في الوجهِ، لكن (٣) في التئامِ هذا مع قوله: ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] قلقٌ لا يخفى، وعن ابنِ عبَّاس في رواية عطيَّة العوفيِّ عنه: نورٌ وبياضٌ في وجوههم يوم القيامةِ. وعن عطاء بنِ أبي رباح: استنارة وجوههم من كثرةِ صلاتهم، أي: ما يظهرهُ الله تعالى في وجوهِ السَّاجدينَ نهارًا إذا قاموا باللَّيل متهجِّدينِ، فمن توجَّه إلى الله بكلِّيته لا بدَّ أن يظهرَ في وجههِ نورٌ تبهر منه الأنوارُ. وعن شهرِ بنِ حوشبٍ: تكون مواضع السُّجود من وجوههم كالقمرِ ليلةَ البدر. وعن الضَّحَّاكِ: صفرة الوجهِ. وروى السُّلَمِيُّ عن عبد العزيزِ المكيِّ: ليس هو الصُّفرةُ، ولكنَّه نورٌ يظهرُ على وجوهِ العابدينَ يبدو من باطنِهم على ظاهرهِم، يتبيَّن ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك في زنجيٍّ أو حبشيٍّ. قال ابنُ عطاء: ترى عليهم خلَعَ الأنوارِ لائحة، وقال الحسن: إذا رأيتَهم حسبتَهم مرضَى وما هم بمرضَى.
(وَقَالَ مَنْصُورٌ) هو: ابنُ المعتمر، فيما وصلهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، عن جرير، عنه: (عَنْ مُجَاهِدٍ): هو (التَّوَاضُعُ) وزاد في روايةِ زائدة عن منصورٍ -عند عبد بنِ حُمَيد-: قلت: ما كنتُ أراهُ إلَّا هذا الأثر الَّذي في الوجهِ، فقال: ربَّما كان بين عينِي من هو أقسَى قلبًا من فرعونَ. وقال بعضُهم: إنَّ للحسنةِ نورًا في القلبِ، وضياءً في الوجهِ، وسعةً في الرِّزقِ، ومحبَّةً في قلوبِ النَّاس،
стр. 9009
فما كَمن في النَّفس ظهرَ على صفحاتِ الوجهِ. وفي حديث جندبِ بن (١) سفيانَ البجليِّ عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «ما أسرَّ (٢) أحدٌ سريرةً إلَّا ألبسهُ الله رداءهَا، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر».
(﴿شَطْأَهُ﴾) في قولهِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: (فِرَاخَهُ) يقال: أشطأ الزَّرع إذا فرَّخ، وهل يختصُّ ذلك بالحنطةِ فقط، أو بها وبالشَّعيرِ فقط، أو لا يختصُّ؟ خلافٌ مشهورٌ، قال:
أَخْرجَ الشَّطْءَ عَلَى وَجْهِ الثَّرَى … ومِنَ الأَشْجَارِ أَفْنَانُ الثَّمَر
(﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾) أي: (غَلُظَ) بضم اللام ذلك الزَّرع بعد الرِّقَّة (٣) ولأبي ذرٍّ: «تغلَّظ» أي: قويَ.
(﴿سُوقِهِ﴾) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] (السَّاقُ: حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ) والجار متعلِّق بـ ﴿اسْتَوَى﴾ ويجوز أن يكونَ حالًا، أي: كائنًا على سوقه، أي: قائمًا عليها.
(وَيُقَالُ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] كَقَوْلِكَ: رَجُلُ السَّوْءِ) أي: الفاسدُ، كما يقالُ: رجلُ صدقٍ، أي: صالحٍ، وهذا قولُ الخليل والزَّجاج، واختاره الزَّمخشريُّ، وتحقيقه: أنَّ السَّوء في المعاني كالفسادِ في الأجسادِ، يقال: ساءَ مزاجُه، ساءَ خلقُه، ساء ظنُّه، كما يقال: فسدَ اللَّحمُ، وفسدَ الهواءُ، بل كلُّ ما ساءَ فقد فسدَ، وكلُّ ما فسدَ فقد ساءَ، غير أنَّ أحدهما كثيرٌ في الاستعمالِ في المعاني، والآخر في الأجرامِ، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] وقال: ﴿سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «يقال» فقط.
(وَ ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذَابُ) يعني: حاقَ بهم العذابُ بحيثُ لا يخرجونَ منه، وضمَّ السين أبو عمرو وابنُ كثيرٍ، فمعنى (٤) المفتوح: الفسادُ والرَّداءَةُ، والضم: الهزيمةُ والبلاءُ، أو المضمومُ: العذابُ والضَّررُ، والمفتوح: الذَّمُّ.
(﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]) أي: (ينْصُرُوهُ) قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو بالغيبة في: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾
стр. 9010
﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ رجوعًا إلى ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الفتح: ٥] والباقون بالخطاب إسنادًا إلى المخاطبين، والظَّاهر أنَّ الضَّمائر عائدةٌ إلى الله، وتفريقُها بجعلِ بعضها للرَّسول قولٌ للضَّحَّاك.
(﴿شَطْأَهُ﴾): هو (شَطْءُ (١) السُّنْبُلِ) ولأبي ذرٍّ: «شَطْأ» بالألف بدل الواو صورة الهمزة (تُنْبِتُ) بضم أوَّله وكسر ثالثهِ من الإنباتِ (الحَبَّةُ) الواحدةُ (عَشْرًا) من السَّنابلِ (أَوْ ثَمَانِيًا) ولأبي ذرٍّ: «وثمانيًا» بإسقاط الألفِ (وَسَبْعًا) قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] (فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَذَاكَ (٢) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَآزَرَهُ﴾) أي: (قَوَّاهُ) وأعانهُ (وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً؛ لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ) أي: ما ذكر (مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ خَرَجَ) على كفَّار مكَّة (وَحْدَهُ) يدعوهُم إلى الله، أو لمَّا خرجَ من بيتهِ وحدَه حين اجتمعَ الكفَّارُ على أذاه (ثُمَّ قَوَّاهُ) (بِأَصْحَابِهِ) المهاجرينَ والأنصار (كَمَا قَوَّى الحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وبضم ثمَّ كسر (مِنْهَا) وقال غيره: هو مثل ضربهُ الله لأصحاب محمَّد ﷺ في الإنجيلِ: أنَّهم يكونون قليلًا ثمَّ يزدادونَ ويكثرونَ. وقال قتادةُ: مثل أصحابِ محمَّد في الإنجيلِ مكتوبٌ له: (٣) سيخرجُ قومٌ ينبتونُ نباتَ الزَّرعِ، يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: (٤) في قولهِ تعالى: (﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]) الأكثرون (٥) على أنَّه صلحُ الحديبيةِ، وقيل: فتحُ مكَّة، والتَّعبيرُ عنه (٦) بالماضِي لتحقُّقهِ. قال في «الكشاف»: وفي ذلك من الفخامةِ والدَّلالة على علوِّ شأن المخبرِ ما لا يخفى. انتهى. قال الطِّيبيُّ: لأنَّ هذا الأسلوبَ إنَّما يرتكبُ في أمرٍ يعظمُ (٧) منالهُ، ويعزُّ الوصول إليه، ولا يقدرُ على نيلهِ إلَّا من له قهرٌ وسلطانٌ،
стр. 9011
ولذا ترى أكثرَ أحوالِ القيامةِ واردةً على هذا المنهجِ؛ لأنَّ فتح مكَّة من أمَّهاتِ الفتوحِ، وبه دخل النَّاس في دينِ الله أفواجًا، وأُمرَ رسولُ الله ﷺ بالاستغفارِ والتَّأهب للمسيرِ إلى دارِ القرارِ. وقال مجاهدٌ: فتح خيبر، وقيل: فتح الرُّوم، وقيل: فتحُ الإسلامِ بالحجَّة والبرهانِ والسَّيفِ والسِّنانِ، وسقطَ لفظ (١) «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ، مولى عمر (عَنْ أَبِيهِ) أسلم المخضرَم المتوفَّى سنةَ ثمانين، وهو ابنُ أربع عشرة ومئة سنة (٢) -زادَ البزَّار من طريق محمد بنِ خالدِ بنِ عَثْمة (٣)، عن مالكٍ-: سمعتُ عمر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) هو سفرُ الحديبيةِ، كما في حديث ابنِ مسعود عند الطَّبرانيِّ (٤)، وظاهر قوله: عن زيد بن أسلم (٥)، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ ، الإرسالُ؛ لأنَّ أسلمَ لم يدرك هذه القصَّة، لكن قوله في أثناء هذا الحديث: فقال عمر: فحركتُ بعيري … إلى آخره يقضي بأنَّه سمعه من عمر، ويؤيِّده تصريح رواية البزَّار بذلك كما مرَّ، (وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) سقطَ «ابن الخطاب» لأبي ذرٍّ (عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬)
стр. 9012
لاشتغاله بما كان من نزولِ الوحي (ثُمَّ سَأَلَهُ) عمر (فَلَمْ يُجِبْهُ) ﵊ (ثُمَّ سَأَلَهُ فُلَمْ يُجِبْهُ) تكرير السُّؤال ثلاثًا يحتمل أنَّه خشيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن سمعهُ (١) (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: ثَكِلَتْ) بفتح المثلثة وكسر الكاف، أي: فقدت (أُمُّ عُمَرَ) عمر، دعا على نفسه بسببِ ما وقع منه من الإلحاحِ. وقال ابنُ الأثيرِ: دعا على نفسه بالموتِ، والموت يعمُّ كلَّ أحدٍ، فإذن الدُّعاءُ كلا دعاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثكلتكَ أم عمرَ» (نَزَرْتَ) بزاي مفتوحة مخفَّفة وتثقَّل فراء ساكنة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ألححتَ عليه وبالغتَ في السُّؤال (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ القُرْآنُ) بتشديد ياء «فيَّ» ولأبي ذرٍّ: «قرآن» بإسقاط آلة التَّعريف (فَمَا نَشِبْتُ) بفتح النون وكسر المعجمة وبعد الموحدة الساكنة فوقية، فما لبثت، وما تعلَّقتُ بشيءٍ (أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا) لم يسمَّ (يَصْرُخُ بِي، فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ) أي: بعد أن ردَّ عليَّ السلام: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) لما فيها من البشارةِ بالمغفرةِ والفتحِ وغيرهما، واللَّام في لهي للتَّأكيد (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]).
وهذا الحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤١٧٧].
٤٨٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة المشددة، بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو لقب محمد (٢) بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بنَ دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) في قولهِ تعالى: (﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قَالَ): هو (الحُدَيْبِيَةُ) أي: الصُّلحُ الواقعُ فيها، وجعله فتحًا باعتبارِ ما فيه من المصلحةِ وما آلَ
стр. 9013
الأمرُ إليه. قال الزُّهريُّ -فيما ذكره في «اللباب» -: لم يكن فتحٌ أعظم من صُلح الحديبية؛ وذلك أنَّ المشركينَ اختلطُوا بالمسلمينَ فسمعُوا كلامَهم، فتمكَّن الإسلامُ في قلوبهم، وأسلم (١) في ثلاثِ سنينَ خلقٌ كثيرٌ، وكثرَ سوادُ الإسلام.
٤٨٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بالقاف المضمومة والراء المشددة، المزنيُّ، أبو إياس البصريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة، البصريِّ أنَّه (قَالَ: قَرَأَ النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيهَا) أي: ردَّدَ صوتهُ بالقراءة. زاد في «التوحيد» من طريق أُخرى: كيفَ ترجيعه؟ قال: (آآآ) ثلاثَ مرات [خ¦٧٥٤٠] وهو محمولٌ على إشباع المدِّ في موضعه، كما قاله الطِّيبيُّ.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى عند قوله: «باب: حسن الصوت بالقراءة» [خ¦٥٠٤٨].
(قَالَ مُعَاوِيَةُ) هو: ابنُ قرَّة، بالسَّند السَّابق: (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَحْكِيَ لَكُمْ قِرَاءَةَ النَّبيِّ ﷺ لَفَعَلْتُ).
وهذا الحديث قد ذكره في «غزوة الفتح» [خ¦٤٢٨١].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (٢) (قَوْلِهِ) تعالى (٣): (﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]) أي: جميعُ ما فرطَ منك ممَّا يصحُّ أن تعاتبَ عليه، واللَّام في ﴿لِيَغْفِرَ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿فَتَحْنَا﴾ وهي لام العلَّة. وقال الزَّمخشريُّ: فإن قلتَ: كيف جُعِل فتح مكَّة علَّةً للمغفرةِ؟ قلتُ: لم يجعَلْ
стр. 9014
علَّة للمغفرةِ، ولكن لاجتماعِ ما عدَّد من الأمورِ الأربعةِ: وهي المغفرةُ، وإتمامُ النِّعمةِ، وهدايةُ الصِّراطِ المستقيمِ، والنَّصرِ العزيزِ، كأنَّه قال: يسرنَا لكَ فتح مكَّة، ونصرناكَ على عدوِّكَ لنجمعَ لك بين عزِّ الدَّارينِ، وأغراضِ العاجلِ والآجلِ، ويجوزُ أن يكون فتحُ مكَّة من حيث إنَّه جهادٌ للعدوِّ سببًا للمغفرةِ والثَّواب. انتهى. قال السَّمين: وهذا الَّذي قاله مخالفٌ لظاهر الآية؛ فإن اللَّام داخلةٌ على المغفرةِ فتكون المغفرةُ علَّةً للفتحِ، والفتح معلَّل بها، فكان ينبغي أن يقول: كيف جُعلَ فتح مكَّة معلَّلًا بالمغفرةِ؟ ثمَّ يقول: لم يُجعَل معلَّلًا. وقال ابنُ عطيَّة: أي: أنَّ الله فتحَ لك لكي يجعل الفتحَ علامةً لغفرانهِ لك، فكأنَّها لام الصَّيرورة، وهو كلامٌ ماشٍ على الظَّاهر (﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾) بإعلاء (١) الدِّين وإخلاءِ الأرضِ من معانديكَ (﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]) بما يشرعه (٢) لك من الشَّرع العظيمِ، والدِّين القويم، وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله: «﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ﴾ (٣) … » إلى آخره، وقال بعد ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾: «الآيةَ».
٤٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ قال: (حَدَّثَنَا زِيَادٌ) زاد أبو ذرٍّ: «هو ابنُ عِلَاقة» بكسر العين المهملة وفتح اللام المخففة وبالقاف (أَنَّهُ سَمِعَ المُغِيرَةَ) هو ابنُ شعبةَ (يَقُولُ: قَامَ النَّبيُّ ﷺ ¬) في صلاة اللَّيل (حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ) بتشديد الراء من طول القيامِ (فَقِيلَ لَهُ): قد (٤) (غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ: أَفَلَا) الفاء مسبَّب (٥) عن محذوفٍ، أي: أأترك (٦) قيامي وتهجُّدي لما غفرَ لي فلا (أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!)
стр. 9015
يعني: غفران الله إيَّاي سبب لأن أقومَ وأتهجدَ شكرًا له، فكيف أتركهُ؟!
وهذا الحديث سبق في «صلاة اللَّيل» [خ¦١١٣٠].
٤٨٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد «حسن» (بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) بنِ الوزيرِ الجذاميُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى) المعافريُّ قال: (أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة، ابن شريحٍ المصريُّ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) محمدِ بنِ عبد الرَّحمن النَّوفليِّ، يتيم عروة، أنَّه (سَمِعَ عُرْوَةَ) بنَ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ مِنَ (١) اللَّيْلِ) أي: يتهجَّدُ (حَتَّى تَتَفَطَّرَ) تنشقَّ (٢) (قَدَمَاهُ) من كثرة القيامِ (فَقَالَتْ) له (عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وقد غُفرَ لكَ» بضم الغين، مبنيًّا للمفعول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا) تخصيصُ العبد بالذِّكر فيه إشعارٌ بغايةِ الإكرامِ والقرب من الله تعالى، والعبوديَّة ليست إلَّا بالعبادة، والعبادةُ عينُ الشُّكر (فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ) بضم المثلثة، وأنكرَ الدَّاوديُّ لفظة: لحمهُ، وقال: المحفوظ بَدَّنَ، أي: كبُرَ، فكأنَّ الرَّاوي تأوَّله على كثرةِ اللَّحم. انتهى. وقال ابنُ الجوزي: أحسب بعض الرُّواة لما رأى بدَّنَ ظنَّهُ كثر لحمهُ، وإنَّما هو بَدَّنَ تبدِينًا أسنَّ. انتهى. وهو خلافُ الظَّاهر، وفي حديث مسلم عنها قالت: لما بدَّن رسولُ الله ﷺ وثَقُل. لكن يحتملُ أن يكون معنى قوله: ثقلَ، أي: ثقل عليهِ حملُ لحمهِ وإن كان
стр. 9016
قليلًا؛ لدخولهِ في السنِّ (صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ) زاد في رواية هشام بنِ عروةَ، عن أبيه. عند المؤلِّف في آخر (١) «أبوابِ التَّقصير»: نحوًا من ثلاثينَ آية أو أربعينَ آية [خ¦١١١٨] (ثُمَّ رَكَعَ) فإن قلتَ: في حديث عائشةَ من طريق عبد الله بنِ شقيقٍ -عند مسلم-: كان إذا قرأَ وهو قائمٌ ركعَ وسجدَ وهو قائمٌ، وإذا قرأَ قاعدًا ركعَ وسجدَ وهو قاعدٌ. وأُجيب بالحملِ على حالتهِ الأولى قبل أن يدخلَ في السِّنِّ جمعًا بين الحديثين.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾) على أمتكَ بما يفعلونَ (﴿وَمُبَشِّرًا﴾) لمن أجابكَ بالثَّواب (﴿وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨]) مخوِّفًا لمن عصاكَ بالعذابِ، وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) زاد أبو ذرٍّ فقال: «عبد الله بن مسلمةَ» وكذا عند ابنِ السَّكن، ولم ينسبه غيرهما، فتردَّد أبو مسعودٍ بين أن يكونَ عبد الله بن رجاءٍ، أو عبد الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث، وأبو ذرٍّ وابنُ السَّكن حافظان، فالمصيرُ إلى ما روياهُ أولى، وابن مسلمةُ هو القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) دينار الماجِشُون (عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) ويقال: ابن أبي ميمونةَ، والصَّحيح: ابن عليٍّ القرشيِّ العامريِّ، مولاهم المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسين المهملة المخفَّفة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي القُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا (٢)
стр. 9017
وَحِرْزًا) بكسر الحاء المهملة وبعد الراء الساكنة زاي معجمة، أي: حصنًا (لِلأُمِّيِّينَ) وهم العربُ؛ لأنَّ أكثرهم لا يقرأُ ولا يكتبُ (أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) أي: على الله (لَيْسَ بِفَظٍّ) بالظاء المعجمة، أي: ليس بسيِّئ الخلقِ (وَلَا غَلِيظٍ) بالمعجمة أيضًا: ولا قاسِي القلبِ، ولا ينافي قوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] إذ النَّفي محمولٌ على طبعهِ الَّذي جبلَ عليه، والأمرُ محمولٌ على المعالجةِ، وفيه التفاتٌ من الخطابِ إلى الغيبةِ، إذ لو جرى على الأوَّل لقالَ: لست بفظٍّ (وَلَا سَخَّابٍ) بالسين المهملة والخاء المعجمة المشددة، أي: لا صيَّاح (بِالأَسْوَاقِ) ويقال: صخَّاب -بالصاد- وهي أشهرُ من السين، بل ضعَّفها الخليلُ (وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ) كما قال الله تعالى له (١): ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] (وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ) ما لم تُنتهك حُرُمات الله (وَلَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى) ولغير أبي ذرٍّ: «ولن يقبضَهُ اللهُ حتَّى» (يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ) ملَّة الكفرِ، فينفي الشِّركَ ويثبِّت التَّوحيد (بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَفْتَحَ بِهَا) بكلمةِ التَّوحيد (أَعْيُنًا عُمْيًا) عن الحقِّ، وفي رواية القابسيِّ: «أعينَ عمي» بالإضافة (وَآذَانًا صُمًّا) عن استماعِ الحقِّ (وَقُلُوبًا غُلْفًا) جمع: أغلف، أي: مغطًّى ومغشًّى.
وهذا الحديث سبق في أوائل «البيع» [خ¦٢١٢٥].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين؛ أي في قولهِ تعالى: (﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾) الطُّمأنينة والثَّبات (﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]) تحقيقًا للنُّصرةِ، والأكثرون على أنَّ هذه السَّكينةَ غير الَّتي في البقرةِ.
٤٨٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين مصغَّرًا، ابن باذامَ العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السبيعيِّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازبٍ (¬﵁¬)
стр. 9018
أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ ¬) هو أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ (يَقْرَأُ) أي: سورة الكهف، كما عند المؤلِّف في «فضلها» [خ¦٥٠١١] وعنده (١) أيضًا في «باب نزول السَّكينة»: عن محمد بنِ إبراهيمَ، عن أُسيد بنِ حضيرٍ قال: بينما هو يقرأُ من اللَّيل سورةَ البقرة [خ¦٥٠١٨] وهذا ظاهرهُ التَّعددُ، وقد وقع نحوٌ من هذا (٢) لثابت بنِ قيسِ بنِ شمَّاسٍ، لكن في سورة البقرة (وَفَرَسٌ لَهُ مَرْبُوطٌ) ولأبي ذرٍّ: «مربوطةٌ» (فِي الدَّارِ، فَجَعَلَ) الفرسُ (يَنْفِرُ) بنون وفاء مكسورة وراء مهملة (فَخَرَجَ الرَّجُلُ) ليرى ما ينفرُ فرسهُ (فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا وَجَعَلَ) الفرسُ (يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ) الرَّجل (ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: تِلْكَ) أي: الَّتي نفرت منها الفرسُ (السَّكِينَةُ) قيل: هي ريحٌ هفَّافةٌ، لها وجه كوجهِ الإنسان. وعن الرَّبيعِ بن أنسٍ: لعينيها شعاعٌ، وقال الرَّاغب: ملك يسكنُ قلب المؤمنِ. وقال النَّوويُّ: المختارُ أنَّها شيءٌ من المخلوقاتِ فيه طمأنينةٌ ورحمةٌ، ومعه الملائكةُ (تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ) أي: بسببهِ ولأجلهِ. قال التُّوربشتيُّ: وإظهارُ هذه الأمثالِ للعباد من باب التَّأييدِ الإلهيِّ، يؤيِّد به المؤمنَ فيزدادُ يقينًا، ويطمئنُّ قلبهُ بالإيمانِ إذا كوشفَ بها.
(٥) (باب قَوْلِهِ) : (﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]) متعلِّق بـ ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من المفعولِ، وكان ﵊ جالسًا تحتَها، وسقطَ «باب قَوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو: ابنُ عبد الله الأنصاريُّ ﵄، أنَّه (قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ) بتخفيف الياء وتشديدها لغتان، وأنكرَ كثيرٌ من أهل اللُّغة التَّخفيف. وقال أبو عُبيد البكريُّ: أهل العراقِ يثقِّلونَ، وأهل الحجازِ يخفِّفون (أَلْفًا وَأَرْبَعَ مئة) وفي حديث البراء بن عازبٍ (٣) عند
стр. 9019
المؤلِّف في «المغازي»: أربع عشرة مئة [خ¦٤١٥٠]. وعنه أيضًا من طريق زهيرٍ عند المؤلِّف أيضًا: ألفًا وأربع مئة أو أكثر [خ¦٤١٥١]. وعن جابر: خمس عشرة مئة [خ¦٤١٥٣]. وعن عبد الله ابنِ أبي أوفى: كان أصحابُ الشَّجرة ألفًا وثلاث مئة، وكانت أسلمُ ثُمُن المهاجرينَ (١) -بضم المثلثة والميم-[خ¦٤١٥٥] وبالجمع بين هذا الاختلاف: أنَّهم كانُوا أكثر من ألف وأربع مئة، فمن قال: ألفًا وخمس مئة جبرَ الكسرَ، ومن قال: ألفًا وأربع مئة ألغاهُ، وأما قول ابن أبي أوفى: ألفًا وثلاث مئة، فيحملُ على ما اطَّلع هو عليهِ، واطَّلع غيرهُ على زيادةٍ لم يطَّلع هو عليها، والزِّيادةُ من الثِّقةِ مقبولةٌ.
وهذا الحديث ذكره المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤١٥٤].
٤٨٤١ - ٤٨٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو المدينيُّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «عليُّ بن سلمةَ (٢)» هو: اللَّبَقِيُّ -بلام وموحدة مفتوحتين ثمَّ قاف مكسورة خفيفة- وبه جزم الكلاباذيُّ، والأكثرون على الأوَّل (٣) قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح المعجمة والموحَّدتين المخففتين بينهما ألف، ابن سَوَّار -بفتح المهملة وتشديد الواو-، المدائنيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامةَ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ) بضم الصاد المهملة وسكون الهاء وبعد الموحدة ألف فنون، الأزديَّ البصريَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة (٤) والفاء المشددة (المُزَنِيِّ) بالميم المضمومة والزاي المفتوحة والنون المكسورة (مِمَّنْ) ولغير أبي ذرٍّ: «إنِّي ممَّن» (شَهِدَ الشَّجَرَةَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنِ الخَذْفِ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الذال المعجمة وبالفاء، وهو الرَّمي بالحَصى من الأصبعينِ.
стр. 9020
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ) بالسَّند السَّابق، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُغَفَّلِ) بالتَّعريف، ولأبي ذرٍّ: «مُغَفَّل» (١) (المُزَنِيِّ فِي البَوْلِ فِي المُغْتَسَلِ) بفتح السين، اسم لموضعِ الاغتسال. زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّويي والأَصيليِّ -فيما ذكره في «الفتح» وغيره-: «يأخذُ منه الوسواسُ» وعند النَّسائيِّ والتِّرمذيِّ وابن ماجه مرفوعًا: نهى أن يبولَ الرَّجلُ في مستحمِّه، وقال: «إنَّ عامَّة الوسواسِ منهُ». وقال التِّرمذيُّ: غريبٌ. وقال الحاكمُ: على شرطِ الشَّيخين ولم يخرِّجاه، وقد أورد المؤلِّف الحديث الموقوف لبيان التَّصريح بسماعِ ابنِ صُهْبانَ من ابنِ مغفَّل، والمرفوع الأوَّل؛ لقوله: إنِّي ممَّن شهد الشَّجرة؛ لمطابقة (٢) الترجمة.
٤٨٤٣ - وبه قال: (حَدّثَنا) ولغير أبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ) بنِ عبدِ الحميدِ البُسْريُّ -بالموحدة المضمومة والمهملة الساكنة- القرشيُّ، أبو عبد الله البصريُّ، من ولد بسرِ ابنِ أرطأةَ، وقول العيني -كالكِرمانيِّ-: البشريُّ -بالموحدة والمعجمة- سهوٌ، وإنَّما هو بالمهملة. قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأشهليِّ (¬﵁، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ) لم يذكر المتنَ بل اقتصرَ على المحتاجِ منه، وفي «المغازي» [خ¦٤١٧١] من طريق أُخرى عن أبي قِلابة: أنَّ ثابتَ بنَ الضَّحَّاكِ أخبره: أنَّه بايع النَّبيَّ ﷺ تحت الشَّجرة.
стр. 9021
٤٨٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحصينِ (١) أبو إسحاقَ (السُّلَمِيُّ) بضم السين وفتح اللَّام، السَُّرْماريُّ البخاريُّ، نسبة إلى سَرماري -بفتح السين- قريةٌ من قرى بخارَى قال: (حَدَّثَنَا يَعْلَى) بفتح التحتية وسكون المهملة وفتح اللام، ابن عبيدٍ (٢) الطَّنافسيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر السين (٣) المهملة وبعد التحتية المخففة ألف فهاء منوَّنة، فارسيٌّ معرَّب معناه الأسودُ (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) واسمه: قيسُ بن دينار الكوفيُّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ) بالهمزة، شقيقَ بن سلمةَ (أَسْأَلُهُ) لم يذكرِ المسؤول عنه، وفي روايةِ أحمد: أتيتُ أبا وائلٍ في مسجدِ أهلهِ أسألهُ عن هؤلاء القوم الَّذين قتلهُم عليٌّ؛ يعني: الخوارج (فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة، موضعٌ بقرب الفراتِ، كان به الوقعة بين عليٍّ ومعاوية (فَقَالَ رَجُلٌ) هو: عبدُ الله بن الكوَّاء: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ (٤) يُدْعَوْنَ) بضم الياء وفتح العين، وفي «اليونينية» بفتح الياء وضم العين (إِلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟ (٥) فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ) أنا أولى بالإجابة إذا دعيتُ إلى العملِ بكتاب الله، وعند النَّسائيِّ بعد قوله: بصِفَّين: فلما استحرَّ القتلُ بأهل الشَّامِ، قال عمرو بن العاصِ لمعاويةَ: أرسل المصحفَ إلى عليٍّ فادعهُ إلى كتابِ الله، فإنَّه لن يأبى عليكَ، فأتى به رجلٌ فقال: بيننا وبينكُم كتاب الله. فقال عليٌّ: أنا أولى بذلك، بيننا كتابُ الله، فجاءتهُ الخوارجُ -ونحن نسميهم يومئذ القرَّاء- وسيوفهُم
стр. 9022
على عواتقِهم، فقالوا: يا أميرَ المؤمنينَ، ما ننتظرُ لهؤلاءِ القومِ، أَلَا نمشي إليهم بسيوفنَا؟ (فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة (١) وفتح النون: (اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ) في هذا الرأي، وإنَّما قال ذلك لأنَّ كثيرًا منهم أنكرُوا التَّحكيمَ، وقالوا: لا حكمَ إلَّا للهِ، فقال عليٌّ: كلمةُ حقٍّ أريدَ بها باطلٌ (فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) يريد رأيتُ أنفسنا (يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يَعْنِي: الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبيِّ ﷺ وَ) بين (المُشْرِكِينَ، وَلَوْ نَرَى) بنون المتكلم مع غيره (قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ) إلى النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ) يريد المشركينَ (عَلَى البَاطِلِ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى، قَالَ) عمر: (فَفِيمَ أُعْطِي) بضم الهمزة وكسر الطاء، ولأبي ذرٍّ: «نُعطِي» «بالنون» بدل: «الهمزة»، (الدَّنِيَّةَ) بكسر النون وتشديد التحتية، أي: الخصلة الدنيَّةُ، وهي المصالحةُ بهذه الشُّروط الدَّالَّة على العجزِ (في دينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ) ﵊: (يَا ابْنَ الخَطَّابِ؛ إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا. فَرَجَعَ) عمرُ حال كونه (مُتَغَيِّظًا) لأجل إذلالِ المشركينَ، كما عرف من قوَّته في نصرةِ الدِّينِ (٢) وإذلالِ المشركين (فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ) ﵄ (فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) سقطتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ) ومراد سهل بن حُنَيفٍ بما ذكره: أنَّهم أرادُوا يومَ الحديبية أن يقاتلُوا ويخالفُوا ما دعوا إليه من الصُّلح، ثمَّ ظهر أنَّ الأصلحَ كان ما شرعهُ الرَّسول ﷺ من الصُّلح (٣)؛ ليقتدُوا بذلك ويطيعوا عليًّا فيما أجاب إليه من التَّحكيم.
(((٤٩))) (الحُجُرَاتِ) مدنيَّة، وآيُها ثمان عشرة، ولأبي ذرٍّ: «سورة الحجرات».
стр. 9023
(بسم الله الرحمن الرحيم) (١) وسقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبد بنُ حميد في قولهِ تعالى: (﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١]) بضم أوله وكسر ثالثه (٢)، أي: (لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بشيءٍ (حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ عَلَى لِسَانِهِ) ما شاءَ، وقال الزَّركشيُّ: الظَّاهرُ أنَّ هذا التَّفسير على قراءةِ ابنِ عبَّاس: بفتح التاء والدال، وكذا قيَّده البياسيُّ، وهي قراءةُ يعقوب الحضرَميِّ، والأصلُّ: لا تَتقدَّمُوا، فحذف إحدى التاءين. وقال في «المصابيح» -متعقِّبًا لقولِ الزَّركشيِّ-: ليس هذا بصحيحٍ بل هذا التَّفسيرُ متأتٍّ على القراءةِ المشهورةِ أيضًا، فإن قدَّمَ بمعنَى: تقدَّم. قال الجوهريُّ: وقدَّمَ بين يديهِ، أي: تقدَّم، قال الله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ﴾ [الحجرات: ١]. انتهى. قال الإمام فخرُ الدِّين: والأصحُّ أنَّه إرشادٌ عامٌّ يشملُ الكلَّ، ومنعٌ مطلقٌ يدخلُ فيه كلُّ افتِيَاتٍ وتقدُّمٍ واستبدادٍ بالأمرِ، وإقدامٍ على فعلٍ غير ضروريٍّ من غير مشاورةٍ.
(﴿امْتَحَنَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] قال مُجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ: أي: (أَخْلَصَ) من امتحنَ الذَّهبَ؛ إذا أذابهُ وميَّز إبريزهُ من خبيثهِ (٣).
(﴿تَنَابَزُوا﴾ [الحجرات: ١١]) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَنَابَزُوا (٤)﴾» (٥) قال مُجاهدٌ فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ بنحوه: أي: (لا يُدْعَى) الرَّجلُ (بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ) وقال الحسنُ: كان اليهوديُّ والنَّصرانيُّ يسلمُ، فيقال له بعد إسلامهِ: يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ، فنهوا عن ذلك، وزاد أبو ذرٍّ قبل قوله: ﴿تَنَابَزُوا﴾: «بابٌ» بالتَّنوين، وسقطَ لغيره.
(﴿يَلِتْكُم﴾ [الحجرات: ١٤]) قال مُجاهد فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ: أي: (يَنْقُصْكُمْ) من أجوركُم. (أَلَتْنَا) أي: (نَقَصْنَا) وهذا الأخيرُ من سورة الطور، وذكره استطرادًا.
стр. 9024
(١) (﴿لَا تَرْفَعُوا﴾) ولأبي ذرٍّ: «و ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾» (١) (﴿أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الاية [الحجرات: ٢]) أي: إذا كلَّمتمُوه؛ لأنَّه يدلُّ على قلَّةِ الاحتشامِ، وتركِ الاحترامِ، ومن خشيَ قلبه ارتجفَ، وضعفتْ حركتُهُ الدَّافعة، فلا يخرج منه الصَّوتُ بقوَّةٍ، ومن لم يخفْ بالعكسِ، وليس المراد بنهي الصَّحابةِ عن ذلك أنَّهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفافُ والاستهانةُ، كيف وهم خيرُ النَّاس؟ بل المرادُ أنَّ التَّصويتَ بحضرتهِ مباينٌ لتوقيرهِ وتعزيرهِ.
(﴿تَشْعُرُونَ﴾) أي: (تَعْلَمُونَ. وَمِنْهُ: الشَّاعِرُ) والمعنى: أنَّكم إن رفعتُم أصواتكُم وتقدَّمتُم؛ فذلك يؤدِّي إلى الاستحقارِ، وهو يفضِي إلى الارتدادِ، وهو محبطٌ، وقوله: ﴿وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] إشارةٌ إلى أنَّ الرِّدَّة تتمكَّنُ من النَّفسِ بحيث لا يشعرُ الإنسانُ، فإنَّ من ارتكبَ ذنبًا لم يرتكبْهُ في عمرهِ تراهُ نادمًا غايةَ النَّدامةِ خائفًا غايةَ الخوفِ، فإذا ارتكبه مرارًا قلَّ خوفُهُ وندامتُهُ ويصيرُ عادةً، أعاذَنَا الله من سائرِ المكروهاتِ.
٤٨٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ) بفتح التَّحتية والسين المهملة المخفَّفة، و «جَمِيل»: بفتح الجيم وكسر الميم (اللَّخْمِيُّ) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) الجمحيُّ المكيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضم الميم مصغَّرًا، عبد الله، أنَّه (قَالَ: كَادَ الخَيِّرَانِ) بفتح المعجمة (٢) وتشديد التحتية، الفاعلان للخير الكثيرِ (أَنْ يَهْلِكَا) بكسر اللام، وإثبات «أنْ» قبلُ، وحذف نون الرَّفع في الفرع وأصله نصبٌ بـ «أنْ» ولأبي ذرٍّ: «يَهلِكَان» بنون
стр. 9025
الرَّفع مع ثبوت «أنْ» قبل، وقال في «الفتح»: كاد الخيِّران يهلكان، يعني: بحذف «أنْ» وإثبات نون الرَّفع لأبي ذرٍّ، وفي (١) رواية: «يَهلكَا» بحذف النُّون نصب بتقدير: «أن»، قال: وقد أخرجه أحمدُ، عن وكيعٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر بلفظِ: أن يهلِكَا، ونسبها ابن التِّين لرواية أبي ذرٍّ (-أَبَا بَكْرٍ) نصب خبر «كادَ» (٢) (وَعُمَرَ) عطف عليه (¬﵄) ولأبي ذرٍّ: «أبو بكر وعمرُ» بالرفع فيهما (رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ) سنةَ تسعٍ، وسألوا النَّبيَّ ﷺ أن يؤمِّرَ عليهم أحدًا (فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا) هو عمر بن الخطَّاب كما عندَ ابنِ جريج (٣) في الباب التالي [خ¦٤٨٤٧] (بِالأَقْرَعِ) واسمه فراس (بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ) بضم الميم وبعد الجيم ألف فشين معجمة فعين مهملة، التَّميميُّ الدَّارميُّ (وَأَشَارَ الآخَرُ) هو: أبو بكرٍ (بِرَجُلٍ آخَرَ، قَالَ نَافِعٌ) الجُمَحيُّ: (لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ) في الباب التَّالي: أنَّه القعقاعُ بنُ معبد بنِ زرارةَ [خ¦٤٨٤٧] (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ) ﵄: (مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي) بتشديد اللَّام بعد همزة مكسورةٍ، أي: ليس مقصودُكَ إلَّا مخالفةَ (٤) قولي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ في الفرع كأصله (٥)، ونسبها الحافظ ابن حجرٍ لحكاية السَّفاقسيِّ: «ما أردت إلى خلافي» بلفظ حرف الجر، و «ما» على هذه الرِّوايةِ استفهاميَّةٌ، أي: أيُّ شيءٍ قصدتَ منتهيًا إلى مخالفتِي؟ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» أي: عمر: (مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الاية [الحجرات: ٢] قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله: (فَمَا كَانَ عُمَرُ) ﵁ (يُسْمِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ) وفي رواية وكيعٍ في «الاعتصام» [خ¦٧٣٠٢]: فكان عمرُ بعد ذلك إذا حدَّث النَّبيَّ ﷺ بحديثٍ يحدِّثُه كأخِي السِّرارِ، لم يُسمعهُ حتَّى يستفهمهُ (وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ) عبد الله بن الزُّبيرِ (عَنْ أَبِيهِ) يريد جدَّه لأمِّه أسماء (يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ) الصِّديق، وإطلاقُ الأب على الجدِّ مشهورٌ.
стр. 9026
وسياق هذا الحديث صورته صورةُ الإرسالِ، لكن في آخرهِ أنَّه حملهُ عن عبد الله بن الزُّبير، ويأتي في الباب اللَّاحق التَّصريح بذلك [خ¦٤٨٤٧].
٤٨٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، البصريُّ الباهليُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله بنِ عون بنِ أرطبانَ (١) (قَالَ: أَنْبَأَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) قاضي البصرةِ (عَنْ) أبيه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) خطيبَ الأنصارِ، وكان قد قعدَ في بيتهِ حزينًا لمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الاية [الحجرات: ٢]. وكان من أرفعِ الصَّحابةِ صوتًا (فَقَالَ رَجُلٌ (٢): يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ) لأجلكَ (عِلْمَهُ) خبره، والرَّجلُ هو سعد بن معاذ، كما في «مسلم» لكن قال ابنُ كثيرٍ: الصَّحيحُ أنَّ حالَ نزولِ هذه الآية لم يكن سعد بن معاذٍ موجودًا؛ لأنَّه كان قد ماتَ بعد بني قريظةَ بأيَّامٍ قلائل سنةَ خمسٍ، وهذه الآية نزلت في وفدِ بني تميمٍ، والوفودُ إنَّما تواترُوا في سنةِ تسعٍ من الهجرةِ. قال في «الفتح»: ويمكن الجمعُ بأن الَّذي نزل في قصَّةِ ثابتٍ مجرَّد رفعُ الصَّوت، والذي نزلَ في قصَّةِ الأقرعِ أول السُّورةِ، وفي «تفسير ابن المنذر»: أنَّه سعدُ بن عبادةَ، وعند ابن جريرٍ: أنَّه عاصمُ بن عديٍّ العجلانيُّ (فَأَتَاهُ) أي: فأتى الرَّجل ثابتَ بن قيسٍ (فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ) بكسر الكاف (فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟) أي: ما حالكَ؟ (فَقَالَ) ثابتٌ حالي (شَرٌّ (٣)، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ ﷺ ¬) كان الأصل أن يقول: كنت أرفعُ صوتِي، لكنه التفتَ من الحاضرِ إلى الغائبِ (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ
стр. 9027
النَّارِ) لأنَّه كان يجهرُ بالقولِ بين يدي الرَّسول، وكان القياسُ: عملِي وأنَا (فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا) للَّذي قالهُ ثابت (فَقَالَ مُوسَى) بنُ أنسٍ، بالإسناد السَّابق إلى ثابت (١): (فَرَجَعَ) الرَّجلُ المذكور (إِلَيْهِ) أي: إلى ثابتٍ (المَرَّةَ الآخِرَةَ) بمدِّ الهمزة (بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ) من الرَّسول (فَقَالَ) ﵊ للرَّجل: (اذْهَبْ إِلَيْهِ) أي (٢): إلى ثابتٍ (فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) زاد في رواية أحمد: قال: فكنَّا (٣) نراهُ يمشِي بين أظهرنَا، ونحن نعلمُ أنَّه من أهل الجنَّةِ، فلمَّا كان يوم اليمامةِ كان فينا بعضُ الانكشافِ، فجاء ثابتٌ قد تحنَّطَ ولبس كفنهُ، وقاتلهم حتَّى قُتل، وهذا لا ينافِي ما روي في العشرة المبشَّرينَ بالجنَّةِ، لأنَّ مفهومَ العددِ لا اعتبارَ له فلا ينفِي الزَّائد.
وهذا الحديث ذكره أواخر «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦١٣] وتفرَّد به من هذا الوجه.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين قوله تعالى (٤): (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾) من خارجِها خَلفَها أو قدامها، والمراد: حجراتِ نسائهِ ﵊، ومناداتِهم من ورائِها إمَّا بأنَّهم أتوهَا حجرةً حجرةً فنادوهُ من ورائها، أو بأنَّهم تفرَّقوا على الحجراتِ متطلبينَ له، فأسندَ فعل الأبعاضِ إلى الكلِّ (﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]) إذ (٥) العقلُ يقتضِي حسنَ الأدب.
٤٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو عليٍّ الزَّعفرانيُّ البغداديُّ، واسم جدِّه الصَّبَّاح
стр. 9028
قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو: ابنُ محمَّد المصِّيْصِيُّ الأعورُ، ترمذيُّ الأصل، سكن بغدادَ، ثمَّ المصِّيْصَة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملكِ بنِ عبد العزيزِ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ¬) فسألوهُ أن يؤمِّر عليهم أحدًا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) له ﵊: (أَمِّرِ) عليهم (القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحدة (وَقَالَ (١) عُمَرُ: أَمِّرِ) عليهم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «بل أمِّر» (الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) أخا (٢) بني مُجاشعٍ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) لعمر ﵄: (مَا أَرَدْتَ) بذلك (إِلَى) بلفظ الجارة (-أَوْ) قال: (إِلَّا- خِلَافِي) بكسر الهمزة وتشديد اللام، أي: إنَّما تريدُ مخالفتِي (فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا) فتجادَلا وتخاصَمَا (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) في ذلك (فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حَتَّى انْقَضَتِ الآيَةُ) وروى الطَّبريُّ من طريق أبي إسحاق عن البراءِ قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا محمَّد، إنَّ حمدِي زَيْنٌ، وإنَّ (٣) ذمِّي شَيْنٌ، فقال: «ذاك الله ﵎». وروي من طريق معمرٍ، عن قتادةَ مثله مرسلًا، وزاد: فأنزلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾ الاية [الحجرات: ٤].
(٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾) قال في «الكشاف»: ﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ في موضعِ الرَّفع على الفاعليَّةِ؛ لأنَّ المعنى: ولو ثبتَ صبرُهم. قال أبو حيَّان: هذا ليس (٤) مذهب سيبويه، بل مذهبُ سيبويه أنَّ «أن» وما بعدها بعد «لو» في موضعِ مبتدَأ، لا في موضعِ (٥) فاعل (٦)، ومذهب المبرِّد أنَّها في موضع فاعلٍ بفعل محذوفٍ كما (٧) زعم الزَّمخشريُّ، ومذهب
стр. 9029
سيبويه أنَّها في محلِّ رفع بالابتداءِ (١)، وحينئذٍ يكونُ اسم «كان» ضميرًا عائدًا على صبرِهم المفهوم من الفعلِ (﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]) لكان الصَّبر خيرًا لهم من الاستعجالِ؛ لما فيه من حفظِ الأدبِ وتعظيمِ الرَّسولِ الموجبين للثَّناءِ والثَّوابِ، ولم يذكرِ المؤلِّف حديثًا هنا (٢)، ولعلَّه بيَّض له فلم يظفَرْ بشيءٍ على شرطهِ.
(((٥٠))) (سورة ق) مكِّيَّة، وهي خمسٌ وأربعون آية، وزاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم».
(﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]) أي: (رَدٌّ) إلى الحيَاة الدُّنيا ﴿بَعِيدٌ﴾ أي: غير كائنٍ، أي: يبعدُ أن نُبعثَ (٣) بعد الموتِ.
(﴿فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]) أي: (فُتُوقٍ) بأن خلقَها مَلساءَ متلاصقَةَ الطِّباقِ (وَاحِدُهَا فَرْجٌ) بسكون الراء. (﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]) قال مجاهدٌ فيما رواه الفِرْيابيُّ: (وَرِيْدَاهُ فِي حَلْقِهِ) والوَريدُ: عرقُ العُنقِ، ولغير أبي ذرٍّ: «وريدٌ في حلقهِ» (الحَبْلُ: حَبْلُ العَاتِقِ) وزاد أبو ذرٍّ: «واوًا» قبل
стр. 9030
قوله: الحبلُ، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو كقولهم: مسجد الجامعِ، أي: حبل العرقِ الوريدِ، أو لأنَّ الحبلَ أعمُّ فأضيفَ للبيانِ، نحو: بعيرُ سانيَةٍ، أو يرادُ (١) حبلُ العاتقِ، فأضيفَ إلى الوريدِ، كما يضافُ إلى العاتقِ؛ لأنَّهما في عُضوٍ واحدٍ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ (٢) الفِرْيابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ﴾ [ق: ٤]) أي: ما تأكُلُ (مِنْ عِظَامِهِمْ) لا يعزُب عن علمهِ شيء تعالى.
(﴿تَبْصِرَةً﴾ [ق: ٨]) أي: (بَصِيرَةً) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ، والنَّصب على المفعولِ من أجلهِ، أي: تبصِير أمثالهِم، أو بفعلٍ من لفظهِ، أي: بصِّرْهم تبصرةً، أي: خلقَ السَّماءَ تبصرةً.
(﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]) هو (الحِنْطَةُ) وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا، أو سائر الحبوبِ الَّتي تحصدُ، وهو من باب حذف الموصوفِ للعلمِ به، أي: وحبَّ الزَّرعِ الحصيدِ، نحو: مسجد الجامعِ، أو من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفتهِ؛ لأنَّ الأصلَ: والحبَّ الحصيدَ، أي: المحصود.
(﴿بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]) هي (الطِّوَالُ) والبُسُوقُ: الطُّولُ، يقال: بسقَ فلانٌ على أصحابهِ، أي: طالَ عليهم في الفَضلِ.
(﴿أَفَعَيِينَا﴾ [ق: ١٥]) أي: (أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا) أفعجزنَا عن الإبداءِ حتَّى نعجزَ عن الإعادةِ؟ ويقالُ لكلِّ من عجزَ عن شيءٍ: عييَ به، وهذا (٣) تقريعٌ لهم؛ لأنَّهم اعترفُوا بالخلقِ الأوَّلِ وأنكرُوا البعثَ.
(﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ [ق: ٢٣]) هو (الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ) بضم القاف وكسر التحتية المشددة آخره ضاد معجمة: قُدِّر، وقيل: القرينُ الملكُ الموكَّلُ به.
стр. 9031
(﴿فَنَقَّبُوا﴾ [ق: ٣٦]) أي: (ضَرَبُوا) بمعنى طافُوا في البلادِ حذرَ الموتِ، والضَّمير للقرونِ السَّابقةِ أو لقريشٍ.
(﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧]) أي: (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ) لإصغائهِ لاستماعهِ (١).
(حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ) وهذه بقيَّةُ تفسير قوله: ﴿أَفَعَيِينَا﴾ وتأخيره لعلَّه من بعض النُّساخ، وسقطَ من قوله: «﴿أَفَعَيِينَا﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٢).
(﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]) قال مجاهد فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (رَصَدٌ) يرصُدُ وينظرُ، وقال ابن عبَّاس -فيما وصلهُ الطَّبريُّ-: يكتبُ كلُّ ما تكلَّم به من خيرٍ وشرٍّ. وعن مجاهدٍ: حتَّى أنينهُ في مرضهِ. وقال الضَّحَّاك: مجلسهُما تحت الشَّعرِ على الحنكِ.
(﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] المَلَكَانِ) ولأبي ذرٍّ: «المَلكَين» بالنَّصب بنحو يعني، أحدُهما (كَاتِبٌ وَ) الآخرُ (شَهِيدٌ) وقيل: السَّائقُ هو الَّذي يسوقهُ إلى الموقفِ، والشَّهيدُ هو الكاتبُ، والسَّائقُ لازمٌ للبرِّ والفاجرِ، أما البرُّ فيساقُ إلى الجنَّةِ، وأما الفاجرُ فيساقُ إلى (٣) النَّارِ.
(﴿شَهِيدٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] قال مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (شَاهِدٌ بِالقَلْبِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بالغيبِ».
(﴿لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِن لُّغُوبٍ﴾» هو (النَّصَبُ) ولأبي ذرٍّ: «نَصَبٍ» بالجر، أي: من نصبٍ، وهذا وصلهُ الفِريابيُّ، وهو ردٌّ لما زعمَت اليهودُ من أنَّه (٤) تعالى بدأَ خلقَ العالم يوم الأحدِ، وفرغَ منه يوم (٥) الجمعةِ، واستراحَ يوم السَّبت، فأكذَبهم الله بقولهِ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن
стр. 9032
لُّغُوبٍ﴾ رواه عبدُ الرَّزَّاق، عن مَعْمر، عن قتادةَ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مُجاهد (١): (﴿نَّضِيدٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] (الكُفُرَّى) بضم الكاف والفاء وتشديد الراء مقصورًا: الطَّلعُ (مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ) جمع: كِم؛ بالكسر (وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ) وهذا (٢) عجيبٌ، فإنَّ الأشجارَ الطِّوالَ ثمارُها بارزةٌ بعضها على بعضٍ، لكلِّ واحدةٍ منها أصلٌ يخرجُ منه كالجوزِ واللَّوزِ، والطَّلعُ كالسُّنبلةِ الواحدةِ تكون على أصلٍ واحدٍ.
(فِي (٣) ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾) بالطُّورِ [الآية: ٤٩] (٤) (وَ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾) [ق: ٤٠] هنا (كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ) هذه (الَّتِي فِي ﴿ق﴾) كابنِ (٥) عامرٍ والكِسائيِّ وأبي (٦) عَمرو، جمع: دُبُر؛ وهو آخر الصَّلاةِ وعقبها، وجمع باعتبارِ تعدُّدِ السُّجودِ (وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ) موافقة للجمهورِ مصدرًا، وهذا بخلافِ آخر ﴿ق﴾ فإنَّ الفتح لائقٌ به؛ لأنَّه يرادُ به الجمع لدُبرِ السُّجودِ، أي: أعقابه، كما مرَّ (وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا) فكَسَرَ موضع ﴿ق﴾ نافعٌ وابن كثيرٍ وحَمزة، والطُّور الجمهور (وَيُنْصَبَانِ) أي: يفتحان، فالأوَّل عَاصم ومَن معه، والثَّاني المطوعيُّ عن الأعمشِ شاذًّا؛ يعني: أعقابَ النُّجومِ وآثارهَا إذا غربَت.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]) أي: (يَخْرُجُونَ) ولأبي ذرٍّ: «يوم يخرجُون» وزاد أبو ذرٍّ و (٧) أبو الوقتِ: «إلى البعثِ» (مِنَ القُبُورِ) والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يجوز أن تكون إلى النِّداء، ويكون قد اتَّسع في الظَّرفِ فأخبر به عن المصدرِ، أو (٨) يُقَدَّر مضاف، أي: ذلك النِّداءُ والاستماعُ نداءُ يوم الخروجِ واستماعه.
стр. 9033
(١) (باب قَوْلِهِ: ﴿وَتَقُولُ﴾) أي: جهنَّم حقيقةً (﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]) سؤال تقريرٍ (١) بمعنى الاستزادةِ، وهو روايةٌ عن ابن عبَّاس، فيكون السُّؤال وهو قولهُ: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قبل دخولِ جميعِ أهلِها، أو هو استفهامٌ بمعنى النَّفي، والمعنَى: قد امتلأتُ ولم يبق فيَّ موضعٌ لم يمتلئْ. وهذا مشكلٌ؛ لأنَّه حينئذٍ بمعنى الإنكارِ، والمخاطب الله تعالى، ولا يلائمهُ معنى الحديث التَّالي (٢)، وقيل: السُّؤالُ لخزنتِها، والجواب منهم، فلا بدَّ من حذف مضافٍ، أي: نقولُ (٣) لخزنةِ جهنَّم ويقولونَ. والمزيد: يجوزُ أن يكون مصدرًا، أي: هل من زيادةٍ، وأن يكون اسم مفعولٍ، أي: من شيءٍ تزيدونيهِ أَحْرقه، أو أنَّها من السَّعة بحيثُ يدخلها من يدخلها وفيها موضع للمزيد، وسقطَ «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) ابن أختِ عبد الرَّحمن بنِ مَهدِي، الحافظُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا (٤) حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بنِ أبي حفصةَ، و «حرميُّ»: علمٌ لا نسبة للحرمِ،
стр. 9034
ووهم الكِرمانيُّ. وسقطَ لغير أبي ذرٍّ «ابن عُمَارة» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ (عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يُلْقَى فِي النَّارِ) أهلها (وَتَقُولُ) مستفهمةً: (﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]) فيَّ؟ أي: لا أسعُ غير ما امتلأت به، أو هل من زيادةٍ فأُزاد (حَتَّى يَضَعَ) وفي رواية سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة -عند مسلم-: حتى يضعَ ربُّ العزَّة (قَدَمَهُ) فيها، أي: يذلِّلها تذليلَ من يوضعُ تحتَ الرِّجل، والعربُ تضعُ الأمثالَ بالأعضَاءِ ولا تريدُ أعيَانها، كقولها للنَّادمِ: سقطَ في يدهِ. أو المراد قدمُ بعض المخلوقينَ، فيكون الضَّمير لمخلوقٍ معلوم (فَتَقُولُ) النَّارُ: (قَطِْ قَطِْ) بكسر الطاء وسكونها فيهما، كذا في الفرع، ويجوز التَّنوين مع الكسر، والمعنى: حسبِي حسبي قد اكتفيتُ.
стр. 9035
٤٨٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى القَطَّانُ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح التحتية وكسر الراء، واسمه (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) بكسر العين (بْنِ مَهْدِيٍّ) بفتح الميم، الواسِطي قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرينَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال محمد بنُ موسى: (رَفَعَهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ (وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ) على الصَّحابيِّ، بسكون الواو من الثُّلاثي المزيد فيه (١)، والفصيح: يقفه، من الثُّلاثي المجرَّد (أَبُو سُفْيَانَ) الحميريُّ، وقليلًا ما كان يرفعهُ (يُقَالُ) أي: يقولُ اللهُ تعالى (﴿لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾)؟ استفهامُ تحقيقٍ لوعده بملئها (﴿وَتَقُولُ﴾) جهنَّم، ولأبي ذرٍّ: «فتقولُ» بالفاء: (﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾؟ [ق: ٣٠] فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ).
٤٨٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام -بتشديد الميم وفتح الهاء-، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء (٢) وتشديد (٣) الميم الأولى، ابنِ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبيُّ