عضو من الإنسانِ (١) بنحوِ الإبرةِ حتَّى يسيل الدَّم، ثمَّ يُحشى بنحوِ كُحلٍ فيصيرُ أخضر (وَالمُوتَشِمَاتِ) جمع: موتَشمة، الَّتي يُفْعل بها ذلك، وهذا (٢) الفعلُ حرامٌ على الفاعلِ والمفعولِ به اختيارًا، ويصيرُ موضعُه نجسًا تجبُ إزالتهُ إن أمكنَ بالعلاجِ، فإنْ لم يُمكن إلَّا بجرحٍ يخافُ منه التَّلف، أو فوات عضوٍ، أو منفعتهِ (٣)، أو شَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهر فلا، ولا يصحُّ الاقتداءُ بهِ ما دامَ الوشمُ باقيًا، وكان (٤) الواشِم متعدِّيًا، أو أمكنهُ إزالته من غير ضررٍ، وقال الحنفيَّة: تصحُّ القدوةُ بهِ وإن كان متمكِّنًا من إزالتهِ (وَ) لعن (المُتَنَمِّصَاتِ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية مشددة بينهما فوقية فَنُون والصاد مهملة، جمع: متنمِّصة، الطَّالبة إزالة شعرِ وجهها بالنَّتف ونحوه، وهو حرامٌ إلَّا ما ينبتُ بلحيةِ المرأةِ أو شاربها فلا، بل يستحبُّ (وَالمُتَفَلِّجَاتِ) بالفاء والجيم، جمع: متفلِّجة؛ وهي الَّتي تفرِّق ما بينَ ثناياهَا بالمِبرد إظهارًا للصِّغر، وهي عجوز؛ لأنَّ ذلك يكون للصِّغار غالبًا، وذلك حرام (لِلْحُسْنِ) أي: لأجل التَّحسين؛ لما فيه من التَّزوير، فلو احتاجَتْ إليهِ لعلاجٍ أو عيبٍ في السِّن؛ فلا، ويجوز أن تتعلَّق اللام بالأفعالِ المذكُورة، والأظهر تعلُّقها بالأخير (المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ) كالتَّعليل لوجوب اللَّعن، وهو صفةٌ لازمةٌ لمن تصنَّع الوشم والنَّمص والفَلْج (فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لا يعرفُ اسمها، وقد أدركَها عبدُ الرَّحمن بنُ عابسٍ، كما في الطَّريق الَّتي بعد [خ¦٤٨٨٧] (فَجَاءَتْ) إلى ابنِ مسعودٍ (فَقَالَتْ) له: (إنَّه بَلَغَنِي أَنَّكَ) ولأبي ذرٍّ: «عنكَ أنَّك» (لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ) تعني: الواشِمات … إلى آخره، (فَقَالَ) ابنُ مسعودٍ لها: (وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللهِ) عطفٌ على «من
стр. 9102
لعن» أي: ما لي لا ألعنُ من هو في كتابِ الله ملعونٌ؛ لأنَّ فيه وجوب الانتهاءِ عمَّا نهاه الرَّسول؛ لقوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ففاعلُ ذلك ظالمٌ، وقد قالَ الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. (فَقَالَتْ) أمُّ يعقوبٍ: (لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ) دفَّتي المصحف، وكانت قارئةً للقرآنِ (فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ) من اللَّعن (قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ؛ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ) فيهِ، وإثبات الياء في «قرأتيهِ» و «وجدتيهِ» (١) لغة، والأفصحُ حذفها في خطابِ المؤنَّث في الماضي، لكنَّها تولَّدت من إشباعِ كسر التاء، واللام في «لئن» موطئةٌ للقسم، والثَّانية لجوابه الَّذي سدَّ مسدَّ جواب الشَّرط (أَمَا قَرَأْتِ) بتخفيف الميم، قولَه تعالى: (﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؟ قَالَتْ: بَلَى) قرأتُه (قَالَ) ابنُ مسعودٍ: (فَإِنَّهُ) ﷺ (قَدْ نَهَى عَنْهُ) بفتح الهاء، وهذه الآيةُ وإن كان سببُ نزولِها أموال الفيءِ فلفظها عامٌّ، يتناول كلَّ ما أمرَ به الشَّارع ﵊ أو نهى عنه، ولذا استنبطَ ابنُ مسعودٍ منها ذلك، ويحتملُ أن يكون سمع اللَّعن من النَّبيِّ ﷺ ، كما في بعضِ طرقِ الحديث.
(قَالَتْ) أمُّ يعقوب لابنِ مسعودٍ: (فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ) زينب بنتَ عبد الله الثَّقفيَّة (يَفْعَلُونَهُ) ولمسلمٍ: فقالت: إنِّي أرى شيئًا من هذا على امرأتكَ (قَالَ) ابنُ مسعودٍ لها: (فَاذْهَبِي) إلى أهلي (فَانْظُرِي. فَذَهَبَتْ) إليها (فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ) بها (مِنْ حَاجَتِهَا) الَّتي ظنَّت أنَّ زوجَ ابن مسعودٍ كانت تفعلُه (شَيْئًا) فعادتْ إليه وأخبرتهُ (فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ) أي: زينب (كَذَلِكَ) تفعلُ (٢) الذي ظننتِيه (٣) (مَا جَامَعَتْنَا) بفتح الميم والعين وسكون الفوقية: ما صاحبتنَا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما جامعتُها» أي: ما وطئتهَا، وكلاهما كنايةٌ عن الطَّلاق.
وهذا الحديثُ أخرجَه أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٣١].
стр. 9103
٤٨٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبدِ اللهِ المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بنُ مهديٍّ البصريُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه (قَالَ: ذَكَرْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) بعين مهملة فألف فموحدة مكسورة فسين مهملة، الكوفيِّ (حَدِيثَ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «لعنَ اللهُ» بدلَ: «رسول الله ﷺ »، (الوَاصِلَةَ) التي تصلُ شعرهَا بآخر تكثِّرهُ به، فإن كان الذي تصلُ بهِ شعر آدميٍّ فحرامٌ (١) اتِّفاقًا؛ لحرمةِ الانتفاعِ به كسائرِ أجزائهِ لكرامتهِ بل يدفنُ، وإن كان من غيرهِ؛ فإن كان نجِسًا من ميتة أو انفصلَ حيًّا ممَّا لا يؤكلُ؛ فحرامٌ لنجاستهِ، وإن كان طاهرًا وأذنَ الزَّوج فيه؛ جازَ، وإلَّا فلا (فَقَالَ) أي: عبد الرَّحمن بنُ عابسٍ: (سَمِعْتُهُ مِنِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (مِثْلَ حَدِيثِ مَنْصُورٍ) أي: ابنِ المعتَمر السَّابق.
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ : (﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ﴾) المدينةَ (﴿وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]) أي: ألِفوه، وهم الأنصَار، وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليَربوعيُّ الكوفيُّ، و (٢) نسبهُ لجدِّه لشهرتهِ بهِ، واسمُ أبيه عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ -يَعْنِي: ابْنَ عَيَّاشٍ-) المقرئُ، راوي عاصِم، وسقطَ «يعني: ابنَ عيَّاش» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابنِ عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيِّ الكُوفيِّ (٣) (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديِّ الكوفيِّ أبي يحيى، أنَّه (قَالَ:
стр. 9104
قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب (¬﵁¬) بعد أن طعنَه أبو لؤلؤةَ العِلْج الطَّعنة التي ماتَ منها (١): (أُوصِي) أنَا (الخَلِيفَةَ) من بعدِي (بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الَّذين هاجَروا قبل بيعةِ الرِّضوان، أو الَّذين صلُّوا إلى القِبلتين، أو الَّذين شهِدوا بدرًا (أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ) بفتح همزة «أَن» (وَأُوصِي الخَلِيفَةَ) أيضًا (بِالأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّؤُوْا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) صفةً لـ «الأنصارِ»، وضُمِّن «تبوَّؤوا» معنى: لزمُوا، فيصحُّ عطف «الإيمان» عليه، إذ (٢) الإيمان لا يتبوَّأ، أو هو نصب بمقدَّر، أي: واعتقدوا، أو تُجِوِّزَ في الإيمان، فجعلَ لاختلاطهِ بهم وثباتِهم عليه كالمكانِ المحيط بهم وكأنَّهم نزلوه، وحينئذٍ فيكون فيه الجَمع بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدةٍ وفيه خلافٌ، أو سمَّى المدينة -لأنَّها دار الهجرة ومكان ظهورِ الإيمانِ- بالإيمانِ، أو نصب على المفعول معه، أي: مع الإيمان معًا (٣) (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إليهم بسنتين (أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ) ما دونَ الحدودِ وحقوقِ العباد.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ) وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ (الخَصَاصَةُ) في قولهِ تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (الفَاقَةُ) ولأبي ذرٍّ: «فاقة» وقيل: حاجةٌ إلى ما يؤثرونَ به (﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]) هم (الفَائِزُونَ بِالخُلُودِ) قالهُ الفرَّاء.
(الفَلَاحُ) ولأبي ذرٍّ: «والفَلاحُ» (البَقَاءُ) قال لبيدٌ:
نَحُلُّ (٤) بِلادًا كُلَّها حُلَّ قَبْلَنا … ونَرْجُو فَلاحًا بعْدَ عَادٍ وحِمْيَر
стр. 9105
(حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ) أي: (عَجِّلْ) أي: أقبِل (١) مُسرعًا، وقال ابنُ التِّين: لم يقلْهُ أحدٌ من أهل اللُّغة، إنَّما قالوا: معناهُ: هلمَّ وأقبلْ (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ -وسقطت «الواو» لأبي ذرٍّ- (﴿حَاجَةً﴾) في قولهِ: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩] أي: (حَسَدًا) وصلهُ عبدُ الرَّزَّاق عنه. وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بضم الفاء وفتح المعجمة مصغَّرًا، و «غَزْوان»: بغين مفتوحة فزاي ساكنة معجمتين، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (٢)، سلمان (٣) (الأَشْجَعِيُّ) بالمعجمة والجيم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) هو أبو هريرةَ، كما وقع مفسَّرًا في رواية الطَّبريِّ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ) المشقَّة والجوعُ (فَأَرْسَلَ) ﵊ (إِلَى نِسَائِهِ) أمَّهات المؤمنين يطلبُ منهنَّ ما يضيِّفه به (فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا) بتخفيف اللام، للتَّحضيضِ (رَجُلٌ يُضَيِّفُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يُضَيِّفه» بزيادة الضَّمير والتحتية مضمومة والضاد المعجمة مفتوحة بعدها تحتية مشدَّدة فيهما (هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللهُ)
стр. 9106
بصيغة المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «﵀» (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو طلحَة، وتردَّد الخطيبُ هل هو زيدُ بنُ سهلٍ المشهور، أو صحابيٌّ آخر يكنَّى أبا طلحَة؟ وليس هو أبا (١) المتوكِّل النَّاجي؛ لأنَّه تابعيٌّ إجماعًا (فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) أضيِّفه (فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ) أمِّ سُلَيم: هذا (ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَا تَدَّخِرِيهِ) بتشديد الدال المهملة، أي: لا تمسكِي عنه (شَيْئًا) من الطَّعام (قَالَتْ: وَاللهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ) بكسر الصاد، جمع: صبيٍّ، أنس وإخوته (قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ) بفتح العين (فَنَوِّمِيهِمْ) حتَّى لا يأكلوا، وقول البرْماويِّ -كالكرْمانيِّ-: وهذا القدرُ كان فاضلًا عن قدرِ ضرورتهم، وإلَّا فنفقةُ الأطفالِ واجبةٌ والضِّيافة سُنَّة. فيه نظرٌ؛ لأنَّها صرَّحت بقولها: والله ما عندي إلَّا قوتُ الصِّبية. فلعلَّها علمتْ صبرهُم لقلَّة جوعِهم، وهيَّأت لهم ذلك (٢) ليأكُلوه على عادةِ الصِّبيان للطَّلب من غير جوعٍ يضرُّ (٣) (وَتَعَالَيْ) بفتح اللام وسكون الياء (فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ) بهمزة قطع (وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ) أي: نجمعُها؛ لأنَّ الجُوع يطوي جلدَ البطن (فَفَعَلَتْ) زوجتُه ذلك (ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ) ﵊: (لَقَدْ عَجِبَ اللهُ -أَوْ: ضَحِكَ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، أي: رضي وقبل (مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ) أبي طلحةَ وأمِّ سُليم أو غيرهما على الخلافِ (فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]).
وهذا الحديثُ ذكره في «بابِ قولِ الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾». من «مناقبِ الأنصار» [خ¦٣٧٩٨].
(((٦٠))) (المُمْتَحِنَةِ) قال السُّهيليُّ: بكسر الحاء، المُخْتَبِرة، أضيفَ إليها الفعل مجازًا، كما سمِّيت سورة براءة الفاضِحةَ؛ لكشفِها عن عيوبِ المنافقين. ومن قال: الممتحَنة -بفتح الحاء- فإنَّه
стр. 9107
أضافها إلى المرأة الَّتي نزلت فيها، والمشهور أنَّها أمُّ كلثوم بنتُ عُقبة بنِ أبي مُعَيط، امرأة عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ، وهي مدنيَّة، وآيُها ثلاث عشرة (١)، ولأبي ذرٍّ: «سورة الممتحنة، بسم الله الرحمن الرحيم».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ [الممتحنة: ٥]) أي: (لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ عَلَى الحَقِّ؛ مَا أَصَابَهُمْ هَذَا) وزاد في روايةِ الفِريابيِّ: «ولا بعذابٍ من عِندك».
(﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]) جمع: كافرةٍ؛ كضَوارب في ضاربة. قال مجاهِد (٢): (أُمِرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الميم، مبنيًّا للمفعول (بِفِرَاقِ نِسَائِهِمْ، كُنَّ كَوَافِرَ بِمَكَّةَ) لقطعِ إسلامهم النِّكاح.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ : (﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾) أي: كفَّار مكَّة (﴿أَوْلِيَاء﴾ [الممتحنة: ١]) في العونِ والنُّصرة، وقوله: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ مفعول (٣) الاتخاذ، والعدوُّ لما كان بزِنة المصادر وقعَ على الواحدِ فما فوق (٤)، وأضافَ العدوَّ لنفسهِ تعالى تغليظًا في جُرْمهم (٥)، وسقط «الباب» ولاحقه لغير أبي ذرٍّ.
стр. 9108
٤٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) بنِ أبي طالبٍ (أنَّه سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ) بضم العين وفتح الموحدة مصغَّرًا، واسم أبي رافع: أسلَم مولى رسولِ الله ﷺ (كَاتِبَ عَلِيٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ) بنَ العوَّام (وَالمِقْدَادَ) بنَ الأسودِ (فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بخاءين معجمتين بينهما ألف، موضعٌ بين مكَّة والمدينة (فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً) بفتح المعجمة وكسر المهملة، امرأةً في هودجٍ، اسمها: سارة، بالمهملة والراء (مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا) قال عليٌّ: (فَذَهَبْنَا تَعَادَى) بفتح التاء والعين والدال المهملتين بينهما ألف، أي: تتباعدُ وتتجَارى (بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ) المذكُورة (فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا) لها: (أَخْرِجِي الكِتَابَ) الَّذي معك؛ بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء (فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «قالتْ»: (مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ) بضم التاء وسكون المعجمة وكسر الراء والجيم (أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ) بنون التَّوكيد الشَّديدة وإثبات التحتية مكسورة بعد القاف، والأصل حذفها؛ لأنَّ النون الثَّقيلة إذا
стр. 9109
اجتمعت مع الياء الساكنة حذفت الياء للساكنين، وأثبتها مشاكلة لـ «تُخْرجنَّ» (فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا) بكسر العين وبالقاف: شعرهَا المضفُور (فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وسقطَ قوله: «به» لغيرِ الكُشمِيهنيِّ (فَإِذَا فِيهِ) في الكتابِ: (مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ) بالحاء والطاء المكسورة المهملتين بعدها موحدة، و «بَلْتعة»: بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها فوقية (إِلَى أُنَاسٍ) بضم الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «إلى ناسٍ» (مِنَ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من تجهيزهِ للجيشِ الكثير لمكَّة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (مَا هَذَا) الكتاب (يَا حَاطِبُ؟ قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ) بالحلفِ والولاءِ (وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ) أي: حين (فَاتَنِي) ذلك (مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا) أي: يدَ منَّةٍ عليهم (يَحْمُونَ) بها (قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّه قَدْ صَدَقَكُمْ) بتخفيف الدال (فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (دَعْنِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١): «فدَعْني» (يَا رَسُولَ اللهِ فَأَضْرِبَ) بالنَّصب (عُنُقَهُ. فَقَالَ) ﵊: (إنَّه شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا) ولأبي ذرٍّ: «فما» (يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) الذين حضَروا وقعتَها (فَقَالَ) مخاطبًا لهم خطابَ تكريم: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) في المستقبل (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) عبَّر عن الآتي بالواقع مبالغةً في تحقُّقه، قال القرطبيُّ: والمعنى أنَّهم حصلَت لهم حالةً غُفرت بها ذنوبهم السَّابقة، وتأهَّلوا أن تغفر لهم الذُّنوب اللَّاحقة إن وقعت منهم، ومعنى التَّرجِّي هنا -كما قاله النَّووي- راجعٌ إلى عمر؛ لأنَّ وقوع هذا الأمر محقَّقٌ عند الرَّسول.
(قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينارٍ، بالإسناد السَّابق: (وَنَزَلَتْ فِيهِ) أي: في حاطبِ بنِ أبي بَلتعة (٢)
стр. 9110
(﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾) وزادَ أبو ذرٍّ: «﴿أَوْلِيَاء﴾» [الممتحنة: ١] (قَالَ) أي: سفيانُ ابنُ عيينةَ: (لَا أَدْرِي الآيَةَ فِي الحَدِيثِ) عن عليٍّ (أَوْ قَوْلُ عَمْرٍو) يعني: ابنَ دينارٍ موقوفًا عليه.
وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ (قِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: قيلَ» (لِسُفْيَانَ) بنِ عُيينة: (فِي (١) هَذَا) أي: في أمرِ حاطبٍ (فَنَزَلَتْ) ولأبي ذرٍّ: «نزلتْ» (﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾) وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الآية».
(قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا فِي حَدِيثِ النَّاسِ) ورواياتهم، وأمَّا الذي (حَفِظْتُهُ) أنا (مِنْ عَمْرٍو) يعني: ابنَ دينارٍ هو الَّذي رويتُه عنه من غيرِ ذكر النُّزول (وَمَا تَرَكْتُ (٢) مِنْهُ حَرْفًا، وَمَا أُرَى) بضم الهمزة، ما أظنُّ (أَحَدًا حَفِظَهُ) من عَمرو (غَيْرِي) فلم يجزمْ سفيان برفعِ هذه الزِّيادة، وسقطَ قولُه: «حَدَّثنا عليٌّ … » إلى هنا لأبي الهَيثم.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ : (﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]) من الكفَّار بعد الصُّلح معهم في الحُديبية، على أنَّ من جاء منهم إلى المؤمنين يردُّ.
٤٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصورِ بنِ بهرامَ الكَوسجُ المَرْوزيُّ، أو: ابنُ إبراهيمَ بنِ رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (يَعْقُوبُ بْنُ
стр. 9111
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيم (١) بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ، وسقط «ابنِ سعدٍ» لغير أبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ عبدِ الله بنِ مسلم (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهري، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ (٢) ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُ) أي: يختَبر (مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ) من مكَّة إلى المدينة قبلَ عامِ الفتحِ (مِنَ المُؤْمِنَاتِ بِهَذِهِ الآيَةِ) فيما يتعلَّق بالإيمانِ، ممَّا (٣) يرجع إلى الظَّاهر دون الاطِّلاع على ما في القُلوب، كما قالَ الله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنَّه المطَّلع على ما في قلوبهنَّ (بِقَوْلِ اللهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]) وفي «الشُّروط» [خ¦٢٧١٣] كان يمتحنهنَّ بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ … إلى ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] وعن قتادةَ فيما أخرجه عبدُ الرَّزاق أنَّه ﵊ كان يمتَحن من هاجر من النساء: بالله ما خرجتِ (٤) إلَّا رغبةً في الإسلامِ وحبًّا لله ورسولهِ. وزاد مجاهدٌ: ولا خرجَ بك عشقُ رجلٍ منَّا، ولا فِرار من زوجِك. وعند البزَّار: أنَّ الَّذي كان يحلفهنَّ عن أمرِ رسولِ الله ﷺ له (٥) عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁.
(قَالَ عُرْوَةُ) بالسَّند السَّابق: (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ) شرط الإيمان (مِنَ المُؤْمِنَاتِ) وفي الطَّبرانيِّ (٦) من طريقِ العَوفيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: كان امتحانهنَّ أن يشهدْنَ أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وهذا لا يُنافي ما روي: أنَّه كان يمتحنَهنَّ بأنهنَّ ما خرجْنَ من بغضِ زوجٍ … إلى آخر ما ذكر؛ لأنَّه زيادةُ بيانٍ لقولهِ: ما خرجت إلَّا رغبةً في الإسلامِ، فإذا قالت ذلك (قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ بَايَعْتُكِ. كَلَامًا) أي: بالكلامِ لا باليدِ؛ كما كان يُبايع الرِّجال بالمصافَحة باليدينِ (وَلَا وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي المُبَايَعَةِ، مَا يُبَايِعُهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ) للمرأة (قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذَلِكِ) بكسر الكاف، قال في «الفتح»: وكأنَّ عائشةَ أشارتْ
стр. 9112
بذلك إلى الرَّد على ما جاء عن أمِّ عطيَّة عند ابنَي خُزيمة وحبَّان والبزَّار في قصَّة المبايعة: فمدَّ يدَه من خارجِ البيتِ، ومددنَا أيدينَا من داخلِ البيتِ، ثمَّ قال: «اللَّهمَّ اشهَدْ» (١) فإنَّ فيهِ إشعارًا بأنهنَّ كنَّ يبايعنَه بأيديهنَّ، وأُجيب بأنَّ مدَّ اليد لا يستلزمُ المصافَحة، فلعلَّه إشارة إلى وقوعِ المُبايعة، وكذا قوله في البابِ اللَّاحق: فقبضتِ امرأةٌ منَّا يدهَا (٢) [خ¦٤٨٩٢]. لا دَلالةَ فيه أيضًا على المُصافحة، فيُحتمل أن يكون المرادُ بقبضِ اليد التَّأخر عن القبولِ، نعم، يُحتمل أنهنَّ كنَّ يأخذْنَ بيدهِ الكريمةِ مع وجودِ حائلٍ، ويشهدُ له ما رواهُ أبو داود في «مراسيله» عن الشَّعبيِّ: أنَّه ﷺ حين بايعَ النِّساء أتى ببردٍ قِطْري فوضعَه على يدهِ وقال: «لَا أصافحُ النِّساء».
وهذا الحديثُ ذكره أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٨٨].
(تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ أخي ابن شهابٍ (يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ، فيما وصلهُ المؤلِّف في الطَّلاق [خ¦٥٢٨٨] (وَمَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ، فيما وصلَه أيضًا في «الأحكامِ» [خ¦٧٢١٤] (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) القُرشيُّ، فيما وصلَه ابنُ مَرْدويه في «تفسيره» ثلاثتهم: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلم ابنِ شهابٍ (وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الجَزَريُّ الحرَّانيُّ، فيما وصلَه الذُّهلي في «الزُّهريَّات»: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (وَعَمْرَةَ) بنت عبدِ الرَّحمن، فجمعَ بينهما.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾) يوم الفتح (﴿يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]) سقط «باب» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 9113
٤٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبدُ الله بنِ عمرٍو المقعدُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابنُ سعيدٍ التَّنُّوريُّ -بفتح الفوقية وتشديد النون- قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيَانيُّ (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أمِّ الهُذيل، الأنصاريَّة البصريَّة (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنتِ الحارث (¬﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ) رفع الصَّوت على الميِّت بالنَّدب، وهو عدُّ محاسنهِ كـ: وَاكهفاهُ واجبلاهُ (فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ) هي أمُّ عطيَّة (يَدَهَا) عن المبايعةِ (فَقَالَتْ: أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ) أي: قامتْ معي في نياحةٍ على ميِّتٍ لي تواسِيني. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على اسمِ فلانةٍ (أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا) بفتح الهمزة وسكون الجيم وكسر الزاي المعجمة، بالإسعاد (فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا) بل سكت (فَانْطَلَقَتْ) من عنده (وَرَجَعَتْ) إليه ﵊ (فَبَايَعَهَا) وللنَّسائيِّ: قال: «فاذهَبي (١) فأسعدِيها (٢)». قالت: فذهبت فساعدتها، ثمَّ جئتُ فبايعتُه، وعند مسلمٍ: أنَّ أمَّ عطيَّة قالت: إلَّا آل فلانٍ، فإنَّهم كانوا أسعدُوني في الجاهليَّة، فلا بدَّ لي من (٣) أن أسعدَهُم، فقال رسولُ الله ﷺ : «إلَّا آل فلانٍ» وحمله النَّوويُّ على التَّرخيص (٤) لأمِّ عطيَّة في آلِ فلانٍ خاصَّة، قال: فلا تحلُّ النِّياحة لغيرِها، ولا لها في غيرِ آل فلانٍ، كما هو صريحُ الحديث، وللشَّارع أن يخصَّ من العموم ما شاء. انتهى.
وأُوردَ عليه حديث ابنِ عبَّاسٍ عندِ ابن مَرْدويه، وفيه (٥) قال: لمَّا أخذ رسولُ الله ﷺ
стр. 9114
على النِّساء فبايعهنَّ ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ الآية. قالت خولةُ بنت حكيمٍ: يا رسولَ الله، كانَ أبي وأخي ماتَا في الجاهليَّة، وإنَّ فلانةً أسعدَتْني وقد ماتَ أخوها … الحديث. وحديثُ أمِّ سلمةَ أسماءَ بنتِ يزيدٍ الأنصاريَّة عند التِّرمذيِّ، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ بني فلانٍ أسعدوني على عمِّي، ولا بدَّ لي من قضائهنَّ، فأبى، قالت: فراجعتُه مرارًا فأذنَ لي، ثمَّ لم أنُح بعد ذلك.
وعندَ أحمد والطَّبري (١) من طريقِ مصعب بنِ نوحٍ، قال: أدركتُ عجوزًا لنا (٢) فيمن بايعَ رسولَ الله ﷺ قالتْ: فأخذَ علينا، ولا تَنُحْنَ، فقالت عجوزٌ: يا نبيَّ اللهِ، إنَّ ناسًا كانوا أسعَدونا على مصائب أصابَتْنا، وإنَّهم قد أصابتْهُم مُصيبة، فأنا أريدُ أن أسعدهُم، قال: «اذْهَبي فكافئِيهم» قالت: فانطلقتُ فكافأتُهم، ثمَّ إنَّها أتت فبايعته. وحينئذٍ فلا خصوصيَّة لأمِّ عطيَّة، والظَّاهر أنَّ النِّياحة كانت مباحة، ثمَّ كُرهت كراهةَ تنزيهٍ، ثمَّ تحريمٍ، فيكون الإذنُ لمن ذُكِر وقعَ لبيانِ الجواز مع الكراهة، ثمَّ لما تمَّت مبايعةُ النِّساء وقعَ التَّحريم فوردَ حينئذٍ الوعيدُ الشَّديد.
وفي حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ عندَ أبي يعلى: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «النَّائحةُ إذا لم تتبْ قبلَ موتِها تقامُ يوم القيامةِ عليها سِرْبالٌ من قَطِران ودِرْعٌ من جَرَب».
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧٢١٥].
٤٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جريرُ بنُ حازمٍ الجهضميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ) بنَ خِرِّيْت -بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وبعد التحتية الساكنة فوقية- البَصريَّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، يقول (٣) (في قولهِ) تعالى: (﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قَالَ: إِنَّمَا هُوَ) يعني: النَّوح، أو لا يخلونَّ الرَّجل بالمرأةِ، أو أعم (شَرْطٌ شَرَطَهُ اللهُ لِلنِّسَاءِ) أي:
стр. 9115
عليهنَّ، وهذا لا ينفي (١) أن يكونَ شرطًا للرِّجال أيضًا، فقد بايعهُم في العقبةِ على ذلك؛ لأنَّ مفهوم اللَّقب لا اعتبارَ به.
٤٨٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بنُ مسلم ابنِ شهاب: (حَدَّثَنَاهُ) هو من تقديمِ الاسم على الفعلِ، أي: حدَّثنا الزُّهري بالحديثِ الذي يريدُ أن يذكرَهُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذُ الله -بالمعجمة- الخَوْلانيُّ -بفتح الخاء المعجمة- أنَّه (سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَتُبَايِعُونِي) ولأبي ذرٍّ: «أتبايعونَني» (عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا) فيه حذف المفعول؛ ليدلَّ على العمومِ (وَقَرَأَ آيَةَ النِّسَاءِ): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ الاية [الممتحنة: ١٢]. وسقطت واو «وقرأ» لأبي ذرٍّ (٢) (وَأَكْثَرُ لَفْظِ سُفْيَانَ) بن عُيينة (قَرَأَ الآيَةَ) بدون لفظ: «النِّساء». ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «قرأَ فِي الآيةِ» والأُولَى أَولى (فَمَنْ وَفَى) بالتَّخفيف (مِنْكُمْ) بأن ثبتَ على العهدِ (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا منه عليه بأن يُدخله الجنَّة (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غيرَ الشِّرك (فَعُوقِبَ) زاد أحمدُ: «به» أي: بسببهِ في الدُّنيا بأن أقيمَ عليه الحدُّ (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) فلا يعاقب عليه في الآخرة، كما عليه الأكثر؛ لأنَّ الحدود كفَّارات (وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) ممَّا يوجب الحدَّ (٣)،
стр. 9116
ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من ذلك شيئًا» (فَسَتَرَهُ اللهُ فَهْوَ) مفوَّض (إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) عدلًا (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) فضلًا، ولأبي ذرٍّ: «غُفر له منهَا» (تَابَعَهُ) أي: تابع سفيان (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ، عن الزُّهريِّ، وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «في الآيةِ» ووصلهُ مسلمٌ عن عبد بنِ حميدٍ، عن عبدِ الرَّزَّاق. عَقِب روايةِ سفيان، وقال في آخرهِ: وزادَ في الحديثِ: فتلا علينَا آيةَ النساء: ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾. وهذه المبايعةُ كانت ليلة العقبةِ الأولى، كما وقعَ البحثُ فيهِ في «كتابِ الإيمان» [خ¦١٨]، فراجعه.
٤٨٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقَةُ قال: (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) البغداديُّ المروزيُّ، الضَّريرُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريُّ الفَقيه (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي) عطفٌ على محذوف (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز (أَنَّ الحَسَنَ بْنَ مُسْلِمٍ) اسم جدِّه: يَنَّاق -بالتحتية وتشديد النون وبعد الألف قاف- المكِّيَّ (أَخْبَرَهُ عَنْ طَاوُسٍ) اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلَاةَ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ) مع (١) (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃¬) في خلافتِهم (فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا) أي: صلاةَ العيد (قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا فرغَ من الخُطبةِ (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ) بفتح الجيم وتشديد اللام المكسورة (ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ مَعَ بِلَالٍ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾) يريدُ وَأْدَ البنات (﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]) أي: بولدٍ ملقوطٍ ينسبنَهُ إلى
стр. 9117
الزَّوج (حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ: أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ) بكسر الكاف، خطابًا للنِّساء، أي: على المذكورِ في الآية (وَقَالَتِ) ولأبي ذرٍّ: «فقالتْ» «بالفاء» بدل: «الواو»، (امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ) منهنَّ (لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا يَدْرِي الحَسَنُ) بنُ مسلمٍ الرَّاوي (مَنْ هِيَ) وقيل: إنَّها أسماءُ بنت يزيد (قَالَ) ﵊: (فَتَصَدَّقْنَ، وَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ) بفتحات وآخره معجمة، الخواتيم العِظام، أو حِلَق من فضَّة لا فصَّ فيها (وَالخَوَاتِيمَ) الصِّغار (فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) ليتصدَّقَ (١) به عنهنَّ فيمن يستحقُّ.
(((٦١))) (سورة الصَّفِّ): مدنيَّة أو مكِّيَّة، وآيُها أربع عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤]) أي: (مَنْ يَتَّبِعُنِي إِلَى اللهِ؟) بتشديد الفوقية بعد التحتية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من تبعَني» بإسقاط التَّحتية.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهَ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]) أي: (مُلْصَقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ) ولأبي ذرٍّ: «إلى بعضٍ» (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس (٢)، ولأبي ذرٍّ والنَّسفي (٣): «وقالَ يحيى» هو ابنُ زيادٍ الفرَّاء، كما قال الحافظُ أبو ذرٍّ: (بِالرَِّصَاصِ) بفتح الراء ويجوز الكسر (٤).
стр. 9118
(١) (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِن﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين ﴿يَأْتِي مِن﴾ (﴿بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]) قال في «الدُّر»: يحتمل النَّقل من الفعلِ المضارعِ، أو من أفعلِ التَّفضيل، والظَّاهرُ الثَّاني، وعلى كلا الوَجهين فمنْعُه من الصَّرف للعلميَّة والوزن الغالبِ، إلَّا أنَّه على الأوَّل يمتنعُ معرفةً وينصرفُ نكرةً، وعلى الثَّاني يمتنعُ تعريفًا وتنكيرًا؛ لأنَّه تخلفُ العلمية الصِّفة، وإذا نُكِّر بعد كونه علمًا جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش، وهي مسألةٌ مشهورةٌ عند النُّحاة، وأنشد حسَّان يمدحه ﵊ وصرفهُ:
صَلَّى الإِلَهُ ومَنْ يحُفُّ بَعْرشِهِ … والطَّيِّبُونَ عَلَى المُبَارَكِ أَحْمَدِ
فـ «أحمد» بدلٌ أو بيانٌ لـ «المُبَارك».
٤٨٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ) بنِ مطعمٍ (عَنْ أَبِيهِ) جبيرٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ لِي أَسْمَاءً (١)، أَنَا مُحَمَّدٌ) لجمعهِ جلائلَ الخصالِ المحمودةِ، وهذا البناءُ يدلُّ على بلوغِ النِّهاية في الحمدِ (وَأَنَا أَحْمَدُ) أفعلُ من الحمدِ، قطع متعلِّقه للمبالغةِ (وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الكُفْرَ) لأنَّه ﷺ بُعِث والدُّنيا مظلمَةٌ بالكفرِ، فأتى ﷺ بالنُّور السَّاطع حتَّى محاهُ (وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي) بكسر الميم وتخفيف التحتية، أي: على أَثَري وزمانِ نبوَّتي، ليس بعدِي نبيٌّ. وقيل: المراد أنَّه يحشرُ أوَّل الناسِ يوم القيامة. قال الطِّيبي: وهو من الإسنادِ المجازي؛ لأنَّه سببٌ في حشرِ النَّاس؛ لأنَّ النَّاس لم يحشروا ما لم يُحشر (وَأَنَا العَاقِبُ) أي: الَّذي يَخْلُف في الخيرِ من كان قبلهُ.
стр. 9119
(((٦٢))) (سورة الجُمُعَةِ) مدنيَّة، وآيُها إحدى عشرة، ثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ، وكذا «بسم الله الرحمن الرحيم بابٌ» بالتَّنوين (١).
(١) (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) قال في «الدُّر»: مجرور عطفًا على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ أي: وبعث في آخرين من الأُمِّيينَ (﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]) صفةً لـ ﴿آخَرِينَ﴾، أو ﴿آخَرِينَ﴾ منصوب عطفًا على الضَّمير المنصوب في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: ويعلِّم آخرين لم يلحقوا بهم وسيلحقونَ، وكلُّ من تعلَّم شريعةَ محمَّد ﷺ إلى آخر الزَّمان (٢) فرسولُ الله ﷺ معلِّمه بالقوَّة؛ لأنَّه أصلُ ذلك الخير العظيمِ والفضلِ الجسيمِ.
(وَقَرَأَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب فيما رواه الطَّبريُّ: ((فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ)) وهذا ساقطٌ لغير الكُشمِيهنيِّ.
٤٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولغير أبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسِيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التَّيميُّ مولاهُم (عَنْ ثَوْرٍ) باسم الحيوان، المعروف بابنِ زيدٍ الدِّيْلي -بكسر الدال المهملة بعدها تحتية ساكنة-
стр. 9120
(عَنْ أَبِي الغَيْثِ) سالم، مولى عبدِ الله بنِ مُطيع (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ) زاد مسلمٌ: فلمَّا قرأ (﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قالوا: مَن هُم؟» (يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ) ﵊ السَّائل، أي: لم يعدْ عليهِ الجواب (حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا، وَفِينَا سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا) النَّجم المعروفُ (لَنَالَهُ رِجَالٌ -أَوْ: رَجُلٌ- مِنْ هَؤُلَاءِ) الفُرس بقرينةِ سلمان الفارسي (١)، والشَّكُّ من سليمان بنِ بلالٍ؛ للجزم بـ «رجالٍ» من غير شكٍّ في الرِّواية اللَّاحقة [خ¦٤٨٩٨]. وزاد أبو نُعيم في آخرهِ: «برقَّةِ قلوبهمِ»، ومن وجهٍ آخر: «يتَّبعون سُنَّتي ويُكْثرون الصَّلاة عليَّ»، قال القرطبيُّ: وقد ظهرَ ذلك في العيانِ، فإنَّه ظهر فيهم الدِّين وكثُر، وكان وجودُ ذلك فيهم دليلًا من أدلَّة صدقهِ ﵊.
٤٨٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ العَزِيزِ) هو الدَّراورديُّ، كما جزمَ بهِ أبو نُعيم والجيَّانيُّ، ثمَّ المزنيُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ثَوْرٌ) هو ابنُ زيد الدِّيليُّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) سالم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ) قال ابنُ كثيرٍ: ففي هذا الحديث دليلٌ على عمومِ بعثتهِ ﷺ إلى جميعِ النَّاس؛ لأنَّه فسَّر قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس؛ ولذا كتبَ كُتبه إلى فارس والرُّوم وغيرهم من الأممِّ يدعُوهم إلى اللهِ، وإلى اتِّباع ما جاءَ به. وعندَ ابنِ أبي حاتمٍ عن سهلِ بنِ سعد السَّاعديِّ مرفوعًا: «إنَّ في أصلابِ أصلابِ أصلابِ هؤلاءِ (٢) رجالًا ونساء من أمَّتي يدخُلون الجنَّة بغيرِ حسابٍ، ثمَّ قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ الاية [الجمعة: ٣]».
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾) زادَ أبو ذرٍّ: «﴿أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١]» وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 9121
٤٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحَوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحان الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابنُ عبدِ الرَّحمن (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين (وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ) طلحةَ بن نافعٍ، وأبو سفيان (١) ليس على شرطِ البخاريِّ، وإنَّما أخرج له مقرونًا بسالمٍ، فاعتمادهُ عليه لا على أبي سفيانَ، وكلٌّ منهما روى (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ) بكسر العين، إبلٌ تحملُ المِيرةَ، وزعمَ مقاتلُ بنُ حيَّان (٢) أنَّها كانت لدِحْية بن خليفَة الكلبيِّ (٣) قبل أن يُسلم، وكان معها طبلٌ (يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وعندَ أحمد: رسول الله ﷺ يخطبُ (فَثَارَ النَّاسُ) بالمثلثة، تفرَّقوا عنه (إِلَّا اثْنَا) بالرَّفع، وفي نسخةٍ: «إلَّا اثني» (عَشَرَ رَجُلًا، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]) أعاد الضَّمير على التِّجارة دون اللَّهو؛ لأنَّها أهمُّ في السَّبب، أو المراد: إذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، أو لهوًا انفضُّوا إليه، فحذفَ أحدهما لدَلالةِ المذكُور عليه، وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾» وهي (٤) جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل ﴿انفَضُّوا﴾ و «قد»: مقدَّرة عندَ بعضِهم.
(((٦٣))) (سورة المُنَافِقِينَ) (٥) مدنيَّة وآيُها إحدى عشرة.
стр. 9122
(١) (قَوْلُهُ: ﴿إِذَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» هذا (١) «باب» أي: في قولهِ تعالى: ﴿إِذَا﴾ (﴿جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾) جواب الشَّرط (﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ إِلَى: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]) وسقط «إلى ﴿لَكَاذِبُونَ﴾» لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿لَرَسُولُهُ وَاللهُ﴾ «الآية». وقيل: الجوابُ محذوفٌ، ﴿وَقَالُوا﴾ (٢): حال، أي: إذا جاؤوك قائلينَ كيْتَ وكيْتَ؛ فلا تقبل منهم، وقوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ جملة معترضَة بين قوله: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ وقوله: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ﴾ لفائدةٍ أبداها الزَّمخشريُّ في «كشَّافه»؛ وهي أنَّه لو قال: قالوا: نشهد إنَّك لرسول الله، والله يشهدُ إنَّهم لكاذبون؛ لكان يوهم أنَّ قولهم هذا كذبٌ، فوسَّط بينهما قوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ليميطَ هذا الإيهامَ، قال الطِّيبي: وهذا نوعٌ من التَّتميم لطيفُ المسلَك. وقال في «المصابيح»: واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] على أنَّ الكذبَ هو عدمُ مطابقةِ الخبر لاعتقادِ المُخبر، ولو كان خطأً، فإنَّه تعالى جعلَهم كاذبينَ في قولهِم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ﴾ لعدم مطابقتهِ لاعتقادِهم، وإن كان مطابقًا للواقعِ. وردَّ هذا الاستدلال بأنَّ المعنى: لكاذبونَ في الشَّهادة وفي ادِّعائهم المواطأة، فالتَّكذيب راجعٌ إلى الشَّهادة باعتبارِ تضمُّنها خبرًا كاذبًا غير مطابقٍ للواقعِ، وهو أنَّ هذه الشَّهادة من صميمِ القلبِ وخُلوص الاعتقاد بشهادةِ إنَّ والجملة الاسميَّة، وبأنَّ المعنى: إنَّهم لكاذبون في تسميةِ هذا الخبرِ شهادة؛ لأنَّ الشَّهادة ما تكون على وفقِ الاعتقادِ. والمعنَى: إنَّهم لكاذبون في قولهِم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ﴾ لكن لا في الواقعِ بل في زعمِهم الفاسدِ واعتقادِهم الباطل؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّه غيرُ مطابقٍ للواقع، فيكون كذِبًا باعتبارِ اعتقادهم، وإن كان صِدقًا في نفسِ الأمر، فكأنَّه قيل: إنَّهم يزعمون إنَّهم لكاذبونَ في هذا الخبرِ الصَّادق، وحينئذٍ لا يكون الكذبُ إلَّا بمعنَى عدمِ المطابقة للواقعِ. انتهى.
стр. 9123
٤٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَاني -بضم الغين المعجمة والدال المهملة المخففة-، قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِي غَزَاةٍ) هي غزوةُ تبوك، كما عندَ النَّسائيِّ، وعندَ أهلِ المغازي أنَّها غزوةُ بني المُصطلقِ، ورجَّحه ابنُ كثيرٍ بأنَّ عبد الله بن أبيٍّ لم يكن ممَّن خرجَ في غزوةِ تبوك بل رجعَ بطائفةٍ من الجيشِ. لكن أيَّد في «الفتح» القولَ بأنَّها غزوة تبوك بقولهِ في روايةِ زهير الآتية [خ¦٤٩٠٣]-إن شاء الله تعالى-: في سفرٍ أصابَ النَّاس فيه شدَّة (فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) هو ابنُ سَلُول رأسُ النِّفاق (يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) من المهاجِرين (حَتَّى يَنْفَضُّوا) يتفرَّقوا (مِنْ حَوْلِهِ) وسمعتُه يقول: (وَلَوْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولئِن» (رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى المدينةِ من عندِهِ» (لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ) يريدُ نفسَه (مِنْهَا الأَذَلَّ) يريدُ الرَّسولَ ﵊ وأصحابه.
قال زيدُ بنُ أرقم: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الَّذي قاله عبدُ الله بنُ أبيٍّ (لِعَمِّي) هو سعدُ بنُ عبادةَ، كما عندَ الطَّبرانيِّ وابنِ مَرْدويه، وليس هو عمَّه حقيقةً، وإنَّما هو سيدُ قومِه الخزرج (أَوْ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب، بالشَّكِّ، وعند التِّرمذيِّ -كسائرِ الرِّوايات الآتية [خ¦٤٩٠١]-: عمِّي بدون شكٍّ (فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَدَعَانِي) ﵊ (فَحَدَّثْتُهُ) بذلك (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ) فسألهُم عن ذلك (فَحَلَفُوا مَا قَالُوا) ذلك (فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بتشديد الذال المعجمة (وَصَدَّقَهُ) بتشديد المهملة، أي: صدَّق عبدَ الله بنَ أبيٍّ (فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ) في الزَّمن الماضِي (فَجَلَسْتُ فِي البَيْتِ، فَقَالَ لِي عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بتشديد المعجمة (١)، في الفَرْع وقف تنكز: «ما أردتَ إِلَّا» بتشديد اللام، وفي فَرْع غيره ككثير: «إلى» الجارَّة، وهو الَّذي في «اليونينية» (٢) (وَمَقَتَكَ)
стр. 9124
وعند النَّسائي: ولامَني قومِي (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]) وعند النَّسائيِّ: فنزلتْ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ حتَّى بلَغ: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٧ - ٨] (فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ) ما أنزلَه الله عليهِ من ذلك (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ).
وهذا الحديثُ أخرجَه مسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، وكذا النَّسائيُّ.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين؛ أي (١): في قولهِ : (﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾) حلفهم الكاذِب (﴿جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] يَجْتنُّونَ) يستترون (بِهَا) عن أموالهِم ودمائهِم، وسقط لفظ «باب» لغيرِ أبي ذرٍّ.
٤٩٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁¬) أنَّه قال: (كُنْتُ مَعَ عَمِّي) سعدِ بنِ عبادةَ، أو عبد اللهِ بنِ رواحَة؛ لأنَّه كان في حجرهِ. قالَه الكَرْمانيُّ (فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بالتنوين (ابْنَ سَلُولَ) بنصب «ابن» صفةً لـ «عبدِ اللهِ»، و «سلولَ»: اسم أمِّه غير منصرفٍ، والألف ثابتةٌ في «ابن» (يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) من حولهِ (وَقَالَ) عبدُ الله بن أبيٍّ (أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا) وسقطَ لفظُ «أيضًا» لأبي ذرٍّ (إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا) أي: من المدينةِ (الأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَ عَمِّي) ذلك (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى
(وَقَالَ أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ) أي: إلى آخرِ قوله المحكيِّ في الآية (أَخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بعد إنكارِ عبد الله ذلك، أو أخبرتُه على لسانِ عمِّي (فَلَامَنِي الأَنْصَارُ) على ذلك (وَحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) أنَّه (مَا قَالَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى المَنْزِلِ) مهمُومًا حزينًا (فَنِمْتُ، فَدَعَانِي) أي: فطلبني (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «فأتاني رسولُ الله ﷺ » (١) (فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَنَزَلَ) قولَه تعالى: (﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا﴾ الاية [المنافقون: ٧]).
(وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو يحيى بنُ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ فيما وصلَهُ النَّسائيُّ: (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مهران (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ مرَّة (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن (عَنْ زَيْدٍ) هو ابنُ أرقم ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
(٣ م) (بابُ) قوله : (﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾) لحسنِ منظرهِم، كما يأتي (﴿وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾) لفصاحتِهم (﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ تقديره: هم كأنَّهم (٢)، أو في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضَّمير في ﴿قَوْلِهِمْ﴾ أي: تسمع لما يقولونَهُ مشبَّهين بأخشابٍ منصوبةٍ مسنَّدة إلى الحائطِ في كونِهم أشباحًا خاليةً عن العلمِ والنَّظر (﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ﴾) تصاحُ واقعةً (﴿عَلَيْهِمْ ة﴾) لما في قلوبِهم من الرُّعب، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هو المفعولُ الثَّاني للحُسبان، وقوله: (﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾) جملةٌ مُستأنفةٌ، أخبرَ اللهُ عنهم بذلك (﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾) فلا تأمنْهُم على سرِّك؛ لأنَّهم عيونٌ لأعدائكَ ينقلونَ إليهم أسراركَ (﴿قَاتَلَهُمُ اللهُ﴾) أهلَكهم (﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]) أي: كيف يُصرفون عن الإيمانِ بعد قيامِ البُرهان؟ وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿كَأَنَّهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» بعد قوله: ﴿لِقَوْلِهِمْ﴾ وسقط لغيرهِ لفظ «باب».
стр. 9127
٤٩٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، الحرَّانيُّ الجزريُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) الجُعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) ﵁ (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) غزوةِ تبوك أو بني المُصطلق (أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ) من قلَّة الزَّاد وغيرِه. قال ابنُ حجرٍ: وهو يؤيِّد أنَّها غزوة تبوك (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لأَصْحَابِهِ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ) كذا في قراءةِ عبدِ الله، وهو مخالفٌ لرسمِ المصحف، ويحتملُ أن يكونَ من تفسيرِ عبدِ الله (وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) وأخرجَ الحاكمُ في «الإكليل» من طريقِ أبي الأسود عن عروةَ: أنَّ هذا القول وقعَ من عبدِ الله بنِ أبيٍّ بعد أن قفلُوا من الغزوِ، قال زيدٌ: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ) عن ذلك (فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ) في «اليونينية»: «فاجتهدْ يمينه» بسكون الدال (١)، أي: بذلَ وسعهُ وبالغَ فيها، أنَّه (مَا فَعَلَ) أي: ما قالَ ذلك (قَالُوا) يعني: الأنصار: (كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بتخفيف المعجمة، و «رسولَ» نُصِب على المفعوليَّة (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوا شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقِي فِي: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ) ممَّا قالوا (فَلَوَّوْا (٢) رُؤُوْسَهُمْ) عطفوها إعراضًا واستكبارًا عن استغفارِ الرَّسول ﵊ لهم.
(وَقَوْلُهُ: ﴿خُشُبٌ﴾) بإسكان الشين وضمها (٣) (﴿مُّسَنَّدَةٌ﴾ قَالَ: كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهذا وقعَ في نفسِ الحديث، وليس مدرجًا، فقد أخرجَه أبو نُعيم من وجهٍ آخر عن عمرو بنِ خالدٍ -شيخ المؤلِّف فيه- بهذه الزِّيادة، وكذا أخرجَه الإسماعيلي من وجهٍ آخر عن زُهير.
стр. 9128
(٤) (قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين (١) «﴿وَإِذَا قِيلَ﴾» (﴿لَهُمْ تَعَالَوْا﴾) معتذِرين (﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ﴾) عدَّ هذه النُّحاة من الإعمال؛ لأنَّ ﴿تَعَالَوْا﴾ يطلبُ ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ مجرورًا بـ «إلى» أي: تعالوا إلى رسولِ الله، و ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ يطلُبُه فاعلًا، فأعمَل الثَّاني، ولذلك رفعَه، وحذف من الأول؛ إذ التَّقدير: تعالوا إليه، ولو أعملَ الأوَّل لقيلَ: تعالوا إلى رسولِ الله يستغفِر لكم، فيضمر في ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ فاعلٌ، قاله في «الدُّر» (﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾) بالتشديد للتَّكثير، ونافعٌ بالتخفيف مناسبًا لما جاءَ في القرآنِ من مستقبلِهِ؛ نحو: يلوون، ولا ينافي التَّكثير وهذا جواب ﴿إِذَا﴾ (﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾) يعرضونَ عن الاستغفارِ، و ﴿يَصُدُّونَ﴾ حال؛ لأنَّ الرُّؤية بصريَّة (﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]) حال أيضًا، وأتى بـ ﴿يَصُدُّونَ﴾ مضارعًا؛ ليدلَّ على التَّجدد والاستمرار، وسقطَ «﴿وَرَأَيْتَهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿رُؤُوسَهُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾» (حَرَّكُوا) هو تفسيرُ قولهِ: ﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ (اسْتَهْزَؤُوْا (٢) بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ) كما مرَّ (مِنْ لَوَيْتُ) معتلَّ العين واللَّام، وسقطَ «ويقرأ … » إلى آخره لغير الكُشمِيهنيِّ.
٤٩٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين مصغَّرًا، أبو محمَّدٍ العَبسيُّ مَولاهم، الكُوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونُس بنِ أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي) قيل -زيادةً على ما مرَّ-: إنَّه ثابتُ بنُ قيسِ بنِ زيد، وهو أخو أرقمَ بن زيدٍ، أو أراد عمَّه -زوج أمِّه- ابنَ رَواحة، وكانوا في غَزاة بني
стр. 9129
المُصْطلِق، أو تبوك، وعورضَ بأنَّ المسلمين كانوا بتبوكَ أعزَّاء والمنافقينَ أذلَّة، وبأنَّ ابن أبيٍّ لم يشهَدها، إنَّما كان في الخَوالفِ، كما مرَّ، والإعادةُ لمزيدِ الإفادَة. (فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْن سَلُولَ يَقُولُ) أي: لأصحابهِ: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَه عَمِّي لِلنَّبِيِّ ﷺ وَصَدَّقَهُمْ) أي: صدَّق ﵊ ابنَ أبيٍّ وأصحابه لمَّا حلفُوا على عدمِ صدورِ المقَالة المذكُورةِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «فَدَعَانِي رسولُ الله ﷺ (١) فَحَدَّثْتُهُ بما قال ابنُ أبيٍّ فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فسألهم، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ذلك، وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ ﷺ » (٢)، (فَأَصَابَنِي هَمٌّ (٣) لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «رسولُ اللهِ» (¬ ﷺ وَمَقَتَكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) وفي نسخةٍ: « » (﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١] وَأَرْسَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فأرسَلَ» «بالفاء» بدل: «الواو»، (إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَهَا، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ).
قيل: وليسَ في الحديثِ ما تُرجم بهِ. وأُجيب بأنَّ عادةَ المؤلِّف أن يشيرَ إلى أصلِ الحديث، وفي مُرسل الحسنِ: فقال قومٌ لعبدِ الله بن أُبيٍّ: فلو أتيتَ رسولَ اللهِ ﷺ فاستغفرَ لكَ، فجعلَ يَلوي رأسَهُ. فنزلتْ.
(٥) هذا (بابٌ) بالتنوين: (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾) يا محمَّد، وهمزة ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ مفتوحة من غير مدٍّ في قراءةِ الجمهور، وهي همزة التَّسويةِ الَّتي أصلها للاستفهامِ (﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾) لرسوخِهم في الكُفرِ (﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]). وسقطَ لأبي ذرٍّ «﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعدَ قولهِ: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾: «الآيةَ» وسقط لغيره لفظُ «باب».
стр. 9130
٤٩٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبدِ الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينارٍ (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ) قال ابنُ إسحاق: غزوةُ بني المُصطلق (-قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عيينةَ (مَرَّةً: فِي جَيْشٍ-) بدل: في غَزاة (فَكَسَعَ) بكاف فسين فعين مهملتين بفتح، أي: ضَرب (١) (رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ) هو جَهْجَاهُ بنُ قيسٍ -بفتح الجيمين وسكون الهاء الأولى- أو ابنُ سعيدٍ الغِفاريُّ، وكان أجيرًا لعُمر بن الخطَّاب يقود فرسهَ بيدهِ أو رجلهِ (رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو سنانُ بنُ وبرَة الجُهنيُّ، حليفٌ لابنِ أبيٍّ ابنِ سلولَ (٢) على دبرهِ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ) بفتح اللام، للاستغاثةِ (وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) بفتح اللام، للاستغاثةِ أيضًا، وفي «تفسير ابن مَرْدويه»: أنَّ ملاحاتَهما كانت بسببِ حوضٍ شربتْ منه ناقةُ الأنصاريِّ (فَسَمِعَ ذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «ذلك» باللام (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَالُ) ما شأن (دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟) ولأبي ذرٍّ: «الجاهليَّة» يريدُ: يا لفلانٍ، ونحوه (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ) ﵊: (دَعُوهَا) أي: اتركُوا دعوى الجاهليَّة (فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) بضم الميم وسكون النون وكسر الفوقية، أي: كلمةٌ خبيثةٌ قبيحةٌ (فَسَمِعَ بِذَلِكَ
стр. 9131
عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) رأسُ النِّفاق (فَقَالَ: فَعَلُوهَا) بحذف همزة الاستفهام، أي: افعلُوا (١) الأثَرة؟ يريد: (٢) شركناهُم فيما نحنُ فيهِ فأرادوا الاستبدادَ به علينا، وعندَ ابن إسحاق: فقال عبدُ الله بن أبيٍّ: أقد فعلوهَا؟ نافرونَا وكاثَرونا في بلادِنا، ما مثلنَا وجلابيب قريشٍ هذه إلَّا كما قالَ القائلُ: سمِّن كلبَكَ يأكُلْكَ. ثمَّ أقبل على من عندَه من قومهِ، وقال: هذا ما صنعتُم بأنفسِكُم؟ أحللتموهُم بلادَكُم وقاسمتمُوهم أموالكُم، أمَا والله لو كَفَفتُم عنهم لتحوَّلوا عنكُم من بلادِكم إلى غيرها (أَمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَبَلَغَ) ذلك (النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَامَ عُمَرُ) رضي الله تعالى عنه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ دَعْنِي أَضْرِبْ) بالجزم (عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ) ابنَ أُبيٍّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : دَعْهُ) اتركه (لَا يَتَحَدَّثُِ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) أدخلَه معهم اعتبارًا بظاهرِ أمرهِ، و «يتحدَّث» رُفِع على الاستئناف، والكسر على جوابِ الأمرِ، وزادَ ابنُ إسحاق: فقال: مُرْ بهِ عَبَّاد بنَ بشر بن وَقْش فليقتلنَّه (٣)، فقال: «لَا، ولكن أَذِّنْ بالرَّحيل» فراحَ في ساعةٍ ما كان يرحلُ فيها، فلقيَه أسيدُ بنُ حضيرٍ فسأله عن ذلك فأخبرهُ، فقال: فأنتَ -يا رسول الله- الأعزُّ، وهو الأذلُّ. قال: وبلغَ عبدُ الله بن عبد الله بنِ أبيٍّ ما كان من أمرِ أبيهِ، فأتى النَّبيَّ ﷺ فقال: بلغنِي أنَّك تريدُ قتلَ أبي فيما بلغَك عنه، فإنْ كنتَ فاعلًا فمرنِي بهِ، فأنا أحملُ إليكَ رأسه، فقال: «بلْ نرفقُ بهِ ونحسِنُ صحبتَهُ» (وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنَ المُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ المُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ) أي: بعدَ هذهِ القصَّة لما انضاف إليهِم من مسلمةَ الفتحِ وغيرهم، وهو يؤيِّد أنَّ القصَّة لم تكن بتبوك؛ لأنَّ المهاجرينَ كثروا بها جدًّا.
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الأدبِ» [خ¦٣٥١٧]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائي في «السِّير» و «التَّفسير».
(قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة: (فَحَفِظْتُهُ) أي: الحديث، ولأبي ذرٍّ: «تحفَّظتُه» بفوقية مفتوحة،
стр. 9132
بدل الفاء وتشديد الفاء مفتوحة (مِنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينارٍ (قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرًا (١): كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زادَ أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الكَسع: أن تضربَ بيدكَ على شيءٍ أو برجلِكَ، ويكون أيضًا إذا رميتَهُ بشيءٍ يسوءُه».
(٦) (قَوْلُهُ (٢): ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله : ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾ (﴿يَقُولُونَ﴾) للأنصارِ (﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ﴾) من فقراءِ المهاجِرين (﴿حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ وَيَتَفَرَّقُوا (٣)) هو تفسيرُ ﴿يَنفَضُّوا﴾.
(﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) بيدهِ الأرزاقُ والقسم، فهو يرزقُ رسولَه ومن عندهُ (﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]) ذلك لجهلِهم باللهِ، فإن قلتَ: فلمَ قال هنا: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ وقال في الآيةِ اللَّاحقة: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ أُجيب بأنَّ إثباتَ الفقهِ للإنسانِ أبلغُ من إثباتِ العلمِ له، فنفيُ العلمِ أبلغُ من نفي الفقهِ، فآثرَ ما هو أبلغُ لما هُو أدعَى له، وسقطَ لفظ قوله: «ويتفرَّقوا … » إلى آخره (٤) لأبي ذرٍّ، وقال بعدَ قوله: ﴿حَتَّى يَنفَضُّوا﴾: «الآية».
٤٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ، ابنُ أختِ إمامِ الأئمَّة مالك (٥) (قَالَ:
стр. 9133
حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ) عمِّه (مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ الفَضْلِ) بنِ العبَّاس بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ ابنِ عبدِ المطَّلب الهاشميُّ المدنيُّ: (أنَّه سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: حَزِنْتُ) بكسر الزاي (عَلَى مَنْ أُصِيبَ) بالقتلِ (بِالحَرَّةِ) بفتح الحاء والراء المشددة المهملتين، عندَ الوقعةِ بها، سنة ثلاث وستين، لمَّا خلعَ أهلُ المدينةِ بيعةَ يزيدِ بنِ معاويةَ، فأرسلَ يزيدُ جيشًا كثيرًا فاستباحُوا المدينةَ، وقُتل من الأنصارِ خلقٌ كثيرٌ جدًّا (٢)، وكان أنس يومئذٍ بالبَصرة، فبلغهُ ذلك فحزنَ على من أصيبَ من الأنصارِ. قال أنسٌ: (فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَ) الحال أنَّه (بَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي) على من أصيبَ من الأنصارِ (يَذْكُرُ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ -وَشَكَّ ابْنُ الفَضْلِ) عبدُ اللهِ (فِي: أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ-) هل ذكرهُم أم لا؟ وهو ثابتٌ عندَ مسلمٍ من غيرِ شكٍّ (فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أعرفِ السَّائل، ويحتمل أن يكون النَّضر بن أنسٍ، فإنَّه روى حديثَ البابِ عن زيدِ بنِ أرقم (فَقَالَ: هُوَ) أي: زيدُ بنُ أرقم (الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فيه: (هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللهُ) أي: صدق (لَهُ بِأُذُنِهِ) قال الكَرْمانيُّ: كأنَّه جعل أذنَه في السَّماع كالضَّامنةِ بتصديقِ ما سَمِعتْ، فلمَّا نزلَ القرآنُ بهِ صارتْ كأنَّها وافيةً بضمانِها، وزادَ في «النِّهاية»: خارجةٌ من (٣) التُّهمة فيما أدَّتْه إلى اللِّسان. وفي مرسلِ الحسن أنَّه ﷺ أخذَ بأُذُنهِ فقال: «وفَّى الله بأُذُنِك يا غلامُ» وكان ﵊ لمَّا حلَفَ له ابنُ أُبيٍّ قال لابنِ أرقم: «لعلَّه أخطأَ سمعُكَ» وللكُشمِيهنيِّ: «بأَذَنه» بفتح الهمزة والذال (٤)، أي: أظهرَ صدقَه فيمَا أخبرَ.
وهذا الحديثُ من أفرادِ البخاريِّ.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا
رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) وفي التِّرمذي: فقال غيرُ عَمرو: فقال لهُ ابنه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الله بنِ أُبيٍّ: واللهِ لا تنقلب (١) -أي: إلى المدينة- حتَّى تقول: إنَّك أنت الذَّليلُ ورسولُ الله العزيزُ، ففعلَ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁¬) بعد أنْ بلغَ النَّبيَّ ﷺ ذلك: (دَعْنِي -يَا رَسُولَ اللهِ- أَضْرِبْ) بالجزم (عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ) ابن أبيٍّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقالَ» (النَّبِيُّ ﷺ : دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا) زاد في نسخةٍ: « ﷺ » وهي (٢) ثابتةٌ في «اليونينية» (٣) (يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) فإن قلت: الصَّحابي لا بدَّ أن يكون مسلمًا، والإسلامُ والنِّفاق لا يجتمعانِ، وهذا كان رأس المنافقين، فكيف أدخلَه في الأصحابِ؟ أُجيب: أدخلَه (٤) فيهم باعتبارِ الظَّاهر لنطقهِ بالشَّهادتين، وفي قتلهِ تنفيرُ غيرهِ عن الإسلامِ، والتزامُ مفسدةٍ لدفعِ أعظم المفسدتين جائزٌ.
(((٦٤))) (سورة التَّغَابُنِ) قيل (٥): مكِّيَّة، وقيل: مدنيَّة، وآيُها ثمان عشرة، ولأبي ذرٍّ زيادة (٦): «والطَّلاق».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ عَلْقَمَةُ) بنُ قيسٍ، فيما وصلَه عبدُ الرَّزَّاق: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ في قولهِ تعالى: (﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]) مجزومٌ بالشَّرط (هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ) بِهَا (وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللهِ) ، فيسلِّم لقضائِه، وعن مُحيي السُّنة -فيما ذكرهُ في «فتوح الغيب» -: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يوفِّقه لليقينِ حتَّى يعلمَ أنَّ ما أصابهُ لم
стр. 9136
يكن ليُخطئه، وما أخطأَهُ لم يكنْ ليصيبهُ، فيسلِّم لقضائهِ (١).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِرْيابيُّ: (التَّغَابُنُ) هو (غَبْنُ أَهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ) لنزول أهلِ الجنَّة منازلَ أهلِ النَّار لو كانوا سعدَاء، وبالعكس، مستعارٌ من تغابنِ التُّجَّار، كذا قرَّره القاضي كـ «الكشَّاف»، لكن قالَ في «فتوح الغيبِ»: لا يستقيمُ باعتبارِ الأشقياء؛ لأنَّهم لا يغبنون السُّعداء بنزولِهم في منازلهم من (٢) النَّار، إلَّا بالاستعارةِ التَّهكميَّة، ولذا قال في «الكشَّاف»: وفيه تهكُّم بالأشقياءِ؛ لأنَّ نزولهم ليس يغبن، وجعلَ الواحديُّ التَّغابن من طرفٍ واحدٍ للمبالغة؛ حيث قال: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] يَغْبِنُ فيهِ أهلُ الحقِّ (٣) أهلَ الباطل، وأهلُ الإيمانِ أهل الكُفر، ولا غبنَ أبينَ من هذا، هؤلاء يدخلونَ الجنَّة وهؤلاء يدخلون النَّار، وأحسنُ منهما ما ذكرهُ محيي السُّنَّة قال: هو تفاعلٌ من الغُبن؛ وهو فوتُ الحظِّ، والمراد: فالمغبونُ من غبنَ في أهله ومنازله في الجنَّة (٤)، فظهر يومئذٍ غبن كلِّ كافرٍ بترك الإيمانِ، وغبنِ كلِّ مؤمنٍ بتقصيرهِ في الإحسانِ.
(((٦٥))) (سورة الطَّلَاقِ) مدنيَّة، وآيُها اثنتا عشرة، وسقطت لأبي ذرٍّ (٥).
(﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: (إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتَحِيضُ أَمْ لَا تَحِيضُ؛ فَالَّلَائِي قَعَدْنَ عَنْ المَحِيضِ) يئسنَ منه لكبرهنَّ (وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ) كذا قالَ (٦) مجاهد فيمَا وصله الفِرْيابيُّ، ولابنِ المنذر
стр. 9137
عنه: الَّتي كبِّرت والَّتي لم تبلُغ (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) في غيرِ المتوفَّى عنها زوجهَا، أمَّا هي فعدَّتها ما في ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وسقط قوله: «التغابن … » إلى آخره لغيرِ الحَمُّويي.
(﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]) أي: (جَزَاءَ أَمْرِهَا) قاله مجاهدٌ فيمَا وصلهُ عبدُ بن حميدٍ.
٤٩٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بكيرٍ المخزُوميُّ، مَولاهم المصريُّ بالميم، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بنِ الخطَّاب (¬﵄ أَخْبَرَهُ: أنَّه طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) آمنةَ بنت غفَار -بغين معجمة ففاء-، كما ضبطهُ ابنُ نقطةَ فيما أفادَه في «مقدِّمة فتح الباري»، وإنَّ تسميتها بذلك في «الجزءِ التَّاسع من حديثِ قُتيبة» جمع سعيد العَيَّار، وللكُشمِيهنيِّ: «طلَّق امرأةً له» (وَهْيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه طلَّقها وهي حائضٌ (١) (فَتَغَيَّظَ) أي: غضبَ (فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لأنَّ الطَّلاق في الحيضِ بدعةٌ (ثُمَّ قَالَ: لِيُرَاجِعْهَا) إلى عصمتهِ (ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ) من حيضِها (ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ) بالنَّصب فيهما عطفًا على السَّابق (فَإِنْ بَدَا) ظهر (لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا) حال كونها (٢) (طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا) يجامعَها (فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «كمَا أمرَ اللهُ » أي: في قولهِ تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وطلاقُ البِدعة حرامٌ، والمعنى فيه تضرُّر المطلَّقة بطولِ مدَّة التربُّص؛ لأنَّ زمن الحيضِ لا يُحسب من العدَّة، ومثله النِّفاس، ولأدائهِ فيما بقيَ إلى النَّدم عند ظهورِ الحمل، فإنَّ الإنسان قد يطلِّق الحائِل دون الحامِل، وعندَ النَّدم قد لا يمكنُه التَّدارك، فيتضرَّر هو والولد.
стр. 9138
وهذا الحديثُ أخرجَه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥١] و «الأحكامِ» [خ¦٧١٦٠]، وأخرجَه أصحابُ السُّنن في «الطَّلاق».
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (١)، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾) أي: انقضاءِ عدَّتهن، مطلَّقات أو متوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ (﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ﴾) في أحكامهِ فيراعِي حقوقها (﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]) في الدُّنيا والأخرَى.
(﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾: وَاحِدُهَا) وفي نسخة: «واحدَتُها» (ذَاتُ حَمْلٍ) قالهُ أبو عُبيدة، وسقطَ «باب» لغيرِ أبي ذرٍّ، وثبتَ: «﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ … » إلى آخره للكُشمِيهنيِّ (٢).
٤٩٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلحيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) ابنُ عبدِ الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ صالح البَصريِّ، سكن اليَمامة، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قالَ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، والواو للحال (جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي) بقطع الهمزة (فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ) وفاةِ (زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً) هل انقضَتْ عدَّتها بولادَتها أم لا؟ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ) عدَّتها، ولأبي ذرٍّ: «آخرَ» بالنَّصب، أي: تتربَّص آخرَ الأجلينِ أربعةَ أشهرٍ
стр. 9139
وعشرًا، وإن ولدَت قبلَها، فإن مضتْ ولم تَلد، تتربَّص حتَّى تلد. قال أبو سلمة: (قُلْتُ أَنَا) قال الله تعالى: (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) زادَ الإسماعيليُّ: «فقال ابنُ عبَّاس: إنَّما ذاكَ في الطَّلاق» (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي -يَعْنِي: أَبَا سَلَمَةَ-) قاله على عادةِ العربِ، وإلَّا فليسَ هو ابنَ أخيهِ حقيقةً (فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا) نصب عطف بيان (إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ (يَسْأَلُهَا) عن ذلك (فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ) بنتِ الحارث (الأَسْلَمِيَّةِ) بضم السين المهملة وفتح الموحدة وبعد التحتية الساكنة مهملة، سعدُ بنُ خَولة، شهِد بدرًا، والمشهور أنَّه مات (وَهْيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ) بضم الخاء المعجمة، مبنيًّا للمفعول (فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا) بفتح السين المهملة وبعد النون ألف فموحدة فلام، ابنُ بَعْكَك -بموحدة بوزن جعفر-، وبَعْكَكَ هو ابنُ الحارث بنِ عَمِيلة -بفتح العين- القرشيِّ، قيل: اسمه عَمرو، وقيل غير ذلك، أسلمَ يومَ الفتحِ، وكان من المؤلَّفة، وكان شاعِرًا، وبقي زمنًا بعد النَّبيِّ ﷺ فيما جزمَ بهِ ابنُ سعدٍ. لكن نقل التِّرمذيُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: لا نعلمُ أنَّ أبا السَّنابل عاشَ بعد النَّبيِّ ﷺ . كذا قالَ، وعندَ ابن عبد البرِّ: أنَّ أبا السَّنابل تزوَّج سُبيعة بعد ذلك، وأولَدها سنابلَ بنَ أبي السَّنابل. ووقعَ في «الموطَّأ»: فخطبهَا رجلانِ أحدهما شابٌّ و [الآخر] كهلٌ، فحطَّت (١) إلى الشَّاب، فقال الكهلُ: لم تحلِّي، وأفادَ محمَّدُ بن وضَّاحٍ فيما حكَاه ابنُ بَشْكوَال وغيرُه: أنَّ اسم الشَّاب الَّذي خطبها -هو وأبو السَّنابل فآثرتُه على أبي السَّنابل-: أبو البِشْر -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- ابنُ الحارث.
وتأتي (٢) بقيَّة مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى في «العددِ» في «باب: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ
стр. 9140
أَجَلُهُنَّ (١)﴾» [خ¦٥٣١٨] وأخرجَه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».
٤٩١٠ - وقال المؤلِّف بالسَّند إليه: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحيُّ (وَأَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضلِ، عارِم، شيخا المؤلِّف، ممَّا وصلَه الطَّبرانيُّ في «الكبير» قالا: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنِ درهَم، الجَهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيَانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرينَ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِي حَلَْقَةٍ) بسكون اللام، وقد تفتح (فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ المدنيُّ، ثمَّ الكوفيُّ (وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ، فَذَكَرَ) ولأبي ذرٍّ: «فذكروا» أي: أصحابه (آخِرَ الأَجَلَيْنِ) أي: أقصاهُما للمتوفَّى عنها زوجُها في العدَّة (فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ) الأَسْلَمِيَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بنِ مسعودٍ. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وساقَ الإسماعيليُّ من وجهٍ آخرَ عن حمَّاد بنِ زيدٍ بهذا الإسناد قصَّةَ سُبيعة بتمامها (قَالَ) ابنُ سيرينَ: (فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ) بتشديد الميم آخره زاي معجمة، ولأبي ذرٍّ: «فضمَز» بتخفيف الميم. قال: ومعناهُ: عضَّ له شفته غمزًا، وقال عياضٌ: للقابسيِّ: «فضمَرَني» بالراء مع التخفيف، ولأبي الهيثم: «فضمَزَني» بنون وتحتية ساكنة بعد الزاي مخففًا، وللأَصيليِّ: «فضمَّنَ» بنون بعد التشديد (٢)، وللباقين: «فضمِنَ» بكسر الميم مخففة. قال: وهذا كلُّهُ غير مفهوم المعنى، وأشبهها روايةُ أبي الهيثم بالزاي، لكن مع تشديد الميم وزيادة نون بعدها ياء، أي: أسكتني، يقالُ: ضَمَزَ: سَكَتَ، وضميز غيره، ولابن السَّكن: «فغمَّضَ لي» فإن صحَّت فمعناها من تغميضِ عينيه له