← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

يكن ليُخطئه، وما أخطأَهُ لم يكنْ ليصيبهُ، فيسلِّم لقضائهِ (١). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِرْيابيُّ: (التَّغَابُنُ) هو (غَبْنُ أَهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ) لنزول أهلِ الجنَّة منازلَ أهلِ النَّار لو كانوا سعدَاء، وبالعكس، مستعارٌ من تغابنِ التُّجَّار، كذا قرَّره القاضي كـ «الكشَّاف»، لكن قالَ في «فتوح الغيبِ»: لا يستقيمُ باعتبارِ الأشقياء؛ لأنَّهم لا يغبنون السُّعداء بنزولِهم في منازلهم من (٢) النَّار، إلَّا بالاستعارةِ التَّهكميَّة، ولذا قال في «الكشَّاف»: وفيه تهكُّم بالأشقياءِ؛ لأنَّ نزولهم ليس يغبن، وجعلَ الواحديُّ التَّغابن من طرفٍ واحدٍ للمبالغة؛ حيث قال: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] يَغْبِنُ فيهِ أهلُ الحقِّ (٣) أهلَ الباطل، وأهلُ الإيمانِ أهل الكُفر، ولا غبنَ أبينَ من هذا، هؤلاء يدخلونَ الجنَّة وهؤلاء يدخلون النَّار، وأحسنُ منهما ما ذكرهُ محيي السُّنَّة قال: هو تفاعلٌ من الغُبن؛ وهو فوتُ الحظِّ، والمراد: فالمغبونُ من غبنَ في أهله ومنازله في الجنَّة (٤)، فظهر يومئذٍ غبن كلِّ كافرٍ بترك الإيمانِ، وغبنِ كلِّ مؤمنٍ بتقصيرهِ في الإحسانِ. (((٦٥))) (سورة الطَّلَاقِ) مدنيَّة، وآيُها اثنتا عشرة، وسقطت لأبي ذرٍّ (٥). (﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: (إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتَحِيضُ أَمْ لَا تَحِيضُ؛ فَالَّلَائِي قَعَدْنَ عَنْ المَحِيضِ) يئسنَ منه لكبرهنَّ (وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ) كذا قالَ (٦) مجاهد فيمَا وصله الفِرْيابيُّ، ولابنِ المنذر

стр. 9137

عنه: الَّتي كبِّرت والَّتي لم تبلُغ (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) في غيرِ المتوفَّى عنها زوجهَا، أمَّا هي فعدَّتها ما في ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وسقط قوله: «التغابن … » إلى آخره لغيرِ الحَمُّويي. (﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]) أي: (جَزَاءَ أَمْرِهَا) قاله مجاهدٌ فيمَا وصلهُ عبدُ بن حميدٍ. ٤٩٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بكيرٍ المخزُوميُّ، مَولاهم المصريُّ بالميم، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بنِ الخطَّاب (¬﵄ أَخْبَرَهُ: أنَّه طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) آمنةَ بنت غفَار -بغين معجمة ففاء-، كما ضبطهُ ابنُ نقطةَ فيما أفادَه في «مقدِّمة فتح الباري»، وإنَّ تسميتها بذلك في «الجزءِ التَّاسع من حديثِ قُتيبة» جمع سعيد العَيَّار، وللكُشمِيهنيِّ: «طلَّق امرأةً له» (وَهْيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه طلَّقها وهي حائضٌ (١) (فَتَغَيَّظَ) أي: غضبَ (فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لأنَّ الطَّلاق في الحيضِ بدعةٌ (ثُمَّ قَالَ: لِيُرَاجِعْهَا) إلى عصمتهِ (ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ) من حيضِها (ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ) بالنَّصب فيهما عطفًا على السَّابق (فَإِنْ بَدَا) ظهر (لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا) حال كونها (٢) (طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا) يجامعَها (فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «كمَا أمرَ اللهُ » أي: في قولهِ تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وطلاقُ البِدعة حرامٌ، والمعنى فيه تضرُّر المطلَّقة بطولِ مدَّة التربُّص؛ لأنَّ زمن الحيضِ لا يُحسب من العدَّة، ومثله النِّفاس، ولأدائهِ فيما بقيَ إلى النَّدم عند ظهورِ الحمل، فإنَّ الإنسان قد يطلِّق الحائِل دون الحامِل، وعندَ النَّدم قد لا يمكنُه التَّدارك، فيتضرَّر هو والولد.

стр. 9138

وهذا الحديثُ أخرجَه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥١] و «الأحكامِ» [خ¦٧١٦٠]، وأخرجَه أصحابُ السُّنن في «الطَّلاق». (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (١)، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾) أي: انقضاءِ عدَّتهن، مطلَّقات أو متوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ (﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ﴾) في أحكامهِ فيراعِي حقوقها (﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]) في الدُّنيا والأخرَى. (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾: وَاحِدُهَا) وفي نسخة: «واحدَتُها» (ذَاتُ حَمْلٍ) قالهُ أبو عُبيدة، وسقطَ «باب» لغيرِ أبي ذرٍّ، وثبتَ: «﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ … » إلى آخره للكُشمِيهنيِّ (٢). ٤٩٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلحيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) ابنُ عبدِ الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ صالح البَصريِّ، سكن اليَمامة، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قالَ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، والواو للحال (جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي) بقطع الهمزة (فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ) وفاةِ (زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً) هل انقضَتْ عدَّتها بولادَتها أم لا؟ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ) عدَّتها، ولأبي ذرٍّ: «آخرَ» بالنَّصب، أي: تتربَّص آخرَ الأجلينِ أربعةَ أشهرٍ

стр. 9139

وعشرًا، وإن ولدَت قبلَها، فإن مضتْ ولم تَلد، تتربَّص حتَّى تلد. قال أبو سلمة: (قُلْتُ أَنَا) قال الله تعالى: (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) زادَ الإسماعيليُّ: «فقال ابنُ عبَّاس: إنَّما ذاكَ في الطَّلاق» (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي -يَعْنِي: أَبَا سَلَمَةَ-) قاله على عادةِ العربِ، وإلَّا فليسَ هو ابنَ أخيهِ حقيقةً (فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا) نصب عطف بيان (إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ (يَسْأَلُهَا) عن ذلك (فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ) بنتِ الحارث (الأَسْلَمِيَّةِ) بضم السين المهملة وفتح الموحدة وبعد التحتية الساكنة مهملة، سعدُ بنُ خَولة، شهِد بدرًا، والمشهور أنَّه مات (وَهْيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ) بضم الخاء المعجمة، مبنيًّا للمفعول (فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا) بفتح السين المهملة وبعد النون ألف فموحدة فلام، ابنُ بَعْكَك -بموحدة بوزن جعفر-، وبَعْكَكَ هو ابنُ الحارث بنِ عَمِيلة -بفتح العين- القرشيِّ، قيل: اسمه عَمرو، وقيل غير ذلك، أسلمَ يومَ الفتحِ، وكان من المؤلَّفة، وكان شاعِرًا، وبقي زمنًا بعد النَّبيِّ ﷺ فيما جزمَ بهِ ابنُ سعدٍ. لكن نقل التِّرمذيُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: لا نعلمُ أنَّ أبا السَّنابل عاشَ بعد النَّبيِّ ﷺ . كذا قالَ، وعندَ ابن عبد البرِّ: أنَّ أبا السَّنابل تزوَّج سُبيعة بعد ذلك، وأولَدها سنابلَ بنَ أبي السَّنابل. ووقعَ في «الموطَّأ»: فخطبهَا رجلانِ أحدهما شابٌّ و [الآخر] كهلٌ، فحطَّت (١) إلى الشَّاب، فقال الكهلُ: لم تحلِّي، وأفادَ محمَّدُ بن وضَّاحٍ فيما حكَاه ابنُ بَشْكوَال وغيرُه: أنَّ اسم الشَّاب الَّذي خطبها -هو وأبو السَّنابل فآثرتُه على أبي السَّنابل-: أبو البِشْر -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- ابنُ الحارث. وتأتي (٢) بقيَّة مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى في «العددِ» في «باب: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ

стр. 9140

أَجَلُهُنَّ (١)﴾» [خ¦٥٣١٨] وأخرجَه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الطَّلاق». ٤٩١٠ - وقال المؤلِّف بالسَّند إليه: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحيُّ (وَأَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضلِ، عارِم، شيخا المؤلِّف، ممَّا وصلَه الطَّبرانيُّ في «الكبير» قالا: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنِ درهَم، الجَهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيَانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرينَ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِي حَلَْقَةٍ) بسكون اللام، وقد تفتح (فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ المدنيُّ، ثمَّ الكوفيُّ (وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ، فَذَكَرَ) ولأبي ذرٍّ: «فذكروا» أي: أصحابه (آخِرَ الأَجَلَيْنِ) أي: أقصاهُما للمتوفَّى عنها زوجُها في العدَّة (فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ) الأَسْلَمِيَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بنِ مسعودٍ. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وساقَ الإسماعيليُّ من وجهٍ آخرَ عن حمَّاد بنِ زيدٍ بهذا الإسناد قصَّةَ سُبيعة بتمامها (قَالَ) ابنُ سيرينَ: (فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ) بتشديد الميم آخره زاي معجمة، ولأبي ذرٍّ: «فضمَز» بتخفيف الميم. قال: ومعناهُ: عضَّ له شفته غمزًا، وقال عياضٌ: للقابسيِّ: «فضمَرَني» بالراء مع التخفيف، ولأبي الهيثم: «فضمَزَني» بنون وتحتية ساكنة بعد الزاي مخففًا، وللأَصيليِّ: «فضمَّنَ» بنون بعد التشديد (٢)، وللباقين: «فضمِنَ» بكسر الميم مخففة. قال: وهذا كلُّهُ غير مفهوم المعنى، وأشبهها روايةُ أبي الهيثم بالزاي، لكن مع تشديد الميم وزيادة نون بعدها ياء، أي: أسكتني، يقالُ: ضَمَزَ: سَكَتَ، وضميز غيره، ولابن السَّكن: «فغمَّضَ لي» فإن صحَّت فمعناها من تغميضِ عينيه له

стр. 9141

على السُّكوت (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين: (فَفَطَِنْتُ لَهُ (١)) بكسر الطاء وتفتح، أي: لإنكارهِ (فَقُلْتُ: إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهْوَ فِي نَاحِيَةِ الكُوفَةِ. فَاسْتَحْيَا) ممَّا صدرَ من الإشارةِ إلى الإنكارِ عليَّ (وَقَالَ) ابنُ أبي ليلى: (لَكِنَّ عَمَّهُ) يعني: ابنَ مسعودٍ، ولأبي ذرٍّ: «لكنْ عمَّه» بتخفيف النون (لَمْ يَقُلْ ذَاكَ) قال ابنُ سيرينَ: (فَلَقِيتُ) بكسر القاف (أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) الهَمذانيَّ الكُوفيَّ التَّابعي (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك تثبيتًا (فَذَهَبَ) مالك (يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ) مثل ما حدَّث به عبدُ الله بنُ عُتبة عنها، ولأبي ذرٍّ: «بحديثِ سُبيعة» (فَقُلْتُ) له، أي: ليستخرِج (٢) ما (٣) عندهُ في ذلك عن ابنِ مسعودٍ، لما وقع من التَّوقف فيما أخبرَ بهِ ابنُ أبي ليلى عنه: (هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعود (فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ) أي: طولَ العدَّة بالحملِ إذا زادتْ مدَّته على مدَّة الأشهرِ (وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ) إذا وضعتْ لأقلَّ من أربعةِ أشهرٍ وعشر؟ (لَنَزَلَتْ) أي: والله لنزلت، فهو جواب قسمٍ محذوفٍ (سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى) سورة الطَّلاق (بَعْدَ الطُّولَى) البقرة (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وهو عامٌّ في كلِّ من ماتَ عنها زوجها، يشملُ الحامل وغيرها، وآيةُ سورةِ الطَّلاق شاملةٌ للمطلَّقة والمتوفَّى عنها زوجها، لكن حديث سُبيعة نصٌّ بأنَّها تحلُّ بوضعِ (٤) الحملِ، فكان فيها بيانُ المراد بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أنَّه حقُّ من لم تضعْ، وإلى ذلكَ أشار ابنُ مسعودٍ بقولهٍ: إنَّ آية الطَّلاق نزلت بعد آية البَقرة. وليس مرادُه أنَّها ناسخةٌ لها، بل مرادُه أنَّها مخصِّصةٌ لها، فإنَّها أَخْرجت منها بعضَ متناولاتِه (٥).

стр. 9142

(((٦٦))) (سورة التَّحْرِيمِ) مدنيَّة، وآيُها اثنتا عشرة، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (١) (باب) وهو ساقطٌ لغيرِ الكُشمِيهنيِّ (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾) من شربِ العسلِ، أو ماريَة القبطيَّة. قال (١) ابنُ كثيرٍ: والصَّحيح أنَّه كان في تحريمهِ العَسل. وقال الخطَّابي: الأكثرُ على أنَّ الآية نزلت في تحريمِ ماريَة حين حرَّمها على نفسهِ، ورجَّحه في «فتح الباري» بأحاديث عند سعيدِ بن منصورٍ، والضِّياء في «المختارة»، والطَّبرانيِّ في «عشرة النِّساء»، وابن مَرْدويه والنَّسائي، ولفظهُ عن ثابتٍ، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانت لهُ أمةٌ يطؤهَا، فلم تَزل بهِ حفصةُ وعائشة ﵄ حتَّى حرَّمها، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ (﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾) حال من فاعل ﴿تُحَرِّمُ﴾ أي: لم تحرِّم مبتغيًا بهِ مرضاةَ أزواجكَ؟ أو تفسير لـ ﴿تُحَرِّمُ﴾ أو مستأنفٌ فهو جوابٌ للسُّؤال، و ﴿مَرْضَاتَ﴾ اسم مصدرٍ؛ وهو الرِّضا (﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]) قال في «فتوح الغيب»: أردفهُ بقولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جبرانًا له، ولولا الإردافُ بهِ؛ لما قامَ بصولةِ ذلك الخطابِ، على أنَّه ﷺ ما ارتكَب عظيمةً، بل كان ذلكَ من بابِ تركِ الأولى، والامتناعِ من المباح، وإنَّما شدَّد ذلك رفعًا لمحلِّه وربًا (٢) لمنزلتهِ، ألا تَرى كيف صدَّرَ الخِطاب بذكِر النَّبيِّ ﷺ ؟ وقرن بـ «يا» البَعيد و «ها» التَّنبيه، أي: تنبَّه لجلالةِ شأنكَ، فلا تبتغِ مرضاةَ أزواجِك فيما أُبيح لكَ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿تَبْتَغِي﴾ … » إلى آخره، وقال بعد: ﴿أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾: «الآيةَ».

стр. 9143

٤٩١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة، الزَّهرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ -بالمثلثة- (عَنِ ابْنِ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف، ولأبي ذرٍّ: «هو يعلى بنُ حكيم» الثَّقفيِّ البصريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ (١) ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: فِي الحَرَامِ) إذا قال: هذا عليَّ حرامٌ، أو أنتِ عليَّ حرامٌ (يُكَفِّرُ) بكسر الفاء، كفَّارة يمين. وعند الشَّافعيِّ: إن نوى طلاقًا أو ظهارًا وقع المنوي؛ لأنَّ كلًّا منهما يقتضي التَّحريم، فجاز أن يُكنِّي عنه بالحرامِ، أو نواهما معًا أو مرتَّبًا؛ تخيَّر، وثبت ما اختارَه منهما، ولا يثبُتان جميعًا؛ لأنَّ الطَّلاق يزيلُ النِّكاح، والظِّهار يستدعي بقاءه، وإن نوى تحريم عينهَا أو نحوها؛ كوطئها، أو فرجِها، أو رأسها، أو لم ينو شيئًا؛ فلا تحرم عليهِ؛ لأنَّ الأعيانَ وما أُلحق بها لا توصَف بذلك، وعليه كفَّارة يمين، وكذا إذا قَال لأمَّتِه ذلك، فإنَّها لا تحرُم عليهِ، وعليهِ كفَّارة يمينٍ أخذًا من آيةِ الباب. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) في كفَّارة اليمين. ٤٩١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ، أبو عبدِ الرَّحمن القاضِي (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رَباح (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين فيهما مصغرين (٢) اللَّيثيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ) أمِّ

стр. 9144

المؤمنين (زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «بنت جَحش» (وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَأْتُ (١)) بهمزة ساكنةٍ في الفَرْع. وقال العَينيُّ: هكذا في جميعِ النُّسخ -أي: بتركِ الهمزة- وأصله: فواطأتُ -بالهمزة- وقال في «المصابيح»: لامه همزة، إلَّا أنَّها أبدلت هنا ياء على غيرِ قياسٍ، ولأبي ذرٍّ: «فتواطأتُ» بزيادة فوقية قبل الواو مع الهمزة أيضًا، مصحَّحًا عليه في الفَرع، أي: توافَقت (أَنَا وَحَفْصَةُ) أمُّ المؤمنينَ بنت عمر (عَنْ) ولابنِ عساكرٍ والأَصيليِّ: «على» (أَيَّتُنَا) أي: أيِّ زوجة منَّا (دَخَلَ عَلَيْهَا) ﵊ (فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) استفهام محذوف الأداة، ومَغَافير: بفتح الميم والمعجمة وبعد الألف فاء، جمع: مُغفور -بضم الميم- وليس في كلامِهم مفعول بالضَّم إلَّا قليلًا، والمغفور: صمغٌ حلو له رائحةٌ كريهةٌ، ينضحُه شجر يسمَّى العُرْفُط -بعين مهملة وفاء مضمومتين بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة- وزاد في «الطَّلاق» من طريقِ حجَّاج، عن ابنِ جُريج: فدخلَ على إحداهما فقالت له [خ¦٥٢٦٧]: (إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ) ﵊: (لَا) ما أكلتُ مغافير، وكان يكرهُ الرَّائحة الكريهة (٢) (وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «بنت جحش» (فَلَنْ (٣) أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ) على عدمِ شربِه (لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا) وقد اختُلفَ في الَّتي شرب عندَها العسل، ففي طريقِ عبيدِ بنِ عميرٍ السَّابقة [خ¦٤٩١٢] أنَّه كان عندَ زينب. وعندَ المؤلِّف من طريقِ هشامِ بنِ عُروة، عن أبيهِ، عن عائشةَ في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٨]: أنَّها حفصةُ بنتُ عمر، ولفظه: قالتْ: كان رسولُ الله ﷺ يحبُّ العَسل والحلواء، وكان إذا انصرفَ من العصر دخلَ على نسائهِ فيدنو من إحداهنَّ، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتَبس أكثرَ ما كان يحتبِس، فغرتُ، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدتْ لها امرأة من قومِها عكَّة عسلٍ، فسقتِ النَّبيَّ ﷺ منها شَربة، فقلت: أما والله لنحتالنَّ له، فقلتُ لسودة بنت زَمعة: إنَّه سيدنو منكِ، فإذا دنا منك فقولي له: ما هذه الرِّيح الَّتي أجد منك؟ … الحديث، وفيه: وقولي أنتِ يا صفيَّة ذاك، وعندَ ابنِ مَرْدويه من

стр. 9145

طريق ابنِ أبي مُليكة، عن ابنِ عبَّاس: أنَّ شربه كان عندَ سودة، وأنَّ عائشةَ وحفصةَ هما اللَّتان تظاهَرتا، على وفقِ ما في روايةِ عبيد بن عُمير، وإن اختلفَا في صاحبةِ العَسل، فيحمَل على التَّعدد، أو رواية ابنِ عُمير أثبَت لموافقةِ ابن عبَّاس لها (١) على أنَّ المتظاهرتَين حفصَة وعائشَة، فلو كانت حفصةُ صاحبة العَسل لم تقرنْ في المظاهرة بعائشةَ، وفي «كتابِ الهبة» [خ¦٢٥٨١] عن عائشة: أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ كنَّ حزبين: أنَا وسودَة وحَفْصة وصفيَّة في حزبٍ، وزينبُ بنت جَحش وأمُّ سلمة والباقيات في حزبٍ، وهذا يرجِّح أن زينبَ هي صاحبة العَسل، ولذا غارتْ عائشة منها لكونها من غيرِ حزبها. ويأتي مزيدُ بحثٍ لفوائدِ هذا الحديث إن شاء الله تعالى في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٧] [خ¦٥٢٦٨] بعونِ الله. وحديثُ البابِ أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٧] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٩١]، ومسلم في «الطَّلاق»، وأبو داود في «الأشربة»، والنَّسائيُّ في «الأيمان والنُّذور»، و «عشرةِ النِّساء»، و «الطَّلاق»، و «التَّفسير». (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ جلَّ وعلا: (﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾) أي: رضاهنَّ (﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ﴾) أي: شرعَ لكم (﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾) تحليلهَا بالكفَّارة، وقد كفَّر ﵊. قال مُقاتل: أعتقَ رقبةً في تحريمِ ماريَة. وقال الحسنُ: لم يكفِّر؛ لأنَّه مغفورٌ له (﴿وَاللهُ مَوْلَاكُمْ﴾) متولِّي أمركُم (﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾) بما يصلحكم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ - ٢]) المتقن في أفعالهِ وأحكامهِ، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» وقوله: «﴿وَاللهُ مَوْلَاكُمْ﴾ … » إلى آخره.

стр. 9146

٤٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ يحيى بنِ عمرو الأويسيُّ القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعْرَج قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضم العين والحاء مصغَّرين، مولى زيد بنِ الخطَّاب (أنَّه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أنَّه قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ) أي: لأجلِ الهيبةِ الحاصلة له (حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ)

стр. 9147

ولأبي ذرٍّ: «رجعنَا» (وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) وهو مرُّ الظَّهران (عَدَلَ) عن الطَّريق المسلوكَة الجادَّة (١) منتهيًا (إِلَى) شجرِ (الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ) كنايةً عن التَّبرُّز (قَالَ: فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ) من حاجتهِ (ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ) له: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا) أي: تعاونتَا (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟) لإفراطِ غيرتهما حتَّى حرَّم على نفسهِ ما حرَّم (فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي) عنه (فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ) بتشديد الموحدة من «خبَّرتك» (قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا) أي: شأنًا بحيثُ يدخلنَ المشورة، قال الكَرْمانيُّ: فإن قلت: «إن» ليست مخففة من الثَّقيلة لعدمِ اللام، ولا نافية، وإلا لزمَ أن يكون العدُّ ثابتًا؛ لأنَّ نفي النَّفي إثبات، وأجاب: بأنَّ «ما» تأكيدٌ للنَّفي المستفاد منها (٢) (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ) نحو قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] (وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ) نحو: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (قَالَ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ) أتفكَّر فيه (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا هَهُنَا، فِيمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وفيم» بواو من غيرِ ألف، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما» (تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ) من مقالتكِ هذه! (مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ؟) بفتح الجيم، أي: ترادد في الكلامِ (وَإِنَّ ابْنَتَكَ) تريد حفصَة (لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ) غير مصروف (٣) (فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ) ثمَّ نزل (حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ)

стр. 9148

ابنتِه، وبدأَ بها لمنزلتها منه (فَقَال لَهَا: يَا بُنَيَّةُ؛ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ) وفي روايةِ عبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ أبي ثورٍ عند المؤلِّف في «باب الغُرفة والعُلِّيَّة»، من «المظالِم» [خ¦٢٤٦٨]: فقلتُ: أيْ حفصَةُ؛ أتغاضِبُ إحداكُنَّ رسولَ الله ﷺ اليوم حتَّى اللَّيل؟ (فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ) لنراددهُ في الكلامِ (فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ ﷺ ، يَا بُنَيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا) بالرفع على الفاعلية (حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ-) برفع «حب» بدل اشتمالٍ من الفاعل؛ وهو «هذه» و «الَّتي» نعت، ووقع في روايةِ سليمان بن بلالٍ عند مسلمٍ: «أعجبَها حسنُها وحبُّ رسولِ اللهِ ﷺ إيَّاهَا» بواو العطفِ، فحملَ بعضُهم روايةَ الباب (١) على أنَّها من بابِ حذفِ حرف (٢) العطف؛ لثبوتهِ في روايةِ مسلم، وهو يردُّ على تخصيصِ حذف حرف الجرِّ بالشِّعر، وضبطه بعضُّهم بالنَّصب على نزع الخافضِ، قال في «المصابيح»: يريد أنَّه مفعولٌ لأجلهِ، والأصل: لحبِّ رسولِ الله ﷺ ، ثمَّ حذفت اللام فانتصبَ على أنَّه مفعولٌ له، ولا نزاعَ في جوازهِ، والمعنى: لا تغترِّي بكونِ عائشة تفعلُ ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك؛ فإنَّها تدلُّ بحسنهَا وبحبِّ (٣) النَّبيِّ ﷺ لها، فلا تغترِّي أنتِ بذلك؛ لاحتمالِ ألَّا تكوني عندَه في تلكَ المنزلة، فلا يكون لكِ من الإدلالِ مثل الَّذي لها، وعند ابنِ سعدٍ في روايةٍ أخرى: إنَّه ليس لكِ مثل حظوة عائشة، ولا حسن زينب بنتِ جحشٍ. (قَالَ) عمرُ: (ثُمَّ خَرَجْتُ) من عندِ حفصةَ (حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا) لأنَّ أمَّ

стр. 9149

عمر كانت مخزوميَّة كأمِّ سلَمة، وهي بنتُ عمِّ أمه (فَكَلَّمْتُهَا) في ذلك (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ) من أمورِ النَّاس غالبًا (حَتَّى تَبْتَغِي) أي: تطلُب (أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ فَأَخَذَتْنِي) منَعتني أمُّ سلَمة بكلامِها (وَاللهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي) به (عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ) من الغضبِ (فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أوسُ بن خَوْلِيٍّ، كما نقله ابنُ بَشْكوال، وقيل: هو عتبان بنُ مالكٍ (إِذَا غِبْتُ) عن مجلسِ رسولِ الله ﷺ (أَتَانِي بِالخَبَرِ) من الوَحي وغيره (١) (وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالخَبَرِ) من الوَحي وغيره (وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ) بفتح المعجمة وتشديد المهملة، غير منصرف، وهو جَبلة بنُ الأَيهمِ، رواه الطَّبرانيُّ عن ابنِ عبَّاس، أو الحارثِ بن أبي شمرٍ (ذُكِرَ لَنَا أنَّه يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا) ليغزونَا (فَقَدِ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ) خوفًا (فَإِذَا صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ البَابَ) وفي «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: فرجعَ إلينا عشاءً فضربَ بَابي ضربًا شديدًا (فَقَالَ: افْتَحِ افْتَحْ) مرَّتين للتَّأكيد، فخرجتُ إليهِ فقال: حدثَ اليومَ أمرٌ عظيمٌ (فَقُلْتُ: جَاءَ الغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ): لا (بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) أي: بالنِّسبة إلى عُمر؛ لمكان حفصَة بنته (اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ) وفي: «بابِ موعظة الرَّجل ابنته» [خ¦٥١٩١]: طلَّق رسول الله ﷺ نساءَه، وإنَّما وقعَ الجزمُ بالطَّلاق لمخالفةِ العادة بالاعتزالِ، فظنَّ الطَّلاق (فَقُلْتُ: رَغَِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ) بكسر الغين المعجمة وفتحها، أي: لصقَ بالرَّغام وهو التُّراب (٢) ولأبي ذرٍّ: «رغِمَ اللهُ أنف حفصَة» (وَعَائِشَةَ) وخصَّهما بالذِّكر لكونهمَا كانتا السَّبب في ذلك (فَأَخَذْتُ ثَوْبِيَ) بكسر الموحدة (فَأَخْرُجُ) من منزلِي (حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ) بفتح الميم وسكون المعجمة وضم الراء، أي: غرفةٍ، وفي «المظالِم» [خ¦٢٤٦٨] و «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: فجمعتُ عليَّ ثيابِي فصلَّيت صلاةَ الفَجْر مع النَّبيِّ ﷺ ، فدخل مشرُبة له (يَُرْقَى) بفتح

стр. 9150

الياء، أو بضمها، مبنيًّا للمفعول، أي: يصعَد (عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ) بفتح العين المهملة والجيم، بدرجةٍ (وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْوَدُ) هو ربَاح (عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ) قاعدٌ (فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ) لرسولِ الله ﷺ : (هَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) يستأذنُ في الدُّخول، فدخلَ الغُلام واستأذنَه ﵊ (فَأَذِنَ لِي. قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ) لمَّا دخلتُ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ضحِكَ بلا صوتٍ (وَإنَّه لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية (قَرَظًا) بقاف وراء فظاء معجمة مفتوحات، ورقُ السَّلَم الَّذي يدبَغ بهِ (مَصْبُوبًا) أي: مسكُوبًا، ولأبي ذرٍّ: «مصبورًا» بالراء بدل الموحدة، أي: مجمُوعًا من الصُّبرة؛ وهي الكَوم من الطَّعام (وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ) بفتح الهمزة والهاء، وبضمهما، جمع: إهابٍ، جلدٌ دبِغَ أم لم يُدبغ، أو قبل أن يدبَغ (فَرَأَيْتُ أَثَرَ الحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ (١)) ﵊ (فَبَكَيْتُ) لذلك (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ) يا ابنَ الخطَّاب؟ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ) من زينةِ الدُّنيا ونعيمهَا (٢) (وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ) المستحقُّ لذلك لا هُما (فَقَالَ) ﵊: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا) الفانِية بزينتهَا (٣) ونعيمها (وَلَنَا الآخِرَةُ) الباقية؟ و «لهم» بضميرِ الجمع على إرادتهمَا ومن تبعهمَا، أو (٤) كان على مثلِ حالهمَا. وهذا الحديثُ أخرجَه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٩١] وفي «خبرِ الواحد» [خ¦٧٢٥٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٤٣]، ومسلم في «الطَّلاق». (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾) العاملُ فيه: اذكر، فهو مفعولٌ

стр. 9151

به لا ظرف (﴿إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾) حفصَة (﴿حَدِيثًا﴾) تحريم العسلِ أو ماريَة (﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾) فلمَّا أخبرت حفصَةُ عائشةَ ظنًّا منها أن لا حرجَ في ذلك (﴿وَأَظْهَرَهُ اللهُ﴾) أطلعهُ (﴿عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾) لحفصَة على سبيلِ العَتب (﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾) تكرُّمًا منه وحلمًا (﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]) وثبت لأبي ذرٍّ: «باب» إلى قوله: «﴿حَدِيثًا﴾» وقال بعده: «إلى ﴿الْخَبِيرُ﴾» (١) وأصل نبَّأ وأنبأَ وأخبرَ وخبَّر أن تتعدَّى إلى اثنين، إلى الأول بنفسها (٢)، والثاني بحرف الجرِّ، وقد يحذفُ الأول للدَّلالة عليهِ، وقد جاءتِ الاستعمالاتُ الثَّلاث في هذهِ الآيات، فقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدَّى لاثنين حُذف أولهما، والثَّاني مجرور بالباء، أي: نبَّأت به غيرها، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ ذكرهما، وحذف الجار، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، إلى آخر «﴿حَدِيثًا﴾» (فِيهِ) أي: في هذا الباب (عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كمَا سبق في البابِ الَّذي قبل من طريقِ عبيد بنِ عميرٍ [خ¦٤٩١٢]. ٤٩١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ) بتصغيرهما (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) زادَ أبو ذرٍّ: «ابن الخطَّاب ﵁» عن آية، فمكثتُ سنةً لا أستطيعُ أن أسألَه هيبةً له، فحججتُ معه فلمَّا رجعنَا (فَقُلْتُ) له: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا) تعاونَتا (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حتَّى حرَّم على نفسهِ ما حرَّم؟ (فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ): هما (عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) الحديثُ المسوق قبل بتمامهِ [خ¦٤٩١٣] واختصَره هنا.

стр. 9152

(٤) (قوله: ﴿إِن تَتُوبَا﴾) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله: ﴿إِن تَتُوبَا﴾ (﴿إِلَى اللهِ﴾) خطابٌ لحفصَة وعائشة، وجواب الشَّرط (﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]) أي: فقَد وجدَ منكما ما يوجبُ التَّوبة، وهو ميلُ قلوبكُما عن الواجبِ من مخالصةِ (٢) الرَّسول بحبِّ ما يحبُّه وكراهةِ ما يكرهه، يقال: (صَغَوْتُ) بالواو (وَأَصْغَيْتُ) بالياء، أي: (مِلْتُ) فالأوَّل ثلاثي، والثَّاني مزيد فيه (﴿وَلِتَصْغَى﴾) في قولهِ: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣] أي: (لِتَمِيلَ) أو جواب الشَّرط محذوف، تقديره: فذاكَ واجبٌ عليكُما، أو فتابَ الله عليكما، وأطلق قلوب على قلبينِ لاستثقالِ الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، واختلف في ذلك، والأحسن الجمع ثمَّ الإفراد ثمَّ التَّثنية. وقال ابنُ عصفور: لا يجوزُ الإفرادُ إلَّا في الضَّرورة (﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾) بما يسوءه (﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾) ناصرُه، و ﴿هُوَ﴾ يجوز أن يكون فصلًا، و ﴿مَوْلَاهُ﴾ الخبرُ، وأن يكون مبتدأ و ﴿مَوْلَاهُ﴾ خبرُه، والجملة خبر «إنَّ» (﴿وَجِبْرِيلُ﴾) رئيسُ الكُروبيين (﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾) أبو بكرٍ وعُمر، و ﴿وَصَالِحُ﴾ مفرد؛ لأنَّه كتب بالحاء دون واو الجمع، وجوَّزوا (٣) أن يكون جمعًا بالواو والنون حذفت النون للإضافة، وكتب بلا واو (٤) اعتبارًا بلفظه؛ لأنَّ الواو سقطت للسَّاكنين، كـ ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] (﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]) أي: (عَوْنٌ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]) أي: (تَعَاوَنُونَ) وقوله: ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ عطف على محلِّ اسم «إنَّ» بعد استكمالِ خبرها، وحينئذٍ فـ ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وتاليه داخلان في ولايةِ الرَّسول ﵊، وجبريلُ

стр. 9153

ظهيرٌ له؛ لدخولهِ في عمومِ الملائكة، و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ مبتدأ، خبرُه ﴿ظَهِيرٌ﴾ ويجوزُ أن يكون الكلام تمَّ عند قولهِ: ﴿مَوْلَاهُ﴾ ويكون ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ مبتدأ وما بعده عطف عليه، و ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبره، فتختصُّ الوِلاية بالله، ويكون جبريل قد ذُكِر في المعاونة مرَّتين: مرَّة بالتَّنصيص ومرَّة في العموم، وهو عكسُ قولهِ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] فإنَّه ذكر الخاصَّ بعد العامِّ تشريفًا له، وهنا ذكر العامُّ بعد الخاصِّ، ولم يذكُر النَّاس إلَّا الأوَّل. قاله في «الدُّرِّ»، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «صغوت … » إلى آخر (١) قوله: «﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾» ولغيره لفظ: «باب». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: ٦]) أي: (أَوْصُوا أَنْفُسَكُمْ) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها صاد مهملة من الإيصاء (وَأَهْلِيكُمْ (٢) بِتَقْوَى اللهِ وَأَدِّبُوهُمْ) ولغير أبي ذرٍّ: «أوصُوا أهلِيكم بتقوَى الله وأدِّبوهم». ٤٩١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ اللهِ بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ) بتصغيرهما (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: أَرَدْتُ) ولأبي ذرٍّ: «كنتُ أريد» (أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) بنَ الخطَّابِ ﵁ (عَنِ

стр. 9154

المَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا) تعاونتَا (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لأبي ذرٍّ ما بعد «تظاهرتَا» (فَمَكُثْتُ سَنَةً فَلَمْ أَجِدْ لَهُ) أي: للسُّؤال (مَوْضِعًا، حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ حَاجًّا، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرَانَ) بفتح المعجمة وسكون الهاء وبالراء والنون، بقعةٌ بين مكَّة والمدينة غير منصرف، حين رجعنَا (ذَهَبَ عُمَرُ لِحَاجَتِهِ) كناية عن التَّبرُّز (فَقَالَ: أَدْرِكْنِي بِالوَضُوءِ) بفتح الواو، أي: بالماء (فَأَدْرَكْتُهُ بِالإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة، المِطْهرة (فَجَعَلْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الماء» أي (١): للوضوءِ (وَرَأَيْتُ مَوْضِعًا) للسُّؤال (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ مَنِ المَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا) على رسول الله ﷺ من أزواجهِ؟ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ) عمر: هُما (عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) وساقَ بقيَّة الحديث، واختصره هنا للعلمِ بهِ من سابقهِ. (٥) (قوله: ﴿عَسَى﴾) ولأبي ذرٍّ (٢): «بابٌ» بالتنوين أي (٣): في قوله تعالى: ﴿عَسَى﴾ (﴿رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾) النَّبيُّ ﷺ (﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾) خبر ﴿عَسَى﴾، و ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ شرطٌ معترض بين اسم ﴿عَسَى﴾ وخبرها، وجوابه محذوفٌ أو متقدِّم، أي: إن طلَّقكنَّ فعسى … ، وعسى من الله واجبٌ، ولم يقعِ التَّبديل لعدمِ وقوعِ الشَّرط (﴿مُسْلِمَاتٍ﴾) مقرَّات بالإسلامِ (﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾)

стр. 9155

مخلصاتٍ (﴿قَانِتَاتٍ﴾) طائعاتٍ (﴿تَائِبَاتٍ﴾) من الذُّنوب (﴿عَابِدَاتٍ﴾) متعبِّدات، أو متذلِّلات لأمرِ الرَّسول ﵊ (﴿سَائِحَاتٍ﴾) صائماتٍ أو مهاجراتٍ (﴿ثَيِّبَاتٍ﴾) جمع: ثيِّب، مَن تزوَّجت ثمَّ بانت (﴿وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]) أي: عذارى، وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ … إلى آخره، إمَّا نعتٌ أو حالٌ أو منصوبٌ على الاختصاصِ، والثَّيِّب: وزنها فيعِل، من ثابَ يثوبُ: رجع؛ لأنَّها ثابت بعد زوالِ عذرتها، وأصلها ثَيْوِب؛ كسيِّد وميِّت، أصلُهما: سيوِد وميوِت، فأُعِلَّ الإعلال المشهور (١). وقال الزَّمخشريُّ في «كشَّافه»: وأُخليتِ الصِّفات كلُّها عن العاطف، ووُسِّط بين الثيِّبات والأبكار؛ لأنَّهما صفتانِ متنافيتَان لا يجتمعْنَ (٢) فيهما اجتماعهنَّ في سائرِ الصِّفات، فلم يكن بدٌّ من الواو. انتهى. وذهب القاضِي الفاضِل إلى أنَّ هذه الواو واو الثَّمانية، وتبجَّح باستخراجِها وزيادتها على المواضِع الثَّلاثة الواقعة في القرآنِ؛ وهي: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وآية الزُّمر؛ إذ قيل: ﴿فُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧١] في آية النَّار؛ لأنَّ أبوابها سبعة ﴿وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣] في آية الجنَّة؛ إذ أبوابها ثمانية، وقوله: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] فإنَّه الوصفُ الثَّامن، قال ابنُ هشامٍ: والصَّواب أنَّ هذه الواو وقعت بينَ صفتينِ، هما تقسيمٌ لمن اشتمَل على جميعِ الصِّفات السَّابقة (٣)، فلا يصحُّ إسقاطُها؛ إذ لا تجتمعُ الثُّيوبَة والبَكارة، وواو الثَّمانية عند القائلِ بها صالحةٌ للسُّقوط، ثمَّ إنَّ ﴿أَبْكَارًا﴾ صفة تاسعة لا ثامنة؛ إذ أوَّل الصِّفات ﴿خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ لا ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾، فإن أجاب: بأنَّ ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ وما بعدهُ تفصيلٌ لـ ﴿خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ فلهذا لم

стр. 9156

تعد قسيمةً لها؛ قلنا: وكذلك ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ تفصيل للصِّفات السَّابقة، فلا نعدهما معهنَّ. وفي «معجم الطَّبراني الكبير» عن بريدةَ قال: وعد الله نبيَّه ﷺ في هذه الآية أن يزوِّجه بالثَّيِّب آسية امرأة فرعون، وبالبِكر (١) مريمَ ابنة (٢) عِمران، وبدأ بالثَّيب قبل البكر لأنَّ زمنَ آسية قبل مريم، أو لأنَّ أزواجَه ﵊ كلهم ثيِّب إلَّا عائشة. قيل: وأفضلهنَّ خديجة، فالتَّقديم من جهةِ قبليَّة الفضل وقبليَّة الزَّمان؛ لأنَّه تزوَّج الثيِّب منهنَّ قبلَ البِكر، وفي حديثٍ ضعيفٍ عندَ ابنِ عساكرٍ عن ابنِ عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ على خديجَة، وهي في الموتِ فقال: «يا خديجَة؛ إذا لقيتِ ضرائِرك؛ فأقرئيهنَّ منِّي السَّلام» فقالت: يا رسول الله؛ وهل تزوَّجت قبلي؟ قال: «لا، ولكنَّ الله زوَّجني مريمَ بنت عِمران، وآسية امرأةَ فرعون، وكَلْثَمَ أخت موسَى». وروي نحوه بإسنادٍ ضعيفٍ من حديثِ أبي أمامَة عند أبي يَعلى، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ … » إلى آخره. وقال بعد ﴿مِّنكُنَّ﴾: «الآيةَ». ٤٩١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، الواسِطيُّ نزيلُ البصرة قال: (حَدَّثَنَا

стр. 9157

هُشَيْمٌ) بنُ بُشير، مصغَّرين (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب (¬﵁ اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ) بفتح الغين المعجمة (فَقُلْتُ لَهُنَّ) رضوان الله عليهنَّ: (﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقلتُ له» أي: للنَّبيِّ (١) ﷺ ، قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرًا منهنَّ ولم يكن على وجهِ الأرضِ نساءٌ خيرًا (٢) من أمَّهات المؤمنين؟ وأجاب: بأنَّه ﵊ إذا طلقهنَّ لعصيانهنَّ له وإيذائهنَّ إيَّاه لم يبقينَ على تلكَ الصِّفة، وكان غيرهنَّ من الموصوفاتِ بهذهِ الأوصافِ مع الطَّاعة لرسول الله ﷺ والنُّزول على هواهُ ورضاهُ خيرًا منهنَّ. وقال في «الأنوار»: وليسَ في الآيةِ ما يدلُّ على أنَّه لم يطلِّق حفصة؛ لأنَّ تعليقَ طلاق الكلِّ لا ينافي تطليقَ واحدةٍ. وهذا الحديثُ سبق بتمامهِ (٣) في «بابِ ما جاء في القِبلة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٠٢]. (((٦٧))) (سُورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثلاثون، ولغير أبي ذرٍّ: «سورة الملك». وقوله: ﴿تَبَارَكَ﴾ أي: تنزَّه عن صفاتِ المحدَثين و ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] بقبضةِ قدرتهِ التَّصرف في الأمورِ كلِّها. (التَّفَاوُتُ) قال الفرَّاء: (الاِخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ) بالألف والتخفيف (وَالتَّفَوُّتُ) بغير ألف والتَّشديد، وبها قرأ حمزة والكِسائيُّ (وَاحِدٌ) في المعنى؛ كالتَّعهُّد والتَّعاهد. (﴿تَمَيَّزُ﴾) أي: (تَقَطَّعُ) ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. قال في «الأنوار»: وهو تمثيلٌ لشدَّة اشتعالِها بهم، ويجوز أن يرادَ غيظ الزَّبانية. (﴿مَنَاكِبِهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] أي: (جَوَانِبِهَا) قال في «فتوح

стр. 9158

الغيب»: قوله: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ استعارةٌ تمثيليَّة أو تحقيقيَّة؛ لأنَّ القصدَ الأرض، إمَّا ناحيتها أو جبالها؛ فنسبةُ الذَّلول إليها ترشيحٌ، ونسبةُ المشي تجريدٌ. قال الرَّاغبُ: المنكب مجتمعُ ما بينَ العضد والكتِف، ومنه استعيرَ للأرضِ المنكب في قولهِ تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ كما استعيرَ لها (١) الظَّهر في قولهِ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. (﴿تَدَّعُونَ﴾) بالتَّشديد في قولهِ تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧] (وَ ﴿تَدَّعُونَ﴾) بسكون الدال مخففًا، وهي قراءة يعقوب. زاد أبو ذرٍّ: «واحد» (مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ) بالتَّشديد (وَتَذْكُرُونَ) بالتَّخفيف، وقيل: التَّشديد من الدَّعوى، أي: تدَّعون (٢) أنَّه لا جنَّة ولا نار، وقيل: من الدُّعاء، أي: تطلبونَه وتستعجلونَه، وعلى التَّخفيف قيل: إنَّ الكفَّار كانوا يدعون على الرَّسول ﵊ وأصحابه ﵃ بالهلاكِ. (﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]) أي: (يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ: (﴿صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩]) هو (بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ) وسقط قوله: «﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ. (﴿وَنُفُورٍ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] قال مجاهدٌ: هو (الكُفُورُ) فيما وصلَه عبدُ بن حميدٍ. (((٦٨))) (سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾) مكِّيَّة وآيُها ثنتان وخمسون.

стр. 9159

(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَ لفظ «سورة» والبسملة لغيرِ أبي ذرٍّ، و «نون» من أسماءِ الحُروف، وقيل: اسمُ الحوتِ. وروى أبو جعفرٍ عن ابنِ عبَّاس: أوَّل ما خلقَ الله القَلم، قال: اكتُب القَدر، فجرى بما يكونُ من ذلكَ اليومِ إلى قيامِ السَّاعة، ثمَّ خلَق النون، ورفعَ بخار الماءِ، ففُتقَت منه السَّماء، وبُسطَت الأرضُ على ظهرِ النون، فاضطَرب النُّون فمادت الأرض. وكذا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وذكرَ البَغويُّ وغيره: أنَّ على ظهرِ هذا الحُوت صخرةً سمكُها كغلظِ السَّمواتِ والأرض، وعلى ظهرهَا ثورٌ لهُ أربعونَ ألفَ قرنٍ، وعلى متنهِ الأرضُون السَّبع ومَا فيهنَّ ومَا بينهنَّ، فالله أعلم. و ﴿وَالْقَلَمِ﴾: هو الَّذي خطَّ اللَّوح، أو الَّذي يُخطُّ بهِ، وأقسمَ بهِ لكثرةِ فوائدهِ، وجوابُ القَسم الجملةُ المنفيَّة. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾) من قولهِ: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أي: (يَنْتَجُونَ) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الفوقية بعدها جيم (١) (السِّرَارَ وَالكَلَامَ الخَفِي) وسقطَ هذا لغيرِ أبي ذرٍّ. (وقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾) بالجر، ولأبي ذرٍّ بالرفع (٢)، أي: في قولهِ تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أي: (جِدٍّ) بكسر الجيم (فِي أَنْفُسِهِمْ) وقيل: الحرْدُ: الغضبُ والحَنق، وقيل: المنعُ، من حاردَتِ الإبلُ: انقطع (٣) لبنُها، والسَّنَة: قلَّ مطرها. قاله أبو عُبيدة، و ﴿قَادِرِينَ﴾ حال من فاعل ﴿وَغَدَوْا﴾ و ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ متعلِّق به. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿لَضَالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]) أي: (أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا) فتُهنا عنها، ثمَّ لمَّا رجعُوا عمَّا كانوا فيه وتيقَّنوا أنَّها هي؛ قالوا (٤): ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أي: بل هي هذهِ، ولكن لا حظَّ لنا ولا نَصيب. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (﴿كَالصَّرِيمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أي: (كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ) انقطعَ (مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ) انقطعَ (مِنَ النَّهَارِ) فالصَّريم يطلقُ

стр. 9160

على اللَّيل لسوادهِ، وعلى النَّهار وعلى الصُّبح، فهو من الأضداد. وقال شَمِر: الصَّريم اللَّيل والنَّهار؛ لانصرامِ هذا عن ذاكَ، وذاكَ عن هذا (وَهْوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ) انقطعت (مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ، وَالصَّرِيمُ أَيْضًا المَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ) فعيل بمعنى مفعول. وفي «التفسير»: أي: كالبستانِ الَّذي صُرم ثمارُه بحيثُ لم يبقَ فيه شيءٌ، أو كاللَّيل باحتراقِها واسودادِها، أو كالنَّهار بابيضاضِها من فرطِ اليَبس. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿عُتُلٍّ﴾) غليظٍ جافٍ (﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]) أي: دَعِيٍّ يُنسَبُ إلى قومٍ ليس منهم، مأخوذٌ من زَنَمَتي الشَّاة، وهما المتدلِّيتان من أذنِها وحلقِها، فاستعيرَ للدَّعيِّ؛ لأنَّه كالمعلَّق بما ليس منهُ. وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٩١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلانَ العدويُّ مولاهم المروزيُّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «محمَّد» قال الحافظُ ابن حجرٍ: وكأنَّه الذُّهلي. قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، مصغَّرًا، العبسيُّ مولاهُم الكُوفيُّ، وهو شيخُ المؤلِّف، روى عنهُ بالواسِطة، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن موسى» (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانَ بن عاصمٍ الأسديِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قولهِ تعالى: (﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]) (قَالَ): هو (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) قيل: هو الوليدُ بنُ المغيرَة، وقيل: الأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ، وقيل: الأخنسُ بنُ شريقٍ، وليسَ هو عبدَ الرَّحمن بن الأسودِ؛ فإنَّه يصغر عن ذلك (لَهُ زَنَمَةٌ) في عنقهِ (مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ) يعرفُ بها، وقيل: كان للوليدِ بنِ المغيرة ستَّة أصابع، في كلِّ يدٍ إصبع زائدةٌ. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير» وعندَ ابنِ جريرٍ عن سعيدِ بن جبيرٍ: الزَّنيم:

стр. 9161

الَّذي يُعرفُ بالشَّرِّ كما تُعرفُ الشَّاة بزنمتهَا، والزَّنيم: الملصقُ. وقال الضَّحَّاك: كانت لهُ زنَمةٌ في أصلِ أذنهِ (١) مثلَ زنمةِ الشَّاة. ٤٩١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ) بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة، الكوفيِّ الجَدَلِي -بفتح الجيم والمهملة وتخفيف اللام- (قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ) بكسر العين في الفرع كالأصلِ اليونيني، أي: متواضعٌ خاملٌ، وبفتحها ضبطهُ الدِّمياطيُّ، وقال النَّوويُّ: إنَّه روايةُ الأكثرينَ، وغلَّطَ ابن الجَوزي من كسرَ، أي: يستضعفهُ النَّاس ويحتقرونَه، وعند أحمدَ من حديثِ حذيفةَ: «الضَّعيف المستضعفُ (٢) ذو الطِّمرين لَا يؤبَه لهُ» (لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) أي: لو حلفَ يمينًا طمعًا في كرمِ الله بإبرارهِ لأبرَّه، أو لو (٣) دعَاه لأجابَه (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ) فظٍّ غليظٍ، أو شديدِ الخصومَة، أو الفاحش الآثِم، أو الغليظ العَنيف، أو الجَموع المنُوع، أو القصير البطن (جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ) بفتح الجيم والواو المشددة آخره ظاء معجمة: الكثير اللَّحم المختالُ في مشيتهِ، وقيل: الفاخرُ، وقيل: الأكولُ، والمراد -كما قالَه الكَرْمانيُّ وغيره- أنَّ أغلبَ أهلِ الجنَّة هؤلاء، كما أنَّ أغلبَ أهلِ النَّار القسمُ الآخر، وليسَ المرادُ الاستيعاب في الطَّرفين. وهذا الحديثُ أخرجَه أيضًا في «الأدبِ» [خ¦٦٠٧١] و «النُّذور» [خ¦٦٦٥٧]، ومسلم في «صفةِ الجنَّة»، والتِّرمذي في «صفةِ جهنَّم» -أعاذنا الله منها بمنِّه- (٤)، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الزُّهد».

стр. 9162

(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]) هو عبارةٌ عن شدَّةِ الأمرِ يومَ القِيامة للحسابِ والجَزاء، يقالُ: كشفت الحربُ عن ساقٍ؛ إذا اشتدَّ الأمرُ فيها، فهو كنايةٌ؛ إذ لا كشفَ ولا ساق، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٩١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، السَّكسكيِّ الجُمحيِّ الإسكندرانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولَى عُمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ الخُدريِّ (١) (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ) في حديثِ أبي موسَى، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «عن نورٍ عظيمٍ» رواه أبو يَعلى بسندٍ فيهِ ضعف (٢). وعن قتادةَ فيما رواهُ عبدُ الرَّزاق: عن شدَّة أمرٍ. وعن ابن عبَّاسٍ عند الحاكم قال: هو يومُ كربٍ وشدَّةٍ. وأخرجَ الإسماعيليُّ من طريقِ حفصِ بن ميسَرة، عن زيدِ بنِ أسلم: ﴿يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال الإسماعيليُّ: هذه أصحُّ لموافقتِها لفظ القرآنِ، والله تعالى يتعَالى عن شبهِ المخلوقينَ (فَيَسْجُدُ لَهُ) تعالى (كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) متلذِّذين لا على سبيلِ التَّكليف (وَيَبْقَى مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «فيَبقى كلُّ من» (كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً) ليراهُ النَّاس (وَسُمْعَةً) ليسمعُوه (فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ) ولأبي ذرٍّ: «يسجد» (فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا) بفتح الطاء المهملة والموحدة، لا ينثَني للسُّجود، ولا ينحَني له. قال الهرويُّ: يصيرُ فقارةً واحدةً كالصَّفيحة (٣)، فلا يقدرُ على السُّجود. ومباحثُ هذا تأتي إن شاء الله تعالى في «حديثِ الشَّفاعة» بعونِ الله ومنِّه [خ¦٧٥٠٠].

стр. 9163

(((٦٩))) (سورة الحَاقَّةِ) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وخمسون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] يُرِيدُ: فِيهَا الرِّضَا) ولأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ: «وقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿عِيشَةٍ﴾ … » إلى آخره. (﴿الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]) ولأبي ذرٍّ: «والقاضيَة»: (المَوْتَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُّهَا، ثُمَّ أُحْيَا) ولأبي ذرٍّ: «لم أحي» (بَعْدَهَا) قالهُ الفرَّاء، وروايةُ أبي ذرٍّ أوجَه؛ إذ مرادُه أنَّها تكون القاطِعة لحياتهِ فلا يُبعثُ بعدَها. (﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]) قال الفرَّاء: (أَحَدٌ: يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ) ولأبي ذرٍّ: «للجميعِ والواحدِ» ومرادُه أنَّ أحدًا في سياقِ النَّفي بمعنَى الجَمع؛ فلذا قال: ﴿حَاجِزِينَ﴾ بصيغةِ الجَمع، وضمير ﴿عَنْهُ﴾ للنَّبيِّ ﷺ . (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيمَا وصَله ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] نِيَاطُ القَلْبِ) وهو عرقٌ متَّصل بهِ، إذا انقطعَ ماتَ صاحبُه. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيمَا وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿طَغَى﴾ [الحاقة: ١١]) أي: (كَثُرَ) الماءُ حتَّى علا فوقَ الجبال وغيرها (١) زمنَ الطُّوفان خمسةَ عشرَ ذراعًا. (وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]) أي: (٢) (بِطُغْيَانِهِمْ) قالَه أبو عُبيدة، وزادَ: وكفرِهم (وَيُقَالُ: طَغَتْ) أي: الرِّيح (عَلَى الخُزَّانِ) بضم الخاء، وفي «اليونينية» بفتحها (٣)، فخرجَتْ بلا ضبطٍ، فأهلكَتْ ثمود (كَمَا طَغَى

стр. 9164

المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ) ﵇. (((٧٠))) (سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾) مكِّيَّة، وآيُها أربع وأربعون. (الفَصِيلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «والفصِيلة» (أَصْغَرُ آبَائِه القُرْبَى) الَّذي فصلَ عنه (إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ انْتَمَى) قالَه الفرَّاء. وفي نسخةٍ وهي لأبي ذرٍّ (١): «ينتهِي» بالهاء بدل «ينتَمي» -بالميم- وسقط لأبي ذرٍّ قوله «من انتمَى» (٢). (﴿لِّلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]) أي: (اليَدَانِ وَالرِّجْلَانِ، وَالأَطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ، يُقَالُ لَهَا: شَوَاةٌ) وقيل الشَّوى: جلدُ الإنسانِ (وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوًى) قالَه الفرَّاء. (وَالعِزُونَ: الجَمَاعَاتُ) ولأبي ذرٍّ: «﴿عِزِينَ﴾» وله أيضًا: «العزون: حِلَق» بكسر الحاء المهملة وفتح اللام «وجماعات» وله أيضًا: «الحِلق والجمَاعات» (وَوَاحِدُهَا) ولأبي ذرٍّ: «واحدتُها» (عِزَةٌ) وكانُوا يتحلَّقون حِلقًا ويقولونَ استهزاءً بالمسلمينِ: لئن دخلَ هؤلاءِ الجنَّة؛ لندخلنَّها قبلَهم.

стр. 9165

(((٧١))) (سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ (١)) مكِّيَّة، وآيُها تسع أو ثمان وعشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة نوحٍ». (﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]) أي: (طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا) وقالَ قتَادة -فيما رواهُ عبدُ الرَّزَّاق-: ﴿أَطْوَارًا﴾ نطفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مضغَة، ثمَّ خلقًا، والنَّصب على الحال، أي: منتقلينَ من حالٍ إلى حالٍ، أو مختلفينَ من بينِ مسيءٍ ومحسنٍ وصالحٍ وطالحٍ (يُقَالُ: عَدَا طَوْرَهُ؛ أَيْ: قَدْرَهُ) أي: تجاوَزه. (وَالكُبَّارُ) بتشديد الموحدة (أَشَدُّ) أي: أبلغُ في المعنَى (مِنَ الكُبَارِ) بتخفيفها (وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ) بضم الجيم وتشديد الميم (وَجَمِيلٌ) المخفَّف (لَأنَّهَا) يعني: المشدَّدة (أَشَدُّ مُبَالَغَةً) من المخفَّفة (وَ ﴿كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]) ولأبي ذرٍّ: «وكذلك كُبَّارٌ» (الكَبِيرُ، وَكُبَارًا أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ) فيهما، وسقط «وكبَّار أيضًا» لأبي ذرٍّ (٢) (وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ) بضم أولهما وتشديد ثانيهما (وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ، وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ (٣)) قالَه أبو عُبيدة. (﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]) مشتقٌّ (مِنْ دَوْرٍ) بفتح الدال وسكون الواو (وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ) بفتح الفاء وسكون التحتية (مِنَ الدَّوَرَانِ) لأنَّ أصلَه: ديْوَار، فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، ولو كان فعَّالًا بتشديد العين لكان دوَّارًا (كَمَا قَرَأَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب: ((الحَيُّ القَيَّامُ)، وَهْيَ مِنْ قُمْتُ) لأنَّ أصله: قيوام، فلا يقال: وزنُه فَعَّال بل فَيْعَال، كما في الدَّيَّار (وَقَالَ غَيْرُهُ) لم يتقدَّم ذكرُ أحدٍ فيعطف عليه، ولعلَّه سقطَ من ناسخٍ: (﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] أَحَدًا) قالَه أبو عُبيدة. (﴿تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] هَلَاكًا) قالَه أبو عُبيدة أيضًا.

стр. 9166

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] يَتْبَعُ بَعْضُهَا) ولأبي ذرٍّ: «بعضه» (بَعْضًا). (﴿وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]) أي: (١) (عَظَمَةً (٢)) قالَه ابنُ عبَّاس أيضًا فيمَا وصلَه سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ أبي حاتمٍ. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]) ضمَّ واو ﴿وَدًّا﴾ نافع، وفتحها غيرُه، ونوَّن (يغوثًا ويعوقًا) المطوَّعي للتَّناسب، ومنع صرفهما الباقون للعلميَّة والعُجمة، أو العلميَّة (٣) والوزن إن كانا عربيَّين، وثبت الباب وتاليه لأبي ذرٍّ (٤). ٤٩٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبد العَزيز (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو الخُراسانيُّ، وهو معطوفٌ على محذوفٍ بيَّنه الفاكهَاني من وجهٍ آخَر: عن ابنِ جريجٍ قالَ في قولهِ تعالى: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] الآية. قال: أوثانٌ كان قومُ نوحٍ يعبدونَها. وقالَ عطاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) لكنَّ عطَاء لم يسمَع من ابنِ عباسٍ، وابنَ جريجٍ (٥) لم يسمع

стр. 9167

التَّفسير من عطاءٍ الخُراسانيِّ، إنَّما أخذَ الكتَاب من ابنهِ عُثمان فنظَر فيه، لكنَّ البُخاري ما أخرجَه إلَّا أنَّه من روايةِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ؛ لأنَّ الخُراساني ليسَ على شرطهِ، ولقائلٍ أن يقولَ: هذا ليسَ بقاطعٍ في أنَّ عطاء المذكُور هو الخُراساني فيحتملُ أن يكونَ هذا الحديث عندَ ابنِ جريجٍ عن الخُراساني وابنِ أبي رباحٍ جميعًا. قال في «المقدِّمة»: وهذا جوابٌ إقناعيٌّ، وهذا عندِي من المواضعِ العقيمة عن الجوابِ السَّديد، ولا بدَّ للجوادِ من كَبْوة (صَارَتِ الأَوْثَانُ) بالمثلثة، جمع: وثَن (الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ) يعبدونَها (فِي العَرَبِ بَعْدُ) فعبدوهَا، وكانت غرقَت في الطُّوفان، فلمَّا نضبَ الماءُ عنها أخرجَها إبليسُ فبثَّها في الأرضِ (أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ) هو ابنُ وبرَة من قضَاعة (بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ) بفتح الدال من دَومة، ولأبي ذرٍّ: «دُومة» بضمها، والجَنْدل: بفتح الجيم وسكون النون، مدينةٌ من (١) الشَّام ممَّا يلي العِراق (وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة مصغَّرًا، ابنُ مدركَة بنِ إلياسَ بنِ مضر، وكانوا بقربِ مكَّة (وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ) بالفاء قبل الكاف (لِمُرَادٍ) بضم الميم وتخفيف الراء، أبي (٢) قبيلةٍ من اليمن (ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ) بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة وبعد التحتية الساكنة فاء، مصغَّرًا، بطنٌ من مرادٍ (بِالجَوفِ) بفتح الجيم وبعد الواو فاء، المطمئن من الأرضِ، أو وادٍ باليَمن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بالجُرُف» بالراء المضمومة بدل الواو وضم الجيم (عِنْدَ سَبَأ) مدينةُ بلقيسٍ، وسقط «عند سبأ» لأبي ذرٍّ (وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ) بسكون الميم وبالدال المهملة، قبيلةٌ (وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وبعد التحتية المفتوحة راء (لآلِ ذِي الكَلَاعِ) بفتح الكاف آخره عين مهملة، اسم ملكٍ من ملوكِ اليمن (أَسْمَاءُ رِجَالٍ) أي: هذه الخَمسة أسماء رجالٍ، ولأبي ذرٍّ: «ونَسْرٌ أسماء رجال» أي: نسرٌ وأخواته (٣) أسماءُ رجالٍ (صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا) أي: الرِّجال الصَّالحون (أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا) بكسر الصاد المهملة (إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ) فيها (أَنْصَابًا) جمع: نصب ما نصبَ لغرضٍ (وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا) ذلك

стр. 9168

(فَلَمْ تُعْبَدْ) تلكَ الأنصاب (حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ) الَّذين نصبوهَا (وَتَنَسَّخَ) بفتح (١) الفوقية والنون والمهملة المشددة والخاء المعجمة، مِن تَفَعَّل، أي: تغيَّر (العِلْمُ) بها وزالت المعرفةُ بحالِها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ونُسِخ (٢)» بنون مضمومة فمهملة مكسورة، مبنيًّا للمفعول (عُبِدَتْ) بعد ذلك. (((٧٢))) (سورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١]) مكِّيَّة، وآيُها ثمان وعشرون، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿إِلَيَّ﴾». (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]) بكسر اللام، ولأبي ذرٍّ بضمها، وهي قراءةُ هشامٍ: (أَعْوَانًا) جمع: عَوْن؛ وهو الظَّهير. ٤٩٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكُريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفرُ بنُ أبي وحشيَّة الواسِطيُّ البصريُّ (عَنْ

стр. 9169

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ) قاصدينَ (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍَ) بضم العين المهملة وفتح الكاف المخففة وبعد الألف معجمة، بالصَّرف وعدمه، موسمٌ معروفٌ للعربِ من أعظمِ مواسمهم، وهو نخلٌ في وادٍ (١) بين مكَّة والطَّائف، يقيمونَ به شوَّالًا كلَّه يتبايَعون ويتفاخَرون، وكان ذلك لمَّا خرجَ ﵊ إلى الطَّائف، ورجعَ منها سنةَ عشرٍ من المبعثِ، لكن استُشْكِل قوله: في طائفةٍ من أصحَابهِ؛ لأنَّه لمَّا خرجَ إلى الطَّائف لم يكن معهُ من أصحابهِ إلَّا زيد بن حارثة، وأُجيب بالتَّعدد أو أنَّه لمَّا رجع لاقاهُ بعض أصحابهِ في أثناء الطَّريق (وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ) بضمتين، جمع: شِهاب، والَّذي تظاهَرت عليه الأخبار أنَّ ذلك كان أوَّل المبعَث، وهو يؤيِّد تغايرَ زمانِ القصَّتين، وأنَّ مجيءَ الجنِّ لاستماعِ القرآن كان قبلَ خروجهِ ﵊ إلى الطَّائف بسنتَينِ، ولا يعكِّر عليه قوله: إنَّهم (٢) رأوهُ يصلِّي بأصحابهِ صلاة الصُّبح؛ لأنَّه كان ﵊ يصلِّي قبلَ الإسراء صلاةً قبل طلوعِ الشَّمس وصلاةً قبل غروبِها (فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ) إلى قومِهم (فَقَالُوا) لهم: (مَا لَكُمْ؟ قَالُوا) ولغير أبي ذرٍّ: «فقالوا» (٣): (حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالَ) إبليس بعدَ أن حدَّثوه بالَّذي وقع، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا مَا حَدَثَ) لأنَّ السَّماء لم تكُن تحرس إلَّا أن يكونَ في الأرضِ نبيٌّ أو دينٌ للهِ ظاهر. قاله السُّدِّي (فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) أي: سيروا فيها (فَانْظُرُوا مَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي حَدَثَ؟ فَانْطَلَقُوا فَضَرَبُوا (٤) مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا يَنْظُرُونَ مَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ) الشَّياطين (الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ) بكسر الفوقية، وكانوا من جنِّ نصيبينَ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَخْلَةَ) بفتح النون وسكون (٥) الخاء المعجمة غير منصرف للعلميَّة والتَّأنيث، موضعٌ على ليلةٍ من مكَّة (وَهْوَ) ﵊ (عَامِدٌ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهْوَ يُصَلِّي

стр. 9170

بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ) منه ﵊ (تَسَمَّعُوا لَهُ) بتشديد الميم، أي: تكلَّفوا سماعَه (فَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ ﴿فَقَالُوا﴾: يَا قَوْمَنَا؛ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾) يتعجَّب (١) منه في فصاحةِ لفظهِ، وكثرة معانيه (﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾) الإيمان والصَّواب (﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾) بالقرآن (﴿وَلَن نُّشْرِكَ﴾) بعدَ اليوم (﴿بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢] وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾) لقراءَتي (﴿نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]) ما بين الثَّلاثة إلى العشرة. قال ابنُ عبَّاس: (وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ) ﷺ (قَوْلُ الجِنِّ) لقومهِم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ … إلى آخره. وزادَ التِّرمذيُّ: قال ابنُ عبَّاس: وقولُ الجنِّ لقومِهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] قال: لمَّا رأوه يصلِّي، وأصحابه يصلُّون بصلاتِه يسجدُون بسجودِه؛ قال: فعجبُوا (٢) من طواعيةِ أصحابهِ له؛ قالوا لقومهِم ذلك، وظاهره أنَّه ﵊ لم يرهُم ولم يَقرأ عليهم، وإنَّما اتَّفق حضورهُم وهو يقرَأ فسمعوهُ، فأخبرَ الله بذلك رسولهُ. وهذا الحديثُ سبقَ في «بابِ الجهر بقراءةِ صلاةِ الفجر»، من «كتابِ الصَّلاة» [خ¦٧٧٣]. (((٧٣))) (سورة المُزَّمِّلِ) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة أو عشرون، ولأبي ذرٍّ زيادة: «والمدَّثِّر». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿وَتَبَتَّلْ﴾ [المزمل: ٨]) أي: (أَخْلِصْ) وقالَ غيره: انقطع إليه. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصلَه عبدُ بنُ حُميدٍ (﴿أَنكَالًا﴾ [المزمل: ١٢]) أي: (قُيُودًا) واحدهَا: نِكل -بكسر النون-. (﴿مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]) أي: (مُثَقَّلَةٌ بِهِ) وفي «اليونينية»: «مُثْقَلةٌ» بالتَّخفيف. قالَه

стр. 9171

الحسنُ أيضًا فيما وصلهُ عبدُ بنُ حميدٍ، والتَّذكير على تأويلِ السَّقف، والضَّمير لذلك اليوم. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] الرَّمْلُ السَّائِلُ) بعد اجتماعِه. (﴿وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]) أي: (شَدِيدًا) قالَه ابنُ عبَّاس فيمَا وصله الطَّبريُّ. (((٧٤))) (سورة المُدَّثِّرِ) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ وخمسون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظُ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩]) أي: (شَدِيدٌ) عن زُرارة بن (١) أوفَى قاضِي البَصرة: أنَّه صلَّى بهم الصُّبح فقرأَ هذهِ السُّورة، فلمَّا وصَل إلى هذهِ الآية؛ شهقَ شهقةً ثمَّ خرَّ ميِّتًا. (﴿قَسورة﴾ [المدثر: ٥١]) ولأبي ذرٍّ بالرفع، أي: (رِكْزُ النَّاسِ) بكسر الراء آخره زاي، أي: حِسُّهم (وَأَصْوَاتُهُمْ) وصلَه سفيانُ بن عُيينة في «تفسيره» عن ابنِ عبَّاس (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فيما وصلَه عبدُ بن حميدٍ: (الأَسَدُ، وَكُلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ) وعندَ (٢) النَّسفي: «وقَسْور» وزاد في «اليونينية»: «يقالُ» ولأبي ذرٍّ: «﴿عَسِيرٌ﴾ شديد ﴿قَسورة﴾ ركزُ النَّاس وأصواتُهم، وكلُّ شديدٍ قَسْورة. وقالَ أبو هُريرة: القَسْورة: قُسور الأسدِ، الرِّكز: الصَّوت (٣)».

стр. 9172

(﴿مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠]) أي: (نَافِرَةٌ مَذْعُورَةٌ) بالذال المعجمة، قالَه أبو عُبيدة. ٤٩٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (يَحْيَى) هو ابنُ موسَى البَلخيُّ، أو ابن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ) الهُنَائي -بضم الهاء وبالنون الخفيفة- (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، أنَّه قال: (سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ عَنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: جَاوَرْتُ) أي: اعتكفت (بِحِرَاءٍ) بالصَّرف (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي) بكسر الجيم، أي: اعتكَافي (هَبَطْتُ) من الجبلِ الَّذي فيه الغَار (فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا) وفي: «باب كيف كان بدءُ الوَحي»: «فرفعتُ بصَري؛ فإذا الملَك الَّذي جاءَني بحراءٍ جالسٌ على كرسيٍّ بين السَّماء والأرضِ فرعِبْت منهُ» [خ¦٤] (فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي) أي: غطُّوني (وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا) قال: (فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]) وليسَ في هذا الحديثِ أنَّ أوَّل ما نزلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وإنَّما استخرجَ ذلك جابر باجتهاده، وظنُّه لا يعارضُ الحديث الصَّحيح الصَّريح السَّابق أوَّل هذا الجامع أنَّه ﴿اقْرَأْ﴾ [خ¦٣]. (٢) (قوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ٢]) أي: خوِّف أهلَ مكَّة النَّار إن لم يؤمنُوا، وسقط هذا لأبي ذرٍّ.

стр. 9173

٤٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والشين المعجمة، العَبديُّ البصريُّ بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) العَنْبريُّ؛ مولاهم (وَغَيْرُهُ) هو أبو داود الطَّيالسيُّ، كما في «مستخرجِ أبي نُعيم» (قَالَا: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) بالشين المعجمة وتشديد الدال المهملة، و «حَرْب»: بفتح الحاء المهملة وسكون الراء آخره موحدة (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) وسقطَ «ابنِ عبدِ اللهِ» لأبي ذرٍّ (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ) البَصريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ) ولم يخرِّج المؤلِّف رواية عُثمان المذكُور الَّتي أحالَ عليها، وهي عندَ محمَّد بنِ بشَّار شيخِ المؤلِّف فيه، أخرجَه أبو عَرُوبة في «كتاب الأوائل» قال: حدَّثنا محمَّد بن بشَّار: حدَّثنا عثمان بنُ عمر، أنبأنا عليُّ بنُ المبارَك. قاله في «فتح الباري». (٣) (﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]) وصفَه بالكبرياءِ، ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾». ٤٩٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوبَ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بنِ عبدِ الوارثِ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) هو ابنُ شدَّاد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثيرٍ

стр. 9174

(قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرت (أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أنَّه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) سقط قوله: «﴿الَّذِي خَلَقَ﴾» لغير أبي ذرٍّ (فَقَالَ) جابرٌ: (لَا أُخْبِرُكَ إِلَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : جَاوَرْتُ في) غارِ (حِرَاءٍ) بالصَّرف (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ) أي: وصلتُ إلى بطنِ (الوَادِيَ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي؛ فَإِذَا هُوَ) يعني: الملك (جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «على كرسيٍّ» بدل: «عرشٍ» (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]) والظَّاهر أنَّ الذي أنبأَ يحيَى بن أبي كثيرٍ عروةُ بن الزُّبير، والَّذي أنبأَ أبا سَلمة عائشةُ، فإنَّ الحديث مشهورٌ عن عروةَ عن عائشة، ويحتملُ أن يكون مراده بأوَّليَّة المدَّثِّر أوليَّة مخصوصَة بما بعد فترةِ الوحي، أو مقيَّدة بالإنذارِ، لا أوَّليَّة مطلقَة. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]) أي: عن النَّجاسة، أو قَصِّرْهَا خلاف جرِّ العربِ ثيابَهم خُيلاء، فربَّما أصابتهَا النَّجاسة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكيرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 9175

اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغَّرًا، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، قال المصنِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي بعضِ النُّسخ «ح» لتحويلِ السَّند: وحدَّثني بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد. ولأبي ذرٍّ: «قال الزُّهريُّ: قال: أخبرني» بالإفراد (١) وفي غيرِ «اليونينية»: «قال الزُّهريُّ: فأخبرني» (٢) (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (٣) (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) أي: في حالِ التَّحديث عن احتباسِ الوَحي عن النُّزول (فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا أَمْشِي) جواب «بينَا» قوله: (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريل (جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ) بجيم مفتوحة في الفَرْع كأصله، مضمومة في غيرهما (٤)، فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة ففوقية: فزعت (مِنْهُ رُعْبًا) أي: خوفًا، ولأبي ذرٍّ: «فجثثت» بمثلثتين ففوقية من غير همز، قال الكَرْمانيُّ: من الجثِّ وهو القطعُ (فَرَجَعْتُ) إلى خديجةَ (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَدَثَّرُونِي) غطُّوني (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى) قوله: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) فيهِ إشعارٌ بأنَّ الأمرَ بتطهيرِ الثِّياب كان قبلَ فرضِ الصَّلاة (وَ) الرُّجز (هْيَ الأَوْثَانُ) وأنَّث الضَّمير في قولهِ، و «هي» باعتبارِ أنَّ الخَبر جمعٌ، وفسِّر بالجمعِ نظرًا إلى الجنس. قالَه الكَرْمانيُّ.
следующие страницы →