← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

الحسنُ أيضًا فيما وصلهُ عبدُ بنُ حميدٍ، والتَّذكير على تأويلِ السَّقف، والضَّمير لذلك اليوم. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] الرَّمْلُ السَّائِلُ) بعد اجتماعِه. (﴿وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]) أي: (شَدِيدًا) قالَه ابنُ عبَّاس فيمَا وصله الطَّبريُّ. (((٧٤))) (سورة المُدَّثِّرِ) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ وخمسون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظُ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩]) أي: (شَدِيدٌ) عن زُرارة بن (١) أوفَى قاضِي البَصرة: أنَّه صلَّى بهم الصُّبح فقرأَ هذهِ السُّورة، فلمَّا وصَل إلى هذهِ الآية؛ شهقَ شهقةً ثمَّ خرَّ ميِّتًا. (﴿قَسورة﴾ [المدثر: ٥١]) ولأبي ذرٍّ بالرفع، أي: (رِكْزُ النَّاسِ) بكسر الراء آخره زاي، أي: حِسُّهم (وَأَصْوَاتُهُمْ) وصلَه سفيانُ بن عُيينة في «تفسيره» عن ابنِ عبَّاس (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فيما وصلَه عبدُ بن حميدٍ: (الأَسَدُ، وَكُلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ) وعندَ (٢) النَّسفي: «وقَسْور» وزاد في «اليونينية»: «يقالُ» ولأبي ذرٍّ: «﴿عَسِيرٌ﴾ شديد ﴿قَسورة﴾ ركزُ النَّاس وأصواتُهم، وكلُّ شديدٍ قَسْورة. وقالَ أبو هُريرة: القَسْورة: قُسور الأسدِ، الرِّكز: الصَّوت (٣)».

стр. 9172

(﴿مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠]) أي: (نَافِرَةٌ مَذْعُورَةٌ) بالذال المعجمة، قالَه أبو عُبيدة. ٤٩٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (يَحْيَى) هو ابنُ موسَى البَلخيُّ، أو ابن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ) الهُنَائي -بضم الهاء وبالنون الخفيفة- (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، أنَّه قال: (سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ عَنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: جَاوَرْتُ) أي: اعتكفت (بِحِرَاءٍ) بالصَّرف (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي) بكسر الجيم، أي: اعتكَافي (هَبَطْتُ) من الجبلِ الَّذي فيه الغَار (فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا) وفي: «باب كيف كان بدءُ الوَحي»: «فرفعتُ بصَري؛ فإذا الملَك الَّذي جاءَني بحراءٍ جالسٌ على كرسيٍّ بين السَّماء والأرضِ فرعِبْت منهُ» [خ¦٤] (فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي) أي: غطُّوني (وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا) قال: (فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]) وليسَ في هذا الحديثِ أنَّ أوَّل ما نزلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وإنَّما استخرجَ ذلك جابر باجتهاده، وظنُّه لا يعارضُ الحديث الصَّحيح الصَّريح السَّابق أوَّل هذا الجامع أنَّه ﴿اقْرَأْ﴾ [خ¦٣]. (٢) (قوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ٢]) أي: خوِّف أهلَ مكَّة النَّار إن لم يؤمنُوا، وسقط هذا لأبي ذرٍّ.

стр. 9173

٤٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والشين المعجمة، العَبديُّ البصريُّ بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) العَنْبريُّ؛ مولاهم (وَغَيْرُهُ) هو أبو داود الطَّيالسيُّ، كما في «مستخرجِ أبي نُعيم» (قَالَا: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) بالشين المعجمة وتشديد الدال المهملة، و «حَرْب»: بفتح الحاء المهملة وسكون الراء آخره موحدة (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) وسقطَ «ابنِ عبدِ اللهِ» لأبي ذرٍّ (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ) البَصريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ) ولم يخرِّج المؤلِّف رواية عُثمان المذكُور الَّتي أحالَ عليها، وهي عندَ محمَّد بنِ بشَّار شيخِ المؤلِّف فيه، أخرجَه أبو عَرُوبة في «كتاب الأوائل» قال: حدَّثنا محمَّد بن بشَّار: حدَّثنا عثمان بنُ عمر، أنبأنا عليُّ بنُ المبارَك. قاله في «فتح الباري». (٣) (﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]) وصفَه بالكبرياءِ، ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾». ٤٩٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوبَ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بنِ عبدِ الوارثِ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) هو ابنُ شدَّاد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثيرٍ

стр. 9174

(قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرت (أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أنَّه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) سقط قوله: «﴿الَّذِي خَلَقَ﴾» لغير أبي ذرٍّ (فَقَالَ) جابرٌ: (لَا أُخْبِرُكَ إِلَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : جَاوَرْتُ في) غارِ (حِرَاءٍ) بالصَّرف (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ) أي: وصلتُ إلى بطنِ (الوَادِيَ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي؛ فَإِذَا هُوَ) يعني: الملك (جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «على كرسيٍّ» بدل: «عرشٍ» (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]) والظَّاهر أنَّ الذي أنبأَ يحيَى بن أبي كثيرٍ عروةُ بن الزُّبير، والَّذي أنبأَ أبا سَلمة عائشةُ، فإنَّ الحديث مشهورٌ عن عروةَ عن عائشة، ويحتملُ أن يكون مراده بأوَّليَّة المدَّثِّر أوليَّة مخصوصَة بما بعد فترةِ الوحي، أو مقيَّدة بالإنذارِ، لا أوَّليَّة مطلقَة. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]) أي: عن النَّجاسة، أو قَصِّرْهَا خلاف جرِّ العربِ ثيابَهم خُيلاء، فربَّما أصابتهَا النَّجاسة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكيرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 9175

اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغَّرًا، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، قال المصنِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي بعضِ النُّسخ «ح» لتحويلِ السَّند: وحدَّثني بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد. ولأبي ذرٍّ: «قال الزُّهريُّ: قال: أخبرني» بالإفراد (١) وفي غيرِ «اليونينية»: «قال الزُّهريُّ: فأخبرني» (٢) (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (٣) (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) أي: في حالِ التَّحديث عن احتباسِ الوَحي عن النُّزول (فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا أَمْشِي) جواب «بينَا» قوله: (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريل (جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ) بجيم مفتوحة في الفَرْع كأصله، مضمومة في غيرهما (٤)، فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة ففوقية: فزعت (مِنْهُ رُعْبًا) أي: خوفًا، ولأبي ذرٍّ: «فجثثت» بمثلثتين ففوقية من غير همز، قال الكَرْمانيُّ: من الجثِّ وهو القطعُ (فَرَجَعْتُ) إلى خديجةَ (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَدَثَّرُونِي) غطُّوني (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى) قوله: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) فيهِ إشعارٌ بأنَّ الأمرَ بتطهيرِ الثِّياب كان قبلَ فرضِ الصَّلاة (وَ) الرُّجز (هْيَ الأَوْثَانُ) وأنَّث الضَّمير في قولهِ، و «هي» باعتبارِ أنَّ الخَبر جمعٌ، وفسِّر بالجمعِ نظرًا إلى الجنس. قالَه الكَرْمانيُّ.

стр. 9176

(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]) أي: دُمْ على هجرهِ (يُقَالُ: الرِّجْزُ) بالزاي (وَالرِّجْسُ) بالسين: (العَذَابُ) هذا قولُ أبي عُبيدة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٩٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنِ خالدٍ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بنُ مسلمٍ الزُّهريُّ (١): (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) ابنَ عبدِ الرَّحمن (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ: (أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ: فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا أَمْشِي) إذ (٢) (سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهتهَا (فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) وهو (٣) جبريل (قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ) بفتح الجيم في «اليونينية»، وفي غيرها بضمها (٤)، وكسر الهمزة وسكون المثلثة بعدها فوقية، خفتُ منهُ (حَتَّى هَوَيْتُ) بفتح الهاء والواو، سقطتُ (إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَزَمَّلُونِي) بفتح الميم المشددة (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿(٥) فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]) وسقط «﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾» لغير أبي ذرٍّ.

стр. 9177

(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمن -بالسَّند السَّابق-: (﴿وَالرُّجْزَ﴾ الأَوْثَانَ، ثُمَّ) بعدَ نزولِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (حَمِيَ الوَحْيُ) أي: كثُر (وَتَتَابَعَ) ولم يكتفِ بقولهِ: حمِي؛ لأنَّه لا يستلزمُ الاستمرار والدَّوام. (((٧٥))) (سورة القِيَامَةِ) مكِّيَّة وآيُها أربعون آية. (وقوله) : (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) أي: بالقرآنِ، والخطاب للنَّبيِّ ﷺ (﴿لِسَانَكَ﴾) قبلَ أن يتمَّ جبريل وحيَه (﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]) مخافةَ أن يتفلَّت منك. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه الطَّبريُّ: (﴿سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]) معناه: (هَمَلًا) بفتحتين، أي: مهملًا لا يُكلَّف بالشَّرائع ولا يُجازى. (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥]) قال ابنُ عبَّاسٍ -فيمَا وصله الطَّبري من طريقِ العَوفي-: يقولُ الإنسان: (سَوْفَ أَتُوبُ، سَوْفَ أَعْمَلُ) عملًا صالحًا قبلَ يوم القيامة، حتَّى يأتيه الموتُ على شرٍّ، ولابنِ أبي حاتمٍ عنه قال: هو الكافر، يكذِّب بالحسابِ ويفجُر أمامه، أي: يدوم على فجوره بغير توبةٍ. (﴿لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١]) قال ابنُ عبَّاس: أي: (لَا حِصْنَ) أي: لا مَلجأ، قال الشَّاعر: لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى مِنْ وَزَرْ … مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ وَالكِبَرْ ٤٩٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ اللهِ بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة قال: (حَدَّثَنَا

стр. 9178

مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الكوفيُّ الهمدانيُّ، قال سفيان: (وَكَانَ) أي: ابنُ أبي عائشة (ثِقَةً) وصفَه بذلك تأكيدًا (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ (١) الوَحْيُ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ، وَوَصَفَ سُفْيَانُ) بنُ عيينة كيفيَّة التَّحريك، وفي روايةِ سعيد بنِ منصور: وحرَّك سفيانُ شفتيهِ (يُرِيدُ) ﵊ بهذا التَّحريك (أَنْ يَحْفَظَهُ) أي: القرآن (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]) لتأخذهُ على عجلةٍ مخافةَ تفلُّته. (١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]) أي: قراءتَه، فهو مصدرٌ مضاف للمفعول والفاعل محذوفٌ، والأصل: وقراءتكَ إيَّاه، والقرآن: مصدرٌ بمعنى القراءةِ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿إِنَّ عَلَيْنَا﴾ … » إلى آخره، ولفظ: «باب» لغيره (٢). ٤٩٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين مصغَّرًا، ابن باذَام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونس بنِ أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الكوفيِّ (أنَّه سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ) ابنُ جُبَير مجيبًا لموسى: (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (٣) (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَانَ) أي: النَّبيُّ ﷺ (يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) بهمزة مضمومة، ولأبي ذرٍّ: «نَزَل عليه» بحذفها (فَقِيلَ لَهُ) على لسانِ جبريلَ: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾) وكان (يَخْشَى أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْهُ) أي: القرآن، والَّذي في «اليونينية»: «ينفلتَ» بالنون بعد التَّحتية بدل الفوقية (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]) سقط «وقرآنَهُ» لأبي ذرٍّ، أي: (أَنْ

стр. 9179

نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) أي: ضمنَّا أن نحفظهُ عليك ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وتكفَّلنَا (١) جمعه (وَ ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: أَنْ تَقْرَأَهُ) بلسانِك (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ) مع جبريل (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾) قراءتَه (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]) أي: (أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ) وفسَّره غير ابنِ عبَّاس ببيانِ ما أشكل من معانيهِ، وفيهِ دليلٌ على جوازِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ الخِطاب. (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي: (بَيَّنَّاهُ ﴿فَاتَّبِعْ﴾) أي: (اعْمَلْ بِهِ) وقال ابنُ عبَّاس -أيضًا فيما ذكرهُ ابنُ كثيرٍ-: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] نبيِّن حلالَه وحرامَه. ٤٩٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبدِ الحميد بن قُرْط -بضم القاف وبعد الراء الساكنة طاء مهملة- الكوفيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (في قولهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ، وَكَانَ) ﵊ (مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَه وَشَفَتَيْهِ) بالتَّثنية، واقتصرَ في روايةِ أبي عَوانة عن موسَى بنِ أبي عائشة في «بدءِ الوَحي» على ذكرِ الشَّفتين [خ¦٥] وكذلك إسرائيل عن ابنِ أبي عائشَة في

стр. 9180

البابِ السَّابق قريبًا [خ¦٤٩٢٨] واقتصرَ سفيانُ على اللِّسان، والجميعُ مراد؛ إمَّا لأنَّ التَّحريكين متلازمانِ غالبًا، أو المرادُ يحرِّك به فمه المشتملُ على الشَّفتين واللِّسان، لكن لما كان اللِّسان هو الأصلَ في النُّطق اقتصَر في الآية عليهِ. قاله في «الفتح» (فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) حالةَ نزولِ الوحي لثقلهِ؛ ولذا (١) كان يلحقهُ البُرَحاء (وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ) ذلك الاشتدادُ حالةَ النُّزول عليه، وعندَ ابنِ أبي حاتمٍ من طريقِ يحيى التَّيميِّ، عن ابنِ (٢) أبي عائشةَ: وكان إذا نزلَ عليه عُرف في تحريكِه شفتيه، يتلقَّى أوَّله ويحرِّك بهِ شفتيهِ خشيةَ أن ينسَى أوَّله قبلَ أن يفرغَ من آخرهِ (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى بسببِ اشتدادهِ عليه (الآيَةَ الَّتِي فِي) سورة (﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾) وهي قولهُ تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) وعن قتادةَ فيما (٣) رواهُ الطَّبريُّ: أنَّ معنى ﴿جَمْعَهُ﴾ تأليفَه (وَقُرْآنَهُ) أي: تقرَأه أنت (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) عليكَ بلسان جبريل (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾) أي: (فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ؛ فَاسْتَمِعْ) زادَ أبو عَوانة في «بدءِ الوَحي»: وأنصت [خ¦٥] (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]) أي: (عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ. قَالَ) أي: ابنُ عبَّاس: (فَكَانَ) ﵊ (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ) أي: سكتَ (فَإِذَا ذَهَبَ) جبريل (قَرَأَهُ) النَّبيُّ ﷺ (كَمَا وَعَدَهُ اللهُ) زاد أبو ذرٍّ: « » على الوجهِ الَّذي ألقاهُ عليهِ. (﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥] تَوَعُّدٌ) وتهديدٌ، والكلمةُ اسم فعل، واللام للتَّبيين، أي: وَلِيك ما تكره يا أبَا جهلٍ وقرب منك، وقوله: ﴿فَأَوْلَى﴾ أي: فهو أولى بكَ من غيرهِ، وثبت: «﴿أَوْلَى … ﴾» إلى آخره لأبي ذرٍّ (٤).

стр. 9181

(((٧٦))) (سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وثلاثون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملة لغير أبي ذرٍّ. (يُقَالُ) وفي بعضِ النُّسخ: «وقال يحيَى» يعني: ابن زيادٍ الفرَّاء (مَعْنَاهُ: أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وَ «هَلْ» تَكُونُ جَحْدًا) أي: نفيًا (وَتَكُونُ خَبَرًا) يخبرُ بها عن أمرٍ مقرَّرٍ، فتكون على بابِها للاستفهامِ التَّقريري؛ ولذلك فسِّر بـ «قد»، وأصله كقوله: سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنَا (١) … أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفحِ القَاعِ ذِي الأَكَمِ (وَهَذَا) الَّذي في الآيةِ (مِنَ الخَبَرِ) الَّذي بمعنى: قد، والمعنى -كما في «الكشَّاف» -: أقد أتى؟ على التَّقرير والتَّقريب جميعًا، أي: أتَى على الإنسانِ قبلَ زمنٍ قريبٍ حينٌ من الدَّهر لم يكن فيهِ شيئًا مذكورًا، أي: كان شيئًا (٢) منسيًّا غيرَ مذكورٍ، أو هي للاستفهام التَّقريري لمن أنكرَ البَعث، كأنَّه قيل لمن أنكرَ البعث: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فيقول: نعم، فيقال له: من أحدثَه (٣) وكوَّنه بعد عدمهِ؛ كيف يمتنعُ عليه بعثَه وإحياؤه بعد موتِه؟ وهو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي: فهلَّا تذكَّرون فتعلَمون أن من أنشأَ شيئًا بعد أن لم يكن قادرًا على إعادتهِ بعدَ موتهِ وعدمه، فهي هنا للاستفهام التَّقريري لا للاستفهام المحض، وهذا هو (٤) الَّذي يجبُ أن يكون؛ لأنَّ الاستفهام لا يَرِدُ من الباري جلَّ وعلا إلَّا على هذا النَّحو وما أشبهَه (يَقُولُ: كَانَ) الإنسانُ (شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا) بل كانَ شيئًا منسيًّا غير مذكورٍ بالإنسانيَّة (وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ) والمرادُ بـ ﴿الْإِنسَانِ﴾: آدم، و ﴿حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنةً، أو المرادُ بالإنسانِ الجنس، وبالحينِ مدَّة الحملِ. (﴿أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]) أي: (الأَخْلَاطُ) وهي (مَاءُ المَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ) يختلِطان في الرَّحم،

стр. 9182

فأيُّهما علا على الآخرِ؛ كان الشَّبه له، ثمَّ ينتقلُ بعدُ (١) من طورٍ إلى طورٍ، ومن (٢) حالٍ إلى حالٍ؛ وهي (الدَّمُ وَالعَلَقَةُ) ثمَّ المُضغة، ثمَّ عظمًا يكسُوه لحمًا، ثمَّ يُنشئه خلقًا آخر، وعندَ ابنِ أبي حاتمٍ من طريقِ عكرمة قال: من الرَّجل الجلدُ والعظم، ومن المَرأة الشَّعر والدَّم، وقيل: إنَّ الله تعالى جعلَ في النُّطفة أخلاطًا (٣) من الطَّبائع الَّتي تكون في الإنسانِ؛ من الحرارَةِ والبُرودةِ، والرُّطوبة واليُبوسة، فعلى هذا يكون التَّقدير من نطفةٍ ذاتِ أمشاجٍ، و ﴿أَمْشَاجٍ﴾ نعتٌ لـ ﴿نُّطْفَةٍ﴾ ووقعَ الجمع صفة لمفرد؛ لأنَّه في معنى الجمع؛ لأنَّ المرادَ بها مجموعُ منيِّ الرَّجل والمرأة، وكلٌّ منهما مختلف (٤) الأجزاءِ في الرِّقة والقِوام والخَواص؛ ولذلك يصيرُ كلُّ جزءٍ منهما مادَّة عضو. (وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ) شيءٌ بشيءٍ: (مَشِيجٌ) بفتح الميم، بوزن فعيل (كَقَوْلِكَ لَهُ: خَلِيطٌ) وسقط لفظ «له» لغير أبي ذرٍّ (وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ: مَخْلُوطٍ). (وَيُقَالَ) ولأبي ذرٍّ في نسخة: «ويقرأ» (﴿سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا﴾ [الإنسان: ٤]) بتنوين ﴿سَلَاسِلَا﴾ (٥) وهي قراءةُ نافعٍ وهشام وأبي بكرٍ والكسائيِّ للتَّناسب؛ لأنَّ ما قبلهُ وما بعدهُ منوَّنٌ منصوبٌ، وقال الكسائيُّ وغيرُه من أهلِ الكوفةِ: إنَّ بعض العربِ يصرفُون جميع ما لا ينصرف إلَّا أفعل التَّفضيل. وعن الأخفشِ: يصرفونَ جميع ما لا ينصرف (٦) مُطلقًا، وهم بنو أسدٍ؛ لأنَّ الأصل في الأسماءِ الصَّرف، وترك الصَّرف لعارضٍ فيها، وإنَّ هذا الجمع قد يجمعُ وإن كان قليلًا، قالوا: صواحِب وصواحِبات، فلمَّا جمع شابهَ المفرد فانصرف (وَلَمْ يُجِزْه بَعْضُهُمْ) بضم الياء وكسر الجيم وبعد الزاي الساكنة هاء، أي: لم يجزِ التَّنوين بعضهم (٧)، كذا في الفَرْع، وسقطتِ الهاء في غيره، وفي «اليونينية» «بالراء» بدل: «الزاي» وسكون الجيم. وضبطَه في «الفتح»

стр. 9183

بالراء المكسورة من غير هاء. قال: والمرادُ أنَّ بعضَ القرَّاء أجرى «سلاسل» وبعضهم لم يُجْرِها، أي: لم يصرفها. قال: وهو اصطلاحٌ قديمٌ، يقولون للاسم المصروف: مُجرًى، قال: وذكرَ عياضٌ أنَّ في رواية الأكثر بالزاي، وهو الأوجَه. وقال العينيُّ: لم يبيِّن وجهَ الأوجهيَّة بل الرَّاء أوجه على ما لا يخفى، وفي البَرْماويِّ: ولم يجِز بعضهم -بجيم مكسورة وزاي- من الجواز، وعند الأَصيليِّ: «ولم يجرَّ» براء مشددة، أي: لم يصرفه، وقال في «الكشَّاف» -فأغلظ وأساء-: إنَّ صاحبَ هذه القراءة ممَّن ضري بروايَة الشِّعر، ومرن لسانه على صرفِ ما لا ينصَرف. قال في «الانتصافِ»: هو -يعني: الزَّمخشري- يرى أنَّ القراءات المستفيضَة غير موقوفَة على النَّقل والتَّواتر، وجعلَ التَّواتر من جملةِ غلطِ اللِّسان، والحقُّ أنَّها متواترةٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، وهي لغة من صرف في منثورِ الكلامِ جميعَ ما لا ينصرف إلَّا أفعل، والقراءات تشتملُ على اللُّغات المختلفة. (﴿مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]) قال الفرَّاء: (مُمْتَدًّا) والشَّر: (البَلَاءُ) والشِّدة (وَالقَمْطَرِيرُ) هو (الشَّدِيدُ) الكَريه (يُقَالَ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ) شديد (وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ) بضم القاف وبعد الميم ألف فطاء مكسورة فراء، قال الشَّاعر: فَفَرُّوا إذَا مَا الحَرْبُ ثَارَ غُبَارُهَا … وَلَجَّ بِهَا اليَوْمُ الشَّدِيدُ القُمَاطِرُ والقمطَرير: أصلُه -كما قال الزَّجَّاج- من اقْمَطَرَّتِ النَّاقَة؛ إذا رَفَعَتْ ذنبَهَا وجمعَتْ قُطْرَيْها وزَمَّت بأنْفِها (١) (وَالعَبُوسُ) في قولهِ ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ [الإنسان: ١٠] (وَالقَمْطَرِيرُ) بفتح القاف (وَالقُمَاطِرُ) بضمها (وَالعَصِيبُ) في قولهِ: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] (أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِي البَلَاءِ) وأطولها. (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين بين ميمين مفتوحتين آخره راء، هو أبو عُبيدة بنُ المثنَّى، قال في «الفتح»: وليسَ هو ابنَ راشدٍ (﴿أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨]) أي: (شِدَّةُ الخَلْقِ) بفتح الخاء

стр. 9184

المعجمة وسكون اللام، وفي التَّفسير: أحكمنَا رَبْط مفاصِلهم بالأعصابِ (وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ) بفتح القاف والفوقية آخره موحدة، ولأبي ذرٍّ: «وغَبِيط» بغين معجمة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة فطاء مهملة: رحلٌ للنِّساء يشدُّ على الهودجِ، وفي نسخةٍ: «مأسور» الغَبيط: شيءٌ تركبهُ النِّساء يشبِه المِحَفَّة (١) (فَهْوَ مَأْسُورٌ) مربوطٌ. وسقط لأبي ذرٍّ عن المُستملي من قولهِ: «مَعمر … » إلى هنا، وثبتَ له من روايتهِ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ، وزادَ في غيرِ (٢) الفَرْع كأصلهِ قبله -وعليه شرحَ في «الفتح» وقال: إنَّه ثبتَ للنَّسفيِّ-: «وقال الحسنُ» أي: البصريُّ «النُّضرة في الوجهِ» أي: حُسنًا فيهِ وإضاءَة «والسُّرور في القلبِ، وقالَ ابنُ عبَّاس» ﵄: «﴿الْأَرَائِكِ﴾» [الإنسان: ١٣] هي «السُّرُر»، وقال مقاتِل: السُّرر في الحجَال من الدُّرِّ والياقوتِ، «وقال البراءُ» ممَّا وصلَه سعيد بنُ منصور في قولهِ تعالى: «﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾» [الإنسان: ١٤]: «يقطفُون» ثمارهَا «كيف شاؤوا» قيامًا وقُعودًا ومضطجعين، وعلى أيِّ حالٍ كانوا. «وقالَ مجاهِدٌ» في قولهِ: «﴿سَلْسَبِيلًا﴾» [الإنسان: ١٨] أي: «حَدِيدُ الجِرْيَة» في مسيلهِ، وعن بعضهم -فيمَا حكاهُ ابنُ جريرٍ-: إنَّما سمِّيت بذلك لسلاستِها في الحلقِ. وقال قتادةُ: مستعذبٌ ماؤها، وروى (٣) محيي السُّنَّة عن مقاتلٍ: سمِّيت سلسبيلًا لأنَّها تسيلُ عليهم في طرقِهم ومنازلِهم، تنبُع من أصلِ العَرش من جنَّة عدنٍ إلى سائرِ الجِنَان، ويؤيِّده قوله: ﴿تُسَمَّى﴾ وأمَّا إذا (٤) جعلَتْ صفةً -كما قال الزَّجَّاج- فمعنَى ﴿تُسَمَّى﴾ توصَفُ.

стр. 9185

(((٧٧))) (﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «سورة والمرسلات» وهي مكِّيَّة، وآيُها خمسون. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: (جِمَالَاتٌ) أي: (حِبَالٌ) بالحاء المهملة، أي: حبالُ السُّفن، وهذا (١) إنَّما يكونُ على قراءةِ روَيس: ﴿جِمَالَتٌ﴾ (٢) بضم الجيم، وأمَّا على قراءةِ الكسر؛ فجمع: جِمَال، أو جِمَالة جمع: جمَل، للحيوان المعروف، وسقط لغير (٣) أبي ذرٍّ «وقالَ مجاهدٌ». (﴿ارْكَعُوا﴾) أي: (صَلُّوا. ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] لَا يُصَلُّونَ) فأطلقَ الرُّكوع وأرادَ الصَّلاة (٤)، من إطلاقِ الجزء وإرادةِ الكلِّ، وثبتَ: «﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾» لأبي ذرٍّ (٥). (وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عن قوله تعالى: (﴿لَا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]) وعن قولهِ جلَّ وعلا: (﴿وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]) وعن قولهِ : (﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]) ما الجمعُ بينَ ذلك؟ (فَقَالَ) مجيبًا عنه: (إِنَّهُ) أي: يوم القيامةِ (ذُو أَلْوَانٍ؛ مَرَّةً يَنْطِقُونَ) فيشهدونَ على أنفسهم بما صنعُوا، ولا يكتُمون الله حديثًا (وَمَرَّةً يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ) أي: على أفواهِهم، ومرَّة يختصمُون، ثمَّ يكون ما شاءَ الله يحلفونَ ويجحَدون فيُختم على أفواههمِ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾» و (٦) «﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾».

стр. 9186

٤٩٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين مصغَّرًا، ابن موسى، وهو شيخُ المؤلِّف، أخرجَ هذا الحديث عنهُ بالواسطةِ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونسَ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) في غارٍ بمنَى (وَأُنْزِلَتْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فأنزلَتْ» (عَلَيْهِ «وَالمُرْسَلَاتِ» وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا) أي: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ (مِنْ فِيهِ) فَمِهِ (فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ) تقعُ على الذَّكر والأنثى، ودخلت الهاءُ؛ لأنَّه واحدٌ من جنسٍ؛ كبطَّة ودجاجَة (فَابْتَدَرْنَاهَا) أي: تسابقنَا أيُّنا يدركُها أوَّلًا ليقتلَها (فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا) بتقديم الجيم على الحاء المهملة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا) بضم الواو وكسر القاف مخفَّفة فيهما. ٤٩٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحدة وبعد المهملة هاء تأنيث (بْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّفَّار الخُزاعيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بنِ سليمانَ الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونس (عَنْ مَنْصُورٍ) يعني: ابنَ المعتمر (بِهَذَا) أي: (١) الحديث المذكُور. (وَعَنْ إِسْرَائِيلَ) أيضًا بالإسنادِ السَّابق (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مِهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (مِثْلَهُ) أي: مثلَ الحديثِ السَّابق أيضًا، والحاصلُ أنَّه زادَ لإسرائيل شيخًا آخر؛ وهو الأعمشُ (وَتَابَعَهُ) أي: تابعَ يحيى بنَ آدم -فيما

стр. 9187

وصلهُ الإمامُ أحمدُ- (أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الملقَّب بشاذانَ الشَّامي (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونُس. (وَقَالَ حَفْصٌ) هو ابنُ غياثٍ، فيمَا وصله بعد باب [خ¦٤٩٣٤] (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بنُ خازمٍ الضَّرير، فيما وصلَه مسلم (وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ) بقاف مفتوحة فراء ساكنة فميم، الضَّبيُّ -بالضاد المعجمة المفتوحة والموحدة- الكوفيُّ وهو ضعيفُ الحِفْظ، وليس لهُ في «الجامع» سوى هذا التَّعليق السَّابق في «بدءِ الخَلق» [خ¦٣٣١٧]. الثَّلاثة: (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ) شاذَان. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقالَ» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ، شيخُ المؤلِّف، فيما وصله الطَّبرانيُّ: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليَشكريُّ (عَنْ مُغِيرَةَ) بنِ مِقْسم الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ، ومرادُه بهذا أنَّ مغيرةَ وافقَ إسرائيلَ في شيخِ إبراهيمَ، وأنَّه علقمة (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّد صاحبُ المغازي، فيمَا وصلَه أحمد: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ) الأسودِ الملقَّب بشاذان (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁، ومراده أنَّ للحديثِ أصلًا عن الأسودِ من غيرِ روايَة طريقِ (٢) الأعمَش ومنصور. وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبدِ الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بنِ عامرٍ (٣) أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ: (بَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَارٍ) بمنًى، وجوابُ بينا قوله: (إِذْ نَزَلَتْ

стр. 9188

عَلَيْهِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَتَلَقَّيْنَاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ) أي: فَمه (لَرَطْبٌ (١) بِهَا) لم يجفَّ ريقَه (٢)؛ لأنَّه كان أوَّل زمان نزولِها (إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَيْكُمُ اقْتُلُوهَا. قَالَ (٣): فَابْتَدَرْنَاهَا) أي: تسابَقْنا أيُّنا يدركُها أوَّلًا (فَسَبَقَتْنَا) زادَ في السَّابقة [خ¦٤٩٣٠]: «فدخلت جُحرهَا» (قَالَ) ابنُ مسعودٍ: (فَقَالَ) ﵊: (وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا) منصوبٌ مفعول ثانٍ. (٢) (بابٌ) (٤) بالتَّنوين، أي: في (قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا﴾) أي: النَّار (﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾) وهو ما تطايرَ منها متفرِّقًا (﴿كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]) من البناءِ في عظمهَا (٥)، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٩٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العَبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ) بعين مهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فمهملة، النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ) في قولهِ تعالى: ((إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصَرِ) [المرسلات: ٣٢]) بفتح القاف والصاد في الفَرع مصلَّحة مصحَّحًا عليها كـ «اليونينية» (٦)، وهي قراءةُ ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ، جمع: قَصَرة -بالفتح (٧) - أعناقُ الإبلِ والنَّخل وأصولِ الشَّجر (قَالَ: كُنَّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَصَرٍ) بباء الجر وفتح القاف والصاد المهملة والتَّنوين مصحَّحًا عليها في الفَرع، وضبطها في «الفتح» بكسر الموحدة والقاف وفتح الصاد، كالكرمانيِّ

стр. 9189

(ثَلَاثَ أَذْرُعٍ) بنصب ثلاثة، ويجوز إضافة «بقصرٍ» إلى «ثلاثة» أي: بقدرِ ثلاثةِ أذرعٍ (أَوْ أَقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ) أي: لأجلِ الشِّتاء والاستسخَان (١) به (فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ) بفتحتين، وكأنَّ ابنَ عبَّاس فسَّر قراءتَه بما ذكَره (٢)، وسقط لغير أبي ذرٍّ «كالقصَر قال» (٣). (٣) (بابٌ) (٤) بالتَّنوين، أي: في (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]) في هيئتِها ولونِها، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٤٩٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الفلَّاس البصريُّ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ) النَّخعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄¬) يقول في قولهِ تعالى: ((تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصَر) [المرسلات: ٣٢]) بفتحتين (قَالَ: كُنَّا نَعْمِدُ) بكسر الميم (إِلَى الخَشَبَةِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى الخَشبِ» (ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَفَوْقَ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أو فوقَ ذلكَ» (فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ) أي: لأجل الشتاء والاستسخان (٥) بهِ (فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ) بفتحتين. وقال أبو حاتمٍ: القَصَر أصول الشَّجر، الواحدة قصرَة، وفي «الكشَّاف»: هي أعناقُ الإبلِ وأعناقُ النَّخيل؛ نحو: شجرةٍ وشجَر (﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]) بكسر الجيم، وفي

стр. 9190

الفَرْع كأصله بضمها (١) هي (حِبَالُ السُّفْنِ تُجْمَعُ) بعضهَا إلى بعضٍ لتقوى (حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ) وهذا من تتمَّةِ الحديثِ، كما قالَه في «الفتح». (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]). ٤٩٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن غياثٍ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بنِ عامرٍ (٢) (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ، أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ (٣) ﷺ فِي غَارٍ) بمنًى (إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَإنَّه لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إذ وثَبَ» بالتَّذكير (عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اقْتُلُوهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «اقتلُوه» (فَابْتَدَرْنَاهَا) لنقتلَهَا (فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا. قَالَ عُمَرُ) بنُ حفصِ بنِ غِيَاث شيخُ المؤلِّف: (حَفِظْتُهُ) أي: الحديث، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حفظتُ» بحذف الضَّمير المنصوب (مِنْ أَبِي) حفصٍ، وزاد: (فِي غَارٍ بِمِنًى).

стр. 9191

(((٧٨))) (سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها أربعون. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧]) أي: (لَا يَخَافُونَهُ) لإنكارِهم البَعث. (﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: ٣٧]) أي: (لَا يُكَلِّمُونَهُ) خَوفًا منه (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ) في الكلامِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ و (١) الحَمُّويي: «لا يملكُونَه» بدل: «لا يكلِّمونه» (٢). (﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]) أي: (حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمِلَ بِهِ) وقيل: قال: لا إلَه إلَّا الله. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيمَا وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣]) أي: (مُضِيئًا) من وهجَتِ النَّار؛ إذا (٣) أضاءَتْ (٤). (وقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاس: (﴿وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥]) أي: (غَسَقَتْ عَيْنُهُ) غسقًا: أظلمَتْ، وقال ابنُ عبَّاس: الغَسَّاق: الزَّمهرير يحرقُهُم بردُه، وقيل: هو صديدُ أهلِّ النَّار، وثبتَ من قولهِ: «﴿صَوَابًا﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (وَيَغْسِقُ الجُرْح: يَسِيلُ) منهُ ماءٌ أصفَر (كَأَنَّ الغَسَاقَ وَالغَسِيقَ وَاحِدٌ) وسقطَ هذا لغيرِ أبي ذرٍّ، وذكرَه المؤلِّف في «بدءِ الخلق» [خ¦٥٩/ ١٠ - ٥٠٤٨] (﴿عَطَاء حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]) أي: (جَزَاءً كَافِيًا) مصدرٌ أقيمَ مقامَ الوصفِ (أَعْطَانِي مَا أَحْسَبَنِي؛ أَيْ: كَفَانِي) وقال قتادة -فيمَا رواهُ عبدُ الرَّزَّاق-: ﴿عَطَاء حِسَابًا﴾ أي: كثيرًا. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ﴾) من قبوركُم إلى الموقِف (﴿أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨]) أي: (زُمَرًا).

стр. 9192

٤٩٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلَام البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (١)) محمَّد بن خازمٍ الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) نفخةِ الإماتَة ونفخةِ البعثة (٢) (أَرْبَعُونَ، قَالَ) وفي «سورةِ الزُّمر» [خ¦٤٨١٤] من طريقِ عمر بن حفص بنِ غِياث، عن أبيهِ، عن الأعمشِ: قالوا. بالجمع، أي: أصحاب أبي هُريرة لهُ: (أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ) أي: امتنعتُ عن (٣) الإخبارِ بمَا لا أعلمُ (قَالَ) أصحابهُ: (أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ) أبو هُريرة: (أَبَيْتُ. قَالَ) السَّائلُ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ) أبو هُريرة: (أَبَيْتُ) أي: امتنعتُ عن تعيينِ (٤) ذلك، وعندَ ابنِ مَرْدويه من حديثِ ابنِ عبَّاس قال: بينَ النَّفختين أربعون سنةً (قَالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ) أي: الأموات (كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ، لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ) أي: غير الأنبياءِ (شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا) بالنَّصب على الاستثناء، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا عظمٌ واحد» (وَهْوَ عَجْبُ الذَّنَبِ) بفتح العين وسكون الجيم؛ وهو عظمٌ لطيفٌ في رأسِ العُصْعص بين الأليتَينِ (وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ). وهذا الحديثُ سبقَ بـ «الزُّمر» [خ¦٤٨١٤].

стр. 9193

(((٧٩))) (سورة ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾) (١) مكِّيَّة، وآيُها خمسٌ أو ستٌّ وأربعون. (وَقَالَ (٢) مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٢٠]) هي (عَصَاهُ) الَّتي قُلِبت حيَّة (وَيَدُهُ) البيضَاء من آياتهِ التِّسع. (يُقَالُ: النَّاخِرَةُ وَالنَّخِرَةُ) بالألف أبو (٣) بكرٍ وحَمزة والكِسائي، وبحذفها الباقُون (٤) (سَوَاءٌ) في المعنى، أي: باليةٌ (مِثْلُ: الطَّامِعِ وَالطَّمِعِ) بفتح الطاء وكسر الميم (وَالبَاخِلِ وَالبَخِيلِ) بالتَّحتية بعد المعجمة، وفي نسخة: «والبخِل» بحذفها، والنَّاخرة: اسمُ فاعلٍ، والنَّخِرة: صفةٌ مشبَّهة. قال العينيُّ: وفي تمثيلهِ بالطَّامع … إلى آخره نظرٌ؛ لما ذُكر من أنَّ النَّاخر اسم فاعل … إلى آخره، والتَّفاوت بينهما في التَّذكير والتَّأنيث، ولو قال: مثلُ صانِعَة وصنعَةٍ ونحو ذلك؛ لكان أصوب، وسقط «يقال» (٥) لأبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «والنَّاحل والنَّحيل» بالنون والحاء المهملة «فيهما» بدل: «سابقهما». (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) فارقًا بينهما: (النَّخِرَةُ: البَالِيَةُ، وَالنَّاخِرَةُ: العَظْمُ المُجَوَّفُ الَّذِي (٦) تَمُرُّ فِيهِ

стр. 9194

الرِّيحُ فَيَنْخَرُ) أي: يصوِّت حتَّى يُسمع له نخيرٌ (١). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿الْحَافِرَةِ﴾) من قوله: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] (الَّتِي أَمْرُنَا) ولأبي ذرٍّ: «إلى أمرِنَا» (الأَوَّلُ إِلَى الحَيَاةِ) بعدَ أن نَموت، من قولهم: رجعَ فلانٌ في حافرتهِ، أي: طريقتهِ الَّتي جاء فيها فحفَرها، أي: أثَّر فيها بمشيهِ، وقيل: الحافِرة الأرضُ الَّتي فيها قبورهم، ومعناهُ: أَئِنَّا لَمَرْدُودُون ونحن في الحافِرَةِ. (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاس: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]) أي: (مَتَى مُنْتَهَاهَا) ومستقرُّها؟ (وَمُرْسَى السَّفِينَةِ) بضم الميم (حَيْثُ تَنْتَهِي) والضَّمير في ﴿مُرْسَاهَا﴾ للسَّاعة، وقوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣ - ٤٤] أي: ليسَ علمها إليكَ ولا إلى أحدٍ، بلْ مردُّها إلى اللهِ تعالى، فهو الَّذي يعلمُ وقتها على التَّعيين. ٤٩٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم وسكون القاف، قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء والسين مصغرين (٢)، النُّميريُّ بالتَّصغير البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بحاء مهملة فزاي معجمة، سَلمة قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) السَّاعديُّ (¬﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ) بالتَّثنية، أي: ضمَّ بينهما (هَكَذَا بِالوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ) وهي المسبِّحة، وأطلقَ القولَ وأرادَ به الفعل (بُعِثْتُ) بضم الباء (٣) الموحدة مبنيًّا للمفعول، أي: أُرسلتُ أنا (٤) (وَالسَّاعَةَ) يومَ القيامةِ (كَهَاتَيْنِ) الإصبعينِ، و «السَّاعةَ» نصب

стр. 9195

مفعول معه، ويجوز الرَّفع عطفًا على ضميرِ الرَّفع المتَّصل مع عدمِ الفاصل، وهو قليلٌ، وفي روايةِ أبي ضمرة، عن أبي حازمٍ -عندَ ابنِ جريرٍ-: وضمَّ بين إصبعيهِ الوسطَى والَّتي تلي الإبهامَ، وقال: «مَا مَثَلي ومثلُ السَّاعةِ إلَّا كفرسَيْ رِهانٍ»، قال القاضِي عياضٌ: وقد حاولَ بعضُهم في تأويلهِ أنَّ نسبةَ ما بينَ الإصبعينِ كنسبةِ ما بقيَ من الدُّنيا إلى مَا مَضى، وأنَّ جملتَها سبعة آلافِ سنة، واستندَ إلى أخبارٍ لا تصحُّ، وذكرَ ما أخرجَه أبو داود في تأخيرِ مدَّة الأمَّة نصفَ يومٍ، وفسَّره بخمس مئة سنَة، فيؤخذُ من ذلك أنَّ الَّذي بقيَ نصفَ سُبُعٍ، وهو قريبٌ ممَّا بين السَّبَّابة والوسطى في الطُّول. قال: وقَد ظهرَ عدمُ صحةِ ذلكَ؛ لوقوعِ خلافه ومجاوزةِ هذا المقدار، فلو كانَ ذلك ثابتًا لم يقَع خلافه. انتهى. فالصَّواب (١) الإعراضُ عن ذلكَ، ويأتي إن شاء الله تعالى بعونِه ومنِّه بقيَّة مبحثِ ذلك في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٤]. (﴿الطَّامَّةُ﴾ [النازعات: ٣٤] تَطِمُّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) بكسر الطاء في المستقبلِ عند أبي ذرٍّ. (((٨٠))) (سورة ﴿عَبَسَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وأربعون (٢). (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغيرِ أبي ذرٍّ. (﴿عَبَسَ﴾ (٣)) النَّبيُّ ﷺ ، وزادَ أبو ذرٍّ: «﴿وَتَوَلَّى﴾»

стр. 9196

(كَلَحَ) بفتحتين. قال في «الصِّحاح»: الكُلُوح تكشُّرٌ في عُبُوس، وقد كَلَحَ الرَّجل كُلوحًا وكُلاحًا (وَأَعْرَضَ) هو تفسيرُ ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: أعرضَ بوجههِ الكريم؛ لأجلِ أن جاءَه الأعمَى عبدُ اللهِ ابنُ أمِّ مكتومٍ وعندَه صناديدُ قريشٍ يدعوهُم إلى الإسلامِ، فقال: يا رسولَ الله! علِّمني ممَّا علَّمك الله، وكرَّر ذلك، ولم يعلمْ أنَّه مشغولٌ بذلكَ، فكرهَ رسول الله ﷺ قطعَه لكلامهِ، وعبسَ وأعرضَ عنهُ، فعوتِبَ في ذلك بما نزلَ عليه في هذهِ السُّورة، فكان بعدَ ذلك يقولُ له إذا جاءَ: «مرحبًا بمَن عاتَبني الله فيهِ» ويبسطُ لهُ رداءَه. (وَقَالَ غَيْرُهُ) سقط هذا لأبي ذرٍّ، وهو الصَّواب كمَا لا يخفَى: (﴿مُّطَهَّرَةٍ﴾) من قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ. مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٤] (لَا يَمَسُّهَا (١) إِلَّا المُطَهَّرُونَ؛ وَهُمُ المَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ) : (﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]) قال الكَرْمانيُّ: لأنَّ التَّدبير لمحمُول خيولِ الغُزاة، فوصَف الحامِل -يعني: الخُيول- به فقيل: فالمدبِّرات (جَعَلَ المَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً) بفتح الهاء المشددة (لأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا (٢) أَيْضًا) بضم جيم «جُعل» مبنيًّا للمفعول، وهذا قالَه الفرَّاء. وقيل: مطهَّرة منزَّهة عن أيدِي الشَّياطين. (﴿سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥]) بالخفضِ، ولأبي ذرٍّ بالرَّفع، والأوَّل موافقٌ للتَّنزيل (المَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ (٣)، سَفَرْتُ) أي: بين القومِ (أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ المَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللهِ وَتَأْدِيَتِهِ) إلى أنبيائهِ (كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ) ومنه قوله: فمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي … ولَا أَمْشِي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيْتُ وقيل: السَّفَرة جمع: سافرٍ؛ وهو الكاتب، ومثله: كاتبٌ وكَتَبة، ولأبي ذرٍّ: «وتأديبهُ» بالموحدة بعد التحتية من الأدبِ، فليتأمَّل. (وَقَالَ غَيْرُهُ) سقط لأبي ذرٍّ كالسَّابق: (﴿تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦]) أي: (تَغَافَلَ عَنْهُ) قال الحافظُ أبو ذرٍّ: ليس هذا بصحيحٍ، وإنَّما يقالُ: تصدَّى للأمرِ إذا رفعَ رأسهُ إليه، فأمَّا ﴿تَلَهَّى﴾ فتغافلَ وتشاغلَ

стр. 9197

عنه. انتهى. لأنَّه لم يتغافَلْ عن المشرِك (١) إنَّما تغافلَ عمَّن جاءَه يسعَى. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصله الفِريابيُّ: (﴿لَمَّا يَقْضِ﴾ [عبس: ٢٣]) أي: (لَا يَقْضِي أَحَدٌ) من لدنِ آدمَ إلى هذهِ الغَاية (مَا أُمِرَ بِهِ) بضم الهمزةِ مبنيًّا للمفعول، إذ لم يخلُ أحدٌ من تقصيرٍ ما. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٢) وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿تَرْهَقُهَا﴾) أي: (تَغْشَاهَا) قَتَرة، أي: (شِدَّةٌ) وقيل: سوادٌ وظُلمةٌ. (﴿مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]) أي: (مُشْرِقَةٌ) مضيئةٌ (﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) وفي نسخةٍ بإسقاط الواو، وهو الأوجَه في معنَى ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ (كَتَبَةٍ) أي: من الملائكةِ ينسخونَ من اللَّوح المحفوظِ أو (٣) الوَحي (﴿أَسْفَارًا﴾) أي: (كُتُبًا) ذكَره استطرَادًا (٤). (﴿تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠]) أي: (تَشَاغَلَ (٥)، يُقَالُ: وَاحِدُ الأَسْفَارِ سِفْرٌ) وهي الكُتُب العِظام، وسقطَ «يقال» لأبي ذرٍّ. ٤٩٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابنُ دعامةَ (قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى) بفتح الفاء والهمزة (يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ) الأنصَاريِّ ((٦) عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ) بفتح الميم والمثلثة، صفته (وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ) لا يتوقَّف فيه، ولا يشقُّ عليهِ لجودةِ حفظهِ وإتقانه كونه (مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ (٧))

стр. 9198

جمع: سافِر، ككاتبٍ وكَتَبة، وهم (١) الرُّسل؛ لأنَّهم يسفرونَ إلى النَّاس برسالاتِ الله، ولأبي ذرٍّ زيادة: «البَرَرة» أي: المطيعين، أو المرادُ أن يكون رفيقًا للملائكةِ السَّفرة؛ لاتِّصاف بعضهم بحملِ كتابِ الله، أو المرادُ أنَّه عاملٌ بعملهِم وسالكٌ مسالكَهم من كون أنَّهم يحفظونَه ويؤدُّونه إلى المؤمنين، ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم (وَمَثَلُ الَّذِي) أي: وصفة الَّذي (يَقْرَأُ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ) لضعفِ حفظهِ، مثل من يحاولُ عبادةً شاقَّة يقومُ بأعبائِها مع شدَّتها وصعوبتِها عليه (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجرُ القراءةِ وأجرُ التَّعب، وليس المراد أنَّ أجرَه أكثرُ من أجرِ الماهرِ (٢) بل الأوَّل أكثر؛ ولذا كان مع السَّفرة، ولمن رجَّح ذلك أن يقول: الأجرُ على قدر المشقَّة، لكن لا نسلِّم أنَّ الحافظ الماهر خالٍ عن مشقَّة؛ لأنَّه لا يصيرُ كذلك إلَّا بعد عناءٍ كثيرٍ ومشقَّة شديدةٍ غالبًا، والواو في قوله: «وهو حافظٌ»، و «هو يتعاهدُه»، ولاحقه؛ الثَّلاثة للحالِ، وجوابُ المبتدأ الَّذي هو «مثلُ» محذوف تقديره: كونه في الأوَّل، ومثل من يحاول في الثَّاني، كما مرَّ. (((٨١))) (سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع وعشرون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (﴿انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] انْتَثَرَتْ) من السَّماء وسقطتْ على الأرض.

стр. 9199

(وَقَالَ الحَسَنُ) البَصريُّ -فيما وصلَه الطَّبريُّ- (﴿سُجِّرَتْ﴾ (١)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: (ذَهَبَ) ولأبي ذرٍّ: «يذهبُ» (مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى) فيها (قَطْرَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «فلا تبقَى» بالفوقيَّة (٢)، وقال ابنُ عبَّاس: أوقِدت فصارَت نارًا تضطَرم (٣). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الطَّبريُّ: (﴿الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] المَمْلُوءُ) وسبقَ «بسورةِ الطُّور» [خ¦٦٥ - ٧١٢٨] (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (سُجِرَتْ: أَفْضَى) ولأبي ذرٍّ: «أُفضِي» بضم الهمزة وكسر الضاد (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا) وهو معنى قولِ السُّدِّي فيما أخرجَه ابنُ أبي حاتمٍ. (وَالخُنَّسُ: تَخْنِسُ) بفتح التاء وكسر النون (فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ) وراءَها، بينا تَرى النَّجم في آخرِ البُرج إذا كرَّ راجعًا إلى أوَّله (وَتَكْنِسُ) بكسر النون (تَسْتَتِرُ) تخفى تحتَ ضوءِ الشَّمس (كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «كمَا يكنسُ الظَّبيُّ» أي: يستترُ في كناسهِ؛ وهو بيته المتَّخذ من أغصانِ الشَّجر، والمرادُ النُّجوم الخمسة: زُحَل والمشتَري والمرِّيخ وزُهرة وعُطَارد. (﴿تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]) أي: (ارْتَفَعَ النَّهَارُ) وقال ابنُ الخازنِ (٤): في تنفُّسه قولان: أحدهما: أنَّ في إقبالهِ روحًا ونسيمًا، فجعل ذلك نفسًا على المجاز. الثَّاني: أنَّه شبَّه اللَّيل بالمكروبِ المحزونِ، فإذا حصل لهُ التَّنفُّس وجد راحةً، فكأنَّه تخلَّص من الحزنِ فعبَّر عنه بالتَّنفُّس، وهو استعارةٌ لطيفةٌ. (وَالظَّنِينُ) بالظاء في قراءةِ ابنِ كثيرٍ وأبي عَمرو والكسائيِّ (المُتَّهَمُ) من الظِّنَّة، وهي التُّهمة (وَالضَّنِينُ) بالضاد (يَضَنُّ بِهِ) أي: لا يبخلُ بالتَّبليغ والتَّعليم.

стр. 9200

(وَقَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب -فيما وصلَه عبدُ بن حُميد-: (﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] يُزَوَّجُ) بفتح الواو مشددة، الرَّجل (نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ) عُمر ﵁: (﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]) وأخرجَ الفرَّاء من طريقِ عكرمةَ قال: يُقرنُ الرَّجل في الجنَّة بقرينهِ الصَّالح في الدُّنيا، ويُقرنُ الرَّجل الَّذي كان يعملُ السُّوء في الدُّنيا بقرينهِ الَّذي كان يعينهُ في النَّار، وقيل: يزوَّج المؤمنونَ بالحورِ العينِ، ويزوَّج الكافرون بالشَّياطينِ. حكاه القُرطبيُّ في «تذكرته». (﴿عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]) أي: (أَدْبَرَ) وقال الحسنُ: أقبلَ بظلامهِ، وهو من الأضدَاد، ويدلُّ على أنَّ المراد هنا أدبرَ قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أي: امتدَّ ضوءه حتَّى يصيرَ نهارًا. (((٨٢))) (سورة ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة فيما رواه عبدُ بنُ حُميدٍ في قولهِ تعالى: (﴿فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]) أي: (فَاضَتْ) قال الزَّركشيُّ: ينبغِي قراءتَه بالتَّخفيف، فإنَّها القراءة المنسوبَة للرَّبيعِ صاحب هذا التَّفسير. (وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ) وكذا قرأ حمزة والكسائيُّ: (﴿فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقرأ» (أَهْلُ الحِجَازِ) وأبو عَمرو البصريُّ وابن عامرٍ الشَّاميُّ (بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ: مُعْتَدِلَ الخَلْقِ) أي: جعلَه متناسبَ الأطرافِ، فلم يجعَل إحدى يديهِ أطوَل، ولا إحدى عينيهِ أوسَع (وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي: فِي أَيِّ صُورَةٍ (١) شَاءَ، إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «أو طويلٌ أو قصيرٌ» قاله الفرَّاء.

стр. 9201

(((٨٣))) (سورة ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ستٌّ وثلاثون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: ١٤]) وسقطَ «﴿بَلْ﴾» لغيرِ أبي ذرٍّ (١) أي: (ثَبْتُ الخَطَايَا) بفتح المثلثة وسكون الموحدة، بعدها مثناة فوقية، حتَّى غمرتهَا، والرَّان: الغِشاوة على القلبِ، كالصَّدأ (٢) على الشَّيء الصَّقيل من سيفٍ ونحوه، قال: وَكَمْ رَانَ مِنْ ذَنْبٍ عَلَى قَلْبِ فَاجِرٍ … فَتَابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رَانَ فَانْجَلَى (٣) وأصلُ الرَّين الغَلبة، ومنه: رانَت الخمرُ على عقلِ (٤) شاربها، ومعنى الآية: أنَّ الذُّنوب غلبتْ على قلوبِهم وأحاطَت بها (٥). وفي التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَ في قلبهِ نكتَة، فإن هو نزعَ واستغفرَ؛ صُقِلَت، فإن عادَ؛ زيدَ فيها حتَّى تعلُو قلبه، فهو الرَّان الَّذي ذكر اللهُ في كتابهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ [المطففين: ١٤]». (﴿ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦]) أي: (جُوزِيَ)، قالَه مجاهدٌ فيما وصلَه الفِريابيُّ. (الرَّحِيقُ) أي: (الخَمْرُ) الخالصُ من الدَّنس.

стр. 9202

(﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]) أي: (طِينُهُ) أو آخر شربه يفوحُ منهُ رائحةُ المسكِ. (التَّسْنِيمُ: يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الجَّنَةِ) أي: ينصبُّ عليهم من علوٍ في غرفِهم ومنازلهم، أو يجري في الهواءِ متسنِّمًا فينصبُّ في أوانيهِم على قدرِ ملئهَا، فإذا امتَلأت أمسكَ، وهذا ثابتٌ للنَّسفي وحدَه، من قوله: «الرَّحيق … » إلى آخره. (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (المُطَفِّفُ) هو الَّذي (لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ) حقَّه في المكيالِ والميزانِ، والطَّفف (١): النَّقص، ولا يكادُ المطفِّف (٢) يسرقُ في الكيلِ والوزنِ إلَّا الشَّيء التَّافه الحقير، وقوله: «غيره» بعد قولهِ: «لا يُوَفِّي» ثابتٌ في روايةِ أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ. (﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾) من قبورهِم (﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]) لأجلِ أمرِه وحسابهِ وجزائهِ، وهذه الآيَة ثبتت لأبي ذرٍّ. ٤٩٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) القُرشيُّ الحِزاميُّ -بكسر المهملة والزاي (٣) - المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) هو ابنُ عيسى القزَّاز قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم، والحديثُ من غرائبهِ، و (٤) ليسَ من «موطئه» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسولَ الله» (¬ ﷺ قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]) يومَ القيامة، وتدنُو الشَّمس منهم مقدارَ ميلٍ (حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ) بفتح الراء وسكون المعجمة في الفَرْع وضبطَه في «الفتح» و (٥) «المصابيح» بفتحتين جميعًا: عَرَقه؛ لأنَّه يخرجُ من بدنهِ شيئًا فشيئًا، كما يترشَّح

стр. 9203

الإناءُ المتحلِّل الأجزاء، وفي روايةِ سعيد بن داود: «حتَّى إنَّ العرقَ يلجُم أحدهم» (إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ) قال الكَرْمانيُّ: فإن قلتَ: ما وجهُ إضافةِ الجمعِ إلى المثنَّى؟ وهل هو مثلُ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وأجابَ: بأنَّه لمَّا كان لكلِّ شخصٍ أُذنانِ بخلافِ القلب؛ لا يكونُ مثله بل يصيرُ من بابِ إضافةِ الجمعِ إلى الجمع حقيقةً ومعنًى. انتهى. وحكى القاضِي أبو بكر ابن العربي: أنَّ كلَّ أحدٍ يقوم عَرَقُه معهُ، وهو خلافُ المعتادِ في الدُّنيا، فإنَّ الجماعة إذا وقفُوا في الأرضِ المعتادة أخذهُم الماءُ أخذًا واحدًا لا يتفاوتُون فيه، وهذا من القُدْرة الَّتي تخرقُ العادَات، والإيمانُ بها من الواجباتِ، ويأتي لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه بعونِ الله تعالى وفضلهِ وكرمهِ. (((٨٤))) (سورة ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾) ثبت لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]) أي: (يَأْخُذُ كِتَابَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ) تُجعل يده من وراءِ ظهرِه فيأخذُ بها كتابَه، وتُغَلُّ يمناهُ إلى عنقهِ. (﴿وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]) أي: (جَمَعَ) ما دخلَ عليه (مِنْ دَابَّةٍ) وغيرها. (﴿ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]) أي: (لَا يَرْجِعَ إِلَيْنَا) ولا يبعثُ، والحَور: الرُّجوع. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]) «سوف»: من اللهِ واجبٌ، والحسابُ اليسيرُ هو عرضُ عمله عليهِ، كما يأتي إن شاء الله تعالى في هذا الحديث، وثبتَ التَّبويب وتاليه لأبي ذرٍّ.

стр. 9204

٤٩٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الفلَّاس قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) الجُمحيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد اللهِ قال: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬). قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). وقال المؤلِّف أيضًا: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» (مُسَدَّدٌ) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى، ابنُ مُسَرهَد (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ القطَّان (عَنْ أَبِي يُونُسَ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ) بالصاد المهملة المفتوحة والغين المعجمة المكسورة، الباهليِّ البصريِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ القَاسِمِ) بنِ محمَّد بنِ أبي بكرٍ الصِّديق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) فهذهِ ثلاثةُ أسانيدٍ، صرَّح في الأوَّلين منها: بأنَّ ابنَ أبي مُليكة حملَ الحديثَ عن عائشة بغيرِ واسطةٍ، وفي الثَّالث بواسطةِ القاسم بنِ محمَّد عنها، فحملهُ النَّووي على أنَّه سمعهُ من عائشة، وسمعهُ من القاسم عنها، فحدَّث به على الوجهين. قال في «الفتح»: وهو مجرَّد احتمالٍ، وقد وقعَ التَّصريح بسماعِ ابنِ أبي مُليكة له من عائشة كما في السَّند الأوَّل، فانتفى القولُ بإسقاطِ رجلٍ من السَّند، وتعيَّن الحملُ على أنَّه سمعهُ من عائشة، ثمَّ من القاسم عنها أو بالعكسِ، والسِّرُّ فيه: أنَّ في روايتهِ بالواسطة ما ليسَ في روايته بغيرِ واسطة. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ. قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ) بالهمز (أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] قَالَ) ﵊: (ذَاكِ) بكسر الكاف

стр. 9205

(العَرْضُ يُعْرَضُونَ) بأن تعرضَ عليه أعماله فيعرفُ الطَّاعة والمعصية، ثمَّ يثابُ على الطَّاعة ويتجاوزُ عن المعصيةِ، ولا يطالبُ بالعُذر فيه (وَمَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ) بضم النون وكسر القاف مبنيًّا للمفعول، و «الحسابَ» نصب بنزعِ الخافض، أي: من استقصَى أمرهُ في الحسابِ (هَلَكَ) بالعذابِ في النَّار، أو أنَّ نفسَ عرضِ الذُّنوب والتَّوقيف على قبيحِ ما سلفَ والتَّوبيخ عذابٌ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٧]. وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٦]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أصلُه: لتركبوننَّ (١)، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء السَّاكنين، وفتح الباء ابنُ كثيرٍ وحمزة والكِسائيُّ خطابًا للواحِد، والباقون بضمِّها خطابًا للجمعِ، وسقط لفظ «باب» وما بعده لغير أبي ذرٍّ (٢). ٤٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة، البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء مصغَّرًا، ابنُ بشيرٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية (٣)، ابن أبي وحشيَّة (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر، أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾) بضم الموحدة، وفي «اليونينية» بفتحها (٤) (﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أي: (حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ:

стр. 9206

هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ ¬) يعني يكونُ لك (١) الظَّفر والغَلبة على المشركين حتَّى يُختَم لك بجميلِ العاقبة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهِم، وقيل: سماءً بعد سماءٍ، كما وقع في الإسراءِ، والمعنى على الجمعِ: لتركبنَّ أيُّها النَّاس حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ، وذلك في موقفِ القيامةِ. أو الشَّدائدُ والأهوالُ الموتُ ثمَّ البعثُ ثمَّ العرضُ، أو حال الإنسان حالًا بعد حال؛ رضيعٌ، ثمَّ فطيمٌ، ثمَّ غلامٌ، ثمَّ شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ. (((٨٥))) (سورة البُرُوجِ) مكِّيَّة، وآيُها اثنتان وعشرون، وسقط لغير أبي ذرٍّ «سورة». (قَالَ) ولغير أبي ذرٍّ (٢): «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيمَا رواهُ عبدُ بنُ حميدٍ في قولهِ: (﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) هو (شَقٌّ فِي الأَرْضِ) وقال غيرهُ: المستطيلُ في الأرضِ. وروى مسلمٌ عن صهيبٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كانَ فيمَن كان قبلكُم مَلِكٌ، وكان لهُ ساحرٌ، فلمَّا كبِر قال للملكِ: إنِّي قد كَبرت، فابعث إليَّ غلامًا أعلِّمه السِّحر، فبعث إليهِ غلامًا يعلِّمه، وكانَ (٣) في طريقهِ إذا سلكَ راهبٌ، فقعدَ إليه وسمعَ كلامَه فأعجبَه، فكان إذا أتَى السَّاحر مرَّ بالرَّاهبِ وقعد إليهِ، فإذا أتى السَّاحر ضربَه، فشكا ذلك إلى الرَّاهب فقال لهُ (٤): إذا خشيتَ السَّاحر فقُل: حبسنِي أهلِي، وإذا خشيتَ أهلكَ فقلْ: حبَسني السَّاحر، فبينما هو كذلكَ إذ أتَى على النَّاس دابةٌ عظيمةٌ قد حبَست النَّاس، فقال: اليومَ أعلمُ آلسَّاحر أفضلُ أم الرَّاهبُ أفضلُ؟ فأخذَ حجرًا فقال: اللَّهمَّ إن كان أمرُ الرَّاهب أحبَّ

стр. 9207

إليك من أمرِ (١) السَّاحر فاقتُل هذه الدَّابة حتَّى يمضي النَّاس، فرماهَا فقتَلها، ومضَى النَّاسُ فأتى الرَّاهبَ فأخبرَه، فقال له الرَّاهبُ: أي بنيَّ، أنت اليومَ أفضلُ منِّي، قد بلغَ من أمركَ ما أرَى، وإنَّك ستُبتلى، فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليَّ، وكان الغُلام يبرئُ الأكمَه والأبرصَ، ويُداوي النَّاس من (٢) سائرِ الأدواءِ، فسمع جليسٌ للملكِ (٣) كان قد عميَ فأتاه بهدايَا كثيرةٍ، فقال: ما ههنا لكَ أجمعُ إن أنتَ شفيتَني. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله ، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ الله فشفاكَ، فآمنَ باللهِ فشفاهُ الله، فأتى الملِك فجلسَ إليهِ كما كان يجلسُ، فقال لهُ الملك: من ردَّ عليكَ بصركَ؟ فقال: ربِّي. قال: ولك ربٌّ غيري؟ قال: اللهُ ربِّي وربُّك، فأخذهُ فلم يزل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الغلامِ، فجيءَ بالغلامِ فقال له الملك: أي بنيَّ، قد بلغَ من سحركَ ما تُبرئ الأكمَه والأبرصَ وتفعلُ وتفعلُ. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله، فأخذهُ فلم يزَل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الرَّاهب، فجيءَ بالرَّاهب فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فدعا (٤) بالمنشارِ فوضعَ المنشارَ في مَفْرِقِ رأسهِ فشقَّه بهِ (٥) حتَّى وقعَ شقَّاه، ثمَّ جيءَ بجليسِ الملك فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فوضعَ المنشارَ في مَفْرقِ رأسهِ فشقَّه حتَّى وقع شقَّاه، ثمَّ جيءَ بالغلامِ فقيل لهُ: ارجعْ عن دينكَ فأبَى، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ إلى جبلِ كذا وكذا فاصعدوا بهِ الجبلَ، فإذا بلغتُم بهِ ذُروته فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاطرحوهُ، فذهبوا بهِ فصعدوا بهِ الجبلَ، فقال: اللَّهمَّ اكفنيهِم بما شئتَ، فرجفَ بهم الجبَلُ فسقطوا، وجاءَ يمشِي إلى الملكِ، فقال لهُ الملِكُ: ما فعلَ أصحابُك؟ قال: كفانيهُم الله، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ فاحملوهُ في قُرْقُورٍ

стр. 9208

فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاقذِفوه، فذهبوا به، فقال: اللَّهمَّ اكفنيِهم بما شئتَ، فانكفأتْ بهمُ السَّفينة فغرقُوا، وجاءَ يمشي إلى الملكِ، فقال له الملِكُ: ما فعلَ أصحابكَ؟ فقال: كفانيهُم الله، فقال للملكِ: إنَّك (١) لستَ بقاتِلي حتَّى تفعلَ ما آمرك بهِ. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ وتصلبُني على جذعٍ، ثمَّ خُذ سهمًا من كِنانتي ثمَّ ضعِ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قلْ: بسمِ الله ربِّ هذا (٢) الغُلام ثمَّ ارمِني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلكَ قتلتَني، فجمعَ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ فصلبهُ على جذعٍ، ثمَّ أخذَ سهمًا من كنانته، ثمَّ وضعَ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قال: بسمِ اللهِ ربِّ هذا الغُلام (٣) ثمَّ رماهُ فوقَع السَّهم في صدغِه، فوضعَ يدهُ في صدغهِ موضَع السَّهم فمات، فقال النَّاس: آمنَّا بربِّ الغُلام، آمنَّا بربِ الغُلام (٤) فأُتيَ الملِكُ فقيل لهُ: أرأيتَ ما كنتَ تحذره؟ قد واللهِ نزلَ بكَ حذرُك، قد (٥) آمن النَّاس، فأمرَ بالأخدودِ بأفواهِ السِّكك فخُدَّت وأضرَم النِّيران، وقال: مَن لم يرجعْ عن دينهِ فأقحموهُ فيها، أو قيل لهُ: اقتحِمْ، ففعلوا حتَّى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعَستْ أن تقعَ فيها، فقال لها الغُلام: يا أُمَّهْ، اصْبِري فإنَّك على الحقِّ». (﴿فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠]) أي: (عَذَّبُوا) قالَه مجاهدٌ فيمَا وصله الفِريابيُّ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]) هو (الحَبِيْبُ) المتوِّدد إلى أوليائهِ بالكرامَة. (﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]) أي: (الكَرِيمُ) وقول ابنِ عبَّاس هذا ساقطٌ في الفَرْع كأصلهِ، ثابتٌ في روايةِ النَّسفيِّ وحده.

стр. 9209

(((٨٦))) (سورة الطَّارِقِ) ثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ، وهي مكِّيَّة، وآيُها سبع عشرة (١). (هُوَ) أي: الطَّارق (النَّجْمُ، وَمَا أتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ولا يسمَّى ذلك بالنَّهار، فسُمِّي به النَّجم لظهورهِ ليلًا. (﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]) هو (المُضِيءُ) وهذا كلُّه ثابتٌ للنَّسفيِّ وحدَه، ساقطٌ (٢) في (٣) الفَرْع كأصلهِ (٤). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ): أي: فيمَا وصلَه الفِريابيُّ (﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١]) هي (سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ) ولأبي ذرٍّ: «تَرجع» بالفوقية بدل التحتية، وعلى هذا يجوزُ أن يرادَ بالسَّماء السَّحاب. (﴿ذَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وذات (٥)» (﴿الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢]) هي الأرضُ (٦) (تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) والعيون. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]) أي: (لَحَقٌّ) وجِدٌّ يفصلُ بين الحقِّ والباطلِ. (﴿لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]) أي: (إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وهذا (٧) التَّفسير على تشديدِ ميم ﴿لَّمَّا﴾ وهي قراءة عاصمٍ وابنِ عامرٍ وحَمزة، و ﴿إِن﴾ نافيةٌ، وثبتَ قوله: (وقالَ ابنُ عبَّاسٍ … ) إلى آخره للنَّسفيِّ وحدَه، وسقط من الفَرْع كأصلهِ (٨).

стр. 9210

(((٨٧))) (سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) ثبت (١): «سورة الأعلى» لأبي ذرٍّ وهي (٢) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة. ومعنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: نزِّه ربَّك ﴿الْأَعْلَى﴾ عمَّا يصفُه الملحدون، فالاسمُ صلة، وبهِ يحتجُّ من جعلَ (٣) الاسمَ والمسمَّى (٤) واحدًا؛ لأنَّ أحدًا لا يقولُ: سبحان اسم اللهِ بل سبحانَ الله، وقال قومٌ: أي: نزِّه تسميةَ ربِّك بأن تذكرهُ وأنت له معظِّمٌ ولذكرِه محتَرِمٌ، فجعلوا الاسم بمعنى التَّسمية، فكما أنَّه يجبُ تنزيه ذاتهِ وصفاتهِ عن النَّقائص يجبُ تنزيهُ الألفاظِ الموضوعة لها عن سوءِ الأدبِ، وقد سبقَ في أوَّل هذا المجموعِ مزيدٌ لذلك [خ¦٢ - ١]، والله الموفِّق. (٥) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ لِلإِنْسَانِ الشَّقَاءَ والسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لمَرَاتِعِهَا) وصلهُ الطَّبريُّ (٦)، وثبت للنَّسفيِّ وحدَه. ٤٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقبُ عبدِ الله بنِ عثمَان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمانُ بنُ جَبَلة (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنِ
следующие страницы →