← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

١٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو (١) غسان النَّهديُّ الحافظ الحجَّة العابد، المُتوفَّى سنة تسع عشرة (٢) ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ، أبو يوسف الكوفيُّ الثِّقة المُتكلَّم فيه بلا حجَّةٍ، من الطَّبقة السَّابعة، المُتوفَّى سنة ستِّين -أو بعدها- ومئةٍ (عَنْ عَاصِمٍ) أي (٣): ابن سليمان الأحول البصريُّ الثِّقة (٤)، المُتوفَّى سنة اثنتين وأربعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ) بفتح العَيْن وكسر المُوحَّدَة آخره هاءٌ، ابن عمرٍو، أو (٥) ابن قيس بن عمرٍو السَّلْمانيِّ، بفتح السِّين وسكون اللَّام، الكوفيِّ، أحد كبار التَّابعين المُخضرَمين، أسلم قبل وفاته ﷺ ولم يَرَه، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، ومقول قول ابن سيرين لِعَبِيدَةَ: (عِنْدَنَا) شيءٌ (مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَبْنَاهُ) أي: حصل لنا (مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهة (أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ) هو ابن (٦) مالكٍ، ووجه حصوله لابن سيرين: أنَّ سيرين والد محمَّدٍ كان مولًى لأنسِ بن مالكٍ، وكان أنس بن مالكٍ (٧) ربيبًا لأبي طلحة، وهو ﷺ أعطاه لأبي طلحة ﵁، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الحديث الآتي [خ¦١٧١] (فَقَالَ) عَبِيدةُ: (لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ) واحدةٌ (مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) من متاعها، وفي رواية الإسماعيليِّ: «أحبُّ إليَّ من كلِّ صفراءَ وبيضاءَ» ولام «لَأن تكون»: لام الابتداء للتَّأكيد، و «أنْ» مصدريَّةٌ، أي:

стр. 947

كون شعرةٍ، و «أحبُّ»: خبرٌ لـ «أن تكون»، و «تكون» ناقصةٌ، ويُحتمَل أن تكون تامَّةً، فإن قلت: ما وجه الدلالة من الحديث (١) على التَّرجمة؟ أُجِيب بأنَّ ذلك من حفظ أنسٍ لشَعَر النَّبيِّ ﷺ ، وتمنَّى عَبيدة أن يكون عنده شعرةٌ واحدةٌ منه لطهارته وشرفه، فدلَّ ذلك (٢) على أنَّ مُطلَق الشَّعر طاهرٌ، وإذا كان طاهرًا فالماء الذي يُغسَل به طاهرٌ، وتُعقِّب بأنَّ شَعره ﷺ مُكرَّمٌ لا يُقاس عليه غيرُه، وأُجِيب بأنَّ الخصوصيَّة لا تثبت إلَّا بدليلٍ، والأصل عدمها، وعُورِضَ بما يطول، والله أعلم. وهذا الحديث خماسيٌّ، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية (٣) تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول. ١٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة البغداديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضَّبِّيُّ البزَّاز (٤)، أبو عثمان سعدويه، الحافظ الواسطيُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (٥) عن مئة سنةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ) بتشديد المُوحَّدة، ابن العوَّام الواسطيُّ أبو سهلٍ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وثمانين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العَيْن المُهمَلَة وآخره نونٌ، واسمه: عبد الله، تابعيٌّ (٦)، سيِّد قرَّاء زمانه (عَنِ ابْنِ

стр. 948

سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ) في حجَّة الوداع، أي: أمر الحلَّاق فحلقه، فأضاف الفعل إليه مجازًا، واختُلِف في الذي حلق، فالصَّحيح: أنَّه معمر بن عبد الله كما ذكره البخاريُّ ﵀، وقِيلَ: هو خراش بن أميَّة، بمُعجَمَتين، والصَّحيح: أنَّ خراشًا كان الحالق بالحديبية (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ، زوج أمِّ سُليمٍ (١) والدة أنسٍ، شهد المشاهد كلَّها، المُتوفَّى في سنة سبعين، كأبي هريرة (٢) (أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) ﵊. وهذا الحديث (٣) من الخماسيَّات، ورواته ما بين تِنِّيسيٍّ (٤) ومدنيٍّ، وكلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود (٥) والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (٣٣ م) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا).

стр. 949

١٧٢ - ١٧٣ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) وللأربعة: «أخبرنا مالكٌ» الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لفظ «قال» لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (قَالَ: إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ) أي: إذا ولغ الكلب -ولو مأذونًا في اتِّخاذه- بطرف لسانه (فِي) وفي روايةٍ: «من» (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا) أي: سبع مرَّاتٍ لنجاسته المُغلَّظة، واستدلال بعضهم بقوله: «في إناء أحدكم» على عدم تنجُّس الماء المُستنقع إذا ولغ فيه ولو كان قليلًا شاذٌّ؛ فإنَّ ذلك إنَّما خرج مخرج الغالب لا للقيد، وخرج بقوله: «ولغ» وكذا «شرب» ما إذا كان جامدًا لأنَّ الواجب حينئذٍ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذٍ إلَّا إذا أصابه فم الكلب مع الرُّطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا؛ لأنَّه إذا كان ما فيه جامدًا لا يُسمَّى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا، كما لا يخفى، ولم يقع في رواية مالكٍ التَّتْريب، ولا ثبت في شيءٍ من الرِّوايات عن أبي هريرة إلَّا عن ابن سيرين، والإضافة التي في: «إناء أحدكم» مُلْغًى اعتبارها لأنَّ الطَّهارة لا تتوقَّف على ملكه، ومفهوم الشَّرط في قوله: «إذا ولغ» يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إنَّ (١) الأمر بالغسل للتَّنجيس (٢) يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأمَّا إلحاق باقي أعضائه كَيَدِه ورِجْله فالمذهب المنصوص أنَّه كذلك لأنَّ فمه أشرفها، فيكون غيره من بابٍ أَوْلى.

стр. 950

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى-، وفي رواية ابن عساكر -كما في الفرع كأصله قبل هذا الحديث (١) -: «باب: إذا شرب الكلب في (٢) إناء أحدكم فليغسله سبعًا. حدَّثنا عبد الله بن يوسف» وهو الذي شرح عليه الحافظ ابن حجرٍ، لكن يليه عنده حديث إسحاق بن منصورٍ الكوسج: «أنَّ رجلًا … » وفي روايةٍ بهامش «اليونينيَّة» بعد حديث عبد الله بن يوسف: «باب إذا شرب الكلب»، وسقطتِ التَّرجمة والباب في بعض النُّسخ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصور بن بهرام الكوسج (٣)، أبو يعقوب المروزيُّ، الثِّقة الثَّبت، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصيُّ كما جزم به أبو نُعيمٍ في «المُستخرَج» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيُّ العدويُّ، وتُكلِّم فيه لكنَّه صدوقٌ، ولم ينفرد بهذا قال: (سَمِعْتُ أَبِي) عبدَ الله بن دينارٍ التَّابعيَّ، مولى ابن عمر ﵄ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (٤) الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا) من بني إسرائيل (رَأَى) أي: أبصر (كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمُثلَّثة المفتوحة وبالرَّاء، مقصور (٥): التُّراب النَّديُّ، أي: يلعقه (مِنَ العَطَشِ) أي: بسببه (فَأَخَذَ

стр. 951

الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ) أي: جعله ريَّان (١)، وفي روايةٍ [خ¦٦٠٠٩]: «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه (٢) الحرُّ، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثمَّ خرج، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثَّرى من العطش، فقال الرَّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفَّه ماءً، ثمَّ أمسكه بفيه حتَّى (٣) رَقِيَ، فسقى الكلب» (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أي: أثنى عليه، أو جازاه (فَأَدْخَلَهُ) الله (الجَنَّةَ) من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، أوِ «الفاء»: تفسيريَّةٌ على حدِّ قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على ما فُسِّر أنَّ القتل كان نفس توبتهم، وفي الرِّواية الأخرى: فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إنَّ لنا في البهائم أجْرًا؟ فقال: «إنَّ في كلِّ كبدٍ رطبة أجْرًا» [خ¦٦٠٠٩] وقدِ استدلَّ بعض المالكيَّة للقول بطهارة الكلب بإيراد المؤلِّف هذا الحديث في هذه التَّرجمة؛ من كون الرَّجل سقى الكلب في خفِّه، واستباح لبسه في الصَّلاة دون غسله؛ إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأُجِيب باحتمال أن يكون صبَّ في شيءٍ فسقاه، أو لم يلبسه، ولئن سلَّمنا سقيَه فيه فلا يلزمنا (٤)؛ لأنَّه وإن كان شَرْعَ غيرِنا فهو منسوخٌ في شرعنا. وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيَّان، وهما (٥):

стр. 952

عبد الله بن دينارٍ، وأبو صالحٍ، والتَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشرب» [خ¦٢٣٦٣] و «المظالم» [خ¦٢٤٦٦] و «الأدب» [خ¦٦٠٠٩] و «ذكر بني إسرائيل»، ومسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الجهاد». ١٧٤ - (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح المُعجَمَة وكسر المُوحَّدَة، ابن سعيدٍ، أبو عبد الله التَّيميُّ الحنظليُّ البصريُّ، المُتوفَّى بعد المئتين، وهو من شيوخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا أَبِي) شَبِيبٌ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأَيْلِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ) بالحاء المُهمَلَة والزَّايِ (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (١)، أبو عمارة القرشيُّ العدويُّ المدنيُّ التَّابعيُّ، الثِّقة الجليل (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَتِ الكِلَابُ َتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ) حال كونها (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ المدنيِّ، وفي غير رواية الأربعة: «تبول وتقبل وتدبر في المسجد» (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَرُشُّونَ) وفي رواية ابن عساكر: «فلم يكن»،

стр. 953

وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «فلم يكونوا يرشُّون» (شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) بالماء، وفي ذكر الكون مبالغةٌ ليست (١) في حذفه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] حيث لم يقل: وما يعذِّبهم، وكذا في لفظ الرَّشِّ حيث اختاره على لفظ الغسل لأنَّ الرَّشَّ ليس فيه جريان الماء، بخلاف الغسل فإنَّه يُشتَرط فيه الجريان، فنفيُ الرَّشِّ أبلغ من نفيِ الغسل، ولفظ: «شيئًا» أيضًا عامٌّ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، وهذا كلُّه للمُبالَغَة في طهارة سؤره، إذ في (٢) مثل هذه الصُّورة الغالب أنَّ لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، وأُجِيب بأنَّ طهارة المسجد مُتيقَّنةٌ، وما ذُكِرَ (٣) مشكوكٌ فيه، واليقين لا يرتفع بالشَّكِّ، ثمَّ إنَّ دلالته لا تعارض دلالة (٤) منطوق الحديث الوارد بالغسل من ولوغه، وقد زاد أبو نُعيمٍ والبيهقيُّ في (٥) روايتهما لهذا الحديث من طريق أحمد بن شَبيبٍ المذكور موصولًا بصريح التَّحديث قبل قوله: «وتُقبِل»: «تبول» وبعدها واو العطف، وذلك ثابتٌ في فرع «اليونينيَّة»، لكنَّه علَّم عليه علامة سقوط ذلك في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، ذكره الأَصيليُّ في رواية عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد شيخ شَبيب بن سعيدٍ المذكور، وحينئذٍ فلا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على طهارة الكلاب للاتِّفاق على نجاسة بولها، قاله ابن المُنَيِّر، لكن يَقْدَح في نقل الاتِّفاق القول بأنَّها تُؤكَل، حيث صحَّ عمَّن نقل عنه، وأنَّ بول ما يُؤكَل لحمه طاهرٌ، وقال المنذريُّ (٦): كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثمَّ تقبل وتدبر في المسجد، ويبعد أن تُتَرك الكلاب تنتاب (٧) في المسجد حتَّى تمتهنه بالبول فيه، والأقرب أن يكون ذلك في ابتداء الحال على

стр. 954

أصل الإباحة، ثمَّ ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، وبهذا الحديث استدلَّ الحنفيَّة على طهارة الأرض إذا أصابتها نجاسةٌ وجفَّت بالشَّمس أو الهواء وذهب أثرها، وعليه بَوَّب أبو داود حيث قال: «باب طهور الأرض إذا يبست». ورجاله السِّتَّة ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والقول والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ. ١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبَرة، بفتح المُهمَلَة وسكون المُعجَمَة وفتح المُوحَّدَة، النَّمريُّ الأزديُّ البصريُّ، أبو عمر الحوضيُّ، ثقةٌ ثَبْتٌ، عيبَ بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار العاشرة، تُوفِّي سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح السِّين والفاء، عبد الله بن (١) سعيد بن يحمد (٢) -أو أحمد- الهمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين المُعجَمة، واسمه: عامرٌ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) أي: ابن عبد الله بن سعد (٣) بن الحَشْرج، بفتح المُهمَلة وسكون المُعجَمة آخره جيمٌ، الصَّحابيِّ الشَّهير الطَّائيِّ، المُتوفَّى بالكوفة زمن المختار سنة ثمانٍ وستِّين، وقِيلَ: إنَّه عاش مئةً وثمانين سنةً، له في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) عن حكم صيد الكلاب، كما صرَّح به المؤلِّف في «كتاب الصَّيد» [خ¦٥٤٧٦] (فَقَالَ) وفي رواية الأربعة: «قال»: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ) بفتح اللَّام المُشدَّدة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه، أي:

стр. 955

يهيج بإغرائه وينزجر بانزجاره، في ابتداء الأمر وبعد شدَّة العَدْو (١)، ويمسك الصَّيد ليأخذه الصَّائد، ولا يأكل منه (فَقَتَلَ) الصَّيد (فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ) الكلب الصَّيد (فَلَا تَأْكُلْ) منه وعلَّل بقوله: (فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ) قال عديُّ بن حاتمٍ: (قُلْتُ) لرسول الله ﷺ : (أُرْسِلُ كَلْبِي) المُعلَّم (فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ) ﵊: (فَلَا تَأْكُلْ) منه (فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ) أي: ذكرت اسم الله (عَلَى كَلْبِكَ) عند إرساله (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ) ظاهره وجوب التَّسمية، حتَّى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحلُّ، وهو قول أهل الظَّاهر، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجُّوا مع الحديث بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال الشَّافعيَّة: سُنَّةٌ، فلو تركها عمدًا أو سهوًا يَحِلُّ، قِيل: وهذا الحديث حجَّةٌ عليهم، وأُجِيب بحديث عائشة ﵂ عند المصنِّف ﵀ [خ¦٢٠٥٧]: قلت: يا رسول الله، إنَّ قومًا حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ أتونا بلحمٍ، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، أنأكل منه أم لا؟ فقال: «اذكروا اسم الله عليه (٢) وكلوا»، فلو كان واجبًا لَما جاز الأكل مع الشَّكِّ، وأمَّا الآية: ففسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله تعالى، وتوجيهه: أنَّ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ليس معطوفًا؛ لأنَّ الجملة الأولى فعليَّةٌ إنشائيَّةٌ، والثَّانية خبريَّةٌ، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعيَّن كونها حاليَّةً فتقيَّد النَّهيُ بحال (٣) كون الذَّبح فسقًا، والفسق: مُفسَّرٌ في القرآن بما أُهِلَّ به (٤) لغير الله تعالى،

стр. 956

فيكون دليلًا لنا لا علينا، وهذا نوعٌ من القلب، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهم لا يسمُّون، وقد قام الإجماع على أنَّ من أكل متروك التَّسمية ليس بفاسقٍ، ومُطابَقَة هذا الحديث للتَّرجمة من (١) قوله فيها: وسؤر الكلاب؛ لأنَّ في الحديث أنَّه ﵊ أَذِنَ في أكل (٢) ما صاده الكلاب، ولم يقيِّد ذلك بغسل موضع فمه (٣)، ولذا قال مالكٌ: كيف يُؤكَل صيده ويكون لعابه نجسًا؟ وأُجِيب بأنَّ الشَّارع وَكَلَهُ إلى ما تقرَّر عنده من غسل ما يماسُّه (٤) فمه. وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ، ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٠٥٤] و «الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٤٧٦]، ومسلمٌ وابن ماجه كلاهما فيه أيضًا. (٣٤) هذا (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ) واجبًا من مخرجٍ من مخارج البدن (إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ القُبُلِ

стр. 957

وَالدُّبُرِ) بالجرِّ فيهما، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ، أي: لا من مخرجٍ آخرَ، كالفصد والحجامة والقيء وغيرها، و «القُبُل» يتناول ذَكَر الرَّجل وفرج المرأة، وزاد في روايةٍ (١): «من» قبل (٢): «القُبل والدُّبر» (لقَوْلِه تَعَالَى) وفي رواية غير الهَرَوِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «وقول الله تعالى»: (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]) أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، القُبل والدُّبر، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض تُقضَى فيه الحاجة، سُمِّيَ باسم الخارج للمُجاوَرَة، لكن ليس في هذه الآية ما يدلُّ على الحصر الذي ذكره المؤلِّف، غاية ما فيها: أنَّ الله تعالى أخبر أنَّ الوضوء أوِ (٣) التَّيمُّم عند فقد الماء يجب بالخارج من السَّبيلين، وبمُلامَسَة النِّساء المُفسَّرة (٤) بجسِّ اليد، كما فسَّرها به ابن عمر ﵄، واستدلَّ بذلك الإمام الشَّافعيُّ ﵁ على نقض الوضوء به، والمعنى في النَّقض به أنَّه مظنَّة الالتذاذ المثير للشَّهوة، وقال الحنفيَّة: المُلامَسَة كنايةٌ عن الجماع، فيكون دليلًا للغُسْل لا للوضوء، وأُجِيب بأنَّ اللَّفظ لا يختصُّ بالجماع، قال تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] وقال ﵊ لماعزٍ: «لعلَّك لمست». (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ) وغير ذلك من النَّادر، قال (٥): (يُعِيدُ الوُضُوءَ) وهذا (٦) مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ وسفيان الثَّوريِّ والأوزاعيِّ، وقال قتادة ومالكٌ: لا وضوء فيه، وفي نسخة بـ «اليونينيَّة»: «يعيد الصَّلاة» بدل «الوضوء». (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﵁ ممَّا وصله سعيد بن

стр. 958

منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (إِذَا ضَحِكَ) فظهر منه حرفان أو حرفٌ مفهمٌ (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ لَا الوُضُوءَ) والذي في «اليونينيَّة»: «ولم يُعِدِ الوضوءَ»، وقال أبو حنيفة: إذا قهقه في الصَّلاة ذات الرُّكوع والسُّجود بصوتٍ يسمعه جيرانه بطلتِ الصَّلاة (١) وانتقض الوضوء، وإن لم يسمعه جيرانه فلا؛ لحديث: «من ضحك في الصَّلاة قهقهةً فليعدِ الوضوء والصَّلاة» (٢). أخرجه ابن عديٍّ في «كامله»، سواءٌ كان بصوتٍ يُسمَع أو تبسُّمٌ، والخلاف إنَّما هو في نقض الوضوء، لا في إبطال الصَّلاة. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا أخرجه سعيد بن منصورٍ وابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ موصولًا: (إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) أي: شعر (٣) رأسه أو شاربه (أَوْ) من (أَظْفَارِهِ) ولابن عساكر: «وأظفاره»؛ فلا وضوء عليه خلافًا لمجاهدٍ والحكم بن عُتَيبة (٤) وحمَّادٍ (أَوْ خَلَعَ) وفي رواية ابن عساكر: «وخلع» (خُفَّيْهِ) أو أحدهما بعد المسح عليهما (فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) وهذا ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن هشيمٍ عن يونس عنِ الحسن البصريِّ، وإليه ذهب قتادة وعطاءٌ وطاوسٌ وإبراهيم النَّخعيُّ وسلمان وداود، واختاره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» كابن المنذر، وفي قولٍ (٥): يتوضَّأ لبطلان (٦) كلِّ الطَّهارة ببطلان بعضها كالصَّلاة، والأظهر: أنَّه يغسل قدميه فقط لبطلان طهرهما بالخَلْع أوِ الانتهاء. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق

стр. 959

مجاهدٍ عنه: (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ) هو في اللُّغة: الشَّيء الحادث، ثمَّ نُقِلَ إلى الأسباب النَّاقضة للطَّهارة (١)، وإلى المنع المترتِّب (٢) عليها مجازًا، من باب قصر العامِّ على الخاصِّ، والأوَّل هو المُراد هنا (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ ممَّا وصله ابن إسحاق في «المغازي» وأخرجه أحمد وأبو داود والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، كلُّهم من طريق ابن إسحاق (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ) وهو عبَّاد بن بشرٍ (بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ) بفتح الزَّايِ والفاء، أي: خرج منه دمٌ كثيرٌ (فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) فلم يقطعها لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه: ردٌّ على الحنفيَّة حيث قالوا: ينتقض (٣) الوضوء إذا سال الدَّم (٤)، لكن يشكل عليه: الصَّلاة مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه المستلزم لبطلان الصَّلاة للنَّجاسة، وأُجِيب باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثَّوب فقط ونزعه عنه (٥) في الحال، ولم يَسِلْ على جسده إلَّا مقدار ما يُعفَى عنه، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ وغيرهم، وهو مبنيٌّ على عدم العفوِ عن كثيرِ دمِ نفسِه، فيكون كدم الأجنبيِّ فلا يُعفَى إلَّا عن قليله فقط، وهو الذي صحَّحه النَّوويُّ في «المجموع» و «التَّحقيق»، وصحَّح في «المنهاج» و «الرَّوضة» أنَّه كدم البَثْرة، وقضيَّته العفوُ عن قليله وكثيره، وقد صحَّ أنَّ عمر ﵁ صلَّى وجرحه ينزف دمًا.

стр. 960

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ) بكسر الجيم، قال العينيُّ منتصرًا لمذهبه: أي: يصلُّون في جراحاتهم من غير سيلان الدَّم، والدَّليل عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن هُشَيمٍ (١) عن يونس عن الحسن البصريِّ (٢): أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدَّم إلَّا ما كان سائلًا، هذا الذي رُوِيَ عنِ الحسن بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الحنفيَّة وحجَّةٌ لهم على الخصم. انتهى. وليس كما قال؛ لأنَّ الأثر الذي رواه البخاريُّ ليس هو الذي ذكره هو، فإنَّ الأوَّل: هو (٣) روايته عنِ الصَّحابة وغيرهم، والثَّاني: مذهبٌ للحسن، فافهم. (وَقَالَ طَاوُسٌ) اسمه: ذكوان بن كيسان اليمانيُّ الحِمْيريُّ، أحد الأعلام، فيما وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبيد (٤) الله بن موسى بن حنظلة عنه (وَ) قال (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ الهاشميُّ، المدنيُّ التَّابعيُّ، أبو جعفرٍ المعروف بالباقر لأنَّه بَقَرَ العلمَ، أي: شَقَّه بحيث علم (٥) حقائقه، ممَّا وصله أبو بشرٍ سَمُّويه في «فوائده» من طريق الأعمش، ﵃ أجمعين (وَ) قال (عَطَاءٌ) أي (٦): ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه (وَ) قال (أَهْلُ الحِجَازِ) كسعيد بن المُسَيَّب، وسعيد بن جبيرٍ والفقهاء السَّبعة ومالكٍ والشَّافعيِّ وغيرهم، وهو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّلاثة السَّابقة: طاوسًا

стр. 961

ومحمَّدَ بنَ عليٍّ وعطاءً حجازيُّون: (لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ) سواءٌ سال أو لم يَسِلْ، خلافًا لأبي حنيفة حيث أوجبه مع الإسالة، مستدلًّا بحديث الدَّارقُطنيِّ: «إلَّا أن يكون دمًا سائلًا»، وأُجِيب … (وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله (١) ﵄ (بَثْرَةً) بسكون المُثلَّثة، وقد تُفتَح: خُراجًا (٢) صغيرًا في وجهه (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ) فحكَّه بين أصبعيه وصلَّى (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فخرج منها دمٌ» وفي أخرى لهم: «الدَّم فلم» وفي أخرى لابن عساكر: «دمٌ ولم» وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. (وَبَزَقَ) بالزَّاي، ويجوز بالسِّين كالصَّاد (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبدُ الله، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، وهو آخر من مات مِنَ الصَّحابة بالكوفة سنة سبعٍ وثمانين، وقد كُفَّ بصره قبل (٣)، وقد رآه أبو حنيفة ﵁ وعمره سبع سنين (دَمًا) وهو يصلِّي (فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عطاءِ بن السَّائب بإسنادٍ صحيحٍ؛ لأنَّ سفيان سمع من عطاءٍ قبل اختلاطه. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (وَالحَسَنُ) البصريُّ (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ) وفي رواية الأربعة: «فيمنِ احتجم»: (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) لا الوضوء، و «المحاجم»: جمع مَحجمةٍ، بفتح الميم، موضع الحجامة، وقد وصل أثرَ ابن عمر الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة بلفظ: «كان إذا احتجم غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة (٤) أيضًا بلفظ: إنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجل يحتجم ماذا عليه؟ قال: «يغسل أثر محاجمه»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ليس عليه غسل محاجمه» بإسقاط «إِلَّا»، وهو الذي ذكره الإسماعيليُّ، وقال ابن بطَّالٍ: ثبتت في رواية المُستملي دون رفيقيه. انتهى. وكذا هي ثابتةٌ في فرع «اليونينيَّة» عنه وعنِ الهرويِّ، وقال

стр. 962

ابن حجرٍ: وهي في نسختي ثابتةٌ من رواية أبي ذَرٍّ عنِ الثَّلاثة. ١٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، واسمه: هشامٌ (١) قال: (حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «عن سعيدٍ المَقبُريِّ» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (٢) (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ : لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي) ثواب (صَلَاةٍ) لا حقيقتها، وإلَّا لامتنع عليه الكلام ونحوه (مَا كَانَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما دام» (فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ) أي: ما لم يأتِ بالحدث، و «ما»: مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، أي: مدَّة دوام عدم الحدث، وهو يعمُّ ما خرج من السَّبيلين وغيره، ونكَّر «الصَّلاة» في قوله: «في صلاةٍ» ليشمل انتظار كلِّ واحدةٍ منها (فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ) لا يفصح كلامه ولا يبينه (٣) وإن كان عربيًّا: (مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ، يَعْنِي: الضَّرْطَةَ) ونحوها، وفي رواية أبي داود وغيره: «لا وضوءَ إلَّا من صوتٍ أو ريحٍ»، فكأنَّه قال: لا وضوء إلَّا من ضراطٍ أو فساء، وإنَّما خصَّهما بالذِّكر دون ما هو أشدُّ منهما لكونهما لا يخرج من المرء غالبًا في المسجد غيرهما، فالظَّاهر أنَّ السُّؤال وقع عنِ الحدث الخاصِّ، وهو المعهود وقوعه غالبًا في الصَّلاة. وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، ورجاله كلُّهم مدنيُّون إلَّا آدم، مع أنَّه دخل المدينة، وفيه: التَّحديث والعنعنة.

стр. 963

١٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) وفي رواية ابن عساكر: «سفيان بن عُيَيْنَةَ» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بتشديد المُوحَّدة بعد العين المفتوحة (١)، الأنصاريِّ (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيدٍ المازنيِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٢) (قَالَ: لَا يَنْصَرِفْ) أي: المصلِّي عن صلاته (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) وفي روايةٍ: «لا ينفتل (٣)» وهي بمعنى: لا ينصرف، أورده هنا مُختَصرًا، اقتصر منه على الجواب، وسبق تامًّا في «باب لا يتوضَّأ من الشَّكِّ حتَّى يستيقن» [خ¦١٣٧] من طريق عليِّ ابن المدينيِّ (٤)، حدَّثنا سفيان قال: حدَّثنا الزُّهريُّ عن سعيد بن المُسَيَّب وعن عبَّاد بن تميمٍ (٥)، ولفظه عن عمِّه: أنَّه شكى إلى النَّبيِّ ﷺ الرَّجل الذي يُخيَّل إليه أنَّه يجد الشَّيء في الصَّلاة، فقال: «لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته أئمَّةٌ أجلَّاءُ، ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦١٣٧] أيضًا، وفي «البيوع» [خ¦٢٠٥٦]، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، كلُّهم في «الطَّهارة».

стр. 964

١٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) أي: ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ) بالمُثلَّثة (عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالبٍ -أبوه- ﵁: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) -بالمُعجَمَة والهمزة والنَّصب- خبر «كان» وهو على وزن «فَعَّالٍ» بالتَّشديد، أي: كثيره (فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) عن حكمه (فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ ابْنَ الأَسْوَدِ) مجازًا، إذ أبوه في الحقيقة ثعلبة البهرانيُّ (١)، ونُسِب إلى الأسود لأنَّه تبنَّاه أو حالفه أو لغير ذلك، أن يسأله ﵊ عن ذلك (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) ﷺ : يجب (فِيهِ الوُضُوءُ) لا الغسل. (وَرَوَاهُ) وفي رواية ابن عساكر: «رواه» بإسقاط «الواو» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران عن منذرٍ … إلى آخره، والحديث سبق في أواخر (٢) «كتاب العلم» [خ¦١٣٢] ويأتي إن شاء الله تعالى في «باب غسل المذيِ» من «كتاب الغُسل» [خ¦٢٦٩] وأورده هنا لدلالته على إيجاب الوضوء من المذي، وهو خارجٌ من أحد المخرجين (٣).

стр. 965

١٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، أبو محمَّدٍ الطَّلحيُّ -بالمُهمَلَتين- الكوفيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ، أبو معاوية (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ البصريُّ التَّابعيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن (٢) عوفٍ التَّابعيِّ: (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلَة، المدنيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) المدنيَّ الصَّحابيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ﵁ (قُلْتُ) بتاء المتكلِّم على سبيل الالتفات من الغيبة للمتكلِّم لقصد حكاية لفظِهِ بعينه، وإلَّا فكان أسلوب الكلام أن يقول: قال: (أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ) الرَّجل امرأته أو أَمَتَه (فَلَمْ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «ولم» (يُمْنِ) بضمِّ الياء وسكون الميم، وقد يُفتَح الأوَّل، وقد يُضَمُّ مع فتح الميم وتشديد النون، يتوضَّأ؟ (قَالَ عُثْمَانُ) ﵁: (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) أي: الوضوء الشَّرعيَّ لا الوضوء اللَّغويَّ، وإنَّما أمره بالوضوء احتياطًا لأنَّ الغالب خروج المذيِ من المُجامع وإن لم يشعر به (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) لتنجُّسه بالمذي، وهل يغسل جميعه أو بعضه المتنجِّس؟ قال الإمام الشَّافعيُّ بالثَّاني، وقال (٣) مالكٌ بالأوَّل، فإن قلت: غسل الذَّكر متقدِّمٌ على (٤) الوضوء، فَلِمَ أخَّره؟ أُجِيب بأنَّ الواوَ لا تدلُّ على التَّرتيب، بل على مُطلَق الجمع، فلا فرق بين أن يغسل الذَّكر قبل الوضوء أو بعده على وجهٍ لا ينتقض الوضوء معه (قَالَ عُثْمَانُ) ﵁: (سَمِعْتُهُ) أي: ما ذكر جميعه (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال زيدٌ: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا) أي: ابن أبي طالبٍ ﵁ (وَالزُّبَيْرَ) بن العوَّام (وَطَلْحَةَ) بن عبيد الله (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) ﵃ (فَأَمَرُوهُ) أي: المُجامع (بِذَلِكَ) أي: بأن يتوضَّأ، والضَّمير

стр. 966

المرفوع للصَّحابة، والمنصوب للْمُجامع، كما هو مأخوذٌ من دلالة التَّضمُّن في قوله: «إذا جامع». وفي هذا الحديث: وجوب الوضوء على من جامع ولم يُنزِل، لا الغُسل، لكنَّه منسوخٌ كما سيأتي -إن شاء الله- قريبًا، وقدِ انعقد الإجماع على وجوب الغُسْل بعد أن كان في الصَّحابة من لا يوجب الغُسْل إلَّا بالإنزال كعثمانَ بنِ عفَّانَ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، والزُّبير بن العوَّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وابن مسعودٍ، ورافعِ بن خديجٍ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وابن عبَّاسٍ، وزيد بن ثابتٍ، وعطاءِ بن أبي رباحٍ، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظَّاهر، فإن قلت: إذا كان الحديث منسوخًا فكيف يصحُّ استدلال المصنِّف به؟ أُجِيب بأنَّ المنسوخ منه عدم وجوب الغُسل لا عدم الوضوء، فحكمه باقٍ، والحكمة في الأمر به قبل أن يجب الغسل أيضًا: إمَّا لكون الجماع مظنَّة خروج المذي، أو لمُلامَسَته الموطوءة، فدلالته على التَّرجمة من (١) هذه الجزئيَّة، وهي وجوب الوضوء من الخارج المُعتاد، لا على الجزء الأخير وهو عدم الوجوب في غير المنسوخ، ولا يلزم أن يدلَّ كلُّ حديثٍ في الباب على كلِّ التَّرجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض. ورجال هذا الحديث أحدَ عَشَرَ رجلًا، ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيهم ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين، وصحابيَّان يروي أحدهما عن الآخر، والتَّحديث والعنعنة والإخبار والسُّؤال والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا (٢) في «الطَّهارة» [خ¦٢٩٢]، وكذا مسلمٌ.

стр. 967

١٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ بالإفراد (١): (إِسْحَاقُ هو ابن منصورٍ) وفي رواية كريمة بإسقاط قوله: «هو ابن منصورٍ» وفي رواية أبي ذَرٍّ: «إسحاق بن منصورٍ» أي: ابن بَهرام -بفتح المُوحَّدة- الكوسج، كما عند أبي نُعيمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النُّون وسكون المُعجَمَة، ابن شُميلٍ، بضمِّ المُعجَمَة، أبو الحسن المازنيُّ البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتح المُهمَلَة والكاف، ابن عُتَيْبَةَ، مُصغَّر عَتَبَةِ البابِ (عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ) الزَّيَّات المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) بالدَّال المُهمَلَة، سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عِتْبان، بكسر العَيْن المُهمَلَة وسكون التَّاء (٢) المُثنَّاة الفوقيَّة ومُوحَّدةٍ ثمَّ نونٍ بينهما ألفٌ، ابن مالكٍ الأنصاريُّ كما في «مسلمٍ»، أو صالحٌ الأنصاريُّ فيما ذكره عبد الغنيِّ بن سعيدٍ، أو رافعُ بن خَدِيجٍ كما حكاه ابن بشكوال، ورجَّح في «الفتح» الأوَّل، ولـ «مسلمٍ»: مرَّ على رجلٍ، فيُحمَل على أنَّه مرَّ به، فأرسل إليه (فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ) جملةٌ وقعت حالًا من ضمير «جاء» أي: ينزل منه الماء قطرةً قطرةً من أثر الاغتسال، وإسناد «القطر» إلى «الرَّأس» مجازٌ، كسال الوادي (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (لَعَلَّنَا) قد (أَعْجَلْنَاكَ) عن فراغ حاجتك من الجماع (فَقَالَ) الرَّجل، وفي رواية ابن عساكر: «قال مقرِّرًا له»: (نَعَمْ) أعجلتني (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أُعْجِلْتَ) بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ (٣) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عُجِلْت» بضمِّ العين وكسر الجيم الخفيفة، من غير همزٍ، وفي روايةٍ: «عُجِّلْتُ» كذلك مع التَّشديد (أَوْ قُحِطْتَ) بضمِّ القاف وكسر الحاء من غير همزٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: «أو أَقحَطت» بفتح الهمزة والحاء، وكذا لـ «مسلمٍ»، وفي روايةٍ: «أُقحِطت (٤)» بضمِّ الهمزة وكسر الحاء، أي: لم تُنزِل، استعارةٌ من قحوط المطر وهو انحباسه (فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: الجارُّ والمجرور، وبالنَّصب على الإغراء أو المفعول

стр. 968

به (١) لأنَّه اسم فعلٍ، و «أو» في قوله: «أو قُحِطْتَ» للشَّكِّ من الرَّاوي، أو لتنويع الحكم (٢) من الرَّسول ﵊، أي: سواءٌ كان عدم الإنزال بأمرٍ خارجٍ عن ذات الشَّخص أو من ذاته، لا فرقَ بينهما في إيجاب الوضوء لا الغُسل، لكنَّه منسوخٌ، وقد أجمعتِ (٣) الأمَّة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزالٌ (٤)، وهو مرويٌّ عن عائشة أمِّ المؤمنين، وأبي بكر الصِّدِّيق، وعمر بن الخطَّاب، وابن عمر، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعود، وابن عبَّاسٍ والمهاجرين أجمعين، وبه قال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأبو حنيفة وأحمد (٥) وأصحابهم، وبعض أصحاب الظَّاهر، والنَّخعيُّ والثَّوريُّ. وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا ابن ماجه. (تَابَعَهُ) أي: تابع النَّضرَ بن شميلٍ (وَهْبٌ) أي: ابن جرير بن حازمٍ فيما وصله أبو العبَّاس السَّرَّاج في «مُسنَده» عن زياد بن أيُّوب عنه (٦) (قَالَ) أي: وَهْبٌ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) وفي رواية ابن عساكر (٧): «عن شعبةَ» (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ (وَلَمْ يَقُلْ) كذا لكريمة وابن عساكر، ولغيرهما بإسقاط: «قال أبو عبد الله: إنَّما قال: ولم يقل» (غُنْدَرٌ) واسمه: محمَّد بن جعفرٍ (وَيَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان في روايتهما هذا الحديث (عَنْ شُعْبَةَ) بهذا الإسناد والمتن (الوُضُوءُ) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: أي: لم يقولا لفظ: «الوضوء»، بل قالا: «فعليك» فقط، بحذف المُبتَدأ للقرينة المسوِّغة للحذف، والمُقدَّر عند القرينة كالملفوظ، وقال ابن حجرٍ: فأمَّا يحيى

стр. 969

فهو كما قاله (١)، قد أخرجه أحمدُ (٢) ابنُ حنبلٍ في «مُسنَده» عنه، ولفظه (٣): «فليس عليك غُسلٌ»، وأمَّا غندر فقد أخرجه أحمد أيضًا عنه، ولفظه: «فلا غسل عليك، وعليك الوضوء»، وهكذا أخرجه مسلمٌ (٤) وابن ماجه والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ عنه، وكذا ذكره أصحاب شعبة، كأبي داود الطَّيالسيِّ وغيره عنه، فكأنَّ بعض مشايخ البخاريِّ حدَّثه به عن يحيى وغُنْدُرٍ معًا، فساقه له (٥) على (٦) لفظ يحيى. انتهى. (٣٥) (بابُ) ما (٧) حكم (الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ). ١٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية الأربعة (٨): «حَدَّثَنِي» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف على الصَّحيح، ولكريمةَ: «حدَّثنا ابن سلامٍ»: (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السُّلميُّ

стр. 970

مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ (١)، أحد الأعلام (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ التَّابعيِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الأسديِّ المدنيِّ التَّابعيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) التَّابعيِّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ) أي: رجع أو دفع (مِنْ) موقف (عَرَفَةَ عَدَلَ) أي: توجَّه (إِلَى الشِّعْبِ) بكسر الشِّين: الطَّريق في الجبل (فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ) أي: ابن زيدٍ كما صرَّح به في رواية أبي الوقت (٢): (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ) الوضوء (وَ) هو (يَتَوَضَّأُ) مُبتدَأٌ وخبرٌ، أو نصبٌ على الحال، أي: والحال (٣) أنَّه يتوضَّأ، ويجوز وقوع الفعل المضارع المُثبَت حالًا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ) بفاء العطف، وفي رواية الأربعة (٤): «قال ﷺ »: (المُصَلَّى) بفتح اللَّام، أي: مكان المُصلَّى (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة والميمَين، ظرفٌ بمعنى: قدَّامك. وفي هذا الحديث: جواز الاستعانة في الوضوء بالصَّبِّ (٥)، وبه استدلَّ المؤلِّف للتَّرجمة، ولم يذكر جوازًا ولا غيره، ويُقاس على الاستعانة بالصَّبِّ الاستعانةُ بالغسل والإحضار للماء، بجامع الإعانة، فأمَّا الصَّبُّ فهو خلاف الأَوْلى لأنَّه ترفُّهٌ لا يليق بالمتعبِّد، وعُورِض بأنَّه إذا فعله الشَّارع لا يكون خلاف الأولى، وأُجِيب بأنَّه قد يفعله لبيان الجواز، فلا يكون في حقِّه خلاف الأَوْلى بخلافنا، وقِيلَ: مكروهٌ، وأمَّا الاستعانة في غسل الأعضاء فمكروهةٌ قطعًا

стр. 971

إلَّا لحاجةٍ، وأمَّا في (١) إحضار الماء فلا كراهة فيها أصلًا. قال ابن حجرٍ: لكنَّ الأفضلَ خلافُه، وقال الجلال المحليُّ: ولا يُقال: إنَّها خلاف الأَوْلى، وأمَّا الحديث المرفوع: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحدٍ»، وأنَّه قاله ﵊ لعمر وقد بادر لصبِّ (٢) الماء عليه، فقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: إنَّه حديثٌ باطلٌ لا أصل له. وهذا الحديث من سداسيَّاته، ورواته ما بين بِيكَنْدِيٍّ وواسطيٍّ ومَدَنيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦١٣٩] و «الحجِّ» [خ¦١٦٦٧]، ومسلمٌ فيه أيضًا. ١٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح عين «عَمْرٍو» وسكون ميمه، الفلَّاس البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) بكسر العَيْن، الأنصاريَّ التَّابعيَّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعْدُ) بسكون العَيْن (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ التَّابعيُّ (أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) القرشيَّ النَّوفليَّ المدنيَّ التَّابعيَّ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنِ المُغِيرَةِ) بضمِّ الميم، أبيه (بْنِ شُعْبَةَ) بن مسعودٍ الثَّقفيِّ الصَّحابيِّ الكوفيِّ، أسلم قبل الحديبية، ووُلِّي إمرة الكوفة، تُوفِّي سنة خمسين على الصَّحيح، له في «البخاريِّ» أحد عشر حديثًا (أَنَّهُ) أي: المغيرة (كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ) ﵊ (ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ) وأدَّى عروة معنى كلام أبيه بعبارة

стр. 972

نفسه، وإلَّا فكان السِّياق يقتضي أن يقول: «قال أبي: كنت (١)»، وكذا قوله: (وَأَنَّ مُغِيرَةَ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «وأنَّ المغيرة» (جَعَلَ) أي: طفق (يَصُبُّ المَاءَ عَلَيْهِ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «جعل (٢) يصبُّ عليه» بلفظ المضارع لحكاية الحال الماضية (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ) جملةٌ اسميَّةٌ، وقعت حالًا (فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ) أتى بـ «غَسَلَ» ماضيًا على الأصل (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) بباء الإلصاق (وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ) أعاد لفظ: «مسح» دون «غسل» لبيان تأسيس قاعدة المسح، بخلاف الغسل فإنَّه تكريرُ السَّابق. وهذا الحديث من سباعيَّاته، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: أربعةٌ مِنَ التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ، والتَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة. (٣٦) (بابُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ) العظيم (بَعْدَ الحَدَثِ) الأصغر (وَغَيْرِهِ) أي: غير قراءة القرآن ككتابة

стр. 973

القرآن، وهذا شاملٌ للقوليِّ والفعليِّ، وتمثيل الكِرمانيِّ بالذِّكر والسَّلام ونحوهما لا وجه له لأنَّه إذا جاز للمُحْدِث قراءة القرآن فالسَّلام والذِّكر ونحوهما بطريق الأَوْلى، وقول الحافظ ابن حجرٍ: قوله: وغيره من مظانِّ الحدث، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الضَّمير لا يعود إِلَّا على (١) مذكورٍ لفظًا أو تقديرًا بدلالة القرينة اللَّفظية أوِ الحاليَّة، وبأنَّ مظنَّة الحدث على نوعين مثل الحدث، والآخر ليس مثله، فإن أراد الأوَّل فهو داخلٌ في قوله: «بعد الحدث»، أوِ الثَّاني فهو خارجٌ عنه، وحينئذٍ فلا وجه لِما قاله على ما لا يخفى. انتهى. (وَقَالَ مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر السُّلميُّ الكوفيُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ الكوفيِّ الفقيه، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ عن أبي عَوانة: (لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ) للقرآن (فِي الحَمَّامِ) خصَّه بالذِّكر (٢) لأنَّ القارئ فيه يكون محدثًا في الغالب، ونقل النَّوويُّ في «الأذكار»: عدم الكراهة عن الأصحاب، ورجَّحه السُّبكيُّ. نعم، في «شرح الكفاية» للصَّيمريِّ: لا ينبغي أن يقرأ، وسوَّى الحَلِيميُّ بينه وبين القرآن حال قضاء الحاجة، وعن أبي حنيفة: الكراهة لأنَّ حكمه حكم بيت الخلاء، والماء

стр. 974

المُستعمَل في الحمَّام نجسٌ، وعن محمَّد بن الحسن: عدم الكراهة لطهارة الماء عنده. (وَ) لا بأس (بِكَتْبِ الرِّسَالَةِ) بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ وكافٍ مفتوحةٍ، عطفًا على قوله: «بالقراءة» (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) مع كون الغالب تصدير الرَّسائل بالبسملة، وقد يكون فيها ذكرٌ أو قرآنٌ، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «كتبِ» لا «بالقراءة في الحمَّام»، كذا قال البرماويُّ والحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا نسلِّم ذلك، فإنَّ قوله: و «بكتبِ الرِّسالة» -على الوجهين- متعلِّقٌ بالقراءة، وقوله: «على غير وضوءٍ» متعلِّقٌ (١) بالمعطوف والمعطوف عليه لأنَّهما كشيءٍ واحدٍ، وهذا الأثر رواه عبد الرَّزَّاق موصولًا عنِ الثَّوريِّ عن منصورٍ، ولفظه: «قال: سألت إبراهيم: أأكتب (٢) الرِّسالة على غير وضوءٍ؟ قال: نعم» وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ويُكتب» بلفظ مضارع «كتب» وهي رواية الأكثر، والأولى -وهي رواية كريمة، قال العينيُّ-: أوجه (وَقَالَ حَمَّادٌ) أي: ابن سليمان، شيخ أبي حنيفة وفقيه الكوفة: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ ممَّا وصله الثَّوريُّ في «جامعه» عنه: (إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ) أي: على الذين داخل الحمَّام للتَّطهير (إِزَارٌ) اسمٌ لما يُلبَس في النِّصف الأسفل (فَسَلِّمْ) زاد في رواية الأَصيليِّ: «عليهم» وتفسير ابن حجرٍ قوله: «إن كان عليهم» بمَنْ في الحمَّام، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه عامٌّ يشمل القاعد بثيابه في المسلخ، وهو لا خلاف فيه، وأُجيب بأنَّ المسلخ وإن أُطلِق عليه اسم الحمَّام فمجازٌ، والحمَّام في الحقيقة: ما فيه الماء الحميم، والأصل استعمال الحقيقة دون المجاز (وَإِلَّا) بأن لم يكن عليهم إزارٌ (فَلَا تُسَلِّمْ) عليهم إهانةً لهم لكونهم على بدعةٍ، أو لكون السَّلام عليهم يستدعي تلفُّظهم بردِّ السَّلام الذي هو من أسمائه تعالى، مع أنَّ لفظ: «سلامٌ

стр. 975

عليكم» مِنَ التَّنزيل [الأنعام: ٥٤] والمتعرِّي عن الإزار يشبه من في الخلاء، وبهذا التَّقرير (١) يتوجَّه ذكر هذا الأثر في هذه التَّرجمة، وقد روى مسلمٌ من حديث ابن عمر كراهة ذكر الله بعد الحدث، لكنَّه ليس على شرط المؤلِّف. ١٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، إمام دار الهجرة (مَالِكٌ) وهو خال إسماعيل هذا (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة وفتح الرَّاء، الوالبيِّ (٢) المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ خَالَتُهُ) ﵂ (فَاضْطَجَعْتُ) أي: وضعت جنبي بالأرض، وكان أسلوب الكلام أن يقول: «اضطجع» مناسبةً لقوله: «بات»، أو يقول: «بتُّ» مناسبةً لقوله: «اضطجعت»، لكنَّه سلك مسلك التَّفنُّن الذي هو نوعٌ من الالتفات، أو يُقدَّر: «قال: فاضطجعت» (فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ) بفتح العَيْن كما في الفرع وهو المشهور، وقال النَّوويُّ: هو الصَّحيح، وبالضَّمِّ كما

стр. 976

حكاه البرماويُّ والعينيُّ وابن حجرٍ، وأنكره أبو الوليد الباجيُّ نقلًا ومعنًى؛ لأنَّ العُرض: -بالضَّمِّ- الجانب، وهو لفظٌ مُشترَكٌ، وأُجيب بأنَّه لمَّا قال: «في طولها» تعيَّن المُراد، وقد صحَّت به الرِّواية عن جماعةٍ منهمُ: الدَّاوديُّ والأَصيليُّ، فلا وجه لإنكاره (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ): زوجته أمُّ المؤمنين ميمونة (فِي طُولِهَا) أي: الوسادة (فَنَامَ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ) كذا للأَصيليِّ (٢)، ولغيره: «حتَّى إذا انتصف» (اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ) أي: قبل انتصافه (بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ) بعد انتصافه (بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إن جُعِلت «إذا» ظرفيَّةً فـ «قبله» ظرفٌ لـ «استيقظ» أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جُعِلتْ شرطيَّةً فمتعلِّقٌ بفعلٍ مُقدَّرٍ، و «استيقظ»: جواب الشَّرط، أي: حتَّى إذا انتصف اللَّيل أو كان قبل الانتصاف استيقظ (فَجَلَسَ) حال كونه (يَمْسَحُ (٣) النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (بِيَدِهِ) بالإفراد، أي: يمسح بيده (٤) عينيه، من باب إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ؛ لأنَّ المسح لا يقع إلَّا على العَيْن، والنَّوم لا يُمسَح، أوِ المُراد: مسح أثر النَّوم، من باب إطلاق السَّبب على المُسبَّب، قاله ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ أثر النَّوم مِنَ النَّوم لأنَّه (٥) نفسه، وأُجِيب بأنَّ الأثر غير المؤثِّر، فالمُراد هنا: ارتخاء الجفون من النَّوم ونحوه (ثُمَّ قَرَأَ) رسول الله ﷺ (العَشْرَ الآيَاتِ) من إضافة الصِّفة للموصوف، واللَّام تدخل (٦) في

стр. 977

العدد المُضاف، نحو: الثَّلاثة الأثواب (الخَوَاتِيمَ (١) مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) التي أوَّلها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السُّورة، و «الخواتيمَ» (٢): نصب صفةٍ لـ «عشرَ» المنصوب بـ «قرأ» (ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) بفتح الشِّين المُعجَمَة وتشديد النُّون، القِرْبة الخَلِقة من أدمٍ، وجمعه: شِنانٌ، بكسر أوَّله، وذكَّره باعتبار لفظه، أوِ الأدم أوِ الجلد، وأَنَّث الوصف باعتبار القربة (فَتَوَضَّأَ) ﵊ (مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) أي: أتمَّه بأن أتى بمندوباته، ولا يعارض هذا قوله في «باب تخفيف الوضوء»: «وضوءًا خفيفًا» [خ¦١٣٨] لأنَّه يحتمل أن يكون أتى بجميع مندوباته مع التَّخفيف، أو كان كلٌّ منهما في وقتٍ (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) ﷺ (ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) الأيسر (فَوَضَعَ) ﷺ (يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي) أي: فأدارني على يمينه (وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى) بضمِّ الهمزة والمُعجَمَة، حال كونه (يَفْتِلُهَا) أي: يَدْلُكُها تنبيهًا عن الغفلة عن أدب الائتمام، وهو القيام على يمين الإمام إذا كان الإمام وحده، أو تأنيسًا له لكون ذلك كان ليلًا (فَصَلَّى) ﵊ (رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) المجموع اثنتا عشرة، وهو تقييدٌ للمُطلَق (٣) في قوله في «باب التَّخفيف»: «فصلَّى ما شاء الله» [خ¦١٣٨] (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ أو بثلاثٍ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى (ثُمَّ اضْطَجَعَ) ﵊ (حَتَّى (٤) أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ

стр. 978

فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بأصحابه ﵃. قِيلَ: ويُؤخَذ من قراءته ﵊ العشر الآيات المذكورة بعد قيامه مِنَ النَّوم قبل أن يتوضَّأ جوازُ قراءة القرآن للمحدث، وعُورِض بأنَّه ﵊ تنام عينه ولا ينام قلبه، فلا ينتقض وضوءه به، وأمَّا وضوءه فللتَّجديد، أو لحدثٍ آخر، وأُجيب بأنَّ الأصل عدم التَّجديد وغيره، وعُورِض بأنَّ هذا عند قيام الدَّليل على ذلك، وههنا قام الدَّليل بأنَّ وضوءه لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله: «تنام عينايَ ولا ينام قلبي» وحينئذٍ يكون تجديد وضوئه لأجل طلب (١) زيادة النُّور؛ حيث قال: «الوضوء على الوضوء (٢) نورٌ على نورٍ»، فإن قلت: ما وجه المُناسَبَة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجِيب: من جهة أنَّ مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو عنِ المُلامَسة غالبًا، وعُورِض بأنَّه ﷺ «كان يقبِّل بعض أزواجه ثمَّ يصلِّي ولا يتوضَّأ» رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وأُجيب بأنَّ المذهبَ الجزمُ بانتقاضه به، كما قاله الأستاذ النَّوويُّ ﵀ ورضي عنه، ولم يُرِدِ المؤلِّفُ أنَّ مُجرَّد نومه ينقض لأنَّ في آخر هذا (٣) الحديث عنده (٤) في «باب التَّخفيف في الوضوء» [خ¦١٣٨]: «ثمَّ اضطجع فنام حتَّى نفخ، ثمَّ صلَّى»، ويحتمل أن يكون المؤلِّف احتجَّ بفعل ابن عبَّاسٍ المُعبَّر عنه بقوله: «فصنعت مثل ما صنع» (٥) بحضرته ﷺ . واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التَّهجُّد، وقراءة العشر الآيات عند الانتباه مِنَ النَّوم، وأنَّ صلاة اللَّيل مَثْنى. وهو من خماسيَّاته، ورجاله مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد والجمع والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٨٥٩] وفي «الوتر» [خ¦٩٩٢] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٧٠]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود، وأخرجه ابن ماجه في «الطَّهارة».

стр. 979

(٣٧) هذا (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنَ الغَشْي المُثْقِلِ) لا من الغشيِ غير المُثقِل، وليس المُراد من توضَّأ من الغشيِ المُثقِل لا من سببٍ آخر من أسباب الحدث، و «الغَشْي» بفتح الغَيْن وسكون الشِّين المُعجَمَتين: ضربٌ من الإغماء، إلَّا أنَّه أخفُّ منه، و «المُثقِل» بضمِّ الميم وكسر القاف: صفةٌ للغشيِ. ١٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر (١): «حدَّثنا» (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير بنِ العوَّام القرشيِّ

стр. 980

(عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بنِ الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق، وهي زوجة الزُّبير بنِ العوَّام، وفي بعض النُّسخ: «عن جدَّته» بتذكير الضَّمير، وهو صحيحٌ؛ لأنَّ أسماء جدَّةٌ لهشامٍ ولفاطمة (١) كليهما لأنَّها أمُّ أبيه عروة، كما أنَّها أمُّ المنذر أبي فاطمة (أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (٢)، أي: ذهب ضوؤها كلُّه أو بعضه (فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ) أي: عائشة ﵂ (قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ) عائشة (بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقالت»: (سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة برأسها (أَنْ) ولكريمة: «أي» (نَعَمْ) وهي الرِّواية المتقدِّمة في «باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد و (٣) الرَّأس» [خ¦٨٦] وهما حرفا تفسيرٍ، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي) بالجيم، أي: غطَّاني (الغَشْيُ) من طول تعب الوقوف (وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً) مُدافَعةً للغشي، وهذا يدلُّ على أنَّ حواسَّها كانت مدركةً، وإِلَّا فالإغماء الشَّديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مِنَ الصَّلاة، أو من المسجد (٤) (حَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) من باب عطف العامِّ على الخاصِّ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (مَا مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء (كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) رؤية عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم (حَتَّى الجَنَّةَُِ وَالنَّارَُِ) برفعهما ونصبهما وجرِّهما، وتقدَّم توجيهها مع استشكال البدرِ الدَّمامينيِّ وجهَ الجرِّ، فليُراجَع (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ) وفي رواية الأَصيليِّ: «في قبوركم» (مِثْلَ) فتنة المسيح

стр. 981

الدَّجَّال (أَوْ قَرِيبًا) وفي رواية الأربعة: «قريبَ» (١) (مِنْ فِتْنَةِ) المسيح (الدَّجَّالِ. لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) ﵂ (يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: النَّبيّ ﷺ (فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ) بنبوَّته ﷺ ، قالت فاطمة بنت المنذر: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ) المؤمن أو الموقن (قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) الدَّالَّة على نبوَّته (وَالهُدَى) أي: الموصل للمُراد (فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا) بحذف ضمير المفعول في الثَّلاثة (فَيُقَالُ: نَمْ) وفي رواية الحَمُّويي والأَصيليِّ: «فيُقال له: نَمْ» حال كونك (صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا (٢)) به (٣)، وفي همزة «إِنْ»: الكسر، والفتح ورجَّحه البدر الدَّمامينيُّ، بل قال: إنَّه المتعيّن كما سبق تقريره في «باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس» من «كتاب العلم» [خ¦٨٦] (وَأَمَّا المُنَافِقُ) غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته (٤) ﵊ (أَوِ المُرْتَابُ) الشَّاكُّ، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) ﵂ (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) ومحلُّ استدلال المؤلِّف للتَّرجمة من هذا الحديث فعلُ أسماءَ، من جهة أنَّها كانت تصلِّي خلف النَّبيِّ ﷺ ، فكان يرى الذين خلفه وهو في الصَّلاة، ولم يُنقَل أنَّه أنكر عليها، وقد تقدَّم شيءٌ من مباحث هذا الحديث في «باب العلم» [خ¦٨٦] ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب صلاة الخسوف» [خ¦١٠٥٣]. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه رواية الأقران: هشامٍ وزوجته فاطمة، وفيه: التَّحديث

стр. 982

بالإفراد والجمع والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦٨٦] و «الطَّهارة» [خ¦٩٢٢] و «الكسوف» [خ¦١٠٥٣] و «الاعتصام» و «الاجتهاد» [خ¦٧٢٨٧] و «السَّهو» [خ¦١٢٣٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة». (٣٨) (باب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ) في الوضوء، وفي رواية المُستملي: الاقتصار على «مسح الرَّأس»، وإسقاط لفظ: «كلِّه» (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وفي رواية ابن عساكر: « » وفي رواية الأَصيليِّ: « »: (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]) أي: امسحوا رؤوسكم كلَّها، فـ «الباء» زائدةٌ عند المؤلِّف كمالكٍ (وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّب) سعيدٌ: (المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، ولفظه: «المرأة والرِّجال (١) في المسح سواء»، وعن أحمد: يكفي المرأة مسح مُقدَّم رأسها (وَسُئِلَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم، والسَّائل له: إسحاق بن عيسى ابن (٢) الطَّبَّاع، كما عند ابن خزيمة في «صحيحه» (٣): (أَيُجْزِئُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الإجزاء وهو الأداء الكافي لسقوط التَّعبُّد به، وبفتح الياء (٤) من جزى يجزي، أي: يكفي (٥)، والهمزة فيه للاستفهام (أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ) وفي رواية ابن عساكر: «ببعض» (الرَّأْسِ؟) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ

стр. 983

والوقت والأَصيليِّ: «رأسه» (فَاحْتَجَّ) (١) أي: مالكٌ على أنَّه لا يجزي (بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) هذا الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٨٥]. ١٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ (٢): «حدَّثنا» (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمَارة، بضمِّ العَيْن وتخفيف الميم (المَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن (أَنَّ رَجُلًا) هو عمرو بن أبي حسنٍ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الحديث الآتي من طريق وُهَيبٍ [خ¦١٨٦] (قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ (وَهُوَ) أي: الرَّجل المُفسَّر بعمرو بن أبي حسنٍ (جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) المازنيِّ المذكور مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّه عمُّ أبيه، وإنَّما أطلق عليه الجدودة لكونه في منزلته: (أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي) أي: هل تستطيع الإراءة إيَّايَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟) كأنَّه أراد أن يريَه بالفعل ليكون أبلغ في التَّعليم (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: الأنصاريُّ: (نَعَمْ) أستطيع أن أُرِيَك (فَدَعَا بِمَاءٍ) عقب قوله ذلك (فَأَفْرَغَ) أي: صبَّ من الماء (عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وفي رواية الأربعة: «على يده» بالإفراد على إرادة الجنس (فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ) وفي رواية الأربعة: «فغسل يده (٣) مرَّتين» كذا في رواية مالكٍ، وعند غيره من الحفَّاظ: «ثلاثًا» فهي مُقدَّمةٌ على رواية الحافظ الواحد، لا يُقال: إنَّهما واقعتان لاتِّحاد مخرجهما، والأصل عدم التَّعدُّد لأنَّ في

стр. 984

رواية مسلمٍ من طريق حَبَّان بن واسعٍ عن عبد الله بن زيدٍ: أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، وفيه: «وغسل يده اليُمنى ثلاثًا (١)، ثمَّ الأخرى ثلاثًا» فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخرُ لكون (٢) مخرج الحديثين غير متَّحدٍ (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا) أي: بثلاث غرفاتٍ كما في رواية وُهَيبٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «واستنشق ثلاثًا»، والرِّواية الأولى تستلزم الثَّانية من غير عكسٍ، قاله ابن حجرٍ، وعُورِض بأنَّ ابن (٣) الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في «المضمضة والاستنشاق» [خ¦١٦٤] (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتَّكرار (إِلَى) أي: معَ (المَرْفِقَيْنِ) بالتَّثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأَصيليِّ بكسر الميم وفتح الفاء (٤)، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «إلى المرفق» بالإفراد كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»: «إلى المرفقين» بالتَّثنية للأربعة، وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو (٥) على إرادة الجنس، وهو مفصل

стр. 985

الذِّراع والعضد، وسُمِّي به لأنَّه يرتفق به في الاتِّكاء، ويدخل في غسل اليدين خلافًا لزُفَرَ لأنَّ ﴿إِلَى﴾ في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) بمعنى: «مع» كالحديث (٢) كقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: وأيديَكم مُضافَةً إلى المرافق، قال البيضاويُّ: ولو كان كذلك لم يبقَ معنًى للتَّحديد (٣)، ولا لذكره مزيد فائدةٍ لأنَّ مُطلَق اليد يشتمل عليها، وقِيلَ: ﴿إِلَى﴾ تفيد الغاية مُطلقًا، وأمَّا دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يُعلَم من خارجٍ، ولم يكن في الآية، وكأنَّ الأيديَ متناولةٌ لها، فحُكِم بدخولها احتياطًا، وقِيلَ: ﴿إِلَى﴾ من حيث إنَّها تفيد الغاية تقتضي خروجها، وإلَّا لم تكن (٤) غاية كقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لكن لمَّا لم تتميَّز الغاية ههنا من ذي الغاية وجب دخولها احتياطًا. انتهى. ووقف زُفَرُ مع المُتيَقَّن، وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يحتمل أن تكون (٥) بمعنى الغاية، وبمعنى «مع»، فبيَّنت السُّنَّة أنَّها بمعنى «مع»، وقال الإمام الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجرٍ: فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زاد ابن الطَّبَّاع في روايته: «كلَّه» كما في حديثه المرويِّ عند ابن خزيمة في «صحيحه» (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، ولـ «مسلمٍ»: «مسح رأسه كلَّه وما أقبل وما أدبر وصُدْغَيْه» (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) بفتح الدَّال المُشدَّدة من «بمُقدَّم» بأن وضع يديه عليه، وألصق مُسبِّحته بالأخرى وإبهاميه على صُدْغَيْه (حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب
следующие страницы →