← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

تكريرِ الإقراءِ الإشارة إلى انحصارِ الإيمان الَّذي ينشَأ الوحي بسببهِ في ثلاثٍ: القولُ والعملُ والنيَّة، وأنَّ (١) الوحي يشتملُ على ثلاثةٍ (٢): التَّوحيد والأحكام والقصص، وفي تكريرِ الغطِّ الإشارة إلى الشَّدائد الثَّلاث الَّتي وقعتْ له ﵊؛ وهي الحصرُ في الشِّعب، وخروجهِ في الهجرةِ، وما وقع يوم أُحُد. وفي الإرسالاتِ الثَّلاث إلى حصول التَّيسير له عقب الثَّلاث المذكورة (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) الخلائق (﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾) الجنس (﴿مِنْ عَلَقٍ﴾) جمع: علقة؛ وهي القطعةُ اليسيرةُ من الدَّم الغليظ (﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾) الَّذي لا يوازيهِ كريمٌ، ولا يعادلهُ في الكرمِ نظير (﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾) الخطَّ (﴿بِالْقَلَمِ﴾) قال قتادة: القلمُ نعمةٌ من اللهِ عظيمة (٣)، لولا ذلك؛ لم يقم دينٌ، ولم يصلحْ عيشٌ (﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ﴾) من العلوم والخطِّ والصِّناعات (﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] الآيات) قبل تعليمهِ -وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾» وقال: «الآيات إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾» - وهي خمسُ آياتٍ، وتاليها (٤) إلى آخرها نزل في أبي جهلٍ وضمَّ إليها (فَرَجَعَ بِهَا) أي (٥): بالآيات الخمس أو بسببِ تلكَ (٦) الضَّغطة (٧) (رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ) جمع: بادرة؛ وهي اللَّحمة التي بين الكتفِ والعُنق تضطَّرب عند الفزعِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فؤادهُ» أي (٨): قلبه (حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين للحَمُّويي والمُستملي، من التَّزميل وهو التَّلفيف، وطلب ذلك ليسكِّن ما حصلَ له من الرِّعدة من شدَّة هولِ الأمر وثقله (فَزَمَّلُوهُ) بفتح الميم كما أمرهم (حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) بفتح الراء، أي: الفزعُ (قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَيْ خَدِيجَةُ؛ مَا لِي؟ لَقَدْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «قَدْ» (خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) أن لا أطيقَ حملَ أعباءِ الوحي لما لقيتهُ عند لقاءِ الملك (فَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ. قَالَتْ خَدِيجَةُ) له ﵊:

стр. 9242

(كَلَّا) أي: لا خوف عليكَ (أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا) بالخاء المعجمة والزاي المكسورة، وفي مرسل عُبيد بن عُمير: أبشر يا ابنَ عمِّ واثْبُت، فوالَّذي نفسي بيدهِ إنِّي لأرجو أن تكونَ نبيَّ هذهِ الأمَّة (فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: القرابةَ (وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام، الضَّعيفُ المنقطعُ واليتيم (وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ) بفتح التاء وكسر السين، تعطِي النَّاس ما لا يجدونهُ عند غيركَ (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح أوَّله من الثُّلاثي (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ) حوادثِه. (فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ) مصاحبةً له (حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ) أي: ابن أسدٍ (وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي) ولأبي ذرٍّ: «أخو» (١) (أَبِيهَا) لأنَّه ورقةُ بن نوفلِ بن أسدٍ، وهي خديجةُ بنتُ خويلد بنِ أسد (وَكَانَ) ورقة (امْرَءًا (٢) تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ) أي: كتابتَه؛ وذلك لتمكُّنه في دينِ النَّصارى ومعرفتهِ بكتابهم (وَكَانَ) ورقة (شَيْخًا كَبِيرًا) حال كونه (قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: يَا عَمِّ) ولأبي ذرٍّ: «يا ابنَ عمِّ» (اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) تعني: النَّبيَّ ﷺ ؛ لأنَّ الأب الثَّالث لورقة هو الأخُ للأبِ الرَّابع لرسولِ الله ﷺ ، أي: اسمعْ منه الَّذي يقولهُ. (قَالَ) له ﵊ (وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي؛ مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى (٣). فَقَالَ) له (وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) أي: جبريل (الَّذِي أُنْزِلَ) بضم الهمزة (عَلَى مُوسَى) وفي روايةِ الزُّبير بن بكارٍ (٤): «على عيسى» وقد سبق في «بدءِ الوحي» [خ¦٣] مبحث ذلك (لَيْتَنِي) وفي «بدء الوحي»: يا ليتني؛ بأداة النِّداء [خ¦٣] (فِيهَا) في مدَّة النُّبوَّة أو الدَّعوة (جَذَعًا) بفتح الجيم والمعجمة، أي: ليتني شابٌّ فيها (لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا. ذَكَرَ) ورقةُ بعد ذلك (حَرْفًا) وهي في الرِّوايةِ الأخرى: «إذ يخرجُكَ قومُكَ» أي: من مكَّة (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ) بفتح الواو وتشديد التَّحتية، و «هم» مبتدأ، و «مخرجيَّ» خبره مقدمًا، وقدَّم الهمزة على العاطف؛ لأنَّ الاستفهام له الصَّدر؛ نحو ﴿أَوَلَمْ (٥) يَنظُرُواْ﴾ [الأعراف: ١٨٥]

стр. 9243

والاستفهام للإنكارِ، وبقيَّة المباحث سبقت أوَّل الكتابِ (قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ؛ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ) من الوحي (إِلَّا أُوذِيَ) بضم الهمزة وكسر الذال المعجمة، وفي «بدء الوحي»: إلَّا عُودِيَ [خ¦٣] (وَإِنْ يُدْرِكْنِي) بالجزم بـ «إن» الشَّرطيَّة (يَوْمُكَ) فاعل «يُدْركني» أي: يوم انتشارِ نبوَّتك (حَيًّا أَنْصُرْكَ) بالجزمِ جواب الشَّرط (نَصْرًا مُؤَزَّرًا) قويًّا بليغًا، صفةً لـ «نصرًا» المنصوب على المصدريَّة (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ (١) وَرَقَةُ) لم يلبَث (أَنْ تُوُفي، وَفَتَرَ الوَحْيُ) أي: احتبسَ (فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللهِ) وللحَمُّويي: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) زاد (٢) في «التَّعبير» (٣) من طريق مَعمر، عن الزُّهريِّ فيما بلغنا: حُزْنًا غدا منهُ مِرارًا كي يتردَّى من رؤوسِ شواهقِ الجبالِ، فكلَّما أوفى بذروةِ جبلٍ لكي يلقي منه نفسه تبدَّى له جبريلُ فقال: يا محمَّد، إنَّك رسولُ الله حقًّا، فيسكنُ لذلك جأشهُ وتقرُّ نفسه، فيرجعُ، فإذا طالتْ عليه فترةُ الوحي؛ غدا لمثلِ ذلك، فإذا أوفى بذروةِ جبلٍ تبدَّى له جبريلُ فقال له مثل ذلك [خ¦٦٩٨٢]. وهذه الزِّيادة خاصَّة برواية مَعمر، والقائل فيما بلغنا الزُّهريُّ، وليس موصولًا. نعم، يحتملُ أن يكون بلغهُ بالإسنادِ المذكورِ، وسقط قوله: فيما بلغنا (٤) عند ابنِ مَرْدويه في «تفسيره» من طريق محمَّد بنِ كثير عن مَعمر. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ ﵀: والأوَّل هو المعتمدُ، وقوله: «غدا» -بالغين المعجمة- من الذَّهاب غدوة، أو -بالعين المهملة- من العَدْو؛ وهو الذَّهاب بسرعة، وأمَّا إرادته ﵊ إلقاءَ نفسهِ من رؤوسِ شواهق الجبالِ فحزنًا على ما فاتَه من الأمر الَّذي بشَّره به ورقة، وحملهُ القاضي عياض (٥) على أنَّه لما أخرجه من تكذيبِ من بلَّغهُ، كقوله (٦) تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] أو خافَ أنَّ الفترة لأمرٍ أو (٧) سببٍ منه، فخشيَ أن يكون عقوبةً من ربِّه ففعل ذلك بنفسهِ، ولم يَرِدْ بعدُ شرع عن ذلك فيعترضُ به.

стр. 9244

وأمَّا ما روى ابنُ إسحاق عن بعضِهم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال -وذكرَ جواره بحراءٍ- قال: «فجاءَني وأنا نائمٌ فقال: اقرأ» وذكر نحو حديثِ عائشة ﵂ في غطِّه له وإقرائه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]. قال: فانصرفَ عنِّي وهَبَبْتُ من نَومي كأنَّما صوِّرت في قَلبي، ولم يكنْ أبغضُ إليَّ من شاعرٍ أو مجنونٍ، ثمَّ قلت: لا تَحدَّث (١) عنِّي قريشٌ بهذا أبدًا، لأعمدنَّ إلى حالقٍ من الجبلِ فلأطرحنَّ نفسي منه فلأقتلنَّها. فأجاب عنه القاضِي: بأنَّه إنَّما كان قبلَ لقائهِ جبريل وقبل إعلامِ الله له بالنُّبوَّة وإظهارهِ واصطفائهِ بالرِّسالة. نعم، خرَّج الطَّبري من طريقِ النُّعمان بن راشدٍ، عن ابنِ شهاب: أنَّ ذلك بعد لقاءِ جبريل، فذكر نحو حديثَ البابِ، وفيه: فقال: يا محمَّد؛ أنتَ رسولُ اللهِ حقًّا. قال: «فلقد هممتُ أن أطرحَ نفسِي من حالقِ جبل» أي: علوِّه. وأُجيب بأنَّ ذلك لضعفِ قوَّته عن تحمُّل ما حمَّلهُ من أعباءِ النُّبوَّة وخوفًا (٢) ممَّا يحصلُ له من القيامِ بها من مباينةِ الخلقِ جميعًا، كما يطلبُ الرَّجل الراحة (٣) من غمٍّ يناله في العاجلِ ما يكونُ فيهِ زواله عنه، ولو أفضَى إلى إهلاكِ نفسهِ عاجلًا. (قَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ بالإسنادِ الأوَّل من السَّندين المذكورينِ أوَّل هذا الباب: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد عروةُ بما (٤) سبقَ، وأخبرني (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ، وسقط «ابنُ عبدِ الرَّحمن» لغير أبي ذرٍّ (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) ولم يدركْ (٥) جابرٌ زمانَ القصَّة، وهو محمولٌ على أن يكون سمعهُ من النَّبيِّ ﷺ (قَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ) وفي «بدءِ الوحي»: إذ سمعتُ [خ¦٤] (صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «رأسِي» (فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريل ﵇ (جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ

стр. 9245

وَالأَرْضِ) و «جالس» رفع خبر عن «الملك» (فَفَرِقْتُ) بكسر الراء وسكون القاف، أي: خفتُ (مِنْهُ فَرَجَعْتُ) إلى أهلي بسببِ الفَرَق (فَقُلْتُ) لهم: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَدَثَّرُوهُ) بالهاء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾) عن النَّجاسة أو قصرها (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]) دُمْ على هجرهَا. (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن -بالسَّند السَّابق-: (وَ) الرِّجز (هْيَ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ (١)، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ) وأنَّث ضمير الرِّجز بقولهِ: «وهي» اعتبارًا بالجنس (٢). (٢) (باب قَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]) وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ (٣). ٤٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) يحيى بن عبدِ الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ) ولأبي ذرٍّ: «عن عائشة أوَّل» (مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: من الوحي (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الصَّادقة» زاد في روايةٍ: «في النَّوم» [خ¦٣] وهي تأكيدٌ، وإلَّا فالرُّؤيا مختصَّة بالنَّوم (فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]) واستنبطَ السُّهيليُّ من هذا الأمرِ ثبوت البسملَة في أوَّل الفاتحة؛ لأنَّ هذا الأمر هو أوَّل شيءٍ نزل من القرآنِ، فأولى مواضع امتثاله أوَّل القرآن. (٣) (قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿اقْرَأْ﴾» (٤) (﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]).

стр. 9246

٤٩٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين (١)، ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب. (ح) لتحويل السَّند كما مرَّ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ، فيما وصلهُ المؤلِّف في «بدءِ الوحي» [خ¦٣] (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (قَالَ مُحَمَّدُ) هو ابنُ مسلم ابنِ شهابٍ الزُّهريُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ (٢) رَسُولُ اللهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ) بالقاف، ولم يقل هنا: في النَّوم، ثم (جَاءَهُ المَلَكُ) جبريل (فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ١ - ٤]) الحديث اختصرَه هنا. (٣ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤]) ثبت هذا لأبي ذرٍّ. ٤٩٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) هو ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ) بنَ الزُّبير يقول: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَذَكَرَ الحَدِيثَ)، كما سبقَ. (٤) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾) عمَّا هو عليهِ من الكفرِ (﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾) لنجرنَّ بناصيتهِ

стр. 9247

إلى النَّار (﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥ - ١٦]) بدل من «النَّاصية»، ووَصْفُهَا بذلك مجاز (١)، وإنَّما المرادُ صاحبها، وسقط «﴿نَاصِيَةٍ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وثبتَ له لفظ: «باب». ٤٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) قالَ الكَرْمانيُّ: هو إمَّا ابن موسى وإمَّا ابن جعفر قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ) بنِ مالكٍ (الجَزَرِيِّ) بالجيم المفتوحة والزاي (عَنْ عِكْرِمَةَ) أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (قَالَ أَبُو جَهْلٍ) عَمرو بنُ هشامٍ، ولم يدركْ ابن عبَّاس القصَّة، فيحملُ على سماعهِ ذلك منهُ ﷺ : (لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ؛ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ، فَبَلَغَ) ذلك (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) ﵊: (لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ المَلَائِكَةُ) وأخرج النَّسائيُّ من طريقِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث ابنِ عبَّاس، وزاد في آخرهِ: فلم يفجأهُم منهُ إلَّا وهو -أي: أبو جهلٍ- ينكصُ على عقبيهِ (٢) ويتَّقي بيدهِ، فقيل لهُ: ما لك؟ قال: إنَّ بينِي وبينَه لخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لو دنَا لاختطفَتْهُ الملائكةُ عضوًا عضوًا» (تَابَعَهُ) أي: تابعَ عبدَ الرَّزَّاق -فيما وصلهُ عبد العزيز البَغوي في «منتخب المسند» له- (عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، الحرَّانيُّ، من شيوخِ المؤلِّف (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عَمرو -بفتح العين- الرَّقيِّ (عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ) الجَزَريِّ.

стр. 9248

(((٩٧))) (سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها خمس، ولغيرِ أبي (١) ذرٍّ: «سورة القدر» وفي نسخةٍ: «﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾» (٢). (يُقَالُ: المَطْلَعُ) بفتح اللام (هُوَ الطُّلُوعُ، وَالمَطْلِعُ) بكسرها، وهي (٣) قراءةُ الكسائيِّ: (المَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَعُ مِنْهُ. ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١]) ولأبي ذرٍّ: «وقال: ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾» (الهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ القُرْآنِ) قال في «الأنوار»: فخَّمه بإضماره من غير ذكرهِ شهادةً له بالنَّباهة المغنية عن التَّصريح، كما عظَّمه بأن أسندَ إنزاله إليه، أي: بقوله (﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾) خرج (مَخْرَجَ الجَمِيعِ، وَالمُنْزِلُ هُوَ اللهُ، وَالعَرَبُ تُؤكِّدُ فِعْلَ الوَاحِدِ فَتَجْعَلُهُ بِلَفْظِ الجَمِيعِ؛ لِيَكُونَ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ليكن» (أَثْبَتَ وَأَوْكَدَ) والنُّحاة يعبِّرون بقولهم المعظِّم نفسهُ، كما نبَّه عليه السَّفاقِسيُّ، وثبت: «﴿إِنَّا﴾» من قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ لأبي ذرٍّ (٤). (((٩٨))) (سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ثمان. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (﴿مُنفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]) أي: (زَائِلِينَ) عمَّا هم عليهِ. (﴿قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]) أي: (القَائِمَةُ). (﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أَضَافَ الدِّينَ إِلَى المُؤَنَّثِ) على تأويلِ الدِّين بالملَّة، أو التاء تاء المبالغة (٥) كعلَّامة.

стр. 9249

٤٩٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بنَ دعامَة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُبَيٍّ) هو ابنُ كعبٍ: (إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) وعند التِّرمذيِّ: «إنَّ الله أمرنِي أنْ أقرأَ عليكَ القرآنَ» قال: فقرأَ عليهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]. وزادَ الحاكمُ من وجهٍ آخرَ عن زرِّ (١) بنِ حُبيش (٢) عن أُبيِّ بنِ كعبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأَ عليهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ وقرأَ فيها: إنَّ الدِّين عند اللهِ الحنفيَّة لا اليهوديَّة ولا النَّصرانيَّة ولا المجوسيَّة، من يفعَل (٣) خيرًا فلن (٤) يكفرهُ، وخصَّ أُبيًّا للتَّنويه بهِ في أنَّه أقرأ الصَّحابة، فإذا قرأَ عليهِ ﷺ مع عظيمِ (٥) منزلتهِ كان غيرهُ بطريقِ التَّبع له. وقال الحافظُ ابنُ كثيرٍ: وإنَّما قرأ ﷺ هذه السُّورة تثبيتًا له وزيادةً لإيمانهِ؛ لأنَّه كان أنكر على ابنِ مسعودٍ رضي الله تعالى عنه قراءة شيءٍ من القرآنِ على خلافِ ما أقرأه رسول الله ﷺ ، فاستقرأهُما ﵊ وقال لكلٍّ منهما: أصبتَ. قال أُبيٌّ: فأخذنِي الشَّكُّ، فضربَ (٦) ﵊ في صدرهِ، قال: ففضتُ عرقًا، وكأنَّما أنظرُ إلى اللهِ فرقًا، وأخبره (٧) ﵊ أنَّ جبريلَ أتاهُ فقال: «إنَّ اللهَ يأمركَ أن تُقرِئ

стр. 9250

أمَّتك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ» رواهُ أحمد والنَّسائيُّ وأبو داود ومسلم. فلمَّا نزلت هذه السُّورة قرأها ﵊ قراءةَ إبلاغٍ وإنذارٍ، لا قراءةَ تعلُّم واستذكارٍ. (قَالَ) أبيٌّ له ﵊ (وَسَمَّانِي) لك؟ (قَالَ) ﵊ (١): (نَعَمْ. فَبَكَى) أبيٌّ فرحًا وسرورًا، أو (٢) خشوعًا وخوفًا من التَّقصير في شكرِ تلكَ النِّعمة، وعند أبي نُعيم في «أسماء الصحابة» حديثٌ مرفوع لفظهُ: «إنَّ الله ليسمعُ قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقول: أبشِر عبدِي، فوعزَّتي لأمكننَّ لكَ في الجنَّة حتَّى ترضَى» لكن قال الحافظُ عماد الدِّين: إنَّه (٣) حديثٌ غريبٌ جدًّا. ٤٩٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ) أبو عليٍّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامَة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُبَيٍّ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ) مطلق، فيتناولُ (٤) ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وغيرها (قَالَ أُبَيٌّ: آللهُ) بمدِّ الهمزة (٥) (سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: اللهُ سَمَّاكَ) زادَ الكُشمِيهنيُّ: «لي» (فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. قَالَ قَتَادَةُ) بنُ دعامَة: (فَأُنْبِئْتُ) -ظاهرهُ أنَّه من غير أنسٍ- (أَنَّهُ) ﵊ (قَرَأَ عَلَيْهِ) على أبيٍّ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]). ٤٩٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ أَبُو جَعْفَرٍ المُنَادِي) بكسر الدال. وعند النَّسفيِّ: «حَدَّثنا أبو جعفرٍ المُنادي» قيل: وهِم البخاريُّ في تسميتهِ أحمد،

стр. 9251

وإنَّ اسمَ أبي جعفرٍ هذا محمَّد بنُ عبيد الله (١) بنِ يزيد، وأبو داود كنيةُ أبيهِ. وأُجيب بأنَّ البخاريَّ أعرفُ باسمِ شيخهِ من غيره، فليس وهمًا، قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء وسكون الواو ثمَّ حاء مهملة، ابنُ عبادة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوْبَةَ) بعين مهملة مفتوحة فراء مضمومة وبعد الواو الساكنة موحدة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -وسقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ- ﵁ (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ القُرْآنَ) أي: أعلِّمك بقراءتي عليكَ كيفَ تقرأ، فلا منافاةَ بين قوله: «أقرأ عليكَ»، و «أقرئك»، وقد يقالُ: كان في قراءةِ أبيٍّ قصور، فأمر الله رسولهُ ﵊ أن يقرئهُ على التَّجويد، وأن يقرأ (٢) عليه؛ ليتعلَّم منهُ حسنَ القراءةِ وجودتها (قَالَ: آللهُ سَمَّانِي لَكَ؟) استفسرهُ لأنَّه جوَّز أن يكون أمره أن يقرأ على رجلٍ من أمَّته غير معين، فيؤخذُ منهُ الاستثباتُ في المحتملاتِ (قَالَ: نَعَمْ (٣). قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ؟ قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ. فَذَرَفَتْ) بفتح المعجمة والراء: تساقطَت بالدُّموع (عَيْنَاهُ) وفي الحديثِ استحبابُ القراءة على أهلِ العلم، وإن كان القارئُ أفضل من المقروءِ عليه. فائدة: ذكر العلَّامة حسينُ بن عليِّ بنِ طلحةَ الرَّجراجي المغربيُّ في الباب السَّابع عشر من كتابهِ «الفوائد (٤) الجميلة في الآياتِ الجليلة» في السُّور (٥) الَّتي تلقى على العلماءِ في

стр. 9252

المناظرةِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ الملائكة المقرَّبين ليقرؤون سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ منذُ خلقَ الله السَّموات والأرض، لا يفترونَ عن قراءتها»، كذا قال، والعهدةُ عليه. (((٩٩))) (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]) مصدرٌ مضافٌ لفاعله، أي: اضطرابها المقدَّر لها عندَ النَّفخة الأولى أو الثَّانية. (١) (قَوْلُهُ: ﴿فَمَن﴾) ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، باب ﴿فَمَن﴾» (١) (﴿يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾) زنةَ نملةٍ صغيرةٍ (﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]) جواب الشَّرط في الموضعين: يرَ ثوابه (٢) وهي مدنيَّة أو مكِّيَّة، وآيُها تسع (٣). (يُقَالُ: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾) [الزلزلة: ٥] أي: (أَوْحَى إِلَيْهَا، وَوَحَى لَهَا وَوَحَى (٤) إِلَيْهَا) بغير ألف في الأخيرين (وَاحِدٌ) في المعنى، فاللام بمعنى إلى، وإنَّما أوثرت على «إلى» لموافقةِ الفواصلِ، وقيل: اللام بمعنى: من أجل (٥)، والموحى إليه محذوفٌ، أي: أوحى إلى الملائكةِ من أجلِ الأرض، والصَّواب: أنَّ الأمر بالكلامِ للأرضِ نفسها، وأذنَ لها أن تخبرَ عمَّا (٦) عمل عليها. قيل:

стр. 9253

إنَّ الله تعالى يخلقُ في الأرضِ الحياةَ والنُّطق حتَّى تخبرَ بما أمرها (١) الله تعالى، وهذا مذهبُ أهل السُّنة. وقال العجَّاج: أَوْحَى لَها القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ وهذا ساقطٌ للحَمُّويي (٢). ٤٩٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ أبي أويسٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا) وبالإفراد لأبي ذرٍّ (٣) (مَالِكٌ) الإمامُ الأعظمُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ): (الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا) الرَّجل (الَّذِي) هي (لَهُ أَجْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا) للجهادِ (فِي سَبِيلِ اللهِ) تعالى (فَأَطَالَ لَهَا) في الحبلِ الَّذي ربطهَا بهِ (٤) حتَّى تسرح للرَّعي (فِي مَرْجٍ) موضع كلأ، وسقط «لها» لأبي ذرٍّ (أَوْ رَوْضَةٍ) بالشَّكِّ (فَمَا أَصَابَتْ) أي: ما (٥) أكلت وشربت ومشت (فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ) بكسر الطاء المهملة وفتح

стр. 9254

التحتية، أي: حبلها المربوطة فيه (فِي المَرْجِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «منَ المرجِ» (وَالرَّوْضَةِ) بغير ألف قبل الواو (كَانَ لَهُ) أي: (١) لصاحبهَا (حَسَنَاتٍ) في الآخرةِ (وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا) المذكُور (فَاسْتَنَّتْ) بفتح الفوقية وتشديد النون، أي: عدت بمرحٍ ونشاطٍ (شَرَفًا) بفتح المعجمة والراء والفاء (أَوْ شَرَفَيْنِ) شوطًا أو شوطين، فبعدتْ عن الموضعِ الَّذي ربطهَا صاحبهَا فيهِ ترعَى ورعت في غيرهِ (كَانَتْ آثَارُهَا) بالمثلَّثة في الأرضِ بحوافرها عند مشيهَا (وَأَرْوَاثُهَا) بالمثلثة (حَسَنَاتٍ لَهُ) لصاحبها في الآخرةِ (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها (فَشَرِبَتْ مِنْهُ) بغيرِ قصدِ صاحبها (وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ) أي (٢): شربها وإرادته أن يسقيهَا (حَسَنَاتٍ لَهُ) في الآخرةِ (فَهْيَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وهي» (لِذَلِكَ الرَّجُلِ) الَّذي ربطهَا (أَجْرٌ. وَ) أمَّا الَّذي هي له سترٌ فهو (رَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا) أي: استغناءً عن النَّاس (وَتَعَفُّفًا) عن سؤالهمْ يتردَّد عليها لحاجاته (٣) (وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا) بأن يؤدِّي زكاةَ تجارتها (وَلَا ظُهُورِهَا) بأن يركبَ عليها في سبيلِ الله (فَهْيَ) أي: الخيلُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٤): «فهو» أي: ذلك الفعلُ الَّذي فعلهُ (لَهُ سِتْرٌ) يحجبهُ عن الفاقةِ. (وَ) أمَّا الَّذي هي عليه وزرٌ؛ فهو (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) أي: لأجلِ الفخرِ (وَرِياءً) أي: إظهارًا للطَّاعة والباطن بخلافه (وَنِوَاءً) بكسر النون وفتح الواو ممدودًا، أي: عداوةً. زاد في «الجهادِ»: «لأهلِ الإسلامِ» [خ¦٢٨٦٠] (فَهْيَ عَلَى ذَلِكَ) الرَّجل (وِزْرٌ. فَسُئِلَ) بالفاء وضم السين مبنيًّا للمجهول، والسَّائل صَعْصعة بن ناجيَّة، ولأبي ذرٍّ: «وسُئل» (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الحُمُرِ) هل لها حكمُ الخيلِ؟ (قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةَ) بالفاء والمعجمة المشددة، القليلة المِثْل، المتفردة (٥) في معناهَا (الجَامِعَةَ) لكلِّ الخيراتِ والسُّرور (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]) روى الإمامُ أحمد عن صعصعةَ بن معاويةَ عمِّ الفرزدق: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ فقرأ الآية، فقال: حسبي لا أبالِي أنْ لا أسمعَ غيرها.

стр. 9255

(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ جلَّ وعلا: (﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) ثبتَ لفظُ: «باب» لأبي ذرٍّ. ٤٩٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، سكنَ مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ اللهِ المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه قال: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الحُمُرِ) أي: عن صدقةِ الحُمُر (فَقَالَ: لَمْ يُنْزَلْ) بضم أوله وفتح ثالثه (عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ) أي: المنفردةُ في معناها، فذَّ الرَّجل عن أصحابهِ إذا شذَّ عنهم (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]). قال ابنُ عبَّاس ﵄: ليس مؤمنٌ ولا كافرٌ عملَ خيرًا أو شرًّا (١) في الدُّنيا إلَّا أراهُ الله إيَّاه يوم القيامةِ، فأمَّا المؤمنُ فيرى حسناتهِ وسيئاتهِ، فيغفرُ الله له (٢) سيئاته ويثيبهُ بحسناتهِ، وأمَّا الكافرُ فتردُّ حسناته (٣)، ويعذَّب بسيئاتهِ. قال في «فتوح الغيب»: وهذا يساعدهُ النَّظم والمعنَى والأسلوب؛ أمَّا النَّظم فإنَّ قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ تفصيلٌ لما عقب بهِ من قوله: ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] فيجبُ التَّوافق، والأعمالُ جمع مضاف يفيد (٤) الشُّمول والاستغراق، و ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ مقيَّد بقوله: ﴿أَشْتَاتًا﴾ فيفيدُ أنَّهم على طرائق شتَّى؛ للنُّزول في منازلهم من الجنَّة والنَّار بحسبِ أعمالهم المختلفة، ومن ثمَّ (٥) كانت الجنَّة ذات درجاتٍ، والنَّار ذات دركاتٍ، وأمَّا المعنى فإنَّها وردت لبيانِ الاستقصاءِ في عرضِ الأعمالِ والجزاءِ عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ

стр. 9256

الْقِيَامَةِ﴾ الاية [الأنبياء: ٤٧] وأمَّا الأسلوبُ فإنَّها من الجوامع الحاوية لفوائدِ الدِّين أصلًا وفرعًا. (((١٠٠))) (﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ (١) [العاديات: ١]) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها إحدى عشرة، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ جمع: عادية؛ وهي الجاريةُ بسرعةٍ، والمراد: الخيل، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾» وله (٢) زيادة: «و ﴿الْقَارِعَةُ﴾». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (الكَنُودُ) هو (الكَفُورُ) من كند النِّعمة كنودًا. (يُقَالُ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]) قال أبو عُبيدة: أي: (رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا) وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ عطف الفعل على الاسم؛ لأنَّ الاسم في تأويلِ الفعلِ؛ لوقوعهِ غير صلةٍ لـ «أل»، والضَّمير في ﴿بِهِ﴾ للصُّبح (٤)، أي: فأثرنَ في وقتِ الصُّبح غبارًا، أو للمكان وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّ الإثارةَ لا بدَّ لها من مكانٍ، وروى البزَّار والحاكم عن ابنِ عبَّاس ﵄ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ خيلًا فلبث شهرًا لا يأتيهِ خبرهَا، فنزلت: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ ضبحَتْ بأرجلها ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قدحَت الحجارة فأورت بحوافرهَا ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ صبَّحت القومَ بغارةٍ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ التُّراب ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ١ - ٥] صبَّحت القوم جميعًا. وفي إسنادهِ ضعفٌ.

стр. 9257

(﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾) أي: (مِنْ أَجْلِ حُبِّ الخَيْرِ) فاللام تعليلية، أي: لأجلِ حبِّ المالِ (﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]) أي: (لَبَخِيلٌ) وقيل: لقويٌّ مبالغٌ فيه (وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ) وزاد في «الكشَّاف»: متشدِّد، قال طرفة: أَرَى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي … عَقِيلَةَ مالِ (١) الفَاحِشِ المُتَشدِّدِ وقوله: يعتامُ؛ أي (٢): يختارُ، وعقيلةُ كلِّ شيءٍ أكرمهُ، والفاحش: البخيل الَّذي جاوزَ الحدَّ في البخلِ؛ يقول: أرَى (٣) الموتَ يختارُ كرامَ النَّاس وكرائِم الأموالِ الَّتي يضنُّ بها. (﴿وَحُصِّلَ﴾ [العاديات: ١٠]) أي: (مُيِّزَ) وقيل: جُمعَ في الصُّحف، أي: أظهرَ محصِّلًا مجموعًا؛ كإظهارِ اللُّب من القشرِ. (((١٠١))) (سورة القَارِعَةِ) مكِّيَّة، وآيُها عشر (٤)، وسقطت لأبي ذرٍّ. (﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾) أي: (كَغَوْغَاءِ الجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ) يومَ القيامةِ (يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) وإنَّما شبَّه النَّاس بذلك عند البعثِ؛ لأنَّ الفراشَ إذا ثارَ لم يتَّجه لجهةٍ واحدةٍ، بل كلُّ واحدةٍ تذهبُ إلى غير جهةِ الأخرى، فدلَّ بهذا التَّشبيه على أنَّ النَّاس في البعثِ يفزعونَ، فيذهبُ كلُّ واحدٍ إلى غيرِ جهةِ الآخر. وقال في «الدُّرِّ»: وفي تشبيهِ النَّاس بالفراشِ مبالغات شتَّى؛ منها: الطَّيش الَّذي يلحقهُم، وانتشارُهم في الأرضِ، وركوب

стр. 9258

بعضهم بعضًا، والكثرةُ، والضَّعفُ، والذِّلة، والمجيءُ من غيرِ ذهابٍ، والقصدُ إلى الدَّاعي من كلِّ جهةٍ، والتَّطايرُ إلى النَّار. (﴿كَالْعِهْنِ﴾ [القارعة: ٥]) أي: (كَأَلْوَانِ العِهْنِ) أي: المختلفة. قاله الفرَّاء. (وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ ﵁: ((كَالصُّوفِ)) يعني: أنَّ (١) الجبالَ تتفرَّق أجزاؤهَا في ذلك اليوم حتَّى تصيرَ كالصُّوف المتطايرِ عند النَّدف، وإذا كان هذا تأثيرُ القارعة في الجبالِ العظيمةِ الصَّلدةِ، فكيف حال الإنسان الضَّعيفِ عند سماعِ صوتِ القارعة؟ وسقط لأبي ذرٍّ «﴿كَالْعِهْنِ﴾ … » إلى آخره (٢). (((١٠٢))) (سورة ﴿أَلْهَاكُمُ (٣)﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة وآيُها ثمان. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ كالسُّورة (٤). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصلهُ ابنُ المنذرِ: (﴿التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ) أي: شغلكُم ذلك عن طاعةِ الله. (((١٠٣))) (سورة ﴿وَالْعَصْرِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثلاث. (وَقَالَ يَحْيَى) بن زيادٍ الفرَّاء: (العَصْر) (٥) هو (الدَّهْرُ، أَقْسَمَ بِهِ) تعالى، أي: بالدَّهر؛

стр. 9259

لاشتمالهِ على الأعاجيبِ (١) والعِبَر، وقيل: التَّقدير: وربِّ العصرِ. وثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ كـ «العصر» الثَّاني، وسقط له «وقال يحيَى» (٢). (((١٠٤))) (سورة (﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع. والهمزةُ واللُّمزة -فيما قاله ابن عبَّاس- المشَّاؤون بالنَّميمة المفرِّقون بينَ الأحبَّة، وقيل: الهمزةُ: الَّذي يعيبكَ في الغيبِ. واللُّمزة: الَّذي يعيبكَ في الوجهِ. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملة لأبي ذرٍّ كالسُّورة (٣). (الحُطَمَةُ اسْمُ النَّارِ؛ مِثْلُ: سَقَرَ وَلَظَى) وقيل: اسم للدَّركة الثَّانية (٤) منها، وسمِّيت حطمةٌ؛ لأنَّها تحطمُ العظامَ وتكسرها، والمعنى: يا أيُّها الهمزة اللُّمزة الَّذي يأكلُ لحومَ النَّاس ويكسر من أعراضِهم؛ إن وراءكَ الحُطمة الَّتي تأكل لحومَ النَّاس (٥) وتكسرُ العِظام. (((١٠٥))) (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٦). (قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفيل: ١]) أي (أَلَمْ تَعْلَمْ) يا محمَّد، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّه ﷺ لم

стр. 9260

يدرِك قصَّة أصحابِ الفيلِ، لأنَّ مولده ﵊ في تلكَ السَّنة، وهو وإن لم يشهدهَا فقد شاهدَ آثارهَا وسمعَ بالتَّواتر أخبارهَا فكأنَّه رآها، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وليس هذا من تفسيرِ مجاهدٍ، فالصَّواب إسقاط قوله: قال مجاهدٌ. (قَالَ (١) مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ (٢) (﴿أَبَابِيلَ﴾) أي: (مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً) نعتٌ لـ: طير؛ لأنَّه اسمُ جمعٍ. قال ابنُ عبَّاس ﵄: كانت طيرًا لها خراطيم وأكف كأكفِّ الكلاب، وقيل غير ذلك. و ﴿أَبَابِيلَ﴾ قيل: لا واحد لهُ كأساطير، وقيل: واحدهُ إبَّول كعِجَّول وعجاجِيل (٣)، وقيل: إِبَّال. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصلهُ الطَّبري في قوله تعالى: (﴿مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤] هيَ سَنْكِ) بفتح السين المهملة وبعد النون الساكنة كاف مكسورة: الحجر (وَكِلْ) بكسر الكاف وبعدها لام، الطِّين، فارسيٌّ معرَّب، وقيل: السِّجيل الدِّيوان الَّذي (٤) كتبَ فيهِ عذاب الكفَّار، والمعنى: ترميهِم بحجارةٍ من جملةِ العذابِ المكتوبِ المدوَّن ممَّا (٥) كتبَ الله في ذلك الكتاب. (((١٠٦))) (﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾) مكِّيَّة، وآيُها أربع، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لِإِيلَافِ﴾» وسقط لهُ لفظ «﴿قُرَيْشٍ﴾».

стр. 9261

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿لِإِيلَافِ﴾ [قريش: ١] أَلِفُوا ذَلِكَ) الارتحالَ (فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ) إلى اليمنِ (وَ) لا (١) في (الصَّيْفِ) إلى الشَّام في كلِّ عامٍ، فيستعينونَ بالرِّحلتين للتِّجارة على المقامِ بمكَّة لخدمةِ البيتِ الَّذي هو فخرهُم، وفي متعلَّق هذه اللام أوجهٌ: فقيل: بسابقها (٢)؛ لأنَّ الله تعالى ذكَّر أهلَ مكَّة عظيمَ نعمتهِ عليهم فيما صنعَ بالحبشةِ فجعلهُم كعصفٍ مأكولٍ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: أهلكَ أصحابَ الفيل لتبقَى قريش وما (٣) ألفوا، ويؤيِّده أنَّهما (٤) في مصحفِ أُبيٍّ سورة واحدة، وقيل: متعلِّقة بمقدَّر، أي: أعجبُ لنعمتِي على قريشٍ، وقيل: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ وإنَّما دخلَتِ الفاءُ لما في الكلامِ من معنَى الشَّرط، أي: فإن لم يعبدوهُ لسائرِ نعمهِ؛ فليعبدوهُ لإيلافهم؛ فإنَّها أظهرُ نعمة عليهم (﴿وَآمَنَهُم﴾ [قريش: ٤]) أي: (مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ) وقيل: آمنهُم من الجذامِ فلا يصيبهُم ببلدهم، وقيل: بمحمَّد ﷺ . (((١٠٧))) (أَرَأَيْتَ) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها سبع، ولأبي ذرٍّ: «سورة أَرَأَيْتَ». (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان فيما ذكر في تفسيرِ (٥) (﴿لِإِيلَافِ﴾ [قريش: ١] لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ) وعند أبي ذرٍّ هذا مقدَّم على «سورةِ أَرَأَيْتَ»، وهو الصَّواب إن شاء الله تعالى. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿يَدُعُّ﴾ [الماعون: ٢] يَدْفَعُ) أي: اليتيم (عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، ﴿يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]) أي: (يُدْفَعُونَ).

стр. 9262

(﴿سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]) أي: (لَاهُونَ) عن الصَّلاة تهاونًا. (وَ ﴿الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]) هو (المَعْرُوفَ كُلُّهُ (١)) كالقصعةِ والدَّلو (وَقَالَ بَعْضُ العَرَبِ) فيما حكاهُ الفرَّاء: (﴿الْمَاعُونَ﴾ المَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَعْلَاهَا الزَّكَاةُ المَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ المَتَاعِ) كالمُنخلِ والغربالِ والدَّلو والإبرةِ. (((١٠٨))) (سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ثلاث، وثبت لأبي ذرٍّ لفظ: «سورة». (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيمَا وصلهُ ابنُ مردويِه في قوله تعالى: (﴿شَانِئَكَ﴾ [الكوثر: ٣]) أي: (عَدُوَّكَ) وسقطَ للحَمُّويي «وقالَ ابنُ عبَّاس» فقط (٢). ٤٩٦٤ - وبه قال (٣): (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبدِ الرَّحمن التَّيميُّ، مولاهم أبو معاويةَ البصريُّ، نزيل الكُوفة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (قَتَادَةُ) بنُ دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ) بتخفيف الفاء، جانباهُ (قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفٌ) ولغير أبي ذرٍّ: «مجوفًا» (فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ) زادَ البيهقيُّ: الَّذي أعطاكَ ربُّك، فأهوَى الملكُ بيدهِ فاستخرجَ (٤)

стр. 9263

من طينهِ مسكًا أذفر، وأخرجَه المؤلِّف بهذا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٨١] من طريقِ همَّام عن أبي هُريرة ﵁ (١)، والكوثرُ: بوزن فَوْعَل، من الكثرة، وهو وصفُ مبالغةٍ في المفرطِ الكثرة. ٤٩٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الكَاهِلِيُّ) أبو الهيثم المقرئ الكحَّال قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) ابنُ يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) عامرِ بن عبدِ الله ابنِ مسعودٍ ﵁ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ) أي: أبو عُبيدة (سَأَلْتُهَا) يعني: عائشة (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «عن قولِ الله »: (﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] قَالَتْ (٢)) هو (نَهَرٌ) في الجنَّة (٣) (أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ¬) زاد النَّسائيُّ: «في بطنانِ الجنَّة» (شَاطِئَاهُ) أي: جانباهُ (٤) (عَلَيْهِ) أي: على الشَّاطئ. قال البَرْماويُّ كالكِرمانيِّ: والضَّمير في «عليه» عائدٌ إلى (٥) جنسِ الشَّاطئ، ولهذا لم يقل: عليهما، قال: وفي بعضها: «شاطئَاه» (٦) (دُرٌّ مُجَوَّفٌ) بفتح الواو ومشددة صفةٌ لـ «درٍّ»، وخبره الجار والمجرور، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل (٧) الَّذي هو «شاطئاه» (آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ. رَوَاهُ) ولأبي ذرٍّ: «ورواه» (زَكَرِيَّاءُ) بنُ أبي زائدة فيمَا رواه عليُّ بنُ المديني، عن يحيى بن زكريَّا، عن أبيهِ (وَأَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام بن سليم فيمَا وصلهُ (٨) أبو بكرِ بن أبي شيبة بلفظ: «الكوثر نهرٌ بفناءِ الجنَّة، شاطئاهُ درٌّ مجوَّف، وفيهِ من الأباريقِ عدد النُّجوم»، ولفظ روايةِ زكريَّا قريبٌ من هذه (وَمُطَرِّفٌ) هو ابنُ طريف -بالطاء المهملة-

стр. 9264

فيما وصلهُ النَّسائيُّ، الثَّلاثة: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ. ٤٩٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء، مصغَّرًا الواسِطيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفرُ بنُ أبي وحشيَّة الواسطيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّه قَالَ فِي الكَوْثَرِ: هُوَ الخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ) جعفر بالسَّند السَّابق: (قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَإِنَّ النَّاسَ) كأبي إسحاق وقتادةَ (يَزْعُمُونَ أَنَّهُ) أي: الكوثرُ (نَهَرٌ فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهَرُ الَّذِي فِي الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ) وهذا تأويلٌ من سعيد جمعَ به بينَ حديثي عائشة وابن عبَّاس ﵃، فلا تنافي بينهما؛ لأنَّ النَّهر فردٌ من أفرادِ الخيرِ الكثير. نعم، ثبت التَّصريح بأنَّه نهرٌ من لفظِ النَّبيِّ ﷺ ، ففي «مسلمٍ» من طريقِ المختارِ بن فلفل، عن أنسٍ ﵁: بينما نحنُ عند النَّبيِّ ﷺ إذ أغفَى إغفاءَةً، ثمَّ رفعَ رأسهُ متبسِّمًا، فقلنا: ما أضحككَ يا رسولَ الله؟ قال: «نزلت عليَّ سورةٌ فقرأَ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ … » [الكوثر: ١] إلى آخرها، ثمَّ قال: «أتدرونَ ما الكوثرُ؟» قلنا: اللهُ ورسوله أعلم. قال: «فإنَّه نهرٌ وعدنيهِ ربِّي، عليهِ خيرٌ كثيرٌ» فالمصيرُ إليهِ أولى. ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدُ بحثٍ لذلك في «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٨] بعون الله تعالى، واشتملت هذه السُّورة مع كونها أقصرَ سورِ القرآن على معانٍ بديعةٍ، وأساليب بليغةٍ: إسناد الفعل للمتكلِّم المعظِّم نفسه، وإيرادهُ بصيغةِ الماضِي تحقيقًا لوقوعهِ كـ ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ﴾ [النحل: ١]

стр. 9265

وتأكيدُ الجملة بـ «إنَّ»، والإتيانُ بصيغةٍ تدلُّ على مبالغةِ الكثرة، والالتفاتُ من ضميرِ المتكلِّم إلى الغائبِ في قولهِ: ﴿لِرَبِّكَ﴾. (((١٠٩))) (سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ، وثبت لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ. (يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾) أي: (الكُفْرُ ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]) أي: (الإِسْلَامُ) وهذا قبلَ الأمرِ بالجهادِ، وقال في «الأنوار»: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الَّذي أنتم عليهِ لا تتركونَه ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الَّذي أنا عليهِ لا أرفضُه، فليسَ فيه إذنٌ في الكفرِ، ولا منعٌ عن الجهادِ ليكون منسوخًا بآيةِ القتال، اللَّهمَّ إلَّا إذا فُسِّر بالمتاركةِ وتقرير كلٍّ من الفريقينِ على دينهِ (وَلَمْ يَقُلْ: دِينِي) بالياء بعد النون (لأَنَّ الآيَاتِ) الَّتي قبلها (بِالنُّونِ، فَحُذِفَتِ اليَاءُ) رعايةً لتناسبِ الفواصل، وهو نوعٌ من أنواعِ البديع (كَمَا قَالَ: (١) ﴿يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]) بحذف الياء فيهما لذلك (٢)، قالهُ الفرَّاء. (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير الفرَّاء، وسقط ذا لأبي ذرٍّ، وهو الصَّواب؛ لأنَّه لم يسبق في كلامِ المصنِّف عزوٌ، فتصويبُ الحافظ ابن حجرٍ ﵀ لإثباته فيه نظرٌ لا يخفى (﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] الآنَ (٣) وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي) أن أعبد ما تعبدون (﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ) الله تعالى: (﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٨]) و ﴿مَا﴾: في هذه (٤) السُّورة بمعنى: الَّذي، فإن كان المرادُ بها الأصنام -كما في الآيةِ (٥) الأولى

стр. 9266

والثَّالثة (١) - فواضحٌ؛ لأنَّهم غير عقلاء، و «ما» أصلُها أن تكون لغيرِ العقلاءِ، وإذا أريدَ بها (٢) الباري تعالى -كما في الثَّانية والرَّابعة- فاستدلَّ بهِ من جوَّز وقوعها على أهلِ العلمِ، ومن منعَ جعلها مصدرية، والتَّقدير: ولَا أنتُمْ عابدُونَ عبادتي، أي: مثل عبادتي. وقال أبو مسلمٍ: ﴿مَا﴾ في الأوليين بمعنى الَّذي، والمقصودُ المعبود، و ﴿مَا﴾ في الأخرى (٣) مصدريَّة، أي: لا أعبدُ عبادتكم المبنيَّة على الشَّك وتركِ النَّظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتِي المبنيَّة على اليقين. والحاصلُ: أنَّها كلَّها بمعنى الَّذي أو مصدريَّة، أو الأوليان بمعنى الَّذي، والأخريانِ مصدريَّتان، وهل التَّكرار (٤) للتَّأكيد أم لا؟ (((١١٠))) (سورة ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ﴾) مدنيَّة، وآيُها ثلاث. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ، وثبت لفظ: «سورة» له. ٤٩٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، ابن (٥) سفيان البلخِيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام بن سُليم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدَع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إِلَّا يَقُولُ فِيهَا) في الصَّلاة: (سُبْحَانَكَ رَبَّنَا

стр. 9267

وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) هضمًا لنفسهِ واستقصارًا لعملهِ (١)، أو استغفر (٢) لأمَّته، وقدَّم التَّسبيح ثمَّ الحمدَ على الاستغفارِ على طريقةِ (٣) النُّزول من الخالقِ إلى الخَلق. وهذا الحديثُ قد سبقَ في «باب التَّسبيح والدُّعاء في السُّجود»، من «كتابِ الصَّلاة». [خ¦٨١٧] ٤٩٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ) أي: بعدَ نزولِ سورة: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ﴾ [النصر: ١] (أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ) يعملُ بما أمرَ بهِ من التَّسبيح والتَّحميد والاستغفار فيه في قولهِ تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] في أشرفِ الأوقاتِ والأحوالِ. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ﴾) أي: الإسلامِ (﴿أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢]) جماعات، بعدما كان يدخلُ فيه واحد (٤) واحد، وذلك بعد فتحِ مكَّة، جاءه العربُ من أقطارِ الأرضِ طائعينَ، ونصب ﴿أَفْوَاجًا﴾ على الحال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾، وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.

стр. 9268

٤٩٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو عثمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوريُّ، ولأبي ذرٍّ: «قال: حدَّثنا سفيان» (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينارٍ الأسديِّ، مولاهم الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَهُمْ) أي: أشياخ بدرٍ، كما في الرِّواية اللَّاحقة إن شاء الله تعالى [خ¦٤٩٧٠] (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] قَالُوا) أي: الأشياخ: (فَتْحُ المَدَائِنِ وَالقُصُورِ، قَالَ) عمر: (مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ): أقول: (أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ) بالتَّنوين فيهما (ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ) بضم النون وكسر العين مبنيًّا للمفعول، مِن نَعَى الميِّتَ يَنْعَاهُ نَعْيًا؛ إذا أذاعَ موتَه وأخبرَ بهِ. (٤) (قولُهُ: ﴿فَسَبِّحْ﴾) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ﴾ (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أي: متلبِّسًا بحمدهِ (﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] تَوَّابٌ عَلَى العِبَادِ) أي: رجَّاع عليهم بالمغفرةِ وقبولِ التَّوبة (وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) الَّذي اقترفهُ. قاله الفرَّاء.

стр. 9269

٤٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكُريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) جعفرِ بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: كَانَ عُمَرُ) ﵁ (يُدْخِلُنِي) عليه في مجلسهِ (مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ) الَّذين شهدوا وقعتها من المهاجرين والأنصار (فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ) بالهمزة وتشديد النون، وهو عبدُ الرَّحمن بن عوفٍ أحدُ العشرة، كما صرَّح به في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٢٧] (وَجَدَ) غضب (فِي نَفْسِهِ فَقَالَ) لعمر: (لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا) أي: وعادتك أن تُدخلَ النَّاس عليكَ (١) على قدر منازلهم في السَّابقة (وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟) في السِّنِّ فلم تدخلْهُم (فَقَالَ (٢) عُمَرُ: إِنَّهُ) أي: ابن عبَّاس (مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ) من جهةِ قرابتهِ من رسولِ الله ﷺ ، أو من جهةِ ذكائهِ وزيادة معرفتهِ، وعند عبدِ الرَّزَّاق: إنَّ لهُ لسانًا سؤولًا وقلبًا عقولًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إنَّه مَن قد علمْتُم» (فَدَعَا) بحذف ضمير المفعول، أي: دعَا عمر ابن عبَّاس، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فدعَاهُ» (ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ) أي: مع الأشياخِ، وفي «غزوةِ الفتحِ»: فدعاهُم ذاتَ يومٍ ودعانِي معهُم [خ¦٤٢٩٤] (فَمَا رُئِيتُ) بضم الراء وكسر (٣) الهمزة، أي: ما ظننتُ (٤) (أنَّه دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ) منِّي مثلَ ما رأى هو منِّي من العلمِ. وعندَ ابنِ سعدٍ: فقال: أما (٥) إنِّي سأريكُم اليومَ ما تعرفونَ بهِ فضيلتَهُ، ثمَّ (٦) (قَالَ) لهم: (مَا تَقُولُونَ في قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « » بدل قولهِ: «تعالى»: (﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا نَحْمَدُ) ولأبي ذرٍّ: «أنْ نحمد» (اللهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا (٧) نُصِرْنَا) بضم النون على عدوِّنا (وَفُتِحَ عَلَيْنَا) وفي الباب السَّابق قالوا: فتح المدائن والقُصور [خ¦٤٩٦٩] (وَسَكَتَ

стр. 9270

بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ) عمر (لِي: أَكَذَاكَ (١) تَقُولُ يَا بْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ) ولأبي ذرٍّ: «علَّمه» بتشديد اللام وإسقاط الهمزة (قَالَ: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ) وعندَ ابنِ سعدٍ: فهو آيتُكَ في الموتِ (﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]) لأنَّ الأمرَ بالاستغفارِ يدلُّ على دنوِّ الأجلِ، وكان ﷺ بعد نزولهَا يكثُر من قولِ: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه». (فَقَالَ عُمَرُ) لابنِ عبَّاس ﵃: (مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ) زادَ أحمدُ: فقال عمر: فكيفَ تلومونَني على حبِّ ما ترون؟ (((١١١))) (سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس، وسقط قوله: «﴿وَتَبَّ﴾» لأبي ذرٍّ، وثبتَ له: «سورة» (٢) وأسندَ الفعلَ لليدينِ (٣) في قولهِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] مجازًا؛ لأنَّ أكثرَ الأفعالِ تزاول (٤) بهما، وإن كان المرادُ جملة المدعوِّ عليه، وقوله: ﴿تَبَّتْ﴾ دعاءٌ ﴿وَتَبَّ﴾ إخبارٌ، أي: وقد وقعَ ما دُعي عليهِ (٥) به (٦)، أو كلاهما دعاء، ويكون في هذا شبهٌ من مجيءِ العامِّ بعد الخاصِّ؛ لأنَّ اليدين بعض، وإن كان حقيقة اليدينِ غير مرادة (٧). قاله في «الدُّرِّ»، وقال الإمامُ: يجوز أن يرادَ بالأوَّل هلاك عملهِ، وبالثَّاني هلاك نفسهِ، ووجهه: أنَّ المرءَ إنَّما يسعى لمصلحةِ نفسهِ وعملهِ، فأخبرَ الله تعالى أنَّه محروم من الأمرينِ، ويوضِّحه أنَّ قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] إشارة

стр. 9271

إلى هلاكِ عملهِ، وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] إشارة إلى هلاكِ نفسهِ. (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذرٍّ، وسقطت لغيره. (تَبَابٌ) في قولهِ : ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ (١) إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] (خُسْرَانٌ. تَتْبِيبٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] (تَدْمِيرٌ). ٤٩٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مُرَّة»: بضم الميم وتشديد الراء، ابن عبدِ الله الجَمَليُّ الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] (وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ)) تفسيرٌ لقولهِ: ﴿عَشِيرَتَكَ﴾ أو قراءةٌ شاذَّة قرأهَا ابنُ عبَّاس، ثمَّ نُسِخَت تلاوتها (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا) بكسر عين «صعِد» (فَهَتَفَ) أي: صاح: (يَا صَبَاحَاهْ) بسكون الهاء في «اليونينية»، كلمة يقولها المستغيثُ، وأصلُها إذا صاحُوا للغارَة؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يغيرونَ في الصَّباح، وكأنَّ القائل: يا صباحَاه يقول: قد غشينا الصَّباح فتأهَّبوا للعدوِّ (فَقَالُوا) يعني: قريشًا: (مَنْ هَذَا؟) أي: فقيل: هذا محمَّد (فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ) لهم:

стр. 9272

(أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا) أي: عسكرًا (تَخْرُجُ (١) مِنْ سَفْحِ هَذَا الجَبَلِ) أسفله حيثُ يسفحُ فيه الماء (أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟) أصله: مصدِّقين لي، سقطتِ النون لإضافته إلى ياء المتكلِّم، وأدغمتْ ياء الجمع في ياءِ المتكلِّم (قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ) منذرٌ (لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنهُ الله: (تَبًّا لَكَ) نصب على المصدر (٢) بإضمار فعل، أي: ألزمكَ الله هلاكًا وخُسرانًا (مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ألهذا جمعتنَا؟» (ثُمَّ قَامَ) صلوات الله وسلامه عليه (فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]) سقط (٣) «﴿وَتَبَّ﴾» لأبي ذرٍّ ((وَقَدْ تَبَّ)، هَكَذَا قَرَأَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ) وهي تؤيِّد أنَّها إخبارٌ بوقوعِ ما دعا به عليهِ، ولم يدرك ابن عبَّاس هذه القصَّة. (٢) (قَوْلُهُ: ﴿وَتَبَّ﴾) ولأبي ذرٍّ (٤): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ : (﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]) ﴿مَا﴾ الأولى نافيةٌ، أو استفهام إنكارٍ، وعلى الثَّاني تكون منصوبة المحلِّ بما بعدها، أي: أيُّ شيءٍ أغنَى المال؟ وقُدِّمت (٥) لأنَّ لها (٦) صدر الكلامِ. والثَّانية بمعنى الَّذي، فالعائد محذوفٌ، أو مصدريَّة، أي: وكسبه.

стр. 9273

٤٩٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلَمِيُّ مولاهم، البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا (١) أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خَازم -بالخاء والزاي المعجمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الجَمَلي -بفتح الجيم والميم- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى البَطْحَاءِ) مسيلَ وادي مكَّة (فَصَعِدَ إِلَى الجَبَلِ) يعني: الصَّفا، ورقى عليهِ (فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ؛ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «تصدقونني» (قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ) منذرٌ (لَكُمْ (٢) بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: قدَّامه (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) عليه اللَّعنة: (أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟!) بهمزة الاستفهام الإنكاري (تَبًّا لَكَ) أي: ألزمك الله تبًّا، وزاد في «سورةِ الشُّعراء»: سائرَ اليوم، أي: بقيَّته [خ¦٤٧٧٠] (فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ … ) إِلَى آخِرِهَا، أي: خسرت جملتهُ، وعادةُ العربِ أن تعبِّر ببعضِ الشَّيء عن كلِّه. (٣) (قَوْلُهُ: ﴿سَيَصْلَى﴾) ولأبي ذرٍّ (٣): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى﴾ (﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]) أي: تَلَهَّب وتَوَقَّد. ٤٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال: (قَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنهُ الله لمَّا صعدَ النَّبيُّ ﷺ على الصَّفا واجتمعُوا إليه وقال: «إنِّي نذيرٌ لكُم بينَ يدي عذابٍ شديد»: (تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١])

стр. 9274

وزادَ أبو ذرٍّ: «إلى آخرها» قيل: وخصَّ اليد؛ لأنَّه رمى النَّبيَّ ﷺ بحجرٍ فأدمَى عقبه؛ فلذا ذكرهَا وإن كان المرادُ جملة بدنه (١). وذكرهُ بكنيتهِ دونَ اسمهِ (٢) عبدُ العزَّى؛ لأنَّه لما كان من أهلِ النَّار ومآله إلى نارٍ ذاتِ لهب؛ وافقتْ حاله كنيته، فكان جديرًا أن يُذكرَ بها. (٤) (﴿وَامْرَأَتُهُ﴾) ولأبي ذرٍّ (٣): «باب قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾» أمُّ جميلٍ العوراء بنتُ حرب بنِ أميَّة، أخت أبي سفيان بن حربٍ (﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]) الشَّوك والسَّعدان، تُلقيهِ في طريقِ النَّبيِّ ﷺ وأصحابهِ لتعقرهُم بذلك، وهو قولُ ابن عبَّاس. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] تَمْشِي) إلى المشركينَ (بِالنَّمِيمَةِ) توقِعُ بها بين النَّبيِّ ﷺ وبينهُم وتلقِي العداوة بينهُم، وتوقدُ نارها كما توقد النَّار بالحطبِ، فكنَّى عن ذلك بحملهَا (٤) الحطب. (﴿فِي جِيدِهَا﴾) عنقها (﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: ٥] يُقَالُ: ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ لِيفِ المُقْلِ) وذلك هو (٥) الحبلُ الَّذي كانت تحتطبُ بهِ، فبينما هي ذاتَ يومٍ حاملة الحُزمة أعيتْ، فقعدَت على حجرٍ لتستريحَ؛ أتاها ملكٌ فجذبهَا من خلفِها فأهلكها (وَ) قيل: (هْيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ) من حديدٍ، ذرعُهَا سبعونَ ذراعًا، تدخلُ في فمهَا وتخرجُ من دبرهَا، ويكونُ سائرها في عنقهَا، فُتِلت من حديدٍ فتلًا محكمًا، وهذهِ الجملة حالٌ من ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ الَّذي هو نعتٌ لـ ﴿امْرَأَتُهُ﴾، أو خبر مبتدأ مقدَّر (٦).

стр. 9275

(((١١٢))) (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) ولأبي ذرٍّ: «سورةُ الصَّمد» وهي مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها أربع أو خمس. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملة لغير أبي ذرٍّ. (يُقَالُ) هو قولُ أبي عبيدةَ في «المجاز»: (لَا يُنَوَّنُ ﴿أَحَدٌ﴾) في الوصل، فيقال: (أحدُ الله) بحذف التَّنوين لالتقاء السَّاكنين، ورويت قراءة عن زيدِ بن عليٍّ، وأبان بن عُثمان، والحسن، وأبي عَمرو في روايةٍ عنه؛ كقوله: عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّريدَ لِقَومِهِ … ورِجَالُ مكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ وقوله: فَألفَيْتُه غَيْرَ مُستَعْتِبٍ … ولَا ذَاكِرِ اللهَ إلَّا قَلِيلًا على إرادةِ التَّنوين، فحذف لالتقاءِ السَّاكنين، فبقيَ «الله» منصوبًا لا مجرورًا للإضافةِ، و «ذاكر» (١) جرَّ عطفًا على «مستعتبٍ» أي: ذكَّرتُه ما كان بيننا من المودَّة فوجدتهُ غيرَ راجعٍ بالعتابِ عن قبحِ ما فعل، والجيِّد هو التَّنوين، وكسره لالتقاءِ السَّاكنين (أَيْ: وَاحِدٌ) يريدُ: أنَّ أحدًا وواحدًا بمعنًى، وأصل ﴿أَحَدٌ﴾ وَحَد -بفتحتين- قال: كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زَالَ النَّهارُ بنَا … بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ فأبدلت الواو همزة، وأكثر ما يكون في المكسورةِ والمضمومةِ؛ كوجوهٍ ووسادةٍ، وقيل: ليسا مُتَرادفين. قال في «شرح المشكاة»: والفرقُ بينهما من حيثُ اللَّفظ من وجوهٍ: الأوَّل: أنَّ «أحدًا» لا يستعملُ في الإثباتِ على غيرِ الله تعالى، فيقالُ: الله أحدٌ، ولا يقالُ: زيد أحدٌ، كما يقال: زيد واحدٌ، وكأنَّه بُنيَ لنفي ما يذكرُ معهُ من العددِ (٢).

стр. 9276

والثَّاني: أنَّ نفيهُ يعمُّ، ونفي الواحدِ قد لا يعمُّ؛ ولذلك صحَّ أن يقال: ليسَ في الدَّار واحد، بل فيها اثنان، ولا يصحُّ ذلك في أحدٍ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [الأحزاب: ٣٢] ولم يقلْ: كواحدةٍ. الثَّالث: أنَّ (١) الواحد يفتحُ به العدد، ولا كذلكَ الأحد. الرَّابع: أنَّ الواحد تلحقهُ التَّاء، بخلافِ الأحد. ومن حيثُ المعنى أيضًا وجوهٌ: الأوَّل: أنَّ «أحدًا» من حيث الثَّناء أبلغُ من «واحدٍ»، كأنَّه من الصِّفات المشبَّهة التي بُنيت لمعنى الثَّبات، ويشهدُ له الفروق اللَّفظيَّة المذكُورة. الثَّاني: أنَّ الوحدة (٢) تطلقُ ويرادُ بها عدمُ التَّثنِّي والنَّظير؛ كوحدة الشَّمس، والواحدُ يكثرُ إطلاقهُ بالمعنى الأوَّل، والأحدُ يغلبُ استعمالهُ في الثَّاني ولذلك (٣) لا يجمعُ. قال الأزهريُّ: سُئل أحمدُ بنُ يحيى عن الآحادِ أنَّه جمع أحد، فقال: معاذَ الله! ليسَ للأحدِ جمعٌ، ولا يبعدُ أن يقال: جمع واحدٍ؛ كالأَشهَاد في (٤) جمع شاهدٍ، ولا يفتحُ بهِ الأحد. الثَّالث: ما ذكرهُ بعضُ المتكلِّمين في صفاتِ الله تعالى خاصَّة؛ وهو أنَّ الواحد باعتبار الذَّات (٥)، والأحدُ باعتبارِ الصِّفات (٦)، وحظُّ العبدِ أن يغوصَ لجَّة التَّوحيد ويستغرقَ فيه حتَّى لا يَرى من الأزلِ إلى الأبدِ غير الواحدِ الصَّمدِ. قال الشَّيخ أبو بكرٍ بن فَوْرك: الواحدُ في وصفهِ تعالى لهُ ثلاثة معانٍ (٧): أحدُها: أنَّه لا قسم

стр. 9277

لذاتهِ، وأنَّه غيرُ متبعِّض ولا متحيِّز (١). والثَّاني: أنَّه لا شبيهَ له، والعربُ تقول: فلانٌ واحدٌ في عصرهِ، أي: لا شبيه له. والثَّالث: أنَّه واحدٌ على معنى أنَّه لا شريك لهُ في أفعاله (٢)، يقال: فلانٌ متوحِّد في هذا الأمرِ، أي: ليسَ يشركهُ فيه أحد. انتهى. والضَّمير في ﴿هُوَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه يعودُ على ما يُفهم من السِّياق، فإنَّه جاء في سببِ نزولها عن أبيِّ بن كعبٍ: أنَّ المشركين قالوا للنَّبيِّ ﷺ : انسب لنَا ربَّك، فنزلتْ. رواه التِّرمذيُّ والطَّبريُّ (٣)، والأوَّل من وجهٍ آخر مرسلًا، وقال: هذا أصحُّ، وصحَّح الموصول ابنُ خزيمةَ والحاكم، وحينئذٍ فيجوز أن (٤) يكون ﴿اللهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر الأوَّل، ويجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ بدلًا (٥) و ﴿أَحَدٌ﴾ الخبر، وأن يكونَ ﴿اللهُ﴾ خبرًا أوَّل (٦)، و ﴿أَحَدٌ﴾ خبرًا ثانيًا، وأن يكون ﴿أَحَدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ (٧)، أي: هو أحد. والثَّاني: أنَّه ضميرُ الشَّأن؛ لأنَّه موضعُ تعظيمٍ، والجملة بعده خبره مفسِّرة، ولم يثبت لفظُ الأحد في «جامعِ التِّرمذي» و «الدَّعوات» للبيهقي. نعم؛ ثبتَ اللَّفظان في «جامعِ الأصولِ».

стр. 9278

٤٩٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمْزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) بتشديد الذال المعجمة، أي: بعضُ بني آدم، وهُم من أنكرَ البعثَ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) الشَّتم (فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) وإنَّما كان شتمًا لما فيه من التَّنقيص؛ لأنَّ الولد إنَّما يكون عن والدٍ يحملهُ ثمَّ يضعهُ، ويستلزمُ ذلك سبق نكاحٍ، والنَّاكح يستدعِي باعثًا له على ذلك، والله تعالى منزَّه عن ذلك (وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ) فعَل بمعنى مفعول، كالقَبَضِ (١) والنَّقص (لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ) لأنَّه لمَّا كان تعالى واجب الوجودِ لذاتهِ قديمًا موجودًا قبل وجودِ الأشياء، وكان كلُّ مولود محدثًا؛ انتفت عنهُ الولديَّة (٢)، ولما كان لا يشبههُ أحدٌ من خلقهِ ولا يجانسهُ؛ حتَّى يكون له من جنسِهِ صاحبة فيتوالد؛ انتفَت عنهُ الوالديَّة، ولأبي ذرٍّ: «﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾» (وَلَمْ يَكُنْ لِي (٣) كُفُوًا أَحَدٌ) أي: مكافئًا ومماثلًا، فـ «لي» (٤) متعلِّق بـ «كفوًا»، وقُدِّم عليه لأنَّه محطُّ القصدِ بالنَّفي، وأُخِّر «أحدٌ» -وهو اسم «يكن» - عن خبرها رعايَةً للفاصلة، وقوله: «لم يكنْ لي» بعد قولهِ: «لم يلد» التفات. قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبدِ السَّلام رحمه الله تعالى: السُّلوب الواجبة لله تعالى على قسمين: أحدُهما: سلبُ نقيصةٍ؛ كالسِّنَة والنَّوم والموت. والثَّاني: ليس سلبًا للنقصِ بل سلبًا للمُشارِكِ في الكمالِ؛ كسلبِ الشَّريك. وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] فإنَّه سلبٌ للنَّقص؛ إذ الولد والوالد لا يكونان إلَّا من جسمينِ، وهما من الأغيارِ، والأغيار نقصٌ، وإن كانا يدلَّان بالتزامٍ على أنَّ الولد مثل الوالد؛ فيعودُ إلى سلبِ المشاركةِ في الكمالِ (٥).

стр. 9279

(٢) (قَوْلُهُ: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله : ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (وَالعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ (٢) أَبُو وَائِلٍ) بالهمز، شقيقُ بنُ سلمة ممَّا (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) وقال ابنُ عبَّاس: الَّذي تصمدُ إليهِ الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. وهو من صمدَ؛ إذا قصدَ، وهو الموصوفُ به على الإطلاقِ، فإنَّه مستغنٍ عن غيرهِ مطلقًا، وكلُّ ما عداهُ محتاج (٤) إليه في جميعِ جهاتهِ. وقال الحسنُ وقتادة: هو الباقِي بعد خلقِهِ. وعن الحسنِ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحيُّ القيُّوم الَّذي لا زوال له. وعن عكرمةَ: الَّذي لم يخرجْ منه شيءٌ ولا يُطْعم. وعن الضَّحَّاك والسُّدِّي: الَّذي لا جوفَ لهُ. وعن عبدِ (٥) اللهِ بنِ يزيد: ﴿الصَّمَدُ﴾ نورٌ يتلألأُ. وكلُّ هذهِ الأوصاف صحيحةٌ في صفاتهِ تعالى على ما لا يخفى. ٤٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ (قَالَ: وَ (٦) حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زادَ أبو ذرٍّ والوقتِ والأَصيليُّ وابنُ عساكر: «قالَ الله تعالى» كمَا

стр. 9280

في الفَرْع كأصله (١): (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) المنكرُ للبعثِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) «الشَّتم» وثبتَ ذلك للكُشمِيهنيِّ (أَمَّا (٢)) ولأبي ذرٍّ: «فأمَّا» (تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ) بغير فاء قبل همزة «أن»، وبه استدلَّ من جوَّز حذف الفاء من جواب «أمَّا» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ) بغير فاء أيضًا: (اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولمْ يكُن لهُ» على طريقِ الالتفاتِ (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]) قدَّم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العُرف سَبْق المولود؛ لأنَّه الأهمُّ؛ لقولهم (٣): ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كالحجَّة على أنَّه لم يلد، وقال في هذهِ السُّورة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وفي الإسراءِ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] لأنَّ من النَّصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقةً، ومنهم من يقول: إنَّ الله اتَّخذه ولدًا تشريفًا، فنفى الأمرين، وسقط قوله: «﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (﴿كُفُوًا﴾) بضمَّتين (٤) (وَكَفِيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل (وَكِفَاءً) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (وَاحِدٌ) في المعنى. ونقل في «فتوح الغيب» عن الغزاليِّ أنَّه قال: الواحدُ هو الواحدُ الَّذي هو مدفوع الشَّركة، والأحدُ الَّذي لا تركيبَ فيه، فالواحدُ نفيٌ للشَّريك والمِثْل، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتهِ، فالصَّمد الغنيُّ المحتاجُ إليه غيره، وهو أحديُّ الذَّات، وواحديُّ الصِّفات؛ لأنَّه لو كان له شريكٌ في ملكهِ لما كان غنيًّا يحتاجُ إليه غيرهُ، بل كان محتاجًا في (٥) قوامهِ ووجودهِ إلى أجزاء تركيبيَّةٍ (٦)، فالصَّمد (٧) دليلٌ على الوحدانيَّة (٨) والأحديَّة، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ المستمر ليس مثل وجودِ الإنسان
следующие страницы →