← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

والثَّاني: أنَّ نفيهُ يعمُّ، ونفي الواحدِ قد لا يعمُّ؛ ولذلك صحَّ أن يقال: ليسَ في الدَّار واحد، بل فيها اثنان، ولا يصحُّ ذلك في أحدٍ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [الأحزاب: ٣٢] ولم يقلْ: كواحدةٍ. الثَّالث: أنَّ (١) الواحد يفتحُ به العدد، ولا كذلكَ الأحد. الرَّابع: أنَّ الواحد تلحقهُ التَّاء، بخلافِ الأحد. ومن حيثُ المعنى أيضًا وجوهٌ: الأوَّل: أنَّ «أحدًا» من حيث الثَّناء أبلغُ من «واحدٍ»، كأنَّه من الصِّفات المشبَّهة التي بُنيت لمعنى الثَّبات، ويشهدُ له الفروق اللَّفظيَّة المذكُورة. الثَّاني: أنَّ الوحدة (٢) تطلقُ ويرادُ بها عدمُ التَّثنِّي والنَّظير؛ كوحدة الشَّمس، والواحدُ يكثرُ إطلاقهُ بالمعنى الأوَّل، والأحدُ يغلبُ استعمالهُ في الثَّاني ولذلك (٣) لا يجمعُ. قال الأزهريُّ: سُئل أحمدُ بنُ يحيى عن الآحادِ أنَّه جمع أحد، فقال: معاذَ الله! ليسَ للأحدِ جمعٌ، ولا يبعدُ أن يقال: جمع واحدٍ؛ كالأَشهَاد في (٤) جمع شاهدٍ، ولا يفتحُ بهِ الأحد. الثَّالث: ما ذكرهُ بعضُ المتكلِّمين في صفاتِ الله تعالى خاصَّة؛ وهو أنَّ الواحد باعتبار الذَّات (٥)، والأحدُ باعتبارِ الصِّفات (٦)، وحظُّ العبدِ أن يغوصَ لجَّة التَّوحيد ويستغرقَ فيه حتَّى لا يَرى من الأزلِ إلى الأبدِ غير الواحدِ الصَّمدِ. قال الشَّيخ أبو بكرٍ بن فَوْرك: الواحدُ في وصفهِ تعالى لهُ ثلاثة معانٍ (٧): أحدُها: أنَّه لا قسم

стр. 9277

لذاتهِ، وأنَّه غيرُ متبعِّض ولا متحيِّز (١). والثَّاني: أنَّه لا شبيهَ له، والعربُ تقول: فلانٌ واحدٌ في عصرهِ، أي: لا شبيه له. والثَّالث: أنَّه واحدٌ على معنى أنَّه لا شريك لهُ في أفعاله (٢)، يقال: فلانٌ متوحِّد في هذا الأمرِ، أي: ليسَ يشركهُ فيه أحد. انتهى. والضَّمير في ﴿هُوَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه يعودُ على ما يُفهم من السِّياق، فإنَّه جاء في سببِ نزولها عن أبيِّ بن كعبٍ: أنَّ المشركين قالوا للنَّبيِّ ﷺ : انسب لنَا ربَّك، فنزلتْ. رواه التِّرمذيُّ والطَّبريُّ (٣)، والأوَّل من وجهٍ آخر مرسلًا، وقال: هذا أصحُّ، وصحَّح الموصول ابنُ خزيمةَ والحاكم، وحينئذٍ فيجوز أن (٤) يكون ﴿اللهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر الأوَّل، ويجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ بدلًا (٥) و ﴿أَحَدٌ﴾ الخبر، وأن يكونَ ﴿اللهُ﴾ خبرًا أوَّل (٦)، و ﴿أَحَدٌ﴾ خبرًا ثانيًا، وأن يكون ﴿أَحَدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ (٧)، أي: هو أحد. والثَّاني: أنَّه ضميرُ الشَّأن؛ لأنَّه موضعُ تعظيمٍ، والجملة بعده خبره مفسِّرة، ولم يثبت لفظُ الأحد في «جامعِ التِّرمذي» و «الدَّعوات» للبيهقي. نعم؛ ثبتَ اللَّفظان في «جامعِ الأصولِ».

стр. 9278

٤٩٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمْزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) بتشديد الذال المعجمة، أي: بعضُ بني آدم، وهُم من أنكرَ البعثَ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) الشَّتم (فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) وإنَّما كان شتمًا لما فيه من التَّنقيص؛ لأنَّ الولد إنَّما يكون عن والدٍ يحملهُ ثمَّ يضعهُ، ويستلزمُ ذلك سبق نكاحٍ، والنَّاكح يستدعِي باعثًا له على ذلك، والله تعالى منزَّه عن ذلك (وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ) فعَل بمعنى مفعول، كالقَبَضِ (١) والنَّقص (لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ) لأنَّه لمَّا كان تعالى واجب الوجودِ لذاتهِ قديمًا موجودًا قبل وجودِ الأشياء، وكان كلُّ مولود محدثًا؛ انتفت عنهُ الولديَّة (٢)، ولما كان لا يشبههُ أحدٌ من خلقهِ ولا يجانسهُ؛ حتَّى يكون له من جنسِهِ صاحبة فيتوالد؛ انتفَت عنهُ الوالديَّة، ولأبي ذرٍّ: «﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾» (وَلَمْ يَكُنْ لِي (٣) كُفُوًا أَحَدٌ) أي: مكافئًا ومماثلًا، فـ «لي» (٤) متعلِّق بـ «كفوًا»، وقُدِّم عليه لأنَّه محطُّ القصدِ بالنَّفي، وأُخِّر «أحدٌ» -وهو اسم «يكن» - عن خبرها رعايَةً للفاصلة، وقوله: «لم يكنْ لي» بعد قولهِ: «لم يلد» التفات. قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبدِ السَّلام رحمه الله تعالى: السُّلوب الواجبة لله تعالى على قسمين: أحدُهما: سلبُ نقيصةٍ؛ كالسِّنَة والنَّوم والموت. والثَّاني: ليس سلبًا للنقصِ بل سلبًا للمُشارِكِ في الكمالِ؛ كسلبِ الشَّريك. وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] فإنَّه سلبٌ للنَّقص؛ إذ الولد والوالد لا يكونان إلَّا من جسمينِ، وهما من الأغيارِ، والأغيار نقصٌ، وإن كانا يدلَّان بالتزامٍ على أنَّ الولد مثل الوالد؛ فيعودُ إلى سلبِ المشاركةِ في الكمالِ (٥).

стр. 9279

(٢) (قَوْلُهُ: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله : ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (وَالعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ (٢) أَبُو وَائِلٍ) بالهمز، شقيقُ بنُ سلمة ممَّا (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) وقال ابنُ عبَّاس: الَّذي تصمدُ إليهِ الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. وهو من صمدَ؛ إذا قصدَ، وهو الموصوفُ به على الإطلاقِ، فإنَّه مستغنٍ عن غيرهِ مطلقًا، وكلُّ ما عداهُ محتاج (٤) إليه في جميعِ جهاتهِ. وقال الحسنُ وقتادة: هو الباقِي بعد خلقِهِ. وعن الحسنِ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحيُّ القيُّوم الَّذي لا زوال له. وعن عكرمةَ: الَّذي لم يخرجْ منه شيءٌ ولا يُطْعم. وعن الضَّحَّاك والسُّدِّي: الَّذي لا جوفَ لهُ. وعن عبدِ (٥) اللهِ بنِ يزيد: ﴿الصَّمَدُ﴾ نورٌ يتلألأُ. وكلُّ هذهِ الأوصاف صحيحةٌ في صفاتهِ تعالى على ما لا يخفى. ٤٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ (قَالَ: وَ (٦) حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زادَ أبو ذرٍّ والوقتِ والأَصيليُّ وابنُ عساكر: «قالَ الله تعالى» كمَا

стр. 9280

في الفَرْع كأصله (١): (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) المنكرُ للبعثِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) «الشَّتم» وثبتَ ذلك للكُشمِيهنيِّ (أَمَّا (٢)) ولأبي ذرٍّ: «فأمَّا» (تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ) بغير فاء قبل همزة «أن»، وبه استدلَّ من جوَّز حذف الفاء من جواب «أمَّا» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ) بغير فاء أيضًا: (اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولمْ يكُن لهُ» على طريقِ الالتفاتِ (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]) قدَّم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العُرف سَبْق المولود؛ لأنَّه الأهمُّ؛ لقولهم (٣): ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كالحجَّة على أنَّه لم يلد، وقال في هذهِ السُّورة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وفي الإسراءِ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] لأنَّ من النَّصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقةً، ومنهم من يقول: إنَّ الله اتَّخذه ولدًا تشريفًا، فنفى الأمرين، وسقط قوله: «﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. (﴿كُفُوًا﴾) بضمَّتين (٤) (وَكَفِيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل (وَكِفَاءً) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (وَاحِدٌ) في المعنى. ونقل في «فتوح الغيب» عن الغزاليِّ أنَّه قال: الواحدُ هو الواحدُ الَّذي هو مدفوع الشَّركة، والأحدُ الَّذي لا تركيبَ فيه، فالواحدُ نفيٌ للشَّريك والمِثْل، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتهِ، فالصَّمد الغنيُّ المحتاجُ إليه غيره، وهو أحديُّ الذَّات، وواحديُّ الصِّفات؛ لأنَّه لو كان له شريكٌ في ملكهِ لما كان غنيًّا يحتاجُ إليه غيرهُ، بل كان محتاجًا في (٥) قوامهِ ووجودهِ إلى أجزاء تركيبيَّةٍ (٦)، فالصَّمد (٧) دليلٌ على الوحدانيَّة (٨) والأحديَّة، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ المستمر ليس مثل وجودِ الإنسان

стр. 9281

الَّذي يبقى نوعهُ (١) بالتَّوالد والتَّناسل، بل هو وجودٌ مستمرٌّ أزليٌّ أبديٌّ، و ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ ليسَ مثل وجودِ الإنسان (٢) الَّذي يتحصَّل بعد العدم، ويبقى دائمًا إمَّا في جنَّةٍ عاليةٍ لا يفنى، وإمَّا في هاويةٍ لا ينقطعُ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] دليلٌ على أنَّ الوجودَ الحقيقيَّ الَّذي (٣) له تعالى هو الوجودُ الَّذي يُفيد وجود غيرهِ، ولا يستفيد (٤) الوجودَ من غيره، فقوله تعالى: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ دليلٌ على إثباتِ ذاتهِ المقدَّسة (٥) المنزَّهة، والصَّمديَّة تقتضِي نفي الحاجة عنه، واحتياجَ غيرِه إليه، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … إلى آخرِ السُّورة سلب ما يوصَف به غيرهُ عنه، ولا طريقَ في معرفتهِ تعالى أوضح من سلبِ صفاتِ المخلوقاتِ عنه. ولمَّا اشتملتْ هذه السُّورة -مع قصرهَا- على جميعِ المعارفِ الإلهيَّة، والردِّ على من ألحدَ فيها؛ جاء أنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ، كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في «كتاب فضائلِ القُرآن» [خ¦٥٠١٣] وهل يحملُ ذلك على الإجزاءِ أم (٦) على غيرِها؟ فذهب الفقهاءُ والمفسِّرون إلى أنَّ لقارئها من الثَّواب ثلث ما لقارئ جملته، وليس في الجوابِ أكثر من أنَّ الله يهبُ ما يشاءُ لمن يشاء، وأجابَ المتكلِّفون بجوابٍ يمكنُ إرادتهُ، قالوا: القرآنُ ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ فيما يجوزُ أن يوصفَ به وما لا يجوزُ، وقسمٌ من أمر الدُّنيا، وقسمٌ من أمرِ الآخرةِ، ولم تتضمَّن سورة الإخلاصِ غير القسمِ الواحد، فصارت تعدلُ ثلثهُ؛ ولهذا سمِّيت سورة الإخلاصِ؛ لأنَّها خلصت في صفاته خاصَّة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه قريبًا بعونِ الله وقوَّته، وسقط قوله: «كفؤًا وكفيئًا … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.

стр. 9282

(((١١٣))) (سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها خمس. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] الصُّبْحُ) لأنَّ اللَّيل يُفْلَقُ عنه ويُفْرَق، فَعَل بمعنى: مفعول، أي: مفلوقٌ، وتخصيصُه لما فيه من تغيُّر (١) الحالِ (٢)، وتبدُّل وحشةِ اللَّيل بسرور النُّور، وقيل: هو كلُّ ما يفلقهُ الله؛ كالأرض عن النَّبات، والسَّحاب عن المطرِ، والأرحامِ عن الأولادِ، وثبت قوله: «﴿الْفَلَقِ﴾: الصُّبح» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره. (و ﴿غَاسِقٍ﴾) بالرَّفع وبالجرِّ، وهو الموافقُ للتَّنزيل: (اللَّيْلُ) أي: العظيم ظلامهُ (﴿إِ ذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]) أي: (غُرُوبُ الشَّمْسِ، يُقَالُ (٣): أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ) الأوَّل بالرَّاء، والثَّاني باللَّام (﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ) بغروبِ الشَّمس، وقيل: المراد القمر؛ فإنَّه يكسِفُ فيغسِقُ، ووقُوبُهُ دخولُهُ في الكسوفِ. وفي حديث عائشة عند التِّرمذيِّ والحاكمِ: أنَّه ﷺ أخذَ بيدها فأراهَا القمرَ حين طلعَ، وقال: «تعوَّذي باللهِ مِن شرِّ هذا الغاسقِ إذا وقَبَ». قال في «شرح المشكاة»: لمَّا سُحر النَّبيُّ ﷺ استشفَى بالمعوِّذتين؛ لأنَّهما من الجوامعِ في هذا البابِ، فتأمَّل في أولاهُما كيف خصَّ وصف المستعاذِ به (٤) ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] أي:

стр. 9283

بفالقِ الإصباحِ؛ لأنَّ هذا الوقت وقت فيضانِ (١) الأنوارِ ونزولِ الخيراتِ والبركاتِ، وخصَّ المستعاذَ منه بـ ﴿مَا خَلَقَ﴾ فابتدأ بالعامِّ في قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] أي: من شرِّ خلقهِ، ثمَّ ثنَّى بالعطف عليه ما هو شرُّه أخفى، وهو نقيضُ انفلاقِ (٢) الصُّبح من دخولِ الظَّلام واعتكارهِ المعنيُّ (٣) بقولهِ: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] لأنَّ انبثاثَ الشَّرِّ فيهِ أكثرُ، والتَّحرُّز منهُ أصعبُ، ومنه قولهم: اللَّيل أخفَى للويلِ. ٤٩٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ أبي النَّجُود -بفتح النون وبالجيم المضمومة آخره دال مهملة- أحدُ القرَّاء السَّبعة (وَعَبْدَةَ) بفتح العين وسكون الموحدة، ابنُ أبي لُبابة -بضم اللام وتخفيف الموحدة- الأسديَّ؛ كلاهما (عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ) بكسر الزاي وتشديد الراء، و «حُبَيش»: بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة آخره معجمة، مصغَّرًا، وسقط «ابن حبيشٍ» لأبي ذرٍّ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ) بكسر الواو المشددة، وعند ابنِ حبَّان وأحمد من طريق حمَّادِ بن سلمةَ عن عاصمٍ: قلت لأبيِّ بن كعبٍ: إنَّ ابن مسعودٍ لا يكتبُ المعوِّذتين في مصحفه (فَقَالَ) أُبيٌّ (٤): (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) عنهما (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (قِيلَ لِي) بلسانِ جبريلَ (فَقُلْتُ) قال أُبيٌّ: (فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬). وعند الحافظِ أبي يعلى عن علقمةَ قال: كان عبدُ اللهِ يحك المعوِّذتين من المصحف، ويقولُ: إنَّما أمر رسولُ الله ﷺ أن يتعوَّذ بهما، ولم يكنْ عبدُ الله يقرأُ بهما. ورواهُ عبدُ الله ابن الإمامِ أحمد عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيد، وزاد: ويقولُ: إنَّهما ليستَا من كتابِ الله. وهذا مشهورٌ عند كثيرٍ من القرَّاء والفقهاءِ؛ أنَّ ابنَ مسعودٍ كان لا يكتبهما في مصحفهِ، وحينئذٍ فقولُ النَّوويِّ في «شرح

стр. 9284

المهذب»: أجمعَ المسلمون على أنَّ المعوِّذتين والفاتحة من القرآنِ، وأنَّ من جحدَ شيئًا منها (١) كفرَ، وما نقل عن ابنِ مسعودٍ باطل ليس بصحيحٍ؛ فيه نظرٌ، كما نبَّه عليه في «الفتح» إذ فيهِ طعنٌ في الرِّوايات الصَّحيحة بغير مستندٍ، وهو غيرُ مقبولٍ، وحينئذٍ فالمصيرُ إلى التَّأويل أولى، وقد تأوَّل القاضِي أبو بكرٍ الباقلَّاني ذلك بأنَّ ابن مسعودٍ لم ينكر قرآنيتهما، وإنَّما أنكر إثباتهما في المصحفِ، فإنَّه كان يرى أن لا يكتب في المصحفِ شيءٌ إلَّا إن (٢) كان النَّبيُّ ﷺ أذنَ في كتابته فيه، وكأنَّه لم يبلغه الإذن في ذلك، فليس فيهِ جحدٌ لقرآنيتهما، وتُعُقِّب بالرِّواية السَّابقة الصَّريحة الَّتي فيها: ويقول: إنَّهما ليستا من كتاب الله، وأُجيب بإمكانِ حمل لفظ «كتاب الله» على المصحف، فيتمشَّى (٣) التَّأويل المذكُور. قالهُ في «فتح الباري»، ويحتملُ أيضًا أنَّه لم يسمعْهما من النَّبيِّ ﷺ ولم يتواتَرا عندهُ، ثمَّ لعلَّه قد (٤) رجعَ عن قوله ذلك إلى قولِ الجماعة، فقد أجمع الصَّحابة عليهما وأثبتوهُما في المصاحف الَّتي بعثوها إلى سائر الآفاقِ. (((١١٤))) (سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ستٌّ، فإن قلت: إنَّه تعالى ربُّ جميع العالمين، فلم خصَّ النَّاس؟ أُجيب: لشرفهم، أو لأنَّ المأمورَ هو النَّاس (٥). وسقط لفظ «سورة» لغير أبي ذرٍّ (٦).

стр. 9285

(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ولأبي ذرٍّ: «وقالَ (١) ابنُ عبَّاس»: (﴿الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤] إِذَا وُلِدَ) بضم الواو وكسر اللام (خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ) اعترضه السَّفاقِسيُّ: بأنَّ المعروف في اللُّغة: خنسَ إذا رجعَ وانقبضَ، وقال الصَّغانيُّ: الأَولى «نخسهُ» مكان «خَنَسه»، فإن سلمتِ اللَّفظة من الانقلابِ والتَّصحيف؛ فالمعنى: أزالهُ عن مكانه لشدَّة نخسهِ وطعنهِ بإصبعه في خاصرتهِ (فَإِذَا ذُكِرَ اللهُ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللهُ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ) والتَّعبير بـ «يُذْكَر» أولى؛ لأنَّ إسناده إلى ابنِ عبَّاس ضعيف، أخرجَه الطَّبرانيُّ (٢) وغيره، وأخرجَ (٣) ابنُ مَرْدويه من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس قال: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ هو الشَّيطان، يولد المولود والوسواسُ على قلبهِ، فهو يصرفُه حيث شاء، فإذا ذُكرَ الله خنسَ، وإذا غفلَ جثم على قلبهِ فوسوسَ، وعند سعيد بنِ منصورٍ من طريق عروةَ بن رويم، قال: سألَ عيسى ﵇ ربَّه أن يريهُ موضعَ الشَّيطان من ابنِ (٤) آدمَ، فأُرَاه فإذا رأسه مثل رأسِ الحيَّة، واضعٌ رأسهُ على ثمرةِ القلبِ، فإذا ذكرَ العبدُ ربَّه خنسَ، وإذا تركَ منَّاه وحدَّثه. وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] هل يختصُّ ببني آدم أو يعمُّ بني آدم والجن؟ فيه قولان. ويكونونَ (٥) قد دخلُوا في لفظِ النَّاس تغليبًا.

стр. 9286

٤٩٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) بضم اللام وبين الموحدتين الخفيفتين ألف، الأسديُّ (عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ) قال سفيانُ: (وَحَدَّثَنَا) أيضًا (عَاصِمٌ) هو ابنُ أبي النَّجود (عَنْ زِرٍّ) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ) له: يا (أَبَا المُنْذِرِ) هي كنيةُ أُبيٍّ (إِنَّ أَخَاكَ) في الدِّين (ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله (يَقُولُ كَذَا وَكَذَا) يعني: أنَّ المعوِّذتين ليستَا من القرآنِ، كما مرَّ التَّصريح به في حديثٍ (فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) عنهما (فَقَالَ لِي: قِيلَ لِي) بلسانِ جبريلَ، ولأبي ذرٍّ: «فقيل لي» (فَقُلْتُ) كما قيل لي: (قَالَ) أُبيٌّ: (فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وهذا ممَّا اختُلِف فيهِ، ثمَّ ارتفعَ الخلافُ ووقعَ الإجماعُ عليه، فلو أنكرَ أحدٌ اليوم قرآنيَّته كفر، وفي «مسلم» من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم ترَ آياتٍ أُنزلَتْ (١) هذه اللَّيلة لم يُرَ مثلهنَّ قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾». وعنه أيضًا: أَمَرني رسولُ الله ﷺ أن أقرأَ بالمعوِّذات في دبرِ كلِّ صلاةٍ. ورواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ. وعند النَّسائيِّ عنه أيضًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأ بهمَا في صلاةِ الصُّبح. وقد رويَ ذلك من طرقٍ قد تفيدُ التَّواتر يطولُ إيرادهَا. والله الموفِّق للصَّواب. اشتملَ «كتابُ التَّفسير» على خمس مئة حديث وأربعين حديثًا من الأحاديث المرفوعة وما في حكمِها، الموصولُ من ذلك أربعُ مئة حديثٍ وخمسةٌ وستونَ حديثًا، والبقيَّة معلَّقة، وفيه من الآثارِ عن الصَّحابة فمن بعدهم خمس مئة وثمانونَ أثرًا، والله الموفِّق للصَّواب (٢). تمَّ التَّفسير -والله أعلم بأسرار كتابه- في يوم الإثنين، الحادي والعشرين من شعبان، سنة عشر وتسع مئة، أحسنَ الله تعالى بمنِّه وكرمِهِ عاقبتنا والمسلمين فيها، وكفانَا كلَّ مهمةٍ (٣)، ويسَّرَ إكمالَ هذا المجموعِ ونفعَ به، وجعلهُ خالصًا لوجههِ الكريم، أستودعه تعالى ذلك فإنَّه الحفيظُ الجوادُ الكريم الرَّؤوف الرَّحيم (٤).

стр. 9287

وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبهِ وسلَّم أفضلَ الصَّلاة وأتمَّ التَّسليم، آمين (١).

стр. 9288

((٦٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآن) جمعُ: فضيلةٍ، واختُلف هل في القرآن شيءٌ أفضلُ من شيءٍ: فذهب الأشعريُّ والقاضي أبو بكرٍ إلى أنَّه لا فضلَ لبعضهِ على بعضٍ؛ لأنَّ الأفضلَ يُشعر بنقصِ المفضولِ، وكلامُ الله حقيقةٌ واحدةٌ لا نقصَ فيه. وقال قومٌ بالأفضليَّةِ لظواهرِ الأحاديثِ، كحديث: «أعظمُ سورةٍ في القرآنِ» [خ¦٤٦٤٧] ثمَّ اختلفوا: فقال قومٌ: الفضلُ راجعٌ إلى عظمِ الأجر والثَّواب، وقال آخرون: بل لذاتِ اللَّفظ، وأنَّ ما تضمنتْهُ آية الكرسيِّ، وآخر سورةِ الحشر، وسورةُ الإخلاص من الدَّلالة على وحدانيتهِ تعالى وصفاته ليس موجودًا مثلًا في: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] فالتَّفضيل بالمعاني العجيبةِ وكثرتها لا من حيثُ الصِّفة. وقال الخُوَيِّيُّ (١): من قال: إن ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أبلغُ من: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بجعل المقابلةِ بين ذكر اللهِ وذكرِ أبي لهبٍ، وبين التَّوحيد والدُّعاء على الكافرين (٢)؛ فذلك غيرُ صحيحٍ، بل ينبغي أن يقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ دعاءٌ عليه بالخسرانِ، فهل توجدُ عبارةٌ للدُّعاء بالخسرانِ أحسنُ من هذه؟ وكذلك في: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ لا توجدُ عبارةٌ تدلُّ على الوحدانيَّة أبلغُ منها، فالعالِمُ إذا نظر إلى (٣) ﴿تَبَّتْ﴾ في باب الدُّعاء بالخسرانِ، ونظر إلى ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في باب التَّوحيد؛ لا يمكنُه أن يقول: أحدهما أبلغُ من الآخر، وهذا التَّقييد يغفلُ عنه من لا علم عندهُ بعلم البيانِ، ولعلَّ الخلافَ في هذه المسألةِ يلتفتُ إلى الخلافِ المشهور: أنَّ كلام الله شيءٌ

стр. 9289

واحدٌ أم لا؟ وعند الأشعريِّ: أنَّه لا يتنوعُ في ذاته بل (١) بحسب متعلقاتهِ، وليس لكلامِ الله الذي هو صفةُ ذاته بعضٌ، لكن بالتَّأويل والتَّعبير (٢)، وفَهْم السَّامعين اشتملَ على أنواعِ المخاطباتِ، ولولا تنزُّله في هذه المواقعِ لما وصلنا إلى فَهم شيءٍ منه. وسقطت البَسْملة لأبي ذرٍّ، وثبت له لفظ: «كتاب» وسقط لغيره. (١) (بابُ كَيْفَ نُزُولُ الوَحْيِ) ولأبي ذرٍّ: «نزل الوحي» بلفظ الماضي، وسقط له لفظ «باب» (وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ) منه. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابنُ أبي حاتم: (المُهَيْمِنُ) في قوله تعالى بالمائدة: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] هو (الأَمِينُ) وهو أيضًا (القُرْآنُ، أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ) من الكتب السماويَّة. ٤٩٧٨ - ٤٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، العَبْسيُّ، مولاهم الكوفيُّ (عَنْ شَيْبَانَ) بفتح الشين المعجمة، ابنِ عبدِ الرَّحمنِ النَّحويِّ التَّميميِّ، مولاهم البَصريِّ، أبي معاوية (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفِ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي) بالإفراد (عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ) نزولًا متتابعًا بعد مدَّة وحي المنامِ، وفترةِ الوحي سنتين ونصفًا أو ثلاثًا (وَبِالمَدِينَةِ عَشْرًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عشر سنين»، ومباحثُ ذلك سبقتْ آخر «المغازي» [خ¦٤٤٦٤]. وأخرج النَّسائيُّ عن ابنِ عبَّاس قال: أُنزل القرآنُ جملةً واحدةً إلى سماءِ الدُّنيا في ليلةِ القدرِ،

стр. 9290

ثمَّ أُنزل بعد ذلك في عشرين سنة … الحديث. وظاهرُ حديث البابِ أنَّه نزل كلُّه بمكة والمدينة خاصَّة، وهو كذلك. نعم نزلَ في غيرهما (١) حيثُ كان ﷺ في سفرِ حجٍّ أو عمرةٍ أو غزاةٍ، ولكن الاصطلاح أنَّ كلَّ ما نزل قبل الهجرةِ فمكِّيٌّ، وما (٢) بعدَها فمدنيٌّ. ٤٩٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو: ابنُ سليمانَ التَّيميُّ، (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) هو سليمان (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبدِ الرَّحمنِ النَّهديِّ، أنَّه (قَالَ: أُنْبِئْتُ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أُخبرت (أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ) زوجته ﵂ (فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ) معه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: مَنْ هَذَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ) شكٌّ من الرَّاوي مع بقاءِ المعنى في ذهنهِ (قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ) الكَلْبيُّ (فَلَمَّا قَامَ) ﵊ (قَالَتْ) أمُّ سلمة: (وَاللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ) أي: دِحية (حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ، أَوْ كَمَا قَالَ) (٣). قال في «الفتح»: ولم أقفْ في شيءٍ من الرِّوايات على بيان هذا الخبرِ في أيِّ قصَّة، ويحتملُ أن يكون في قصَّة بني قُرَيظة، ففي «دلائل» البيهقي و «الغيلانيات» من رواية عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنَّها رأتِ النَّبيَّ ﷺ يكلِّم رجلًا وهو راكبٌ، فلمَّا دخلَ قلت: من هذا الرَّجل الذي كنتَ تكلِّمه؟ قال: «بمن تشبِّهيه؟» قلتُ (٤): بدِحْية بن خليفةَ، قال: «ذاكَ جبريلُ أَمَرني أن أَمْضي إلى بَني قُرَيظة». انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الرَّائية في حديث البابِ أمُّ سلمة وهنا عائشة، وباختلاف الرُّواة.

стр. 9291

وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه ليس في شيءٍ من ذلك ما يمنعُ احتمالَ اتِّحادِ القصَّة، فرآهُ كلٌّ من عائشةَ وأمِّ سلمة، كذا قال، فليتأمل. وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «خبر» (١)، قال معتمر: (قَالَ أَبِي) سليمان: (قُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ) النَّهديِّ: (مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟) الحديث (قَالَ): سمعتُه (مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حبِّ رسولِ الله ﷺ . ٤٩٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ) من المعجزاتِ (مَا) موصولة مفعولٌ ثانٍ لـ «أعطيَ»؛ أي: الذي (مِثْلُهُ) مبتدأٌ خبره (آمَنَ) بالمد (عَلَيْهِ) أي: لأجلهِ (البَشَرُ) والجملةُ صلةُ الموصولِ، و «على» بمعنى اللَّام، وعبَّر بها لتضمُّنِها معنى الغلبةِ؛ أي: يؤمنون بذلك مغلوبًا عليهم بحيثُ لا يستطيعون دفعَه عن أنفسهِم. وقال الطِّيبي: لفظ «عليه» حالٌ؛ أي: مَغلوبًا عليه في التَّحدي والمباراةِ؛ أي: ليس نبيٌّ إلَّا قد أعطاهُ الله من المعجزاتِ الشَّيء الذي صفتُه أنَّه إذا شُوهد اضطرَّ المشاهد إلى الإيمانِ به، وتحريرُه أنَّ كلَّ نبيٍّ اختصَّ بما يُثبت دعواهُ من خارقِ العاداتِ بحسب زمانهِ، كقلبِ العصا ثعبانًا؛ لأنَّ الغلبةَ في زمن موسى ﵇ للسحْرِ، فأتاهم بما يوافقُ السِّحر، فاضطرَّهم إلى الإيمانِ به، وفي زمانِ عيسى ﵊ الطِّب، فجاء بما هو أعلى من الطِّب، وهو إحياءُ الموتى، وفي زمانِ نبينا ﷺ البلاغة، وكان بها فَخَارهم فيما بينهم، حتى علَّقوا القصائدَ السَّبع بباب الكعبةِ تحدِّيًا لمعارضتها، فجاء بالقرآنِ من جنسِ ما تناهوا فيه بما عجزَ عنه البُلغاء الكاملون في عصره. انتهى. ويحتملُ أن يكون المعنى: أنَّ القرآن ليس له مِثْلٌ لا صورةً ولا حقيقةً. قال تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، بخلاف معجزاتِ غيره، فإنَّها وإن لم يكن لها مثلٌ حقيقةً، يحتملُ

стр. 9292

أن يكون لها صورةً. (وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ) من المعجزاتِ، ولأبي ذرٍّ: «أوتيتُه» (١) (وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ) وهو القرآن، وليست معجزاتُه ﷺ مُنحصرةً في القرآن، فالمراد أنَّه أعظمُها وأكثرُها فائدةً، فإنَّه يشتملُ على الدَّعوة والحجَّة، ويُنْتفع به إلى يوم القيامة، ولذا رتَّب عليه قوله: (فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا) أي: أمَّة (يَوْمَ القِيَامَةِ) إذ باستمرار المعجزةِ ودوامها يتجدَّدُ الإيمانُ، ويتظاهرُ البرهانُ، وهذا بخلاف معجزاتِ سائرِ الرُّسل، فإنَّها انقرضتْ بانقراضِهم، وأما معجزةُ القرآن فإنَّها لا تبيدُ ولا تنقطعُ، وآياتُه متجدِّدةٌ لا (٢) تضمحِلُّ، وخرقُه للعادةِ في أسلوبهِ، وبلاغتهِ، وإخباره بالمغيَّبات لا تتناهَى، فلا يمرُّ عصرٌ من الأعصارِ إلَّا ويظهرُ فيه شيءٌ ممَّا أخبرَ به ﵊. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٧٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير» و «فضائل القرآن». ٤٩٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح العين، البغداديُّ النَّاقد قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلم الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ الوَحْيَ) أي: أنزلَه متتابعًا متواترًا (قَبْلَ وَفَاتِهِ) أي: قُرْبها (حَتَّى تَوَفَّاهُ (٣)) أي: الزَّمن الذي وقعت فيهِ وفاته (أَكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيُ) نزولًا عليه من غيره من الأزمنةِ؛ لأنَّه في أوَّل البعثةِ فترَ فترةً، ثمَّ كثرَ، ولم ينزلْ بمكَّة من السُّور الطِّوال إلَّا القليل، ثمَّ كان الزَّمنُ الأخيرُ من الحياة النَّبويَّة أكثرَ نزولًا؛ لأنَّ الوفودَ بعد فتح مكَّة كثروا، وكثرَ سؤالهم عن الأحكامِ.

стр. 9293

ثمَّ ذكر ابنُ يونس في «تاريخ مصر» في ترجمةِ سعيدِ ابنِ أبي مريم (١)، ممَّا حكاه في «الفتح»: أنَّ سببَ تحديث أنسٍ بذلك سؤالُ الزُّهريِّ له: هل فترَ الوحيُ عن النَّبيِّ ﷺ قبل أن يموتَ؟ قال: بل أكثرَ ما كان وأجمَّهُ. وسقطتِ التَّصليةُ لأبي ذرٍّ، وثبت قوله: «الوحي» من قوله: «تابع على رسول الله ﷺ الوحي» للكُشمِيهنيِّ، وسقط لغيره (ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُ) بالضم مبنيًّا لقطعِ الإضافةِ عنه؛ أي: بعدَ ذلك. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «فضائل القرآن». ٤٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العبديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا) بضم الجيم والدال المهملة (٢)، ابن عبد الله بنِ سفيان البَجَليَّ ﵁ (يَقُولُ: اشْتَكَى) مرضَ (النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ) للتَّهجد (لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) وهي حمَّالة الحطبِ، العوراءُ أخت أبي سفيان بن حرب (فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أُرَى) بضم همزة «أُرى» ولأبي ذرٍّ بفتحها (شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَالضُّحَى﴾) وهو صدرُ النَّهار حين ترتفع الشَّمس، وخصَّه بالقسم لأنَّه السَّاعة التي كلَّم الله تعالى فيها موسى، أو المراد النَّهار كله لمقابلتهِ باللَّيل بقوله: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾) أي: سكنَ، والمرادُ سكون النَّاس والأصوات فيه، وجوابُ القسمِ: (﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]) أي: ما ترككَ منذ اختاركَ، وما أبغضَكَ منذ أحبَّك، والتَّوديعُ: مبالغةٌ في الوَدع؛ لأنَّ من (٣) ودَّعَك مُفَارقًا فقد بالغَ في ترككَ، وسقط قوله: «﴿وَاللَّيْلِ﴾ .. » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾».

стр. 9294

والحديث سبق في «تفسير سورة والضحى» [خ¦٤٩٥٠]. (٢) هذا (بابٌ) بالتنوين (نَزَلَ القُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ) أي: بلغةِ مُعظمهم (وَالعَرَبِ) من عطف العام على الخاص (﴿قُرْآنًا﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله تعالى (١): ﴿قُرْآنًا﴾» (﴿عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]) (﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]) قال القاضي أبو بكرٍ الباقلَّاني: لم تقم دَلالة قاطعةٌ على نزولِ القرآن جميعهِ بلسان قريشٍ، بل ظاهرُ قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أنَّه نزلَ بجميعِ ألسنةِ العرب؛ لأنَّ اسمَ العرب يتناولُ الجميع تناولًا واحدًا، وقال أبو شامةَ: أي: ابتداءُ نزولهِ بلغةِ قريش، ثمَّ أبيحَ أن يُقرأ بلغة غيرهم. ٤٩٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمِ بنِ نافعِ قال: (أَخْبَرَنَا) ولغيرِ أبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد، والواو للعطفِ على مقدَّر ذكرهُ في الباب اللَّاحق (٢)، ولأبي ذرٍّ: «فأَخْبرني» (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ) ﵁ (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) كاتبَ الوحي، وقدوةَ الفَرَضيين (وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ) بنِ أُحَيْحَة الأمويَّ (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّامِ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا) أي: الآيات، أو السُّور، أو الصُّحف المحضرة من بيت حفصةَ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أن ينسخوا ما» (فِي المَصَاحِفِ) أي: ينقلوا الذي فيها إلى مصاحفَ أُخرى، والأوَّل هو الأوجهُ (٣)؛ لأنَّه كان في صُحف (٤) لا مَصاحف

стр. 9295

(وَقَالَ لَهُمْ) عثمان: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي) لغة (عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ (١) بِلِسَانِهِمْ) أي: معظمُه (فَفَعَلُوا) ما أمرهُم به عثمان. وهذا الحديث مرَّ في «باب نزولِ القرآن بلسانِ قريش»، في «المناقب» [خ¦٣٥٠٦]. ٤٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء والميم المشدَّدة، ابنُ يحيى بنِ دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) أي: ابنُ أبي رباحٍ (وَقَالَ) وفي نسخة: «ح. وقال» (مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان، سقطَ لغير أبي ذرٍّ «ابنُ سعيدٍ» (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو: ابنُ أبي رباحٍ المذكور (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ) أباهُ (يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ) بضم أوله وفتح ثالثه (عَلَيْهِ الوَحْيُ) رفع مفعول ناب عن فاعله (٢)، ولأبي ذرٍّ بفتح أوله وكسر ثالثه (فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين المهملة، وقد تكسر وتشدد الراء، موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أحدُ مواقيت الإحرام (وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ) بفتح الهمزة والظاء المعجمة (وَمَعَهُ نَاسٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ومعه النَّاس» (مِنْ أَصْحَابِهِ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ). قال في «المقدمة»: حكى ابنُ فَتْحون في

стр. 9296

«الذَّيل»: أنَّ اسمه عطاءُ بن منبِّه، وعزاهُ لـ «تفسير» الطَّرسوسي، وفيه نظرٌ، وقال: إن صحَّ فهو أخو يعلى بن منبِّه، وفي «الشفاء» (١) للقاضي عياض ما يُشعر أنَّ اسمه (٢): عَمرو بن سَواد، والصَّواب: أنَّه يعلى بن أميَّة راوي الحديث، كما أخرجه الطَّحاوي من حديث شعبة، عن قتادةَ، عن عطاء: أنَّ رجلًا يقال له: يَعلى بن أميَّة، أحرمَ وعليه جبَّة (مُتَضَمِّخٌ) بالضادِ والخاء المعجمتين: مُتَلطِّخ (بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ) أي: بعمرةٍ، كما في «الحج» [خ¦١٥٣٦] (فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ) تلطَّخ (بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «أي» (تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ) ليرى النَّبيَّ ﷺ حالَ نزولِ الوحيِ (فَإِذَا هُوَ) ﵊ (مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِطُّ) بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، يتردَّدُ صوتُ نفسِهِ من شدَّة ثقلِ الوحيِ (كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة؛ أي: كشفَ (عَنْهُ) ما كان يجدُه من شدَّة ثقلِ الوحي (فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا؟ فَالتُمِسَ الرَّجُلُ) بضم التاء، مبنيًّا للمفعول (فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ) له: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) هل قوله: «ثلاث مرَّات» من جملةِ مقولهِ ﵊، فيكون نصًّا في تكرار الغسل ثلاثًا، أو العامل فيه «قال»؛ أي: قال له ﵊ ثلاث مرَّات: اغسلْهُ، فلا يكون نصًّا على التَّثليث. وسبق مزيدٌ لذلك في «الحج» [خ¦١٥٣٦]. (وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا) عنك (ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) من الطَّواف والسَّعي، والحلقِ، والاحترازِ عن محظوراتِ الإحرامِ. وهذا الحديثُ صورته صورةُ المرسل؛ لأنَّ صفوان بن يعلى ما حضرَ ذلك، وقد ساقهُ في

стр. 9297

«كتاب العمرة» من «الحج» [خ¦١٧٨٩] بالإسناد المذكور هنا عن أبي نُعيم، فقال فيه: عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فوضحَ أنَّه ساقه هنا على لفظِ روايةِ ابن جُريج (١). قيل: وجهُ دُخول هذا الحديثِ هنا التَّنبيه على أنَّ الوحي بالقرآنِ والسُّنة على صفةٍ واحدةٍ ولسانٍ واحدٍ. (٣) (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ) في الصُّحف، ثمَّ جمع تلك الصُّحف في المصحف بعد النَّبيِّ ﷺ ، وإنما ترك النَّبيُّ ﷺ جمعَه في مصحفٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّسخ كان يرِد على بعضهِ، فلو جمعَه ثمَّ رُفعت تلاوةُ بعضهِ لأدى إلى الاختلافِ والاختلاطِ، فحفظه (٢) الله تعالى في القلوبِ إلى انقضاءِ زمن النَّسخ، فكان التَّأليف في الزَّمن النَّبويِّ، والجمع في الصُّحف في زمنِ الصِّدِّيق، والنَّسخ في المصاحف في زمن عثمان، وقد كان القرآن كلُّه مكتوبًا في عهدِه ﷺ ، لكنَّه غير مجموعٍ في موضعٍ واحدٍ ولا مرتَّب السُّور.

стр. 9298

٤٩٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريِّ العوفيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بنُ مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضم العين من غير إضافة لشيء، والسَّبَّاق: بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة، المدنيِّ التَّابعيِّ (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (مَقْتَلَ) أي: عقب مقتل (أَهْلِ اليَمَامَةِ) أي: من قتل بها من الصَّحابة في وقعةِ مُسَيلِمة الكذَّاب، لما ادَّعى النُّبوَّة وقوي أمرُه بعد وفاته ﵊ بارتدادِ كثيرٍ من العرب، فخذلهُ الله وقتلهُ بالجيشِ الَّذي جهَّزه أبو بكر ﵁، وقُتلَ بسبب ذلك من الصَّحابة قيل: سبع مئة أو أكثر (فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بالسين الساكنة والفوقية والحاء المهملة والراء المشددة المفتوحات، اشتدَّ وكثر (يَوْمَ) وقعة (اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ) وسَمَّى منهم في رواية سفيانِ بنِ عُيينة، عن الزُّهريِّ في «فوائدِ الدَّيْر عَاقولي»: سالمًا مولى حذيفة (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) بلفظ المضارعِ؛ أي: يشتدَّ، ولأبي ذرٍّ: «إن استحرَّ» (القَتْلُ) اشتدَّ (بِالقُرَّاءِ بِالمَوَاطِنِ) أي: في الأماكن التي يقعُ فيها القتال مع الكفار (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ) بقتل حفظته، والفاء في «فيذهبَ» للتَّعقيب (وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ) قال أبو بكرٍ لزيد: (قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يفعلْ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ) ردٌّ لقول أبي بكرٍ كيف تفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسولُ الله ﷺ ؟ وإشعار بأنَّ من البدعِ ما هو حسنٌ وخيرٌ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي) في ذلك (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ) الَّذي شرحَ الله له صدرَ عمر (وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) لي: يا زيدُ (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ) أشارَ به إلى

стр. 9299

حدَّة نظرهِ، وبعدهِ عن النِّسيان، وضبطهِ وإتقانهِ (عَاقِلٌ، لَا نَتَّهِمُكَ) أشارَ إلى عدمِ كذبه وأنَّه صدوقٌ، وفيه تمامُ معرفتهِ وغزارة علومهِ، وشدَّة تحقيقهِ، وتمكُّنه من هذا الشَّأن (وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بصيغة (١) الأمر (فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ) نقله (أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي به) أبو بكر (مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ) فإن قلتَ: كيف عبَّر أولًا بقوله (٢): لو كلَّفُوني، وأفرد في قوله: ممَّا أمرني به (٣)؟ أُجيب بأنَّه جمع باعتبارِ أبي بكر ومَن وافقهُ، وأفردَ باعتبار أنَّه الآمر بذلك وحدهُ، وإنَّما قال زيدٌ ذلك خشية من التَّقصير في ذلك، لكنَّ الله تعالى يسَّره له تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٤٠]. (قُلْتُ) لهم: (كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ) أبو بكر: (هُوَ) أي: جمعه (وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي (٤) شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ) وقتَ التَّتبُّع ممَّا عندي وعندَ غيري (مِنَ العُسُبِ) بضم العين والسين المهملتين ثمَّ الموحدة، جريدُ النَّخل العريضِ العاري عن الخُوْصِ (وَاللِّخَافِ) بكسر اللام وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف فاء، الحجارةُ الرِّقاق، أو هي الخزفُ -بالخاء والزاي المعجمتين والفاء- (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) حيث لا يجد ذلك مكتوبًا، أو الواو بمعنى: مع؛ أي: أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظِ في الصُّدور. وعند أبي داود (٥): أنَّ عمر ﵁ قام فقال: من كان تلقَّى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن

стр. 9300

فليأتِ به، وكانوا كتبوا (١) ذلك في الصُّحف والألواح والعُسُب، قال: وكان لا يقبلُ من أحدٍ شيئًا حتى يشهدَ شاهدان (٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ زيدًا كان لا يكتفي بمجرَّد وجدانهِ مكتوبًا حتى يشهدَ به من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظُه، فكان يفعلُ ذلك مبالغةً في الاحتياطِ. ولأبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروةَ، عن أبيهِ: أنَّ أبا بكرٍ قال لعمر ولزيدٍ: اقعدا على بابِ المسجدِ، فمَن جاءكما بشاهدين على شيءٍ من كتابِ الله فاكتباهُ. ورجالُهُ ثقاتٌ مع انقطاعهِ، ولعلَّ المراد بالشَّاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد أنَّهما يشهدان أنَّ ذلك المكتوب كُتب بين يدَي رسولِ الله ﷺ ، أو أنَّهما يشهدانِ أنَّ ذلك (٣) من الوجوهِ الَّتي نزلَ بها القرآن، وكان غرضُهم أن لا يُكتب إلَّا مِن عين ما كُتبَ بين يديهِ ﷺ ، لا من مجرَّد اللَّفظ، والمراد بصدورِ الرَّجال: الَّذين جمعُوا القرآنَ وحفظوهُ في صدُورهم كاملًا في حياتهِ ﷺ ، كأبي بنِ كعبٍ، ومعاذ بنِ جبل. (حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بنِ أوسِ بنِ يزيد بنِ حرام، وأبو خزيمةَ مشهورٌ بكنيتهِ لا يعرفُ اسمه، وشهدَ بدرًا وما بعدها (الأَنْصَارِيِّ) النَّجاريِّ (لَمْ أَجِدْهَا) مكتوبة (مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ) ولا يلزمُ من عدم وجدانهِ إيَّاها حينئذٍ (٤) أن لا تكون تواترت عندَ من تلقَّاها من النَّبيِّ ﷺ ، وإنَّما كان زيدٌ يطلبُ التَّثبت عمَّن تلقَّاها بغير واسطة، ولقد اجتمعَ في هذه الآيةِ -كما قاله الخطَّابي- زيدُ بن ثابتٍ (٥)، وأبو خزيمةَ، وعمر، وسقطَ قوله: «﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾» لأبي ذرٍّ (فَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي جمع فيها زيدُ بن ثابتٍ القرآن (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ) حتَّى توفَّاه الله (ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁¬) وعنها؛ لأنَّها كانت وصية عمر، فاستمرَّ ما كان عندَه عندها إلى أن شرعَ عثمانُ في كتابة المصحفِ.

стр. 9301

وهذا الحديث سبقَ في «تفسير براءة» [خ¦٤٦٧٩]. ٤٩٨٧ - ٤٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيلَ المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعدٍ العوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلمٍ: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ) واسم اليمان: حُسيل -بمهملتين- مصغَّرًا، وقيل: حِسْل -بكسر ثم سكون- العبسيَّ بالموحدة، حليف الأنصار (قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ) المدينة في خلافته (وَكَانَ) عثمان (يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ) أي: يجهِّزُ أهل الشَّام (فِي فَتْحِ أَإِرْمِينِيَةَ) بكسر الهمزة وتفتح وسكون الراء وكسر الميم والنون بينهما تحتية ساكنة وبعد النون تحتية أخرى مخففة، وقد تثقَّل، مدينةٌ عظيمةٌ بين بلاد الرُّوم وخِلاط، قريبة من أَرْزن

стр. 9302

الرُّوم (١). قال ابن السَّمعانيِّ: يضربُ بحسنِها وطيبِ هوائها، وكثرة مياهِها وشجرهَا المَثَل (وَأَذْرَبِيجَانَ) وأمر أهل الشَّام أن يجتمعوا (مَعَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في» (أَهْلِ العِرَاقِ) في غزوِهما وفتحِهما. وأَذْرَبِيْجَان: بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الجيم وبعد الألف نون. وقرأتُ في «معجم ياقوت»: وفتح قوم الذال وسكنوا الراء، ومد آخرون الهمزة مع ذلك، وروي عن المهلَّب -ولا أعرف المهلَّب هذا-: آذريبجان بمد الهمزة وسكون الذال، فيلتقي ساكنان وكسر الراء، ثم ياء ساكنة وباء موحدة مفتوحة وجيم وألف ونون، وهو اسم اجتمعتْ فيه خمس موانع من الصَّرف: العجمة والتَّعريف والتَّأنيث والتَّركيب ولحاق الألف والنون، وهو إقليمٌ واسعٌ، ومن مشهورِ مدنهِ تبريز، وهو صَقْعٌ جليلٌ، ومملكةٌ عظيمةٌ، وخيراتٌ واسعةٌ، وفواكِهُ جمَّةٌ، لا يحتاج السَّالك فيها إلى حملِ إناءٍ للماء؛ لأنَّ المياه جاريةٌ تحت أقدامهِ أين توجَّه، وأهلها صِباحُ الوجوهِ حمرها، ولهم لغةٌ يقال لها: الأذريَّة، لا يفهمها غيرهم، وفي أهلها لينٌ وحسنُ معاملةٍ، إلَّا أنَّ البخلَ يغلبُ على طباعهم، وهي بلادُ فتنٍ وحروبٍ، ما خلتْ قط فتنة منها (٢)؛ فلذلك أكثرُ مُدنها خراب، وافتتحتْ أولًا في أيَّام عمر بن الخطَّاب، كان أنفذَ المغيرة بن شعبةَ الثَّقفيَّ واليًا على الكوفةِ ومعه كتابٌ إلى حذيفةَ بن اليمان بولايةِ أَذْربيجان، فوردَ عليه الكتابُ بنهاوند، فسارَ منها إلى أَذْربيجان (٣) في جيش كثيف (٤)، فقاتل المسلمون قتالًا شديدًا، ثمَّ إنَّ المرزبان صالحَ حذيفةَ على ثمان مئة ألف درهمٍ على أنْ لا يقتل منهم أحدًا ولا يسبيهِ ولا يهدمَ

стр. 9303

بيت نارٍ، ثمَّ عزلَ عمرُ حذيفةَ وولَّى عتبةَ بن فرقدٍ على أَذْربيجان، ولما استعملَ عثمانُ بن عفان الوليدَ بن عقبةَ على الكوفةِ عزلَ عتبةَ بن فرقدٍ عن أَذْربيجان، فنقضوا، فغزاهم الوليدُ بن عتبة سنة خمس وعشرين، وكان حذيفةُ من جملةِ من غزا معه. (فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ) المحمَّديَّة (قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ) أي: القرآن (اخْتِلَافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) في التَّوراة والإنجيلِ، وفي رواية عمارة بن غزيَّة: أنَّ حذيفة قال: يا أميرَ المؤمنين، أدرك النَّاس، قال: وما ذاك؟ قال: غزوتُ فَرْج أرمينية، فإذا أهل الشَّام يقرؤون بقراءةِ أبيِّ بن كعبٍ، ويأتون بما لم يسمعْ أهلُ العراقِ، وإذا أهلُ العراقِ يقرؤون بقراءةِ ابن مسعودٍ، فيأتون بما لم يسمعْ أهل الشَّام، فيكفِّر بعضُهم بعضًا. وروى ابنُ أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سويدِ بن غَفَلة قال: قال عليٌّ: لا تقولوا في عثمان إلَّا خيرًا، فوالله ما فعلَ الَّذي فعلَ في المصاحفِ إلَّا عن ملأ منَّا، قال: ما تقولون في هذه القراءةِ؟ فقد بلغني أنَّ بعضهم يقول: قراءتي خيرٌ من قراءتكَ، وهذا يكادُ أن (١) يكون كفرًا. قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أنْ تجمعَ النَّاس على مصحفٍ واحدٍ، فلا تكون فرقةٌ ولا اختلافٌ. قلنا: نِعْم ما رأيتَ. (فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ) ﵂ (أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ) التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها (نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ) الأمويَّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) وفي كتاب «المصاحف» لابن أبي داود من طريق محمَّد بنِ سيرين اثني عشر رجلًا

стр. 9304

من قريش والأنصار، منهم: أبي بن كعب. وفي رواية مصعب بن سعد: فقال عثمان: مَن أَكْتَب النَّاس؟ قالوا: كاتبُ رسولِ الله ﷺ زيدُ بن ثابت. قال: فأيُّ النَّاس أعرب؟ وفي رواية: أفصحُ؟ قالوا: سعيدُ بن العاص. قال عثمان: فليُمْلِ سعيدٌ ولْيَكتب زيد. ووقع عند ابنِ أبي داود تسميةُ جماعةٍ ممَّن كتبَ أو أملَى، منهم: مالك بن أبي عامر، جدُّ مالك بن أنس، وكثيرُ بن أفلح، وأبيُّ بن كعب، وأنسُ بن مالك، وعبدُ الله بن عباس (فَنَسَخُوهَا) أي: الصُّحف (فِي المَصَاحِفِ، وَ) ذلك بعد أن (قَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ): سعيد، وعبد الله، وعبد الرحمن؛ لأنَّ الأوَّل أموي، والثَّاني أسدي، والثَّالث مخزوميٌّ، وكلُّها من بطون قريشٍ: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ) أي: من عربيتهِ (١) (فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ) معظمه (بِلِسَانِهِمْ) أي: بلغتهم (فَفَعَلُوا) ذلك كما أمرهم (حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ) فكانت عندَها حتى توفِّيت، فأخذَها مروان حين كان أميرًا على المدينة من قبلِ معاويةَ، فأمرَ بها فشُقِّقَت، وقال: إنَّما فعلتُ هذا لأنِّي خشيتُ إن طالَ بالنَّاس زمان أن يرتابَ فيها مرتابٌ. رواه ابن أبي داود (٢) وغيره. (وَأَرْسَلَ) (٣) عثمان (إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا) وكانت خمسة على المشهور، فأرسل أربعةً وأمسك واحدًا. وقال الدَّاني في «المقنع»: أكثرُ العلماء أنَّها أربعةٌ، أرسل واحدًا للكوفةِ، وآخر للبصرةِ، وآخر للشَّام، وتركَ واحدًا عنده، وقال أبو حاتم فيما رواهُ عنه ابنُ أبي داود: كتبَ سبعةَ مصاحف: إلى مكَّة والشَّام واليمنِ والبحرين والبصرةِ والكوفةِ، وحبسَ بالمدينة واحدًا (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ) أي: سوى المصحفِ الَّذي استكتبه والَّتي نقلت منه، وسوى الصُّحف التي كانت عند حفصة (مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يحَرَّق» بفتح المهملة وتشديد الراء، مبالغة في إذهابها وسدًّا لمادة الاختلاف.

стр. 9305

وقال في «شرح السنة» في هذا الحديث البيانُ الواضح أنَّ الصَّحابة ﵃ جمعوا بين الدَّفتين القرآنَ المنزل، من غيرِ أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتِّفاق منهم، من غير أن يقدِّموا شيئًا أو يؤخِّروه، بل كتبوهُ في المصاحفِ على التَّرتيب المكتوبِ في اللَّوح المحفوظِ، بتوقيفِ جبريل ﵇ على ذلك، وإعلامهِ عند نزولِ كلِّ آيةٍ بموضعها وأين تكتب. وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: كان قراءةُ أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصارَ واحدة، وهي الَّتي قرأها ﷺ على جبريلَ مرَّتين في العامِ الَّذي قبضَ فيه، وكان زيد شهد العرضةَ الأخيرة، وكان يُقرئ النَّاس بها حتَّى مات، ولذلك اعتمدهُ الصِّدِّيق في جمعه وولَّاه عثمان كتبة المصاحف. قال السَّفاقِسيُّ: فكان جَمْعُ أبي بكر خوف ذهابِ شيءٍ من القرآنِ بذهابِ حملتهِ؛ إذ (١) لم يكن مجموعًا في موضعٍ واحدٍ، وجَمْعُ عثمان لمَّا كثرَ الاختلافُ في وجوهِ قراءتهِ حين قرؤوا بلغاتهم، حتَّى أدَّى ذلك إلى تخطئةِ بعضِهم بعضًا، فنسخ تلك الصُّحف في مصحفٍ واحدٍ مقتصرًا من اللُّغات على لغةِ قريشٍ؛ إذ هي أرجحُها. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ -بالإسناد السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالواو والإفراد، ولأبي ذرٍّ: «فأَخْبرني» بالفاء والإفراد أيضًا (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أنَّه (سَمِعَ) أباه (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ) بفتح القاف (آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا المُصْحَفَ) أي: في زمن عثمان لا في زمنِ أبي بكرٍ؛ لأنَّ الَّذي فقدهُ في خلافةِ أبي بكر الآيتان من آخرِ (٢) سورة براءة (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَالتَمَسْنَاهَا) أي: طلبناها (فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ) بالمثلَّثة، ابنِ الفاكهِ بنِ ثعلبةَ ذي الشَّهادتين، وهو غيرُ أبي خزيمة بالكنيةِ الَّذي وجدَ معه آخر سورة التوبة (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الصُّحُفِ) بضم الصاد من غير ميم في الفرع، والَّذي في «اليونينية» بالميم (٣).

стр. 9306

(٤) (بابُ) ذكر (كَاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بإفراد لفظ: «كاتب». ٤٩٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد الزُّهريِّ: (أَنَّ ابْنَ السَّبَّاقِ) عبيدًا (قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁¬) في زمنِ خلافته (قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاتَّبِعِ القُرْآنَ) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة. قال زيدٌ: (فَتَتَبَّعْتُ) أي: القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدورِ الرِّجال، كما في الباب السَّابق [خ¦٤٩٨٦]. وفي روايةِ ابنِ عيينةَ، عن ابنِ شهابٍ: القَصب أو (١) العُسُب والكَرَانِيف وجرائدَ النَّخْل. وفي رواية شعيبٍ: من الرِّقاع [خ¦٤٦٧٩]. وعند عمارة بن غزِيَّة: وقطَعِ الأَدْيم (حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ) منها (مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهُمَا) مكتوبتين (مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ … ﴾ [التوبة: ١٢٨]) إِلَى آخِرِها، سقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿عَزِيزٌ﴾ … » إلى آخره.

стр. 9307

٤٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) بنِ باذامَ الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونسَ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازبٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٩٥] قَالَ) لي (النَّبِيُّ ﷺ : ادْعُ لِي زَيْدًا، وَلْيَجِئْ) بسكون اللام والجزم (بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ) بفتح الدال بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «والدُّوِيِّ» بضم الدال وكسر الواو وتحتيَّة مشددةٍ (وَالكَتِفِ أَوِ الكَتِفِ وَالدَّوَاةِ، ثُمَّ قَالَ) له لمَّا حضر: (اكْتُبْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) بفتح العين وسكون الميم (الأَعْمَى، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَأْمُرُنِي، فَإِنِّي رَجُلٌ (١) ضَرِيرُ البَصَرِ؟) لا أستطيع الجهاد (فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا) مكان الآية في الحالِ، قبل أن يجفَّ القلم: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فِي سَبِيلِ اللهِ (٢) ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]) ولأبي ذرٍّ: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غير أولي الضرر» (٣). قال الحافظُ أبو ذرٍّ نفسه: وهذا على معنى التَّفسير لا على التِّلاوة، ومرادُ البخاريِّ من الحديث الأوَّل قوله: إنَّك كنت تكتبُ الوحي. وقوله في الآخر: اكتب. ولم يذكر من الكتَّاب سوى زيدِ بن ثابت، وقد كتبَ الوحي غيره، ولم يكتب زيد بمكَّة (٤)؛ لأنَّه إنَّما أسلم بعد الهجرةِ، ولكثرة كتابتهِ الوحي أطلقَ عليه الكاتب، وكان ربَّما غابَ فيكتبُ غيره، وقد كتبَ الوحي قبلهُ أبيُّ بنُ كعبٍ، وهو أوَّل من كتبَ الوحيَ بالمدينةِ، وأوَّل من كتبه بمكَّة من قريشٍ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، لكنَّه ارتدَّ ثمَّ عاد إلى الإسلامِ يوم الفتحِ، وممَّن كتبَ له ﷺ في الجملةِ: الخلفاءُ الأربعة، والزُّبير بن العوام، وخالدٌ وأبان ابنا سعيدِ بن العاص ابنِ أميَّة، وحنظلةُ بن الرَّبيع الأَسَدي، ومُعَيقيبُ بن أبي فاطمةَ، وعبدُ الله بن الأرقمِ الزُّهريُّ (٥)، وشُرَحْبيل بن حَسَنة، وعبدُ الله بن رواحة، في آخرين.

стр. 9308

(٥) هذا (بابٌ) بالتنوين: (أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) ٤٩٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء، نسبه إلى جدِّه لشهرتهِ بهِ، واسم أبيه: كثير -بالمثلثة- وسعيدٌ هذا من حفَّاظ المصريين وثقاتهم، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ إمام المصريين قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين المهملة، ابنُ خالدٍ، وللأَصيليِّ: «عن عقيل» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ عتبةَ بنِ مسعود (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) وللأَصيليِّ: «أنَّ عبدَ اللهِ بن عبَّاس» (¬﵄ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ) القرآن (عَلَى حَرْفٍ) قال في «الفتح»: وهذا ممَّا لم يصرِّح ابن عبَّاس بسماعهِ لهُ منه ﷺ ، وكأنَّه سمعه من أبيِّ بنِ كعبٍ، فقد أخرج النَّسائي من طريقِ عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عبَّاس، عن أبيِّ بنِ كعبٍ نحوه (فَرَاجَعْتُهُ) ولمسلم من حديث أبيٍّ: «فرددتُ إليه أنْ هوِّن على أمَّتي»، وفي رواية له: «إنَّ أمَّتي لا تطيقُ ذلك» (فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ) أطلبُ منه أن يطلبَ من اللهِ الزِّيادة في الأحرف للتَّوسعة (وَيَزِيدُنِي) أي: ويسألُ جبريل ربَّه تعالى فيزيدُني (حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) وفي حديثِ أبيٍّ المذكور: «ثمَّ أتاهُ الثَّانية فقالَ: «على حرفينِ»، ثمَّ أتاهُ الثَّالثة فقال: «على ثلاثةِ أحرفٍ»، ثمَّ جاءهُ الرَّابعة فقال: «إنَّ اللهَ يأمركَ أن تقرأَ على سبعةِ أحرفٍ، فأيُّما حرفٍ قرؤوا عليهِ فقد أصابوا». وحديثُ البابِ سبقَ في «بدءِ الخلقِ» [خ¦٣٢١٩].

стр. 9309

٤٩٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ ابنِ مسلمِ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّامِ (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، ابن نوفل الزُّهريَّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ) بتنوين «عبدٍ» من غير إضافة إلى شيءٍ (القَارِيَّ) بتشديد التحتية، نسبة إلى القارة بطنٌ من خزيمةَ بنِ مدركة، والقاريُّ لقبٌ (١)، واسمه: أُثيع -بالمثلثة- مصغَّرًا (حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ زيادة: «ابنِ حزامٍ» وهو أسديٌّ على الصَّحيح (يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ) لا سورةَ الأحزابِ إذ هو غلطٌ (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ) بهمزة مضمومة وسين مهملة مفتوحة (٢) أي: آخذ برأسهِ، أو أواثبه (فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ) أي: تكلَّفت الصَّبر (حَتَّى سَلَّمَ) أي: فرغَ من صلاتهِ (فَلَبَّبْتُهُ) بفتح اللام وتشديد الموحدة الأولى في الفرع وأصله، وقال عياضٌ: التَّخفيف أعرف (بِرِدَائِهِ) أي: جمعتهُ (٣) عليه

стр. 9310

عند لبَّته لئلَّا ينفلتَ منِّي، وهذا من عمر على عادتهِ في الشِّدة بالأمرِ بالمعروفِ (فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ) ها؟ (١) بحذف الضَّمير (قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال» (٢) هشام: (أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) قال عمرُ ﵁: (فَقُلْتُ) له: (كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَـ) ها، فيه إطلاقُ التَّكذيب على غلبةِ الظَّنِّ، فإنِّه إنَّما فعل ذلك عن اجتهادٍ منه لظنِّه أنَّ هشامًا خالفَ الصَّواب، وساغَ له ذلك لرسوخِ قدمه في الإسلامِ وسابقته، بخلاف هشامٍ، فإنَّه من مسلمةَ الفتح، فخشيَ أن لا يكونَ أتقنَ القراءة، ولعلَّ عمر لم يكن سمعَ حديثَ: «أنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ» قبل ذلك (فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ) أجرُّه بردائه (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ): يا رسولَ الله (إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفُرْقَانِ) بباء الجر، وللأربعةِ «سورةَ الفرقانِ» (عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرْسِلْهُ) بهمزة قطع؛ أي: أطلقه، ثمَّ قال له ﵊: (اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي) بها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ) ولم يقفْ الحافظُ ابن حجرٍ على تعيينِ الأحرف الَّتي اختلفَ فيها عمرُ وهشام من سورةِ الفرقانِ. نعم، جمعَ ما اختلفَ فيهِ من المتواترِ (٣) والشَّاذِّ من هذهِ السُّورة، وسبقهُ إلى ذلك ابنُ عبدِ البرِّ مع فوتٍ، ثمَّ قالَ: والله أعلمُ بما أنكرَ منها عمر على هشام وما قرأ به عمرُ (٤). ثمَّ قال ﵊ تطييبًا لقلبِ عمر؛ لئلا ينكرَ تصويبَ الشَّيئين المختلفين: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) جمع: حرف، مثل فلس وأفلس؛ أي: لغات أو قراءات، فعلى الأول يكون المعنى على أوجه من اللُّغات؛ لأنَّ أحدَ معاني الحرف في اللُّغةِ الوجه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] وعلى الثَّاني يكونُ من إطلاقِ الحرفِ على الكلمةِ مجازًا لكونهِ بعضها (٥). (فَاقْرَؤُوْا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أي: من الأحرفِ المنزَّل بها (٦)،

стр. 9311

فالمرادُ بالتَّيسر (١) في الآيةِ غير المراد بهِ في الحديثِ؛ لأنَّ الَّذي في الآيةِ المرادُ بهِ القلَّة والكثرة، والَّذي في الحديثِ ما يستحضرهُ القارئُ من القراءاتِ، فالأوَّل من الكميَّة والثَّاني من الكيفيَّة (٢). وقد وقعَ لجماعةٍ من الصَّحابة نظيرُ ما وقعَ لعمر مع هشام؛ منها لأبيِّ بنِ كعب مع ابنِ مسعودٍ في سورةِ النَّحل، وعَمرو بن العاص مع رجلٍ في آيةٍ من القرآنِ. رواه أحمد، وابن مسعود مع رجل في سورةِ من آل حم. رواه ابن حبَّان والحاكم، وأمَّا ما رواهُ الحاكمُ عن سمرة رفعه: «أنزلَ القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ» فقال أبو عبد اللهِ: تواترتِ الأخبارُ بالسَّبعةِ إلَّا في هذا الحديثِ. قال أبو شامةَ: يحتملُ أن يكون بعضهُ أنزلَ على ثلاثةِ أحرفٍ كجذوة والرَّهب، أو أرادَ أنزلَ ابتداءً على ثلاثةِ أحرف، ثمَّ زيد إلى (٣) سبعة توسعةً على العبادِ، والأكثر أنَّها محصورةٌ في السَّبعة، وهل هي باقيةٌ إلى الآنِ يقرأُ بها أم كان ذلك ثمَّ استقرَ الأمرُ على بعضها؟ وإلى الثَّاني ذهبَ الأكثرُ، كسفيانَ بن عيينةَ وابنِ وهبٍ والطَّبريِّ والطَّحاويِّ، وهل استقرَّ ذلك في الزَّمنِ النَّبويِّ أم بعده؟ والأكثرُ على الأوَّل (٤)، واختارهُ القاضِي أبو بكر بن الطَّيب، وابنُ عبدِ البرِّ، وابنُ العربيِّ وغيرهم؛ لأنَّ ضرورةَ اختلافِ اللُّغات ومشقَّةَ نطقهم بغير لغتِهم اقتضَتْ التَّوسعة عليهم في أوَّل الأمرِ، فأذنَ لكلٍّ أن يقرأَ على حرفهِ؛ أي: طريقتهِ في اللُّغة إلى أن انضبطَ الأمرُ وتدرَّبت الألسنُ، وتمكَّن النَّاس من الاقتصارِ على الطَّريقة الواحدةِ، فعارضَ جبريلُ ﵇ النَّبيَّ ﷺ القرآنَ مرَّتين في السَّنةِ الأخيرةِ، واستقرَّ على ما هو عليه الآن، فنسخَ اللهُ تعالى تلك القراءةَ المأذون فيها بما أوجبهُ من الاقتصارِ على هذهِ القراءةِ الَّتي تلقَّاها النَّاس. ويشهدُ له ما عندَ التِّرمذيِّ عن أبيٍّ: أنَّه ﷺ قال لجبريل: «إنِّي بُعثتُ إلى أمَّةٍ أميَّة فيهم الشَّيخ الفانِي، والعَجوز الكبيرة، والغُلام. قال: فمرهُم أن يقرؤوا على سبعةِ أحرفٍ» وفي بعضِها كقولهِ: هلمَّ وتعالَ وأقبلْ وأسرعْ واذهب واعجل، لكنَّ (٥) الإباحةِ المذكورةِ لم تقع

стр. 9312

بالتَّشهي؛ أي: أنَّ كلَّ أحدٍ يغيِّر الكلمةَ بمرادفها في لغتهِ، بل ذلكَ مقصورٌ على السَّماع من رسولِ الله ﷺ ، كما يشيرُ إليه قولُ كلٍّ من عمرَ وهشامَ: أقرأني النَّبيُّ ﷺ . ولئن سلَّمنا إطلاقَ الإباحةِ بقراءةِ المرادفِ ولو لم يُسمع، لكنَّ الإجماعَ من الصَّحابة في زمنِ عثمانَ الموافق للعرضةِ الأخيرةِ يمنعُ ذلك، كما مرَّ. واختلفَ في المرادِ بالسَّبعةِ: قال ابنُ العربيِّ: لم يأت في ذلك نصٌّ ولا أثرٌ. وقالَ (١) ابنُ حبَّان: إنَّه اختلفَ فيها على خمسةٍ وثلاثينَ قولًا. قال المنذريُّ: إنَّ أكثرهَا غير مختارٍ، وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن سعدانِ النَّحويُّ: هذا من المشكل الَّذي لا يُدرى معناهُ؛ لأنَّ الحرف يأتي لمعانٍ. وعن الخليلِ بن أحمدٍ: سبعُ قراءاتٍ، وهذا أضعفُ الوجوهِ، فقد بيَّن الطَّبري وغيرهُ أنَّ اختلافَ القرَّاء إنَّما هو حرفٌ واحدٌ من الأحرفِ السَّبعة، وقيل: سبعة أنواعٍ، كلُّ نوعٍ منها جزءٌ من أجزاءِ (٢) القرآنِ، فبعضها أمرٌ ونهيٌ، ووعدٌ ووعيدٌ، وقصصٌ، وحلالٌ وحرامٌ، ومحكمٌ ومتشابهٌ، وأمثالٌ، وفيه حديثٌ ضعيفٌ من طريقِ ابنِ مسعودٍ، ورواه البيهقيُّ بسندٍ مرسلٍ، وهو قولٌ فاسدٌ، وقيل: سبعُ لغاتٍ لسبعِ قبائل من العربِ متفرِّقة في القرآنِ، فبعضه بلغةِ تميمٍ، وبعضهُ بلغةِ أزدٍ وربيعة، وبعضهُ بلغةِ هوازنَ وبكْرٍ، وكذلك سائرُ اللُّغات، ومعانيها واحدةٌ، وإلى هذا ذهبَ أبو عُبيد (٣) وثعلب، وحكاهُ ابنُ دريدٍ، عن أبي حاتمٍ، وبعضهم عن القاضِي أبي بكرٍ، وقال الأزهريُّ وابنُ حبَّان: إنَّه المختارُ، وصحَّحه البيهقيُّ في «الشُّعب»، واستنكرهُ ابنُ قتيبةَ، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]. وأجيبَ بأنَّه لا يلزمُ من هذهِ الآيةِ أن يكونَ أرسل بلسانِ قريشٍ فقط لكونهم قومهُ، بل أرسلَ بلسانِ جميعِ العربِ، ولا يردُّ عليه كونهُ بعثَ إلى النَّاس كافَّة عربًا وعجمًا؛ لأنَّ القرآنَ أنزلَ باللُّغة العربيَّة، وهو بلَّغه (٤) إلى طوائفِ العربِ، وهم يترجمونهُ لغيرِ العربِ بألسنتهم. وقال ابنُ الجزريِّ: تتبَّعتُ القراءات صحيحَهَا وشاذَّهَا، وضعيفَهَا ومنكرَهَا؛ فإذا هي ترجعُ

стр. 9313

إلى سبعةِ أوجهٍ من الاختلافِ (١)، لا تخرجُ عن ذلك، وذلك إمَّا في الحركاتِ بلا تغيُّرٍ في المعنى والصُّورة؛ نحو: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ و ﴿بِالْبَخَلِ﴾ (٢) ويحسب بوجهين، أو بتغيُّر في المعنى فقط؛ نحو: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ و (أَمَةٍ) [يوسف: ٤٥]، وإمَّا في الحروفِ بتغيُّرِ المعنى لا الصُّورة؛ نحو: ﴿تَبْلُو﴾ و ﴿تَتْلُوا﴾ [يونس: ٣٠]، و ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ و (نُنَحِّيك بِبَدَنِكَ) [يونس: ٩٢]، أو عكسَ ذلك نحو: ﴿بَسْطَةً﴾ و ﴿بَصْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أو بتغيُّرهما نحو: ﴿أَشَدَّ مِنكُمْ﴾ و ﴿مِنْهُم﴾ [التوبة: ٦٩] و ﴿يَأْتَلِ﴾ و ﴿تَأَتْلَّ﴾ [النور: ٢٢]، و (فامضوا إلى ذكرِ الله) [الجمعة: ٩]، وإمَّا في التَّقديم والتَّأخير نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ و (جاءتْ سكرةُ الحقِّ بالموت) (٣)، أو في الزِّيادة والنُّقصان نحو: ﴿وَأوَصَّى﴾ (٤) وَ ﴿وَوَصَّى﴾ (والذَّكر والأُنثى)، وإمَّا نحو اختلافِ الإظهارِ والإدغامِ ممَّا يعبَّر عنهُ بالأصولِ، فليسَ من الاختلافِ الَّذي يتنوَّعُ فيه اللَّفظ أو المعنى؛ لأنَّ هذهِ الصِّفات في أدائهِ لا تخرجهُ عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرضَ فيكون (٥) من الأوَّل. انتهى. وحديثُ البابِ مضى في «كتاب الخصوماتِ» [خ¦٢٤١٩]. (٦) (باب تَأْلِيفِ القُرْآنِ) أي: جمع آياتِ السُّورة، أو جمعُ السُّور مرتَّبة.

стр. 9314

٤٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) قاضِي صنعاءَ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملكِ بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ): أخبرني فلانٌ بكذا (وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَِكٍَ) بفتح الهاء وكسرها، يصرف ولا يصرف للعجمة والعلميَّة، فالعطف على مقدَّر، وقال ابنُ حجرٍ: وما عرفتُ ماذا عطفَ عليه، ثمَّ رأيتُ الواو ساقطة من رواية النَّسفي (قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ جَاءَهَا) رجلٌ (عِرَاقِيٌّ) لم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسمه (فَقَالَ) لها (أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ) الأبيض أو غيره؟ (قَالَتْ: وَيْحَكَ) كلمة ترحُّم (وَمَا) أي: أيُّ شيء (يَضُرُّكَ) بعد موتكَ في أيِّ كفنٍ كفِّنتَ؟ (قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ) أريكه؟ (قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ) قال في «الفتح»: الظَّاهر لي أنَّ هذا العراقيَّ كان ممَّن (١) يأخذ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وكانَ ابنُ مسعود لمَّا حضر مصحفُ عثمان إلى الكوفةِ لم يرجعْ عن قراءتهِ، ولا على إعدامِ مصحفهِ، فكان تأليفُ مصحفهِ مغايرًا لتأليفِ عثمان، ولا ريبَ أنَّ تأليف المصحفِ العثمانيِّ أكثرُ مناسبةً من غيرهِ، فلهذا أطلقَ العراقيُّ أنَّه غير مؤلَّف، وهذا كلُّه على أنَّ السُّؤال إنَّما وقع عن ترتيبِ السُّور؛ ولذا (قَالَتْ) له عائشة: (وَمَا يَضُرُّكَ) بضم الضاد المعجمة والراء المشددة، من الضَّرر، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ: «يضِيْرك» بكسر الضاد بعدها تحتية ساكنة، من الضَّير (٢) (أَيَّهُ) بفتح الهمزة والتحتية المشددة بعدها هاء مضمومة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أيَّةٌ» بفوقية بدل الهاء منونة (قَرَأْتَ قَبْلُ) أي: قبلَ قراءةِ السُّورة الأخرى (إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إذ ذاك لازم من قولهِ فيها: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ﴾ [العلق: ١٣] و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أو المدَّثر، وذكرهُما صريحٌ فيها في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] و ﴿فِي جَنَّاتٍ

стр. 9315

يَتَسَاءلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] لكن الَّذي نزل أولًا من سورةِ «اقرأ» خمسُ آياتٍ فقط، أو المرادُ بالأوَّلية بعد الفترة وهي المدَّثر، فلعلَّ آخرها نزلَ قبل نزولِ بقيَّة اقرأ، أو بتقدير: من؛ أي: من أوَّل ما نزلَ (حَتَّى إِذَا ثَابَ) بالمثلثة والموحدة بينهما ألف؛ أي: رجعَ (النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ) واطمأنَّت نفوسهُم عليه، وتيقَّنوا أنَّ الجنَّة للمطيعِ والنَّار للعاصي (نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا: لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا) وذلك لمَا طبعَتْ عليه النُّفوس من النَّفرة عن تركِ المألوفِ، فاقتضتِ الحكمةُ الإلهيَّة ترتيب النُّزول على ما ذكر (لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ) صغيرةٌ (أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]) من سورةِ القمر الَّتي ليسَ فيها ذكرُ شيءٍ من الأحكامِ (وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ) المشتملتانِ (١) على الأحكامِ من الحلالِ والحرامِ (إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ) بعد الهجرةِ بالمدينة، وأرادتْ بذلك تأخُّر نزولِ الأحكامِ، وسقط لأبي ذرٍّ «سورة» فالبقرةُ ومعطوفُها مرفوعان (٢). (قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ) أي: للعراقيِّ (المُصْحَفَ فَأَمْلَتْ) بسكون الميم وتخفيف اللام وبتشديدها مع فتح الميم، وفي «اليونينية»: بتشديد الميم، فليحرَّر (٣) (عَلَيْهِ آيَ السُّوَرَة) ولأبي ذرٍّ: «السُّور» أي: آياتِ كلِّ سورة، كأن قالت له مثلًا: سورة البقرة كذا كذا آية، وهذا يؤِّيد أنَّ السَّؤال وقعَ عن تفصيلِ آياتِ كلِّ سورةٍ، وقد ذكرَ بعضُ الأئمةِ (٤) آياتِ السُّور مفردة، كابن شيطى والجعبريِّ، وفي مجموعي «لطائفِ الإشارات لفنونِ القراءاتِ» ما يكفي ويشفي.
следующие страницы →