فالمرادُ بالتَّيسر (١) في الآيةِ غير المراد بهِ في الحديثِ؛ لأنَّ الَّذي في الآيةِ المرادُ بهِ القلَّة والكثرة، والَّذي في الحديثِ ما يستحضرهُ القارئُ من القراءاتِ، فالأوَّل من الكميَّة والثَّاني من الكيفيَّة (٢).
وقد وقعَ لجماعةٍ من الصَّحابة نظيرُ ما وقعَ لعمر مع هشام؛ منها لأبيِّ بنِ كعب مع ابنِ مسعودٍ في سورةِ النَّحل، وعَمرو بن العاص مع رجلٍ في آيةٍ من القرآنِ. رواه أحمد، وابن مسعود مع رجل في سورةِ من آل حم. رواه ابن حبَّان والحاكم، وأمَّا ما رواهُ الحاكمُ عن سمرة رفعه: «أنزلَ القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ» فقال أبو عبد اللهِ: تواترتِ الأخبارُ بالسَّبعةِ إلَّا في هذا الحديثِ.
قال أبو شامةَ: يحتملُ أن يكون بعضهُ أنزلَ على ثلاثةِ أحرفٍ كجذوة والرَّهب، أو أرادَ أنزلَ ابتداءً على ثلاثةِ أحرف، ثمَّ زيد إلى (٣) سبعة توسعةً على العبادِ، والأكثر أنَّها محصورةٌ في السَّبعة، وهل هي باقيةٌ إلى الآنِ يقرأُ بها أم كان ذلك ثمَّ استقرَ الأمرُ على بعضها؟ وإلى الثَّاني ذهبَ الأكثرُ، كسفيانَ بن عيينةَ وابنِ وهبٍ والطَّبريِّ والطَّحاويِّ، وهل استقرَّ ذلك في الزَّمنِ النَّبويِّ أم بعده؟ والأكثرُ على الأوَّل (٤)، واختارهُ القاضِي أبو بكر بن الطَّيب، وابنُ عبدِ البرِّ، وابنُ العربيِّ وغيرهم؛ لأنَّ ضرورةَ اختلافِ اللُّغات ومشقَّةَ نطقهم بغير لغتِهم اقتضَتْ التَّوسعة عليهم في أوَّل الأمرِ، فأذنَ لكلٍّ أن يقرأَ على حرفهِ؛ أي: طريقتهِ في اللُّغة إلى أن انضبطَ الأمرُ وتدرَّبت الألسنُ، وتمكَّن النَّاس من الاقتصارِ على الطَّريقة الواحدةِ، فعارضَ جبريلُ ﵇ النَّبيَّ ﷺ القرآنَ مرَّتين في السَّنةِ الأخيرةِ، واستقرَّ على ما هو عليه الآن، فنسخَ اللهُ تعالى تلك القراءةَ المأذون فيها بما أوجبهُ من الاقتصارِ على هذهِ القراءةِ الَّتي تلقَّاها النَّاس.
ويشهدُ له ما عندَ التِّرمذيِّ عن أبيٍّ: أنَّه ﷺ قال لجبريل: «إنِّي بُعثتُ إلى أمَّةٍ أميَّة فيهم الشَّيخ الفانِي، والعَجوز الكبيرة، والغُلام. قال: فمرهُم أن يقرؤوا على سبعةِ أحرفٍ» وفي بعضِها كقولهِ: هلمَّ وتعالَ وأقبلْ وأسرعْ واذهب واعجل، لكنَّ (٥) الإباحةِ المذكورةِ لم تقع
стр. 9312
بالتَّشهي؛ أي: أنَّ كلَّ أحدٍ يغيِّر الكلمةَ بمرادفها في لغتهِ، بل ذلكَ مقصورٌ على السَّماع من رسولِ الله ﷺ ، كما يشيرُ إليه قولُ كلٍّ من عمرَ وهشامَ: أقرأني النَّبيُّ ﷺ . ولئن سلَّمنا إطلاقَ الإباحةِ بقراءةِ المرادفِ ولو لم يُسمع، لكنَّ الإجماعَ من الصَّحابة في زمنِ عثمانَ الموافق للعرضةِ الأخيرةِ يمنعُ ذلك، كما مرَّ.
واختلفَ في المرادِ بالسَّبعةِ: قال ابنُ العربيِّ: لم يأت في ذلك نصٌّ ولا أثرٌ. وقالَ (١) ابنُ حبَّان: إنَّه اختلفَ فيها على خمسةٍ وثلاثينَ قولًا. قال المنذريُّ: إنَّ أكثرهَا غير مختارٍ، وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن سعدانِ النَّحويُّ: هذا من المشكل الَّذي لا يُدرى معناهُ؛ لأنَّ الحرف يأتي لمعانٍ. وعن الخليلِ بن أحمدٍ: سبعُ قراءاتٍ، وهذا أضعفُ الوجوهِ، فقد بيَّن الطَّبري وغيرهُ أنَّ اختلافَ القرَّاء إنَّما هو حرفٌ واحدٌ من الأحرفِ السَّبعة، وقيل: سبعة أنواعٍ، كلُّ نوعٍ منها جزءٌ من أجزاءِ (٢) القرآنِ، فبعضها أمرٌ ونهيٌ، ووعدٌ ووعيدٌ، وقصصٌ، وحلالٌ وحرامٌ، ومحكمٌ ومتشابهٌ، وأمثالٌ، وفيه حديثٌ ضعيفٌ من طريقِ ابنِ مسعودٍ، ورواه البيهقيُّ بسندٍ مرسلٍ، وهو قولٌ فاسدٌ، وقيل: سبعُ لغاتٍ لسبعِ قبائل من العربِ متفرِّقة في القرآنِ، فبعضه بلغةِ تميمٍ، وبعضهُ بلغةِ أزدٍ وربيعة، وبعضهُ بلغةِ هوازنَ وبكْرٍ، وكذلك سائرُ اللُّغات، ومعانيها واحدةٌ، وإلى هذا ذهبَ أبو عُبيد (٣) وثعلب، وحكاهُ ابنُ دريدٍ، عن أبي حاتمٍ، وبعضهم عن القاضِي أبي بكرٍ، وقال الأزهريُّ وابنُ حبَّان: إنَّه المختارُ، وصحَّحه البيهقيُّ في «الشُّعب»، واستنكرهُ ابنُ قتيبةَ، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
وأجيبَ بأنَّه لا يلزمُ من هذهِ الآيةِ أن يكونَ أرسل بلسانِ قريشٍ فقط لكونهم قومهُ، بل أرسلَ بلسانِ جميعِ العربِ، ولا يردُّ عليه كونهُ بعثَ إلى النَّاس كافَّة عربًا وعجمًا؛ لأنَّ القرآنَ أنزلَ باللُّغة العربيَّة، وهو بلَّغه (٤) إلى طوائفِ العربِ، وهم يترجمونهُ لغيرِ العربِ بألسنتهم.
وقال ابنُ الجزريِّ: تتبَّعتُ القراءات صحيحَهَا وشاذَّهَا، وضعيفَهَا ومنكرَهَا؛ فإذا هي ترجعُ
стр. 9313
إلى سبعةِ أوجهٍ من الاختلافِ (١)، لا تخرجُ عن ذلك، وذلك إمَّا في الحركاتِ بلا تغيُّرٍ في المعنى والصُّورة؛ نحو: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ و ﴿بِالْبَخَلِ﴾ (٢) ويحسب بوجهين، أو بتغيُّر في المعنى فقط؛ نحو: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ و (أَمَةٍ) [يوسف: ٤٥]، وإمَّا في الحروفِ بتغيُّرِ المعنى لا الصُّورة؛ نحو: ﴿تَبْلُو﴾ و ﴿تَتْلُوا﴾ [يونس: ٣٠]، و ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ و (نُنَحِّيك بِبَدَنِكَ) [يونس: ٩٢]، أو عكسَ ذلك نحو: ﴿بَسْطَةً﴾ و ﴿بَصْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أو بتغيُّرهما نحو: ﴿أَشَدَّ مِنكُمْ﴾ و ﴿مِنْهُم﴾ [التوبة: ٦٩] و ﴿يَأْتَلِ﴾ و ﴿تَأَتْلَّ﴾ [النور: ٢٢]، و (فامضوا إلى ذكرِ الله) [الجمعة: ٩]، وإمَّا في التَّقديم والتَّأخير نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ و (جاءتْ سكرةُ الحقِّ بالموت) (٣)، أو في الزِّيادة والنُّقصان نحو: ﴿وَأوَصَّى﴾ (٤) وَ ﴿وَوَصَّى﴾ (والذَّكر والأُنثى)، وإمَّا نحو اختلافِ الإظهارِ والإدغامِ ممَّا يعبَّر عنهُ بالأصولِ، فليسَ من الاختلافِ الَّذي يتنوَّعُ فيه اللَّفظ أو المعنى؛ لأنَّ هذهِ الصِّفات في أدائهِ لا تخرجهُ عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرضَ فيكون (٥) من الأوَّل. انتهى.
وحديثُ البابِ مضى في «كتاب الخصوماتِ» [خ¦٢٤١٩].
(٦) (باب تَأْلِيفِ القُرْآنِ) أي: جمع آياتِ السُّورة، أو جمعُ السُّور مرتَّبة.
стр. 9314
٤٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) قاضِي صنعاءَ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبدَ الملكِ بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ): أخبرني فلانٌ بكذا (وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَِكٍَ) بفتح الهاء وكسرها، يصرف ولا يصرف للعجمة والعلميَّة، فالعطف على مقدَّر، وقال ابنُ حجرٍ: وما عرفتُ ماذا عطفَ عليه، ثمَّ رأيتُ الواو ساقطة من رواية النَّسفي (قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ جَاءَهَا) رجلٌ (عِرَاقِيٌّ) لم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسمه (فَقَالَ) لها (أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ) الأبيض أو غيره؟ (قَالَتْ: وَيْحَكَ) كلمة ترحُّم (وَمَا) أي: أيُّ شيء (يَضُرُّكَ) بعد موتكَ في أيِّ كفنٍ كفِّنتَ؟ (قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ) أريكه؟ (قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ) قال في «الفتح»: الظَّاهر لي أنَّ هذا العراقيَّ كان ممَّن (١) يأخذ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وكانَ ابنُ مسعود لمَّا حضر مصحفُ عثمان إلى الكوفةِ لم يرجعْ عن قراءتهِ، ولا على إعدامِ مصحفهِ، فكان تأليفُ مصحفهِ مغايرًا لتأليفِ عثمان، ولا ريبَ أنَّ تأليف المصحفِ العثمانيِّ أكثرُ مناسبةً من غيرهِ، فلهذا أطلقَ العراقيُّ أنَّه غير مؤلَّف، وهذا كلُّه على أنَّ السُّؤال إنَّما وقع عن ترتيبِ السُّور؛ ولذا (قَالَتْ) له عائشة: (وَمَا يَضُرُّكَ) بضم الضاد المعجمة والراء المشددة، من الضَّرر، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ: «يضِيْرك» بكسر الضاد بعدها تحتية ساكنة، من الضَّير (٢) (أَيَّهُ) بفتح الهمزة والتحتية المشددة بعدها هاء مضمومة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أيَّةٌ» بفوقية بدل الهاء منونة (قَرَأْتَ قَبْلُ) أي: قبلَ قراءةِ السُّورة الأخرى (إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إذ ذاك لازم من قولهِ فيها: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ﴾ [العلق: ١٣] و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أو المدَّثر، وذكرهُما صريحٌ فيها في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] و ﴿فِي جَنَّاتٍ
стр. 9315
يَتَسَاءلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] لكن الَّذي نزل أولًا من سورةِ «اقرأ» خمسُ آياتٍ فقط، أو المرادُ بالأوَّلية بعد الفترة وهي المدَّثر، فلعلَّ آخرها نزلَ قبل نزولِ بقيَّة اقرأ، أو بتقدير: من؛ أي: من أوَّل ما نزلَ (حَتَّى إِذَا ثَابَ) بالمثلثة والموحدة بينهما ألف؛ أي: رجعَ (النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ) واطمأنَّت نفوسهُم عليه، وتيقَّنوا أنَّ الجنَّة للمطيعِ والنَّار للعاصي (نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا: لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا) وذلك لمَا طبعَتْ عليه النُّفوس من النَّفرة عن تركِ المألوفِ، فاقتضتِ الحكمةُ الإلهيَّة ترتيب النُّزول على ما ذكر (لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ) صغيرةٌ (أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]) من سورةِ القمر الَّتي ليسَ فيها ذكرُ شيءٍ من الأحكامِ (وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ) المشتملتانِ (١) على الأحكامِ من الحلالِ والحرامِ (إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ) بعد الهجرةِ بالمدينة، وأرادتْ بذلك تأخُّر نزولِ الأحكامِ، وسقط لأبي ذرٍّ «سورة» فالبقرةُ ومعطوفُها مرفوعان (٢).
(قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ) أي: للعراقيِّ (المُصْحَفَ فَأَمْلَتْ) بسكون الميم وتخفيف اللام وبتشديدها مع فتح الميم، وفي «اليونينية»: بتشديد الميم، فليحرَّر (٣) (عَلَيْهِ آيَ السُّوَرَة) ولأبي ذرٍّ: «السُّور» أي: آياتِ كلِّ سورة، كأن قالت له مثلًا: سورة البقرة كذا كذا آية، وهذا يؤِّيد أنَّ السَّؤال وقعَ عن تفصيلِ آياتِ كلِّ سورةٍ، وقد ذكرَ بعضُ الأئمةِ (٤) آياتِ السُّور مفردة، كابن شيطى والجعبريِّ، وفي مجموعي «لطائفِ الإشارات لفنونِ القراءاتِ» ما يكفي ويشفي.
стр. 9316
٤٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابنِ قيسٍ» أخا الأسودِ بنِ يزيدَ بنِ قيسٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (يَقُولُ فِي) شأنِ سورة (بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهي سورةُ الإسراءِ (وَ) في شأن سورة (الكَهْفِ وَ) شأن سورة (مَرْيَمَ وَ) شأن سورة (طَهَ، وَ) شأن سورة (الأَنْبِيَاءِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أو الأنبياءِ» (١) (إِنَّهُنَّ) أي: الخمسةُ (مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ) بكسر العين، والعربُ تجعلُ كلَّ شيءٍ بلغَ الغاية في الجودةِ عتيقًا، والأُوَلِ: بضم الهمزة وفتح الواو المخففة، والأوليَّة باعتبارِ نزولهنَّ (وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي) بكسر الفوقية وتخفيف اللام وبعد الألف دال مهملة؛ أي: ممَّا نزلَ قديمًا، ومع ذلك فهنَّ مؤخَّرات في ترتيبِ المصحفِ العثمانيِّ.
وهذا الحديث مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٧٠٨].
٤٩٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبدِ الملكِ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (أَنْبَأَنَا) من الإنباءِ (أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيُّ، أنَّه (سَمِعَ البَرَاءَ ﵁¬) زاد الأَصيليُّ: «ابن عازبٍ» (قَالَ: تَعَلَّمْتُ) سورة (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾) زاد الأَصيليُّ وأبو الوقتِ: «﴿الْأَعْلَى﴾» (قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: المدينة، فهي من أوائلِ ما نزلَ، ومع ذلك فهي متأخِّرةٌ في المصحفِ، فالتَّأليف يكون بالتَّقديم والتَّأخير.
وهذا الحديث سبق في «التَّفسير» أيضًا [خ¦٤٩٤١].
стр. 9317
٤٩٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ المروزيِّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمَّدِ بنِ ميمونَ السُّكريِّ المروزيِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مهرانَ (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل بنِ سلمةَ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ: (قَدْ عَلِمْتُ) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ: «لقد تعلَّمت» (النَّظَائِرَ) أي: السُّور المتماثلةِ في المعاني، كالموعظةِ أو الحكمِ أو القصصِ، أو السُّور المتقاربةِ في الطُّول و (١) القصرِ (الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ إسقاط لفظ «كل»، وفي نسخةٍ: «اثنينِ كلَّ ركعة» (٢) بإسقاط الجار (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ من مجلسهِ ودخلَ بيته (وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ) بنُ قيسٍ النَّخعيُّ (وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ) المذكور (فَسَأَلْنَاهُ) عنها (فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ المُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ) مصحف (ابْنِ مَسْعُودٍ، آخِرُهُنَّ الحَوَامِيمُ) ولأبي ذرٍّ: «من الحواميم» (حم الدُّخَانُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، ولابنِ خزيمةَ من طريقِ أبي خالدٍ الأحمر، عن الأعمش مثلَ هذا الحديث، وزادَ: قال الأعمشُ: أولهنَّ الرَّحمن وآخرهنَّ الدُّخان، وذكر الدُّخان في المفصَّل تجوز؛ لأنَّها ليستْ منه.
نعم، يصحُّ على أحدِ الأقوالِ في حدِّ المفصَّل، وقد مرَّ في «بابِ الجمعِ بين السُّورتين في ركعةٍ» من «كتابِ الصَّلاة» [خ¦٧٧٥] سرد السُّور العشرين فيما أخرجَه أبو داود، وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ تأليفَ مصحفِ ابنِ مسعودٍ على غير التَّأليف العثمانيِّ، ولم يكن على ترتيبِ النُّزول.
وقيل: إنَّ مصحف عليِّ بنِ أبي طالبٍ كان على ترتيبِ النُّزول، أوَّله: اقرأ، ثمَّ المدَّثر، ثمَّ ن والقلم، وهكذا إلى آخر (٣) المكِّيِّ، ثمَّ المدنيِّ، وهل ترتيبُ المصحف العثمانيِّ كان باجتهادٍ من الصَّحابة أو توقيفيًّا؟ فذهبَ إلى الأوَّل الجمهور، ومنهم القاضِي أبو بكرِ بنِ الطَّيب فيما اعتمدهُ واستقرَّ عليه رأيهُ من قوليه وأنَّه فوَّض ذلك إلى أمَّته بعدهُ، وذهبتْ طائفةٌ إلى الثَّاني، والخلافُ لفظيٌّ؛ لأنَّ القائلَ بالأوَّل يقول: إنَّه رمزَ إليهم ذلك لعلمهِم بأسبابِ نزولهِ ومواقعِ كلماتهِ؛ ولذلك قال الإمامُ مالكٌ: وإنَّما ألَّفوا القرآن على ما كانوا يسمعونهُ من النَّبيِّ ﷺ .
стр. 9318
وهناك (١) قولٌ ثالثٌ: وهو أنَّ كثيرًا من السُّور قد كانَ علم ترتيبهُ في حياتهِ ﷺ ، كالسَّبع الطِّوال، والحواميمِ، والمفصَّلِ، وكقوله: «اقرؤوا الزَّهراوين البقرةَ وآل عمران» وإلى هذا مالَ ابن عطيَّة، وقال بعضُهم: لترتيبِ وضع السُّور في المصحفِ أشياء قد تطلعكَ على أنَّه توقيفيٌّ صادرٌ عن حكيمٍ: أحدها: بحسب الحروف كما في الحواميمِ، وثانيها: لموافقة أوَّل السُّور لآخر ما قبلها، كآخرِ الحمدِ في المعنى وأول البقرة، وثالثها: للوزنِ في اللَّفظ، كآخر ﴿تَبَّتْ﴾ وأول الإخلاص، ورابعها: لمشابهةِ جملةِ السُّورة لجملة الأخرى؛ مثل: الضَّحى و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾.
وقال بعضهم: سورة الفاتحة تضمَّنت الإقرار بالرُّبوبيَّة، والالتجاء إليه في دينِ الإسلام، والصِّيانة عن دينِ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وسورةُ البقرةِ تضمَّنت قواعدَ الدِّين، وآل عمران مكمِّلة لمقصودها، فالبقرةُ بمنزلةِ إقامة الدَّليل على الحكم، وآل عمران بمنزلةِ الجوابِ عن شبهات الخُصوم، وسورة النِّساء تتضمَّن أحكام الأنساب التي بين النَّاس، والمائدةُ سورة العقود، وبها تمَّ الدِّين. انتهى.
وأمَّا ترتيبُ الآيات فإنَّه توقيفيٌّ بلا شكٍّ، ولا خلاف أنَّه من النَّبيِّ ﷺ ، وهو أمرٌ واجبٌ وحكمٌ لازمٌ، فقد كان جبريلُ يقول: ضعْ آيةَ كذا في موضعِ كذا، وفيه حديثٍ أخرجه البيهقيُّ في «المدخل» و «الدلائل»، والحاكمُ في «المستدرك»، وقال: صحيحٌ على شرطهما.
(٧) هذا (بابٌ) بالتنوين: (كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ القُرْآنَ) بفتح الياء وكسر الراء (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: يستعرضُهُ ما أقرأهُ إيَّاه.
(وَقَالَ مَسْرُوقٌ) هو: ابنُ الأجدعِ التَّابعيُّ، ممَّا وصلهُ المؤلِّف في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٢٣]:
стр. 9319
(عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (¬﵂ عَنْ فَاطِمَةَ) بنتِ النَّبيِّ ﷺ ﵍: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ يُعَارِضُنِي) أي: يدارسُني، ولأبي ذرٍّ (١): «كان يُعارِضني» (بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ) أي: مرَّةً (وَإِنَّهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «وإنِّي» (عَارَضَنِي) هذا (العَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ) بضم الهمزة؛ أي (٢): ولا أظنُّه (إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي) والمعارضةُ مفاعلةٌ من الجانبينِ، كأنَّ كلًّا منهما كان تارةً يقرأ والآخرُ يسمعُ.
٤٩٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٣) يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، المكِّيُّ المؤذِّنُ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريُّ العوفيُّ، أبو إسحاق الزُّهريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمِّدِ بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بنِ عتبةَ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «كانَ رسولُ الله» (¬ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ) أي: أسخاهُم (٤) (بِالخَيْرِ) بنصب «أجود» خبر كان (وَأَجْوَدُ) بالرفع (مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) أثبتَ له الأجوديَّة المطلقة أوَّلًا، ثمَّ عطف عليها زيادة ذلك في رمضان؛ لئلا يتخيَّل من قوله: «وأجودُ ما يكونُ في رمضان»، أنَّ الأجوديَّة خاصَّة منهُ برمضان، فهو احتراسٌ بليغٌ، ثم بيَّن سببَ الأجوديَّة المذكورة بقوله: (لأَنَّ جِبْرِيلَ) ﵇ (كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ) رمضان، وظاهره أنَّه كان يلقاهُ في كلِّ رمضان، منذ أُنزلَ عليهِ القرآن إلى رمضان الَّذي توفِّي بعده، وليس بمقيَّد
стр. 9320
برمضاناتِ الهجرةِ، وإن كان صيامُ شهرِ رمضانَ إنَّما فُرضَ صومه (١) بعد الهجرةِ؛ إذ إنَّه كان يسمَّى به قبلَ فرضِ صومهِ. نعم، يحتمل أنَّه لم يعارضْه في رمضان من السَّنة الأولى لوقوعِ ابتداء النُّزول فيها، ثمَّ فترَ الوحي، ثمَّ تتابعَ، وسقطَ الضَّمير من: «يلقاه» لأبي الوقتِ والأَصيليِّ (٢) فكان (يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ القُرْآنَ) أي: بعضَه أو معظمَهُ؛ لأنَّ أوَّل رمضان من البعثةِ لم يكن نزلَ من القرآنِ إلَّا بعضهُ، ثمَّ كذلك كلُّ رمضان بعده إلى الأخيرِ، فكان نزلَ (٣) كلُّه إلَّا ما تأخَّر نزولهُ بعد رمضان المذكور، وكان في سنةِ عشرٍ إلى أن توفِّي النَّبيُّ ﷺ وممَّا نزلَ في تلك المدَّة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإنَّها نزلت يومَ عرفة بالاتِّفاق، ولمَّا كان ما نزلَ في تلكَ الأيَّام قليلًا اغتفَروا (٤) أمر معارضتهِ، فاستفيدَ منهُ إطلاقُ القرآنِ على بعضهِ مجازًا، وحينئذٍ فلو حلفَ ليقرأنَّ القرآن فقرأَ بعضَهُ لا يحنثُ إلَّا إن قصدَ كلَّه (فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ) ﵊ (أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) أي: المطلقةِ، فهو من الاحتراسِ؛ لأنَّ الرِّيح منها العقيمُ الضَّارُّ، ومنها المبشِّر بالخيرِ، فوصفهَا بالمرسلةِ ليعيِّن الثَّاني، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (٥)﴾ [الأعراف: ٥٧] فالرِّيح المرسلة تستمرُّ مدَّة إرسالها، ولذا (٦) كان عمله ﷺ في رمضان (٧) دِيمة لا ينقطعُ، وفيه استعمالُ أفعل التَّفضيل في الإسناد الحقيقيِّ والمجازيِّ؛ لأنَّ الجُود منه ﷺ حقيقةٌ، ومن الرِّيح مجازٌ.
فإن قلتَ: ما الحكمةُ في تخصيصِ اللَّيل المذكورِ بمعارضةِ القرآن؟ أُجيب بأنَّ المقصودَ من التِّلاوة (٨) الحضورُ (٩) والفهمُ، واللَّيل مظنَّة ذلك بخلاف النَّهار؛ فإنَّ فيه الشَّواغل والعوارض
стр. 9321
على ما لا يخفى، ولعلَّه ﷺ كان يقسمُ ما نزلَ من القرآنِ في كلِّ سنةٍ على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأُ كلَّ ليلةٍ جزءًا في جزءٍ من اللَّيل (١)، وبقيَّة ليلته لما سوى ذلك من تهجُّد وراحة وتعهُّد أهله، ويحتمل أنَّه كان يعيدُ ذلك الجزء مرارًا بحسبِ تعدُّد الحروفِ المنزَّل بها القرآن.
وهذا الحديثُ قد سبقَ أوَّل الصَّحيح [خ¦٦] وفي «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٠٢].
٤٩٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الكاهليُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو: ابنُ عيَّاش -بالتحتية والمعجمة- (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصمٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ) أي: جبريل (يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ) وسقط لغير الكُشمِيهنيِّ لفظ «القرآن» أي: بعضه أو معظمه (كُلَّ عَامٍ مَرَّةً) ليالي رمضانٍ، من زمنِ البعثةِ، أو من بعدِ فترةِ الوحي إلى رمضان الَّذي توفِّي بعدهُ (٢) (فَعَرَضَ عَلَيْهِ) القرآن (مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ الَّذِي قُبِضَ) زاد الأَصيليُّ: «فيهِ» واختلفَ: هل كانت العرضَة الأخيرةُ بجميعِ الأحرفِ السَّبعة أو بحرفٍ واحدٍ منها؟ وعلى الثَّاني: فهل هو الحرفُ الَّذي جمعَ عليه عثمان النَّاس أو غيره؟ فعندَ أحمدَ وغيرهِ من طريقِ عَبيدةَ السَّلماني: أنَّ الَّذي جمع عليه عثمان النَّاس يوافقُ (٣) العرضَة الأخيرة. ونحوه عندَ الحاكمِ من حديثِ سَمُرة، وإسنادهُ حسنٌ، وقد صحَّحه هو، وأخرجَ أبو عُبيد من طريقِ داود بن أبي هندٍ، قال: قلتُ للشَّعبيِّ: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ
стр. 9322
رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أما كان ينزلُ عليه في سائر السَّنة؟ قال: بلى، ولكنَّ جبريلَ كان يعارضُ مع النَّبيِّ ﷺ في رمضان ما أنزلَ عليهِ، فيُحْكِمُ اللهُ ما يشاءُ وينسخُ ما يشاءُ، فكأنَّ السِّرَّ في عرضهِ مرَّتين في سنةِ الوفاةِ استقرارهُ على ما كتبَ في المصحفِ العثمانيِّ، والاقتصار عليه وترك ما عداهُ، ويحتملُ أن يكون لأنَّ رمضان في السَّنة الأولى من نزولِ القرآنِ لم يقعْ فيهِ مُدَارسة؛ لوقوعِ ابتداءِ النُّزول في رمضان، ثمَّ فترَ الوحي ثم تتابع (١) فوقعَتِ المُدَارسَة في السَّنة الأخيرةِ في رمضان مرَّتين؛ ليستوي عددُ السِّنين والعرْضِ.
(وَكَانَ) ﷺ (يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا) من رمضان (فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ) يومًا في رمضان (فِي العَامِ الَّذِي قُبِضَ) زاد الأَصيليُّ: «فيهِ» مناسبةً لعرضِ القرآنِ مرَّتين.
وسبقَ في «الاعتكافِ» مباحثُ الاعتكاف، والله الموفِّق والمعين.
(٨) هذا (باب) ذكر (القُرَّاءِ) الَّذين اشتُهِروا بحفظِ القرآنِ والتَّصدي لتعليمِه (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) على عهدهِ.
٤٩٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، الحوضيُّ، النَّمريُّ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ مرَّة، لا السَّبيعي، ووهم الكِرْمانيُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدعِ، أنَّه قال: (ذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ العاص (عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ) أي: ابنُ عَمرو: (لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ) لأنِّي (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: خُذُوا القُرْآنَ) أي: تعلَّموه (مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) سقط لفظ «ابنِ مسعودٍ» للأَصيليِّ وأبي الوقتِ (وَسَالِمٍ) أي: ابنِ مَعْقِل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- مولى أبي حذيفةَ (وَمُعَاذٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابنِ جبلٍ» (وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) وفيه محبةُ من يكون ماهرًا في
стр. 9323
القرآنِ، والأربعةُ المذكورون اثنان منهم من المهاجرينَ؛ وهما المُبْدَأ (١) بهما، والآخران من الأنصارِ.
وقد مرَّ الحديث في «المناقبِ» [خ¦٣٨٠٨].
٥٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهرانَ قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو وائلٍ (قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ثبت: «ابنُ مسعودٍ» لأبي ذرٍّ ﵁ (فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي) أي: من فمِ (رَسُولِ اللهِ ﷺ بِضْعًا) بكسر الموحدة وسكون المعجمة: ما بينَ الثَّلاث إلى التِّسعِ (وَسَبْعِينَ سُورَةً) بالموحدة بعد السين، وزادَ عاصمٌ عن زرٍّ، عن عبدِ الله: وأخذتُ بقيَّة القرآنِ عن أصحابهِ، ولم أقفْ على تعيينِ السُّور المذكورةِ، وإنَّما قال ابنُ مسعودٍ ذلك لمَّا أُمرَ بالمصاحفِ أن تُغيَّر وتُكتب على المصحفِ العثمانيِّ، وساءهُ ذلك وقال: أفأتركُ ما أخذتُ من فِيْ رسولِ الله ﷺ ؟! رواه أحمدُ وابنُ أبي داود من طريق الثَّوريِّ وإسرائيل وغيرهما، عن أبي إسحاقَ، عن خُمَير -بمعجمة- مصغَّرًا، ابنِ مالكٍ (وَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ (٢) ﷺ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللهِ) ووقع عند النَّسائيِّ من طريقِ عَبدة، وابنِ أبي داود من طريقِ أبي شهابٍ؛ كلاهما عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ: أنِّي أعلمهُم؛ بإسقاط «من» (وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ) إذ لا يلزمُ من زيادةِ الفضلِ في صفةٍ من صفاتهِ الأفضليَّة المطلقة، والأعلميَّة بكتابِ الله لا تستلزمُ الأعلميَّة المطلقة، ولا ريبَ أنَّ العشرةَ المبشَّرة أفضلُ اتِّفاقًا.
стр. 9324
(قَالَ شَقِيقٌ) أبو وائلٍ -بالسَّند المذكور-: (فَجَلَسْتُ فِي الحِلَقِ) بكسر الحاء المهملة وفتح اللام في الفرع، وضبطهُ في الفتح بفتحهما (أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ) في قولِ ابنِ مسعودٍ هذا (فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا) بتشديد الدال؛ أي: عالمًا (يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ) ممَّا يخالفُ قولَ ابنِ مسعودٍ، وأمَّا قول الزُّهريِّ فيما أخرجهُ ابنُ أبي داود: فبلغنِي أنَّ ذلك كرهَهُ -من قولِ ابنِ مسعودٍ (١) - رجالٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ؛ فإنَّه محمولٌ على أنَّ الَّذين كرهوا ذلك من غيرِ الصَّحابة الَّذين شاهدهُم شقيقٌ بالكوفةِ.
٥٠٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبدِ اللهِ العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ (٢)) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ النَّخعيِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ) بلدةٍ من بلاد الشَّام مشهورةٌ (فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبدُ اللهِ (سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يعرفِ الحافظُ ابن حجرٍ اسمه. نعم قال: قيل: إنَّه نهيكُ بنُ سنانٍ: (مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ قَالَ) أي: ابنُ مسعودٍ، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (قَرَأْتُ) كذا (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، وَوَجَدَ) ابنُ مسعودٍ (مِنْهُ) من الرَّجل (رِيحَ الخَمْرِ، فَقَالَ) له: (أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللهِ وَتَشْرَبَ الخَمْرَ؟! فَضَرَبَهُ الحَدَّ) أي: رفعهُ إلى من لهُ الولاية (٣) فضربهُ، وأسندَ الضَّرب إليه مجازًا لكونهِ كان سببًا فيه، والمنقولُ عنه أنَّه كان يرى وجوبَ الحدِّ بمجرَّدِ وجودِ الرَّائحة، أو أنَّ الرَّجل اعترف بشربِها بلا عذرٍ، لكن وقعَ عند الإسماعيليِّ إثرَ هذا الحديثِ النَّقل عن عليٍّ: أنَّه أنكرَ على ابنِ مسعودٍ جلدَهُ الرَّجل بالرَّائحة وحدهَا إذ لم يقرَّ أو لم يشهَدْ عليه.
стр. 9325
ومبحثُ ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في «كتابِ الحدودِ» بعونِ الله وفضلهِ، وإنَّما أنكرَ الرَّجل كيفيةَ الإنزالِ جهلًا منهُ لا أصلَ النُّزول، وإلَّا لكفرَ؛ إذ الإجماعُ قائمٌ على أنَّ من جحدَ حرفًا مجمعًا عليهِ فهو كافرٌ.
٥٠٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) أبو الضُّحى بنُ صبيحٍ لا غيره (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ (¬﵁: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) وسقطت الجلالة لأبي ذرٍّ (١) (مَا أُنْزِلَتْ (٢) سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ) بمكَّة، أو بالمدينةِ، أو غيرهما (٣) (وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ) بغيرِ ألفٍ بعد الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فيما» بإثبات الألفِ، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيمن» بالنون بدل الألف (وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تَبْلُغُهُ) بسكون الموحدة وضم اللام، والَّذي في «اليونينية» فتح الموحدة وتشديد اللام مكسورة (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ والحَمُّويي: «تبَلِّغْنِيه» -بفتح الموحدة وكسر اللام مشددة وزيادة نون بعد الغين فتحتية ساكنة- (الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ) للأخذِ عنهُ، ولأبي عُبيدٍ من طريقِ ابن سيرينَ: نُبِّئت أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: لو علمتُ أنَّ (٥) أحدًا تُبلِّغنيه الإبل أحدثُ عهدًا بالعرضَة الأخيرةِ منِّي لأتيتهُ، ولعلَّه احترزَ عن سكَّانِ السَّماء، كما قالهُ في «الكواكب»، واستنبطَ جوازُ ذكرِ الإنسانِ بما فيه من الفضيلةِ بقدرِ الحاجةِ.
стр. 9326
٥٠٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بنِ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابنُ يحيى العَوْذيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة- البصريُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعامةَ السَّدوسيُّ (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: مَنْ جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ): جمعهُ (أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) من بني النَّجَّار (وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) من بني الخزرجِ (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) من بني النَّجَّار (وَأَبُو زَيْدٍ) سعدُ بنُ عبيدِ بنِ النُّعمانِ بنِ قيسٍ، من الأوسِ، وقيل: اسمهُ مَعْبد، أحدُ الأربعةِ الَّذين جمعوا القرآنَ على عهدهِ ﷺ ، وماتَ ولا عقبَ له، واستبعدَ ابنُ الأثير أن يكون هذا ممَّن جمعَ القرآنَ. قال: لأنَّ الحديثَ يرويهِ أنسُ بنُ مالكٍ وذكرَهم وقال: أحدُ عمومتي أبو زيدٍ. وأنسٌ من بني عديِّ بنِ النَّجار، وهو خزرجيٌّ، فكيف يكون هذا وهو أوسيٌّ؟ انتهى.
وليسَ في هذا الحديثِ ما ينفِي جمعه عن غيرِ المذكورين (تَابَعَهُ) أي: تابعَ حفصَ بنَ عمر في روايةِ هذا الحديث (الفَضْلُ) بنُ موسَى الشَّيبانيُّ (عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ) بالقاف (عَنْ ثُمَامَةَ) بضم المثلثة وتخفيف الميم، ابنِ عبدِ اللهِ قاضِي البصرة (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ، وهذه المتابعةُ وصَلها إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه في «مسنده» (١).
٥٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشددة، العمِّيُّ، أبو الهيثم، أخو بهزِ بنِ أسدٍ البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُثَنَّى) بنِ عبدِ الله بنِ أنس بنِ مالكٍ الأنصاريِّ، أبو المثنَّى، البصريُّ، صدوقٌ إلَّا أنَّه كثيرُ الغلطِ، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد
стр. 9327
(ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضم الموحدة وتخفيف النون، واسمُ أبيهِ أسلم أبو محمَّد البصريُّ (وَثُمَامَةُ) بضم المثلثة، ابنُ عبدِ اللهِ بنِ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريُّ، البصريُّ قاضيها، كلاهما (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁» أنَّه (قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ القُرْآنَ) على جميعِ وجوههِ وقراءاتهِ، أو لم يجمعْه كلَّه تلقيًّا من فِي النَّبيِّ ﷺ بلا واسطةٍ، أو لم يجمع ما نُسخَ منهُ بعدَ تلاوتهِ وما لم ينسَخ، أو معَ أحكامهِ والتَّفقه فيهِ، أو كتابتهِ وحفظهِ (غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ) عويمرُ بنُ مالكٍ، وقيل: ابنُ عامرٍ، وقيل: ابنُ ثعلبةَ، الخزرجيُّ (وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) السَّلْمِيُّ -بالفتح- (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) النَّجاريُّ (وَأَبُو زَيْدٍ) سعدُ بنُ عبيدٍ الأوسيُّ، والحصر لعلَّه باعتبارِ ما ذكر.
قال المَازريُّ: لا يلزمُ من قولِ أنسٍ: لم يجمعْه غيرهُم أن يكون الواقعُ في نفسِ الأمرِ كذلك؛ لأنَّ التَّقدير أنَّه لا يعلمُ أنَّ سواهم جمعهُ، وإلَّا فكيفَ الإحاطةُ بذلك مع كثرةِ الصَّحابة وتفرُّقهم في البلادِ؟ وهذا لا يتمُّ إلَّا إن كان لقيَ كلَّ واحدٍ منهم على انفرادهِ وأخبرهُ عن نفسهِ أنَّه لم يكملْ له جمعُ القرآنِ في عهدهِ ﷺ ، وهذا في غايةِ البُعدِ في العادةِ. انتهى.
وقد وقعَ في روايةِ الطَّبري من طريقِ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ في أوَّل الحديث: افتخرَ الحيَّان الأوس والخزرج، فقال الأوسُ: منَّا أربعةٌ: من اهتزَّ لهُ عرشُ الرَّحمن سعدُ بنُ معاذٍ، ومن عدلَتْ شهادتهُ شهادةَ رجلينِ خزيمةُ بنُ ثابتٍ، ومن غسَّلته الملائكَةُ حنظلةُ بنُ أبي (١) عامرٍ، ومن حمته الدَّبر عاصمُ بنُ ثابتٍ. فقال الخزرجُ: منَّا أربعةٌ جمعوا القرآنَ لم يجمعْه غيرهُم … فذكرهم، فلعلَّ مرادَ أنسٍ بقولهِ: لم يجمعِ القرآنَ غيرهُم؛ أي: من الأوسِ بقرينةِ المفاخرةِ المذكورةِ، لا النَّفي عن المهاجرين.
وقال ابنُ كثيرٍ: أنا لا أشكُّ أنَّ الصِّدِّيق ﵁ قرأ القرآنَ، وقد نصَّ عليه الأشعريُّ مستدلًّا بأنَّه صحَّ أنَّه ﷺ قال: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ وأكثرهُم قرآنًا» وتواترَ عنه ﷺ أنَّه قدَّمه للإمامةِ، ولم يكنْ ﷺ يأمرُ بأمرٍ ثمَّ يخالفهُ بلا سببٍ، فلولا أنَّ أبا بكرٍ كان متَّصفًا بما يقدِّمه في الإمامةِ على سائرِ الصَّحابة وهو القراءة لما قدَّمه، فلا يسوِّغ نفي حفظِ القرآنِ عنه
стр. 9328
بغيرِ دليلٍ، وقد صحَّ في «البخاريِّ» [خ¦٤٧٦] أنَّه بنى مسجدًا بفناءِ دارهِ، فكان يقرأُ القرآن؛ أي: ما نزلَ منهُ إذ ذاكَ، وجمعَ عليٌّ القرآنَ على ترتيبِ النُّزول. وقال ابنُ عمر -فيما رواه النَّسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ-: جمعتُ القرآنَ فقرأتُ بهِ كلَّ ليلةٍ … الحديثَ.
وعدَّ أبو عُبيد (١) القرَّاء من الصَّحابة من المهاجرينَ: الخلفاء الأربعة، وطلحةَ، وسعدًا، وابن مسعودٍ، وحذيفةَ، وسالمًا، وأبا هريرةَ، وعبد الله بن السَّائب، والعبادِلة، ومن النساء: عائشةَ، وحفصةَ، وأمَّ سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنَّما أكملهُ بعدهُ ﷺ .
وعندَ ابنِ (٢) أبي داود في «كتاب الشَّريعة»: من المهاجرين أيضًا: تميم بن أوسٍ الدَّاريُّ (٣)، وعقبةُ بن عامرٍ. ومن الأنصارِ: عبادةُ بن الصَّامت، وأبو حليمةَ معاذٌ، ومجمِّعُ بنُ جاريةَ، وفضالَةُ بنُ عُبيدٍ، ومسلمةُ بنُ مخلدٍ، وممَّن جمعه أيضًا أبو موسَى الأشعريُّ -فيما ذكرهُ الدَّاني- وعمرُو بن العاصِ، وسعدُ بنُ عبادةَ، وبالجملة فيتعذَّر ضبطهُم على ما لا يخفى، ولا يتمسَّك بما في هذهِ الأحاديث لما ذكرناهُ، وكيف يكونُ ذلكَ مع ما وردَ من قتلِ القرَّاءِ ببئرِ معونَة ويوم اليمامة؟ لا سيَّما مع (٤) ما في هذهِ الأحاديثِ من الاضطرابِ في العددِ والنَّفي والإطلاقِ، وليسَ فيها شيءٌ من المرفوع إلى النَّبيِّ ﷺ .
وقد تعقَّب الإسماعيليُّ الحديثين الأخيرينِ باختلافهمَا بالحصرِ وعدمه، مع ذكرِ أبي الدَّرداء بدل أبيِّ بن كعبٍ، فقال: لا يجوزانِ في الصَّحيح مع تباينهِما، بل الصَّحيحُ أحدهما، وجزمَ البيهقيُّ بأنَّ ذكرَ أبي الدَّرداء وهمٌ، والصَّواب أبيُّ بنُ كعبٍ، وقال الدَّاوديُّ: لا أرى ذكرَ أبي الدَّرداء محفوظًا (٥).
(قَالَ) أنسٌ: (وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ) بكسر الراء مخفَّفة؛ أي: أبا زيد؛ لأنَّه مات ولم يتركْ عقبًا، وهو (٦) أحدُ عمومةِ أنسٍ، كما في «المناقب» [خ¦٣٨١٠] وهو يردُّ على من سمَّى أبا زيدٍ المذكور سعدَ بنَ
стр. 9329
عبيد بن النُّعمانِ، أحدَ بني عمرو بنِ عوفٍ؛ لأنَّ أنسًا خزرجيٌّ، وسعدَ بنَ عبيدٍ أوسيٌّ، وعندَ ابن أبي داود بإسنادٍ على شرطِ البخاريِّ إلى ثمامةَ، عن أنسٍ: أنَّ أبا زيدٍ الَّذي جمع القرآنَ اسمه: قيسُ بنُ السَّكن، قال: وكان رجلًا منَّا من بني عديِّ بن النَّجار أحدِ عمومَتي، ومات ولم يدَعْ عقبًا، ونحن ورِثْنَاه. وقال ابنُ أبي داود: حَدَّثنا أنسُ بنُ خالدٍ الأنصاريُّ قال: هو قيسُ بنُ السَّكن بنِ زعوراءِ من بني عديِّ بن النَّجار. قال ابنُ أبي داود: ماتَ قريبًا من وفاةِ رسولِ الله ﷺ ، فذهبَ علمهُ ولم يؤخَذْ عنهُ، وكان عقبيًّا بدريًّا.
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: فهذا يرفعُ الإشكالَ من أصلهِ.
٥٠٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ (١) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) الأسديِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم (٢)، أحدِ الأعلامِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) ﵃ (٣): (أُبَيٌّ) أي: ابنُ كعبٍ (أَقْرَؤُنَا) لكتاب الله (وَإِنَّا لَنَدَعُ) لنترك (مِنْ لَحَنِ أُبَيٍّ) بفتح اللام والحاء (٤) المهملة في «اليونينية» مصححًا عليه، وبسكونها في الفرع (٥)؛ أي: من قراءتهِ ممَّا نسخت تلاوتهُ (وَأُبَيٌّ) أي: والحالُ أن أبيًّا (يَقُولُ: أَخَذْتُهُ) أي: الَّذي يتركه عمر من لحنهِ (مِنْ فِي) أي: فمِ (رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ) يقوله لي غير النَّبيِّ ﷺ ، لا لنسخٍ ولا لغيرهِ، واستدلَّ عليه عمر بقولهِ: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿أَوْ نُنسِهَا﴾» بضم النون وكسر السين
стр. 9330
من غير همزٍ، على قراءةِ نافعٍ وابنِ عامرٍ والكوفيين (﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]) والنَّسخ يكونُ على أقسامٍ: ما نُسخَ قراءتهُ وبقيَ حكمهُ، كـ (الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيَا فارجموهُما)، والحكمُ فقط نحو: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] والحكمُ والتِّلاوة نحو: (عشر رضعاتٍ يحرمنَ) والمرادُ هنا الأوَّل والأخير على ما لا يخفى.
والحديثُ مذكور في «تفسير البقرة» [خ¦٤٤٨١].
(٩) (بابُ فَاتِحَةِ الكِتَابِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «باب فضلِ فاتحةِ الكتابِ» قال عليٌّ: لو أردتُ أن أملِي وِقْرَ بعيرٍ على الفاتحةِ لفعلتُ (١).
٥٠٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابنِ عمر بنِ الخطَّابِ (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة، واسمهُ: الحارثُ أو (٢) رافعٌ، ونقلَ عن الحافظِ الدِّمياطيِّ أنَّه قال: الصَّحيح هو الحارثُ بنُ أوسِ بنِ المعلَّى، وما عداهُ باطلٌ، وحينئذٍ فيكون ممَّن نسبَ إلى جدِّه، وهو كثيرٌ من
стр. 9331
فعل النَّسَّابة، فلا يقال: إنَّه خطأ. أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ) لأنَّه ﵊ منعهم من الكلامِ في الصَّلاة ومن قطعهَا، وزادَ في «سورةِ الأنفال»: حتَّى صلَّيتُ ثمَّ أتيتهُ [خ¦٤٦٤٧] (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ) ﵊، وللأَصيليِّ: «فقال»: (أَلَمْ يَقُلِ اللهُ) تعالى: (﴿اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾ [الأنفال: ٢٤]) وحَّد الضَّمير؛ لأنَّ استجابةَ الرَّسول كاستجابتهِ تعالى، والمرادُ بالاستجابةِ الطَّاعة والامتثال، واستدلَّ به على وجوبِ إجابتهِ، وهل تقطعُ الصَّلاة أم لا؟ فيه بحثٌ مرَّ في أول «التَّفسير» (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (أَلَا) بالتخفيف (أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ) أجرًا ومضاعفة في الثَّواب؛ بحسب انفعالاتِ النَّفس وخشيتها وتدبُّرها (قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ) من المسجدِ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمَنَّكَ (١) أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «في القرآنِ» (قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي السُّورة الَّتي أوَّلها ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي) لأنَّها سبعُ آيات، وتثنَّى في كلِّ ركعةٍ، أو من الثَّناء لاشتمالها عليه (وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) واسمُ القرآنِ يقعُ على البعضِ كما يقعُ على الكلِّ، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] يعني: سورة يوسف (٢).
وقد مرَّ الحديثُ في أوَّل «التَّفسير» [خ¦٤٤٧٤] وفي «سورةِ الأنفال» [خ¦٤٦٤٧].
стр. 9332
٥٠٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) هو: ابنُ جريرِ بنِ حازمٍ الأزديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ حسَّان (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرينَ (عَنْ) أخيه (مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة، ابنِ سيرينَ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين، سعدِ بنِ مالكٍ (الخُدْرِيِّ) بالدال المهملة ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا) وعند الدَّارقطني: في سريَّةٍ، ولم يعيِّنها (فَنَزَلْنَا) أي: ليلًا -كما في التِّرمذي- على حيٍّ من أحياءِ العربِ، فاستضافوهُم فأبوا أن يضيِّفوهم، كما عندَ المؤلِّف في «الإجارةِ» [خ¦٢٢٧٦] (فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ) أي: لديغٌ بعقربٍ، ولم تُسمَّ الجاريةُ ولا سيِّد الحيِّ (وَإِنَّ نَفَرَنَا غَيَبٌ) بفتح الغين المعجمة والتحتية، جمع: غائبٍ، كخادمٍ وخدمٍ، وللأَصيليِّ وأبي الوقتِ: «غُيَّب» بضم الغين وتشديد التحتية المفتوحة، كراكعٍ وركَّعٍ (فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟) كقاضٍ يرقيه (فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ) هو أبو سعيدٍ -كما في مسلمٍ- ولا مانعَ من أن يكنِّي الرَّجل عن نفسهِ، فلعلَّ أبا سعيدٍ صرَّح تارةً وكنَّى أخرى، والحملُ على التَّعدد بعيدٌ جدًّا، لا سيَّما مع اتِّحاد المخرجِ والسِّياق والسَّبب (مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ) بنون فهمزة ساكنة فموحدة مضمومة وتكسر فنون؛ أي: ما كنَّا نتَّهمه (بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ) وفي «الإجارة»: فكأنَّما نُشِطَ من عقالٍ [خ¦٢٢٧٦] (فَأَمَرَ لَهُ) سَيِّدُ الحيِّ، ولأبي ذرٍّ: «لنا» (بِثَلَاثِينَ شَاةً) جُعلًا على الرُّقية (وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ) الَّذي رقاه (قُلْنَا لَهُ) مستفهمين منه: (أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟) بفتح التاء وكسر القاف (قَالَ: لَا، مَا رَقَيْتُـ) هـ (إِلَّا بِأُمِّ الكِتَابِ) بفتح القاف بغير ضميرٍ (قُلْنَا: لَا تُحْدِثُوا) بسكون الحاء المهملة بعد ضمٍّ (شَيْئًا) في الثَّلاثين شاة (حَتَّى نَأْتِيَ -أَوْ: نَسْأَلَ- النَّبِيَّ ﷺ ¬) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا) أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا) الجُعْلَ (وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ) أي: بنصيبٍ، فعلهُ تطييبًا لقلوبهم.
فإن قلتَ: ما موضعُ الرُّقية من الفاتحة؟ أُجيب بأنَّ الفاتحة كلَّها رقيةٌ؛ لما اختصَّت بهِ من كونِها مبدأ القرآنِ، وحاويةً لجميعِ علومهِ؛ لاشتمالها على الثَّناء على اللهِ تعالى، والإقرارِ بعبادتهِ، والإخلاصِ لهُ، وسؤالِ الهدايةِ منه، والإشارةِ إلى الاعترافِ بالعجزِ عن القيامِ بنعمهِ، وإلى شأنِ المعادِ، وبيانِ عاقبةِ الجاحدينَ … إلى غيرِ ذلك من السِّرِّ البديعِ والبرهانِ الرَّفيع،
стр. 9333
كما (١) قاله القُرطبيُّ (٢) فيما نقلَهُ في «الفتح».
(وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، عبدُ الله المقعد: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيدٍ ممَّا وصلَه الإسماعيليُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ حسَّان قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِهَذَا … ) الحديث، ومرادُه بسياقهِ التَّصريحُ بتحديثِ مَن عنعن عنهُ في السَّابق.
(١٠) (فَضْلُ البَقَرَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بابُ فضلِ سورةِ البقرة».
٥٠٠٨ - ٥٠٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ مهرانَ الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ يزيدَ النَّخعيِّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبةَ بنِ عمرٍو البدريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ) قال في «المصابيح»: فإن قلتَ: ما هذه الباء الَّتي في قولهِ: «بالآيتينِ»؟ قلتُ: ذهبَ بعضُهم إلى أنَّها زائدة، وقيل: ضمَّن الفعل معنى التَّبرُّك، فعدِّي بالباء، وعلى هذا تقولُ: قرأتُ بالسُّورة، ولا تقول: قرأتُ بكتابك؛ لفوات معنى التَّبرُّك. قاله السُّهيليُّ، ولأبي الوقتِ: «قرأَ الآيتين» بحذف الباء.
قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثنا» بالواو، وفي نسخةٍ: «ح. وحَدَّثنا» (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينةَ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ)
стр. 9334
النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبةَ البدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ) وهما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] … إلى آخرها، (فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) أجزأتا عنه من قيامِ اللَّيل، أو عن قراءةِ القرآنِ مطلقًا، أو من الشَّيطانِ وشرِّه، أو دفعتا عنهُ شرَّ الإنسِ والجنِّ.
وعن ابنِ مسعودٍ من طريقِ عاصمٍ، عن زرٍّ (١)، عن علقمةَ: «من قرأ خاتمةَ (٢) البقرة أجزأتْ عنه قيامَ ليلةٍ»، وعندَ الحاكم وصحَّحه عن النُّعمانِ بن بشيرٍ رفعه: «إنَّ الله كتبَ كتابًا وأنزلَ منهُ آيتين ختمَ بهما سورة البقرة، لا يُقرآن في دارٍ فيقرَبها الشَّيطانُ ثلاثَ ليالٍ»، وزادَ أبو عُبيد من مرسلِ ابن جبيرٍ: «فاقرؤوهُمُا وعلِّموهما أبناءَكُم؛ فإنَّهما قرآنٌ وصلاةٌ ودعاءٌ».
٥٠١٠ - (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بنِ الجهمِ، أبو عمرٍو العبديُّ البصريُّ المؤذِّن، ممَّا وصلهُ الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ إلى عثمان بنِ الهيثمِ، ولم يصرِّحْ فيه المؤلِّف بالتَّحديثِ، وزعمَ ابنُ العربيِّ أنَّه منقطعٌ. قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، ابنُ أبي جَميلة -بالجيم المفتوحة- الأعرابيُّ، العبديُّ، البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقتِ: «النَّبيُّ» (٣) (¬ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ) الفطرِ من (رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو) بسكون الحاء المهملة وضم المثلثة، يقال: حَثَا يَحْثُو وحَثَى يَحْثي؛ أي: يأخذ بكفَّيه (مِنَ الطَّعَامِ) وكان تمرًا (فَأَخَذْتُهُ) أي: الَّذي حثى (فَقُلْتُ) له: (لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَصَّ الحَدِيثَ) بنحو ما سبقَ في «الوكالةِ» [خ¦٢٣١١]
стр. 9335
من قوله: قال: إنِّي محتاجٌ وعليَّ عيالٌ، ولي حاجةٌ شديدةٌ. قال: فخلَّيْتُ عنه فأصبحْتُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «يا أبَا هريرةَ، ما فعلَ أسيرُكَ البارحَةَ؟» قال: قلتُ: يا رسولَ الله، شكا حاجةً شديدةً وعيالًا فرحمتُه، فخلَّيت سبيلهُ، قال: «أما إنَّه قد كذبكَ وسيعودُ» فعرفت أنَّه سيعودُ لقولِ رسول الله ﷺ ، فرصدتُه، فجاء يحثو من الطَّعام فأخذتُه، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ . قال: دعني؛ فإنِّي محتاجٌ وعليَّ عيالٌ لا أعود، فرحمتهُ فخلَّيت سبيلهُ، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرةَ، ما فعلَ أسيركَ؟» قلت: يا رسولَ الله، شكا حاجةً شديدةً وعيالًا، فرحمته فخلَّيت سبيلهُ. قال: «أما إنَّه قد كذبكَ وسيعود» فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطَّعامِ فأخذتُه، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسولِ الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرَّات أنَّك تزعمُ لا (١) تعودُ ثمَّ تعود. قال: دعني أعلِّمك كلماتٍ ينفعكَ الله بها. قلت: ما هي؟ (فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ) أي: أتيتَ (إِلَى فِرَاشِكَ) للنَّوم وأخذتَ مضجعكَ (فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يزل» (مَعَكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ) يحفظكَ (وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَقَالَ) بالواو، وسقطت لأبي الوقتِ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ «فقالَ»: (النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَكَ) بتخفيف الدال، فيما قالهُ في آيةِ الكرسيِّ (وَهْوَ كَذُوبٌ) من التَّتميم البليغ؛ وذلك لأنَّه لمَّا أوهم مدحه بوصفهِ بصفةِ (٢) الصِّدق استدركَ نفيهُ عنه بصيغةِ المبالغةِ؛ أي: صدقكَ في هذا القولِ مع أنَّ عادتهُ الكذبُ المستمرُّ (ذَاكَ شَيْطَانٌ) من الشَّياطين.
(١١) (بابُ فَضْلِ الكَهْفِ) ولأبي الوقتِ: «سورة الكهف» وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 9336
٥٠١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابنِ فرُّوخٍ الحرَّانيُّ الجزريُّ (١)، سكن مصر، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي وفتح الهاء بعدها تحتية ساكنة فرَاءٌ، ابنُ معاويةَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرُو بنُ عبدِ الله السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ) ﵁، وللأَصيليِّ زيادة: «ابنِ عازبٍ» أنَّه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) قيل: هو أسيدُ بنُ حضيرٍ (يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ) لكن (٢) سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا: أنَّ الَّذي كان يقرؤهُ أسيد سورة البقرة [خ¦٥٠١٨] (وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ) بكسر الحاء وفتح الصاد المهملتين، فحلٌ كريمٌ من الخيلِ (مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ) تثنية شَطَن -بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة آخره نون- حبلٌ، ولعلَّه ربط باثنين لشدَّة صعوبتهِ (فَتَغَشَّتْهُ) أي: أحاطت بهِ (سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو) مرَّتين؛ أي: تقربُ منه (وَجَعَلَ فَرَسُهُ) المربوطُ بشطنينِ (يَنْفِرُ) بفتح أوله وكسر الفاء (فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ) ﷺ : (تِلْكَ) الَّتي غشيتك (السَّكِينَةُ) وهي فيما رواهُ الطَّبري وغيره عن عليٍّ: روح هَفَّافَة لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ، وقيل غير ذلك (تَنَزَّلَتْ) بتاء ونون وتشديد الزاي وبعد اللام تاء تأنيث، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «تتنزَّل» بتاءين بلا تاء تأنيث بعد اللام (بِالقُرْآنِ) وللتِّرمذيِّ: «مع القرآن، أو على القرآن».
(١٢) (باب فَضْل سُورَةِ الفَتْحِ) سقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 9337
٥٠١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمةِ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلمَ مولى عمر بن الخطَّاب: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) عند الطَّبرانيِّ (١): أنَّه الحديبية (وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا) ظاهرهُ الإرسال، لكن رواه التِّرمذيُّ من هذا الوجه متصلًا بلفظ: عن أبيهِ سمعت عمر، بل في هذا الحديثِ نفسه ما يدلُّ للاتصال؛ حيث قال فيه: قالَ عمرُ: فحرَّكت بعيري؛ إذ مقتضاهُ أنَّه سمعه يقول ذلك (فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ سَأَلَهُ) ﵊ عمرُ (فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ) بتكرير السُّؤال ثلاثًا لظنِّه أنَّه لم يسمعْه (فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ) بفتح المثلثة وكسر الكاف الأولى، فقدتكَ (أُمُّكَ) دعاءٌ على نفسهِ لما وقعَ منه من الإلحاحِ (نَزَرْتَ) بزاي مخففة في الفرع وتثقل بعدها راء (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ألححْتَ عليهِ وبالغتَ في سؤالهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة (أَنْ يَنْزِلَ) بفتح أوله وكسر الزاي (فِيَّ قُرْآنٌ) بتشديد الياء (فَمَا نَشِبْتُ) بفتح النون وكسر الشين المعجمة؛ أي: فما لبثتُ (أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا) لم يسمَّ (يَصْرُخُ) زاد الأَصيليُّ: «لي» (قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) أي: فردَّ عليَّ السلام (فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) لما فيها من البشارةِ بالفتح والمغفرةِ (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]) أي: قضينَا لكَ قضاء بيِّنًا على أهلِ مكَّة أن تدخلها أنت وأصحابُك من قابلٍ (٢) ليطوفُوا بالبيتِ، من الفَتَاحَة وهي الحُكُومة، أو المرادُ فتحُ مكَّة عِدَةً له بالفتحِ، وجيءَ به على لفظ الماضي؛ لأنَّها في تحققها (٣) بمنزلةِ الكائنة (٤)، وفي ذلك من الفخامةِ والدَّلالة على علوِّ شأن المخبَرِ بهِ ما لا يخفى.
стр. 9338
(١٣) (باب فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) سقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ (فِيْهِ) أي: في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (عَمْرَةُ) بنتُ عبدِ الرَّحمن (عَنْ عائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا طرفٌ من حديث أوَّله: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث رجلًا على سريَّةٍ، فكان يقرأُ لأصحابهِ في صلاتِهم (١) فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وفي آخره: «أخبروهُ أنَّ الله يحبه» وسيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى بعونِ الله وقوَّته في أوَّل «كتابِ التَّوحيد» تامًّا [خ¦٧٣٧٥]. وهذا التَّعليق ثبتَ لأبوي ذرٍّ والوقتِ.
٥٠١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمامُ دارِ الهجرةِ، ابنُ أنسٍ الأصبحيُّ (٢) (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو سعيدٍ الخدريُّ، كما عند أحمد (سَمِعَ رَجُلًا) قيل: هو قتادةُ بنُ النُّعمانِ؛ لأنَّه أخوه لأمِّه، وكانا مُتجاورين، وجزمَ بذلك (٣) ابنُ
стр. 9339
عبدِ البرِّ، فكأنَّه أبهم نفسهُ وأخاه (يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾) كلَّها حال كونه (١) (يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) أبو سعيدٍ (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الَّذي سمعهُ من الرَّجل (لَهُ) ﵊ (وَكَأَنَّ الرَّجُلَ) الَّذي جاء وذكر (يَتَقَالُّهَا) بتشديد اللام؛ أي: يعتقدُ أنَّها قليلةٌ في العملِ لا في التَّنقيصِ. وعند الدَّارقطنيِّ من طريقِ إسحاق بن الطَّباع عن مالكٍ في هذا الحديث: إنَّ لي جارًا يقومُ باللَّيلِ فما يقرأ إلا بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ) باعتبار معانيهِ؛ لأنَّه أحكامٌ وأخبارٌ (٢) وتوحيدٌ، وقد اشتملتْ هي على الثَّالث، فكانتْ ثلثًا بهذا الاعتبارِ، واعترض بأنَّه يلزم منه أن تكونَ آية الكرسيِّ وآخر (٣) الحشرِ كلٌّ منهما ثلثَ القرآن، ولم يردْ ذلك، لكن قال أبو العبَّاس القرطبيُّ: إنَّها اشتملت على اسمينِ من أسماءِ الله تعالى متضمِّنينِ جميعَ أوصافِ الكمالِ، لم يوجدا في غيرها من السُّور، وهما الأحدُ الصَّمد؛ لأنَّهما يدلَّان على أحديَّة الذَّات المقدَّسة الموصوفةِ بجميعِ أوصافِ الكمالِ، وبيان ذلك أنَّ الأحد يشعرُ بوجودهِ الخاص الَّذي لا يشاركهُ فيه غيره، والصَّمد يشعرُ بجميعِ أوصافِ الكمال؛ لأنَّه الَّذي انتهى سؤددهُ، فكان يرجعُ الطَّلب منه وإليهِ، ولا يتمُّ ذلك على وجهِ التَّحقيق إلَّا لمن حازَ جميعَ فضائلِ الكمالِ، وذلك لا يصلحُ إلَّا لله تعالى، فلمَّا اشتملتْ هذه السُّورة على معرفةِ الذَّات المقدَّسةِ كانت بالنسبةِ إلى تمامِ المعرفةِ بصفاتِ الذَّات وصفاتِ الفعل ثلثًا. انتهى.
وقال قومٌ: أي: تعدلُ ثلثَ القرآن في الثَّواب، وضعَّفه ابنُ عقيلٍ فقال: لا يجوز أن يكون المعنى فلهُ أجرُ ثلث القرآنِ، واحتجَّ بحديثِ: «من قرأ القرآنَ فلهُ بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ»، واستدلَّ ابن عبد البرِّ لذلك بقول إسحاقَ بنِ رَاهُوْيَه: ليسَ المرادُ أنَّ من قرأها ثلاثَ مراتٍ كمن (٤) قرأَ القرآن كلَّه، هذا لا يستقيمُ ولو قرأهَا مئتي مرَّة، ثمَّ قال ابنُ عبد البرِّ: على أنِّي أقولُ السُّكوت في هذهِ المسألةِ أفضلُ من الكلامِ فيها وأسلم. انتهى.
وظاهرُ الأحاديث ناطقٌ بتحصيلِ الثَّواب مثل من قرأَ ثلثَ القرآن، كحديثِ (٥) مسلمٍ
стр. 9340
والتِّرمذي: «احشدوا (١)، فسأقرأُ عليكُم ثلثَ القرآنِ، فخرج يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثمَّ قال: ألا إنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ»، وإذا حملناهُ على ظاهرهِ فهل ذلك الثُّلث معيَّن، أو أيُّ ثلثٍ كان منه؟ فيه نظر، وعلى الثَّاني فمَن قرأهَا ثلاثًا كان كمَن قرأَ ختمةً كاملةً.
٥٠١٤ - (وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين بين فتحتين، عبدُ اللهِ بن عمرو المنقريُّ، قاله الدِّمياطيُّ. وقال المزيُّ -كابنِ عساكرٍ-: إنَّه إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ الهذليُّ، وصوَّبه في «الفتح» بأنَّ الحديثَ إنَّما يعرفُ بالهذليِّ، بل لا نعرفُ للمنقريِّ عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ شيئًا، وقد وصله النَّسائي عن إسماعيلَ الهذليِّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بنِ أبي كثيرٍ الأنصاريُّ الزرقيُّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الإمام، وسقط «ابنِ أنسٍ» للأَصيليِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَخِي) لأمي (قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ: «أتى الرَّجل» (النَّبِيَّ ﷺ ، نَحْوَهُ) أي: نحو الحديثِ السَّابق [خ¦٥٠١٣] ولفظهُ عند الإسماعيليِّ: «فقال: يا رسول الله، إنَّ فلانًا قامَ اللَّيلة يقرأُ من السَّحر: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فساق السُّورة يردِّدها لا يزيدُ عليها، وكأنَّ الرَّجل يتقالُّها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّها لتعدلُ ثلثَ القرآن»».
٥٠١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَالضَّحَّاكُ) بالضَّاد المعجمة والحاء المهملة المشددة، ابنُ شراحيلَ، وقيل: شرحبيل (المَشْرِقِيُّ) بفتح الميم وكسر الراء في الفرع، كالدَّارقطنيِّ
стр. 9341
وابنِ ماكولا، وكذا هو عند أبي ذرٍّ، وقيَّده العسكريُّ بكسر الميم وفتح الراء، نسبة إلى مشرقِ بنِ زيدِ بنِ جُشمِ بنِ حاشدٍ، بطنٌ من همدان، وقال: من فتح الميم فقد (١) صحَّف.
قال في «الفتح»: وكأنَّه يشيرُ إلى قولِ ابنِ أبي حاتمٍ: مشرقٌ موضع، وهو بالقاف اتِّفاقًا، وبالفاء تصحيفٌ.
كلاهما أعني: إبراهيمَ والضَّحَّاك (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) وسقط «الخدريِّ» للأَصيليِّ (٢) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بكسر الجيم، من باب ضَرَب يَضْرِب، والهمزة للاستفهام الاستخباريِّ، في «القاموس»: والعُجُوز -بالضم- الضَّعف، والفعل كضَرَبَ وسَمِعَ، فهو عاجزٌ، من عواجزَ (٣) (أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «بثلث» بزيادة الموحدة، ولأبي ذرٍّ وحده: «في ليلتهِ» (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) ﵊: (اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ) وعند الإسماعيليِّ من روايةِ أبي خالدٍ الأحمر عن الأعمشِ: «فقال: يقرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فهي ثلثُ القرآنِ».
قال في «الفتح»: فكأنَّ رواية الباب بالمعنى، ويحتملُ أن يكونَ بعضُ رواتهِ كان يقرؤها كذلك، كما جاءَ أنَّ عمر كان يقرأ: ﴿اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ بغير قل في أولها، أو سمَّى السُّورة بهذا الاسم لاشتمالها على الصِّفتين المذكورتين، وقد قيل في معنى الثُّلث غير ما ذكرَ: أنَّ المرادَ مَن عملَ بما تضمَّنَتْه من الإخلاصِ والتَّوحيد كان كمَن قرأ ثلثَ القرآنِ.
وقال الطِّيبي: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في معنى لا إله إلا الله؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه تعالى وحدَه هو الصَّمد المرجوعُ إليهِ في حوائجِ المخلوقاتِ، ولا صمَدَ سواهُ، ولو صوِّر سواهُ صمد لفسدَ نظامُ العوالم، ومن ثمَّ كرَّر ﴿اللهُ﴾ وأوقعَ ﴿الصَّمَدُ﴾ المعرَّف خبرًا له، وقطعهُ جملة مستأنفة على بيانِ الموجبِ.
стр. 9342
ثانيهما: أنَّ الله هو الأحدُ في الإلهيَّة؛ إذ لو تصوِّر غيره لكان إمَّا أن يكون فوقه فيها، وهو محالٌ، وإليه الإشارة بقوله: ﴿لَمْ يُولَدْ (١)﴾ أو دونه، فلا يستقيم أيضًا، وإليه لمح بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أو مساويًا له، وهو محالٌ أيضًا، وإليه رمز بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ويجوز أن تكون الجملُ المنفيَّة تعليلًا للجملةِ الثَّانية المثبتةِ، كأنَّه لما قيل: هو الصَّمد المعبودُ الخالقُ الرَّازق المثيبُ المعاقبُ ولا صمدَ سواهُ؛ قيل: لِمَ كان كذلك؟ أُجيب: لأنَّه ليس فوقهُ أحدٌ يمنعه من ذلك، ولا مساوٍ يعاونه (٢)، ولا دونه يستقلُّ به، وقد أخرجَ التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاس وأنسِ بن مالكٍ قالا: قال رسولُ الله ﷺ : «﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدلُ نصفَ القرآنِ، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدلُ ثلثَ القرآنِ (٣)، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدلُ ربعَ القرآنِ».
وأخرج التِّرمذيُّ أيضًا، وابنُ أبي شيبةَ، وأبو الشَّيخ من طريقِ سلمةَ بنِ وردان عن أنسٍ: «الكافرون والنَّصر تعدلُ كلٌّ منهما ربع القرآنِ، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدلُ ربعَ القرآنِ»، زاد ابنُ أبي شيبةَ وأبو الشَّيخ: «وآية الكرسيِّ تعدلُ ربعَ القرآنِ».
قال في «الفتح»: وهو حديثٌ ضعيفٌ لضعفِ سلمة، وإنْ حسَّنه التِّرمذيُّ، فلعلَّه تساهلَ فيه لكونهِ في فضائلِ الأعمالِ، وكذا صحَّحه الحاكم من حديثِ ابن عبَّاس، وفي سندهِ يمانُ بنُ المغيرةَ، وهو ضعيفٌ عندهم. انتهى.
وأبدى القاضِي البيضاوي الحكمةَ فقال: يحتملُ أن يقال: المقصودُ الأعظمُ بالذَّات من القرآنِ بيان المبدأ والمعادِ، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ مقصورةٌ على ذكرِ (٤) المعاد مستقلَّة ببيانِ أحوالهِ، فتعادِلُ نصفَهُ، وأمَّا ما جاء أنَّها ربعهُ فلأنَّه يشتملُ على تقريرِ التَّوحيد، والنُّبوَّات، وبيانِ أحكامِ المعاشِ، وأحوالِ المعاد، وهذه السُّورة مشتملةٌ على القسمِ الأخيرِ، وأمَّا الكافرونَ فمحتويةٌ على القسمِ الأوَّل منها؛ لأنَّ البراءة عن الشِّرك إثباتٌ للتَّوحيدِ، فيكون كلُّ واحدٍ منهما كأنَّه ربع.
стр. 9343
فإن قلتَ: هلَّا حملوا المعادلة على التَّسوية في الثَّواب على المقدارِ المنصوصِ عليهِ؟ أُجيب بأنَّه منعهُم من ذلك لزومُ فضلِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ على سورةِ الإخلاص، والقولُ الجامعُ فيه ما ذكرهُ الشَّيخ التُّوْرِبِشتي ﵀ في «شرح المشكاة» من قوله: نحنُ وإن سلكنَا هذا المسلك بمبلغِ علمنا نعتقدُ ونعترفُ أنَّ بيانَ ذلك على الحقيقةِ إنَّما يتلقَّى من قبلِ الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنَّه (١) هو الَّذي يُنتهى إليه في معرفةِ حقائقِ الأشياء والكشفِ عن خفيَّاتِ العلومِ، فأمَّا القول الَّذي نحنُ بصددهِ ونحومُ حولَه على مقدارِ فهمنا؛ فهو (٢) وإن سلم من الخللِ والزَّلل لا يتعدَّى عن ضربٍ من الاحتمالِ، نقلهُ الطِّيبي في «شرح المشكاة».
(قَالَ الفَِرَبْرِيِّ) أبو عبدِ اللهِ محمَّد بن يوسفَ بنِ مطرِ بنِ صالحٍ: (سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ) بالحاء المهملة والفوقية (وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللهِ) محمَّد بنِ إسماعيلَ البخاريِّ؛ أي: كاتبهُ الَّذي كان يكتب له (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ، عن أبي سعيدٍ (مُرْسَلٌ) أي: منقطعٌ (وَعَنِ الضَّحَّاكِ المَشْرِقِيِّ) بفتح ميم «المشرقي» وكسر الراء لأبي ذرٍّ، قال اليونيني: وقد اختلفَ فيه الحفَّاظ (مُسْنَدٌ) ظاهره أنَّ المؤلِّف كان يطلق على المنقطعِ لفظ المرسل، وعلى المتَّصل لفظَ المسند، والمشهورُ في الاستعمالِ أنَّ المرسل ما يضيفه التَّابعيُّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، والمسندُ ما يضيفهُ الصَّحابي إلى النَّبيِّ ﷺ ، بشرط أن يكون ظاهر الإسنادِ إليه الاتصال، وثبتَ: «قال الفَِرَبْرِيِّ … » إلى آخر (٣) قوله: «أبي عبد الله» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره «قال أبو عبد الله … » إلى آخره (٤).
(١٤) (باب (٥) فَضْلِ المُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو، وثبتَ لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.
стр. 9344
٥٠١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظمُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى) أي: مرض (يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ) الثَّلاث: الإخلاصُ والفلقُ والنَّاس، وفي حديثِ ابني حبَّان وخزيمةَ وأحمدَ تعيينهنَّ، وأطلقَ على الأولى لما اشتملَتْ عليه من صفةِ الرَّب تعالى، وخصَّ المستعاذَ منه في الثَّانية بما خلق، فابتدأ بالعامِّ في قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] ثمَّ ثنَّى بالعطفِ في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ [الفلق: ٣] لأن انبثاثَ (١) الشَّرِّ فيه أكثر، والتحرُّز منه أصعبُ، ووصفُ المستعاذَ به في الثَّالثة بالرَّبِّ، ثمَّ بالملكِ، ثمَّ بالإلهِ، وأضافهَا إلى النَّاس وكرَّره، وخصَّ المستعاذَ منه بالوسواسِ المعني بهِ الموسوس من الجنَّة والنَّاس، فكأنَّه قيل -كما قال الزَّمخشري-: أعوذُ من شرِّ الموسوس (٢) إلى النَّاس بربِّهم الَّذي يملكُ عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيثُ بعضُ الموالي إذا اعتراهم خطبٌ بسيِّدهم، ومخدومهم، ووالي أمرهم (وَيَنْفُثُ) بضم الفاء بعدها مثلثة؛ أي: يخرجُ الرِّيح من فمهِ في يدهِ مع شيءٍ من ريقهِ، ويمسحُ جسدهُ الشَّريف
стр. 9345
المقدَّس (فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ) في مرضهِ الَّذي توفِّي فيهِ (كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ) المعوِّذات (وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ) على جسدهِ (رَجَاءَ بَرَكَتِهَا) وكذا كان ﵊ يقرأ بهنَّ على نفسهِ (١).
٥٠١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقطَ لأبي ذرٍّ «ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ) بضم الميم وفتح الفاء والضاد المعجمة المشددة (بْنُ فَضَالَةَ) بنِ عبيدِ بنِ ثمامةِ، أبو معاويةَ الرُّعينيُّ، القِتْباني -بكسر القاف وسكون الفوقية وبعدها موحدة- المصريُّ، قاضِي مصر، فاضلٌ، عابدٌ، مجابُ الدَّعوة، ثقةٌ، أخطأَ ابنُ سعدٍ في تضعيفهِ (٢)، وثبت: «ابنُ فضالةَ» للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ، وهو بفتح الفاء (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبيرِ بنِ العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ) للنَّوم وأخذَ مضجعهُ (كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا).
قال المظهريُّ: الفاء للتَّعقيب، وظاهره يدلُّ على أنَّه ﷺ نفثَ في كفَّيهِ أولًا ثمَّ قرأ، وهذا لم يقلْ بهِ أحدٌ، وليس فيه فائدةٌ، ولعلَّ هذا سهوٌ من الكاتبِ أو من راوٍ؛ لأنَّ النَّفث ينبغي أن يكون بعد التِّلاوة؛ ليوصلَ بركة القرآنِ واسم الله تعالى إلى بشرةِ القارئ أو المقروءِ له. انتهى.
وتعقَّبه الطِّيبي فقال: من ذهبَ إلى تخطئةِ الرُّواة الثِّقات العدولِ، ومن اتَّفقت الأمَّة على صحةِ روايتهِ وضبطهِ وإتقانهِ بما سنحَ لهُ من الرَّأي الَّذي هو أوهنُ من بيتِ العنكبوتِ؛ فقد خطأ نفسهُ، وخاضَ فيما لا يعنيهِ، هلَّا قاسَ هذه الفاء على ما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على أنَّ التَّوبة عينُ القتلِ، ونظائرهُ (٣) في كلامِ اللهِ تعالى العزيز غيرُ عزيزٍ، والمعنى: جمع كفَّيه، ثمَّ عزمَ على النَّفث فيهما فقرأ فيهما،
стр. 9346
أو لعلَّ السِّرَّ في تقديمِ النَّفث على القراءةِ مخالفة السَّحرة البَطَلة، على أنَّ أسرارَ الكلامِ النَّبويِّ جلَّت عن أن تكون مَشْرِعَ كل واردٍ، وبعضُ من لا يدَ لهُ في علم المعاني لمَّا أرادَ التَّقصي عن الشُّبهة تشبَّث بأنَّه جاء في «صحيح البخاري» بالواو، وهي تقتضِي الجمعيَّة لا التَّرتيب، وهو زورٌ وبهتانٌ؛ حيث لم أجدْ (١) فيهِ، وفي كتابِ الحميدي، و «جامع الأصول» إلَّا بالفاء. انتهى.
وقد ثبت في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يقرأ» بلا فاء ولا واو فيهما (﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا) أي: يبدأ بالمسح بيديه (عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
قال في «شرح المشكاة»: قوله: يبدأ، بيان لجملةِ قوله: يمسحُ بهما ما استطاعَ، لكن قوله: «ما استطاعَ من جسدهِ»، وقوله: «يبدأ»، يقتضيانِ أن يقدِّر يبدأ بهما على رأسهِ ووجههِ وما أقبلَ من جسدهِ، ثمَّ ينتهي إلى ما أدبرَ من جسدهِ، وروايةُ عقيلٍ، عن ابنِ شهاب هذه، وإن اتَّحد سندها بالسَّابقة [خ¦٥٠١٦] لكن فيها أنَّه كان يقرأ بالمعوِّذات عند النَّوم، فهي مغايرةٌ لحديثِ مالك السَّابق [خ¦٥٠١٦] فالَّذي يترجَّح أنَّهما حديثانِ عن ابنِ شهابٍ بسندٍ واحدٍ. قاله في «الفتح».
(١٥) (باب نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالمَلَائِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «قراءة» وله في روايةٍ: «عند القراءةِ».
стр. 9347
٥٠١٨ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام، فيما وصلهُ أبو عُبيد في «فضائل القرآن» عن يحيى ابنِ بكيرٍ، عن اللَّيث بالإسنادين الآتيين قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ ابْنُ الهَادِ) بلا ياء، هو: ابنُ أسامةَ بنِ عبدِ الله بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ، التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بضم الهمزة، و «حُضَيْر»: بالحاء المهملة والضاد المعجمة وتصغيرهما، ومحمد بن إبراهيم (١) لم يدركْ أسيدًا، فروايتهُ عنهُ (٢) منقطعةٌ، لكن الاعتمادَ في وصلِ الحديثِ على السَّند الآخر (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ) أي: أُسيد (يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ) في السَّابقة [خ¦٥٠١١]: سورة الكهف، فيحتملُ التَّعدد (وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ) بالتَّذكير، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مربوطةٌ» (عِنْدَهُ) بالتأنيث، والقياسُ الأوَّل لأنَّه مذكَّر (إِذْ جَالَتِ الفَرَسُ) بالجيم؛ أي: اضطربتْ شديدًا (فَسَكَتَ) عن القراءةِ (فَسَكَنَتْ) أي: الفرسُ عن الاضطرابِ (فَقَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ) (٣) سقطَ لفظ «الفرسُ» لأبي ذرٍّ (فَسَكَتَ، وَسَكَنَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ، فَانْصَرَفَ) أُسَيدٌ (وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى) في ذلك الوقت (قَرِيبًا مِنْهَا) من الفرسِ (فَأَشْفَقَ) خافَ أُسَيدٌ (أَنْ تُصِيبَهُ) أي: ابنَه يحيى (فَلَمَّا اجْتَرَّهُ) بالجيم وتشديد الراء؛ أي: اجترَّ أسيدٌ ابنه يحيى من المكانِ الَّذي هو فيه حتَّى لا يصيبَهُ الفرس (رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) أسيد (حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بذلك (فَقَالَ لهُ) ﵊: (اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ) مرَّتين، وليس أمرًا بالقراءةِ حالة التَّحديث، بل المعنى: كان ينبغِي لكَ أن تستمرَّ على قراءتكَ، وتغتنمَ ما حصلَ لك من نزولِ السَّكينة والملائكة، وتستكثِرَ من القراءةِ الَّتي هي سببُ بقائها، قاله النَّوويُّ.
قال الطِّيبي: يريدُ: أن «اقرأ»، لفظه أمرٌ وطلبٌ للقراءةِ في الحالِ، ومعناه تحضيضٌ وطلبٌ للاستزادةِ في الزَّمان الماضي؛ أي: هلَّا زدت (٤)، وكأنَّه ﷺ استحضرَ تلكَ الحالة العجيبةِ الشَّأن، فأمره تحريضًا عليه، والدَّليل على أنَّ المرادَ من الأمرِ الاستزادةُ وطلبُ دوامِ القراءة،
стр. 9348
والنَّهيُ عن قطعها قوله: (قَالَ: فَأَشْفَقْتُ) أي: خفتُ (يَا رَسُولَ اللهِ) إن دمتُ على القراءةِ (أَنْ تَطَأَ) الفرسُ ابني (يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا) أي: من الفرسِ (قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ) وللأَصيليِّ: «وانصرفتُ» (إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام، قال ابنُ بطَّال: هي السَّحابة كانت فيها الملائكة ومعها السَّكينة، فإنَّها تنزلُ أبدًا مع الملائكة.
(فِيهَا) في الظُّلَّة (أَمْثَالُ المَصَابِيحِ) وفي روايةِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ: «أمثال السُّرُج» (فَخَرَجَتْ) بالخاء والجيم كذا لجميعهم، قال عياضٌ: وصوابهُ: فعرجت -بالعين- (حَتَّى لَا أَرَاهَا) وعند أبي (١) عبيد: عرجَتْ إلى السَّماء حتَّى ما يَراها (قَالَ) ﵊: (وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: تِلْكَ المَلَائِكَةُ دَنَتْ) أي: قربت (لِصَوْتِكَ) وكان أسيدٌ حسنَ الصَّوت، وفي روايةِ يحيى ابن أيوبٍ، عن يزيدَ بنِ الهادِ عند (٢) الإسماعيليِّ: «اقرأْ أُسيد، فقد أوتيتَ من مزاميرِ آل داود» ففيه إشارةٌ إلى الباعثِ على استماعِ الملائكة لقراءتهِ (وَلَوْ قَرَأْتَ) أي: ولو دمتَ على قراءتكَ (لأَصْبَحَتْ) أي: الملائكةُ (يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى) لا تستترُ (مِنْهُمْ) وعند أبي عُبيد من روايةِ ابنِ أبي ليلى عن أُسيدٍ: «لرأيتَ الأعاجيبَ».
(قَالَ ابْنُ الهَادِ) فيما وصلهُ أبو نُعيم عن أبي بكرِ بنِ خلَّادٍ، عن أحمدَ بنِ إبراهيمَ بنِ ملحانِ، عن يحيى ابنِ بكيرٍ، عن اللَّيثِ، عن ابنِ الهادِ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (هَذَا الحَدِيثَ) السَّابق (عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، مولى بني عديِّ بن النَّجار (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، وهذا موصول فالاعتمادُ عليه.
قال في «الفتح»: وجاء عن اللَّيث فيه إسنادٌ ثالثٌ، أخرجه النَّسائيُّ من طريقِ شعيب بن اللَّيث وداود بن منصورٍ؛ كلاهما عن اللَّيث، عن خالدِ بنِ يزيد، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن يزيدَ ابنِ الهادِ بإسناده هذا السَّابق فقط.
стр. 9349
(١٦) (باب مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) شيئًا (١) (إِلَّا مَا) جمعهُ الصَّحابة من القرآنِ (بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) بفتح الدال والفاء المشددة؛ أي: اللَّوحين، ولم يفتهُم منه شيءٌ بذهابِ حملتهِ، ولم يكتموا منه شيئًا، خلافًا لما ادَّعته الرَّوافض؛ لتصحيحِ دعواهمُ الباطلة: أنَّ التَّنصيص على إمامةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، واستحقاقهِ للخلافةِ كان ثابتًا عند موتِ النَّبيِّ ﷺ في القرآنِ فكتموهُ.
٥٠١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينةَ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء، الأسديِّ المكِّيِّ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى المهملة، و «مَعْقِل»: بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، الأسديُّ الكوفيُّ، التَّابعيُّ الكبير (عَلَى (٢) ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁¬) وعن أبيهِ (فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ) مستفهمًا له (٣): (أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد موتهِ (مِنْ شَيْءٍ؟) زاد الإسماعيليُّ: «سوى القرآن» (قَالَ) ابنُ عبَّاس مجيبًا له: (مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) وللإسماعيليِّ: «اللَّوحين» بدل الدَّفَّتين؛ أي: لم يدع من القرآنِ إلا ما (٤) يُتلى (قَالَ) ابنُ رُفيعٍ: (وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ) عن ذلك أيضًا (فَقَالَ: مَا تَرَكَ) ﵊ (إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) ولا يردُ على هذا حديثُ عليٍّ السَّابق في «العلمِ»: ما عندنا إلَّا كتابُ الله، وما في هذه الصَّحِيفة [خ¦١١١] لأنَّه أراد الأحكامَ الَّتي كتبها عنه ﷺ ، ولم ينفِ أنَّ عندهُ أشياءَ أُخر من الأحكامِ لم يكن كتمَهَا (٥)، ونفي ابن عبَّاس وابن الحنفيَّة واردٌ على ما يتعلَّق بالنَّص في القرآن من إمامةِ عليٍّ، واستدلَّ المؤلِّف ﵀ على بطلانِ مذهبِ الرَّافضة بمحمَّد ابنِ الحنفيَّة أحدِ أئمتهم في دعواهُم وهو: ابنُ عليٍّ، وبابنِ
стр. 9350
عبَّاس ابن عمِّه وأشدُّ النَّاس له لزومًا، فلو كان شيءٌ ممَّا ادَّعوه لكانا أحقَّ النَّاس بالاطلاعِ عليه، ولما وسعهمَا كتمانه، فلِلَّهِ درُّ المؤلِّف ما أدقَّ نظرَه وألطفَ إشارتَه ﵀.
(١٧) (باب فَضْلِ القُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الكَلَامِ) هذه التَّرجمة -كما نبَّه عليه في «الفتح» - لفظُ حديث أخرج التِّرمذيُّ معناه بسندٍ رجالهُ ثقاتٌ إلَّا عطيَّة الكوفيَّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقولُ الرَّب : من شغلهُ القرآنُ عن ذِكري ومسألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعْطي السَّائلين، وفضلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفضلِ اللهِ على خلقهِ» أي: من شغلهُ القرآنُ عن الذِّكرِ والمسألة اللَّذين ليسا في القرآنِ كالدَّعوات، والدَّليل عليه التَّذييل بقولهِ: «وفضلُ كلامِ الله … » إلى آخره.
وقال المظهريُّ: ينبغي أن (١) لا يظنَّ القارئُ أنَّه إذا لم يطلُبْ من اللهِ حوائجهُ لا يعطيهِ أكمل الإعطاءِ؛ فإنَّه من كان لله كان اللهُ له.
وعن العارفِ أبي عبدِ اللهِ بن خفيف -قدَّس الله سرَّه-: شغلُ القرآنِ القيامُ بموجباتهِ من إقامةِ فرائضهِ والاجتنابِ عن محارمه، فإن الرَّجل إذا أطاعَ الله فقد ذكرهُ، وإن قلَّ صلاتَه وصومَه، وإن عصاهُ نسيهُ، وإن كثَّر صلاتَه وصومَه.
وعند ابن الضُّريس من طريقِ الجرَّاح بنِ الضَّحَّاك، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن أبي عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيِّ (٢)، عن عثمان رفعهُ: «خيركُم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمه» ثمَّ قال: «وفضلُ القرآنِ على سائرِ الكلامِ كفضلِ الله على خلقِهِ وذلك أنَّه منه»، وقد بيَّن العسكريُّ أنَّ هذه الزِّيادة من قولِ أبي عبدِ الرَّحمن السُّلَميِّ.